وكذا ما جاء عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّكم لن تَروا ربَّكم حتى تموتوا» (١).
فلا اعتبار لكلام المبطلين في نفي الرؤية مع قول الله وقول الرسول الكريم ﷺ وقول علماء السلف؛ يقول الطحاوي: «والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب رَبِّنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ويقول ابنُ أبي العِزِّ معلقاً على هذا الكلام: «المخالف في الرؤية: الجهمية والمعتزلة ومَن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المَنسوبون إلى السُّنَّة والجماعة» (٢).
وهنا مسألتان:
المسألة الأولى: رؤية أهل الإيمان لله تعالى يوم القيامة بالأبصار، وهذه مسألة متفقٌ عليها عند أهل السنة، فهم يقولون رؤية الله- في الآخرة جائزة عقلًا وواقعة شرعًا، ولا يَرِد على هذا قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فقد استدل به المعتزلة على نفي الرؤية مطلقًا، مع أن المراد بالآية ليس نفي الرؤية، وإنما المراد نفي الإدراك؛ لأنها سِيقت مساق المدح، ولو كان المراد نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية هو نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض لا يأتي في صفات الله، وإنما الذي يأتي هو النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال.
فالمعنى: أنه يُرى ولا يحاط به رؤيةً، ف ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ لكمال عظمته، كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علمًا لكمال عظمته، و ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ لكمال قوته واقتداره، وهكذا.
وقد ورد عن بعض السلف أن الآية تفيد نفي الرؤية في الدنيا، فروى ابن كثير عن إسماعيل بن علية في قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ أنه قال: «هذا في الدنيا».
стр. 1052
وقد ذهب الآخرون إلى أن هذا النفي العام لرؤية جميع الأبصار له مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية المؤمنين له جل وعلا في الآخرة (١).
وقال ابنُ القيِّم ﵀: «دلَّ الكتابُ والسنَّةُ المُتواتِرَةُ وَإجماعُ الصَّحابةِ وأئمةُ أهلِ الإسلامِ والحديثِ عَلَى أَنَّ اللهَ يُرى يومَ القيامَةِ بِالأبصارِ عِيَانًا، كَمَا يُرى القَمَرُ ليلةَ البدرِ صَحْوًا، وَكَمَا تُرى الشَّمسُ في الظَّهيرة، فَإِنْ كَانَ مَا أَخبَرَ به اللهُ وَرَسُوله عنه من ذلك حَقِيقَةً- وإنَّ له والله حقَّ الحقيقة- فَلَا يُمكِنُ أن يَروهُ إِلَّا مِنْ فَوقِهم؛ لاستِحَالَةِ أَنْ يَروهُ أسفل منهم، أو مِنْ خلفهم، أَوْ أمامهم، وَنَحو ذَلِكَ … ، فلَا يَجتَمِعُ فِي قَلبِ العبد بعد الاطلاع عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيث وَفَهِمَ مَعنَاهَا إنكارُها والشهادةُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَبَدًا» (٢).
والإيمان برؤية المؤمنين لربِّهم جل وعلا دَاخل فِي الإيمانِ باللهِ وَكُتبِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسلِهِ: فمن الإيمان الإيمانُ بِأَنَّ المُؤمِنِينَ يرونَهُ يومَ القيامةِ؛ فَمَنِ لَم يُؤمن بِأَنَّهُ-سبحانه-يُرَى يومَ القيامةِ فَقَد رَدَّ أَدِلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وَخَالَفَ مَا عَلَيهِ سَلفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتها، وَلَم يُؤمن بِاللهِ وَمَلائكتِهِ وكتبِهِ وَرسلِهِ.
فالله سيخص المؤمنين بمزيد من الإنعام يوم القيامة، وهو رؤيته جل وعلا، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله: «هَلْ تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «هل تُضارون في الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم ترونه كذلك … »، الحديث (٣).
وسيخصهم في الجنة بأعظم نعمة أنعم عليهم بها؛ ألا وهي تشريفهم وإكرامهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنة عدن، كما قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥].
قال الإمامُ الشافعيُّ: «فَدَلَّ هذا على أنَّ المؤمنين لا يُحجبون عنه ﵎».
وقال جل شأنه: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥].
стр. 1053
فالمزيد هنا هو: النَّظر إلى وجه الله ، كما فسَّره بذلك علي وأنس بن مالك ﵄.
وقال سبحانه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].
فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما فَسَّرها بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ! فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا اعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِم مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ، وهي الزيادة، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾» (١).
قال الإمام ابن كثير ﵀: «وأمَّا السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ : أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. آمين (٢).
والمسألة الثانية: رؤية الكفار لله تعالى.
فذكر هنا قولًا من أقوال أهل السنة: أن الكفار لا يرونه.
والقول الثاني: أنهم يرونه رؤية حسرة؛ فيرونه رؤية تعذيب ثم يحتجب عنهم.
والقول الثالث: أنه يراه أهل الإيمان وأهل النفاق من هذه الأمة وغبرات من أهل الكتاب، يُحشرون؛ فيرون الله ؛ لأن المنافقين يُحشرون مع أهل الإيمان، ثم بعد ذلك يُحال بينهم وبين اجتياز النار ودخول الجنة، فعند ذلك يُبعدون عن المؤمنين.
ويرى شيخ الإسلام أن مثل هذه المسائل إذا حدث فيها خلاف فلا يكون كبيرًا، وهي مسألة متأخرة لم يتكلم فيها الأوائل من أئمة السلف.
وقد بسطها شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»، وسُئِل عنها فقال: «إن الأئمة من السلف القدامى لم يتكلموا فيها، إنما هي مسألة حدثت متأخرة، والخلاف فيها على الأقوال الثلاثة، وهذا الخلاف ليس كبيرًا، ولا يؤدي إلى تباين عن أهل السنة والجماعة (٣).
стр. 1054
«وذكر قولهم في الإسلام والإيمان».
مسألة الإيمان والإسلام تقدم الحديث عنها.
стр. 1055
«والحوض».
مسألة الحوض تقدم الحديث عنها.
стр. 1056
«والشفاعة وأشياء».
مسألة الشفاعة تقدم الحديث عنها.
стр. 1057
إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق».
مسألة الإيمان وتعريفه تقدم والقول بأنه يزيد وينقص تقدم الحديث عنها.
стр. 1058
«ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار».
مسألة مرتكب الكبيرة وحكمه في الدنيا والأخرة تقدم الحديث عنها.
стр. 1059
«والكلام في اللفظ والوقف؛ مَنْ قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق».
رأي الإمام أحمد وبعض الأئمة أنه لا يُقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق؛ لأن الكلام هنا محتمل، فعندما يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق، فهل يقصد به القرآن الذي هو كلام الله تعالى، أو يقصد فعل المخلوق؟
فإن قال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، فقد لا يقصد هنا كلام الله تعالى، وإنما يقصد كلامه هو، وهذا خطأ؛ لأن نطق الإنسان مخلوق، فالمسألة تكون محتملة، فمن هذا الباب باب منع الإمام أحمد والأئمة من أهل السنة أن يُقال: لفظي القرآن مخلوق أو غير مخلوق؛ لأن هذا اللفظ محتمل.
بينما ينص الإمام البخاري وبعض أهل السنة على أن اللفظ بالقرآن الذي هو نطق الإنسان مخلوق، فإذًا فَصَّلوا وبيَّنوا أنه إذا قصد النطق فهذا مخلوق، وإذا قصد الأصل الذي هو كلام الله الملفوظ، فهذا غير مخلوق.
وحدثت في هذه المسألة فتنة للبخاري، أثارها عليه شيخه محمد بن يحيى الذهلي، ودافع عنه ابن القيم في كتابه «الصواعق»، وقال: «إن البخاري في هذه المسألة أقعد وبيَّن ووضَّح وفصَّل في هذه المسألة، وتشنيع الذهلي عليه هذا من باب الغيرة والحسد الذي بين الشيخ وتلميذه؛ لأن البخاريَّ تفوق عليه.
فالمسألة محل خلاف، مثل مسألة الاسم والمسمَّى؛ لأن المخرج فيهما واحد؛ لأن كِلا المسألتين تعودان إلى صفة الكلام، والكلام: صفة من صفات الله غير مخلوق، وبناء على ذلك ترتَّب خلاف في مسألة اللفظ وفي مسألة الاسم والمسمى؛ لأن أسماء الله تعالى من كلامه، والقرآن من كلامه ، فحصل خلاف في هذه المسألة بناءً على ذلك.
ثم ذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء أخرى.
стр. 1060
«إلى أن قال: وينكرون الجدل والمِراء في الدين والخصومة فيه، والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، ويُسَلِّمون للروايات الصحيحة، ولما جاءت بها الآثار التي جاءت بها الثقات عدلًا عن عدل، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ؛ لا يقولون: كيف ولا لِمَ؟ لأن ذلك بدعة».
الجدل المبني على المنطق وعلى علم الكلام مرفوض، وإنما علم أهل السنة قائم على المأثور، فلذلك تلاحظ أن أهل السنة يذمُّون الكلام ويذمُّون الجدل والمراء في الدين، ولكن المدارسة والمذاكرة في هذه المسائل المبنية على العلم بالمأثور هذا أمرٌ لا شك أنه مطلوب.
فإذًا، الذمُّ هنا المقصود به: الذمُّ على الجدل والمنطق وعلى علم الكلام وعلى هذه المعقولات الفاسدة، لكن الروايات الصحيحة والمدارسة في ذلك والتدارس في هذا الجانب ومعرفة هذه الأصول المتعلقة بالعقيدة على أُسس مبنية على الكتاب والسنة، هذا لا شك أنه أمرٌ مرغوب ومطلوب.
وقد تقدم ذكر هذه المسألة سابقاً.
стр. 1061
«إلى أن قال: ويُقرون أن الله يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]».
يُقِرُّ أهلُ السُّنَّة بمجيء الله يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]؛ قال الطبري: «يقول تعالى ذِكره: وإذا جاء ربُّك-يا محمد-وأملاكُه صفوفًا صفًّا بعد صفٍّ»، ثم أورد من الأحاديث والآثار ما يُثبت مجيء الله تعالى (١).
وقال ابنُ كثير: «﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ ؛ فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك، فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا» (٢).
وقال أبو الحسن الأشعري في عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث: «وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته، كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا» (٣).
وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «أمَّا كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله، فهذا أمر ضروريٌّ متفق عليه بين علماء السنة ومَن له عقل، فإن الصفات والأفعال تَتبع الذات المتصفة الفاعلة، فإذا كانت ذاته مُباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها، ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته. ولا ريب أنه العلي الأعلى العظيم فهو أعلى مِنْ كل شيء وأعظم من كل شيء، فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع … والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص فيُثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته وينفى
стр. 1062
ما نفاه الله ورسوله كما نفاه، وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء، وينفى المِثل والسَّمِي والكفؤ والنِّدَّ» (١).
«وأن الله يَقرب من خلقه كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]».
ثم تكلم عن صفة القرب؛ فقال: «وأن الله يَقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾».
والقرب في اللغة: الدنو، والمعنى: أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه، كما أنه يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، فإنَّ علوه سبحانه على سماواته من لوازم ذاته، فلا يكون قط إلا عاليًا ولا يكون فوقه شيء ألبته، كما قال النبي ﷺ أعلم الخلق بربِّه: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (٢)، وهو سبحانه قريب في علوه، عالٍ في قُربه، كما جاء في الحديث الصَّحيح عن أبي موسى الأشعري قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير؛ فقال ﷺ : «أيُّها الناس، ارْبَعوا على أنفسكم (٣)؛ فإنَّكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائبًا؛ إنَّ الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عُنق راحلته» (٤)، فأخبر ﷺ أنه أقرب إلى أحدهم مِنْ عُنُق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته على عرشه، مُطَّلع على خَلقه، يرى أعمالهم ويعلم نِيَّاتهم، وهذا حقٌّ، ولا يناقض أحدهما الآخر، والله لا يعجزه شيء، ولا يستحيل عليه أن يكون فوق عرشه ويقرب من خلقه كيف شاء؛ وتقدست أسماؤه وعظمت صفاته (٥).
فالله سبحانه تعالى يقرب من خلقه كيف شاء ومتى شاء، ولا تنافيَ بين هذا القرب وبين علوه على خلقه واستوائه على عرشه.
стр. 1063
«إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع الاستكانة والتواضع، وحسن الخلق، مع بذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة والسعاية، وتفقد المآكل والمشارب.
قال: فهذه جملة ما يأمرون به، ويَستسلمون إليه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو المستعان».
فأشار هنا إلى مجانبة أصحاب البدع، ولا شك أن أهل السنة يُحَذِّرون من أهل البدع ومن شرِّهم، وأن خطرهم شديد؛ لأنهم ينتسبون إلى الإسلام، أعني: أن أهل الكفر عداوتهم ظاهرة، لكن أمثال هؤلاء قد يُلَبِّسون على مَنْ لا علم عنده، وهكذا شأن الشُّبَه؛ لأنه يشتبه فيها الحق بالباطل، فيصبح الإنسان فيها غير مميز بينهما.
• فكما قال ابن مسعود ﵁: "إنا نتبع ولا نبتدع، ونقتدي ولا نبتدي" (١).
• وقال عبد الله بن عمر-﵄: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة " (٢).
• وقال ابن عباس لعباس بن حاضر: «عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع» (٣).
• وقال معاذ بن جبل-﵁: "إياكم وما ابتُدع فإن ما ابتدع ضلال" (٤).
• وقال عبد الله بن مسعود-﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعةٍ ضلالة" (٥).
• والعلم كما يقول الأوزاعي رحمه الله تعالى: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد" (٦). فهذه أول أسس التلقي.
стр. 1064
• وذلك يعني أن من سن أو عمل بدعة ظن أنها حسنة فيقال له كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ قد خان الرسالة" (١)، فأي إنسان يزعم أنه بهذه البدعة التي جاء بها جعلها بدعة حسنة، فهو يزعم أن النبي ﷺ قد خان الرسالة، لأن الله تعالى قد أخبر بكمال هذا الدين، فلا يمكن أن يكون النبي ﷺ قد كتم هذا الدين أو أخفى هذا الأمر من أمور الدين، لا في صغيرة ولا في كبير.
فلذلك على الإنسان أن يلزَم السنة وأهلها، حتى يتمكن من معرفة الحق، أما إذا اختلط بأهل البدع فسيقطعون عليه الطريق، وقد يلبِّسون عليه قبل أن يتمكن من معرفة الحق بدليله، أما إذا تمكَّن الإنسان من العلم، فعند ذلك لا يُخشى عليه من مجادلتهم ودعوتهم تفنيد شبههم، لكن مع عدم تمكُّنه فإنه قد تقع في نفسه شُبهَة من قِبَل هؤلاء؛ فتحول بينه وبين معرفة الحق والوصول إليه.
ثم بين أن أهل السنة يتشاغلون بقراءة القرآن وكتابة الآثار؛ فهذا شأنهم وديدنهم الاشتغال بقراءة كتاب الله وحفظه وبسنة النبي ﷺ والنظر في مسائل هذا الدين، ومع ذلك لابد من خُلقٍ يتخلَّق به طالب العلم وهو الاستكانة والتواضع وبذل المعروف وترك الأذى وترك الغيمة والنميمة؛ لأن هذا العِلم نور الله ، وهو يحتاج إلى نفسٍ مؤمنة مطمئنة؛ تؤمن بالله ربًّا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالإسلام دينًا.
ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يتحلَّى بالخُلُق الفاضل، وأن يكون صاحب طاعة، وأن يبتعد عن المعاصي والذنوب؛ لأن كل تلك الأمور تُعَدُّ عوائق في طلب العلم، فالإنسان إذا تلبَّس بالمعصية أو كان على خُلُقٍ سيِّئ، فإن مثل هذه الأمور تفسد عليه ما اكتسبه من العلم، بل وقد تحرمه من بركة هذا العلم الذي هو العمل به وتطبيقه والدعوة إليه.
فحريٌّ بطالب العلم أن يتفقَّه لنفسه، وأن يمتثل الخُلُق الحسن والخُلُق الفاضل، وحريٌّ به أن يمتثل بآداب الإسلام، وأن يكون من أشد الناس تمسكًا بالخلق والأدب، وحسن المعاملة.
ثم قال: «فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب».
وهذا يؤكد أن أبا الحسن الأشعري قد رجع إلى عقيدة أهل السنة، وأنه يقرُّ بها ويدعو إليها، كما بَيَّن في هذه المسائل.
стр. 1065
«وقال الأشعري أيضًا في «اختلاف أهل القبلة في العرش» (١):
قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم ولا يُشبه الأشياء، وأنه استوى على العرش، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله في القول؛ بل نقول: استوى بلا كيف».
تقدم الحديث عن مسألة الجسم وعن مسألة الاستواء والعرش.
стр. 1066
«وأن له وجهًا، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له يدين كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأن له عينين، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب وجاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ .
وقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش، بمعنى: استولى. وذكر مقالات أخرى».
تقدم الحديث عن هذه المسائل جميعها.
стр. 1067
وقال-أيضًا-أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سَمَّاه «الإبانة في أصول الديانة»، وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صَنَّفه، وعليه يعتمدون في الذَّبِّ عنه عند مَنْ يطعن عليه. فقال: «فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة» (١).
فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة؛ فعَرِّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تَدِينون؟
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله؛ أحمد بن حنبل-نضَّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته-قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل؛ الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلالة، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكِّين؛ فرحمة الله عليه من إمام مُقَدَّم، وجليل مُعَظَّم، وكبير مُفَهَّم».
يقر كثيرٌ من الأشاعرة أن كتاب «الإبانة» لأبي الحسن الأشعري، ويستشهدون بما ورد فيه، من الردِّ على مَنْ طعن فيه، والبعض يحاول إنكار أنه له.
وقد بين أبو الحسن الأشعري في هذا الكتاب عقيدة أهل السنة إلا في مواطن منها: فمثلًا: عند ذكره لصفة الكلام لم يُحَرِّر المسألة تحريرًا يوافق أهل السنة، لكن من حيث الجملة فقد قرَّر في هذا الكتاب عقيدة أهل السنة والجماعة.
وبين المصنف أن هذا الكتاب هو آخر ما صنفه كما يذكر أصحابه ذلك، ثم ذكر أن أبا الحسن الأشعري قال: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله؛ أحمد بن حنبل قائلون».
стр. 1068
فأقر هنا بعقيدة أهل السنة والجماعة، وسبق أن قلنا: إن هذا كله-كما يقول ابن تيمية-تقرير مجمل لمعتقد أهل السنة، فالأشعري ﵀ عاد جملة، وكثير من المسائل أقرَّ بقول أهل الحق فيها، ولكن بقيت بعض المسائل التي أخذت عليه.
стр. 1069
«وجملة قولنا: أنَّا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نَرد من ذلك شيئًا؛ وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وأنَّ الله مستوٍ على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأن له وجهًا كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
وأن مَنْ زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًّا، وذكر نحوًا مما ذكر في الفرق، إلى أن قال:
ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانًا، وندين بأن الله يُقَلِّب القلوب بين أصبعين من أصابع الله ، وأنه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ ».
قد تقدم الحديث عن هذه المسائل جميعها.
стр. 1070
«إلى أن قال: والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونُسَلِّم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلًا عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ .
إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي يُثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول: «هل مِنْ سائل؟ هل مِنْ مستغفر؟» (١)، وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل».
أهل السنة يقولون: إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص، فلابد من هذه الأمور حتى يتضِّح معتقد أهل السنة والجماعة، وتارة يقولون كذلك: قول وعمل، أو نية وعمل، وهذا أن جانب الاعتقاد داخل في جانب القول، وكذلك داخل في جانب العمل، فالإيمان قولٌ وعمل يزيد وينقص، فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ويعني بالتسليم هنا: التسليم بأخبار الآحاد، وأنها مقبولة في باب العقائد، بخلاف ما يزعمه أهل الكلام الذين ردُّوا أخبار الآحاد بعد ثُبوتها، وطعنوا فيها، وقالوا: لا يُحتجُّ بها في باب العقائد.
فهذه مقولة أهل الكلام بما فيهم الأشاعرة وبما فيهم المعتزلة، وهذا كله خلاف معتقد أهل السنة الذين يقبلون هذه الروايات التي رواها الثقات العدول، وثبتت عن النبي ﷺ .
وقد سبق الحديث عن هذه المسائل.
стр. 1071
«ونعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا، وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يَأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم،».
هذا أصل من أصول أهل السنة: أن الرجوع يكون إلى الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فيما أجمعوا واتفقوا عليه.
عرف الإمام الشاطبي ﵀ البدعة بقوله: «البدعة: طريقة في الدِّين مُخترعة، تُضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية» (١).
فالبدعة عبارة عن التعدي في الأحكام، والتهاون في السنن، واتباع الآراء والأهواء، وترك الاتباع والاقتداء؛ وقد جاءت نصوصٌ شرعية كثيرة تذمُّ الابتداع في الدين وتُحذر منه، ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته … »، الحديث، وفيه يقول: «أمَّا بعد، فخير الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٢).
وفي حديث العرباض بن سارية ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «فإنَّه مَنْ يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا؛ فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمَسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٣)، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (٤).
وأخطر البدع ما يتعلق منها بالعقيدة؛ كالتكفير بالكبيرة، أو تعطيل الأسماء والصفات أو تأويلها، وادعاء سقوط التكليف، والحلول والاتحاد، وصرف العبادة للمقبورين، وتقديم العقل على النقل، والقول بعصمة الأئمة، وسب وتكفير الصحابة.
стр. 1072
«ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وأن الله يَقرب من عباده كيف شاء كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى • فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨٩]».
وقد سبق الكلام على اتصاف الله تعالى بالمجيء والقرب.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]، فالأرجح: أن هذا في شأن جبريل ﵇ مع النبي ﷺ ؛ قال الإمام الطبري: «وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ يقول: فكان جبرائيل من محمد ﷺ على قَدْر قوسين أو أدنى من ذلك، يعني: أو أقرب منه» (١).
وقال الإمام ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ أي: فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين، أي: بقدرهما إذا مُدَّا» (٢).
стр. 1073
«إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مِمَّا لم نذكره بابًا بابًا. ثم تكلم على أن الله يُرى، واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق، واستدل على ذلك، ثم تكلم على مَنْ وقف في القرآن، وقال: لا أقول: إنه مخلوق، ولا غير مخلوق، ورَدَّ عليه.
ثم قال: (باب في ذكر الاستواء على العرش) (١).
فقال: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقد قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]؛ كذَّب موسى في قوله: إن الله فوق السماوات، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات، قال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، فكل ما عَلا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أن الله ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، فلم يُرد أن القمر يملؤهن، وأنه فيهن جميعًا».
وسبق الكلام على صفة استواء الله على العرش، وصفة علوه جل وعلا.
стр. 1074
«ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق، واستدل على ذلك، ثم تكلم على مَنْ وقف في القرآن، وقال: لا أقول: إنه مخلوق، ولا غير مخلوق، ورَدَّ عليه».
القرآن كلام الله، ليس ككلام البشر، وقد توعَّد الله من وصَف القرآن بأنه ككلام البشر، توعَّده بالنار فقال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٥، ٢٦]، فإن كان كلام البشر مخلوقًا لهم، فكلام الله ليس مخلوقًا له، إنما هو صفةٌ من صفاته سبحانه.
وقد تولى كِبْر مسألة القول بخلق القرآن: الجهميةُ والمعتزلة النفاة للصفات.
وادعاء القول بأن القرآن مخلوق، هو جرم عظيم وذنب كبير، لسببين:
الأول: أن هذا الادِّعاءَ قولٌ على الله بغير علم، وجعل الله القولَ عليه بغير علم فوق الشرك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك.
الثاني: أنه كذب على الله؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ فهو متوعَّدٌ بأن يسودَّ وجهُه يوم القيامة، نعوذ بالله.
ومعنى افتراء الجهمية والمعتزلة هذا: أن الله لم يكن قبل ذلك متكلمًا، ثم تكلم، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ومذهب أئمَّة الحديث والسنَّة: أن الله تعالى لم يَزل متكلِّمًا، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلَّمُ بصوت يُسمَع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا.
وقد أثبت الله الكلام لنفسه، خلافًا لما يعتقده الضالون، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكذلك أثبته لنفسه في الآخرة بعد دخول أهل الجنة؛ فعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «بَيْنا أهلُ الجنة في نعيم إذ
стр. 1075
سطَع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الربُّ ﷻ قد أشرَف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة … »؛ الحديثَ (١).
وبوَّب البخاري في «صحيحه» على ذلك فقال: «باب كلام الرب ﵎ مع أهل الجنة» (٢)، وقال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
стр. 1076
«ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله على العرش الذي فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يَرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يُحطونها إذا دعوا إلى الأرض».
من أدلة الفطرة على علو الله تعالى: رفع الأيدي إلى السماء أثناء الدعاء، وقد جاءت النصوص الشرعية بالأمر بذلك؛ قال أبو الحسن بن مهدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾: «اعلم أن الله تعالى في السماء فوق كل شيء مستو على العرش بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء. وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قاصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه» (١).
وقال القاسمي ﵀: «ومن الحجة-أيضًا-في أنه على العرش فوق السموات السبع: أنَّ الموحدين أجمعين من العرب والعجم، إذا كَرَبهم أمرٌ، أو نزلت بهم شِدَّة رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء، يَستغيثون الله ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطراري لم يخالفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال ﷺ للأَمَة التي أراد مولاها عتقها؛ إن كانت مؤمنة. فاختبرها رسول الله صلى الله على وآله وسلَّم بأن قال لها: «أينَ اللهُ؟». فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: مَنْ أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها؛ فإنها مُؤمنة» (٢). فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سِوَاه» (٣).
فما يجده الناس بفطَرِهم هو ضرورة التوجه بقلوبهم نحو السماء، ورفع أيديهم تجاهها.
وقد شاع بين الأشاعرة شبهة ورثوها عن الجهمية: وأصل ذلك: أنهم أرادوا نفي
стр. 1077
علو ذات الله تعالى؛ فزعموا أن المتوجه بالدعاء نحو السماء إنما يفعل ذلك لأنها قبلة للدعاء! وأن توجه المسلمين بقلوبهم نحوها ورفع أيديهم باتجاهها: هو توجه لقبلة الدعاء، كما يتوجهون للكعبة قبلة الصلاة! حتى روى بعض الكذَّابين نُفاة الصفات عن الله تعالى في ذلك حديثًا نَسَبَه للنبي ﷺ ، بلفظ: «السماءُ قِبلةُ الدعاء»!
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ عنه: «لم أقف له على أصل، إلا ما قاله الحافظ في «نتائج الأفكار» (١) في (آداب الدعاء): «قلت: أما الاستقبال: فلم أرَ فيه شيئًا صريحًا يختص به، وقد نقل الرُّوياني أنه يقول رافعًا بصره إلى السماء، وقد تقدم ذلك فِي حَدِيثِ عمر، وفي حديث ثوبان: «السماء قبلة الدعاء»، فلعل ذلك مراد مَنْ أطلق.
كذا قال! وحديث ثَوبان تقدم عنده (٢)، وليس فيه ما ذكر، ولا رأيتُ ذلك في كتاب من كتب السنَّة التي وقفتُ عليها، بل ظاهر كلام شارح «العقيدة الطحاوية» ابن أبي العز (٣) وغيره: أن هذا الحديث المزعوم هو من قول بعض المؤولة، أو المعطلة الذين ينكرون علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، وما فُطر عليه الناس من التوجه بقلوبهم في دعائهم جهة العلو، فقال الشارح: «إن قولكم: إن «السماء قبلة الدعاء»: لم يقله أحدٌ من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان» (٤).
وقد تكررت عبارة: «السَّماء قِبلة الدعاء» في كتب الأشاعرة، وقد أجاب ابن أبي العز الحنفي ﵀ عليها من عدة أوج؛ فقال:
«أحدها: أن قولكم: إنَّ السماء قِبلة للدعاء لم يَقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يَخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها.
الثاني: أن قِبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يُستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي ﷺ يَستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال: إنَّ للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو إن له قبلتين: إحداهما الكعبة والأخرى السماء فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعةَ المسلمين.
стр. 1078
الثالث: أن القبلة هي ما يَستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء والذِّكر والذَّبح، وكما يُوَجَّه المُحتضر والمَدفون، ولذلك سُمِّيت (وجهة)، والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه، والاستدبار بالدبر، فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يُسَمَّى (قبلة)، لا حقيقة ولا مجازًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يُوَجِّه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يُشرع، والموضع الذي تُرفع اليد إليه لا يُسَمَّى (قِبلة)، لا حقيقة ولا مجازًا، ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يَستقبل السماء بوجهه، بل نهوا عن ذلك.
ومعلوم أن التوجه بالقلب واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري، يفعله المسلم والكافر والعالم والجاهل، وأكثر ما يفعله المضطر والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله، مع أن أمر القبلة مما يَقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة، وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفِطَر، والمستقبل للكعبة يَعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الدَّاعي، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل مِنْ عنده» (١).
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إنَّ الذين يرفعون أيديهم وأبصارهم وغير ذلك إلى السماء وقت الدعاء: تقصد قلوبُهم الربَّ الذي هو فوق، وتكون حركة جوارحهم بالإشارة إلى فوق: تبعًا لحركة قلوبهم إلى فوق، وهذا أمرٌ يجدونه كلهم في قلوبهم وَجْدًا ضروريًّا، إلا من غُيِّرت فطرتُه باعتقادٍ يَصرفه عن ذلك» (٢).
стр. 1079
«ثم قال: فصلٌ: وقد قال قائلون من المعتزلة، والجهمية، والحرورية: إن معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: أنه استولى ومَلَك وقَهَر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأنَّ الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء- وهو مُستول على الأشياء كلها- لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها.
وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يَجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش بمعنى: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يخص العرش دون الأشياء كلها، وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل».
قال الذهبي في «العلو» نقلًا عنه: «قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب (مشكل الآيات) له في باب قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: «اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مُستو على عرشه، بمعنى: أنه عال عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى: علوتُه، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى: علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم ﷻ عال على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]، وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥].
وزعم البلخيُّ أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول
стр. 1080
العرب: استوى بشر على العراق، أي: استولى عليها، وقال: إن العرش يكون (الملك)، فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسمًا خلقه، وأمر ملائكته بحمله؟ قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، وأمية (١) يقول:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا
قال: مما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء: أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مُستول على العرش، وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فسادُ قوله.
ثم يقال له أيضًا: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي: استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكنًا، فلما كان الباري لا يُوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنًا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء.
ثم ذكر ما حدثه نفطويه عن داود بن علي عن ابن الأعرابي-وقد مرَّ-ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، بمعنى: على الأرض، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، فكذلك: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]. فإن قيل: فما تقولون في قوله: ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]؟ قيل له: إن بعض القُرَّاء يجعل الوقف في: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ثم يبتدئ: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ﴾، وكيفما كان فلو أن قائلًا قال: فلان بالشام والعراق مَلِكٌ، لَدَلَّ على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما … » (٢).
وقد قال الذهبي عن القاضي أبي بكر الباقلاني: إنه ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقًا، وذكر أنه قال في كتابه «الإبانة»: «فإن قيل: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦].
стр. 1081
قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئه قائله».
وقال في كتاب «الذب عن أبي الحسن الأشعري» كذلك: قولنا في جميع المروي عن رسول الله في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل على السماء الدنيا، كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه … ».
إلى أن قال: «وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضلَّ.
قلت - أي: الذهبي معلقًا-: فهذا النَّفَس نَفَس هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها، صُمٌّ بُكْمٌ غتم عَجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل» (١).
فالاستواء خُصَّ بالعرش، وأمَّا القهر والمُلك فهذا عام، فلو كان العرض هو المقصود به؛ فما فائدة تخصيص العرش بالذِّكر.
وتفسير الاستواء بمعنى الاستيلاء لا تَقبله لغة العرب ولا تقبله النصوص كما بَيَّنا.
стр. 1082
«ثم قال: (باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين)، وذكر الآيات في ذلك، ورَدَّ على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته؛ مثل قوله: فإن سئلنا: أتقولون: لله يدان؟ قيل: نقول ذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله مَسح ظهر آدم بيده، فاستخرج منه ذريته» (١)، وقد جاء في الخبر المأثور عن النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده» (٢)، وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيديَّ، ويريد بها النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهومًا من كلامها، ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني به: النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾: النعمة. وذكر كلامًا طويلًا في تقرير هذا ونحوه».
هذه المسائل تقدم شرحها
стр. 1083
(١٣٦) «وقال القاضي أبو بكر؛ محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم-وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري؛ ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده-».
بعد أن نقل المصنف-رحمه الله تعالى-هنا كلام أبي الحسن الأشعري في كتابه «الإبانة»، وأعقبه بعد ذلك بكلام الباقلاني، وكلاهما من أئمة الأشاعرة، فأبو الحسن الأشعري هو مَنْ تُنسب إليه فرقة الأشاعرة.
والباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) من قدماء الأشاعرة، فما إن جاء أبوبكر الباقلاني، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعاً للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (١) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (٢) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (٣).
وَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي " الْإِبَانَةِ ". ولما رجع أبو الحسن الأشعري إلى عقيدة السلف وأثبت الصفات كلها من غير تكييف ولا تشبيه، جريًا على منوال السلف، كما هي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا، شرحها القاضي الباقلاني، ونقلها أبو القاسم ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني وإمام الحرمين وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدمين في أواخر أقوالهم، والله أعلم" (٤).
стр. 1084
وقد عده شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن من يثبت الصفات الخبرية فقال: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن؛ وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (١)
والجدير ذكره هنا أن الباقلاني هو أول من نشر هذه العقيدة في المالكية.
стр. 1085
«قال في كتاب «الإبانة» تصنيفه: فإن قال: فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا».
تقدم الحديث عن هذه الصفات
стр. 1086
«فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟».
أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الشبهة فقال: فَإِنْ قُلْت: لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْجَارِحَةُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
قُلْت لَك: هَذَا وَنَحْوُهُ يُوجِبُ امْتِنَاعَ وَصْفِهِ بِأَنَّ لَهُ يَدًا مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ " يَدٌ " تُنَاسِبُ ذَاتَهُ تَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا تَسْتَحِقُّ الذَّاتُ؟ (١)
стр. 1087
«قلنا: لا يجب هذا كما لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه، وكما لا يجب في كل شيء كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا؛ لأنا لا نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم، إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته عَرَضًا، واعتلوا بالوجود».
في هذا النص عدة مسائل:
المسألة الأولى: الكلام في الجسم والجوهر.
الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفياً ولا إثباتاً.
والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.
فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.
فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.
فإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردوداً.
وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.
وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.
فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر
стр. 1088
المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.
وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.
إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.
فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.
ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.
ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازماً لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازماً لهم.
لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.
ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية في النصين التاليين مواقف الطوائف من استعمال لفظ الجسم إثباتاً ونفياً، ويذكر كل قول والقائل به، وقد تكلم في النص الأول عن الخلاف في هذه المسألة بين من يقول بالإثبات فقسمهم إلى أربعة أصناف، وفي النص الثاني تحدث عن الخلاف بإضافة المعتزلة الذين يقولون بالنفي في باب الصفات، وبذلك نصبح الأصناف خمسة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:
(الصنف الأول): صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي
стр. 1089
يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
الصنف الثاني: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.
الصنف الثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
الصنف الرابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم) (١).
وقال ابن تيمية موضحاً أقسام خصوم أهل السنة من المعطلة والمشبهة وقسم المعطلة إلى فريقين:
الفريق الأول: المعتزلة ومن وافقهم.
والفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم
فقال: "وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ
стр. 1090
أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.
وَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.
فَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا "السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ" (١)
المسألة الثانية: موقف أهل السنة الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع.
قول أهل السنة في تلك الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع أنه لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ (الجسم) و (الحيز) و (الجهة) و (الجوهر) و (العرض) (٢). فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أموراً مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون إن القرآن مخلوق، ولم يتكلم الله به، وينفون رؤيته لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسماً متحيزاً، والله ليس