ورافضيٍّ وجهميٍّ ومرجئيٍّ، فازدحم النَّاس على البخاريِّ حتَّى امتلأت الدَّار والسُّطوح، فلمَّا كان اليوم الثَّاني أو الثَّالث من يوم قدومه قام إليه رجلٌ، فسأله عن اللَّفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقةٌ، وألفاظنا من أفعالنا، فوقع بين النَّاس اختلافٌ؛ فقال بعضهم: إنَّه قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وقال آخرون: لم يقل، فوقع بينهم في ذلك اختلافٌ حتَّى قام بعضهم إلى بعضٍ، فاجتمع أهل الدَّار وأخرجوهم. ذكره مسلم بن الحجَّاج.
وقال ابن عديٍّ: لمَّا ورد نيسابور واجتمع النَّاس عنده حسده بعض شيوخ الوقت، فقال لأصحاب الحديث: إنَّ محمَّد بن إسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فلمَّا حضر المجلس قام إليه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللَّفظ بالقرآن؟ أمخلوقٌ هو أم غير مخلوقٍ؟ فأعرض عنه البخاريُّ ولم يجبه ثلاثًا، فألحَّ عليه، فقال البخاريُّ: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوقٍ، وأفعال العباد مخلوقةٌ، والامتحان بدعةٌ، فشغب الرجل، وقال: قد قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ. انتهى.
قوله: (وَجَهْمِيٍّ)؛ أي: منسوبٍ إلى جَهْم، وهو جَهْمُ بن صفوان رئيسُهم، فهُم قومٌ يقولونَ: لا قدرةَ للعبدِ لا مُؤَثِّرَة ولا كَاسِبَة بل هو كالجماد، وقالوا: الجنة والنار يفنيان بعد دخول أهلهما ولا يبقى موجودٌ سوى الله، والمُرْجِئة قومٌ يقولونَ: لا يضرُّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفعُ مع الكفرِ طاعة.
قوله: (قَالَ لَفْظِي … ) إلى آخره؛ أي: لأنَّه وإن لم يقل ذلك فهو لازمُ كلامه، فإنَّ اللفظ من أفعال العباد.
قوله: (فَشَغَبَ الرَّجُلُ) بالفتح؛ أي: رفعَ صوته ليهيجَ شرًّا، يُقال: شَغَبَ بالمعجمة بهم وعليهم كمنع وفَرِحَ هَيَّجَ الشرَّ عليهم.
стр. 317
وقد صحَّ أنَّ البخاريَّ تبرَّأ من هذا الإطلاق، فقال: كلُّ من نقل عنِّي أنِّي قلت: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فقد كذب عليَّ، وإنمَّا قلت: أفعال العباد مخلوقةٌ. أخرج ذلك غنجار في ترجمة البخاريِّ بسندٍ صحيحٍ إلى محمَّد بن نصرٍ المروزيِّ الإمام المشهور، أنَّه سمع البخاريَّ يقول ذلك.
وقال أبو حامدٍ الشَّرقيُّ: سمعت الذُّهليَّ يقول: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، ومن زعم: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو مبتدعٌ، لا يجلس إلينا، ولا نكلِّم من يذهب بعد هذا إلى محمَّد بن إسماعيل، فانقطع النَّاس عن البخاريِّ إلَّا مسلم بن الحجَّاج وأحمد بن سلمة، وبعث مسلمٌ إلى الذُّهليِّ جميع ما كان كَتَبَ عنه على ظهر حمَّال (١)، وقال الذُّهليُّ: لا يساكنني محمَّد بن إسماعيل في البلد، فخشيَ البخاريُّ على نفسه، وسافر منها.
قال في «المصابيح»: ومن تمام رسوخ البخاريِّ في الورع أنَّه كان يحلف بعد هذه المحنة أنَّ الحامدَ عنده والذامَّ من النَّاس سواءٌ؛ يريد أنَّه لا يكره ذامَّه طبعًا، ويجوز أن يكرهه شرعًا، فيقوم بالحقِّ لا بالخطِّ، وتحقَّق ذلك من حالته إذْ لم يَمْحُ اسمَ (٢) الذُّهليِّ من «جامعه»، بل أثبت روايته عنه، غير أنَّه لم يوجد في كتابه إِلَّا على أحد وجهين؛ إمَّا أن يقول: حدَّثنا محمَّد ويقتصر، وإمَّا أن يقول: حدَّثنا محمَّد (٣) بن خالدٍ، فينسبه إلى جدِّ أبيه. وقد سُئِلَ عن وجه
قوله: (فَقَدْ كَذَبَ)؛ أي: لأني لم أقل ذلك صراحةً، وهو وإن كان صحيحًا في نفسه لكن خَشِيَ كالقوم أنْ يُؤخذ ذلك على ظاهره حتى يُقال القرآن مخلوقٌ، ويتسع فيه المجال والمقال حتى يعتقد أنَّ كلام الله؛ أعني: الصفة القديمة حَادِثَةٌ، فإنَّ القرآنَ كما يُطلق على ما بين الدفتين من الألفاظ المرسومة المقروءة المُركبة من الكلمات والحروف كذلك يُطلق على الصفةِ النفسية، والوقتُ وقتُ فتنٍ واختلاف بدعٍ، فلذا تّحَرَّزَ الأئمةُ من ذلك، حتى حُبِسَ الإمام أحمد وغيرهُ مدةً وضُرِبَ بالسياط ولم يتفوَّه بذلك.
قوله: (وَلَاْ يُكَلَّم) بفتح اللام مبنيًا للمجهول، وذلك لما نقل له عنه كذبًا.
стр. 318
إجماله وإبقاء (١) ذكره بنسبه المشهور، فأجاب بأن قال: لعلَّه لمَّا اقتضى التَّحقيق عنده أن يُبقي (٢) روايته عنه؛ خشية أن يكتم علمًا رزقه الله تعالى على يديه، وعذره في قدحه بالتَّأويل؛ خشي على النَّاس أن يقعوا فيه بأنَّه قد عدَّل من جرحه، وذلك يوهم أنَّه صدَّقه على نفسه، فيجرُّ ذلك إلى البخاريِّ وهنًا، فأخفى اسمه وغطَّى رسمه وما كتم علمه، والله أعلم بمراده من ذلك.
ولو فتحنا باب تعديد مناقبه الجميلة، ومآثره الحميدة؛ لخرجنا عن غرض الاختصار. ولمَّا رجع إلى بخارى نُصِبَت له القباب على فرسخٍ من البلد، واستقبله عامَّة أهلها حتَّى لم يبق مذكورٌ، ونُثِرَ عليه الدَّراهم والدَّنانير، وبقي مدَّةً يحدِّثهم، فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمَّدٍ الذُّهليُّ، نائب الخلافة العباسيَّة، يتلطَّف معه، ويسأله أن يأتيه بالصَّحيح، ويحدِّثهم به في قصره، فامتنع البخاريُّ من ذلك، وقال لرسوله: قل له: أنا لا أُذِلُّ العلمَ، ولا أحمله إلى أبواب السَّلاطين، فإن كانت له حاجةٌ إلى شيءٍ منه فليحضر إلى مسجدي أو داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطانٌ، فامنعني من المجلس؛ ليكون لي عذرٌ عند الله يوم القيامة أنِّي لا أكتم العلم. فحصلت بينهما وحشةٌ، فأمره الأمير بالخروج عن البلد، فدعا عليه وكان مُجابَ الدَّعوة، فلم يأتِ شهرٌ حتَّى ورد أمرُ الخلافة بأن يُنادَى على خالدٍ في البلد، فنُودِي على خالدٍ على أتانٍ، وحُبِسَ إلى أن مات، ولم يبق أحدٌ ممَّن ساعده إلَّا ابتُلِي ببلاءٍ شديدٍ.
ولما خرج البخاريُّ من بخارى كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم، فسار إليهم، فلمَّا كان بخَرْتَنْك؛ بفتح الخاء المُعجَمة وإسكان الرَّاء وفتح الفوقيَّة وسكون النُّون بعدها كافٌ، وهو على فرسخين من سمرقند بلغه أنَّه قد وقع بينهم بسببه فتنةٌ؛ فقومٌ يريدون دخوله، وآخرون يكرهونه، وكان له أقرباءُ بها، فنزل عندهم حتَّى ينجليَ الأمر، فأقام أيَّامًا، فمرض، حتَّى وُجِّهَ إليه رسولٌ من أهل سمرقند، يلتمسون خروجه إليهم، فأجاب وتهيَّأ
قوله: (أَنْ يَقَعُوْا فِيْه)؛ أي: في نفسه بأن يتكلموا فيه أنَّه عدلٌ من جرحه.
стр. 319
للرُّكوب، ولبس خفَّيه وتعمَّم، فلمَّا مشى قدر عشرين خطوةً أو نحوها إلى الدَّابَّة ليركبها؛ قال: أرسلوني فقد ضَعُفْتُ، فأرسلوه، فدعا بدعواتٍ، ثمَّ اضطجع، فقضى، فسال عرقٌ كثيرٌ لا يُوصَف، وما سكن منه العرق حتَّى أُدرِج في أكفانه.
ورُوِيَ: أنَّه ضجر ليلةً، فدعا بعد أن فرغ من صلاة اللَّيل: اللهمَّ قد ضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبَتْ، فاقبضني إليك، فمات في ذلك الشَّهر ليلة السَّبت ليلةَ عيد الفطر، سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، عن اثنتين وستِّين سنةً إلَّا ثلاثة عشر يومًا، وكان أوصى أن يُكفَّن في ثلاثة أثوابٍ ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، ففُعِلَ به ذلك، ولمَّا صُلِّيَ عليه، ووُضِعَ في حفرته فاح من تراب قبره رائحةٌ طيِّبةٌ كالمسك، ودامت أيَّامًا، وجعل النَّاس يختلفون إلى قبره مدَّةً يأخذون منه.
وقال عبد الواحد بن آدم الطَّواويسيُّ: رأيت النَّبيَّ ﷺ ، ومعه جماعةٌ من أصحابه، وهو واقفٌ في موضعٍ، فسلَّمت عليه، فردّ عليَّ السَّلام، فقلت: ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمَّد بن إسماعيل، قال: فلمَّا كان بعد أيَّامٍ، بلغني موته، فنظرت فإذا هو في السَّاعة التي رأيت فيها النَّبيَّ ﷺ ، ولمَّا ظهر أمره بعد وفاته خرج بعض مخالفيه إلى قبره، وأظهروا التَّوبة والنَّدامة. وقال أبو عليٍّ الحافظ: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السَّمرقنديُّ، قدم علينا بَلَنْسِيَة عام أربعةٍ وستِّين وأربع مئةٍ، قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى النَّاس مرارًا، فلم يُسقَوا، فأتى رجلٌ صالحٌ معروفٌ بالصَّلاح إلى قاضي سمرقند، وقال له: إنِّي قد رأيت رأيًا أعرضه عليك، قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج النَّاس معك إلى قبر الإمام محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ، ونستسقيَ عنده، فعسى الله أن يسقيَنا، فقال القاضي: نِعْمَ ما رأيت، فخرج القاضي ومعه النَّاس، واستسقى بهم، وبكى النَّاس عند القبر، وتشفَّعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السَّماء عليهم بماءٍ عظيمٍ غزير، أقام النَّاس من أجله بخَرْتَنْكَ سبعة أيَّامٍ أو نحوها، لا يستطيع أحدٌ الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته، وبين سمرقند وخرتنك ثلاثةُ أيَّامٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 320
وبالجملة؛ فمناقب أبي عبد الله البخاريِّ كثيرةٌ، ومحاسنه شهيرةٌ، وفيما ذكرته كفايةٌ ومقنعٌ وبلاغٌ.
(تنبيهٌ وإرشادٌ): رُوِّينا عن الفَِرَبْريِّ أنَّه قال: سمع «صحيحَ البخاريِّ» من مؤلِّفه تسعون ألفَ رجلٍ، فما بقي أحدٌ يرويه عنه غيري.
قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: أطلق ذلك بناءً على ما في علمه، وقد تأخَّر بعده بتسع سنين أبو طلحة منصور بن محمَّد بن عليِّ بن قَرِيْنَة -بقافٍ ونونٍ، بوزن كَبِيْرَة- البَزْدويُّ؛ بفتح الموحَّدة وسكون الزَّاي، وكانت وفاته سنة تسعٍ وعشرين وثلاث مئةٍ، وهو آخر من حدَّث عن البخاريِّ بـ «صحيحه»، كما جزم به أبو نصر بن ماكولا وغيره، وقد عاش بعده ممَّن سمع من البخاريِّ القاضي الحسين بن إسماعيل المحامليُّ ببغداد، ولكن لم يكن عنده «الجامع الصَّحيح»، وإنَّما سمع منه مجالسَ أملاها ببغداد في آخر قدمةٍ قدمها البخاريُّ، وقد غلط من روى «الصَّحيح» من طريق المحامليِّ المذكور غلطًا فاحشًا.
ومن رواة «الجامع الصَّحيح» ممَّن اتَّصلت لنا روايته بالإجازة: إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيُّ الحافظ، وفاتَهُ منه قطعةٌ من آخره رواها بالإجازة، وتُوفِّي سنة أربعين ومئتين (١). وكذلك حمَّاد بن شاكر النَّسَويُّ؛ بالنُّون والمهملة، وأظنُّه تُوفِّي في حدود التِّسعين، وله فيه فوتٌ أيضًا.
واتَّصلت لنا روايته من طريق المُستملي والسَّرخسيِّ والكُشْمِيهَنِيِّ
قوله: (وَلَهُ فِيْهِ فَوْتٌ)؛ أي: فائتٌ؛ أي: فاته منه شيءٌ كإبراهيم.
قوله: (والسَّرَخْسِي) بتشديد السين المهملة والراء المفتوحتين والخاء المعجمة الساكنة ثم سين مهملة مكسورة.
قوله: (وَالكُشْميْهَنِي) بضم الكاف وسكون الشين المعجمة وفتح الميم وإسكان الياء التحتية وفتح الهاء.
стр. 321
وأبي عليِّ بن السَّكن الأَخْسِيكَثِيِّ، وأبي زيدٍ المروزيِّ وأبي عليِّ بن شبويه وأبي أحمد الجرجانيِّ والكشانيِّ، وهو آخر من حدَّث عن الفَِرَبْريِّ بالصَّحيح؛ فأمَّا المُستملي: فرواه عنه الحافظ أبو ذرٍّ وعبد الرَّحمن الهَمْدانيُّ، وأمَّا السَّرخسيُّ: فأبو ذرٍّ أيضًا وأبو الحسن الدَّاوديُّ، وأمَّا الكُشْمِيهَنِيُّ: فأبو ذَرٍّ أيضًا وأبو سهلٍ الحفصيُّ وكريمة، وأمَّا أبو عليِّ بن السَّكن: فإسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الصَّفَّار، وأمَّا أبو زيدٍ المروزيُّ: فأبو نُعيمٍ الحافظ وأبو محمَّدٍ عبد الله بن إبراهيم الأَصيليُّ وأبو الحسن عليُّ بن محمَّدٍ القابسيُّ، وأمَّا ابن شبويه: فسعيد بن أحمد بن محمَّدٍ الصَّيرفيُّ العيَّار، وعبد الرَّحمن بن عبد الله الهَمْدانيُّ أيضًا، وأمَّا الجرجانيُّ: فأبو نُعيمٍ والقابسيُّ أيضًا، وأمَّا الكشانيُّ: فأبو العبَّاس جعفر (١) بن محمَّدٍ المستغفريُّ فمشايخ أبي ذرٍّ ثلاثةٌ:
قوله: (ابْنُ السَّكَن) بفتح السين والكاف.
وقوله: (الأَخْسِيْكَثِي) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر السين المهملة وسكون التحتية وفتح الكاف ثم مثلثة، نسبةً إلى أخسيكث مدينة على شاطئ نهر الشاش من بلاد فرغانة، كما في «اللب».
قوله: (ابْنُ شَبُّوْيَهْ) بشين معجمة مفتوحة فموحدة مضمومة مشددة فواو ساكنة فمثناة تحتية مفتوحة آخره هاء ساكنة، على نسق ما تقدم من الأعلام الفارسية.
قوله: (وَالكُشَّانِي) بالشين المعجمة المشددة بعد الكاف المضمومة، نسبة إلى كُشَّانِية بلدٌ بصغد.
قوله: (العَيَّار) بعين مهملة مفتوحة ومثناة تحتية مشددة، آخره راء.
стр. 322
المُستملي والكُشْمِيهَنيُّ والسَّرخسيُّ، ومشايخ أبي نُعيمٍ: الجرجانيُّ وأبو زيدٍ المروزيُّ، وأمَّا الأَصيليُّ والقابسيُّ؛ فكلاهما عن أبي زيدٍ المروزيِّ، وأمَّا العيَّار: فابن شبويه، وأمَّا الدَّاوديُّ: فالسَّرخسيُّ، وأمَّا الحفصيُّ وكريمة: فالكُشْمِيهَنِيُّ، وأمَّا المستغفريُّ: فالكشانيُّ، وكلُّهم عن الفَِرَبْرِيِّ. ويأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا أسانيدي بـ «الجامع الصَّحيح» متَّصلةً بهم، على وجهٍ بديعٍ جامعٍ بعون الله تعالى.
وقد اعتنى الحافظ شرف الدِّين أبو الحُسَين (١) عليٌّ ابن شيخ الإسلام ومحدِّث الشَّام تقيِّ الدِّين محمَّد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله اليونينيُّ الحنبليُّ رحمه الله تعالى بضبط رواية «الجامع الصَّحيح»، وقابل أصله الموقوف بمدرسة أقبغا آص بسُويقة العزَّى خارج باب زُوَيْلة من القاهرة المُعزيَّة، الذي قِيلَ -فيما رأيته بظاهر بعض نسخ البخاريِّ الموثوق بها وقفٌ مقرُّها برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة-: إنَّ أقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينارٍ، والله أعلم بحقيقة ذلك، وهو في جزأين؛ فُقِدَ الأوَّل منهما، بأصلٍ (٢) مسموعٍ على الحافظ أبي ذرٍّ الهرويِّ، وبأصل مسموعٍ على الأَصيليِّ، وبأصل الحافظ مؤرِّخ الشَّام أبي القاسم ابن عساكر، وبأصلٍ مسموعٍ على أبي الوقت، وهو أصلٌ من أصول مسموعاته في وقف خانكاه السُّمَيْساطيِّ بقراءة الحافظ أبي سعيدٍ عبد الكريم بن محمَّد بن منصورٍ السَّمعانيِّ
قوله: (اليُوْنِيْنِي) نسبة إلى يونين من قرى بعلبك، وهو الفقيه الحافظ أبو محمد بن أبي الحسن أحمد بن عبدة بن عيسى بن أحمد بن علي البعلبكي، ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمئة،
стр. 323
بحضرة سيبويه وقته الإمام جمال الدِّين ابن مالكٍ بدمشق سنة ستٍّ وسبعين (١) وستِّ مئةٍ، مع حضور أصلَي سماعَي الحافظ أبي محمَّد المقدسيِّ وقف السُّميساطيِّ، وقد بالغ - رحمه الله تعالى - في ضبط ألفاظ «الجامع الصَّحيح» جامعًا فيه روايات من ذكرناه، راقمًا عليه ما يدلُّ على مراده، فعلامة أبي ذَرٍّ الهرويِّ (٥)، والأَصيليِّ (ص)، وابن عساكر الدِّمشقيِّ (ش)، وأبي الوقت (ظ)، ولمشايخ أبي ذَرٍّ الثَّلاثة الحَمُّويي (ح)، والمُستملي (ست)، والكُشْمِيهَنيِّ (هـ)، فما كان من ذلك بالحمرة؛ فهو ثابتٌ في النُّسخة التي قرأها الحافظ عبد الغنيِّ المقدسيُّ على الحافظ أبي عبد الله الأرتاحيِّ بحقِّ إجازته من أبي الحُسَين الفرَّاء الموصليِّ عن كريمة عن الكُشْمِيهَنِيِّ. وفي نسخة أبي صادقٍ مرشد بن (٢) يحيى المدينيِّ وقف جامع عمرو بن العاص ﵁ بمصر، وله رقومٌ أخرى لم أجد ما يدلُّ عليها، وهي (عط ق ج صع)، ولعلَّ الجيم للجرجانيِّ، والعين لابن السَّمعانيِّ، والقاف لأبي الوقت، فإن اجتمع ابن حَمُّويه والكُشْمِيهَنِيُّ؛ فرقمهما هكذا: (حهـ)، والمُستملي والحَمُّويي؛ فرقمهما: (حسـ) هكذا، وإن اتَّفق الأربعة الرُّواة عنهم رُقِمَ لهم: (٥ ص ش ظ (٣))، وما سقط عند الأربعة زاد معها (لا)، وما سقط عند البعض أسقط رقمه من غير (لا) مثاله: أنَّه وقع في أصل سماعه في حديث «بدء الوحي»: «جمعه لك في صدرك» [خ¦٥]، ووقع عند الأربعة: «جمعه لك صدرك»
وسمع من الكندي وغيره، وكان إمامًا حافظًا لم يَرَ في زمانه مثل نفسه، جامعًا بين الشريعة والحقيقة، حفظ صحيح مسلم في أربعة أشهر، وكان يحفظ أكثر مسند أحمد، وكان بارعًا في الخط وغيره، مات سنة ثمان وخمسين وستمئة كما رأيته بخطِّ صاحبنا الهُمام الفاضل الشيخ يوسف أفندي الدِّمْيَاطي نزيلِ القَسْطَنْطِيْنِيَّة المَحمية.
قوله: (الأَرْتَاحِي) بفتح الهمزة وسكون الراء بالفوقية والحاء المهملة نسبة لأرتاح، وهو حصن منيع.
стр. 324
بإسقاط «في» فيُرقَم على «في» (لا)، ويُرقَم فوقها إلى جانبها (٥ ص ش ظ) هذا إن وقع الاتِّفاق على سقوطها، فإن كانت عندهم وليست عند الباقين؛ رُقِم رسمه وتُرِك رسمُهم، وكذا إن لم تكن عند واحدٍ وكانت عند الباقين كُتِبَ عليها (لا)، ورُقِمَ فوقها الحرف المصطلح عليه. وما صحَّ عنده سماعه وخالف مشايخ أبي ذرٍّ الثَّلاثة؛ رُقِمَ عليه (٥) وفوقها صحَّ. وإن وافق أحد مشايخه وضعه فوقه، والله تعالى يثيبه على قصده، ويجزل له من المكرمات جوائز رفده، فلقد أبدع فيما رَقَمَ، وأتقن فيما حرَّر وأحكم. ولقد عوَّل النَّاس عليه في روايات «الجامع»؛ لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له، حتَّى إنَّ الحافظ شمس الدِّين الذَّهبيَّ حكى عنه: أنَّه قابله في سنةٍ واحدةٍ إحدى عشْرة مرَّةً، ولكونه ممَّن وُصِفَ بالمعرفة الكثيرة والحفظ التَّامِّ للمتون والأسانيد؛ كان الجمال ابن مالكٍ لمَّا حضر عند المقابلة المذكورة إذا مرَّ من الألفاظ ما يتراءى له أنَّه مخالفٌ لقوانين العربيَّة؛ قال للشَّرف اليونينيِّ: هل الرِّواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنَّه منها؛ شرع ابن مالكٍ في توجيهها حسب إمكانه، ومن ثمَّ وضع كتابه المسمَّى بـ «شواهد التَّوضيح».
ولقد وقفت على فروعٍ مُقابَلَةٍ على هذا الأصل الأَصيل، فرأيت من أجلِّها الفرعَ الجليلَ الذي لعلَّه فاق أصله، وهو الفرع المنسوب للإمام المحدِّث شمسِ الدِّين محمَّد بن أحمد المزِّيِّ الغزوليِّ، وقف التَّنكزيَّة بباب المحروق خارج القاهرة، المُقابَل على فرعَي وقف مدرسة الحاجِّ مالكٍ، وأصل اليونينيِّ المذكور غير مرَّةٍ، بحيث إنَّه لم يغادر منه شيئًا -كما قِيلَ-؛ فلهذا اعتمدت في كتابة متن البخاريِّ في شرحي هذا عليه، ورجعت في شكل (١) جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الرِّوايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمَّات.
ثمَّ وقفت في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى، سنة ستَّ عشْرة وتسع مئةٍ، بعد ختمي لهذا الشَّرح على المجلَّد الأخير من أصل اليونينيِّ المذكور، ورأيت بحاشية ظاهر الورقة الأولى منه ما نصُّه: سمعت ما تضمَّنه هذا المجلَّد من «صحيح البخاريِّ» ﵁ بقراءة سيِّدنا الشَّيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدِّين أبي الحسين علي بن محمَّد بن أحمد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 325
اليونينيِّ ﵁ وعن سلفه، وكان السَّماع بحضرة جماعةٍ من الفضلاء ناظرين في نسخٍ مُعتَمدٍ عليها، فكلَّما مرَّ بهم لفظٌ ذو إشكالٍ بيَّنت فيه الصَّواب، وضبطته (١) على ما اقتضاه علمي بالعربيَّة، وما افتقر إلى بسط عبارةٍ وإقامة دلالةٍ أخَّرتُ أمرَه إلى جزءٍ أستوفي فيه الكلام، ممَّا يحتاج إليه من نظيرٍ وشاهدٍ؛ ليكون الانتفاع به عامًّا، والبيان تامًّا، إن شاء الله تعالى. وكتبه محمَّد بن عبد الله بن مالك حامدًا لله تعالى.
قلت: وقد قابلت متن شرحي هذا إسنادًا وحديثًا على هذا الجزء المذكور، من أوَّله إلى آخره حرفًا حرفًا، وحكيته -كما رأيته- حسب طاقتي، وانتهت مقابلتي له في العشر الأخير من المحرَّم سنة سبع عشْرة وتسع مئةٍ -نفع الله تعالى به- ثمَّ قابلته عليه مرَّةً أخرى، فعلى الكاتب لهذا الشَّرح -وفَّقه الله تعالى- أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنًا وسندًا من الشَّرح، واختلاف الرِّوايات بالألوان المختلفة، وضبط الحديث متنًا وسندًا بالقلم كما يراه، ثمَّ رأيت بآخر الجزء المذكور ما نصُّه: بلغت مقابلةً وتصحيحًا وإسماعًا بين يدي شيخنا شيخ الإسلام حجَّة العرب، مالك أزمَّة الأدب، الإمام العلَّامة أبي عبد الله ابن مالكٍ الطَّائيِّ الجيَّانيِّ، أمدَّ الله تعالى عمره، في المجلس الحادي والسَّبعين، وهو يراعي قراءتي ويلاحظ نطقي (٢)، فما اختاره ورجَّحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصحَّحت عليه، وما ذكر أنَّه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثةٌ فأعملت ذلك على ما أمر ورجَّح، وأنا أقابل بأصل الحافظ أبي ذَرٍّ، والحافظ أبي محمَّد الأَصيليِّ، والحافظ أبي القاسم الدِّمشقيِّ، ما خلا الجزءَ الثَّالث عشر والثَّالث والثَّلاثين، فإنَّهما معدومان. وبأصلٍ مسموعٍ على الشَّيخ أبي الوقت بقراءة الحافظ أبي منصورٍ السَّمعانيِّ وغيره من الحفَّاظ، وهو وقفٌ بخانكاه السُّميساطيِّ،
قوله: (الجَيَّانِي) بالجيم المفتوحة والتحتية المشددة ثم النون، نسبةً لجيان كشداد، بلد بالأندلس منها أبو حيَّان أيضًا.
قوله: (بَخَانْكَاه السُّمَيْسَاطِي) الخانكاه بالكاف والقاف: معبد الصوفية؛ أي: الزاوية التي يتعبدون فيها، والخانكاه المذكورة قد اندرست الآن، والسمسياطي بضم السين المشددة وفتح الميم وسكون الياء بعدها سين مهملة أيضًا وبعد الألف طاء، نسبة إلى سميساط من بلاد الشام.
стр. 326
وعلامات ما وافقت أبا ذَرٍّ: (٥)، والأَصيليَّ: (ص)، والدِّمشقيَّ: (ش)، وأبا الوقت: (ظ)، فيعلم (١) ذلك.
وقد ذكرت ذلك في أوَّل الكتاب في فرخةٍ لتعلم الرُّموز، كتبه عليُّ بن محمَّدٍ الهاشميُّ اليونينيُّ، عفا الله تعالى عنه. انتهى.
ثمَّ وُجِدَ الجزء الأوَّل من أصل اليونينيِّ المذكور يُنادَى عليه للبيع بسوق الكتب، فعُرِفَ وأُحضر إليَّ بعد فقده أزيدَ من خمسين سنةً، فقابلت عليه متن شرحي هذا، فكمَّلت مقابلته عليه جميعه حسب الطَّاقة، ولله الحمد.
وقد اعتنى الأئمَّة بشرح هذا «الجامع»، فشرحه الإمام أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم الخطَّابيُّ بشرحٍ لطيفٍ، فيه نكتٌ لطيفةٌ ولطائف شريفةٌ.
واعتنى الإمام محمَّدٌ التَّيميُّ بشرح ما لم يذكره الخطَّابيُّ مع التَّنبيه على أوهامه.
وكذا أبو جعفرٍ أحمد بن سعيدٍ الدَّاوديُّ، وهو ممَّن ينقل عنه ابن التِّين الآتي ذكره.
ومنهم المهلَّب بن أبي صفرة، وهو ممَّن اختصر «الصَّحيح»، ومنهم أبو الزِّناد سراجٌ، واختصر «شرح المهلَّب» تلميذه أبو عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط، وزاد عليه فوائد، وهو ممَّن نقل عنه ابن رُشَيد، وشرحه أيضًا الإمام أبو الحسن عليُّ بن خلفٍ المالكيُّ،
قوله: (وَأَبَا الوَقْتِ ظ) لم يظهرْ لي ما وجهُ الرمز له بذلك، وإن أمكن أنَّه أراد به الحافظ.
قوله: (فِيْ فَرْخَةٍ) في النُّسخ التي بأيدينا فرخة بالفاء وبعد الراء خاء معجمة، فإنْ لم يكن تحريفًا عن فُرْجَةٍ بالجيم بمعنى فُسْحَة في أول الكتاب كما يكونُ في أولِّ بعضِ الكتب صيانةً لها فيكون تأنيث: فرخ من الورق، وهو الصحيفة المعهودة عُرْفًا لا لُغَةً.
قوله: (الخَطَّابِي) بفتح الخاء المعجمة والطاء المشددة ثم الموحدة.
قوله: (ابْن التِّيْن) بمثناة فوقية مكسورة فتحتية ساكنة.
стр. 327
المغربيُّ المشهور بابن بطَّال، وغالبه في فقه الإمام مالكٍ، من غير تعرُّضٍ لموضوع الكتاب غالبًا، وقد طالعته. وشرحه أيضًا الإمام أبو حفصٍ عمر بن الحسن بن عمر الهوزنيُّ (١) الإشبيليُّ.
وكذا أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن عمر (٢) بن فردٍ التَّيميُّ، وهو واسعٌ جدًّا.
والإمام عبد الواحد ابن التِّين -بفوقيَّةٍ بعدها تحتيَّةٌ ثمَّ نونٌ- السَّفاقسيُّ، وقد طالعته.
والزَّين بن المُنَيِّر في نحو عشر مجلَّداتٍ، وأبو الأصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسديُّ، والإمام قطب الدِّين عبد الكريم الحلبيُّ الحنفيُّ، والإمام مغلطاي التُّركيُّ، قال صاحب «الكواكب»: وشرحُه بتتميم «الأطراف» أشبه، وبصحف تصحيح التَّعليقات أمثل، وكأنَّه من إخلائه من مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظه وتوضيح معانيه على أمان،
قوله: (الفَوْزَنِي) (٣) بالفاء ثم الزاي.
قوله: (الصَّفَاقُسِي) بفتح الصاد المهملة وبعد الألف قاف مضمومة، كما في «القاموس» وبعدها سين مهملة نسبةً إلى صَفَاقُس، بلدٌ بإفريقية على البحر، شُرْبُهم من الآبار.
قوله: (ابْنُ المُنَيِّر) بنونٍ بعد الميم فتحتية.
قوله: (مِغْلَطَاي) (٤)؛ أي: بميم مكسورة فغين معجمة ساكنة آخره تحتية ساكنة.
стр. 328
واختصره الجلال التَّبانيُّ (١) وقد رأيته، والعلَّامة شمس الدِّين محمَّد بن يوسف بن عليِّ بن محمَّد بن سعيدٍ الكرمانيُّ، فشرحه بشرحٍ مفيدٍ، جامعٍ لفرائد الفوائد، وزوائد العوائد، وسمَّاه «الكواكب الدَّراري»، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ في «الدُّرر الكامنة»: وهو شرحٌ مفيدٌ، على أوهامٍ فيه في النَّقل؛ لأنَّه لم يأخذه إلَّا من الصُّحف. انتهى. وكذا شرحه ولده التقيُّ يحيى، مستمدًّا من «شرح أبيه» و «شرح ابن الملقِّن»، وأضاف إليه من «شرح الزَّركشيِّ» وغيره من الكتب، وما سنح له من «حواشي الدِّمياطيِّ» و «فتح الباري» و «البدر العنتابيِّ»، وسماه: «مجمع البحرين وجواهر الحبرين»، وقد رأيته وهو في ثمانية أجزاءٍ كبارٍ بخطِّه مُسودَّةً.
وكذا شرحه العلَّامة السِّراج ابن الملقِّن، وقد طالعت الكثير منه.
وكذا شرحه العلَّامة شمس الدِّين البرماويُّ وهو في أربعة أجزاءٍ، أخذه من «شرح الكرمانيِّ» وغيره، كما قال في أوَّله، ومن أصوله أيضًا: «مقدِّمة فتح الباري»، وسمَّاه: «اللامع الصَّبيح»، ولم يُبيَّض إلَّا بعد موته، وقد استوفيت مطالعته كـ «الكرمانيِّ».
قوله: (الكِرْمَانِي) بكسرِ الكاف.
قوله: (إِلَّا مِنَ الصُّحُفِ)؛ أي: الكتب لا أفواه المشايخ.
قوله: (العَنْتَابي) بفتح العين المهملة وسكون النون بعدها فوقية وقبل آخره موحدة، نسبةً إلى عَنْتَاب، قلعةٌ بين حلب وأنطاكية من الشام.
стр. 329
وكذا شرحه الشَّيخ برهان الدِّين الحلبيُّ، وسمَّاه «التَّلقيح لفهم قارئ الصَّحيح»، وهو بخطِّه في مجلَّدين، وبخطِّ غيره في أربعةٍ، وفيه فوائد حسنةٌ.
وقد التقط منه الحافظ ابن حجرٍ حين (١) كان بحلب ما ظنَّ أنَّه ليس عنده؛ لكونه لم يكن معه إلَّا كراريسُ يسيرةٌ من «الفتح».
وشرحه أيضًا شيخ الإسلام والحافظ (٢) أبو الفضل ابن حجرٍ، وسمَّاه «فتح الباري»، وهو في عشرة أجزاءٍ، ومقدِّمته في جزءٍ، وشهرته وانفراده بما اشتمل عليه من الفوائد (٣) الحديثيَّة، والنُّكات الأدبيَّة، والفوائد الفقهيَّة، تغني عن وصفه، لاسيَّما وقد امتاز كما نبَّه عليه شيخنا بجمع طرق الحديث التي ربَّما يتبيَّن من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا، وطريقته في الأحاديث المكرَّرة: أنَّه يشرح في كلِّ موضعٍ ما يتعلَّق بمقصد البخاريِّ بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه.
قال شيخنا: وكثيرًا ما كان - رحمه الله تعالى - يقول: أودُّ لو تتبَّعت الحوالات التي تقع لي فيه، فإن لم يكن المُحال به مذكورًا، أو ذُكِرَ في مكانٍ آخرَ غير المُحال عليه؛ ليقع (٤) إصلاحه؛ فما (٥) فعل ذلك، فاعلمه.
وكذا ربَّما يقع له ترجيح أحد الأوجه في الإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضعٍ، ثمَّ يرجِّح في موضعٍ آخرَ غيره، إلى غير ذلك ممَّا لا طعن عليه بسببه، بل هذا أمرٌ لا ينفكُّ عنه كثيرٌ من الأئمَّة المعتمدين، وكان ابتداء تأليفه في أوائل سنة سبع عشرة وثمان مئةٍ على طريق الإملاء،
قوله: (بِبَاقِي شَرْحِهِ)؛ أي: شرحُ ما في هذا الموضع المكرر من غريب لفظٍ أو زيادةٍ أو نقصانٍ في الروايات أو نحو ذلك.
стр. 330
ثمَّ صار يكتب بخطِّه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكرَّاس، ثمَّ يكتبه جماعةٌ من الأئمَّة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يومٍ من الأسبوع، وذلك بقراءة العلَّامة ابن خضر، فصار السِّفر لا يكمل منه شيءٌ إلَّا وقد قُوبِل وحُرِّر، إلى أن انتهى في أوَّل يومٍ من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمان مئةٍ، سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينتهِ إلَّا قُبيل وفاة المؤلِّف بيسيرٍ.
ولمَّا تمَّ؛ عَمِلَ مصنِّفُه وليمةً بالمكان المسمَّى بالتَّاج والسَّبع وجوه، في يوم السَّبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين، وقُرِئَ المجلس الأخير هناك بحضرة الأئمَّة، كالقايانيِّ والمناويِّ والونائيِّ والسَّعد الدِّيريِّ، وكان المصروف على الوليمة المذكورة نحو خمس مئة دينارٍ، وكملت مقدِّمته وهي في مجلَّدٍ ضخمٍ في سنة ثلاث عشرة وثمان مئةٍ، وقد استوفيت بحمد الله تعالى مطالعتهما.
وقد اختصر «فتح الباري» شيخُ مشايخنا الشَّيخ أبو الفتح محمَّد ابن الشَّيخ زين الدِّين بن الحسين المراغي، وقد رأيته بمكَّة وكتبت كثيرًا منه.
وشرحه العلَّامة بدر الدِّين العينيُّ الحنفيُّ في عشرة أجزاءٍ وأزيد، وسمَّاه «عمدة القاري»، وهو بخطِّه في أحدٍ وعشرين جزءًا مجلَّدًا، بمدرسته التي أنشأها بحارة كتامة بالقرب من الجامع الأزهر، وشرع في تأليفه في أواخر شهر (١) رجب سنة إحدى وعشرين وثمان مئةٍ، وفرغ منه في آخر الثُّلث الأوَّل من ليلة السَّبت خامس شهر جمادى الأولى سنة سبعٍ (٢)
قوله: (المُسَمَّى بِالتَّاجِ) هو موضعٌ بناهُ خارجَ القاهرة السلطان المؤيد، بين كوم الريش ومُنية السيرج.
قوله: (كَالقَايَانِي) بالقاف ثم التحتية وبعد الألف نون، و (الوَنَّائِي) بنون ممدودة فهمزة كذلك.
قوله: (وَكَمُلَتْ مُقَدِّمَتُهُ … ) إلى آخره، لا يُنافي ما قدَّمه من أنَّه ابتدأ الشرح سنة سبع عشرة؛ لأنَّ المرادَ به ما بعدَ المقدمة فيكون عمل المقدمة أولًا، وشرع في الشرح بعد تمامها.
стр. 331
وأربعين وثمان مئةٍ، واستمدَّ فيه من «فتح الباري»، كان -فيما قِيلَ- يستعيره (١) من البرهان ابن خضرٍ بإذن مصنِّفه له، وتعقَّبه في مواضعَ، وطوَّله بما تعمَّد الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح» حذفه من سياق الحديث بتمامه، وإفراد كلٍّ من تراجم الرُّواة بالكلام، وبيان الأنساب واللُّغات والإعراب والمعاني والبيان، واستنباط الفرائد من الحديث والأسئلة والأجوبة وغير ذلك.
وقد حُكِيَ: أنَّ بعض الفضلاء ذكر للحافظ ابن حجرٍ ترجيح «شرح العينيِّ»؛ بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهة: هذا شيءٌ نقله من شرحٍ لركن الدِّين، وكنت قد وقفت عليه قبله، ولكن قد تركت النَّقل منه؛ لكونه لم يتمَّ، إنَّما كتب منه قطعةً، وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال في هذا المَهْيَع، ولذا لم يتكلَّم البدر العينيُّ بعد تلك القطعة بشيءٍ من ذلك. انتهى.
وبالجملة؛ فإنَّ شرحه حافلٌ كاملٌ في معناه، لكنَّه لم ينتشر كانتشار «فتح الباري» من حياة مؤلِّفه وهلمَّ جرًّا.
وكذا شرح مواضع من «البخاريِّ» الشَّيخ بدر الدِّين الزَّركشيُّ في «التَّنقيح»، وللحافظ ابن حجرٍ نكتٌ عليه لم تكْمل (٢).
وكذا شرح العلَّامة بدر الدِّين الدَّمامينيّ، وسمَّاه «مصابيح الجامع»، وقد استوفيت مطالعتها؛ كشرح العينيِّ وابن حجرٍ والبرماويِّ.
وكذا شرح الحافظ الجلال السُّيوطيّ -فيما بلغني- في تعليقٍ لطيفٍ، قريبٍ من «تنقيح» الزَّركشيِّ، سمَّاه: «التَّوشيح على الجامع الصَّحيح».
قوله: (المَهْيَع) بفتح الميم وسكون الهاء وبعد المثناة التحتية المفتوحة، عينٌ مهملةُ: الطريق الواسع الواضح استُعير للأسلوب والطريقة.
стр. 332
وكذا شرح منه شيخ الإسلام أبو زكريَّا يحيى النَّوويُّ قطعةً، من أوَّله إلى آخر «كتاب الإيمان»، طالعتها وانتفعت ببركتها.
وكذا الحافظ ابن كثيرٍ قطعةً من أوَّله، والزَّين بن رجبٍ الدِّمشقيُّ، ورأيت منه مجلَّدةً، والعلَّامة السِّراج البُلقينيُّ، رأيت منه مجلَّدةً أيضًا، والبدر الزَّركشيُّ في غير «التَّنقيح» مطوَّلًا، رأيت منه قطعةً بخطِّه، والمجد الشِّيرازيُّ اللُّغويُّ مؤلِّف «القاموس»، سمَّاه: «منح الباري بالسَّيح الفسيح المجاري في شرح البخاري»، كمَّل ربع «العبادات» منه في عشرين مجلَّدًا، وقدر تمامه في أربعين مجلَّدًا.
قال التَّقيُّ الفاسيُّ: لكنَّه قد ملأه بغرائب (١) المنقولات، لاسيَّما لما اشتُهِر باليمن مقالة ابن عربيٍّ، وغلب ذلك على علماء تلك البلاد، وصار يدخل في شرحه من فتوحاته الكثير ما كان سببًا لِشَيْن شرحه عند الطَّاعنين فيه.
وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه رأى القطعة التي كملت في حياة مؤلِّفه قد أكلتها الأَرَضَة (٢) بكمالها، بحيث لا يقدر على قراءة شيءٍ منها. انتهى.
وكذا بلغني أنَّ الإمام أبا الفضل النُّويريَّ خطيب مكَّة شرح مواضع من «البخاريِّ».
وكذا العلَّامة محمَّد بن أحمد بن مرزوق شارح «بردة البوصيريِّ»،
قوله: (بِالسَّيْحِ) بتحتية بعد السين المهملة آخره حاء متعلقٌ بمنح، والسَّيح المطر، و (المجاري) بفتح الجيم جمعُ مجرى؛ أي: الفسيحةُ مجاريه؛ أي: ذلك السيح.
стр. 333
وسمَّاه: «المتجر الرَّبيح والمسعى الرَّجيح في شرح الجامع الصَّحيح»، ولم يكمل أيضًا.
وشرح العارف القدوة عبد الله بن أبي جمرة ما اختصره منه، وسمَّاه: «بهجة النفوس»، وقد طالعته، والبرهان النعمانيّ إلى أثناء الصَّلاة، ولم يفِ بما التزمه، رحمه الله تعالى وإيَّانا.
وشيخ المذهب وفقيهه شيخ الإسلام أبو يحيى زكريَّا الأنصاريُّ السُّنَيكيُّ (١)، والشَّمس الكورانيُّ مؤدِّب السُّلطان المظفَّر أبي الفتح محمَّد بن عثمان فاتح القسطنطينيَّة، سمَّاه: «الكوثر الجاري إلى رياض صحيح البخاري»، وهو في مجلَّدتين، والعلَّامة شيخ الإسلام أبو البقاء جلال الدِّين البلقينيُّ بيَّن ما فيه من الإبهام (٢)، وهو في مجلَّدةٍ.
وصاحبنا (٣) الشَّيخ أبو البقاء الأحمديُّ، أعانه الله تعالى على الإكمال.
وشيخنا فقيه المذهب الجلال البكريُّ، وأظنُّه لم يكمل.
وكذا صاحبنا الشَّيخ شمس الدِّين الدُّلجيُّ، كتب منه قطعةً لطيفةً.
ولابن عبد البرِّ: «الأجوبة على المسائل المستغربة من البخاري»، سأله عنها المهلَّب بن أبي صفرة.
وكذا لأبي محمَّد ابن حزم عدَّة أجوبةٍ عليه، ولابن المُنَيِّر حواشٍ على ابن بطَّالٍ، وله أيضًا كلامٌ على التَّراجم سمَّاه: «المتواري».
قوله: (المَتْجَرُ) بفوقية ساكنة فجيم؛ أي: محل التجارة، (الرَّبِيْحُ)؛ أي: الكثير الربح.
قوله: (السُنَيْكِي) بضم السين وفتح النون وسكون التحتية، نسبةً إلى سُنيك بلدٌ بالشرق منها شيخ الإسلام ﵁.
стр. 334
وكذا لأبي عبد الله بن رُشَيدٍ: «ترجمان التَّراجم»، وللفقيه أبي عبد الله محمَّد بن منصور بن حمامة المغراويِّ السِّجِلْماسيِّ: «حلُّ أغراض البخاري المُبهَمة في الجمع بين الحديث والتَّرجمة»، وهي مئة ترجمةٍ.
ولشيخ الإسلام الحافظ ابن حجرٍ: «انتقاض الاعتراض»، يجيب فيه عمَّا اعترضه عليه العينيُّ في «شرحه»، طالعته لكنَّه لم يجب عن أكثرها، ولعلَّه كان يكتب الاعتراضات، ويبيِّض لها ليجيب عنها، فاخترمته المنيَّة.
وله أيضًا: «الاستنصار (١) على الطَّاعن المِعْثار»، وهو صورة فُتيا عمَّا وقع في خطبة شرح البخاريِّ للعلَّامة العينيِّ.
وله أيضًا «أحوال الرِّجال المذكورين في البخاريِّ زيادةً على ما في تهذيب الكمال»، وسمَّاه: «الإعلام بمن ذُكِرَ في البخاري من الأعلام».
وله أيضًا: «تغليق التَّعليق»، ذكر فيه تعاليق أحاديث «الجامع» المرفوعة، وآثاره الموقوفة والمتابعات، ومن وصلها بأسانيده إلى الموضع المعلَّق؛ وهو كتابٌ حافلٌ
قوله: (الفَرَاوِي) بفتح الفاء والراء مخففًا، و (السِلْجَماسِي) بسين مهملة مكسورة فلام ساكنة فجيم ثم سين مهملة أيضًا، نسبةً إلى سِلْجَماسَة: قريةٌ بالمغرب.
وقوله: (حَلُّ أَغْرَاضَ … ) إلى آخره؛ أي: كتابٌ مسمى بذلك خاصٌّ ببيانِ المناسبات بين التراجم وما فيها.
قوله: (انْتِقَاضُ الاعْتِرَاضِ) اسمٌ للكتاب المذكور الذي جعله فيما اعترضَ به عليه العيني.
قوله: (المِعْثَار) بكسر الميم وبالمثلثة: الكثير العثور والسَّقط.
قوله: (الإِعْلَامُ) بكسر الهمزة في الأول وفتحها في الثاني، صفةً لمحذوفٍ؛ أي: الرجال الأعلام.
قوله: (تَغْلِيْقُ التَّعْلِيْقِ) بالغين المعجمة في الأول مصدرُ غَلَّقْتُ الباب بالتشديد مبالغةً في غَلَقْتُهُ
стр. 335
عظيمٌ في بابه، لم يسبقه إليه أحدٌ فيما أعلم، وقرَّظ له عليه العلَّامة اللُّغويُّ المجد صاحب «القاموس»، كما رأيته بخطِّه على نسخةٍ بخطِّ مؤلِّفه، ولخَّصه في «مقدِّمة الفتح»، فحذف الأسانيد ذاكرًا من خرَّجه موصولًا.
وكذا شرح «البخاريَّ» العلَّامة المفنِّن (١) الأوحد، الزَّين (٢) عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحمن بن أحمد، العباسيُّ الشَّافعيُّ، شرحًا رتَّبه على ترتيبٍ عجيبٍ، وأسلوبٍ غريبٍ، فوضعه -كما قال- في ديباجته على منوال «مصنَّف ابن الأثير»، وبناه على مثال «جامعه» المنير، وجرَّده من الأسانيد، راقمًا على هامشه بإزاء كلِّ حديثٍ حرفًا أو حروفًا، يُعلَم بها من وافق البخاريَّ على إخراج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الخمسة، جاعلًا إثر كلِّ كتابٍ جامعٍ منه بابًا لشرح غريبه، واضعًا الكلمات الغريبة بهيئتها على هامش الكتاب، موازيًا لشرحها؛ ليكون أسرع في الكشف وأقرب إلى التَّناول، وقرَّظ له عليه شيخنا شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريفٍ، والزَّين عبد البرِّ ابن الشِّحنة (٣)، والعلَّامة الرَّضيُّ الغزِّيُّ.
ونَظَم شيخ الإسلام البلقينيُّ مناسبات ترتيب تراجم البخاريِّ، فقال:
أتى في البخاري حكمةٌ في التَّراجمِ … مناسبةٌ في الكُتْبِ مثل البراجمِ
مُخففًا بمعنى أوثقته، استعير لذكرِ الأسانيد التي تركها المؤلفُ في تلك التعاليق والموقوفات والمتابعات كأنَّه أوثقها بهذه الأسانيد بعد أن كانت كالسائبة.
قوله: (وَقَرَّظ لَهُ) التَّقْرِيظ بالظاء المشالة والضاد المعجمة: مدحُ الإنسان، وهو حيٌّ وغلبَ استعماله في مدح التآليف وأربابها.
قوله: (ابْن الشَّحْنَةِ) بفتح الشين المعجمة وسكون الحاء المهملة.
قوله: (فِيْ التَّرَاجِمِ) بالفوقية والجيم المكسورة جمعُ ترجمةٍ، والمرادُ بها الكتب والأبواب التي فيه؛ أي: جاء في ترتيبها -على النَّسق الذي نَسقه الظاهر منه التنافر بين معظمها- حكمةٌ جليلةٌ،
стр. 336
فمبدأ وحي الله جاء نبيُّه … وإيمانُ يتلوه بعقد المعالم
وإنَّ كتاب العلم يُذكَر بعده … فبالوحي إيمانٌ وعلم العوالم
وما بعد إعلامٍ سوى العمل الذي … به يَرِدُ الإنسان وِرْدَ الأكارم
ومبدؤه طهرٌ أتى لصلاتنا … وأبوابه فيها بيان الملائم
وبعد صلاةٍ فالزَّكاة تبيعها … وحجٌّ وصومٌ فيهما خُلْفُ عالَم
وهي مناسبة في الكتب؛ أي: تَنَاسب وارتباط بين الكتب المترجم بها كائنةٌ مثلَ البراجم، تظهرُ بحسن التأمل ودقةِ النظر.
قوله: (البَرَاجِمِ) بالموحدة والجيم، جمع بُرْجُمَة بضم الموحدة والجيم، البَنَان، ويُقالُ لظهورها وبطونها: الرواجب كما في «الكفاية»، والمراد مثلها في التناسب.
قوله: (فَمَبْدَأُ وَحْيِ الله) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: فأولها مبدأ إلى آخره، ويتلوه «كتاب الإيمان».
وقوله: (بِعَقْدِ المَعَالِمِ)؛ أي: حالَ كونه بعقدِ المعالم؛ أي: النيات، والمناسبةُ في الابتداءِ بالوحي وإيلائه (١) الإيمان، ثم بقية التراجم ظاهرة، وهي أنَّ الاعتماد على جميع ما سيذكره في الصحيح يتوقف على كونه ﷺ نبيًّا أوحي إليه، والإيمان به إنَّما يجب لذلك، ثم يتبعه بقية التكاليف والأحكام ولذا قال: فبالوحي إيمانٌ، وعلم العوالم؛ أي: علم النفوس العوالم، ولفظ إيمان في الأول غير مُنون للضرورة.
قوله: (وَمَا بَعْدَ إِعْلَامٍ … ) إلى آخره؛ أي: ليسَ بعدَ الإعلام بالشيءِ الواجبِ إلَّا العمل به الذي يرد الإنسان به (وِرد الأكارم) بكسر الواو: النصيب من الماء، مستعارٌ لما به تحيا النفوس من القيام بالتكاليف، والأكارم جمع كريم كمَثيل وأماثل؛ أي: فلذا أعقب كتاب العلم بكتاب الوضوء وهكذا إلى آخر الأعمال.
وقوله: (وَمَبْدَؤُهُ طُهْرٌ)؛ أي: مبدأُ العمل طهر … إلى آخره.
وقوله: (وَأَبْوَابُهُ) مَبْتَدَأ، و (بيانُ الملائمِ) مبتدأ ثان وفيها خبره وهو وخبره خبر الأول؛ أي: أبواب الطهر فيها بيانُ المناسبِ له من وضوءٍ وغسلٍ وغيرهما.
وقوله: (وَبَعْدَ صَلَاةٍ) إما أن يُقْرَأ بالإضافة أو عدمها، على أن المراد وبعد الطهارة وما يتعلق بها صلاة … إلى آخره.
وقوله: (فِيْهِمَا خُلْفُ عَالَم) بفتح اللام: جماعة من الناس؛ أي: في تقديم كل منهما على الآخر.
стр. 337
روايته جاءت بخلْفٍ بصحَّةٍ … كذا جاء في التَّصنيف (١) طبق الدَّعائم
وفي الحجِّ أبوابٌ كذاك بعمرةٍ … لِطَيْبَةَ جاء الفضل من طيب خاتم (٢)
معاملة الإنسان في طوع ربِّه … يليها ابتغاء الفضل سوق المواسم
وأنواعها في كلِّ بابٍ تميَّزت … وفي الرَّهن والإعتاق فكُّ الملازم
فجاء كتاب الرَّهن والعتق بعده … مناسبةٌ تخفى على فهم صارم
وقوله: (رِوَايَتُهُ)؛ أي: الخُلف.
وقوله: (بِخلف)؛ أي: مصحوبة بخلف.
وقوله: (الدَعَائِمِ) جمع دِعَامة بكسر الدال عماد البيت، مستعارٌ هنا للأصول المروية عن الشيخ والنُسخ المسموعة منه.
وقوله: (لِطَيْبَةَ … ) إلى آخره، مرادُهُ أنَّه جاء ذكرُ فضلِ طيبةَ -وهي المدينة- إثرَ فضل مكة التي بها شعار الحج للمناسبة الظاهرة، والمراد بالخاتم خاتم الأنبياء ﷺ . وقوله: (مُعَامَلَةُ الإِنْسَانِ فِيْ طَوْعِ رَبِّهِ)؛ أي: كائنةٌ في جملة (طوع … ) إلى آخره؛ أي: فهي من جملة العبادات فإردافها بها لتلك المناسبة.
وقوله: (يَلِيْهَا ابْتِغَاءُ الفَضْلِ)؛ أي: الرزق؛ أي: باب ابتغاء الفضل.
وقوله: (سُوْقَ المَوَاسِمِ)؛ أي: وسوق المواسم؛ أي: المجامع التي كانت في العرب كسوق عكاظ، ولا يخفى أنَّه يكون في الأسواق طلب الأرزاق بالبيع والشراء ونحوهما.
وقوله: (وَأَنْوَاعُهَا)؛ أي: المعاملات، و (تميَّزَت) تفصَّلت وعلمت.
وقوله: (فِيْ الرَّهْنِ والإعتاقِ فكُّ الملازم)؛ أي: الأمر الملازم لصاحبه، وهو سلطنة الرِّق في العبد وسلطنة الراهن في الرهن، فبينهما مناسبة من هذا الوجه، فلذا أعقب الرهن بالعتق فقوله (مُنَاسَبَةٌ تَخْفَى)؛ أي: هذه المناسبةُ مناسبةٌ تخفى (على فهمِ صارمِ)، بالصاد المهملة والراء؛ أي: شُجاع ماض كالسيف القاطع، وذلك لدقتها فلا تُدرك إلَّا بدقة التأمل.
стр. 338
كتابة عبدٍ ثمَّ فيها تبرُّعٌ … كذا هبةٌ فيها شهود التَّحاكم
كتاب شهاداتٍ تلي هبةً جرت … وللشُّهدا في الوصف أمرٌ لحاكم
وكان حديث الإفك فيه افتراؤهم … فويلٌ لأفَّاكٍ وتبًّا لآثم
وكم فيه تعديلٌ لعائشة التي … يبرِّئها المولى بدفع العظائم
كذا الصُّلح بين النَّاس يُذكَر بعده … فبالصُّلح إصلاحٌ ورفع (١) المظالم
وصلحٌ وشرطٌ جائزان لشرعه … فذكر شروطٍ في كتابٍ لعالم
كتاب الوصايا والوقوف لشارطٍ … بها عمل الأعمال تمَّ (٢) لقائم
وقوله: (كِتَابَةُ عَبْدٍ) مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: بعدها أو العكس، وتعقيبه بها ظاهرٌ؛ لأنَّها من أنواعه.
وقوله: (ثُمَّ فِيْهَا تَبَرُّعٌ)؛ أي: من المكاتِب للمكاتَب بشيء من مال الكتابة.
وقوله: (كَذَا هِبَةٌ … ) إلى آخره؛ أي: فذِكْرُها بعد التبرع المذكور؛ لأنها -أي: الهبة- تبرعٌ أيضًا، ثم لكونه قد يفضي الحال في الهبة إلى التداعي وطلب الشهود أعقبها؛ -أي: الهبة- بـ «كتاب الشهادات» فلذا قال: (كذا هبة فيها … ) إلى آخره.
وقوله: (وَلِلْشُهَدَا فِيْ الوَصْفِ … ) إلى آخره؛ أي: إنَّ الشُّهود يثبتُ لهم من الأوصاف ما للحاكم من العدالة والعقل ونحو ذلك.
وقوله: (وَكَانَ حَدِيْثُ الإِفْكِ … ) إلى آخره؛ أي: إنَّه أعقبَ «كتاب الشهادة» بحديث الإفك لما فيه من مناسبات أحوال الشهود إذ ظهر فيه إفكُ من جاء به، وتعديل السيدة الصديقة بنت الصديق ﵂، وبراءة ساحتها القدسية من قبل هذه الجرائم العظيمة وغيرها.
وقوله: (يُذْكَرُ بَعْدَهُ)؛ أي: بعدَ الإفكِ، وقد بَيَّنَ وجهَ المناسبة بقوله (فَبِالصُلْحِ … ) إلى آخره، ولعلَّ أصل التناسب إنَّما هو بينه وبين الشهادات التي تحصل في الدعاوى، وذَكَرَ بينهما الإفكَ استطرادًا لِمَا ذُكِرَ من المناسبة، ثم لما كان الصلح يكون على شروط وذَكَرهَا، ناسبَ أن يذكرَ عقبه بقية أحكام الشروط الداخلة في بقية الأحكام؛ فذَكَرَ «كتابَ الشروط» في الإسلام والأحكام وغير ذلك مما يُعقد على شروط.
وقوله: (كِتَابُ الوَصَايَا)؛ أي: بعد «كتاب الشروط» «كتاب الوصايا والوقف» لما فيهما من العمل
стр. 339
معاملتا ربٍّ وخلقٍ كما مضى … وثالثها جمعٌ غريبٌ لفاهم
كتاب الجهاد اجهد لإعلاء كلِمةٍ … وفيه اكتساب المال إلَّا لظالم
فيملك مال الحرب قهرًا غنيمةً … كذا الفيء يأتينا بعزِّ المغانم
وجزيتهم بالعقد فيه كتابها … موادعةٌ معها أتت في التَّراجم
بشرط الموصي والواقف من الوصي والناظر، والضمير في (بها) إمَّا للشروط المفهومة من (شارط) والجار والمجرور خبر مقدَّم، و (عمل) مبتدأ مؤخر، و (ثَمَّ) بمثلثة مفتوحة؛ أي: هناك؛ أي: في الوصايا والوقوف، و (لِقَائِمِ) متعلق بعمل؛ أي: لمن يقوم بذلك مِن وصيٍّ وناظر، أو بفوقية: فعلٌ ماضٍ من التمام و (لقائم) متعلق به؛ أي: إنَّه متى كان على حسب تلك الشروط كان نافذًا غير منقوض، ويحتمل أن يكون (لشارط) خبرًا مقدَّمًا و (عمل) مبتدأ مؤخر، و (بها) بمعنى فيها، متعلق بشارط.
وقوله: (مُعَامَلَتَا رَبٍّ … ) إلى آخره؛ أي: ما تقدَّمَ من أول الكتاب إلى هنا هو معاملتا الخلق والخالق؛ أي: قسم يختص بالعبادة التي هي معاملة الخالق، وقسم بالخَلْق وهو معاملة المخلوق، ثم أردف ذلك بما يشمل كُلًّا منهما وهو معنى قوله: (وَثَالِثُهَا جَمْعٌ … ) إلى آخره؛ أي: وثالث الأقسام جمع بين هذين القسمين (غَرِيبٌ لِفَاهِم)؛ أي: عظيمٌ لمن يفهمه وهو الجهاد، فإنَّه من حيث بذلُ الإنسان نفسه لإعلاء كلمة الله معاملة للخالق، ومن حيث ما فيه من الغنائم وأخذها بدون رضا أربابها وقسمتها بين المجاهدين معاملة للمخلوق، وقد أشار لذلك بقوله: (اجْهَدْ لإِعْلَاءِ كَلِمَةٍ) وقوله: (وَفِيْهِ اكْتِسَابُ المَالِ) و (كتاب) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهو؛ أي: الثالث كتاب إلى آخره، وفرَّع عليه قوله:
(فَيُمْلَكُ … ) إلى آخره، إما بالبناء للمجهول و (مال) نائب فاعل، أو للفاعل، وفيه ضمير يعود على المجاهد المفهوم من المقام.
وقوله: (وَجِزْيَتُهُم بِالْعَقْدِ)؛ أي: المُلتبسة بعقدها (فيه)؛ أي: مذكورة؛ أي: بابها فيه (كتابها)؛ أي: في «كتاب الجهاد»: «كتاب الجزية»، والترجمة للجزية، ثم بـ (باب) لا (كتاب) فلعلَّ الناظمَ تجوَّزَ به عنه لاستقامة النَّظْمِ، أو أرادَ بالكتاب المصدر، بمعنى اسم المفعول على تقدير مضافين؛ أي: دالٌّ أحكامها.
وقوله: (مُوَادَعَةٌ مَعَهَا)؛ أي: وذكرَ معها؛ أي: بعدها «بابَ: المُوادعة»؛ أي: موادعة الإمام ملك
стр. 340
كتابٌ لبدء الخلق بعد تمامه … مقابلة الإنسان بَيْدَ المقاسم
وللأنبيا فيه كتابٌ يخصُّهم … تراجمُ فيها رتبةٌ للأكارم
فضائل تتلو ثمَّ غزو نبيِّنا … وما قد جرى حتى الوفاة لخاتم
القرية هل يكون ذلك لبقيتهم؟ والموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، والمناسبة بين الجهاد والجزية، وبينها وبين الموادعة ظاهرة.
وقوله: (كِتَابٌ لِبَدْءِ الخَلْقِ)؛ أي: وبعد هذا كتاب «بدء الخلق».
وقوله: (بَعْدَ تَمَامِهِ … ) إلى آخره؛ أي: بعدَ إتمامه (مقابلة) بالموحدة النَّصب على المفعولية لـ (تمام) الذي هو اسم مصدرٍ بمعنى المصدر، ويحتملُ أن كتابَ مبتدأ والظَّرف خبره و (بَيْدَ) بموحدة فتحتية ساكنة؛ أي: لأجلِ (المقاسم) متعلقٌ بـ (مقابلة)؛ أي: بعد مقابلة الإنسان العدو ومقاتلته لأجل المقاسم؛ أي: الأموال التي تُقسم، وهي الغنائم والشأن في الحروب أن تكون لذلك، وأيًّا ما كانَ ففي الكلام نوعُ قلاقةٍ ليس لها من دون التطويل علاقة.
وقوله: (لِلْأَنْبِيَا فِيْهِ)؛ أي: في «كتاب بدء الخلق».
وقوله: (كِتَابٌ يَخُصُّهُم) سيأتي أن رواية غير اليُونينية: «باب: خلق آدم وذريته» ورواية اليونينية: «كتاب الأنبياء» وعليها فقوله (وللأنبيا فيه) إِمَّا أنْ يكونَ ضميرُهُ للبدءِ وهو ظاهرٌ، أو للكتاب، ففي بمعنى بعد، ثمَّ على رواية اليونينية لا احتياج إلى تأويل (في باب) وعلى رواية غيرها (ففي) على ظاهرها، و (باب) مراد منه الجنس، إذ المذكور للأنبياء أبواب متعددة لا بابٌ واحد.
وقوله: (فَضَائِلُ تَتْلُو)؛ أي: إنَّه يذكرُ بعد ذلك كتاب الفضائل، يعني: فضائل قريش والصحابة والمهاجرين والأنصار وما يتعلق بذلك.
وقوله: (ثُمَّ غَزْوُ نَبِيِّنَا) ثم بعدَ ذلك «كتابُ المغازي»، وذكر غزواته ﷺ وبعوثه (وما جرى) له ومنه في حياته ﷺ في الدعاء إلى الإسلام، وكمكاتبة الملوك وغير ذلك (حتى الوفاة)؛ أي: إلى وفاته ﵊.
وقوله: (لِخَاتَمِ)؛ أي: لخاتم الرسل متعلق بـ (جرى).
стр. 341
وإنَّ نبيَّ الله وصَّى وصيَّةً … تخصُّ كتاب الله يا طيب عازم (١)
كتابٌ لتفسيرٍ تعقَّبَه بهِ … وإنَّ أولي التَّفسير أهل العزائم
وفي ذاك إعجازٌ لنا ودليلنا … وإحياؤه أرواح أهل الكرائم (٢)
كتاب النِّكاح انْظُرْهُ منه (٣) تناسلٌ … حياةٌ أتت منه لطفلٍ محالم
وأحكامه حتَّى الوليمة تلوها … ومن بعدها حسن العشير الملائم
وقوله: (وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ … ) إلى آخره؛ أي: وبعد ذلك وصية النبي ﷺ والكتاب الذي هَمَّ بِكِتَابَتِهِ فِيْ مَرَضِ مَوْتِهِ بِالعَمَلِ بِالقُرْآنِ الشَّرِيْفِ والتمسك به، و (عازم) بالعين المهملة والزاي المعجمة من العَزْم، والمراد منه النَّبيَّ ﷺ في عزمه على كتابة ذلك.
وقوله: (تَعَقَّبَهُ)؛ أي: تعقب «كتاب وصية النَّبيِّ ﷺ »؛ أي: ذكره عقبه.
وقوله: (وَإِنَّ أُوْلِي التَّفْسِيْرِ) بالكسر، استئناف؛ أي: إنَّ أصحاب تفسير القرآن؛ أي: العالمون به (أهل العزائم)؛ أي: أرباب الهمم العلية والمقاصد السنية، قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] على ما قيلَ: إنها معرفةُ تفسير القرآن.
وقوله: (وَفِيْ ذَاكَ إِعْجَازٌ لَنَا)؛ أي: في معرفة التفسير معرفة إعجاز القرآن؛ أي: كونه مُعجزًا للبشر.
وقوله: (وََدَلِيْلُنَا)؛ أي: معرفةُ أدلتنا في العقائد والأحكام الشرعية، وفيه أيضًا: إحياء لأرواح أهل الكرائم؛ أي: النفوس الكريمة بما فيه من العلوم والمعارف التي بها تحيا الأرواح الحياة الأبدية.
وقوله: (كِتَابُ النِّكَاحِ)؛ أي: وبعد ذلك؛ أي: «كتاب التفسير» «كتاب النكاح»، وأشار إلى مناسبته للتفسير بالسابق واللاحق من قوله: (وَإِحْيَاؤُهُ أَرْوَاحُ أَهْلِ الكَرَائِمِ).
وقوله: (انْظُرْهُ فِيْهِ تَنَاسُلٌ حَيَاةٌ … ) إلى آخره؛ أي: فذلكَ حياةُ الأرواح وهذا حياة الأجسام.
وقوله: (مُحَالِمِ) بالحاء المهملة؛ أي: صائر إلى أن يبلغ الحلم.
وقوله: (وَمِنْ بَعْدها حُسْنُ العَشِيْرِ)؛ أي: من بعد النكاح وتعلقاته حسن العشير؛ -أي: المعاشر؛
стр. 342
كتاب طلاقٍ فيه أبوابُ فرقةٍ … وفي النَّفقات افرق ليسرٍ وعادم
وأطعمةٌ حلَّت وأخرى فحرِّمت … ليجتنب الإنسان إثم المحارم
وعقٌّ عن المولود يتلو مطاعمًا … كذا الذَّبح معْ صيدٍ بيان الملائم
وأضحيةٌ فيها ضيافة ربِّنا … ومن بعدها المشروب يأتي لطاعم
وغالب أمراض بأكلٍ وشربةِ … كتابٌ لمرضانا برفع المآثم
أي: باب حسن المعاشرة مع الأهل- و (الملائم) صفة العشير، وفيه: تلميح إلى التناسب بينه وبين النكاح.
وقوله: (كِتَابُ طَلَاقٍ … ) إلى آخره، على نسق ما قبله.
وقوله: (وَفِيْ النَّفَقَاتِ … ) إلى آخره؛ أي: وفي «أبواب النفقات» أبواب نفقة المُوسر والمُعدَم؛ -أي: المعسر- يُشيرُ إلى «باب: نفقة المعسر على أهله».
وقوله: (وَأَطْعِمَةٌ … ) إلى آخره؛ أي: ويتلو ذلك أطعمة؛ أي: «كتاب الأطعمة» وأبواب ما يحل منها وما يحرم، ومناسبتها للنفقات حتى ذكرت عقبها ظاهرة.
وقوله: (وَعَقٌّ … ) إلى آخره، بالعين المهملة المفتوحة والقاف مبتدأ ويتلو خبره، وهو على تقدير مضاف، وباب العقِّ عن المولود؛ أي: طلب ذبح عقيقته.
وقوله: (كَذَا الذَّبْحُ … ) إلى آخره؛ أي: كذلك يتلو الذبحَ؛ -أي: «كتاب الذبائح والصيد» - لأنَّ كُلًّا طعام وذبح، والظاهرُ أنَّ قوله: (بيانَ الملائم) بالنصب مفعول لمحذوف؛ أي: افهم بيان الملائم؛ أي: انضمام الملائم بعضه لبعض. وقوله: (وَأُضْحِيَةٌ)؛ أي: و «كتاب الأضحية» على نسق ما قبله.
وقوله: (فِيْهَا ضِيَافَةُ رَبِّنَا) استطرادٌ ببيان حكمتها، وأنَّها ضيافة من الله للناس أيام العيد.
وقوله: (وَمِنْ بَعْدِهَا المَشْرُوْب)؛ أي: «كتاب الأشربة» أو أحكام المشروبات لقوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ [البقرة: ٦٠].
وقوله: (وَغَالِبُ أَمْرَاضٍ بِأَكْلٍ وَشُرْبِهِ)؛ أي: حاصلٌ بسببِ أكلِ الإنسان وشُربه، فهو مُتولد عنهما، فلذا ذكر «كتاب المرضى والطب» عقبهما.
وقوله: (بِرَفْعِ المَآثِمِ) يظهرُ أنَّه تحريفٌ، والصواب (برفعِ المآلم) باللام بعد الهمزة الممدودة، جمع مألم مصدرٌ ميمي من الألم؛ أي: مصحوبًا هو؛ -أي: «كتاب المرضى» - بالطب الذي يرفع المآلم، ثم ذكرَ فيهِ؛ أي: في «الطب» «بابَ: الرُّقى»؛ لأنها من جُملة الطبِّ كما قال: (فَبِالطِّبِ يُسْتَشْفَى
стр. 343
فبالطِّبِّ يُستشفَى من الدَّا برُقْيَةٍ … بفاتحة القرآن ثمَّ الخواتم
لباسٌ به التَّزيين فانظره (١) بعدهُ … كذا أدبٌ يُؤتَى به بالكرائم
وإنَّ بالاستئذان جلب (٢) مصالح … به تفتح الأبواب وجه المسالم
وبالدَّعْوات الفتح من كلِّ مغلقٍ … وتيسير أحوالٍ لأهل المعازم
رقاقٌ بها (٣) بعد الدُّعاء تَذكُّرٌ … وللقدر اذكره لأصل (٤) الدَّعائم
مِنَ الدَّا) بالقصرِ للضرورة … إلى آخره، ومن المعلوم أنَّ الإنسان كما يحتاج إلى الطعام والشراب يحتاج إلى اللباس ليتزين به، فلذا ذكر «كتاب اللباس» بعد «الطب» الذي هو من تعلقات الأكل والشرب، وإذا استوفى الإنسان ما به يتربى جسمه ويتحسن، التفت إلى ما به تتربى روحه وتتكمل، وذلك بالأخلاق المرضية والآداب السنية، فذكر بعد ذلك «كتابَ الآداب»، والكرائمُ هي الأفعال الكريمة، و (به) بمعنى فيه؛ أي: يذكرُ فيه الأفعال الجليلة، ثم من جملة الآداب الاستئذان في دخول بيت الغير و (به تُفتح الأبواب) المغلقة في (وجه المُسالم)؛ أي: المُستأذن الذي ليسَ بينه وبين المستأذن عليه عداوةٌ إذا أراد دخوله فهو سبب فتحِ الأبواب الحسية، والدعاء سببٌ في فتح الأبواب المعنويةِ للمطالبِ الإنسانية، فناسب أن يذكر «كتاب الدعاء» عقبَ «كتب الاستئذان»، وفَصْلُهُمَا بترجمةٍ مع دخولهما في الآداب لعله لجلالتهما وعِظَمِ الأحكام والأغراض المترتبة عليهما، كما أشار لذلك الناظم بقوله:
وَبِالدَّعَوَاتِ الفَتْحُ مِنْ كُلِّ مُغْلَقٍ … وَتَيْسِيْرُ أَحْوَالٍ لِأَهْلِ المَعَازِمِ
بالعين المهملة ثم الزاي جمع (معزم) بمعنى العزم والقصد.
وقوله: (رِقَاق) بكسر الراء يعني «كتاب الرقاق» (بعد) «كتاب الدعاء»، وهو جمع رقيقة؛ أي: مُرققة؛ يعني: الأمور التي ترققُ القلب ويحصل بها التذكر؛ أي: الاتعاظ.
وقوله: (وَلِلْقَدَرِ اذْكُرْهُ)؛ أي: اذكرْ القَدَرَ بالتحريك؛ أي: «كتاب القدر» بعد «كتاب الرقائق»
стр. 344
ولا قَدَرَ إلَّا من الله وحده … تبرُّرنا بالنَّذر شوقًا (١) لحاتم (٢)
وأيمانٌ من كتبٍ وكفَّارةٌ لها … كذا النَّذر في لُجٍّ بدا من ملاحم
وأحوال أحياءٍ تتمُّ وبعدها … مواريث أمواتٍ أتت للمقاسم
فرائضهم فيها (٣) كتابٌ يخصُّها (٤) … وقد تمَّت الأحوالُ حالات سالم
(لأهل الدعائم) جمع دِعامة، ما يُعتمد عليه؛ يعني: لأهل الاعتماد والتوكل عليه تعالى.
وقوله: (وَلَاْ قَدَرٌ … ) إلى آخره، استطراد.
وقوله: (تَبَرُّرنَا بِالنَّذْرِ)؛ أي: وتبررنا بالنذر؛ أي: وبعد القدر «أبوابُ نذرُ التَّبرر» الذي يحمل عليه الشوق إلى حسن ختام الأمر المطلوب.
وقوله: (وَأَيْمَانٌ مِنْ كُتُبٍ) مبتدأ وخبر، وأيمان بفتح الهمزة على تقدير مضاف؛ أي: و «كتاب الأيمان» من جملة الكتب، يريد بهذه الجملة التي هي كالسماء فوقنا أنَّ الأيمان بعد نذر التبرر.
وقوله: (وَكَفَّارَةٌ لَهَا كَذَا النَّذْرُ … ) إلى آخره؛ أي: وبابُ «كفارةِ اليمينِ ونذر اللجاج»، وظاهره أنَّ النذر المذكور بعد الكفارة، وليس كذلك، بل هو والأيمان في ترجمة واحدةٍ، وباب كفارة الأيمان بعد النذور.
وقوله: (بَدَا)؛ أي: ظهر ضميره للنذرِ المذكور، و (المَلَاحِم) بفتح الميم وبالحاء المهملة: الشدائد من التحمَ الحربَ: اشتدَّ.
وقوله: (وَأَحْوَالُ أَحياءٍ) (٥) ثم تمهيدٌ لوجه ذكرِ «كتاب الفرائض» بعد ذلك؛ أي: إنَّه بمضمون التراجم المتقدمة تتم أحوال الأحياء، ثم يعقبها أحوال الأموات، فلذا أعقب ذلك «كتاب الفرائض».
وقوله: (حَالَاتُ سَالِمِ) بدل من الأحوال، وسالم؛ أي: من القاذورات المعنوية التي هي المعاصي، وبقي ما يتعلق بحالِ من يأتي تلك القاذورات فذكرَ «كتاب الحدود»، فظهرت المناسبة بين السابق واللاحق.
стр. 345
ومن يأت قاذورًا تَبيَّن حدُّه … محاربهم فيها أتت حتم حاتم
وفي غرَّةٍ فاذكر دياتٍ لأنفسٍ … وفيه قصاصٌ جاء لأهل الجرائم
وردَّة مرتدٍّ ففيه استتابةٌ … بردَّته زالت عقود العواصم
ولكنَّما الإكراه رافعُ حكمه … كذا حِيَلٌ (١) جاءت لفكِّ التَّلازم
وقوله: (مَحَارِبُهُم فِيْهَا أَتَتْ)؛ أي: حِرَاباتهم؛ يعني: المحاربين من أهل القاذورات فيها؛ أي: في الحدود؛ أي: بعدها أو في القاذورات؛ أي: داخلة فيها، فلذا ذكرت بعد الحدود ومراده «كتاب المحاربين» من أهل الكفر والردة.
وقوله: (حَتْمُ حَاتِم) بحاء مهملة ثم فوقية فيهما؛ أي: حتم ذلك، وجزم به حتمًا من حاتم، وهو الله تعالى، أو النَّبيُّ ﷺ .
وقوله: (وَفِيْ غُرَّةٍ … ) إلى آخره، هو بضم الغين المعجمة وتشديد الراء؛ أي: في ذكر الغُرَّةِ الواجبة في الجناية على الجنين.
وقوله: (فَاذْكُرْ دِيَّاتٍ … ) إلى آخره، الفاء زائدة، وصريحُ كلامه أنَّ ترجمة الدِيات مذكورةٌ في تراجم الغُرة، فالغُرة سابقة والديات لاحقة، وليس كذلك بل الأمرُ بالعكس، فكتاب الديات عقب «كتاب المحاربين»، وفي ضمن أبوابه: «باب: جنين المرأة»، وكذا قوله: (وَفِيْهِ قِصَاصٌ) فإنَّ «بابَ: القِصَاصِ» في «كتاب الديات» قبل «باب: الجنين»، ترجمَ له بقوله: «باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]» بعد الديات بباب واحد، وقبل «باب: الجنين» بأبواب شتى.
وقوله: (وَرِدَّةُ مُرْتَدٍّ)؛ أي: وبعد ذلك (رِدَّةٌ … ) إلى آخره، أي: «كتاب المرتدين»، وفي قوله: (وَفِيْهِ اسْتِتَابَةٌ … ) إلى آخره، أن أصلَّ التَّرجمة بكتابِ المُرْتَدِّيْنَ، وفيها باب استتابتهم مثلًا، وليس كذلك بل المذكور «كتاب استتابة المرتدين وقتالهم»، وبعد ذلك «باب: حكم المرتد والمرتدة»، و «باب: قتل مَن نسب إلى الردة».
وقوله: (بِرِدَّتِهِ … ) إلى آخره، استطرادٌ ببيانِ وجهِ قتلِ المُرتد، و (العواصم) الأمور التي عصمت دمه وماله؛ من الإيمان وأعماله.
وقوله: (وَلَكِنَّمَا الإِكْراهُ رَافِعُ حُكْمِهِ)؛ أي: حكم ذلك الارتداد الذي يحصل به فله به أتم مناسبة، فلذا ذكر عقبه، وترجمه المصنف بلفظ: «كتاب الإكراه»، وذكر بعده «باب: من اختار الضرب والقتل
стр. 346
وفي باطن الرُّؤيا لتعبير أمرها … وفتنتها قامت فما من مقاوم
وإحكامها خلفًا (١) يزيل تنازعًا … كتاب التَّمنِّي جاء رمزًا لراقم
ولا تتمنَّوا جاء (٢) فيه تواترٌ … وأخبار آحادٍ حِجَاجٍ لعالم
والهوان على الكفر»، ثم أبوابُ الإكراهِ في البيع والنكاح وغيرهما، لكون ذلك من أفراد مطلق الإكراه.
وقوله: (كَذَا حِيَلٌ … ) إلى آخره؛ أي: إنَّه ترجمَ بعدَ «أبوابِ الإكراه» للحيل، فقال: «باب: الحيلة في النكاح» «باب: ما يُكره من الاحتيال في البيوع … » إلى آخره، ولعلَّ مُنَاسَبته للإكراهِ أنَّ في الارتدادِ بالإكراه تخلصًا من القتلِ وتحيُّلًا على خلاصِ النفسِ، فناسبَ أن يذكرَ معهُ التَّحيل في باقي الأحكام، فإنَّ به ينفكُ التلازمُ فيها كما ينفكُّ به فيه، ثم انظرْ ما معنى قوله: (وَفِيْ بَاطِنِ الرُّؤْيَا … ) إلى آخره، فإن كانَ المرادُ أنَّ «أبوابَ الرؤيا وتعبيرها» بعد أبواب الحيل فصحيحٌ، لكن لا يؤديهَ هذا التعبير، بل لم أفهم له معنى أصلًا.
وقوله: (وَفِتْنَتُهَا قَامَتْ … ) إلى آخره، كأنه يُشير إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ويرمزُ إلى أن «كتاب الفتن» بعد الرؤيا لذلك، ولكنْ لا وربك ما تفيد هذه العبارة ذلك.
وقوله: (وَإِحْكَامُهَا … ) إلى آخره، لعلَّ مُراده أنَّ إحكامها؛ -أي: إتقانها- من جهة الخُلف؛ أي: الاختلاف الواقع بين علماء التعبير فيها يُزيلُ التنازع في أمرها، وأنها تقع بحسب ما تعبر، وأيًّا ما كان فالله أعلم بما أراد.
وقوله: (كِتَابُ التَّمَنِّي … ) إلى آخره، لعلَّ الشارحَ تركَ هنا أبياتًا تضمنت ذكر الأحكام، وإلَّا فبعد الفتن «كتاب الأحكام»، وفيه تراجم الحكام وأعمالهم وبيعتهم، ثم «كتاب التمني»، ولعل قوله: (وَلَاْ تَتَمَنَّوا … ) إلى آخره، إشارةٌ لنكتةِ ذكره عقب الأحكام، وأن أمر الحكام مما تشتهيه النفوس وتتمناه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] وقوله: (جَاءَ فِيْهِ)؛ أي: في هذا الأمر وهو التمني (تواتر)؛ أي: إخبار ذو تواترٍ.
وقوله: (وَأَخْبَارُ آحَادٍ)؛ أي: وجاء في هذا الكتاب أخبار الآحاد، ومراده: «باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد»، وفيه من الإبهام ما لا يخفى.
وقوله: (حِجَاجٌ … ) إلى آخره؛ أي: إنَّ في أحاديثه ما يحتجُّ به على مَن لم يقبله على ما سبقَ تفصيله.
стр. 347
كتاب اعتصامٍ فاعتصم بكتابه … وسُنَّة خير الخلق عصمة عاصم
وخاتمة التَّوحيد طاب ختامها … بمبدئها (١) عطرٌ ومسكٌ لخاتم
فجاء كتابٌ جامعٌ من صحاحنا (٢) … لحافظ عصرٍ قد مضى في التَّقادم
أتى في البخاري مدْحةٌ (٣) لصحيحه … وحسبك بالإجماع في مدح حازم
أصحُّ كتابٍ بعد تنزيل ربِّنا … وناهيك بالتَّفضيل فاجأر لراحم (٤)
وقل رحم الرَّحمن عبدًا موحِّدًا … تحرَّى صحيحَ القصد سُبْل العلائم
وفي سُنَّة المختار يبدي صحيحها … بإسناد أهل الصِّدق من كلِّ حازم
وإنَّا توخَّينا كتابًا نخصُّه (٥) … على أوجهٍ تأتي عجابًا لغانم
عسى الله يهدينا جميعًا بفضله … إلى سُنَّة المختار رأس الأكارم
وصلَّى على المختار أللهُ ربُّنا … يقارنها التَّسليم في حالِ دائم
وآلٍ له والصَّحب معْ تبعٍ لهم … يقفُّون آثارًا أتت بدعائم
بتكرير ما يبدو وتضعيف عدِّه (٦) … وفي بدئها والختم مسك الخواتم (٧)
وقد آنَ أَنْ أشرع في الشَّرح حسبما قصدته، على النَّحو الذي في الخطبة ذكرته، مستعينًا بالله تعالى، ومتوكِّلًا عليه، ومفوّضًا جميع أموري إليه، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله (٨).
وقوله: (كِتَابُ اعْتِصَامٍ)؛ أي: وبعد «كتاب التمني» «كتاب الاعتصام»، ثم «كتاب التوحيد»، وهو آخر تراجم كُتُب الكِتَاب.
نسألُ الله تعالى بحق النَّبيِّ ﷺ وآله، وبالبخاري ورجاله أن يختمَ لنا ولإخواننا
стр. 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالحُسنى، ولا يحرمنا بحرمةِ وجهه الكريم من رِضاه الأسنى، وأن يوفقنا جميعًا إلى طاعته بجاه وجه النَّبيِّ ﷺ ، وعلى آله وصحبه وعِتْرَتِهِ، والحمد لله رب العالمين.
تَمَّتْ على يدِّ مُؤلفها الفقير عبد الهادي نجا الأبْيَارِي في غُرة جمادى الأولى سنة ١٢٨٣ وعلى الله حسن القبول بجاه كل نبي ورسول.
(يقول راجي غُفْرانَ المَسَاوي … مصحِّحُه محمدُ الزهري الغمراوي)
أما بعد حمد الله الذي حديث الكائنات يشهد بربوبيته وأحوال البريات تنطق ألسنتها بوحدانيته، والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، فقدْ تمَّ طبع حاشية العلامة الشيخ عبد الهادي نَجَا الأبياري المسماة: «نيل الأماني في إيضاح مقدمة شرح العلامة القسطلاني» لصحيحِ الإمام البخاري، رحم الله الجميع وأسكنهم المكان الرفيع.