← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بالإعادة، ولم يقتصر على أمره بغسل المتروك، ورجح الكحلاني أن المراد من الوضوء اللغوي أي أن يغسل ما تركه، وسماه إعادة باعتبار ظن المتوضئ، قال: «وفي الحديث دليل على أن الجاهل والناسي حكمهما في الترك حكم العامد»، والذي يظهر لي أن يحمل لفظ الوضوء على الشرعي، ولا يتناول الحديث العاجز والناسي كما قال ابن تيمية في (المجموع ٢١/ ١٣٦) عن هذا الحديث، بعد أن نصر مذهب مالك في وجوب الموالاة مع الذكر والقدرة: «فهذه قضية عين، والمأمور بالإعادة مفرط، لأنه كان قادرا على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل غيرها، وإنما بإهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة، نظير الذين كانوا يتوضؤون وأعقابهم تلوح فناداهم بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار،،،».

стр. 702

• قوله: ٢٤ - «وإن ذكر مثل المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين؛ فإن كان قريبا؛ فعل ذلك ولم يعد ما بعده، وإن تطاول؛ فعل ذلك لما يستقبل، ولم يعد ما صلى قبل أن يفعل ذلك». من نسي ما ليس بواجب؛ فإنه يفعله وحده لما يستقبل، ولا يعيد الصلاة، فإن تعمد ترك ما هو سنة من الوضوء؛ فإنه يفعلها، ويعيد الصلاة استحبابا، وقد فرقوا بين من تعمد ترك سنة من الصلاة، ومن تعمد تركها من الوضوء بانحطاط رتبة الوسيلة عن المقصد، ولأنه جرى في بطلان تارك السنة من الصلاة خلاف، هكذا قالوا، لكن ينبغي القول أيضا بأن هذا التنظير قد يستقيم عند الاتفاق على كون هذا سنة في الوضوء، وهذا سنة في الصلاة.

стр. 703

• قوله: ٢٥ - «ومن صلى على موضع طاهر من حصير، وبموضع آخر منه نجاسة؛ فلا شيء عليه، والمريض إذا كان على فراش نجس؛ فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا، ويصلى عليه». المطلوب من المصلي أن يكون كل من بدنه وثوبه ومصلاه طاهرا، وإن تيسر له أن يكون محيطه طاهرا فهذا خير، لكنه إنما يشترط طهارة ما تماسه أعضاؤه في مصلاه، أو ما كان محمولا له كطرف عمامته وإن لم تماسه، لكونها تتحرك بحركته، بخلاف الحصير ونحوه مما يعتبر كالأرض إذا كان في بعض أجزائه نجاسة لم تماسها أعضاؤه؛ فإن ذلك لا يضره، وإنما نص على الحصير لأنه يمكن أن يقال إن تنجسه ولو لم يباشره المصلي يؤثر خللا في صلاته، أما ما ذكره من صحة صلاة المريض إذا بسط الثوب الطاهر على الفراش النجس؛ فإنه لا يختص به، ولكنه لما كان أحوج إلى مثل ذلك نص عليه.

стр. 704

• قوله: ٢٦ - «وصلاة المريض إن لم يقدر على القيام؛ صلى جالسا إن قدر على التربع، وإلا فبقدر طاقته، وإن لم يقدر على السجود؛ فليومئ بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يقدر صلى على جنبه الأيمن إيماء، وإن لم يقدر إلا على ظهره؛ فعل ذلك، ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله، وليصلها بقدر ما يطيق». الصلاة إما نافلة أو مكتوبة، فإن كانت نافلة: فإن القيام فيها ليس بلازم، بيد أن أجر المصلي الجالس على النصف من أجر القائم، كما قال النبي ﷺ في ما رواه البخاري والترمذي (٣٧١) عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدا، فقال: «إن صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا؛ فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما؛ فله نصف أجر القاعد»، وكون صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم هو في الموطإ (٣٠٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا الحديث إن حمل على أن المتنفل مخير بين هذه المراتب الثلاثة بما فيها الاضطجاع؛ فقد استشكله معظم أهل العلم. أما المكتوبة؛ فلا بد فيها من القيام، إلا إذا عجز المكلف عنه، فإنه يأتي بما يستطيع، والمشهور أنه لا ينتقل إلى الجلوس إلا إذا لم يمكنه القيام مستندا، فيجلس بغير استناد، ثم يجلس مستندا، ويكون في جلوسه متربعا إن أمكنه، وإلا بحسب استطاعته، ويركع ويسجد من جلوس، ويغير جلوسه بين السجدتين، وإلا يمكنه الركوع والسجود التامان أومأ للسجود أخفض من الركوع، فإن لم يمكنه ذلك صلى مضطجعا على جنبه الأيمن، وجهه إلى القبلة، وإلا صلى مستلقيا على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، ويومئ بما يستطيع، والقول بالترتيب بين الاستناد وعدمه متجه، لأن الأصل قيام المصلي استقلالا، فإن عجز عنه فعل

стр. 705

مستطاعه منه، وهو الاستناد، وهكذا في الجلوس، وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري (١١١٧)، وهذا لفظه، والترمذي (٣٧٢) عن عمران بن حصين قال: «كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، والبواسير جمع باسور؛ هو ورم في باطن المقعدة، وشرط عدم القدرة على القيام لجواز الانتقال إلى القعود إنما هو في المكتوبة لا النفل، فيجوز ذلك فيه ابتداء، والمشروع لمن صلى جالسا أن يتربع، ويغير جلسته بين السجدتين على الأصل، وقد كان ابن عمر يتربع، إذ روى البخاري (٨٢٧) عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عبد الله أنه أخبره أنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄ يتربع في الصلاة إذا جلس،،،» الحديث، وإن عجز المريض الذي يصلي جالسا عن السجود أومأ له أخفض من الركوع. ولا يسوغ للمصلي أن يؤخر الصلاة عن وقتها لعجزه عن الإتيان بها على كمالها كعجزه عن القيام أو عن الركوع أو غيره من هيئاتها، فإن الأوامر تؤدى بحسب الاستطاعة ولا تسقط إلا بالعجز التام عنها، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولقول النبي ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»، وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحِجر: ٩٩]، واليقين هنا الموت، قال ابن كثير ﵀: «ويستدل بهذه الآية الكريمة على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلي بحسب حاله،،،، ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد، وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة وإنما المراد باليقين هنا الموت كما قدمناه»، وقال تعالى عن نبيه عيسى ﵊: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].

стр. 706

• قوله: ٢٧ - «وإن لم يقدر على مس الماء لضرر به، أو لأنه لا يجد من يناوله إياه؛ تيمم، فإن لم يجد من يناوله ترابا؛ تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا، أو عليه طين، فإن كان عليه جص أو جير؛ فلا يتيمم به». دليل ما ذكره قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، والمريض الذي فقد من يناوله الماء؛ هو في حكم فاقد الماء، أو فاقد القدرة على استعماله، ومن تراجم البخاري «التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوات الصلاة، وبه قال عطاء، وقال الحسن في المريض عنده الماء، ولا يجد من يناوله: يتيمم»، وهكذا إذا لم يجد من يناوله التراب، فإنه يتيمم على الحائط إذا كان لم تدخله الصنعة، بحيث يصدق عليه أنه من جملة الصعيد الذي يشرع التيمم عليه، لكن قيد عدم وجود من يناوله التراب؛ إنما هو من باب الأفضلية لا غير، لجواز التيمم على غير التراب من الصعيد كما مر، لأن الحائط الذي بهذه الصفة؛ يجوز التيمم عليه للقادر على غيره على الصحيح، أما الجدر التي داخلتها الصنعة فلا يصح التيمم بها، لأنها ليست من الصعيد، ولا دلالة على جواز التيمم عليها في حديث ابن عباس قال: «أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحرث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ حتى أتى على جدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد السلام»، رواه الشيخان (خ ٣٣٧) وأبو دود (٣٢٩)، فالظاهر حمل الجدر على ما كانت عليه يومئذ، من كونها مبنية باللبن الذي لا يخرج عن الصعيد بالصنعة، لكن قد يقال لم ترك النبي ﷺ التيمم على التراب والأرض يومئذ لم تكن مغطاة؟، وقد يجاب بأن هذه واقعة حال، ولا

стр. 707

ندري ما حال الأرض التي كان فيها، مما قد يكون مانعا له من التيمم عليها، على أنه قد جاء في بعض الروايات أنه حت الحائط، فإذا صحت فذاك، وإلا فلا تصح هنا قاعدة ترك الاستفصال كما هو قول بعض، لأن تلك القاعدة تكون في الأقوال، وهذه واقعة فعل، أما أن التيمم رخصة للتسهيل؛ فينبغي ترك الحديث على ظاهره ليشمل كل ما يصدق عليه أنه جدار؛ فهو معارض بكون التيمم إنما شرع على الصعيد حتى اختلف الناس هل هو خاص بالتراب أو يشمل غيره مما هو على وجه الأرض من الحجارة والرمل، والتمسك بمسمى الجدار في اللغة يجعل التيمم سائغا على كل الجدر، لا فرق بين جدر الخشب والزجاج والحديد والنحاس والبلاستيك، فهل قال بهذا بعض من تقدم؟، الله أعلم.

стр. 708

• قوله: ٢٨ - «والمسافر يأخذه الوقت في طين خضخاض، لا يجد أين يصلي، فلينزل عن دابته، ويصلي فيه قائما يومئ بالسجود أخفض من الركوع، فإن لم يقدر أن ينزل فيه؛ صلى على دابته إلى القبلة». هذا لا يخرج عما في هذه الشريعة من التخفيف والتيسير، وأن ما تعسر من المطلوبات لا يسقط المتيسر منها، فمن كان راكبا في سفر، وخاف خروج الوقت، وخشي تلطخ ثيابه في الخضخاض وهو الطين الجاري، فإن أمكنه النزول نزل وصلى قائما يركع، ويومئ للسجود أخفض من الركوع بيديه كما تقدم، وينوي الجلوس بين السجدتين قائما، وكذلك جلوس التشهد، فإن لم يمكنه النزول أصلا كأن خاف الغرق، أو اللصوص والسباع؛ صلى على دابته موقفة إن أمكن ويتجه إلى القبلة، يومئ بالركوع، وإنما خص المؤلف السفر لأنه الغالب على مثل هذا، فالحضر مثله إن وقع ذلك فيه. وقد روى الترمذي (٤١١)، - وقال غريب - عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه عن جده؛ أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فانتهوا إلى مضيق، فحضرت الصلاة، فمطروا: السماء من فوقهم، والبلة أسفل منهم، فأذن رسول الله ﷺ وهو على راحلته، وأقام - أو أقام - فتقدم على راحلته فصلى بهم، يومئ إيماء: يجعل السجود أخفض من الركوع»، والحديث وإن كان ضعيف الإسناد فهو موافق لقواعد الشريعة من أن التقوى بحسب الاستطاعة.

стр. 709

• قوله: ٢٩ - وللمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به، إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة، وليوتر على دابته إن شاء، ولا يصلي الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض، إلا أن يكون إن نزل صلى جالسا إيماء لمرضه؛ فليصل على الدابة بعد أن توقف له، ويستقبل بها القبلة». من أحكام السفر - لكونه مظنة التخفيف - جواز صلاة النافلة فيه على الدابة، وعدم لزوم توجه مصلي النافلة على الدابة إلى القبلة، بل يجوز له أن يصلي إلى الجهة التي تتجه إليها دابته، بشرط أن يكون سفرا تقصر فيه الصلاة، وقد تقدم بيان ذلك من حيث المسافة ومدة الإقامة، ومما يجوز له صلاته على دابته الوتر، وإنما نص عليه المؤلف لكونه أوكد النوافل، وقد نص على صلاته على الدابة، فاستدل بمشروعية صلاته فوق الدابة على عدم وجوبه، لأن الفريضة لا تصلى على الدابة اختيارا، ودليل التنفل على الدابة حديث عامر بن ربيعة قال: «رأيت رسول الله ﷺ وهو على راحلته يسبح: يومئ برأسه قبل أي وجهة توجه، يوتر عليها، ولم يكن يصنع ذلك في المكتوبة»، رواه البخاري ومسلم، وتقييد ذلك بسفر القصر مأخوذ من كونه مظنة الترخيص، ولأن صلاة النبي ﷺ النافلة على الدابة إنما جاءت في أسفاره، ولم ينقل عنه أنه سافر سفرا قصيرا فصنع ذلك، ذكر نحوا من هذا الحافظ في الفتح، في باب ينزل للمكتوبة. وروى مالك في الموطإ (٣٥١) عن عبد الله بن عمر قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي وهو على حمار، وهو متجه إلى خيبر»، وروى أيضا عنه: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي على راحلته في السفر حيث توجهت به»، وحمل بعض أهل العلم على هذا قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].

стр. 710

• قوله: ٣٠ - «ومن رعف مع الإمام؛ خرج فغسل الدم، ثم بنى ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة، ولا يبن على ركعة لم تتم بسجدتيها وليلغها». اعلم أن هذا الباب مبني على ثلاثة أمور: أولها: نجاسة الدم، وهو ما عليه الجمهور، مع التفريق بين قليله وكثيره، لكن ما ستراه يدل على شيء من الاضطراب في تطريد كونه نجسا. والثاني: صحة الصلاة مع الفعل اليسير كما دل عليه حديث ذي اليدين، بضميمة. الثالث: وهو ما ورد عن السلف من البناء في حال الرعاف منهم ابن عمر وجاء مرفوعا عن ابن عباس عند الدار قطني ولم يصح. من ذلك ما رواه مالك في الموطإ (٧٦) عن نافع عن ابن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم»، ومثله عن سعيد ابن المسيب. وقال ابن العربي في القبس: «ليس في المذهب أشكل منها، وليست من المسائل التي يعوّل عليها». وفي الموطإ (٧٧) أيضا أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يرعف فيخرج فيغسل الدم عنه، ثم يرجع فيبني على ما قد صلى»، وهذا صريح في أنه ليس الوضوء الشرعي، وقد حمل الوضوء في أثر ابن عمر وسعيد على غسل الدم، لا على الوضوء المعتاد، لكن ابن عمر معدود فيمن يرى إيجاب الوضوء من الرعاف إذا كان الدم ظاهرا سائلا كما أشار إليه ابن عبد البر معتمدا على جمع ابن عمر بين المذي والرعاف والقيء في سياق واحد، قال رواه عبد الرزاق في مصنفه عنه، ولم أقف عليه. وروى ابن أبي شيبة عنه قوله: «من رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ، فإن لم يتكلم بنى على صلاته، وإن تكلم استأنف الصلاة» (الاستذكار: ١/ ٢٢٨ و ٢٢٩).

стр. 711

والذي يظهر أن ما يذكره بعض أهل العلم دليلا على نجاسة الدم لا ينتج المطلوب، وبناء عليه يكون انصراف الراعف لا لنجاسة الدم، بل لما في ذلك من تلطيخ ثيابه، أو تلويث المسجد، والفرق واضح بين الأمرين، والله أعلم. والرعاف سيلان الدم من الأنف، يقال رعف يرعف بفتح العين فيهما، وضمها في المضارع أيضا، والراعف في المذهب لا يخلو من حالين، أن يسيل دمه ويقطر بحيث لا يمكن فتله، وتجفيفه بأنامله، أو يكون قليلا، فالأول إن كان إماما أو مأموما استحب له أن يخرج لغسل الدم ثم يعود لصلاته فيبني على ما صلى، إذا توفرت الشروط الآتي ذكرها، ولا يبني إلا على ركعة تامة بسجدتيها، وهذا هو المشهور، وقيل يبني على ما دون ذلك أيضا، وقد اختلف في بناء الفذ، فقيل يبني، وقيل لا يبني، وسبب الخلاف هل البناء رعاية للعبادة بحيث لا تبطل متى أمكن ذلك، فيكون البناء مشروعا في حق الجميع، أم هو رعاية لصلاة الجماعة وحق الإمام فلا يشرع للمنفرد؟، وعند ابن القاسم القطع أولى لما في البناء من تفريق أجزاء الصلاة وحقها الاتصال. ولصحة بناء الراعف شروط ستة أشار المصنف إلى اثنين منها هما عدم الكلام إلا لإصلاح الصلاة في حال ذهابه وإيابه، وأن لا يطأ نجاسة، والثالث أن لا يتجاوز أقرب مكان يمكنه فيه غسل الدم، شرط أن يكون المكان قريبا في نفسه بالعرف، وأن لا يستدبر القبلة لغير طلب الماء، وأن لا يتلطخ بالدم زيادة على القدر المعفى عنه، وهذه الشروط المرجع فيها الاجتهاد مع ما فيها من النقل عن السلف، وقاعدة الضرورة تقدّر بقدرها.

стр. 712

• قوله: ٣١ - «ولا ينصرف لدم خفيف، وليفتله بأصابعه، إلا أن يسيل أو يقطر». هذا هو الراعف الذي لا يحتاج إلى الغسل، وهو الذي يسيل منه دم قليل فيفتله بأنامل يده اليسرى ويستمر في صلاته، أما الخلاف في عدد الأنامل التي يعتبر الدم معها قليلا أو كثيرا فهي من الآراء، وهو الذي أشرت إليه قبل من الاضطراب، وقوله «إلا أن يسيل أو يقطر» يحتمل أنه يريد بيان الحد الذي لا يصح معه الفتل كما تقدم، ويحتمل أنه يقصد أن من فتل إذا بلغ الأمر إلى السيلان والقطر فإنه ينصرف كما سبق.

стр. 713

• قوله: ٣٢ - «ولا يبني في قيء ولا حدث». لما كان سيلان الدم ليس ناقضا للوضوء، وجاء في الآثار ما يدل على بناء من رعف؛ أخذ به أهل المذهب، ولم يقيسوا عليه القيء ولا الحدث، فإن كان القيء قليلا طاهرا استمر المصلي في صلاته، وإن كان كثيرا ولو طاهرا، أو كان نجسا ولو قليلا قطع صلاته. أما الحدث فمبطل للوضوء، فتبطل الصلاة به لافتقاد الشرط، فلا يصح معه البناء، وقد احتجوا بقول النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول»، وليس الاستدلال به ناهضا كما أشار إليه ابن عبد البر، لكنه قال: «قد أجمع العلماء على أن الراعف إذا تكلم لم يبن، فقضى إجماعهم بذلك على أن المحدث أحرى أن لا يبني، لأن الحدث إن لم يكن كالكلام في مباينته للصلاة كان أشد منه الكلامُ، وهذا أوضح لمن أراد الله هداه»، انتهى، قلت الكلام الذي نقل الاتفاق على عدم البناء معه؛ هو ما كان لغير إصلاح الصلاة، وما تعمده المتكلم، والحدث الذي قيل بالبناء معه هو غير المتعمد، بل المنسي أو الغالب، فافترق الأمران. ومثل الحدث في عدم صحة البناء في المذهب من رأى في ثوبه أو جسده أو سقطت عليه نجاسة، فإن المشهور في كل ذلك البطلان، وقال أشهب يبني وهو الصواب إن شاء الله، والدليل على ما قاله في خصوص النجاسة؛ خلع النبي ﷺ نعله حين أعلمه جبريل ﵇ بأن فيها قذرا وقد تقدم، ومما قاله ابن العربي في العارضة تعليقا على حديث البراء الذي رواه الترمذي في تغيير القبلة قال: «وفيه دليل على أن من علم بفساد صلاته؛ صح ما مضى منها، كمن يصلي بثوب نجس». أما البناء مع تذكر الحدث؛ فقد استدل له بما رواه أبو داود (٢٣٣) عن أبي بكرة «أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانَكم، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى

стр. 714

بهم»، وهو في الموطإ (١٠٨) عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار بيده أن امكثوا، فذهب ثم رجع وعلى جلده أثر الماء»، لكنه معارض بما في الصحيحين عن أبي هريرة: «حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف،،،»، فهذا صريح في عدم دخوله الصلاة، فيحتمل أنهما واقعتان، وهو الظاهر، ويحتمل أن قول أبي بكرة «دخل في صلاة الفجر»، مجاز عن مقاربة الدخول. وقال ابن عبد البر في (الاستذكار ١/ ٢٨١): «من ذكر أنه كبر؛ فقد زاد زيادة حافظ يجب قبولها، وفي حديث مالك وغيره أنه كبر،،،»، ومن روى أو اعتقد أنه لم يكبر؛ فقد أراح نفسه من الكلام في هذا الباب، ثم ذكر أنه لو افترض أنه بنى فهو منسوخ بالسنة والإجماع، وذكر أن السنة قول النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاة من غير طهور،،، إلى آخر كلامه. والذي يظهر أن الإمام مالكا صح عنده الحديث في بناء المحدث، لكنه محمول عنده على الخصوصية، واحتج له بأن الأمراء والأئمة بعد النبي ﷺ لم يفعلوه، قال علي ابن زياد عنه كما في النوادر (باب الإمام تفسد صلاته، أو يذكر جنابة): «لا ينبغي للإمام إذا ذكر جنابة وخرج؛ أن ينتظروه ليتم بهم، والذي فعل النبي ﷺ من ذلك هو له خاص، وذلك أنه لم يفعله أحد من الأئمة بعده،،،»، والخصوصية التي قيل بها لا تتعلق بعدم صحة البناء من غير النبي ﷺ ، بل هي خصوصية تتعلق بوجوب انتظار الإمام إذا تذكر الحدث، فهذه ليست لغيره ﷺ ، ولعل ذلك لكونه أمرهم بانتظاره وأمره مطاع، لكن ذلك لا يدل على امتناع انتظار المأمومين غيره من الأئمة، وعدم أخذ الأئمة به لا يمنع من كونه حقا في نفسه، إذ حصل البلاغ بثبوته، وكلامنا ليس إلا في صحة البناء مع الحدث، وليس المقصود لزوم انتظار الإمام الذي يحصل له مثل هذا، فقد يمكن ذلك، وقد لا يمكن، لطول الانتطار ونحوه، فالحاصل أن خصوصية وجوب الانتظار قوية في الحديث، لكون أمر النبي ﷺ واجب الطاعة، وقد أشار إليهم بالانتظار؛ أما ادعاء الخصوصية في البناء مع الحدث؛ فلا يستقيم القول بها، على أن بعض العلماء منهم ابن تيمية في مجموع الفتاوى اعتبر مالكا من

стр. 715

جملة القائلين بالبناء في سبق الحدث، نعم إنه يختلف عن نسيان الحدث، ولا اعتراض بما روى أبو داود (١٠٠٥) والترمذي وحسنه عن علي بن طلق قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فسا أحدكم في الصلاة؛ فلينصرف، فليتوضأ، وليعد صلاته»، فإن الحديث سكت عليه أبو داود فهو عنده صالح، وهو ما ليس شديد الضعف، لكن ضعفه الألباني، والفساء خروج الريح من الدبر من غير صوت، والضراط خروجه بصوت، والله أعلم.

стр. 716

• قوله: ٣٣ - «ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف، ومن رعف قبل سلامه انصرف، وغسل الدم، ثم رجع فجلس وسلم». من رعف بعد سلام الإمام؛ فقد تمت صلاته فليسلم، أما أن يقال إنه قد فعل شيئا من واجبات الصلاة وهو حامل للنجاسة؛ فجوابهم عنه أن هذا أخف من أن يرتكب لأجله من الأفعال ما هو خارج عن جنس الصلاة وهو المشي، واستدبار القبلة ونحو ذلك، أما إن رعف قبل سلام إمامه فينطبق عليه حكم الراعف في الصلاة، وقد تقدم، وقالوا إنه يعيد تشهده إن كان أتى به ليقع سلامه بعد تشهد.

стр. 717

• قوله: ٣٤ - «وللراعف أن يبني في منزله إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام، إلا في الجمعة فلا يبني إلا في الجامع». إذا انصرف الراعف من غسل الدم، ويئس أن يدرك الإمام قبل أن يسلم، فإنه يتعين عليه أن يتم صلاته في أقرب مكان، حتى يقلل الأفعال المنافية للصلاة التي جاز ارتكابها للحاجة إليها، ولا حاجة إليها إذا خرج الإمام من الصلاة، أما إن كانت الصلاة التي رعف فيها صلاة الجمعة فإنه يتعين عليه العودة إلى المسجد لأنه شرط في صحة الجمعة، وما فاته من الصلاة هو جزء منها وحكم الجزء حكم الكل، وقد تقدم نظيره في سجود السهو.

стр. 718

• قوله: ٣٥ - «ويغسل قليل الدم من الثوب، ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره». ملابسة المرء للدم مما يشق الاحتراز منه، ففرق بين القليل من الدم، فيعفى عنه، وبين الكثير فتبطل الصلاة إن صلى به، ولفعل السلف ذلك، وفي المذهب قول يفرق بين قليل دم الحيض، فتعاد منه الصلاة في الوقت، وغيره فلا تعاد، لأن الله سبحانه سماه أذى، ذكره في النوادر (١/ ٧٨) عن ابن وهب عن مالك، وهذا قول لبعض أهل العلم الذين يعتبرون الدم النجس هو دم الحيض لما وصف به في القرآن، وللأمر بحته وقرصه ونضحه في حديث أسماء عند الشيخين.

стр. 719

• قوله: ٣٦ - «وقليل كل نجاسة غيره وكثيرها سواء». لعل المؤلف إنما ذكر هذا لما قد يفهم من كلامه في التفريق بين قليل الدم وكثيره، أنه يقاس غيره عليه، فبين أن ذلك التفريق خاص بالدم، أما غيره من النجاسات فقليله وكثيره سواء في تأثيره الخلل في الصلاة، والأمر كما قال ﵀، لقول النبي ﷺ : «أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله»، وعذاب القبر لا يكون على ترك غير الواجب، والاستنزاه يشمل القليل والكثير، ولأمره ﵌ بذلك إذ قال: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه».

стр. 720

• قوله: ٣٧ - «ودم البراغيث ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش». لقد علمت الفرق بين قليل الدم وكثيره في النجاسة، وذكر المؤلف هنا درجة أخرى من العفو، وهي أن دم البراغيث لا ينطبق عليه ما تقدم من حد القلة والكثرة، بل كثرته المعتبرة أن يتفاحش، لما في اشتراط غسله من المشقة والعسر، قالوا لأنه لا يكاد يفارق الإنسان، بخلاف درجة التفاحش فإنها نادرة الحصول فلا مشقة معها، هذا ما يعطيه كلامه، وإن احتار في توجيهه وفهمه بعض الشراح، والله أعلم.

стр. 721

١٣ - باب في سجود القرآن • قوله: ١ - «وسجود القرآن إحدى عشرة سجدة، وهي العزائم ليس في المفصل منها شيء». ليس في المذهب من السجود الذي هو سجدة واحدة؛ غير سجود التلاوة، وقد صح في السنة سجود الشكر، ومما جاء فيه ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي بكرة أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يُسَرُّ به خرّ ساجدًا، وسجد أُبيّ بن كعب لما بُشِّر بتوبته … ، وإنما كرهه الإمام لعدم ثبوته عنده، ومن ذلك السجود عند الآيات كما رواه أبو داود (١١٩٧) عن عكرمة قال: قيل لابن عباس ماتت فلانة بعض أزواج النبي ﷺ ، فخر ساجدا، فقيل له: أتسجد هذه الساعة؟، فقال، قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم آية فاسجدوا»، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ ؟. وأكثر ما قيل من مواضع السجود في القرآن أنها خمسة عشر، والخلاف حاصل بين العلماء في السجود في المفصل، وفي السجدة الثانية من سورة الحج، والمشهور في المذهب السجود في أحد عشر موضعا من القرآن، وهي رواية المصريين عن الإمام، وهي التي بينها المصنف، ويدعونها عزائم السجود، وسمي المفصل كذلك لكثرة الفصل بين سوره، وبدايته من سورة الحجرات، وقيل من سورة ق، وقيل غير ذلك. ودليلهم على عدم السجود في المفصل قول أبي الدرداء: «سجدت مع النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء»، رواه ابن ماجة، وفيه عثمان بن فائد وهو ضعيف، وقد أشار إليه أبو داود (١٣٩٨) فقال: «وروي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ

стр. 722

إحدى عشرة سجدة، وإسناده واه». ومنها قول ابن عباس ﵄: «لم يسجد رسول الله ﷺ في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة»، رواه أبو داود (١٤٠٣)، وسكت عليه، وفيه أبو قدامة، وهو الحارث بن عبيد، وقال النووي «ضعيف الإسناد، ومع كونه ضعيفا مناف للمثبت المقدم عليه، فإن إسلام أبي هريرة سنة سبع، وقد ذكر أنه سجد مع النبي ﷺ في الانشقاق وإقرأ، وهما من المفصل، على أن الترك يحتمل أن يكون لسبب من الأسباب». ومنها حديث زيد بن ثابت قال: «قرأت على رسول الله ﷺ النجم فلم يسجد فيها»، رواه الشيخان، وأبو داود (١٤٠٤)، وقال: «كان زيد الإمام فلم يسجد فيها»، يعني لما لم يسجد زيد وهو القارئ؛ لم يسجد النبي ﷺ ، لأن القارئ إمام عند بعضهم في سجود التلاوة. وما أوردوه من الأدلة إما ضعيف كما علمت، وإما صحيح لا ينتج المطلوب، ومع ذلك فهي معارضة بما ثبت عن أبي هريرة أنه سجد خلف النبي ﷺ في الانشقاق والعلق، وإسلامه كان عام خيبر، زيادة على أنه مثبت، والمثبت مقدم على النافي. فالذي يظهر أن الصواب: هو الرواية الثانية عن الإمام أعني رواية ابن وهب عنه أن السجود في أربع عشرة سجدة، بزيادة سجدات المفصل الثلاثة، وهو الذي رآه ابن العربي والباجي، بل ذكر ابن العربي في (العارضة ٣/ ٥١) رواية المدنيين عن الإمام السجود في خمسة عشر موضعا بما في ذلك السجدة الثانية في الحج، وقواها. لكن يظهر أن الجمع بين الروايتين ممكن اعتمادا على قول الإمام في الموطإ (٤٨٤): «الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء»، ومعناه أن الإحدى عشرة أمرها أوكد من الثلاثة الباقية، ولهذا روي عنه أنه كان يسجد في بعضها في خاصة نفسه. وقد نقل الباجي في المنتقى ما يشير إلى هذا الجمع عن القاضي أبي محمد أن مالكا لا يمنع السجود في المفصل، وإنما يمنع أن يكون من عزائم السجود، وإنما وصفت بذلك للعزم على الناس على السجود فيها» وأبى هذا المعنى ابن العربي في المسالك، وفي كلام

стр. 723

ابن عباس ﵄ كما في سنن الترمذي (٥٧٧)، ما يشير إلى هذا، إذ روى عنه قوله: «رأيت رسول الله ﷺ يسجد في ص»، ومع ذلك قال: «وليست من عزائم السجود»، وتتقوى رواية ابن وهب زيادة على ما تقدم - وهو كاف - أن مالكا روى في الموطإ (٤٨٠) سجود النبي ﷺ في الانشقاق، وهو في الصحيح، وسجود عمر في سورة النجم، لكن ليس بالضرورة أن يكون ما عد من غير العزائم هو كذلك في نفس الأمر، فإن موضع سجدة الانشقاق فيه أقوى الأدلة القرآنية على تحتم السجود لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢١].

стр. 724

• قوله: ٢ - «في المص عند قوله ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾، وهو آخرها، فمن كان في صلاة؛ فإذا سجدها قام وقرأ من الأنفال، أو من غيرها ما تيسر عليه، ثم ركع وسجد». وفي الرعد عند قوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. وفي النحل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وفي بني إسرائيل: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. وفي مريم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾. وفي الحج أولَها: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. وفي الفرقان: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. وفي الهدهد: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. وفي ألم تنزيل: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وفي ص: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، وقيل عند قوله: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. وفي حم تنزيل: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. اعلم أن المواضع التي ذكر المؤلف السجود فيها وغيرها مما لم يذكره؛ لها مناسبة بين الموضع وبين السجود فيه، تارة تكون امتداح الله تعالى الملائكة بسجودهم له، فالمطلوب من الناس أن يتشبهوا بهم، كما في الأعراف والنحل على أحد القولين، فإن النبي ﷺ قال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها»؟، وقال: «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة»، وتارة تكون

стр. 725

المناسبة إخباره تعالى عن خضوع كل المخلوقات له طوعا وكرها، وسجودهم، وسجود ظلالهم له صباحا ومساء، فليكن القارئ من جملة من يسجد لله اختيارا، والسجود فيه تمام الخضوع، ولذلك كان العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، كما في سورتي الرعد والنحل، وتارة ببيان استكبار الكفار عن السجود لله، ونهيهم الناس عن أن يسجدوا له سبحانه، فيتعين على المؤمنين أن يسجدوا كي يخالفوهم ولا يطيعونهم كما في الانشقاق، ومنها إخبار من الله تعالى عن سجود أنبيائه له وسجود صالحي عباده وبكائهم إذا تليت عليهم آياته، والناس مطالبون بالاقتداء بهم كما في سورتي الإسراء ومريم، ومنها النهي عن السجود لغير الله والإخبار بأن الكفار يفعلون ذلك، بل وينهون المؤمنين عن الصلاة، فينبغي مخالفتهم بالسجود لله وحده كما في سور النمل وفصلت والعلق، وبهذا اجتمع على مشروعية السجود الإخبار بسجود العالمين، ومدح الساجدين، وذم التاركين المستكبرين، فلا يبعد مع هذا أن يقال بوجوبه لا مجرد استحبابه، والقول بوجوبه مذهب الحنفية، ويؤيد الوجوب قول النبي ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: ياويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار»، رواه مسلم. أما الاحتجاج على عدم الوجوب بأنها صلاة تفعل على الراحلة، وما يفعل على الراحلة لا يكون واجبا؛ فليس بمستقيم، أما أولا فللنزاع في اعتبارها صلاة، وأما ثانيا فلأنها لو كانت صلاة فإنها لا قيام فيها ولا ركوع ولا رفع منه فلا يصح قياسها على الوتر لينتج ذلك عدم وجوبها، نعم الاعتراض على ذلك بعدم سجود زيد بن ثابت ﵁ كما في الحديث المتقدم، وهكذا عمر بن الخطاب أثناء خطبة الجمعة، بمحضر الصحابة ينبغي أن ينظر فيه، والله أعلم. وقول المصنف «فإذا سجدها قام وقرأ من الأنفال أو من غيرها ما تيسر عليه، ثم ركع وسجد»؛ يعني أن من سجد في الصلاة للتلاوة؛ يجب عليه أن يقوم ليكون ركوعه من قيام، ويستحب له أن يقرأ قبل الركوع، فإذا سجد في نهاية الأعراف؛ قام فقرأ من الأنفال أو من غيرها وركع، ومثل ذلك ما إذا سجد في سورة النجم؛ فإنه يقوم ويقرأ من أول سورة القمر أو من غيرها، ثم يركع.

стр. 726

• قوله: ٣ - «ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء». يشترط في صحة سجدة التلاوة ما يشترط في صحة الصلاة من طهارتي الحدث، والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة، وقد أشار إلى ذلك العلامة خليل بقوله: «سجد بشرط الصلاة بلا إحرام قارئ ومستمع فقط إن جلس ليتعلم، ولو ترك القارئ إن صلح ليؤم، ولم يجلس ليسمع». ووجه هذا أن السجود صلاة، وقد صرح الإمام بذلك في الموطإ كما سيأتي إن شاء الله، ومن شرط الصلاة الطهارة، لكن في اعتبار السجود صلاة نزاع، فإن الشارع قد بين أن مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، والسجود لا إحرام فيه، وفيه خلاف، ولا تسليم فيه بالاتفاق في المذهب، ولم يسم الشارع السجود صلاة، وقال النبي ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى»، لكنه اعتبر ركعة الوتر صلاة، وصلاة الجنازة سماها كذلك، فلم يثبت للسجود ذلك الوصف، ولأن القارئ لا تجب عليه الطهارة الصغرى فيعطى السجود حكم ذلك، وهو استحباب الطهارة فقط، والله أعلم.

стр. 727

• قوله: ٤ - «ويكبر لها، ولا يسلم منها، وفي التكبير في الرفع منها سعة، وإن كبر فهو أحب إلينا». ورد عن الإمام في التكبير قولان: التكبير وعدمه، ولذلك خير ابن القاسم فيه، فهذه ثلاثة أقوال، والرابع تأكد مشروعية التكبير في الخفض على التكبير في الرفع، وهو الذي أشار إليه المؤلف، ووجه القول بالتكبير حمله على الصلاة، وهم يقولون إن السجود صلاة، ووجه الثاني يشعر بأن السجود ليس بصلاة، ولأن الأصل عدم الاشتراع، ووجه الرابع إشعار المستمع بذلك، ومراعاة لقول من يرى الإحرام، ولأنه بانتهاء السجود انتهت هذه العبادة لأن الرفع ليس من جملتها، وهذا كله في السجود خارج الصلاة، أما في الصلاة فالتكبير متفق عليه عندهم، وقد يتقوى هذا بما ورد من تكبير النبي ﷺ في كل خفض ورفع، والهوي لسجود التلاوة والرفع منه في الصلاة؛ من جملة الصلاة، ولم ينقل عن النبي ﷺ التكبير من فعله من وجه صحيح، فأما ما رواه أبو داود (١٤١٣) عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا»، قال عبد الرزاق - وهو أحد رواته -: «وكان الثوري يعجبه هذا الحديث»، قال أبو داود: «يعجبه لأنه كبر»، لكن في الحديث عبد الله بن عمر العمري المكبر وهو ضعيف، وأصل الحديث في الصحيحين دون ذكر التكبير، انظر البخاري مع الفتح (ح/ ١٠٧٩)، وقد روي التكبير عن ابن مسعود، والحسن، وأبي قلابة، وابن سيرين، ومسلم بن يسار، ذكرهم الألباني في (تمام المنة ص ٢٦٨) والأسانيد إلى بعضهم ضعيفة. وإذا علمت ما في مسألة التكبير في سجود التلاوة من الخلاف، وأنه يمكن إدخاله تحت عموم التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة، تبين لك أن الخير في اجتناب هذا اللغط والجدال والخصومات، وأن الإمام في صلاة التراويح يحسن به أن يقفل هذا الباب بالتكبير

стр. 728

اعتمادا على ما تقدم، وقد قال بهذا القول من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين ﵀. أما التسليم فلا يشرع في سجود التلاوة، وقد عده ابن تيمية في (المجموع ٢٣/ ١٧١) من البدع رغم أنه رواية عن أحمد ﵀ كما في المغني. ومما ورد قوله في سجود القرآن؛ ما رواه أبو داود (١٤١٤) والترمذي (٥٨٠) وقال حسن صحيح عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل يقول في السجدة مرارا: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته»، وروى الترمذي (٥٧٩) عن ابن عباس ﵄ دعاء آخر في قصة فانظره، وقد كرر هذا الحديث والذي تقدم في موضعين من جامعه، وروى أبو يعلى في مسنده والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري نحو ما رواه الترمذي عن ابن عباس، فمن صح عنده من ذلك شيء فليقل به، وإلا قال ما يقال في سجود الصلاة، والله أعلم.

стр. 729

• قوله: ٥ - «ويسجدها من قرأها في الفريضة والنافلة». المشهور أنه يكره تعمد قراءة آية السجدة في صلاة الفريضة لما في ذلك من التخليط على المأمومين، لكن متى قرأها سجد، وإن كان في صلاة سرية فينبغي له أن يجهر بآية السجدة حتى يعلم المأمومون ذلك، فإن لم يجهر فقد اختلف في متابعة المأموم له خوفا من أن يكون ذلك الفعل سهوا منه، واتفقوا على أن من لم يتابعه فيها تصح صلاته، والذي يظهر أنه يتابعه لقول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به». كما أن الظاهر عدم كراهة تعمد قراءتها في الصلاة، أما في الجهرية فبالنص وهو سجود النبي ﷺ في سورة الانشقاق في العشاء، وقراءته سورة السجدة في صبح يوم الجمعة، أما عن السجود في الصلاة السرية فقد روى أبو داود (٨٠٧) عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة»، لكن الحديث منقطع كما بينه المحدث الألباني في تمام المنة (ص ٢٧١)، فيمكن أن يقال إن قراءة آية السجدة في الصلاة السرية مما تركه النبي ﷺ ، ولو فعله لنقل إلينا لعموم الحاجة إليه، ولحرص أصحابه على وصف صلاته، وهذا أولى من أن تلحق السرية بالجهرية، والله أعلم. قال أبو الحسن: وروى ابن وهب لا تكره قراءتها في الفريضة ابتداء، وصوبها اللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم لما ثبت أنه ﷺ كان يداوم على قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة، ابن بشير: وعلى ذلك كان يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم»، وقولهم بعدم الكراهة يعني أن ذلك مستحب، لأن العبادة لا تكون مباحة إلا على وجه البدل.

стр. 730

• قوله: ٦ - «ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس». لما كان سجود القرآن صلاة عندهم كما تقدم، وكان غير واجب؛ أعطي حكم النافلة، فلا يفعل في أوقات الكراهة، بله الحرمة، ومن الأوقات التي تكره فيها النافلة ما بعد صلاة العصر، وصلاة الصبح، وعلى هذا جاء قول مالك في الموطإ (٤٨١): «لا ينبغي لأحد أن يقرأ من سجود القرآن شيئا بعد صلاة الصبح، ولا بعد صلاة العصر، وذلك أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، والسجدة من الصلاة، فلا ينبغي لأحد أن يقرأ سجدة في تينك الساعتين» انتهى، فقد سماها كما ترى صلاة، ومنع من قراءتها للنهي الوارد عن الصلاة في هذين الوقتين، والذي سار عليه المؤلف هو ما في المدونة من جواز السجود بعد الصبح قبل الإسفار، وبعد العصر قبل الاصفرار، ووجه استثنائها من كراهة النافلة بعد الصبح والعصر؛ أنها سنة مؤكدة ففارقتها، ومراعاة للقول بوجوبها، والذي يظهر أننا إن اعتبرناها صلاة غير واجبة؛ فإن لها حكم النافلة المسببة، فمن رأى استثناءها سجد غير متقيد بوقت، وإن اعتبرنا السجود واجبا فالجمهور على استثناء الصلاة الواجبة من النهي والله أعلم. وقد استدل المحدث الغماري في مسالك الدلالة لما في المدونة من جواز سجود التلاوة بعد العصر ما لم تصفر الشمس؛ بما رواه أبو داود (١٢٧٤) عن علي ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة»، وهذا حق لو قلنا إن سجود التلاوة صلاة، ويكون الاستدلال حينئذ أولويا، لأن السجود مسبب، لكن يلزم من استدل بهذا الحديث على مشروعية سجود التلاوة أن يستدل به على مشروعية النافلة بعد العصر قبل تلك الغاية، وهو صريح في ذلك، وأول راض سيرة من يسيرها.

стр. 731

١٤ - باب في صلاة السفر • قوله: ١ - «ومن سافر مسافة أربعة برد- وهي ثمانية وأربعون ميلا- فعليه أن يقصر الصلاة، فيصليها ركعتين، إلا المغرب فلا يقصرها». للسفر أحكام بعضها رخص، كالمسح على الخف، والجمع بين الصلاتين، وبعضها مختلف فيه، كالإفطار في رمضان، وترك الرواتب النهارية. ومما اختلف فيه قصر الصلاة، فقد قيل: إنه سنة مؤكدة وهو المشهور في المذهب، وقيل إنه: واجب لأن الصلاة فرضت كذلك ثم زيد في صلاة الحضر، وأبقيت صلاة السفر على الأصل، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها- (خ/ ١٠٩٠): «الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر»، قال الزهري فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟، قال: تأولت ما تأول عثمان» وهو في الموطإ أيضا، لكن في الاستدلال بهذا على الوجوب نظر، من ذلك أن إتمام عائشة يدل على خلاف ما حمله عليه من استدلوا به على الوجوب من غير قيد، قال الحافظ ومن أدل دليل على تعين تأويل حديث عائشة هذا كونها كانت تتم في السفر». وعلى الوجوب يحمل قول المصنف «فعليه أن يقصر الصلاة»، فإنه قال في باب جمل: «والفطر في السفر رخصة، والإقصار فيه واجب»، وهو قول القاضي إسماعيل، وسحنون، وأببي بكر بن الجهمي، كما ذكره ابن ناجي عنهم، وذكر الأول والثالث ابن عبد البر في (الاستذكار: ٢/ ٢٢٢)، وذكر عن ابن الجهمي أن أشهب روى الوجوب عن مالك، وحمل بعضهم قول المصنف على معنى أنه واجب وجوب السنن، وقيل مستحب، وقيل

стр. 732

مباح، والأخير لا ينبغي أن يلتفت إليه مع مواظبته ﷺ على القصر، وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فأما الاحتجاج لعدم الوجوب بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ فليس بناهض، لاحتمال أن تكون الآية في قصر الكيفية لا قصر العدد، وهو قول مجاهد وغيره، وعزاه في النوادر للواضحة، وعليه تكون صلاة السفر إنما شرعت بالسنة، والآية في صلاة الخوف بخاصة، جاء الاقتصار فيها على ركعة كما في حديث ابن عباس قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة»، رواه مسلم وأبو داود (١٢٤٧)، وتأوله الجمهور على أن المراد صلاة الخوف في جماعة مع القصر. والجمهور على أن قيد «إن خفتم»؛ خرج مخرج الغالب باعتبار الواقع وقت نزول الآية، فيكون مهجور المفهوم، قتدل الآية على القصر الذي نتحدث عنه، ونفي الجناح؛ يمكن أن يجتمع مع الوجوب كما في قوله تعالى: «فلا جناح عليه أن يطوف بهما»، وثم أدلة أخرى عند القائلين بالوجوب منها حديث عائشة الدال على أن صلاة السفر أصل، ونظيره حديث ابن عباس المتقدم. أما الاحتجاج على عدم الوجوب بإتمام المسافر إذا اقتدى بمقيم، فليس بناهض، لأنه يقال زاحمت مصلحةُ متابعة الإمام وعدمُ الاختلاف عليه؛ وهي واجبة، القصرَ الواجب، فقدمت عليه، ثم إن إتمام المسافر خلف المقيم منصوص، والأصول لا يعارض بعضها ببعض. ومشروعية القصر منوطة بالمظنة، وهي السفر نفسه، لا بالمشقة لعدم انضباطها، ومما قاله الشيخ محمد عرفة الدسوقي في حاشيته على شرح الدردير (١/ ٣٥٨) رحمهما الله في وقت لم يكن فيه شيء من وسائل النقل الحديثة: «ولو كان سفره على خلاف العادة، بأن كان بطيران، أو بخطوة، فمن كان يقطع المسافة الآتية بسفره قصر، ولو كان يقطعها في لحظة بطيران أو نحوه»!!. والذي يشرع له القصر: هو المسافر سفرا واجبا أو مستحبا أو مباحا كسفر الحج والعمرة وطلب الرزق وصلة الرحم والرباط والجهاد وبث العلم، فإن كان عاصيا بسفره؛

стр. 733

فلا يشرع له ذلك، كقاطع الطريق، وكذلك اللاهي بسفره، كمن خرج للصيد على وجه اللهو، بخلاف العاصي في سفره لا به، كالمسافر سفرا واجبا أو مستحبا أو مباحا، يعصي الله تعالى فيه، فهذا يشرع له القصر، وقد أشار إلى ذلك خليل في مختصره بقوله: «سن لمسافر غير عاص به ولاه … »، وعمدة التفريق بين ما يقصر فيه من الأسفار وما لا يقصر فعل النبي ﷺ ، فإن أسفاره كانت لحج، أو عمرة، أو جهاد، والقياس يقتضي القصر دون تفريق، والعقوبة لا تكون إلا بما شرعه الله ورسوله إذا كانت هي المقصودة بالإتمام، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، وقد روى ابن زياد عن مالك القصر في السفر كيفما كان. والمشهور في المذهب أن القصر سنة مؤكدة آكد من صلاة الجماعة، بل قد صرح في الواضحة بأن الإمام قال: «لا يجوز أن يتم المسافر»، وهذا قد يستفاد منه الوجوب، ومع ذلك قالوا لا يعيد إلا في الوقت لقوة اختلاف الصحابة في ذلك، هكذا علل ابن أبي زيد عدم القول بالإعادة مطلقا. ولهذا السبب كره اقتداء المسافر بالمقيم، لما يلزم عليه من إتمام الصلاة، وهو آكد في الكراهة من اقتداء المقيم بالمسافر لما فيه من اختلاف نية الإمام عن نية المأموم، وقد أشار إلى ذلك العلامة خليل بقوله: «وإن اقتدى مقيم به؛ فكل على سنته، وكره كعكسه، وتأكد، وتبعه، ولم يعد»، والعمدة عندهم فعل بعض السلف منهم سالم بن عبد الله كما في النوادر (المسافر يتم الصلاة). وفي كراهة ذلك نظر، فأما اقتداء المقيم بالمسافر؛ فدليله حديث عمران بن حصين: «ما سافر رسول الله ﷺ سفرا إلا صلى ركعتين حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم يقول: «يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر»، رواه أحمد والترمذي وحسنه لشواهده كما قال الحافظ، وإلا فإن فيه ضعيفا هو زيد بن جدعان، وفي الموطإ (٣٤٤) أن عمر كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم قال: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر»، والسفر بفتح السين؛ هم المسافرون، ومفرد سَفر هو سافر، كشَرب وصَحب مفردهما شارب وصاحب، وفي الموطإ

стр. 734

عن ابن عمر أنه أم وهو مسافر وأتم من وراءه، وفيه أنه كان يتم إذا ائتم بمقيم. وأما اقتداء المسافر بالمقيم؛ فقد روى مسلم (٦٨٨) عن موسى بن سلمة الهذلي قال سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟، فقال: «ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ »، وجه الدلالة منه قيد إذا «لم أصل مع الإمام»، وقول الصحابي عن ذلك إنه سنة له حكم الرفع، والظاهر شمول قوله سنة لصلاة ركعتين في حال الانفراد، والإتمام في حال الإئتمام، وقد روى الإمام أحمد ذلك عن موسى بن سلمة الهذلي قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: «إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين»؟، قال: «تلك سنة أبي القاسم ﷺ »، وسنده صحيح كما قال الألباني في الإرواء. فأما المسافة التي يقصر فيها؛ فهي في المذهب أربعة برد، جمع بريد، وهو مسيرة القافلة المثقلة يومين، أو يوما وليلة، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فتكون المسافة بالأميال ثمانية وأربعين، وقد اختلف في الميل على أقوال، منها أنه ألفا ذراع، ورجح ابن عبد البر أنه ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع، فيكون المجموع بالذراع حاصل ضرب (٣٥٠٠) في (٤٨) يساوي (١٦٨٠٠٠) ذراع، فإذا اعتبرنا طول الذراع نصف متر تقريبا كانت مسافة القصر (٨٤) كيلومترا، ثم إنهم راعوا الخلاف في مقدار الأربعة برد، فقال ابن القاسم إن من قصر في ستة وثلاثين ميلا لا يعيد، ومن قصر فيما دون ذلك أعاد. أما عمدة القصر في أربعة برد؛ فما في الموطإ (٣٣٥) عن ابن عمر أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد، ومنها أن ابن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد، وفي الموطإ بلاغا أن ابن عباس يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة، قال مالك: وذلك أربعة برد، وفي صحيح البخاري: «وكان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا»، لكن روي عن ابن عمر أقوال في مسافة القصر فيها مخالفة كبيرة لما ذكر، لا يطمأن معها إلى أن مسافة القصر التي يراها هي أربعة برد، لاسيما وهي أفعال، فلا يؤخذ منها عدم القصر فيما دونها، فيكون الحق هو

стр. 735

الاعتماد على حديث أنس عند مسلم وسيأتي ذكره، إذا لم يعتمد العرف أو اختلف فيه، والله أعلم. قال ابن العربي في) العارضة ٣/ ٢٣ (مبينا وجه اعتماد فعل ابن عمر في مسافة القصر: «ألا ترى إلى اضطراب المالكية في هذه المسألة: «في العتبية يقصر في خمسة وأربعين ميلا، وفي المبسوط في أربعين، وقال أيضا في العتبية في ستة وثلاثين ميلا، وفي الموطإ في أربع فراسخ، وهذا كله تحكم على التفصيل الذي نهينا عنه، وهذا مالك على جلالة قدره يقول في يوم، وفي قول يومان، ويمكن الجمع بينهما، فإن اليوم التام الجاد يومان في العادة والرفق، ولما لم يكن في ذلك معنى يعول عليه؛ لجأنا إلى فعل ابن عمر لعظيم اقتدائه وكثرة تحريه». وقد تبيّن لك أن ما ذكر من مسافة القصر تقريب لا تحديد، سواء في مقدار البريد نفسه، أو في مقدار ما فيه من الأميال، أو في مقدار الميل من الأذرع، والأذرع تتفاوت بحسب الناس، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الذراع ستة وثلاثون أصبعا، وذكر النووي أنه أربعة وعشرون، وقد تكون الأصابع مكتنزة والذراع قصيرا، فتقل الأصابع، وقد قسته فوجدته كالأول بذراعي، فيكون الذراع نصف متر تقريبا، ونظرا لهذا الأمر؛ رأوا أن من قصر الصلاة في خمسة وثلاثين ميلا أعاد أبدا، وإن قصر فيما زاد عليه قالوا بعدم الإعادة في بعضها، وترددوا في بعضها، مما يؤكد لك أن الأمر تقريب، وأن الرأي قد استأثر بالكثير من مباحث هذا الباب، وليس في القصر في أربعة برد سوى آثار عن بعض الصحابة كما تقدم، فأما قول النبي ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم»، وجاء التحديد في بعض الروايات بيوم وليلة، وببريد، وجاء مطلقا، فهذا ليس فيه حجة على عدم القصر فيما كان دون ذلك. قال الشوكاني ﵀ في شرح الدرر البهية رادا على من استدل بالحديث المتقدم: «فإن قلت: محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون محرم؛ هو كونه ﷺ سمى ذلك سفرا، قلت: تسميته سفرا؛ لا تنافي تسمية ما دونه سفرا». وأقوى ما يستدل به في مسافة القصر: ما رواه مسلم عن يحي بن زيد الهنائي قال،

стр. 736

سألت أنسا عن قصر الصلاة؛ فقال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلى ركعتين»، لكن فريقا من أهل العلم حمل هذا الحديث على أنه دل على الموضع الذي ابتدأ منه القصر، لا على أن تلك المسافة هي غاية السفر ونهايته، والظاهر خلافه، وعليه فيكون تقدير المسافة بأعلى ما في الحديث وهو ثلاثة فراسخ، أي اثنا عشر ميلا، فإذا اعتبرنا الميل (١٧٠٠) متر، فتكون مسافة القصر تزيد قليلا على (٢٠) كيلومترا، ولو قدرنا عدم ورود شيء مرفوع؛ لكان المطلوب الرجوع إلى ما يطلق عليه في العرف اسم السفر، لكن العرف ليس مضبوطا الآن لما طرأ على وسائل النقل من التطور، فالتمسك بما تقدم أولى، والله أعلم.

стр. 737

• قوله: ٢ - «ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر، وتصير خلفه، ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء، ثم لا يتم حتى يرجع إليها، أو يقاربها بأقل من الميل». اعلم أن المسافر كيفما كانت مدة إقامته التي ينويها حيث يصل؛ فإنه يقصر الصلاة في ذهابه وإيابه إذا لم ينزل خلالهما المدة التي تقطع سفره، وقد بين المؤلف هنا الموضع الذي يبتدئ فيه القصر حين يشرع في السفر، والموضع الذي يبدأ فيه إتمام الصلاة حين يعود، وللإمام في ذلك روايتان: إحداهما: وهي المشهورة التي ذكرها المؤلف، أنه يقصر عند مجاوزة بيوت قريته بحيث لا يكون عن يمينه ولا عن يساره منها شيء، ويتم في رجوعه إذا بلغ المكان ذاته، فبداية القصر هي نهايته، وهذه رواية ابن القاسم، وهي المعتمدة، ففي الموطإ: لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل بيوت القرية أو يقارب ذلك»، وفي صحيح البخاري: «خرج علي ﵁ فقصر وهو يرى الييوت، فلما رجع؛ قيل له: هذه الكوفة، قال: لا، حتى ندخلها». والرواية الثانية: لمطرف وابن الماجشون وهي في النوادر، وفيها الفرق بين من كان من القرى التي تصلى فيها الجمعة، فهذا لا يقصر حتى يجاوز بيوتها بثلاثة أميال، لكون الجمعة واجبة عليه يأتي إليها من هذه المسافة، وأما من كان من القرى التي لا يجمع فيها؛ فهذا يقصر إذا تجاوز بساتينها، كما قال خليل: «سن لمسافر غير عاص به ولاه أربعة برد ولو ببحر ذهابا قصدت دفعة إن عدى البلدي البساتين المسكونة، وتؤولت أيضا على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة، والعمودي حلته، وانفصل غيرهما قصر رباعية وقتية أو فائتة فيه»، والحلة بكسر الحاء جماعة البيوت لأنها تحل، أي تسكن، ورواية مطرف وابن الماجشون في موضع بداية القصر؛ نقل ابن المنذر الإجماع على خلافها حيث قال: «أجمعوا على أن لمن يريد السفر أن يقصر إذا خرج من جميع بيوت القرية التي يخرج منها»، فالله أعلم.

стр. 738

• قوله: ٣ - «وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أو ما يصلي فيه عشرين صلاة؛ أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه ذلك». سريان حكم السفر لا يكون إلا بالنية مع الشروع فيه حسب ما تقدم، أما انقطاع حكمه في المكان الذي سافر إليه فيكون بنية إقامة أربعة أيام، أو مدة يصلي فيها عشرين صلاة في أي موضع عامرا كان أو قفرا. وفي المذهب قولان في مدة الإقامة التي تقطع السفر: الأول أنها أربعة أيام صحاح، وهذا يعني إلغاء يومي الدخول والخروج، أو أحدهما، إذا دخل بعد الفجر، وخرج قبل المغرب، وهو قول ابن القاسم، والقول الثاني مقدار ما يصلي عشرين صلاة، فيلفقها من يوم دخوله ويوم خروجه، وهذا قول سحنون وعبد الملك وابن وهب، فأو في كلام المصنف لبيان الاختلاف، لا للتخيير. والظاهر من القولين الثاني، ومرده إلى ما ثبت أن النبي ﷺ في حجة الوداع صلى الصبح خارج مكة، ولعله صلاه بذي طوى، حيث جاء في الصحيح قول ابن عمر: «بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح»، انتهى، ومعنى ذلك أنه دخل مكة صبيحة اليوم الرابع - وهو يوم الأحد - وأقام بها الخامس، والسادس، والسابع، ثم خرج إلى منى يوم الثامن - وهو يوم الخميس - فصلى فيها الظهر، فيكون قد صلى في مكة عشرين صلاة، وقد كان يقول عن نفسه ومن معه من أصحابه الوافدين على مكة: «إنا قوم سفر»، ولا ريب أنه ﷺ حين دخل مكة قصد إقامة هذه المدة، فمن نوى إقامة مثل المدة التي أقامها فحكمه أن يقصر قطعًا، فإن زاد عليها أتم. أما إن قيل: إن أنسا ﵁ قد سئل عن مدة إقامة النبي ﷺ بمكة، فقال عشرا، وهو في صحيح البخاري وغيره؛ فالجواب: أن أنسا جمع مدة الإقامة كلها في مكة وما حولها، أعني من يوم دخوله مكة وهو اليوم الرابع من ذي الحجة إلى يوم خروجه وهو اليوم الرابع عشر، فهي إقامة ملفقة، لأن السفر تخللها إلى منى ثم عرفة ثم منى.

стр. 739

• قوله: ٤ - «ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات؛ صلاهما سفريتين، فإن بقي قدر ما يصلي فيه ركعتين أو ركعة؛ صلى الظهر حضرية، والعصر سفرية، ولو دخل لخمس ركعات ناسيا لهما؛ صلاهما حضريتين، فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة؛ صلى الظهر سفرية والعصر حضرية، وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر، ولم يكن صلى المغرب والعشاء؛ صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية، ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب، ثم صلى العشاء سفرية». قد تقدم حكم الحائض متى تترتب الصلاة في ذمتها إذا حاضت فتطالب بقضائها بعد الطهر، ومتى تسقط فلا تطالب بقضائها، وإذا طهرت فمتى تطالب بأدائها ومتى لا تطالب، وقد بنوا ذلك التفصيل على قول النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر»، رواه مالك (٤)، وهو متفق عليه (خ/ ٥٧٩) من حديث أبي هريرة، وأعم منه لفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»، وهو في الموطإ (١٤)، وفي الصحيحين أيضا (خ/ ٥٨٠)، والإدراك الوصول إلى الشيء، وبالإجماع ليس المراد أن ما أدركه وهو الركعة يكفيه عما فاته، والحديث يحتج به على إدراك وقت الصلاة، لكنه لأرباب الضرورات، كما يحتج به على ترتب الصلاة في الذمة بهذا المقدار، وعلى سقوطها من الذمة بالنسبة لحائض، أو أنهم قاسوا ما به السقوط على ما به الإدراك، والمذهب انقسام وقت الصلاة إلى اختياري وضروري، والمقصود هنا بيان متى تصلى الصلاة سفرية مقصورة، ومتى تصلى حضرية تامة، وإنما يحتاج لبيان ذلك فيما إذا لم يكن قد صلى الصلاتين المشتركتي الوقت، وهما الظهر والعصر نهارا، والمغرب والعشاء ليلا، وكل من القسمين إما أن

стр. 740

يكون لم يصلهما في حالة انقطاع سفره بالرجوع، أو حالة سفره بالشروع: ا - فمن بلغ موضع القصر وقد بقي من النهار مقدار ثلاث ركعات فإن الظهر والعصر لم يخرج وقتهما بالنسبة لحالة السفر التي هو عليها فيصليهما سفريتين، سواء أخرهما ناسيا أو عامدا، غير أنه يأثم في العمد. ب - وإن بقي من الوقت ركعة أو ركعتان، فقد ترتبت الظهر في ذمته حضرية لخروج وقتها فيصليها حضرية، ويصلي العصر سفرية لبقاء وقتها حين سفره، واختلف بأيهما يبدأ؟، فقيل بالظهر لوجوب الترتيب ولا سيما بين مشتركتي الوقت، وهو قول ابن القاسم، وقيل بالعصر خوفا من خروج وقتها، وهو لابن وهب، وخيره أشهب. ج- وإن انقطع حكم سفره وقد بقي مقدار خمس ركعات وكان ناسيا لصلاة الظهر والعصر صلاهما حضريتين لبقاء وقتهما، وعدم ترتبهما في ذمته بخروج وقتهما معا، لأنه يصلي الظهر، ويدرك العصر بركعة، وإنما اقتصر المؤلف على الناسي لأنه الغالب، إذ كيف يتعمد المسلم تأخير الصلاة إلى مثل هذا الحد. د - وإن كان الباقي من الوقت بمقدار أربع ركعات فأقل صلى الظهر سفرية، لأنها بخروج وقتها ترتبت في ذمته سفرية، والعصر حضرية، لأنه أدركه وقتها وهو في الحضر. هـ - وفي حالة انقطاع سفره ولم يكن قد صلى المغرب والعشاء، وقد بقي لطلوع الفجر ركعة يصلي المغرب أولا، والعشاء حضرية لأن وقتها قائم حين انقطع سفره. و - أما من خرج مسافرا وقد بقي من الليل مقدار ركعة فما زاد؛ فإنه يصلي المغرب أولا لوجوب الترتيب، ثم يصلي العشاء سفرية لكون وقتها لم يخرج حين تلبسه بالسفر. ولو قيل: إن المسافر إذا نسي صلاة وذكرها في الحضر، والحاضر إذا نسي صلاة، ثم ذكرها في السفر؛ أن كلا منهما يصليها حسب الحالة التي هو عليها، لكون وقت الذكر هو وقت الصلاة المنسية لكان هذا متجها، وقد جاء في بعض روايات حديث نسيان الصلاة والنوم عنها؛ قول النبي ﷺ : «من نسي صلاة؛ فوقتها إذا ذكرها»، وهو عند ابن عدي، والبيهقي من طريقه فلينظر.
следующие страницы →