مقالةٌ في أن النحوي نظرُه إلى أصل الوضع وتقريره
"كلامُ النحويين ونظرُهم إنما هو في أصل الوضع" (١)، ومثالُ ذلك أن "أو" لها معان "سبعة، وهي: التخيير، والإباحة، والتقسيم، والإبهام، والشك، والإضراب، ومعاقَبة الواو.
وأصلُها أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء، وأما استعمالها لخصوص تلك المعاني فإنما ذلك بحسب قرائن الكلام، لا أنها وضعٌ لها أصليٌّ، هذا هو القياس" (٢).
فأصل الوضع هو المعنى الحقيقي للَّفظ، أما المعاني التي تُعرَف من خلال القرائن والسياقات، فهي معاني استعمالية طارئة على أصل الوضع - وقد تصل إلى أن تكون أصلًا وضعيًّا ثانيًا استعماليًّا -، ومما يدخل في بيان هذا الفرق بين المعني الوضعي الذي ينظُر إليه النحوي والمعانى الاستعمالية - الفَرقُ بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى (٣)، فـ "فرقٌ بين تقدير (٤) الإعراب وتفسير
стр. 37
المعنى، وهُما معًا يرجِعان إلى حُكم واحد؛ لأن النظر اللغوي راجعٌ إلى تقرير أصل الوضع، والآخَرُ راجعٌ إلى تقرير المعنى في الاستعمال" (١).
ومن ذلك "تقدير سيبويه … في: "أهْلَكَ واللَّيْلَ" إِن معناه: الْحَقْ أهلَك قبلَ اللَّيْلِ (٢). وليس هذا تقديرَه اللفظي، وكما يقال: إن قولك: "أنتَ وشَأْنُكَ" في تقدير: "أنتَ مع شَأْنِك" (٣). فهذا - وما كان من بابه - تقديرُ معنًى لا تقديرُ صناعة لفظية، وبينهما فَرقٌ. وسيبويه كثيرًا ما يَجتزِئ بتقدير المعنى عن تقدير الإعراب" (٤).
قلتُ: علَّق الشيخ دراز على إطلاق الشاطبي على المعنى الوضعي تقديرَ الإعراب، فقال: "انظر لِمَ أطلَق على بيان المعنى الوضعي إعرابًا؟ " (٥).
ويتبيَّن لك مما سبق بيانُه أن السبب في إطلاقه هذا هو أن تقدير الإعراب هو التقدير الذي ينظُر إليه النحوي ويُقرِّره الموافقُ لمقاصد الصناعة وأصولها، والنحويُّ في صناعته ينظُر إلى أصل الوضع ويُقرِّره، وهو المقابل لتفسير المعنى في الاستعمال، هذا هو السبب في إطلاقه هذا، وهو صحيح.
стр. 38
فإن قلتَ: لكن الشاطبي ذكر في كلامه السابق أن سيبويه كثيرًا ما يَجتزِئ بتقدير المعنى عن تقدير الإعراب، وسيبويه إمام الصناعة النحوية؛ هذا خُلف! فالجواب: أن سيبويه وغيرَه من المتقدِّمين نَحْوُهم يختلف من جهة العناية الزائدة بتقرير المعاني عن نحو المتأخِّرين، كما تبيَّن في المقالة السابقة لهذه المقالة.
стр. 39
الفصل الأول بيان وجه الاحتياج إلى عِلم العربية في الشريعة
стр. 40
مقالةٌ في أن القرآن نزل وَفْق اللسان العربي، وطلبُ فَهمه لا يكون إلا من خلال هذا اللسان
إن "اللسان العَجَمي هو ما خالَف كلام العرب، لا يختصُّ ذلك بأُمَّة دون أُمَّة، فكلُّ لسان غير لسان العرب عَجَمَي" (١)، و"إن هذه الشريعة المباركة عربية، لا مدخل فيها للألسُن العجمية" (٢)، "فإن قلنا: إن القرآن نزل بلسان العرب وإنه عربيٌّ وإنه لا عُجمة فيه؛ فبمعنى أنه أُنزِل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها" (٣).
"القرآن الكريم ليس فيه من طرائق كلام العَجَم شيء، وكذلك السُّنَّة .... ؛ [فـ] القرآن عربيٌّ، والسُّنَّة عربية، لا بمعنى أن القرآن يشتمل على ألفاظ أعجمية في الأصل أو لا يشتمل؛ لأن هذا من علم النحو واللغة، بل بمعنى أنه في ألفاظه ومعانيه وأساليبه عربيٌّ؛ بحيث إذا حُقِّق هذا التحقيق سُلِك به في الاستنباط منه والاستدلال به مسلَكَ كلام العرب في تقرير معانيها ومنازِعها في أنواع مخاطباتها خاصةً؛ فإن كثيرًا من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يُعطيه العقل فيها، لا بحسب ما يُفهَم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبيرٌ وخروجٌ عن
стр. 41
مقصود الشارع (١)؛ "لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]. وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]. وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].
إلى غير ذلك مما دلَّ (٢) على أنه عربيٌّ وبلسان العرب، لا أنه أعجميٌّ ولا بلسان العَجَم، فمن أراد تفهُّمه، فمن جهة لسان العرب يُفهَم، ولا سبيل إلى تطلُّب فهمه من غير هذه الجهة" (٣).
وكونُ "القرآن مُعجِزًا أفحم الفصحاء، وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله؛ فذلك لا يُخرِجه عن كونه عربيًّا جاريًا على أساليب كلام العرب ميسَّرًا للفهم فيه عن الله ما أمَر به ونهَى، لكن بشرط الدُّربة في اللسان العربي … ؛ إذ لو خرج بالإعجاز عن إدراك العقول معانيَه؛ لكان خطابُهم به من تكليف ما لا يُطاق، وذلك مرفوع عن الأُمَّة، وهذا من جملة الوجوه الإعجازية فيه؛ إذ من العجب إيراد كلام من جنس كلام البشر في اللسان والمعاني والأساليب، مفهومٌ معقولٌ، ثم لا يقدِر البشر على الإتيان بسورة مثله لو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيرًا؛ فهُم أقْدرُ ما كانوا على معارَضة الأمثال أعجزُ ما كانوا عن معارضته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ
стр. 42
قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [فصلت: ٣]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
وعلى أيِّ وجهٍ فُرض إعجازُه؛ فذلك غير مانع من الوصول إلى فهمه وتعقُّل معانيه؛ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، فهذا يستلزم إمكان الوصول إلى التدبُّر والتفهُّم، وكذلك ما كان مثله، وهو ظاهر" (١).
وإنزال الله سبحانه كلامه على العرب وَفْق لسانهم هو من باب "معاملته لهُم بالرِّفق والحُسنى؛ من جعله عربيًّا يدخل تحت نيل أفهامهم، مع أنه المُنزَّه القديم" (٢).
وعلى "لُغة أهل الحجاز … نزل … القرآن" (٣)، بمعنى أنه "في غالبه بلُغة أهل الحجاز" (٤).
стр. 43
مقالةٌ في أن كلام العرب وُضِع من أجل البيان عن المعاني وقصد الإفهام
إن "وضع الكلام إنما هو للبيان عن المعاني التي في النفس" (١)، وذلك من أجل "قصد الإفهام الذي وُضِع له الكلام" (٢)، ومع أن العرب من تصرُّفهم في كلامهم أنهم يقصدون إلى الإبهام والتعمية لأغراض معروفة عندها، إلا "أن البيان ورفْعَ اللبس في كلامهم أكثر وأشهر" (٣)؛ ولهذا كانت "القاعدة أن الحذف في كلام العرب لا يكون إلا حيث دلَّ عليه دليل من قرينة لفظية أو معنوية؛ لأنه لو لم يكُن عليه دليل لاختل المقصودُ من الإفهام" (٤).
فمقصد البيان والإفهام أصلٌ للعرب في كلامها، وعليه فـ "ما لا فائدةً له لا تكَلَّمُ به العربُ" (٥).
ولهذا كان من معهود العرب في كلامها أن "المعاني إذا سلِمت في النقل فلا مبالاة بمُجرَّد الألفاظ إلا من باب الأَولى خاصةً" (٦)، فكانت لذلك "تُهمِل بعض أحكام اللفظ وإن كانت تعتبره على الجملة" (٧)، اعتبارًا منها لهذا الأصل.
стр. 44
ولما كان كلام الشارع قد نزل على هذا المعهود، وجب أن يكون "الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم؛ بِناءً على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها، وهذا الأصل معلومٌ عند أهل العربية، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد، والمعنى هو المقصود، ولا أيضًا كلُّ المعاني، فإن المعنى الإفرادي قد لا يُعبأ به إذا كان المعنى التركيبيُّ مفهومًا دُونه" (١)، فـ "عندَ الأئمة … المقصودُ الأعظم … هو المعنى؛ لتلقِّي الأحكام الشرعية" (٢).
وأيضًا "فإن العرب تراعي أحكام اللفظ، وتحافظ في التقديرات على ما يليق بها" (٣)، فـ "معهودُ العرب أن لا تُراعي (٤) الألفاظ تعبُّدًا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تُراعيها أيضًا، فليس أحد الأمرَين عندها بملتزَم، بل قد تبني على أحدهما مرة، وعلى الآخَر أخرى، ولا يكون ذلك قادحًا في صحة كلامها واستقامته، والدليل على ذلك أشياء:
أحدها: خروجها في كثير من كلامها عن أحكام القوانين المطَّرِدة والضوابط المستمرة، وجريانها في كثير من منثورها على طريق منظومها وإن لم يكن بها حاجة، وتركُها لما هو أَولى في مراميها، ولا يُعَدُّ ذلك قليلًا في كلامها ولا ضعيفًا، بل هو كثيرٌ قويٌّ، وإن كان غيرُه أكثرَ منه.
стр. 45
والثاني: أن من شأنها الاستغناء ببعض الألفاظ عما يُرادفها أو يُقاربها، ولا يُعَدُّ ذلك اختلافًا ولا اضطرابًا إذا كان المعنى المقصود على استقامة، والكافي من ذلك نزول القرآن على سبعة أحرُف، كلُّها شافٍ كافٍ، وفي هذا المعنى من الأحاديث وكلام السلف العارفين بالقرآن كثيرٌ.
وقد استمرَّ أهل القراءات على أن يعملوا بالروايات التي صحَّت عندهم مما وافَق المصحف، وأنهم في ذلك قارئون للقرآن من غير شكٍّ ولا إشكال، وإن كان بين القراءتين ما يعُدُّه الناظر ببادئ الرأي اختلافًا في المعنى؛ لأن معنى الكلام من أوله إلى آخره على استقامة لا تفاوُت فيه بحسب مقصود الخطاب، كـ: ﴿مَالِكِ﴾ و: (مَلِك) (١)، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]، (وما يُخادعون إلا أنفسهم) (٢)، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨]، (لنُثْوِيَنهم من الجَنَّةِ غُرَفًا) (٣).
إلى كثير من هذا؛ لأن جميع ذلك لا تفاوُت فيه بحسب فهم ما أُريد من الخطاب، وهذا كان عادة العرب؛ ألا ترى ما حكى ابن جني عن عيسى بن عمر، وحكاه غيرُه أيضًا (٤)، قال: سمعت ذا الرُّمَّة يُنشِد (٥): [الطويل]
وظَاهِرْ لها من يابِسِ الشَّخْتِ واستعِنْ … عليها الصَّبا واجْعَل يَدَيْكَ لها سِترًا
стр. 46
فقلت: أنشدتَني: "من بائس"، فقال: "يابس" و"بائس" واحد.
فأنت ترى ذا الرُّمَّة لم يعبأ بالاختلاف بين البؤس واليُبْس لمَّا كان معنى البيت قائمًا على الوجهين وصوابًا على كلتا الطريقتين، وقد قال في رواية أبي العباس الأحول: "البؤس واليُبْس واحد"، يعني: بحسب قصد الكلام، لا بحسب تفسير اللغة.
وعن أحمد بن يحيى (١)، قال: أنشدني ابن الأعرابي (٢): [الطويل]
وموضعِ زَبْنٍ لا أريد مَبِيتَهُ … كأَنِّي به من شِدَّةِ الرَّوعِ آنِس
فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا أنشدتنا، وإنما أنشدتنا: "وموضع ضَيق".
فقال: سبحان الله! تصحبُنا منذ كذا وكذا، ولا تعلم أن الزبن والضيق واحد (٣)؟!
وقد جاءت أشعارهم على روايات مختلفة، وبألفاظ متباينة، يُعلَم من مجموعها أنهم كانوا لا يلتزمون لفظًا واحدًا على الخصوص، بحيث يُعَدُّ مُرادِفه أو مُقارِبه عيبًا أو ضعفًا، إلا في مواضع مخصوصة لا يكون ما سواه من المواضع محمولًا عليها، وإنما معهودُها الغالب ما تقدَّم.
والثالث: أنها قد تُهمِل بعض أحكام اللفظ وإن كانت تعتبره على الجملة، كما استقبحوا العطف على الضمير المرفوع المتصل مطلقا، ولم يُفرِّقوا بين ما له لفظ وما ليس له لفظ، فقبُح "قمتُ وزيدٌ" كما قبُح "قام وزيدٌ".
стр. 47
وجمعوا في الرِّدْف (١) بين "عمود" و"يعود" من غير استكراه، وواو "عُمود" أقوى في المدِّ.
وجمعوا بين "سعيد" و"عمود" مع اختلافهما، وأشباه ذلك من الأحكام اللطيفة التي تقتضيها الألفاظ في قياسها النظري، لكنها تُهمِلها وتوليها جانب الإعراض، وما ذلك إلا لعدم تعمُّقها في تنقيح لسانها.
والرابع: أن الممدوح من كلام العرب عند أرباب العربية ما كان بعيدًا عن تكلُّف الاصطناع، ولذلك إذا اشتغل الشاعر العربي بالتنقيح اختُلف في الأخذ عنه، فقد كان الأصمعي يعِيب الحطيئة، واعتذَر عن ذلك بأن قال: "وجدتُ شِعرَه كلَّه جيِّدًا، فدلَّني على أنه كان يصنعه، وليس هكذا الشاعر المطبوع، إنما الشاعر المطبوع الذي يرمي بالكلام على عواهنه؛ جيِّدِه على رديئه" (٢)، وما قاله هو الباب المنتهَج والطريقُ المَهْيَع عند أهل اللسان.
وعلى الجملة، فالأدلة على هذا المعنى كثيرة، ومَن زاوَل كلام العرب وقف من هذا على عِلم.
وإذا كان كذلك، فلا يستقيم للمتكلِّم في كتاب الله أو سُنَّة رسول الله أن يتكلَّف فيهما فوقَ ما يسَعُه لسان العرب، وليكن شأنُه الاعتناءَ بما شأنُه أن تعتني العرب به، والوقوفَ عند ما حدَّتْه" (٣).
* * *
стр. 48
قلتُ: علَّق محقِّق النشرة المغربية لـ "الموافقات" على قول أبي إسحاق الشاطبي: "وما ذلك إلا لعدم تعمُّقها في تنقيح لسانها" السابق، بقوله: "هذه دعوى بلا دليل، بل المقطوع به أنها لا تفرِّق إلا لملحظ دقيق ترعاه، ولا تجمع حين تجمع إلا لذلك أيضًا، فمن أراد معرفة ذلك من كلامها؛ فعليه بـ "الخصائص" لابن جني" (١).
وهذا الاعتراض في غاية الغرابة، والسبب هو أنه لا علاقة له بما يريد الشاطبي بيانَه، والذي ألجأ المعتِرض إلى هذا هو عدم فهم مراد أبي إسحاق من كلامه؛ فالشاطبيُّ يُقرِّر فيه أن العرب قد تُهمِل بعض أحكام اللفظ، فتأتي به على خلاف القياس في كلامها - وهذا من المقطوع به في عِلم العربية وأصوله -؛ وهذا لأن المعنى مفهوم مستقيم في الجملة، وهو المقصد الرئيس للعرب من كلامها الذي أقام كلَّ كلامه السابق من أجل بيانه وتقريره، فأراد أن يُبيِّن أنها لم تتعمَّق في إصلاح الأحكام اللفظية؛ بمعنى أنها لم تراعِه على كلِّ حال وفي كلِّ موضع، بل تتركه في مواضع ولا تبالي بذلك؛ فتخرُج به عن قياس كلامها؛ ولهذا وجدنا في كلامها الخارج عن القياس وإن كان في غير الأصول وما عليه العامة والجمهور - كما يقول ابن جني (٢) -؛ لأن الغرض الأعظم متحقِّق، وهو استقامة المعنى وسلامته.
وقوله: "هذه دعوى بلا دليل" إنما هو على ما فَهِمه خطأً من مراد الشاطبي من كلامه، على أن الشاطبي بالفعل لم يذكر الدليل على ما قرَّره وفق فهمنا
стр. 49
الصحيح لكلامه، وإنما لم يذكره لأنه مما هو مقطوع به في عِلم أصول العربية كما قلتُ، وما كان هذا شأنه يكفي ذِكرُه على أنه مُسلَّم من أهله، لا أنه يقوم بتقريره كما يُقرِّرونه؛ من جهة التصحيح والاستدلال، فهذا من فضل العِلم ومُلَحه، والانشغالُ به غير محتاج إليه، وهذا أصل من الأصول التي اعتمدها الشاطبي في كلِّ كتبه عمليَّا، ونصَّ عليه في "الموافقات" في قوله:
"ويُتصوَّر ذلك [أي: تحوُّل ما هو من صلب العِلم إلى ما هو من مُلَحه] في خلط بعض العلوم ببعض، كالفقيه يبني فقهَه على مسألة نحوية مثلًا، فيرجع إلى تقريرها مسألة - كما يُقرِّرها النحوي - لا مقدِّمة مُسلَّمة، ثم يردُّ مسألته الفقهية إليها، والذي كان من شأنه أن يأتي بها على أنها مفروغ منها في عِلم النحو فيبني عليها، فلما لم يفعل ذلك، وأخذ يتكلَّم فيها وفي تصحيحها، وضبطها، والاستدلال عليها، كما يفعله النحوي؛ صار الإتيان بذلك فضلًا غير محتاج إليه، وكذلك إذا افتقَر إلى مسألة عددية؛ فمن حقِّه أن يأتي بها مُسلَّمة ليُفرِّع عليها في عِلمه، فإن أخذ يبسُط القول فيها كما يفعله العدديُّ في عِلم العَدَد، كان فضلًا معدودًا من المُلَح إن عُدَّ منها، وهكذا سائر العلوم التي يخدم بعضها بعضًا" (١).
ومن هذا الباب أيضًا اعتراض الدكتور محمود توفيق على الشاطبي في استدلاله على أن العرب لا ترى الألفاظ تعبُّدًا عند محافظتها على المعاني؛ بأنها تخرج في كثير من إلخ. وأن من شأنها الاستغناء ببعض الألفاظ إلخ.
فقد ذكر الدكتور عن الأمر الأول أن هذا موجود بالفعل في كلام العرب لأسباب ترجع إلى الحاجة والعجز عن الاستيفاء والتدقيق، وأن الذي دعاها
стр. 50
إلى اجتناب التدقيق الخوف من السقوط في التكلُّف وتحميل اللغة والنفْس فوق ما تطيق، ثُمَّ قرَّر أنَّ القرآن ليس فيه شيء من ذلك البتة؛ فليس فيه خروج عند الحاجة ولا عجزٌ عن الاستيفاء، وأنه ليس فيه خروج عن كل أنماط اللسان العربي ومذاهبه في القول، وما قد يُظنُّ أنه خروج فهو في حقيقته اختيار لنهج من العربية يتناسب مع المقام الدلالي والقصد البياني، ولذلك فلا تصلح قواعد النحويين عيارًا لما جاء به القرآن (١).
هذا ما قال الدكتور وقرَّره، وهو بعيد جدًّا عمَّا أراده الشاطبي، والكلام مع الدكتور - حفظه الله - من أوجُه:
الأول: أن الشاطبي لا يقول إن البيان القرآني فيه ضرورة وحاجة كما هو متفَقٌ عليه عند سائر العلماء، وقد نصَّ على ذلك في كتابه "المقاصد الشافية" (٢).
الثاني: أن الشاطبي أراد بالخروج عن القوانين المطردة الخروج عن القواعد الكلية التي وضعها النحاة من خلال الاستقراء التامِّ لكلام العرب، وهي قواعد أكثرية أغلبية حُكمها حُكم الكلي كما سيأتي بيانه بالتفصيل في المقالة الرابعة من هذا الفصل، فالشاطبي يعي ولا يخفى على مِثله أن القرآن ليس فيه خروج تامٌّ عن تراكيب كلام العرب، وسيأتي أيضًا منافحته عن قراءة ابن عامر: (وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم) [الأنعام: ١٣٧] في خاتمة الكتاب من هذا الوجه.
стр. 51
الثالث: أن الشاطبي نصَّ على أن عبارات القرآن قد يكون فيها خروج عن القوانين الكلية، إلَّا أن هذه العبارات هي المُفصِحة عن المعنى والموافقة المقتضى الحال الذي هو ذروة سنام البلاغة والبيان، كما سيأتي ذِكره في المقالة الثالثة من "الفصل السادس".
ولذلك عندما قرَّر الشاطبي أن العِلم الأكيد الاشتراط في المجتهد هو العربية، نبَّه على أنَّه لا يقصد بالعربية النحوَ وحدَه ولا البيان وحدَه ولا غيرهما من علوم العربية، بل كل علوم العربية التي تُعين المجتهد على أخذ المعاني من ألفاظ الشارع، وسيأتي تقرير هذا بالتفصيل في المقالة الثانية من "الفصل الرابع".
وهذا الوجه فيه ردٌّ أيضًا على الدكتور في مناقشته للشاطبي في الأمر الثاني وهو قول الشاطبي: إن العرب من شأنها الاستغناء ببعض الألفاظ إلخ.
فالشاطبي في هذه الأوجه التي ذكرها للتدليل على أن العرب لا ترى الألفاظ تعبُّدًا عند محافظتها على المعاني، لم يُرِد منها أكثر من تقرير أن يعتني الناظر في الكتاب والسُّنة بالمعاني، ويُراعي نهج العرب - الذين نزَل القرآن بلسانهم - في تقريرها، ويدلُّ على ذلك آخر كلامه، وهو: "فلا يستقيم للمتكلِّم في كتاب الله أو سُنَّة رسول الله أن يتكلَّف فيهما فوقَ ما يسَعُه لسان العرب، ولْيكُن شأنُه الاعتناءَ بما شأنُه أن تعتني العرب به، والوقوفَ عند ما حدَّتْه"، لا أنَّه يريد أن إهمال بعض أحكام اللفظ أو رَمْي بعض الكلام على عواهنه الموجود في كلام العرب - هو كذلك موجودٌ في القرآن!
وعلى هذا فقول الدكتور - متابعًا فيه الشيخ دراز - على الدليل الرابع والثالث اللذين استدل بهما الشاطبي على ما أراد في هذا الأصل: "وكان مقتضى هذا
стр. 52
الدليل والذي قبله أن يأتي الشاطبي من الكتاب أو الحديث النبوي بما فيه إهمال بعض أحكام اللفظ أو ما رُمي به الكلام على عواهنه، كما يقول الشيخ عبد الله دراز" (١) - إلزامٌ للشاطبي بما لا يلزَمه، بل ولا يرِد على كلامه ابتداءً كما تبيَّن.
* * *
стр. 53
مقالةٌ في أن عِلم العربية مبني على متابعة العرب في كلامها والتزام ما التزمته فيه
"النحوُ كلُّه مبنيٌّ على أن نَقفُوَ أثرَ العرب فيه" (١)؛ إذ "العرب هم الحُجَّة على الجميع" (٢)، فـ "مخالفة العرب … خطأ" (٣).
ولذلك فإن "القياس عند أهل اللسان تابعٌ غير متبوع، أي تابعٌ للسماع من العرب، فالسماع هو الحاكم على القياس، وليس السماع تابعًا للقياس، فلا يكون القياس حاكمًا على السماع، ولذلك قال الإمام: "قِف … حيث وقَفوا ثم فَسِّر" (٤)، فأخَذ الناسُ هذا منه أصلًا يرجِعون إليه" (٥)، وهو "أصلٌ عظيمٌ، لا يفهمه حقَّ الفهم إلا مَن قتل كلام العرب عِلمًا، وأحاط بمقاصده" (٦)، فـ "القياس آتٍ من وراء السماع" (٧)، و"أصلُه شياع السماع" (٨). فـ "المتبع هو السماعُ" (٩)، ولذلك
стр. 54
"لا يشُكُّ أحد في أنه يُلتزَم في القياس أو في السماع المحكيِّ ما التزمتْه العرب، وعلى هذا مبنى النظر في العربية" (١)؛ "فلا معنى للقياس إلا أن يوصل إلى معرفة كلام العرب" (٢)، و"القاعدة أنه لا بُدَّ من اتباع العرب في المسموع كلِّه، وتركِ القياس معه" (٣)، ولهذا "لا يجوز لنا نحن أن نتكلَّم بما تركته العرب مما علِمْنَا قصدها لتركِهِ" (٤) معتمدِين على القياس.
وحال القياس هذه في العربية تُشبِه حال القياس في الشريعة - لأن كلًّا من العربية والشريعة أصلُهما منقول واجب التسليم والقبول كما هو مُبيَّن في أصولهما -؛ ففي الشريعة "ليس القياس من تصرُّفات العقول محضًا، وإنما تصرَّفت فيه من تحت نظر الأدلة، وعلى حسب ما أعطته من إطلاق أو تقييد .... ، فإنا إذا دلَّنا الشرع على أن إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه معتبَرٌ، وأنه من الأمور التي قصدها الشارع، وأمر بها، ونبَّه النبيُّ ﷺ على العمل بها؛ فأين استقلال العقل بذلك؟ بل هو مهتَدٍ فيه بالأدلة الشرعية، يجري بمقدار ما أجْرَتْه، ويقف حيث وقَفتْه" (٥).
ولهذا أيضًا كان الدليل اللغوي يُشبِه الدليل الشرعي من جهة أن "كلَّ دليل شرعي؛ فمبنيٌّ على مقدِّمَتين:
إحداهما: راجعة إلى تحقيق مناط الحُكم.
стр. 55
والأخرى: ترجع إلى نفس الحُكم الشرعي.
فالأُولى: نظرية، وأعني بالنظرية هنا ما سوى النقلية؛ سواءٌ علينا أثبَتَت بالضرورة أم بالفكر والتدبُّر، ولا أعني بالنظرية مقابل الضرورية.
والثانية: نقلية، وبيانُ ذلك ظاهر في كلِّ مطلب شرعي، بل هذا جارٍ في كلِّ مطلب عقلي أو نقلي؛ فيصحُّ أن نقول: الأُولى راجعة إلى تحقيق المناط، والثانية راجعة إلى الحُكم … ، فإذا قلتَ: إن كلَّ مسكرٍ حرام؛ فلا يتمُّ القضاء عليه حتى يكون بحيث يُشار إلى المقصود منه ليُستعمَل أو لا يُستعمَل؛ لأن الشرائع إنما جاءت لتحكُم على الفاعلين من جهة ما هم فاعلون، فإذا شرَع المكلَّفُ في تناول خمر مثلًا؛ قيل له: أهذا خَمْرٌ أم لا؟ فلا بُدَّ من النظر في كونه خمرًا أو غير خمر، وهو معنى تحقيق المناط، فإذا وُجِد فيه أمارةُ الخمر أو حقيقتُها بنظر معتَبر؛ قال: نعم، هذا خمر. فيقال له: كلُّ خمر حرامُ الاستعمال. فيجتنِبه، وكذلك إذا أراد أن يتوضأ بماء؛ فلا بُدَّ من النظر إليه: هل هو مُطلَق أم لا؟ وذلك برؤية اللون، وبذوق الطعم، وشمِّ الرائحة، فإذا تبيَّن أنه على أصل خِلقته؛ فقد تحقَّق مناطُه عندَه، وأنه مُطلَق، وهى المقدِّمة النظرية، ثم يُضيف إلى هذه المقدِّمة ثانية نقلية، وهي أن كلَّ ماء مُطلَق؛ فالوضوءُ به جائز، وكذلك إذا نظر: هل هو مُخاطَب بالوضوء أم لا؟ فيُنظَر: هل هو محدِث أم لا؟ فإن تحقَّق الحدَثَ؛ فقد حُقِّق مناطُ الحُكم، فيرِد عليه أنه مطلوب بالوضوء، وإن تحقَّق فقْدَه؛ فكذلك؛ فيرِد عليه أنه غير مطلوب الوضوء، وهي المقدِّمة النقلية.
فالحاصل أنَّ الشارع حكَم على أفعال المكلَّفين مُطلَقة ومُقيَّدة، وذلك مقتضى إحدى المقدِّمتين، وهي النقلية، ولا يُنزَّل الحُكم بها إلا على ما تحقَّق أنَّه
стр. 56
مناط ذلك الحُكم على الإطلاق أو على التقييد، وهو مقتضى المقدِّمة النظرية.
والمسألة ظاهرةٌ في الشرعيات، نعم، وفي اللغويات … ؛ فإنا إذا قلنا: ضرَب زيدٌ عمرًا، وأردنا أن نعرف ما الذي يُرفَع من الاسمين وما الذي يُنصَب؛ فلا بُدَّ من معرفة الفاعل من المفعول، فإذا حقَّقْنا الفاعلَ وميَّزناه، حكَمْنا عليه بمقتضى المقدِّمة النقلية، وهي أنَّ كلَّ فاعل مرفوع، ونصَبْنا المفعولَ كذلك؛ لأن كلَّ مفعول منصوب، وإذا أردنا أن نُصغِّر "عَقْربًا" حقَّقْنا أنه رباعي؛ فيستحِق من أبنية التصغير بنية "فُعَيْعِل"؛ لأن كلَّ رباعي على هذه الشاكلة تصغيرُه على هذه البِنية، وهكذا في سائر علوم اللغة" (١).
* * *
стр. 57
مقالةٌ في أن نظر النحوي إلى ما كان مقيسًا أكثريًّا من اللغة خاصةً، وأنه في حكم الكليِّ القطعيِّ
"النحويُّ لا يتكلَّم إلا فيما كان مقيسًا خاصةً" (١)؛ إذ "عِلم النحو إنما هو الكلام على قياس كلام العرب، فإذا أُطلِق القول فيه فهو محمولٌ على أصله الذي بُني عليه، وأما السماع فإنما يتكلَّم فيه النحويُّ بالانجرار وعلى جهة الاحتراز أن لا يقاسَ .... ، الأصلُ في عِلم النحو … تقرير القياس" (٢)، فالصناعة النحوية هي "صنعة القياس" (٣)، و"التفقُّه في المنقول" (٤)، وأما سلوك "سبيل مَجرَّد النَّقْل" (٥) فهو من صناعة أخرى، وهي صناعة اللغويين، "لا سيما أهل النوادر منهم" (٦).
فكلام العرب يُدرك "بوجهين:
أحدهما: جهة السماع والنقل، وهذا غير لائق ذكره بالنحوي من حيث هو نحوي، وإنما هو وظيفة اللغوي، فمَن ذكر منه من النحويين شيئًا فليس من جهة كونه نحويًّا.
стр. 58
والثاني: جهة القياس، وهذا هو اللائق بكتب النحويين؛ لأنهم إنما يتكلَّمون فيما كان مقيسًا من اللغة" (١).
وإنما كان اعتناء النحويين بالمقيس دون غيره؛ لأنه الذي يُمثِّل أصل الوضع (٢) والحقيقةَ، فهو "من صريح كلامهم" (٣) ومعهوده الذي منوطٌ بالنحوي تقريرُه في صناعته.
فـ "قصدُ النحويِّ عَقدُ القوانين فيما يمكن عقدُها فيه" (٤)، والشاذُّ وما في حُكمه لا يمكن فيه ذلك، "وإلا فلو اعتُبر هذا في كسر القواعد لاعتُبرَت الشذوذاتُ … ، فلم يَنتظم قياس، ولا تمَهَّد أصل" (٥)، ف"النادر لا حُكم له، ولا تنخرِم به الكلية المستدَل عليها" (٦).
ولو فعَلنا كنا مساوين بين الشائع المطّرد الذي هو معهود الكلام والشاذ النادر وما في حكمهما، والعربُ لم تساوِ بينهما (٧)؛ فنكون قد خالفنا العرب وهو خطأ.
وهذه "قاعدةٌ هي من المتقدِّمين على بال، ويُغلفها أكثرُ المتأخِّرين إلا مَن فهم مقاصد المتقدمين، وحذا حذوَهم، وذلك أن إثبات السماع من حيث إنه
стр. 59
سُمِع، أو نفْيَ السماع من حيث لم يبلُغ النافي ذلك - سَهلٌ يسير؛ لأنه نقلٌ وإخبارٌ عن أمرٍ محسوس لا يُنكره عاقل.
وأما إثباتُه أو نفيه من جهة ما يُقاس عليه أو لا يُقاس، فليس بالسهل ولا باليسير، فالذين اعتنوا بالقياس والنظر فيما يُعَدُّ من صُلب كلام العرب وما لا يُعَدُّ لم يُثبتوا شيئًا إلا بعد الاستقراء التام، ولا نفوه إلا بعد الاستقراء التام، وذلك كلُّه مع مزاولة العرب ومُداخلة كلامها وفهم مقاصدها، إلى ما ينضَمُّ إلى ذلك من القرائن ومقتضيات الأحوال التي لا يقوم غيرُها مَقامها، فبَعدَ هذا كلِّه ساغ لهم أن يقولوا: هذا يُقاس، وهذا لا يُقاس. هذا يقوله من لا يقول كذا. و: هذا مما استُغني عنه بغيره، إلى غير ذلك من الأحكام العامة التي لا يُفضي بها إلا مَن اطلع على مآخذ العرب، وعرف مآل مقاصدها. وهذا أمرٌ مقطوع به عند أرباب هذا الشأن، ومَن فهم كلام الأئمة في تواليفهم لم يَخْفَ عليه ما ذكر" (١).
فالقاعدة العامة في الوضعيات "أن الأمر العام والقانون الشائع … لا تنقُضه الأفراد الجزئية الأقلية؛ لأن الكلية إذا كانت أكثرية في الوضعيات انعقدت كليةً، واعتُمدت في الحكم بها وعليها، شأنَ الأمور العادية الجارية في الوجود، ولا شك أن ما اعترض به من ذلك قليل، يدلُّ عليه الاستقراء؛ فليس بقادح فيما تأصل" (٢)، "ولما كان قصد الشارع ضبطَ الخَلْق إلى القواعد العامة، وكانت العوائدُ قد جرت بها سُنَّة الله أكثريةً لا عامةً، وكانت الشريعةُ موضوعة على مقتضى ذلك الوضع، كان من الأمر المُلتفَت إليه إجراءُ القواعد على العموم
стр. 60
العادي، لا على (١) العموم الكليِّ التام الذي لا يتخلَّف (٢) عنه جزئيٌّ ما" (٣).
"وهذا الموضع كثير الفائدة عظيمُ النفع بالنسبة إلى المتمسِّك بالكليات إذا عارضتها الجزئيات وقضايا الأعيان، فإنه إذا تمسَّك بالكلي كان له الخِيَرة في الجزئيِّ في حمله على وجوه كثيرة، فإن تمسَّك بالجزئي لم يُمكِنه مع التمسُّك به (٤) الخِيَرة في الكليِّ؛ فثبت في حقِّه المعارضة، ورمَتْ به أيدي الإشكالات في مهاوٍ بعيدة، وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدِّين؛ لأنه اتباع للمتشابهات وتشكُّك في القواطع المحكمات" (٥).
فما كان من النحاة من قولهم هذا الكلام شاذ أو "هذه لغة ضعيفة، أو ما أشبه ذلك من العبارات الدالة على مرتبة تلك اللغة في اللغات؛ فهذا واجبٌ أن يُعرَّف به، وهو من جملة حفظ الشريعة والاحتياط لها" (٦)، فالنحاة لذلك "هم الذين قاموا بفَرْض الذَّبِّ عن ألفاظ الكتاب وعبارات الشريعة وكلام نبيِّنا محمد ﷺ " (٧).
فالشاذُّ وما في حكمه هو من المحتملات، و"إثباتُ معنى لكلمة ما بالمحتمل لا يسوغ؛ لأنه تقوُّل على كتاب الله وكلام العرب" (٨).
стр. 61
"ولما رأى أهل التحقيق البناء على مثل هذه الأصول المحقَّقة الاستقرائية مطَردًا عند الخليل وسيبويه، وغير مطَّردٍ عند الكوفيين، اعتمدوا على قياسهما، واعتمدوا على نقلهما وتحقيقهما، ونِعمًا فعلوا" (١).
"وربما يظُنُّ مَن لم يطَّلع على مقاصد النحويين أن قولهم: شاذ، أو لا يُقاس عليه، أو بعيد في النظر القياسي، أو ما أشبه ذلك، ضعيف في نفسه، وغير فصيح، وقد يقع مثل ذلك في القرآن فيقومون في ذلك بالتشنيع على قائل ذلك، وهم أولى لَعَمرُ اللَّه أن يُشنَّع عليهم، ويُمال نحوهم بالتجهيل والتقبيح" (٢).
فالأكثريُّ معتَبر على كلِّ حال؛ ولذلك تقرَّر أن "القياس في الأمور المجازية سائغٌ إذا كثُرت واطَّردت" (٣)، وهذا - كما تقدَّم ذكره - تابعٌ لمقصد الشارع في اعتباره "العمل العام هو المعتمَد على أيِّ وجه كان، وفي أيِّ محل وقع، ولا يُلتفَت إلى قلائل ما نُقِل، ولا نوادر الأفعال إذا عارضها الأمر العام والكثير" (٤).
ولهذا كادت مضارُّ الاعتماد على القليل الشاذِّ والعملُ وَفْقه في العربية تُشبه مضارَّ الاعتماد على القليل في الشريعة؛ إذ في الشريعة "ينبغي للعامل أن يتحرَّى العمل على وفق الأوَّلين؛ فلا يُسامِح نفسَه في العمل القليل؛ إلا قليلًا وعند لَزِّ (٥) الحاجة ومسَّ الضرورة إن اقتضى معنى التخيير، ولم يَخَف نسخَ
стр. 62
العمل أو عدمَ صحة في الدليل، أو احتمالًا لا ينهض به الدليلُ أن يكون حُجة، أو ما أشبه ذلك.
أما لو عمل بالقليل دائمًا؛ للزِمه أمور:
أحدها: المخالفة للأوَّلين في تركهم الدوام عليها، وفي مخالفة السلف الأوَّلين ما فيها.
والثاني: استلزام ترك ما داوموا عليه؛ إذ الفرض أنهم داوموا على خلاف هذه الآثار، فإدامة العمل على موافقة ما لم يداوموا عليه مخالفة لِما داوموا عليه.
والثالث: أن ذلك ذريعة إلى اندراس أعلام ما داوموا عليه واشتهار ما خالفه؛ إذ الاقتداء بالأفعال أبلغ من الاقتداء بالأقوال، فإذا وقع ذلك ممن يُقتدى به، كان أشدَّ" (١).
فالمقصد الرئيس من عِلم النحو هو من صُلب العِلم الذي "هو الأصل والمعتمَد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين، وذلك ما كان قطعيًّا، أو راجعًا إلى أصل قطعيٍّ" (٢)، ويُميِّز هذا الصُّلب خواص ثلاث: "العموم والاطراد … ، الثبوت من غير زوال … ، كونُ العِلم حاكمًا لا محكومًا عليه، بمعنى كونه مفيدًا لعملٍ يترتَّب عليه مما يليق به؛ فلذلك انحصرت علوم الشريعة فيما يفيد العملَ أو يُصوِّب نحوه، لا زائد على ذلك" (٣).
وكلُّ هذه الخواص متحقِّقة في هذا الأكثري دون الجزئيات المحتمِلة
стр. 63
والشذوذات الخارجة عنه، وهذا يعني أن هذا الأكثري قد اعتُمد كليًّا قطعيًّا؛ فأحكامُ النحو الاستقرائية يقينية أو أنها تُفيد غلبة الظنِّ الذي يقوم مقام اليقين والقطع (١)، هذا شأن الأكثري في العربية والشريعة، فإن "الغالب الأكثري معتبَر في الشريعة اعتبار العام القطعي؛ لأن المتخلِّفات الجزئية لا ينتظِم منها كُليٌّ يُعارِض هذا الكُليَّ الثابت، هذا شأن الكليات الاستقرائية، واعتبِر ذلك بالكليات العربية، فإنها أقرب شيء إلى ما نحن فيه؛ لكون كلٍّ من القَبِيلَين أمرًا وضعيًّا لا عقليًّا (٢).
أما القطع بالحُكم الثابت من غير طريق الاستقراء مثل الحُكم الثابت بالقياس والحمل، فالقطع فيه هو القطع بالحُكم في حقِّ القائس، لا القطع بأن الحُكم على هذا في نفس الأمر، ومثاله القطع بحُكم زيادة همزة "أفْكَل"، فهو "إذا سُلِّم إنما هو القطع بالحُكم لا القطع بالزيادة؛ فيهما (٣) فَرقٌ، وبيانُه أن القطع بالزيادة … إذا قال في "أَفْكَل" … إنه "أَفْعَلٌ" على القطع - مُشكِل؛ لإمكان أن يكون له دليل على الأصالة وأن وزنه "فَعْلَل"، لكنا لم نطلِع عليه فلا يتأتى هاهنا.
وأما القطع بالحُكم بالزيادة فلا إشكال فيه؛ لأنا إذا قلنا همزة "أَفْكَل" يُمكن أن تكون في نفس الأمر زائدة أو أصلية، لكن الأكثر في مثلها الزيادة، فنحكُم نحن عليها بالأكثر، ونقطع بهذا الحكم على غير تردُّد حتى يتبيَّن خلافُه، ولا شكَّ أن الأمر عند النحويين كذلك؛ إذ لم يحكُموا في مِثل هذا بالتردُّد، وإنما حكمُوا بالزيادة، ولا يلزم من القطع بالحُكم بالزيادة القطع بالزيادة، ونظيرُ هذا قولهم
стр. 64
في الفقه حين حدُّوه: هو العِلم بالأحكام الشرعية إلى آخره. مع أن الفقه من باب المظنون لا من باب المعلوم على ما قالوه، ولكن أجابوا بهذا النحو؛ وهو أن العِلم راجعٌ إلى نفس الحُكم، والظنُّ راجعٌ إلى نفس الاستنباط؛ فكونُ هذه الصورة مثلًا مساوية لأخرى منصوصٍ عليها مظنونٌ بلا شك، وكونُك حكمتَ على هذه بحُكم هذه مقطوعٌ به؛ لأنه حُكم الله تعالى في حقِّ المكلَّف على الجملة، وهكذا مسألتُنا لما غلب على الظنِّ أن همزة "أَفْكَل" زائدة قطَعنا بالحُكم بزيادتها، فالحُكم هو المقطوع به، ومناطُ الحُكم مظنونٌ" (١).
ومما له تعلُّق بهذا الأصل "أن التعريفات والرسوم في هذه الصناعة إنما هي أكثرية، وقد اقتصر عليها الكثير؛ لعُسر الحصر في أمر منتشر، لا سيما ما يرجع إلى الشذوذات والنوادر" (٢).
* * *
стр. 65
مقالةُ في أن النحو من العلوم الشرعية المُعِينة على فهم القرآن والسُّنة، والتي حفِظ الله بها الشريعة، وعصَمها من التغيير والتبديل
"إن الله وفَّر دواعي الأُمَّة للذبِّ عن الشريعة والمناضلة عنها بحسب الجملة والتفصيل؛ أما القرآن الكريم، فقد قيَّض الله له حَفَظَة بحيث لو زيد فيه حرفٌ واحدٌ لأخرَجه آلاف من الأطفال الأصاغر، فضلًا عن القُرَّاء الأكابر.
وهكذا جرى الأمر في جملة الشريعة؛ فقيَّض الله لكلِّ عِلم رجالًا حَفِظه على أيديهم، فكان منهم قومٌ يذهبون الأيام الكثيرة في حفظ اللغات والتسميات الموضوعة على لسان العرب، حتى قرَّروا لغات الشريعة من القرآن والحديث، وهو الباب الأول من أبواب فقه الشريعة؛ إذ أوحاها الله إلى رسوله على لسان العرب.
ثم قيَّض الله (١) سبحانه رجالًا يبحثون عن تصاريف هذه اللغات في النطق بها رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزمًا، وتقديمًا وتأخيًرا، وإبدالًا وقلبًا، وإتباعًا وقطعًا، وإفرادًا وجمعًا، إلى غير ذلك من وجوه تصاريفها في الإفراد والتركيب، واستنبطوا لذلك قواعد ضبَطوا بها قوانين الكلام العربي على حسب الإمكان، فسهَّل الله بذلك الفهم عنه في كتابه، وعن رسوله ﷺ في خطابه" (٢).
стр. 66
ولذلك كان من "العلوم المضافة إلى القرآن قسم هو كالأداة لفهمه واستخراج ما فيه من الفوائد، والمُعين على معرفة مراد الله تعالى منه، كعلوم اللغة العربية التي لا بُدَّ منها وعِلم القراءات والناسخ والمنسوخ، وقواعد أصول الفقه، وما أشبه ذلك … ، فإن علم العربية، أو عِلم الناسخ والمنسوخ، وعِلم الأسباب، وعِلم المكي والمدني، وعِلم القراءات، وعِلم أصول الفقه، معلومٌ عند جميع العلماء أنها مُعِينة على فهم القرآن" (١).
ومن تلك الجهة كان عِلم العربية عِلمًا شرعيًّا، والنحاةُ "من علماء المسلمين كالفارسي النحوي وابن جني" (٢)، وقد "اتفق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجرًا عند الله يوم القيامة، ولا علينا أسامَحَنا بعض الفِرَق في تعيين العلوم الشرعية - أعني العلوم التي نبَّه الشارع على مزِيَّتها وفضيلتها - أم لم نُسامِحهم، بعد الاتفاق من الجميع على الأفضلية، وإثبات المزِية، وأيضًا فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة الأخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد؛ والذي يجري منها مجرى المقاصد أعلى مما ليس كذلك - بلا نزاع بين العقلاء في ذلك - كعِلم العربية بالنسبة إلى عِلم الفقه، فإنه كالوسيلة، فعِلم الفقه أعلى" (٣).
فـ "علوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسُّنَّة، فحقيقتُها … أنها فقه التعبُّد بالألفاظ الشرعية الدالَّة على معانيها؛ كيف تؤخذ وتؤدَّى" (٤).
стр. 67
ولذلك فمَن مِن العلماء قد "وُلِد بعد ما فسد اللسان احتاج إلى عِلم كلام العرب؛ كمالك، والشافعي (١)، وأبي حنيفة، ومن قبلَهم أو بعدَهم من أمثالهم" (٢).
تنبيه:
كلامُ العرب له جهات كثيرة يُنظَر فيها، وكلُّ عِلم من علوم اللغة العربية ينظُر فيه أصحابه إلى جهة من هذه الجهات - وكلُّها محتاجٌ إليها في الشريعة -، فـ "نقل اللغة … لا يذهب إليه النحوي من حيث هو نحوي" (٣)؛ فمثلًا "ما كان من المقصور أو الممدود عادمًا للنظير، لم يطَّرد في بابه، ولا كثُر كثرةً تقضي له بالقياس، فهو مستِند إلى النقل، ومتلقَّى من السماع، موضعُه كتب أهل اللغة، لا مدخل فيه للنحو" (٤)، وكذلك "التعريف بتذكير المذكرَّ وتأنيث المؤنَّث من وظيفة اللغوي، حتى يأخذها منه النحويُّ مسلَّمةً" (٥).
ومما يدخل في هذا النِّصاب أن كثيرًا ما يُخيِّر النحويون بين أمرين أو أكثر لا يُخيِّر البيانيون بينها، بل يوجِبون أوجه التخيير، كلُّ وجهٍ في سياق يختصُّ فيه، لا يدخل فيه الآخَر، ولقد أدخَل المتأخِّرون - ومنهم ابن مالك - في النحو
стр. 68
أشياء عِلمُ البيان أخصُّ بالنظر فيها من عِلم النحو " (١)، فـ "اعتبار المقاصد البيانية وظيفةُ البياني، وليس على النحويِّ اعتبارُ ذلك من حيث هو نحويٌّ" (٢)، فهذا ومثله "ليس … من صناعة النحو، وإنما يختصُّ بالكلام في ذلك أهل عِلم المعاني" (٣)، و"عِلم المعاني والبيان الذي يُعرَف به إعجاز نظم القرآن فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب؛ إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حالَ الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالَين، وبحسب مخاطَبين، وبحسب غير ذلك؛ كالاستفهام، لفظُه واحد، ويدخُله معانٍ أُخَر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر يدخُله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها" (٤).
وكذلك عِلم معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها، وأهلُه هُم "أهل الأخبار المنقولة عن العرب المبيِّنة لمقتضيات الأحوال" (٥)، و"معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالةَ التنزيل، وإن لم يكن ثَمَّ سببٌ خاصٌّ لا بُدَّ لمَن أراد الخوض في عِلم القرآن منه، وإلا وقع في الشُّبَه والإشكالات التي يتعذَّر الخروج منها إلا بهذه المعرفة … ، ولا بُدَّ من ذِكر أمثلة تُعِين على فهم المراد.
أحدها: قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فإنما أمَر بالإتمام دون الأمر بأصل الحج؛ لأنهم كانوا قبل الإسلام آخذين به، لكن على تغيير بعض الشعائر، ونقصِ جملة منها؛ كالوقوف بعَرَفة وأشباه ذلك مما غيَّروا،
стр. 69
فجاء الأمُر بالإتمام لذلك، وإنما جاء إيجاب الحج نصًّا في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وإذا عُرِف هذا عُلِم بيُسر (١) هل في الآية دليلٌ على إيجاب الحج أو إيجاب العُمرة، أم لا؟
والثاني: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، نُقِل عن أبي يوسف أن ذلك في الشِّرك؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر؛ فيريد أحدُهم التوحيد، فيَهِم فيُخطئ بالكفر؛ فعفا لهم عن ذلك كما عفا لهم عن النُّطق بالكفر عند الإكراه، قال: "فهذا على الشِّرك، ليس على الأيمان في الطلاق والعِتاق والبيع والشراء؛ لم تكن الأيمان بالطلاق والعتاق في زمانهم".
والثالث: قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وأشباهُ ذلك، إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرِّين بإلهية الواحد الحقِّ، فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه؛ تنبيهًا على نفى ما ادَّعوه في الأرض؛ فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة البتةَ (٢)؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]؛ فتأمَّلْه، واجرِ على هذا المجرى في سائر الآيات والأحاديث.
стр. 70
والرابع: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩]؛ فعيَّن هذا الكوكب؛ لكون العرب عبدته، وهم خُزاعة ابتدَع ذلك لهم أبو كَبْشَة، ولم تعبُد العرب من الكواكب غيرَها؛ فلذلك عُيِّنتْ" (١).
فمما تقدَّم يتقرر أن عِلم العربية المحتاج إليه في الشريعة ليس هو "النحو وحدَه، ولا التصريف وحدَه، ولا اللغة، ولا عِلم المعاني، ولا غير ذلك من أنواع العلوم المتعلِّقة باللسان، بل المراد جملة عِلم اللسان ألفاظًا أو معاني كيف تُصُوِّرت، ما عدا الغريب، والتصريف المسمى بالفعل، وما يتعلَّق بالشِّعر من حيث هو الشِّعر كالعَرُوض والقافية، فإن هذا غير مفتقَر إليه هنا، وإن كان العِلم به كمالًا في العِلم بالعربية" (٢).
ولا غرو لما سبق بيانه كلِّه في هذا الفصل أن يكون "غالب ما صنِّف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية التي تكفَّل المجتهد فيها بالجواب عنها" (٣).
* * *
стр. 71
الفصل الثاني من ضوابط فَهم كلام الشارع وَفق العربية
стр. 72
مقالةٌ في أن فهم الشريعة لا بُدَّ فيه من اتباع معهود العرب (١) الذين نزل القرآن بلسانهم، والجريان على ما ألِفه جمهورُهم في الألفاظ والمعاني والأساليب
"لا بُدَّ في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم؛ فإن كان للعرب في لسانهم عُرفٌ مستمرٌّ، فلا يصِحُّ العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثَمَّ عُرفٌ، فلا يصِحُّ أن يُجرى في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأساليب" (٢)، "فلا يستقيم للمتكلِّم في كتاب الله أو سُنَّة رسول الله أن يتكلَّف فيهما فوقَ ما يسَعُه لسان العرب، وليكن شأنُه الاعتناء بما شأنُه أن تعتنى العرب به، والوقوف عند ما حدَّتْه" (٣).
فـ "إنما يصِحُّ في مسلك الإفهام والفهم ما يكون عامًّا لجميع العرب، فلا يُتكلَّف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني، فإن الناس في الفهم وتأتِّي التكليف فيه ليسوا على وزان واحد ولا متقارِب، إلا أنهم يتقارَبون في الأمور الجمهورية وما والاها، وعلى ذلك جرَت مصالحهم في الدنيا، ولم
стр. 73
يكونوا بحيث يتعمَّقون في كلامهم ولا في أعمالهم، إلا بمقدار ما لا يُخِلُّ بمقاصدهم، اللهم إلا أن يقصدوا أمرًا خاصًّا لأُناس خاصةً، فذاك كالكنايات الغامضة والرموز البعيدة التي تَخفى عن الجمهور، ولا تَخفى عمن قُصِد بها، وإلا كان خارجًا عن حُكم معهودها.
فكذلك يلزَم أن يُنزَّل فهم الكتاب والسُّنة؛ بحيث تكون معانيه مشترَكة لجميع العرب، ولذلك أُنزل القرآن على سبعة أحرف، واشتَركت فيه اللغات حتى كانت قبائل العرب تفهَمُه.
وأيضًا فمقتضاه من التكليف لا يخرُج عن هذا النمط؛ لأن الضعيف ليس كالقوي، ولا الصغير كالكبير، ولا الأنثى كالذكر، بل كلٌّ له حدٌّ ينتهي إليه في العادة (١) الجارية، فأُخِذوا بما يشترِك الجمهور في القدرة عليه، وأُلزِموا ذلك من طريقهم؛ بالحجة القائمة، والموعظة الحسنة، ونحو ذلك، ولو شاء الله لأَلزَمهم ما لا يطيقون، ولكلَّفهم بغير قيام حُجة، ولا إتيانٍ ببرهان، ولا وعظٍ ولا تذكيرٍ، ولطوَّقهم فهمَ ما لا يُفهَم وعِلمَ ما لم يُعلَم، فلا حَجْر عليه في ذلك؛ فإن حُجة المِلْك قائمة: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
لكن الله سبحانه خاطبهم من حيث عهدوا، وكلَّفهم من حيث لهم القدرة على ما به كُلِّفوا، وغُذوا في أثناء ذلك بما يستقيم به مُنآدُهم (٢)، ويقوي به ضعيفُهم، وتنتهَض به عزائمُهم من الوعد تارة، والوعيد أخرى، والموعظة الحسنة أخرى، وبيانِ مجاري العادات فيمَن سلف من الأمم الماضية والقرون الخالية، إلى
стр. 74
غير ذلك مما في معناه، حتى يعلموا أنهم لم ينفردوا بهذا الأمر دون الخَلق الماضيين، بل هم مشترِكون في مقتضاه، ولا يكونون مشترِكين إلا فيما لهم مُنَّة على تحمُّله وزادهم تخفيفًا دون الأوَّلين وأجرًا (١) فوقَهم، فضلًا من الله ونعمة، والله عليم حكيم.
وقد خرَّج الترمذي وصححه (٢) عن أُبي بن كعب، قال: "لقِي رسولُ الله ﷺ جبريلَ، فقال: "يا جبريلُ إِنِّي بُعِثْتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ منهمُ العَجُوزُ، والشَّيخُ الكبيُر، والغلامُ والجاريةُ، والرَّجُلُ الذي لم يقرأ كِتابًا قَطُّ". قال: "يا محمَّدُ إِنَّ القرآنَ أُنزِلَ على سبعة أحرُفٍ"".
فالحاصل أن الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأُمِّيِّين كما يسع غيرَهم" (٣).
فلا يصِحُّ حمل كلام الشارع على غير هذا المعهود وإن كان يُظنُّ أنه متحقِّقٌ معه ما هو معتَبر الشارع ومقصده، ومثال ذلك أن ابن مالك في "التسهيل" (٤) "أطلق على الباء التي يُسمِّيها النحويون باء الاستعانة باءَ السببية، نحو: كتبتُ بالقلم، وقطعتُ بالسكين، وضربتُه بالسَّوط. واعتذَر عن إيثار هذا الإطلاق الذي اصطلح عليه من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله ؛ فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
стр. 75
الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩].
[و] جميعُ ما ذكَر للباء عشرة معانٍ: الأول: الاستعانة، وهو قوله: "بِالبَا استَعِنْ" (١)، أي: اجعلها في الكلام لمعنى الاستعانة. وهي في محصول الأمر الباء الداخلة على الآلات، نحو: كتبتُ بالقلم. فالقلمُ آلة يحصُل بها للكاتب الكَتْبُ، وكذلك: ضربتُ بالسَّوط، وقطعتُ بالسكين. ومنه في القرآن: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤]، ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
واعلم أنه حيث أثبتَ معنى الاستعانة للباء هنا يلزَمه أحدُ أمرين:
إما أن يُطلِق القول بذلك بالنسبة إلى ما جاء للعباد وما جاء لله ؛ فيلزَم من ذلك أن يُطلِق على الله لفظَ الاستعانة، وأنه مستعين، كما أن العبد مستعين، وذلك لا يجوز كما قال في الشرح (٢)؛ فإن الله هو المستعان، وليس بالمستعين.
وإما أن يقال: إن الباء للسببية بالنسبة إلى الله تعالى في نحو ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، فيلزَم مثل ذلك فيما كان راجعًا إلى العباد، ويرتفع معنى الاستعانة عن الباء جملة؛ فلا يكون إتيانه به هنا صحيحًا على هذا التقدير، فعلى كلا التقديرين يلزَم المحذور.
والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن القرآن إنما نزل بلسان العرب على حسب ما يُخاطِب به بعضُهم بعضًا وعلى ما يتعارَفون بينهم، ومن جملة ما تعارفوا؛ أنْ وضعوا الباء تدلُّ على