المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، وبعد،
فقد من الله علي بعونه ومنه وتوفيقه بالقيام بشرح رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية المسماة " الفتوى الحموية الكبرى" في عدة دروس على بعض الطلبة، ويسر الله لي معاودة النظر في ذلك الشرح المسموع بعد تفريغ أشرطته، وكنت أمام أحد خيارين:
الخيار الأول: إما أن أكتفي بذلك الشرح الذي هو عبارة عن تعليقات مختصرة تناسب ذلك المقام، وكما يفعل البعض من الذين شرحوا تلك الكتب والرسائل والمسائل، وكما هو الحال فيما وقفت عليه من شروح للفتوى الحموية الكبرى.
والخيار الثاني: -وهو الذي اخترته هنا-وهو أن أقوم بشرح موسع لهذه الفتوى وذلك ليتناسب مع مقام التأليف كما قيل لكل مقام مقال، وسيراً على نهج من توسع في الشروح كما فعل شارح العقيدة الطحاوية -رحمه الله تعالى- والذي لايزال نفع كتابه وفائدته أعم وأكبر، حيث يستفيد منه الطالب المبتدئ والمتوسط في الطلب والمتقدم فيه، وبحكم تخصصي الدقيق في باب الأسماء والصفات وانصراف قدر كبير من عمري واطلاعي على جوانب دقيقة في هذا الباب تأصيلاً وتقعيداً وتأليفاً، فقد سرت في هذا الشرح هذا المسلك لعلي أفيد فيه طلبة العلم وليجدوا فيه قدراً متميزاً على غيره من الشروح التي ألفت في شرح الفتوى الحموية الكبرى.
كما حرصت على تضمين هذا الشرح الكثير من النقول والاستشهاد بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية من مؤلفاته الأخرى المتعلقة بذات الموضوع، وكذلك من كلام تلاميذه وكذلك بكلام بقية العلماء حرصاً على تناول المسألة بأكبر قدر ممكن من النقول والاستشهادات وبخاصة إذا كانت تلك النقول تحمل المزيد من التوضيح التفصيل والتقسيم الموضحة لذلك الموضع.
стр. 2
مع إقراري بأن الشرح الموسع قد يعتريه بعض التطويل أو التكرار لذكر بعض المسائل ومعاودة سردها في أكثر من موطن، ولكن لعله يشفع لي أن ذلك سببه ورود المسألة في أكثر من موطن مما يستدعي الأمر أحيانا معاودة شرحها مرة أخرى، أو ذكر طرف منها، فكلام شيخ الإسلام في الفتوى الحموية الكبرى قد يتكرر في المسألة لداعى من الدواعي ولمناسبة مقاربة لتلك المناسبة التي ورد فيها سابقاً.
كما أن الفتوى الحموية حوت نقولاً عن جملة من العلماء الذين نقل الإمام ابن تيمية قولهم في عدد من المسائل العقدية، فاستدعى المقام بيان تلك المسائل وشرحها حتى يقف الطالب على مضمون تلك المسائل وشرحها بالرغم أنها ليست من كلام شيخ الإسلام نفسه.
وفي العموم يبقى هذا الشرح محاولة لإخراج الفتوى الحموية الكبرى بصورة أوضح وأجلى وأحسب أن المطلع عليه سيقف بشكل مفصل ومقعد عن مسائل ومباحث باب الأسماء والصفات الذي هو موضوع الفتوى تأصيلاً وتقريراً، مع أن بعض تلك المسائل لا تختص بهذا الباب تحديداً وإنما تتعلق بأبواب العقيدة عامة.
ويبقى مع ذلك أن جهد البشر يعتريه النقص والخلل، فأرجو أن أكون قد أصبت بما كتبت، وإن كان الأمر على خلاف ذلك فأرجو على المطلع على ذلك الخلل والنقص أن يرشدني لذلك لعلي أستدركه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 3
توطئة
موضوع الفتوى:
هذه رسالة الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ويعرف من سؤال السائل في أول الكتاب، أن مضمون الكتاب هو مسائل توحيد الأسماء والصفات.
وقد سلك الإمام ابن تيمية في جوابه مسلك التأصيل أولاً ثم مسلك التقرير.
والمقصود بمسلك التأصيل أنه ﵀ بين الأصول التي يرجع إليها أهل السنة والجماعة في تقرير أصول التلقي فيباب العقيدة عموماً وفي باب الأسماء خصوصاً، وشرح تلك الأصول على ما سيأتي تفصيله أثناء الشرح.
ثم تكلم في معرض عرض الجوانب التأصيلية عن مناهج أصحاب الفرق التي ضلت في هذا الباب وبين أصولهم التي قام عليها معتقدهم، وتحدث في أثناء ذلك عن أصول مقالاتهم وعن أول من قال بها وعن أسباب ظهورها وانتشارها والقائلين بها.
ثم ذكر الجوانب التقريرية المتضمنة لذكر عقيدة أهل السنة في هذا الباب عموماً وفي بعض مسائل الصفات خصوصاً.
ثم ذكر طرفاً من أقوال العلماء في تقرير إثبات الصفات على وجه العموم والخصوص، وحرص أن يتناول تلك الأقوال بحسب تنوع مذاهب أصحابها الفقهية أو انتماءاتهم الأخرى كالصوفية.
وبعد ذلك لخص مواقف الطوائف من نصوص الصفات وذكر أقسامهم.
وعندما تقرأ في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية عليك أن تعلم أن من طريقته في كل مسألة وقع فيها اختلاف، اعتماده الخطوات الآتية:
أولاً: يؤصل للمسألة بحيث يبين أصول أهل السنة فيها والتي تتمثل بالرجوع إلى الكتاب السنة وفق فهم السلف الصالح.
ثانياً: يبين معتقد أهل السنة والجماعة في المسألة مستدلاً لذلك بنصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، فهذا هو معتقد أهل السنة: كتابٌ وسنة وفق فهم سلف الأمة،
стр. 4
ثالثاً: يبين أقوال المخالفين يتعرض للشُبهة التي يحاول هؤلاء أن يلحقوها بالحق، ثم بعد ذلك من منهجه أنه يردُّ على الأُسُسَ التي اعتمدها أولئك في باطلهم.
فهذه طريقته وهذا منهجه في سائر المسائل التي يتكلم عنها، فهو من جهة يعيد الأمر إلى أصله وأساسه ويحيي ما اندثر من علم السلف، وهذه قضية ميزت كلام وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، فامتاز بذلك أنه في سائر كتبه إذا ناقش مسألة من المسائل فإنه يعيدك إلى أصولها حتى تفهم أن هذا هو قول الله فيها، وهذا هو قول رسوله ﷺ ، وهذا قول السلف الصالح.
ما حصل لشيخ الإسلام بعد كتابة هذه الفتوى:
حصلت محنة لشيخ الإسلام ابن تيمية بدمشق بسبب الفتوى الحموية، وقد ذكرت هذه المحنة في العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢١٩ - ٢١٨). قال الشيخ علم الدين: وفي شهر ربيع الأول من سنة ثمان وتسعين وستمائة وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية.
وكان الشروع فيها في أول الشهر، وظهرت يوم الخامس منه واستمرت إلى آخر الشهر.
وملخصها: أنه كان كتب جوابا سئل عنه من حماة في الصفات، فذكر فيه مذهب السلف، ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين. واجتمع بسيف الدين جاغان في ذلك في حال نيابته بدمشق وقيامه، فقام نائب السلطنة، وامتثل أمره. وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به.
فحصل بذلك ضيق لجماعة، مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ وتألمهم لظهوره وذكره الحسن.
فانضاف شيء إلى أشياء. ولم يجدوا مساغاً إلى الكلام فيه لزهده، وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه، وجودة أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من غزارة العلم، وجودة الفهم. فعمدوا إلى الكلام في العقيدة. لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب. فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقا في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء، واحدة واحدة. وأغروا خواطرهم، وحرفوا الكلام، وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم -حاشاه من ذلك - وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه. وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك. ولم يقع من ذلك شيء والعياذ بالله.
стр. 5
وسعوا في ذلك سعيا شديداً، في أيام كثيرة المطر والوحل والبرد، وسعوا في ذلك سعيا شديدا.
فوافقهم جلال الدين الحنفي، قاضي الحنفية يومئذ، على ذلك. ومشي معهم إلى دار الحديث الأشرفية. وطلب حضوره، وأرسل إليه فلم يحضر.
وأرسل إليه في الجواب: إن العقائد ليس أمرها إليك، وإن السلطان إنما ولاك التحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي.
فوصلت إليه هذه الرسالة فأغروا خاطره، وشوشوا قلبه، وقالوا لم يحضر. ورد عليه.
فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة، فأجاب إلى ذلك. فنودي في بعض البلد ثم بادر سيف الدين جاغان، وأرسل طائفة. فضرب المنادي وجماعة ممن حوله، وأخرق بهم. فرجعوا مضروبين في غاية الإهانة.
ثم طلب سيف الدين جاغان من قام في ذلك وسعى فيه، فدارت الرسل والأعوان عليهم في البلدة، فاختفوا واحتمي مقدمهم ببدر الدين الأتابكي، ودخل عليه في داره. وسأله أن يجيره من ذلك؟ فترفق في أمره إلى أن سكن غضب سيف الدين جاغان. ثم إن الشيخ جلس يوم الجمعة على عادته ثالث عشر الشهر. وكان تفسيره في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) القلم: ٤] وذكر الحلم وما ينبغي استعماله. وكان ميعاداً جليلا. ثم إنه اجتمع بالقاضي إمام الدين الشافعي، وواعده لقراءة جزئه الذي أجاب فيه. وهو المعروف بالحموية.
فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر، من بكرة النهار إلى نحو الثلث من ليلة الأحد، ميعادة طويلا مستمرة. وقرئت فيه جميع العقيدة، وبين مراده في مواضع أشكلت. ولم يحصل إنكار عليه من الحاكم، ولا ممن حضر المجلس، بحيث انفصل عنهم، والقاضي يقول: كل من تكلم في الشيخ يعزر. وانفصل عنهم عن طيبة.
وخرج الناس ينظرون ما يسمعون من طيب أخباره. فوصل إلى داره في ملأ كثير من الناس، وعندهم استبشار وسرور به، وهو في ذلك كله ثابت الجأش، قوى القلب، واثق بالنصر الإلهي لا يلتفت إلى نصر مخلوق، ولا يعول عليه.
وكان سعيهم في حقه أتم السعي، لم يبقوا ممكنا من الاجتماع بمن يرتجون منه أدنى نصر لهم، وتكلموا في حقه بأنواع الأذى، وبأمور يستحي الإنسان من الله
стр. 6
سبحانه أن يحكيها، فضلا عن أن يختلقها، ويلفقها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والذين سعوا فيه معروفون عندنا وعند كل أحد، قد اشتهر عنهم هذا الفعل الفظيع. وكذلك من ساعدهم بقول، أو تشنيع، أو إغراء أو إرسال رسالة، أو إفتاء، أو شهادة، أو أذى لبعض أصحاب الشيخ ومن يلوذ به، أو شتم، أو غيبة، أو تشويش باطن، فإنه وقع من ذلك شيء كثير من جماعة كثيرة.
ورأى جماعة من الصالحين والأخيار في هذه الواقعة وعقيبها للشيخ مرائي حسنة جليلة، ولو ضبطت كانت مجلدة تامة. انتهى ما ذكره).
وذكر الإمام ابن كثير ﵀ في بدايته في أحداث سنة ثمان وتسعين وستمائة وبعد ذكره لمقتل الملك المنصور لاجين قال ص ٤ من الجزء الرابع عشر:
وكان قد وقع في أواخر دولة لاجين بعد خروج قبجق من البلد محنة للشيخ تقي الدين بن تيمية؛ قام عليه جماعة من الفقهاء، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي، فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماة المسماة (بالحموية)، فانتصر له الأمير سيف الدين جاغان، وأرسل يطلب الذين قاموا عنده، فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة من نادي على العقيدة فسكت الباقون، فلما كان يوم الجمعة عمل الشيخ تقي الدين الميعاد بالجامع على عادته. وفسر في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم» [القلم: ٤] ثم اجتمع بالقاضي إمام الدين يوم السبت واجتمع عنده جماعة من الفضلاء وبحثوا في الحموية وناقشوه في أماكن فيها، فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير، ثم ذهب الشيخ تقي الدين، وقد تمهدت الأمور وسكنت الأحوال، وكان القاضي إمام الدين معتقده حسنا، ومقصده حسنا. اه.
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) "ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات؛ كقوله ﷺ : «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» وقوله: «يضع الجبار قدمه في النار» إلى غير ذلك من الأحاديث [وما قالت العلماء، وابسُطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى؟] فأجاب: "
الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
السائل سأل سؤالاً وهو: "ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ "، إلى غير ذلك من صفات، وسأل كذلك عن أحاديث الصفات، فالسؤال عن نصوص الصفات بما فيها الآيات والأحاديث.
ومعلومٌ أن الناس قد انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أهل السنة والجماعة.
الذين أثبتوا تلك الأسماء والصفات التي جاء ذكرها في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فإذا قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فإن هذا النص خبر، أخبر الله فيه أنه استوى على عرشه، فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله وكماله، لا يماثله فيه أحدٌ من خلقه والله أعلم بكيفيته.
стр. 8
فهذا الجواب تضمن ثلاثة أمور:
الأمر الأول: إثبات صفة الاستواء لله .
الأمر الثاني: نفي مماثلة صفات الله لصفات المخلوقين.
الأمر الثالث: عدم الخوض في كيفية صفات الله .
فما أخبر الله به في هذه الآية يجب أن يُثبت لله تعالى، فإذا قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فإن هذا يوجب على المؤمن أن يصدق به، لأن نصوص القرآن والسنة تدور حول حالين:
الحال الأول: إما أن يُخبر الله تعالى بشيء.
كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، هذا إخبارٌ.
الحال الثاني: وإما أن يأمر بشيء.
مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فهنا أمر من الله لعباده بأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
فالخبر يجب على المؤمن تجاهه التصديق، فإذا أخبرنا الله تعالى بأنه استوى على عرشه، فإن علينا أن تصدق بأن الله تعالى استوى على عرشه، وإذا جاءنا الأمر مثل: وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة، فيجب علينا الامتثال والانقياد، فإن كان أمر إيجاب يجب علينا أن نقوم به، وإن كان أمر نهيٍ فيجب علينا أن ننتهي عنه.
فالواجب على الموحد إذا أخبر الله تعالى باستوائه على عرشه أن يعتقد ثلاثة أمور:
أولاً: يجب عليه أن يؤمن بأن الله مستوٍ على عرشه استواءً حقيقة كما أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
ثانياً: أن يثبت لله استواءً يليق بجلاله وكماله تعالى؛ لِأن الله تعالى قد قال في آية أخرى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فمعنى هذا أن الله في استوائه على عرشه لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، ونعني بذلك أن الله تعالى لا يحتاج إلى العرش ولا يفتقر إليه.
ثالثاً: يجب علينا ألا نخوض في كيفية استوائه، هذا أمرٌ لا ينبغي ولا يجوز للمسلم أن يخوض فيه.
فإذاً تُثبتُ ما أثبته الله لنفسه؛ لأن الله أخبر بذلك، ومع إثبات ذلك يجب أن تعتقد أن الله تعالى لا يماثله ولا يساويه في ذلك أحدٌ من خلقه، مع عدم الخوض في كيفية الاستواء.
стр. 9
فالمقصود والمراد من نفي المماثلة أن لله خصائص، أي أمورٌ يختص بها لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، ثم بعد ذلك فالله تعالى ما أطلعنا ولا أخبرنا ولا تعبدنا بمعرفة كيفية استوائه، وكلنا يعلم جواب الإمام مالك ﵀-إذ سأله السائل: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فغضب الإمام مالك من سؤال السائل وقال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" (١).
فإذاً الكيف مجهول، فلا يقال كيف استوى؟ أو كيف ينزل؟ أو كيف يداه؟ أو كيف قدماه؟ إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته لا نعلم كيفيتها وهذا سيأتي جوابه إن شاء الله تعالى.
فإذاً هذه نصوص وردت لإثبات صفاتٍ لله تعالى، فهناك من أثبتها وهم أهل السنة.
القسم الثاني: المعطلة.
هذا القسم يندرج تحته فئات:
١. فمنهم من أنكر جميع الأسماء والصفات، ويقول: لا نثبت لله اسماً ولا صفة، ومن هؤلاء؟ الجهمية.
٢. وهناك من أثبت الأسماء إثباتاً لفظياً وأنكر جميع الصفات، لذلك يقولون: سميعٌ بلا سمع، وعليمٌ بلا علم، وبصيرٌ بلا بصر، وهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم.
٣. وهناك من أثبت بعض الصفات وأنكر البعض الآخر، وهؤلاء هم الأشاعرة والماتريدية والكلابية، وإن كان الذي يُعرف اليوم الأشاعرة والماتريدية دون الكلابية.
فمن نفى تلك الصفات، أخذ يغير معاني تلك الآيات، فإذا جاء إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال الاستواء بمعنى الاستيلاء، ويريد بهذا أن ينكر أن الله استوى على عرشه حقيقة،
وسنأتي إن شاء الله إلى ما يثبته الأشاعرة وما ينفونه من الصفات، فهم أثبتوا البعض ونفوا البعض، فممَّا نفوه الاستواء، فهم لا يثبتونه لله تعالى.
القسم الثالث: المشبهة.
وهؤلاء أثبتوا الصفات، ولكنهم أدخلوا في الإثبات أموراً لا تليق لله تعالى.
стр. 10
وقالوا: استواءٌ كاستوائي، أو يدٌ كيدي، أو سمعٌ كسمعي، وبصرٌ كبصري، فزادوا في الإثبات إلى درجة التشبيه.
وفحوى هذه الفتوى الحموية يدور على مسألتين يريد المؤلف أن يتحدث عنهما:
الأولى: الكلام في توحيد الأسماء والصفات.
الثانية: أن الناس انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام.
стр. 11
(٢) " [الحمد لله رب العالمين] قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره"
المصنف يريد قبل الجواب على سؤال السائل أن يضع مقدمة على اعتبار أن الأمور التأصيلية تسبق الأمور التقريرية، فيقول: إن الذي يجب أن يقوله كل أحد والذي يقوله هو أن نأخذ بما جاء في الكتاب وما جاء في السنة وما كان عليه سلف الأمة، فيجب أن نرجع إلى كلام الله تعالى، وإلى كلام رسوله ﷺ ، وإلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة ومن التابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان.
فهذا الأمر الذي يجب أن يرجع إليه عند هذه المسألة بل وعند جميع مسائل الدين، بمعنى أنه يجب على كل مسلمٍ أن يرضى بكلام الله وكلام رسوله ﷺ وبما كان عليه الصحابة وما كان عليه التابعون وما كان عليه تابعوا التابعين.
وبحمد الله كل هذا محفوظ، فكتاب الله بين أيدينا، وسنة المصطفى ﷺ محفوظة منقولة، نعرف الصحيح منها والضعيف، فنعرف ما ثبت وما لم يثبت، وحتى ما ذكره وقاله الصحابة وما قاله التابعون أو ما قاله تابعو التابعين ومن بعدهم من أئمة الهدى، فكلام هؤلاء كله مسطر ومدون فيجب الرجوع إليه، ويجب الأخذ به.
وهذه طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يُرجع المسائل إلى أصولها، التي هي أصول المسلمين التي هي قال الله وقال الرسول ﷺ وما كان عليه سلف الأمة، فهذه أصول الإسلام، فلا يجوز أن تُهجر وتُترك ويستبدل بها أراء وكلام الرجال والفلسفة والمنطق فهذا أمرٌ لا يقبله المسلم أو يرتضيه في دينه، إذ كيف يرتضي قال الفضلاء، وقال الحكماء، وقال العقلاء، ومنطق اليونان وفلسفتهم بدلاً من كلام الله وكلام رسوله ﷺ وما كان عليه سلف الأمة، فهذا أمرٌ لا يقبل.
والمصنف ﵀ يريد أن يقرر الأمور التأصيلية قبل الدخول في المسائل التقريرية
стр. 12
على اعتبار أن الخلاف في هذا الباب مع المخالفين من المعطلة كان أساساً في تحديد مصادر التلقي في هذا الباب حيث جعل المعطلة الأصل لديهم هو العقل دون الرجوع إلى الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح، ولذلك هذه كتب أهل الكلام كالأشاعرة المتأخرين في الاعتقاد-على سبيل المثال-إذا نظر الناظر فيها في باب التوحيد وباب النبوات، لا يجد لهؤلاء تأصيلاً أو تقريراً من الكتاب أو من السنة أو من كلام السلف الصالح في هذين البابين، فهم لا يذكرون آية أو حديثاً أو قولاً للسلف الصالح، إنما إذا تصفحت مثل هذه الكتب ستجد كلاماً مركباً من المنطق والفلسفة وغاية أدلتهم أن يقولوا قال الفضلاء وقال الحكماء وقال العقلاء.
بل إن الأمر يصل إلى أكبر من ذلك حتى إنهم قدموا أقوال هؤلاء على كلام الله وكلام رسوله ﷺ ،
فأهل التعطيل جعلوا أقوال البشر أو ما يسمونه "العقل" وحده هو أصل علمهم، فالشبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشبه العقلية، فإن وافقتها قبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها ردت تلك النصوص الشرعية وطرحت، وفي هذا يقول قائلهم: (كل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به، وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول. وظواهر أحاديث التشبيه -يعني بها أحاديث الصفات-أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل) ١ (١).
وقال: "كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترًا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولاً ولا يكون متعارضًا" (٢)
فهذا النقل يبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروض عليها، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم شككوا فيه وانتقصوه، ومن ثم سعوا في تأويله وتحريفه، ومن يلقي
стр. 13
نظرةً على كتب الأشاعرة مثلاً يجد أن القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات، وهم في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبا أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم من ملاحدة اليونان وتلاميذهم!
وأما باب السمعيات-أي البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد-فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بالسمعيات. في مقابل باب الإلهيات والنبوات، إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال من قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ومن ذلك مثلاً هناك مسألة يطرحها بعض الأشاعرة ويطرحها غيرهم فيقولون: الدلائل النقلية، ويقصدون بها الكتاب والسنة، هل تفيد اليقين؟ (١) بمعنى هل هي قاطعة الدلالة؟
فالجواب عندهم: لا، ويبدؤون تعليلاتهم بعد ذلك بقولهم: قيل: لا،
أولاً: لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة، أي بما أنه كلامٌ لفظي فإنه لابد عند ذلك من النظر في وضع اللغة، وأصل اللغة ومراد المتكلم.
والأول: الذي هو وضع اللغة قالوا: يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف، يعني تعرف أن اللغة ينقلها علماء اللغة، ويتناقلها الناس، وكذلك علم النحو والصرف وأصولها، أي أصول هذه العلوم تثبت برواية الآحاد وفروعها بالأقيسة وكلاهما ظنيان.
وكل هذا كلام فلسفي لنقضٌ وهدمٌ لكلام الله وكلام رسوله ﷺ بأرائهم وعقولهم.
والثاني: الذي هو الإرادة، أي: مراد المتكلم يتوقف على أمورٍ ذكروها وهي: عدم النقل، والاشتراك، والمجاز، والإضمار، والتقسيط، والتقديم، والتأخير، والكل لجوازه لا يجزم بانتفائه بل غايته الظن".
стр. 14
فهو يشكك في النصوص الشرعية، ويقول: "إن غايتها الظن"، ثم بعد ذلك يقول: "ثم بعد الأمرين"، أي الوضع والإرادة،
ثانياً: لابد من العلم بعدم المعارض العقلي، يعني إذا جاء النص وجاء المنطق الذي وضعوه وركبوه فعارض النص، فعند ذلك تحدث مشكلة، فعلى سبيل المثال جاء نصٌ يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ويثبت الاستواء، وفي عقولهم أن الله تعالى لا يوصف بتلك الصفات، فهنا يقولون: "ما بعد الأمرين لابد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد المعارض العقلي لقدم على الدليل النقلي قطعاً"، بمعنى أن المسألة ليس فيها تردد عندهم بل يجب قطعاً أن تقدم الدليل العقلي على الدليل النقلي.
وانظر وتأمل في كلامهم فيقول قائلهم هنا مبرراً ومعللاً هذا الحكم وفق أربع فرضيات هي:
الفرضية الأولى: إذ لا يمكن العمل بهما، فإذا كان النقل يقول نعم، والعقل يقول لا، فلا يمكن أن نعمل بنعم ولا في وقتٍ واحد، فتقول استوى ولم يستو،
الفرضية الثانية: ولا يمكن العمل بنقيضهما، يعني لا يمكن أن تنفي الاثنين هذا يقول نعم وهذا يقول لا تقول لا نعم ولا لا.
الفرضية الثالثة: أن تقديم النقل على العقل إبطالٌ للأصل بالفرع، عندهم أن العقل هو الأصل هو الأساس الذي يجب التحاكم إليه، فإن قضى العقل بشيء فيجب الأخذ به، فأنت لو قدمت النقل على العقل فإنك أبطلت النقل، لأن النقل عندهم: لا يثبت إلا بالعقل، فعندهم أن النقل فرع والعقل أصل وهذه قضية واسعة لا يمكن أن ندخل فيها ونتوسع فيها بعمق.
الفرضية الرابعة: أن يقدم العقل على النقل باعتباره هو الأصل على حد قولهم.
والشاهد من هذا الكلام: أن القوم قدموا عقولهم على كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
فانظر إلى كلام شيخ الإسلام وانظر إلى كلامهم، فكلام شيخ الإسلام يقول: "قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ ، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ".
وهؤلاء يقولون: يجب أن نعود في الأمر إلى ما جاءت به العقول ونترك المنقول، وأنت إذا تأملت كتب المتأخرين من الأشاعرة وأمثالهم في باب الإلهيات والنبوات لا تجد قال الله وقال رسوله.
стр. 15
فهذا أول كتاب الإرشاد للجويني، في أول مسألة يقررها يقول: "بابٌ في أحكام النظر" أي النظر في وجود الله، فأول مسألة يقررها يقول: "أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعاً القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدث العالم" (١) وهذه عبارات كلامية يصعب فهمها فلو قرأت من هذا عشرات الصفحات لابد أن تكون قد درست المنطق والفلسفة لكي تستطيع أن تفهم.
لكن مراده بهذا: أنه يجب على الإنسان إذا بلغ سن البلوغ أن ينظر في وجود الله، وعندهم أن هذا النظر لابد أن يسبقه شك أولاً بوجود الله، فأين الدليل من كلام الله وكلام رسوله الذي يوجب على المسلم أن ينظر بعد بلوغه سن التكليف.
والسؤال الذي يفرض نفسه لكل من قد تجاوز سن البلوغ، هل قام بهذا الواجب الذي أوجبه الجويني، لأنه ليس في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ما يوجب ذلك، فما يقرره ليس مبنياً على الكتاب والسنة بل على الفلسفة والمنطق.
ولذلك لا تجد مدرسة أشعرية إلا والفلسفة والمنطق يُدرسان فيها؛ لأنهما هما السبيلان الوحيدان لفهم مثل هذه الكتب، ولا تجد اعتناءً ولا اهتماماً بالكتاب ولا بالسنة في هذه المسائل من مسائل الدين وهذا لا يعني التعميم فالأشاعرة على سبيل المثال يأخذون في باب السمعيات كما يسمونه أي ما يتعلق باليوم الآخر وأشراط الساعة والوعد والوعيد ونحوها بكلام الله وكلام رسوله ولذلك سمو هذا الباب باب السمعيات وكذلك الشأن في الأمور العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات يأخذون بالكتاب والسنة دون باب الإلهيات والنبوات بحسب تقسيمهم لأبواب الاعتقاد.
والسؤال الذي يفرض نفسه هل يقبل أن نأخذ أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والمعاملات وغير ذلك والآداب والأخلاق واليوم الآخر وأشراط الساعة من الكتاب والسنة وتترك أبواب الإلهيات والنبوات؟ هذا أمر غير مقبول.
لذلك شيخ الإسلام هنا يريد أن يقرر هذه المسألة، وأن الذي يجب على الإنسان أن يرجع إليه ما دام أن الاختلاف قد حصل ووقع إنما هو الرجوع للكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، فذلك الذي يحتكم إليه في حال وقوع النزاع بين هؤلاء جميعاً.
стр. 16
أفلا نرضى بكتاب الله حكماً ألا نرضى بكلام رسوله ﷺ حكماً؟ وهذا أمرٌ لله تعالى أمرنا به فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وهذا أمرٌ ليس في باب العقيدة وليس في باب الأسماء والصفات فقط، بل في جميع مسائل الدين، أوليس النبي ﷺ قد أكمل هذا الدين وبلغه وتركنا كما قال النبي ﷺ : «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» (١).
فإذاً لا يحتاج هذا الدين إلى من يزيد فيه ولا إلى من ينقص فيه ولا إلى من يغير أو يبدل فيه أبداً فهو دينٌ كاملٌ لكن الخلل يأتي من الناس، إما لجهلهم أو لتركهم أو لبعدهم عن الكتاب والسنة.
فمسائل الدين، الواجب على الإنسان أن ينظر فيها بهدي كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح، وينظر ماذا قالوا في هذه المسائل، فإذاً قول المصنف ﵀: "قولنا فيه ما قال الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ابتعوهم بإحسان وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. "
فهذا هو ما أمرٌ الله تعالى وأخبر به، ألم يقل : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
ألم يقل : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. ألم يقل عن رسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
ألم يقل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
فنصوص الكتاب والسنة، نطقت به ودعت إليه، فعلى الإنسان أن يرجع في مسائل الدين إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ .
والله زكى الصحابة، ولذلك قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، فانظر إلى قوله ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾، أي ساروا على نهجهم وهديهم، فلو كان نهجهم نهجاً منحرفاً أيقول اتبعوهم؟ أيأمر باتباعهم؟
فإذاً ما يقوله شيخ الإسلام هنا ليس رأياً من عنده، وإنما هو أمرٌ دعت إليه النصوص.
стр. 17
والنبي ﷺ قال: «عَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ» (١).
وقال ﷺ : «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (٢).
فإذاً شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية وشهد لهم بالفضل وأمر بالسير على نهجهم والتمسك بهديهم.
стр. 18
(٣) "فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعياً إليه بإذنه وسراجاً منيرا، وأمره أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] ".
أي أن ما يجب اعتقاده في هذا الباب إنما هو أمرٌ دعت إليه النصوص، فأخذ يقرر هذا بالأدلة، إذ لا يعقل أن يُترك ويُهجر كلام الله وكلام رسوله ﷺ في هذه المسائل لا لشيءٍ إلا لأن عقول القوم ومنطقهم الفاسد الباطل لم يصدق بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ولم يؤمن بأسماء الله وصفاته، وكما قال الشاعر:
"وكم من عائب قولاً صحيحا … وآفته من الفهم السقيم" (١)،
والمقصود: أنه إذا كان الدليل واضحاً وجاء من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ثم يأتي من يعيب كلام الله وكلام رسوله لا لشيء، فما ذلك إلا لأن فهمه سقيم مريض.
فالعيب إذاً في فهمه وليس في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وهذا يقرر في المسلم عقيدة وهي: أن الأمر والحكم في هذا الباب هو لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح رضوان الله عليهم.
стр. 19
(٤) "فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بُعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينه، وأتم عليه نعمته.
محالٌ مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبساً مشتبهاً فلم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه. ".
مقصود المصنف ﵀ أن هؤلاء لما جاءوا وألفوا مثل هذه الكتب وتحدثوا عن أسماء الله وصفاته وعن التوحيد، فدونوا وسطروا في كتبهم كلام المنطق والفلسفة وتركوا كلام الله تعالى وكلام رسولهِ ﷺ .
هل هذا سببه أن الآيات والأحاديث لم تتحدث في هذا الباب ولم تبينه؟ هل يُعقل هذا؟، فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: هل يمكن أن يكون النبي ﷺ ترك هذا الباب ولا دليل فيه ولا كلام فيه حتى احتاج هؤلاء إلى أن يعودوا إلى كتب الفلسفة والمنطق فيأخذوا منها أحكاماً ويقرروا فيها مسائل من المنطق والفلسفة؟ هل سبب هذا هو نقص النصوص وقصورها؟ لا والله، هذا أمرٌ لا يقبله المسلم.
стр. 20
(٥) "فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الكتاب اعتقادًا وقولاً؟!
ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علَّم أُمَّتَه كل شيء حتى الخراءة.
وقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».
وقال فيما صح عنه أيضًا: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم».
وقال أبو ذر ﵁: «لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا».
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «قام فينا رسول الله ﷺ [مقامًا] فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» رواه البخاري.
قول المصنف: "فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية" لا شك أن أعظم أبواب الدين وأهمها وأصلها هو الإيمان بالله وتوحيده لأنه على أساسه يقوم الدين، ألم يقل الله لنبيه ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، والشرك ضد التوحيد، فلو اختل التوحيد لحبط العمل وبطل الدين، فهو الأصل والأساس.
وقول المصنف: "فإن معرفة هذا" أي معرفة أسماء الله وصفاته "أصل الدين وأساس الهداية، بل وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس"، أي أن أفضل شيء هو أن تعرف الله ؛ لأنك إن عرفت الله عبدت الله اتقيته وخفته وحدثت الخشية والرجاء والخوف والإنابة والمحبة، وغير ذلك من الأمور كل هذا يأتي بعد معرفة الله .
وقال المصنف: "فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادًا وقولاً؟! " أي أيعقل أن يكونوا قد تركوا هذا الباب ولم يحكموه ولم يتقنوه حتى يأتي هؤلاء ويأتوا بشيءٍ من عند أنفسهم ويهجروا
стр. 21
الكتاب والسنة؛ بحجة أن الكتاب والسنة لم يتكلما في هذه المسائل أو لم تتقن ولم تحكم هذه المسائل، هل هذا يتصوره مسلم؟
وقال المصنف: "ومن المحال أيضاً أن يكون النبي ﷺ قد علَّم أُمَّتَه كل شيء" نعم والله لم يمت النبي ﷺ إلا وقد علم الأمة كل ما تحتاج إليه من أمر دينها، فقد بين ووضح حتى أنه في حجة الوداع أشهد الناس فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ» (١)، فقالوا: بلى، فكان النبي ﷺ يرفع أصبعه السبابة إلى السماء فيقول: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاثاً» فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فيقول: وقال ﷺ : «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» (٢)، ويقول: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ»، أي واجباً عليه «أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» (٣).
هذا كلامه ﷺ ، أخبر أنه قد بين ووضح وبلغ، فهل يُعقل أنه ترك هذا الباب ولم يوضح ما يجب فيه ولم يبين ما يجب اعتقاده فيه؟ هذا محال، وأصحابه ﷺ شهدوا بأن النبي ﷺ قد علمهم وبلغهم وأفهمهم أمور دينهم حتى يقول أبو ذر: " لَقَدْ تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا أَذْكَرَنَا مِنْهُ عِلْمًا " (٤) بمعنى أن النبي ﷺ كان يبين لهم كل شيء.
وقال عمر: " قَامَ فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ -مَقَاما، فَأخبَرَنَا عنْ بَدءِ الخَلقِ حتى دَخَلَ أهلُ الجنةِ مَنَازِلَهُم، وأهلُ النَّارِ منازِلَهم " (٥) أي تحدث من بدء الخليقة إلى دخول الناس إلى الجنة وإلى النار. " حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ".
стр. 22
(٦) "محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم [ويعتقدونه] بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مُسكة من إيمان وحكمة، أن لا يكون [بيان] هذا الباب قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام. "
قول المصنف: "فمحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم وما يعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، " أي محال أن يعلمهم صغائر الأمور والأمور الفرعية ويترك الأمور الأصلية هل هذا يتوقع من النبي ﷺ ؟.
فإذاً على هذا يجب أن يعلم أن الخلل ليس من الكتاب والسنة ولكن من القوم الذين ابتعدوا عن الكتاب والسنة.
فلا شك أن العلم بالله تعالى هو أشرف وأعلى ما يكون في العلم والمعرفة؛ لأنه كما يُقال: "شرف العلم من شرف المعلوم" (١) فالمعلوم أن المعلوم هنا هو الله .
فذلك كل أمرٍ يتعلق بالله من أشرف وأهم ما يكون، فلذلك عندما يدرس هذا الجانب من توحيد الله تعالى فاليعرف أن هذا أشرف علم يدرسه العبد، كيف لا والمعلوم هو أسماء الله وصفاته، وتوضيح ما يجب اعتقاده في الله .
فلا شك أن هذا أشرف علم تكتسبه النفوس، لأنه يجب على العبد أن يعرف ما يليق بالله وما لا يليق به ما يجب لله وما يمتنع عن الله وتميز ما بين الحق والباطل في هذا الباب، فيعرف العبد أسماء الله وصفاته التي أثبتها لنفسه ويعرف كذلك ما نفاه عن نفسه فهذا أشرف علم تكتسبه النفوس.
стр. 23
فأفضل وأغلى وغاية ما يكتسبه الإنسان من العلم والمعرفة هو أن يعرف الله ، وكما أوصى النبي ﷺ ابن عباس وهو غلام فقال له: «يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» (١)، ومعنى احفظ الله؟ أي اعرف الله تعالى، واعرف حدوده، واعرف ما أوجبه عليك من شرائع وأحكام، فإذا أنت حفظت الله تعالى فإن الله يحفظك، وقال ﷺ : " تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ " (٢)
وقول المصنف: " الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية. "
تتجلى أهمية باب الأسماء الحُسنى والصِّفات العُلى في الأمور التالية:
أولًا: هو شَطر باب الإيمان بالله تعالى:
فلا يخفى على المسلم أهمية الإيمان بالله، فهو أول أركان الإيمان، بل هو أعظمها، فما بقية الأركان إلا تَبَع له وفرع عنه، فهو أهم ما خُلق لها الخلق، وأُرسلت به الرسل، وأُنزلت به الكتب، وأُسِّست عليه الملة؛ فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأنَّ الإنسان لما كان مخلوقًا مَربوبًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وبارئه؛ فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غِنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عِوض، وليس لكل شيء عن الله عوض؛ فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربِّه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خُلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فُضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يُعلم من تَتبع دعوات الرسل في القرآن.
وملاك السعادة والنجاة والفوز يكون بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما يقوم الإيمان بالله تعالى، وبتحقيقهما بَعث الله رسوله ﷺ ، وإليه دَعت الرسل-صلوات الله وسلامه عليهم-من أولهم إلى آخرهم.
стр. 24
وأحدهما: التوحيد العِلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.
قال الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «ولا ريبَ أنَّ العِلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأَفضلها، ونِسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات، وكما أنَّ العلمَ به أَجَلُّ العلوم وأشرفُها، فهو أصلها كلها، كما أنَّ كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر اليه في تحقق ذاته وأينيته، وكل علم فهو تابع للعلم به مُفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم، كما أنَّه- سبحانه- ربُّ كل شيء ومليكه ومُوجده … »، إلى أن قال: «فالعِلم بذاته- سبحانه- وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه فهو- في ذاته- ربُّ كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عَرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (١).
والنوع الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه، والرضا به ربًّا وإلهًا ووليًّا، وأن لا يَجعل له عدلًا في شيء من الأشياء.
وقد جمع هذين النوعين في سورتي الإخلاص، وهما سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي.
وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة للتوحيد العلمي الخبري.
فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيانُ ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه عنه من النقائص والأمثال.
وسورة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كل ما سواه.
ولا يتمُّ أحدُ التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سُنَّة الفجر والوتر والمغرب، وقد ورد كذلك في سُنَّة المغرب القراءة بهاتين السورتين (٢)؛ ليكون فاتحة العمل وخاتمته توحيدًا؛ إذ مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته
стр. 25
توحيدًا (١).
فالتوحيد المطلوب من العبد شَطره هو توحيد الأسماء والصفات.
ثانيًا: توحيد الأسماء والصِّفات أشرف العلوم وأهمها على الإطلاق:
إنَّ شرف العلم تابع لشرف معلومه؛ لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه، ولشدة الحاجة إلى معرفته وعِظم النفع بها.
ولا ريب أن أَجَلَّ مَعلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين، وقَيُّوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله.
فلا ريب أن العلمَ به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات (٢).
فإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أنَّ الغاية أشرف من الوسيلة؛ فكيف تُفضل الوسائل على غاياتها؟
قيل: كل مِنْ العلم والعمل ينقسم إلى قسمين؛ منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإنَّ العلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق، وهو مطلوب لنفسه، مراد لذاته؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾، فقد أخبر- سبحانه- أنه خلق السموات والأرض، ونَزَّل الأمر بينهن؛ ليَعلم عباده أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير؛ فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل
стр. 26
لابد معه من عبادته وحده لا شريك له؛ فهما أمران مطلوبان لأنفسهما.
الأمر الأول: أن يُعرف الربُّ تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه.
والأمر الثاني: أن يُعبد بمُوجبها ومُقتضاها.
فكما أنَّ عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضًا، فإنَّ العلم من أفضل العبادات (١).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات هو أصل العلوم الدينية:
كما أن العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها وأعظمها فهو أصلها كلها، فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عرف الله عَرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو: أنَّ مَنْ نسي ربَّه أنساه ذاته ونفسه، فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده؛ لأنَّه خرج عن فطرته التي خلق عليها، فنسي ربَّه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها؛ قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾، فغفل عن ذكر ربه؛ فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مُشتت القلب مُضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلًا.
فالعِلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مُستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته (٢).
رابعًا: معرفة أسماء الله وصفاته أصل عظيم في منهج السلف:
معرفة أسماء الله وصفاته هي الأساس الذي يَنبني عليه عمل العبد، ومن خلالها تتحدد العلاقة التي تربط العبد بربه، وعلى ضوئها يَعبد المسلم ربَّه، ويتقرب إليه.
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: «وأصلُ الإيمان: قولُ القلب الذي هو التَّصديق. وعمل القلب الذي هو المحبة على سبيل الخضوع؛ إذ لا مُلائمة لأرواح العباد أتم من ملاءمة إلهها؛ الذي هو الله الذي لا إله إلا هو».
стр. 27
ولذلك كان منهج السلف يقوم على أمرين؛ هما:
١ - العلم بالله.
٢ - والعمل لله.
فجمعوا بذلك بين التصديق العِلمي والعَمل الحُبِّي، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة (السلف) عن المناهج الأخرى.
وحققوا كِلا الأمرين؛ من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
ولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقًّا؛ الذين سَلِموا من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.
فوقعت كل طائفة من هاتين الطائفتين المنحرفتين في مفسدتين:
إحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا، والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.
والمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل، وفوت المتصوف القول والكلام (١).
وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.
فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر؛ فاعتنوا بجانب علمي لم يَنْبَنِ على الكتاب والسنة؛ لذلك عَطَّلوا أسماء الله تعالى، وعَطَّلوا صفاتِه .
وعندما عَرَّفوا التوحيد؛ قالوا: «واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله». وأهملوا جانب توحيد العبادة: «واحد في ذاته» قالوا: «لا شريكَ له». و «واحد في صفاته»: «لا نظير له». و «واحد في أفعاله»: «لا نِدَّ له». فهذا تقسيمهم للتوحيد (٢)، ويُلاحظ أنه قد خلا في هذه الثلاثة من الجانب العملي، فلا يوجد عمل، ثم إذا تحدثوا عن ذات الله تعالى تحدثوا بالتعطيل؛ فقالوا بما قالوا: «ليس في جهة، ولا في عُلو، ولا في مكان، ولا في حيز» ولا إلى غير ذلك؛ فجعلوه والعدم سواء، وإذا تحدثوا عن صفات الله تعالى تحدثوا عن سبع صفات فقط، وإذا
стр. 28
تحدثوا عن أفعال الله تعالى هذا هو الذي سَلِم لهم: «توحيد الربوبية»؛ فلم يَسلم لهم إلا توحيد الربوبية، ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]؛ فهذا حاصل توحيد هؤلاء.
وأمَّا الصُّوفيون: فغالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية؛ فاعتنوا بجانب العمل، وأهملوا جانب العلم، وكذلك عملهم لم ينبنِ على السنة، وإنَّما انبنى على البدعة؛ إذ غايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.
وهكذا إذا جئنا إلى أهل التصوف لم نجد عندهم من حقيقة التوحيد شيء.
أمَّا توحيدُ أهل السُّنَّة فيقوم على هذين الأصلين العظيمين: أن تَعرف اللهَ، وذاك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وردت في الكتاب والسُّنَّة. وأن تعبد الله، وهذا باتِّباع شرع الله ٥ على لسان رسوله ﷺ .
فالسلف وأتباعهم جعلوا من توحيد الأسماء والصفات إحدى الرَّكيزتين التي قام عليها منهجهم المعتمد على نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما لهذا التوحيد من أهمية ومنزلة، وهذا ما تشهد له كثرة النصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن.
فلذلك لا بد لصاحب السُّنَّة أن يدرس هذا الباب، وأن يَبني هذه الدراسة على الكتاب والسنة؛ ليعرف الله ، فلن تكون من أصحاب السنة ولن تكون من أتباع السلف حتى تُعنى بهذا الباب، وطبعًا العلم بهذا الباب- كما ذكر العلماء مطلوب لذاته، ليس وسيلة للعمل كما يزعم البعض؛ فكلٌّ من العِلم بالله والعمل لله مطلوب لذاته؛ فقد يكون منه ما هو وسيلة، ومنه ما هو غاية؛ فيجب أن نعلم أنه لا بد من معرفة هذا الباب وتعلمه؛ باعتبار أنه أمر مطلوب لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد وأن يجتمع معه عبادة الله ، وإلا فإن العبد لا يكون مؤمنًا، وبهذا نعلم أن من أهمية هذا الباب أنه أصلٌ عظيمٌ في منهج أهل السنة والجماعة؛ فبالتالي لا بد من الاعتناء به، ولا بد من الاهتمام به، ولا بد من تعلُّمِه، وكما أشار المصنف: لا بد منه لأهميته وعِظمه ومنزلته، وكذلك لوقوع الاختلاف والافتراق في هذا الباب بين الفِرَق والطوائف لا بد من مزيد جهد وعناية بفهمه وتوضيحه ودراسته وتعلمه وتطبيقه.
والله تعالى ليس له مَثيل حتى يُقاس عليه، وعقول البشر لا يمكن أن تستقلَّ
стр. 29
بمعرفة الله تعالى استقلالًا؛ لأنها قاصرة عاجزة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فالله تعالى تَعَرَّف إليك! فضلًا منه ومِنَّة عليك عَرَّفك بأسمائه وصفاته، عَرَّفك بأنه العليم، وأنه السميع، وأنه البصير، وأنه القدير، وأنه الغفور، وأنه الرحيم، وأنه الجبَّار، وأنه المتكبر .. إلى غير ذلك مِنْ أسماء الله ٥ وصفاتِه الواردة في الكتاب والسُّنَّة؛ فمِنَّةٌ عُظمى فتحها الله عليك! بالله عليك كيف تُغلقها على نفسِك؟! بل إن الله رَغَّبك في هذه المعرفة فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .. إلى غير ذلك من المواطن التي ذُكرت فيها أسماء الله ؛ إمَّا جملة وإما تفصيلًا.
فافتح بابَ معرفة الله تعالى! لا تُغلقه على نفسك! لا تحرم هذا القلب من أن يَعرف ربَّه، ويَعرف معبودَه!
خامسًا: العلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد باب معرفة الله:
إنَّ محبة الشيء فرع عن الشعور به، وأعرف الخلق بالله أشدهم حُبًّا له، فكل من عرف الله أحبه، والعلم يَفتح هذا الباب العظيم الذي هو سِرُّ الخَلق والأمر (١)؛ فمن أعظم أصول الدين: المحبة، بل هي قاعدة العبادة، فكيف يكون حبٌّ في قلب العبد المؤمن وهو لم يعرف الله ٥؛ فالله تعالى فتح لنا باب معرفته من هذا الطريق، فإن شئت فادخل وتعَرَّف على أسماء الله وصفاته وأفعاله، وإلا فإنك محروم مِنْ ضِمن مَنْ حُرم مِنْ هذا الخير العظيم؛ فطمأنينة القلب وحياته هي في هذا الأمر العظيم: في معرفة الله ، ولا سبيل للحصول على هذه المعرفة إلا من باب العلم بأسماء الله وصفاته، فلا تَستقر للعبد قَدَم في معرفة الله إلا بالتعرف على أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة؛ فالعلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد هذا البابَ العظيمَ، فالله لم يجعل السبيل إلى معرفته من طريق الاطلاع على ذاته، فهذا الباب موصود إلى قيام الساعة، كما أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ حيث قال: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يَرى أحدٌ مِنكم ربَّه حتى يَموت» (٢).
وكذلك فإنَّ من المحال أن تَستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على وجه
стр. 30
التفصيل، فهي عاجزة عن ذلك لكونه من المُغيبات التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق الوحي، والله يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾، فهذه الآية تُبين محدودية علم الإنسان.
وقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بَعث الرسل به مُعَرِّفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:
١ - تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: «شريعته المتضمنة لأمره ونهيه».
٢ - تعريفهم مآلهم في الآخرة.
وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مَبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه.
سادسًا: أساس العلم الصحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته:
على أساس العلم الصحيح بالله وبأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتنبني مطالب الرسالة جميعها؛ فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان، وهو أصل الدين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربه، فهذه المعرفة لازمة لانعقاد أصل الإيمان، وهي مهمة جدًّا للمؤمن لشدة حاجته إليها؛ لسلامة قلبه، وصلاح معتقده، واستقامة عمله، فهذه المعرفة لأسماء الله وصفاته وأفعاله تُوجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والإقرار والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يَليق به، ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام.
وذلك يتم بتدبر كلام الله تعالى، وما تعَرَّف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نَزَّه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه.
والجدير ذِكره أن معرفة الله نوعان:
النوع الأول: المعرفة الإجمالية:
وهي التي تَلزم العبد المؤمن؛ لينعقد بها أصلُ الإيمان، وهي تتحقق بالقدر الذي يميز العبد به بين ربه وبين سائر الآلهة الباطلة، ويتحقق بها الإيمان المجمل، وتجعله في سلامة من الكفر والشرك المُخرجين من الإيمان، وتُخرجه من حدِّ الجهل بربه وما يجب له.
стр. 31
وهذه المعرفة يتحصل عليها من قراءة سورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرها من الآيات، ومعرفة معانيها.
ولكن هذه المعرفة لا تُوجب قوة الإيمان والرسوخ فيه.
النوع الثاني: المعرفة التفصيلية:
وهذه تكون بمعرفة الأدلة التفصيلية الواردة في هذا الباب، وتعلمها واعتقاد اتصاف الله بها، ومعرفة معانيها، والعمل بمقتضياتها وأحكامها.
وهذه المعرفة هي التي يحصل بها زيادة الإيمان ورسوخه، فكلما ازداد العبد علمًا بالله زاد إيمانه وخشيته ومحبته لربِّه وتَعلقه به؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، كما تجلب للعبد النور والبصيرة التي تُحَصِّنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.
«والعلم بالله يُراد به في الأصل نوعان:
أحدهما: العلم به نفسه، أي: بما هو متصف به مِنْ نُعوت الجلال والإكرام، وما دَلَّت عليه أسماؤه الحسنى.
وهذا العلم إذا رَسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لابد أن يعلم أن الله يُثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته.
والنوع الثاني: يُراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي والحلال والحرام.
ولهذا قال بعض السلف: العلماء ثلاثة:
١ - عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله.
٢ - عالم بأمر الله ليس عالمًا بالله.
٣ - عالم بالله وبأمر الله.
فالعالم بالله: الذي يخشى الله. والعالم بأمر الله: الذي يعرف الحلال والحرام» (١).
سابعًا: العلم بأسماء الله وصفاته هو حياة القلوب:
يجب أن نعلم أنَّ معرفة الله تعالى هي حياة قلوبنا؛ فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا
стр. 32
سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تَعرف ربها ومعبودها وفاطرها، ويكون أحب إليها مما سواه، ولا يمكن أن تنجو وأن تَسعد في الآخرة إلَّا بهذه المعرفة والمحبة.
والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربِّه لا يكون إلا شقيًّا مُعذَّبًا كما هو حال الكافرين.
فالله-﵎-خلق هذا الإنسان ورَكَّبه من الجسد والروح، وشاء أن يكون قَوَام هذا الجسد من هذه الأرض؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وجعل حياة هذا الجسد من التراب؛ فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها.
وجعل في هذا الجسد الروح؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩].
أمَّا أصل هذه الروح ومادتها فهذا لا علم لنا به: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فأمرٌ استأثر الله تعالى به في علم الغيب عنده.
لكن الله شاء أن يكون قِوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته؛ قال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]؛ فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبَّة فاطره وبارئه، ودوام ذِكره، والسعي في مرضاته، لذلك فإنَّ مَنْ في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التَّبَصُّر فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خُلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأُرسلت الرسل، وقامت السموات والأرض، ووُجدت الجنة والنار، ولأجله شُرعت الشرائع، وأُسِّست الملة، ونُصبت القِبلة، وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه.
وهو بحقٍّ أفضل ما اكتسبته القلوب، وحصَّلته النفوس، وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه (١).
стр. 33
وإذا تأملت أعمال القلوب وجدت-مثلًا-أن كل حبٍّ هو تَبَعٌ لحبِّ الله ؛ وكذلك الخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والإخلاص، والرغبة، والرهبة .. إلى غير ذلك.
فلا يمكن أن تتحرك أعمال القلوب في القلب ولا أن تقوم بواجبها ما لم تكن على معرفة بالله !
إذًا، كيف تتحقق في القلب أعمال القلوب؟
فمثلًا إذا علمت أن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المُميت، وهو النَّافع، وهو الضَّار، وهو القابض، وهو الباسط.
إذا علمت هذا أَثْمَر في قلبك توكلًا على الله . هذه المعرفة تُوَلِّدُ التوكل. ممن تخاف ومَن ترجو والرزق بيد الواحد الأحد ؟! يرزق من يشاء بغير حساب. وكيف ترجو ما في يد الناس؟ أو حتى كيف تحسد فلانًا من الناس: أن أعطاه الله تعالى من فضله؛ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]؛ فالخير بيد الله ، والله يختص برحمته مَنْ يشاء؛ فكيف لقلبٍ أن يحسد لو كان على إيمان؟! ويحسد مَن؟! كأنما يعترض على حكم الله : أن أعطى فلانًا ومنع فلانًا!
فصلاح قلوبنا وحمايتها من تلك الأمراض التي تضرها، وتفسد على الإنسان حياته مِنْ غِلٍّ وحسد وحقد وغِيبة ونميمة .. إلى غير ذلك من أمراض سببها هو: أن الإنسان ما عرف الله تعالى حقَّ المعرفة، ومثلًا الله أخبرك بأنه عليم، وأنَّه سميع، وأنه بصير؛ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومُطَّلِع على عملك وعلى فعلك؛ أفَلَا يحملُك هذا على الحياء منه؟!
فيجب أن يحمل هذا العبدَ على خوف الله تعالى، على مراقبته، على خشيته؛ فلو أن النفوس استحضرت هذه المعاني لَمَا أَقْدَمَت على فِعل معصية، ولذلك يقول النبي ﷺ : «لا يَزني الزَّاني حين يَزني وهو مؤمن، ولا يَشرب الخمرَ حين يَشرب وهو مُؤمنٌ، ولا يَسرق السارق حين يَسرق وهو مؤمن … »، الحديث (١)؛ لأنه لو قام الإيمان كما يجب-وكما ينبغي-في نفسِه في تلك اللحظات لَمَا أقدم على فَعلته.
стр. 34
أنت لو لَمَحت أحدًا من الناس وأنت على معصية لربما استحييت منه، ولربما خِفت أن يُفشي سِرَّك! فكيف وأنت أمام عالم الغيب والشَّهادة، المُطَّلِع على جميع أحوالك وعلى جميع أمورك وعلى جميع سكناتك وعلى جميع حركاتك؛ ألا تستحي مِنْ الله ؟! وكما يذكرون أنَّ رجلًا لقي أعرابية فأرادها على نفسها فأَبَت وقالت: أي ثكلتك أمك، أَمَا لك زاجر من كرم؟ أما لك ناهٍ مِنْ دين؟ قال: قلت: واللهِ إنَّه لا يَرانا إلا الكواكب، قالت: ها بأبي أنت، وأين مُكوكبها» (١)؛ فأراد أن يُطمأنها أنَّه لا يراهم أحد إلا هذه الكواكب! فقالت له: «وأين مُكوكبُها؟!»؛ فذكَّرَته بالله في تلك اللحظة؛ فقام عنها، وكان ذلك سببًا في هدايته.
فنحن لو استحضرنا معاني أسماء الله وصفاته لكان هذا سببًا في حياة قلوبنا، ولكنَّ قلوبَنا مُلئت بالغفلة عن الله والإعراض عن معرفة أسمائه وصفاته؛ فأصابها ما أصابها من أمراض أثقلت كواهلنا، وأفسدت علينا أمر ديننا، وأفسدت علينا أمر دنيانا، بل إن الواحد منا يقف في الصلاة ويسمع آيات الله سبحانه تُتلى عليه، ومع ذلك قلبه قاسٍ، وأصبح قلبًا متحجرًا مهما ذُكِّر بآية عذاب أو وعيد لا يهتز لها، ولا يتحرك لها شعور في قلبه من ذِكر شيء من آيات الله ؛ فأصابنا ما أصابنا من أمراض في قلوبنا وفي نفوسنا بسبب أننا غفلنا عن معرفة الله .
فليتنا نعودُ إلى أسماء الله وصفاته! ليتنا نتدبر ما جاء فيها من معانٍ، وما تُثمره من ثمرات! أنت إذا أثمرت هذه المعرفة في قلبك التوكل حصلت عِزَّة للمؤمن، وحصلت طمأنينة للنفس، وكذلك إذا حصل حياء وإذا حصل خوف وإذا حصلت خشية منعك هذا مِنْ أن تقترف معصية؛ لا في السر ولا في العلن. إذا حصلت هذه المعرفة قامت بك محبةٌ لله تعالى وتعظيم وإجلال.
هذه المعرفة وهذه المحبة وهذا التعظيم وهذا الإجلال يحملك على أن تُراقب الله في جميع أحوالك، وأن يكون اللهُ تعالى أحبَّ إليك مِنْ كل شيء وأعظم وأكبر وأجَل من كل شيء، لكن للأسف حَرمنا قلوبنا من ذلك، فلربما استحقت وعيدَ الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]؛ فقست القلوب، والقلوب تقسو، بل وتمرض وتموت، والله تعالى قد قال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]؛ فالران: هو الصدأ؛ يعلو على هذه القلوب حتى تصبح هذه القلوب صَدِأَة، هذه القلوب قاسية مُبتعدة عن ذكر الله .
стр. 35
فأين النفس المطمئنة التي ستنادى كما قال الله : ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧]؟!
فمعرفةُ الله حياةٌ لقلوبنا، وستثمر لنا من أنواع الإيمان وأنواع العمل ما يكون-بإذن الله تعالى-سببًا في صلاحنا وصلاح أحوالنا وصلاح مَعاشنا وصلاح معادنا؛ لو أننا عرفنا ذلك وعملنا به!
ثامنًا: ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته:
مما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تُثمره معرفة أسماء الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة في الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تَجلبه له من النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.
فهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشيةَ الله لا محالة؛ فلكلِّ اسم من أسماء الله تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.
ولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ فالأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية، وهذا مُطَّرِد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فمثلًا: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يُثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.
وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنَّه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يُرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه؛ فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح.
ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبِرِّه وإحسانه ورحمته تُوجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعِزِّه تُثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.
وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العُلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية.
стр. 36
فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها (١).
وبهذا يتبين أنَّ معرفة العبد لأسماء الله وصفاته على الوجه الذي أخبر الله به في كتابه وسنة رسوله ﷺ تُوجب على العبد القيام بعبودية الله على الوجه الأكمل، فكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص والتعبد أقوى، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر؛ إذ كل اسم من أسمائه له تَعَبُّد مُختص به؛ علمًا ومعرفة وحالًا.
(علمًا ومعرفة): أي: إنَّ مَنْ عَلِم أنَّ الله مسمى بهذا الاسم، وعرف ما يتضمنه من الصفة، ثم اعتقد ذلك، فهذه عبادة.
و (حالًا) أي: إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.
وهذه الطريقة مُشتقة من قلب القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
والدعاء بها يتناول: دعاء المسألة. ودعاء الثناء. ودعاء التعبد.
وهو-سبحانه-يدعو عباده إلى أن يَعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديتها (٢).
تاسعًا: ضرورة تجنُّب الباطل، وعدم مخالفة طريق الحق في هذا الباب:
قد وقع الخلاف في هذا الباب، وكَثُر كلام أهل الباطل فيه؛ لما عرفوا من أهميته، فبالتالي ازداد تسلطهم عليه، وأرادوا أن يَحجبوا الناس عن معرفة الله تعالى؛ لأنهم بهذا سيوصدون الباب، وإذا أُوصد الباب لم يمكن الدخول! فَكَثُر الخلاف والافتراق، فكان لا بد مِنْ مَعرفة تَنبني على الكتاب والسنة، وكان لا بد من فهم للحقِّ حتى يُتَّبع، ولا بد من معرفة للباطل حتى يُجتنب.
فباب الأسماء والصفات من أكثر الأبواب خطورة ومَزلة؛ من جهة كونه محل خلافات شديدة ومعقدة دارت رحاها بين علماء السلف من جهة والفلاسفة وأهل الكلام والمُشبهة من جهة أخرى.
فمن واجب طالب العلم: أن يَتعمق في فهم الحق المَبني على الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فالرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه،
стр. 37
والرد إلى الرسول بعد وفاته يكون بالرد إلى سنته ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، فالله أعلم بنفسه، وهو الذي أخبر بأسمائه وصفاته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، وكذلك فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربِّه وأصدقهم خبرًا، وقد قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
فمن الواجب على المسلم: أن يدرس هذا الباب وأن يتعمق في فهمه وفق ما ورد في الكتاب والسنة، وأن يحذر من التيارات الفلسفية التي أضَرَّت أصحابها، وأدخلتهم في دوامة الانحراف والضياع، فحالت بين قلوبهم وبين معرفة ربهم، فأصبحت قلوبهم مظلمة جاهلة بحقائق الإيمان، فترتب على ذلك إعراضهم عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، فانصرفت قُوى حُبِّهم وشوقهم وأنسهم إلى سواه.
ومعلوم: أنه لا يستقر للعبد قَدَمٌ في المعرفة-بل ولا في الإيمان-حتى يؤمن بأسماء وصفات الربِّ ﷻ ، ويَعرفها معرفة تُخرجه عن حدِّ الجهل بربه، فالإيمان بالأسماء والصفات وتَعَرُّفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان؛ فمَن جَحدها فقد هدم أساس الإسلام والإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان.
فينبغي للمؤمن أن يَبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وأن تكون معرفته سالمة من داء التعطيل وداء التمثيل اللذين ابتُلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ ، فالمعرفة الصحيحة هي المُتلقاة من الكتاب والسنة، وما رُوي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة أحواله.
ومما يذكره العلماء في أهمية هذا العلم- الذي هو العلم بأسماء الله وصفاته- بالإضافة إلى كونه شطر باب (الإيمان بالله تعالى): أنه أشرف العلوم؛ فهو أشرف العلوم وأعظمها وأجلها وأكبرها؛ فإذا قلنا: إن شرف العلم تابع لشرف المعلوم، فالمعلوم هنا: هو ما يليق بأسماء الله تعالى من أسمائه وصفاته ، وما تَعَرَّف به إلى خلقه مما أخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ؛ من أسمائه الحسنى وصفاته العُلى؛ فأنت أمام أشرف علم تكتسبُه؛ فلا شك أن العلم شرفٌ لصاحبه، وأشرف علم يكتسبُه العبد المؤمن هو معرفة الله ؛ لأن شرف العلم تابع لشرف المعلوم.
والمعلوم هنا: هو الله وما يليق به من الأسماء والصفات والأفعال؛ فلذلك
стр. 38
ينبغي على المؤمن مع حرصه على إكمال توحيده أن يحرص كذلك على نيل هذا الشرف العظيم، وهو أن يكتسب هذا العلم الصحيح بأسماء الله وصفاته، كذلك مما يدل على شرف هذا العلم: أنه أصل العلوم وأساسها، كما يقول العلماء: «مَنْ عرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (١).
وتأمل هذا وخذه من قول الله حيث قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وقد قال النبيُّ ﷺ في وصيته لابن عباس: «يا غلام- أو- يا غُلَيِّم: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجده تُجاهك» (٢)، ونحن نعلم أنَّ حفظ الله بمعرفته وعبادته، فإذا ما العبدُ حَفِظ الله فإن الله تعالى تعَهَّد بحفظِه، وتعهد بصلاح أمره؛ فيجب أن نعلم أن هذا العلمَ هو أصلُ العلوم الدينية.
فنسيان العبد لربه عقوبته أن الله يُنسيه أمرَ نفسِه وصلاحَ نفسه؛ يقول ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]: «تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو أنَّ مَنْ نَسِي ربَّه أنساه ذاتَه ونفسَه؛ فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده؛ فصار مُعَطَّلًا مُهملًا بمنزلة الأنعام السَّائبة، بل ربُّما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه؛ لبقائها هداها الذي أعطاها إيَّاه خالقُها» (٣)، وهذا تجده- كذلك- في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، قال قتادة: «أضاع أكبر الضَّيعة؛ أضاع نفسه وعسى مع ذلك أن تجده حافظًا لما له، مُضَيِّعًا لدينه» (٤).
فإذا أنت علمت هذا الباب أصلحت أساس العلم عندك؛ فعلمك ومعرفتك بالله ستنبني عليها جميعُ المعارف؛ لأن هذا أصلُ العلم وأصلُ الدِّين، وإن كنت مضيعًا لهذا الباب ضَيَّعت جميعَ أحوالك وجميع أمورك وجميع مصالحك في دنياك وفي أُخراك.
стр. 39
وتأمل مَنْ كان غافلًا عن الله ، وعن معرفته، وعن الإيمان بأسمائه وصفاته، ولو نظرنا إلى عينة من أحوال بعض الناس الذين غَفلوا عن الله ، وغفلت قلوبهم عن ذِكر الله ، وما يُصيبهم من القلق والضياع والحسرة والنَّدامة؛ فمثلًا صاحبُ المُخَدِّرَات- والعياذ بالله- يظن أن طريق سعادته عن طريق هذا الأمر الذي يُهلك صحته، ويهلك عقله، بل ويفسد عليه الضرورات الخمس المعلومة (١)؛ فيظل صاحب هذه المخدرات يتعاطى تلك الحقنة- مثلًا- حتى يصل إلى مرحلة هو يعلم- ويجزم- أنها قد تكون أقوى من أن يتحملها هذا الجسم؛ فتكون سببًا في هلاكه، فيُختم له- والعياذ بالله- بخاتمة سوء؛ فتجده قد مات في دورة المياه- دورة الخلاء- أصبحت نهايته في ذلك المكان، وقتل نفسه بيده، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]، فإذا ما اعتنى المسلم بأصل العلم وبأصل الدين- وهو العلم بأسماء الله وصفاته- فإن ذلك سيحرك كوامن الإيمان في النفس، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا؛ فإذا ما ضيع هذا، فإن ذلك يكون سببًا في ضياعه في دنياه وفي أُخراه، فكما يقول ابن القيم: «بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده» (٢)، والعياذ بالله.
فخلاصة الأمر: ضرورة معرفة الحق بدليله، وضرورة معرفة الباطل بِشُبهه حتى يُمكن التصدي له.
وهذا الباب-بحمد الله-أُحكم إحكامًا عظيمًا، ومن آية واحدة تستطيع أن تَستخرج عِدَّة قواعد، كما سيأتيك الآن في بعض هذه القواعد؛ انظر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، و ﴿وَلِلَّهِ﴾ هذه فيها قاعدة. ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ فيها قاعدة. ﴿الْحُسْنَى﴾ فيها قاعدة. ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فيها قاعدة. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] فيها قاعدة. في آية واحدة تستخرج جملة من القواعد وجملة من المعاني، ولو أنَّنا تدبرنا كلام الله وكلام رسوله ﷺ سيكون هذا-بإذن الله تعالى- سببًا في أن تلين هذه القلوب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، ستلين هذه القلوب، وسيكون هذا سببًا في فلاحها وسعادتها.
стр. 40
معلوم أن دعوة الرسل تقوم على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: تعريف الناس بربهم، لأن النبي ﷺ لما جاء إلى كفار قريش كانوا لا يعرفون الله حق المعرفة وكانوا يشركون ويعبدون الأصنام بل وعبدوا الشياطين وفعلوا ما فعلوا كل هذا لجهلهم بربهم، فأول أمور الرسالة تعريف الناس بربهم، وأن يوحدوا الله، أن يفردوا الله .
ثانياً: تعريفهم بما يجب عليهم لربهم ألا وهو عبادته، يعني الأحكام والشرائع هذا حلالٌ وهذا حرام.
ثالثاً: تعريفهم الغاية التي سيصلون إليها وهي الجنة والنار، لذلك أنت لو قرأت النصوص تجدها كلها تدور حول هذه الثلاثة، تعريف الله بربهم، تعريفهم بالطريق الذي يوصلهم إلى الله وهو عبادة الله تعالى والذي يقربهم إلى رضوانه ويبعدهم عن سخطه وعن عقابه وعن عذابه ألا وهو الشرائع والأحكام، ثم تذكيرهم بالمآل والمرجع والمصير الذي هو يوم القيامة يوم الآخرة.
فعندما يقرأ العبد القرآن أو يقرأ نصوص السنة يجد أن النصوص كلها تدور حول هذه الأمور الثلاثة ولذلك يأخذ العبد درساً في الدعوة، بأنه إذا دعا الناس فعليه بهذا المنهج أن يبدأ في تُعليم الناس التوحيد، ومن ثم أن يُعلمهم الشرائع والأحكام وأن يُذكرهم بالجنة والنار.
فإذا تم الاعتناء بهذه الثلاثة فقد عرف الداعية حقيقة دعوة الرسل لذلك هنا قال المصنف:
"الذي معرفته" هذا الأمر الأول.
"وعبادته" هذا الأمر الثاني.
"والوصول إليه" هذا الأمر الثالث.
وكل هذه الثلاثة ترتكز على معرفة أسماء الله وصفاته، كيف لا، وكل من أراد أن يُعلم الناس توحيد الله تعالى فإن طريقه إلى هذا أن يشرح للناس ويبين لهم أسماء الله وصفاته.
فيقول: إن الله قوي، وإن الله أحد، وإن الله صمد، وإن الله لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وإن الله سميع وإن الله بصير وإن الله قدير وإن الله عزيز وكل هذا يأتي من معرفة أسماء الله وصفاته.
فإذاً ليس للناس من طريقٍ إلى معرفة الله تعالى إلا بمعرفة أسمائه وصفاته