← Акыда

Акыда · id 30017

المنحة الإلهية في شرح الفتوى الحموية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 219 стр.). Показаны 1191–1219 · переход к 1196.

стр. 1191

كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته. وقد كانت له جهود في الرد على الجهمية (١) ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولاً هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك. (٢) فأصبح بعد ذلك قدوة وإماماً لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول". (٣) وهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافاً للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالاً تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (٤) وأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (٥) لا فعل ولا غير فعل. (٦) والفرق بينهم وبين المعتزلة: أن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه. ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: "لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضاً". ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (٧) ففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة

стр. 1192

بالمشيئة. (١) (٢) فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (٣)، ويقولون: "لو قامت به لكان محلاً للحوادث، والحادث إن أوجب له كمالاً فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالاً لم يجز وصفه به. (٤) ولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام: القسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه﴾ (٥) وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ (٦) فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة. والقسم الثاني: إضافة المخلوق. كقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ (٨) وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق. والقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا-ما فيه معنى الصفة والفعل كقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ (٩) وقوله تعالى: ﴿إن الله

стр. 1193

يحكم ما يريد﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ (٢) فهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون: ١ - إما قديماً قائماً به. ٢ - وإما مخلوقاً منفصلاً عنه. ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: «مسألة حلول الحوادث بذاته» (٣) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية: الوجه الأول: إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي (٤) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره. (٥) الوجه الثاني: وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و «الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستوياً عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائياً إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط. (٦) فهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: "إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات. (٧) الوجه الثالث: أو يجعلوها «أفعالاً محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. (٨) مثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قرباً فيصير مستوياً عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري. (٩)

стр. 1194

وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضاً في بعض المخلوقات يسميها نزولاً. (١) ونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء. ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض. وأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن. وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (٣) فابن كلاب أحدث مذهباً جديداً، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة «الصفاتية» التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية (٤). وقد سار على هذا النهج القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي" (٥) فابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب إلى

стр. 1195

السلف من الأشعري (١). ولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئاً فشيئاً عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فأكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة. فابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه (٢). ولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة مالا يوجد في كلام أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقته. ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبراً صار في الأتباع ذراعاً ثم باعاً حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (٣). وقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخاً والأسبق ظهوراً في الأشعرية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمناً وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول" (٤). فالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (٢٤٣ هـ). ويعتبر أبو الحسن الأشعري امتداداً للمذهب الكلابي فأبو الحسن الأشعري الذي عاش في الفترة ما بين (٢٦٠ هـ -٣٢٤ هـ) كان معتزلياً إلى سن الأربعين، حيث عاش

стр. 1196

في بيت أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، ثم رجع عن مذهب المعتزلة وسلك طريقة ابن كلاب وتأثر بها مدة طويلة، ولعل السبب في ذلك أنه وجد في كتب ابن كلاب وكلامه بغيته من الرد على المعتزلة وإظهار فضائحهم وهتك أستارهم، وكان ابن كلاب قد صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ولكن فات الأشعري أن ابن كلاب وإن رد على المعتزلة وكشف باطلهم وأثبت لله تعالى الصفات اللازمة، فقد وافقهم في إنكار الصفات الاختيارية التي تتعلق بمشيئته تعالى وقدرته، فنفى كما نفت المعتزلة أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته. كما نفى أيضاً الصفات الاختيارية مثل الرضى، والغضب، والبغض، والسخط وغيرها. وقد مضى الأشعري في هذا الطور نشيطاً يؤلف ويناظر ويلقى الدروس في الرد على المعتزلة سالكاً هذه الطريقة. وقال ابن تيمية: "أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب البصري، وأبو الحسن الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولاً فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة، وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقاً" (١). وقال أيضاً: "والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك" (٢). وبعد هذا البيان المفصل عن متكلمة الصفاتية نعود لأصل الموضوع في بيان علاقة القول بالتفويض لمعاني النصوص بهؤلاء، فهذه العلاقة تتضح من خلال تعامل هؤلاء مع نصوص الكتاب والسنة حيث تمثل هذا التعامل في أن نفاة الصفات الاختيارية يتلخص قولهم في النقاط الآتية: أولاً: يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء. ثانياً: ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.

стр. 1197

ثالثاً: أما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن. وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (٢)

стр. 1198

«فهؤلاء قسمان: - قسم يتأولونها ويعينون المراد؛ مثل قولهم: استوى بمعنى: استولى، أو بمعنى: علو المكانة والقدر، أو بمعنى: ظهور نوره للعرش، أو بمعنى: انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلفين. - وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه». وبناءً على إنكار هذه الصفة أو إنكار ما جاء في النص الذي جاء بهذه الصفة، لهم مع النص يعني أحد طريقين: الطريق الأول: مسلك التأويل، وهو أنهم يعينون المراد من هذا النص، على خلاف ظاهره كما يقولون: استوى استولى، وكما قالوا في اليد بمعنى النعمة والقدرة، أو أن الاستواء فعل يفعله الله في العرش وسائر التأويلات التي قالوها في هذا الباب، وهذا طريق، يسمى مسلك التحريف والتأويل وله وضع المتكلمون قوانين في ذلك فيقول الرازي: «إن آيات التشبيه كثيرة لكنها لما كانت معارضة بالدلائل العقلية، لا جرم أوجبنا صرفها عن ظواهرها، وأيضاً فعند حصول التعارض بين ظواهر النقل وقواطع العقل لا يمكن تصديقهما معاً وإلا لزم تصديق النقيضين، ولا ترجيح النقل على القواطع العقلية؛ لأن النقل لا يمكن التصديق به إلا بالدلائل العقلية، فترجيح النقل على العقل يقتضي الطعن في العقل والنقل معاً وإنه محال، فلم يبقَ إلا القسم الرابع وهو القطع بمقتضيات الدلائل العقلية القطعية، وحمل الظواهر النقلية على التأويل، فثبت بهذا أن الدلائل النقلية يتوقف الحكم بمقتضاها على عدم المعارض العقلي» (١). الطريق الثاني: مسلك التفويض.

стр. 1199

فهؤلاء قالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله. فسكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله . فهم في هذا يخيرون أنفسهم بين طريقين: إما أن يأوِّل، وإما أن يفوِّض كما يقول ناظمهم في هذا، يقول اللقاني ناظم جوهرة التوحيد، يقول في هذا: «وكل نص أوهم التشبيها … أوله أو فوِّض ورُم تنزيها «(١) ويقول شارحها البيجوري: «الحاصل أنه إذا ورد في القرآن أو السنة ما يشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح، اتفق أهل الحق وغيرهم ما عدا المجسِّمة والمشبهة، على تأويل ذلك لوجوب تنزيهه تعالى عما دلَّ عليه ما ذكر بظاهره» اه. فالغاية واحدة وهي على حد زعمهم تنزيه الله عن صفة اليد مثلاً، أو تنزيهه عن صفة الاستواء. لكن بعد ذلك طريقهم في هذا على أحد أمرين: إما أن يقولوا: استوى بمعنى استولى، أو اليد بمعنى النعمة أو القدرة، أو يسكت عن ذلك فيقول: الله أعلم بمراده لكن النتيجة واحدة، وهي إنكار الاستواء، وإنكار صفة اليد. والفرق بين المفوض والمؤول أن المفوِّض يصرف اللفظ عن المعنى الراجح: لكن لا إلى معنى، بينما المؤول يصرف اللفظ عن المعنى الظاهر الراجح إلى معنى مرجوح، فيتفقان في صرف اللفظ عن المعنى المتبادر، ويفترقان في أن أحدهما يعطيه معنى آخر محتملاً، والثاني يمنع عنه المعنى، ولكنهم في النهاية يلتقون عند نتيجة مشتركة، وهي: رفض وصف الله بما وصف به نفسه وتنزيهه عما وصف به نفسه. وقد أراد المفوض التخلص من أذى التأويل _ بل التحريف _ الذي يمرض القلوب فوقع في مرضٍ آخر هو التفويض الذي حقيقته تجاهل معاني أسماء الله وصفاته والادعاء بأن الله أنزلها ولم يرد منا معرفة معناها فجهلها رسول الله ﷺ وأصحابه، وكان ﷺ يحفظ أسماءً مجردة عن المعاني. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان: أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.

стр. 1200

والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في "الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب. ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي). (١) القائلين بالتفويض هم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه. فهؤلاء سكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله ، فقالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله. وأما القسمان الأخران فهما ما ذكرهما المصنف بقوله:

стр. 1201

«وأما القسمان الواقفان: - قسم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. - وقسم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات. فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها». الواقفان الذين يقفون في هذا على أحد قولين: - قسم يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فيجوز أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يَعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، فالذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين معًا، وهذا في غاية التناقض؛ لأنه جمع بين ضدين. - وقسم أصحاب الجهل البسيط الذين يُمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ، فهذه الأقسام الستة لا يخرج الإنسان عن أحدها. فإما أن يكون مشبِّهًا، أو ممن يثبتها على الوجه اللائق بالله ، أو يكون هذا القسم الذي يُؤوِّل، ويحرِّف، أو يفوِّض، أو يقول: إنه يجوز أن تكون على ظاهرها وعلى خلاف ظاهرها، أو يَسكت عن ذلك كله.

стр. 1202

(١٦٤) «و الصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها، القطعُ بالطريقة الثابتة، كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله فوق عرشه، ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، دلالة لا تحتمل النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور» لا شك أن نصوص الصفات تختلف كثرة وقلة من صفة إلى صفة، فبعض الصفات فيها عشرات النصوص، بل مئات النصوص، وبعض الصفات قد لا يكون ورد فيها إلا نص أو نصَّان، فهناك بعض الصفات الأمر فيها ظاهر جلي، وتجد كذلك من الآثار، ومن كلام السلف، ومن إجماعهم ما يؤكد هذه الصفة، ويؤكد إثباتها. وبعض الصفات قد يكون النصوص الذي وردت فيها نصوص قليلة، فبالتالي هذه تجرى كما تجري تلك الصفات، فتثبت لله حقيقة على الوجه اللائق به. فمعتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته هو: أنهم يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا، فهم بذلك: ا-يسمون الله بما سقى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه. ٢ - ويثبتون لله ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ٣ - وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ ، مع اعتقاد أن الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي. فأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات فيجب بذلك إثباتها.

стр. 1203

وأما النفي فهو أن ينفى عن الله كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي. قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وطريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) رد على المعطلة. فقولهم في الصفات مبني على أصلين: أحدهما: أن الله منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك. والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات" (٢). فالذي يجب اعتقاده هو أن معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف على دراسة الكتاب والسنة، لأن هذا التوحيد يتطلب، أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة (فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلاً وأبين دليلاً من غيره) (٣)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا، لأنه لا يسمي الله أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (٧)، فالله ، هو الذي سمى ووصف نفسه بما جاء في نص كلامه الذي هو القرآن. ولا يسمي ويصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ ، الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٨)، ولقد جاءت

стр. 1204

رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلاً على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفصلت ذلك أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.

стр. 1205

(١٦٥) «وَمَنْ اشتبه عليه ذلك أو غيره، فليدع بما رواه مسلم في «صحيحه» عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا قام يُصَلِّي من الليل، قال: اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١)، وفي رواية لأبي داود: «أنه كان يُكَبِّر في صلاته، ثم يقول ذلك» (٢). وضوح الحق وجلاؤه للإنسان بحسب ما يُؤتى من العلم والمعرفة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم. فكلما ازداد الإنسان علمًا ازداد يقينًا بهذه الأمور، واتضحت له اتضاحًا جليًّا، ولكن بحسب قلة علمه قد تشتبه عليه بعض هذه الأمور، فهذا دواء نبويٌّ قد جاء عن النبي ﷺ ، وينبغي على طالب العلم أن يحرص عليه، فقد كان النبي يدعو بذلك، فينبغي على طالب العلم أن يحفظ هذا الدعاء، وأن يلجأ لله في كل أحواله فيتمثل بهذا الدعاء؛ لأنه لجوء إلى الله ؛ فيقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». فينبغي على طالب العلم أن يحفظ هذا الدعاء، وأن يدعو به في جميع أحواله بما في ذلك إذا اشتبه عليه الحق مع الباطل؛ لأنه قد يخفى عليه بعض الشيء، أو يكون علمه في ذلك قاصرًا، فعند ذلك مع وجود الاختلاف والاضطراب في هذا الباب يحسن به أن يلجأ لله ، ويظهر فقره وافتقاره إلى الله .

стр. 1206

(١٦٦) «ف إذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين-انفتح له طريق الهدى». لا بد من الافتقار إلى الله في المقام الأول، ولا يكفي هذا وحده، بل لابد من أن يسلك سبيل العلم، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكلام السلف من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فمن سلك هذا السبيل يُهدى بإذن الله ، ومَن حاد عنها فعند ذلك يخبط في ظلمات الجهل بحسب ما عليه من الحال.

стр. 1207

(١٦٧) «ثم إن كان قد خبر نهايات أقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب». الإنسان لو وصل النهاية يعلم أين الحق؟ وإن عوفي من البداية فهو على الحق، يعني: أن تبدأ فتكون صاحب كلام، أو صاحب منطق، وتكون وصلت فيه إلى نهايته، فوقتها ستعرف أن هذا سراب وهباء، والأسلم أن يعافى من علم الكلام، ولا يدخل فيه من الأصل فهذا على خير، لكن المشكلة الذي يضيع في منتصف الطريق.

стр. 1208

(١٦٨) «و عرف أن غالب ما يزعمونه برهانًا وهو شبهة، ورأى أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد، أو قضية كلية لا تصلح إلا جزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، أو التمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة. ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم، أوهمت الغِرَّ ما يوهمه السراب للعطشان، ازداد إيمانًا وعلمًا بما جاء به الكتاب والسنة، فإن الضِدَّ يُظهِر حُسْنَه الضدُّ، وكل من كان بالباطل أعلم كان للحقِّ أشد تعظيمًا، وبقدره أعرف إذا هدى إليه». نعم؛ لأنه كما يقول عمر ﵁: «إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام مَنْ لا يعرف الجاهلية»، فالإنسان إذا كان ليست له دراية بالباطل من جهة كونه باطلًا، فقد يَغتر بهذا الباطل، وقد يزيَّن له هذا الباطل بصورة حسنة. يقول شيخ الإسلام: وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة، أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة (١) ولذلك أهلُ السنَّةِ قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً، وعلى اختلاف أزمانهم وأماكنهم هم على قولٍ واحد في سائرِ أمورِ هذا الدين وبالتحديدِ في أصولِ هذا الدين، لا تجدُ اختلافاً ولا تجدُ اضطراباً فقولهم في أسماء الله وصفاته واحد، وقولهم في بابِ الإيمان واحد، وقولهم في بابِ القدَرِ واحد .. إلى غيرِ ذلك من مسائل الدين. قال ابن تيمية: "وربنا واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد، وديننا واحد، وأصل الدين ليس بين السلف وأئمة الإسلام فيها خلاف، ولا يحلّ الافتراق، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ " (٢). وقال ابن تيمية: " أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح

стр. 1209

عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة. ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك لما فيه من الحق، إذ لابد في كل بدعة - عليها طائفة كبيرة - من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث: ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال. وبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة.) (١)

стр. 1210

(١٦٩) «فأما المتوسط من المتكلمين، فيخاف عليهم ما لا يخاف على مَنْ لم يدخل فيه، وعلى مَنْ قد أنهاه نهايته، فإن مَنْ لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية»، فما بقي يخاف من شيء آخر، فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قَبِلَه، وأما المتوسط فمتوهم بما تلقاه من المقالات المأخوذة تقليدًا لمعظمة تهويلًا. وقد قال الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يُفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان». قسم المصنف الناس مع علم الكلام إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول: من وصل إلى نهاية علم الكلام وعرف حاله فهذا سيُوقن أن ما عليه هو الباطل، لأن من أنهاه فقد عرف الغاية. والصنف الثاني: مَنْ لم يدخل في علم الكلام فهذا في عافية وسلامة. والصنف الثالث: من دخل في علم الكلام ولم يصل إلى نهايته؛ فهذا الصنف لا يَعرف أنه على باطل، وليس عنده استعداد أن يتقبل الحق، وبالتالي تقع المصيبة في هذا. ثم ذكر شيخ الإسلام مقولة «أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يُفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان». قال الإمام الشافعي ﵀: «الواجبُ على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا؛ وقد تكلم في العلم مَنْ لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساكُ أولى به، وأقربَ من السلامة له إن شاء الله» (١).

стр. 1211

وقال ابن حزم ﵀: «لَا آفَةَ على الْعُلُوم وَأَهْلهَا أضرُّ من الدخلاء فِيهَا، وهم من غير أَهلهَا فَإِنَّهُم يَجهلون ويظنون أَنهم يعلمُونَ، ويُفسدون ويُقَدِّرون أَنهم يصلحون» (١). قال الإمام محمد بن سيرين: «إنَّ هذا العلم دين؛ فانظروا عَمَّن تأخذون دينكم» (٢). وقال ابن رجب ﵀: «وقد صَحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (٣)؛ فأمر الله ورسوله بالردِّ على مَنْ خالف أمر الله ورسوله، والرد على من خالف أمر الله ورسوله لا يُتَلَقَّى إلا عَمَّن عَرف ما جاء به الرسولُ وخَبَره خِبرة تامَّة» (٤). فمن تكلم بشيء من الشرع بجهل فهو ممن يفتري على الله الكذب، وممن يقول على ما لا يعلم؛ قال الله تعالى: ﴿فمن أظلم ممن كذب على الله وكذّب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين﴾؛ فإنه متكبر على الحق والانقياد له؛ ومتبع لهواه، وضال لنفسه مضل لغيره. فالمشكلة مع مَنْ لا يَعرفون أنهم على باطل، وليس عندهم استعداد لأن يتقبلوا الحق، وإنما تقع المصيبة بأمثال هؤلاء.

стр. 1212

(١٧٠) «و مَن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم هم في الغالب في قول مختلف، يؤفك عنه مَنْ أفك، يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست بينة، وإنما هي كما قيل فيها: حجج تهافت كالزجاج تخالها حقًّا وكل كاسر مكسور». قال ابن تيمية ﵀: (إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ : هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره -: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل (١) " (٢) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة.) (٣). وقد تقدم الكلام عن اضطراب أهل الكلام الذين سلكوا هذا الباب وأن حالهم دائر بين ثلاثة أحوال: الحال الأول: حال التوبة والندم والرجوع إلى مذهب أهل السنة والجماعة. والحال الثاني: حال الشك والارتياب، ومن ذلك ما نقله عن الغزالي، وقد ذكر المصنف نماذج لحال هؤلاء ومن ذلك قوله: "وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الحونجي صاحب (كشف الأسرار في المنطق)، وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن. أنه قال عند الموت: "أموت وما علمت شيئا إلا أن الممكن

стр. 1213

يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف عدمي. أموت وما علمت شيئا" (١) وقال ابن تيمية ﵀: "حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال: أبيت بالليل، وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء" (٢) وقال آخر: "بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته" (٣) قال ابن تيمية: "ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئاً كثيراً، وما لم يبلغني من حيرتهم وتشككهم أكثر وأكثر (٤) " وقال أبو الوفاء بن عقيل ﵀: "وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وكثير منهم إلى الإلحاد؛ تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين … " (٥) والحال الثالث: هو التردد والانتقال من قول إلى قول وهذا الحال هو ما تحدث عنه المصنف حيث وصف حال هؤلاء بقوله: "إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين. وقال هنا: «ومَن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم هم في الغالب في قول مختلف، يؤفك عنه مَنْ أفك، يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست بينة

стр. 1214

(١٧١) «ويعلم العليم البصير أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁، حيث قال: «حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنِّعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر»، ويقال: هذا جزاء مَنْ ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام» (١). ومن وجه آخر، إذا نظرت إليهم بعين القدر-والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم-رَحِمتهم ورفقت بهم، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة؛ ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾ [الأحقاف: ٢٦]». من سمات أهل السنة الجمع بين الرحمة واللين والشدة والغلظة، بخلاف غيرهم ممن يأخذ جانبًا من هدي السلف ويدع الجانب الآخر، فيأخذون بالشدة في جميع أحوالهم أو باللين في جميع أحوالهم. أما أهل السنة فيجمعون بين هذا وهذا، وكل في موضعه، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومقتضيات الأحوال. وهم حقاً كما قال شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية: "نقاوة المسلمين، فهم خير الناس للناس". (٢) وقال أيضاً: "وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ ١١٠]. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ

стр. 1215

خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ (١). " (٢) قال ابن تيمية: "ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى-فوق العرش لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، فكان هذا خطابنا، فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله" (٣) فسلك ﵀ مع المخالفين طريقين: - الطريق الأول وهو: الشدة والغلظة معهم. - والطريق الآخر وهو: الرأفة والرحمة به. ولا تعارض في هذا، فمن جهة أنه باطل فلابد أن يُردع، ولا بد أن يُقاوم، ولا بد أن يُرد على أصحابه، ولابد أن يُؤدبوا، فلا بد من الشدة عليهم. ومن جهة أخرى هؤلاء حيارى، وابتعدوا عن طريق الحق فيجب على الإنسان من جهة أن يتلطف معهم في إرشادهم إلى الحق، فإذا كان المقام مقام تعليم، ومقام مناظرة، فهنا ينبغي التلطُّف معهم. فمقام الرد على البدعة ودفعها لابد من الشدة، والغلظة، والهجر. وهذا المنهج حبذا أن يأخذ به طلاب العلم. فإن الهجر والغلظة في مواطن محدودة، وليست في كل الأحوال، وكذلك في المقابل اللين والرأفة والرحمة أيضًا في مواطن، وليست في كل الأحوال. فبعض طلبة العلم-هداهم الله-بمجرد أن يرى مخالفًا يعبس في وجهه، ويُطبق عليه أحكام أهل البدع، مع أنه لو بين له الحق وأرشده وأخذ بيده، وبين له الدليل والبرهان، أو أحضره إلى مجالس أهل العلم، فلعله بهذا تنجلي له الحقائق، ويتبصر ويذعن للحق.

стр. 1216

ولذلك يقول ابن تيمية: «أهل السنة أعرف الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق» (١). فينبغي أن يكون صاحب السنة رحيمًا بأمثال هؤلاء، فلعلَّ هذا الرفق يلين قلب هذا المخالف وتنجلي بصيرته. فإذًا الحكمة في الدعوة تتطلب الشدة أحيانًا، وتتطلب اللين أحيانًا. وعلى الداعية أن يواجه هذا الأمر بحسب ما يستدعيه الحال، فإذا كان الشخص معرضًا تمامًا عن الحق وفي ذات الوقت مجتهدًا في باطله ويدعو إليه، فمثل هذا لا نلين معه بأي حال، لكن لو أن شخصًا نرى أن هذه الأمور الباطلة قد تمكَّنت في نفسه، ويكتمها في نفسه، ولا يدعو إليها فمثل هذا لا يمكن أن نأخذه بالشدة، بل نأخذه باللين، ونعلم أنه هذا صاحب حيرة، وأن الشيطان قد استحوذ عليه؛ فلابد من الرفق معه حتى يستمع للحق. فمن سمات أهل السنة أنهم يعطون كل ذي حق حقه. قال ابن تيمية ﵀: "ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم". (٢) وقال ابن تيمية: "وهذه حال أهل العلم والحق والسنّة؛ يعرفون الحق الذي جاء به الرسول؛ وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول؛ ويدعون إليه؛ ويأمرون به نصحاً للعباد، وبياناً للهدى والسداد. ومن خالف ذلك لم يكن لهم معه هوى، ولم يحكموا عليه بالجهل، بل حكمه إلى الله والرسول؛ فمنهم من يُكفره الرسول، ومنهم من يجعله من أهل الفسق أو العصيان، ومنهم من يعذره ويجعله من أهل الخطأ المغفور. والمجتهد من هؤلاء المأمور بالاجتهاد، يجعل له أجراً على فعل ما أمر به من الاجتهاد، وخطؤه مغفور له؛ كما دلّ الكتاب. " (٣) وقال ابن تيمية: "وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ

стр. 1217

الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ ١١٠]. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ" (١). " (٢) وقال ابن قيم الجوزية ﵀: وهو يتكلم عن أهل السنة: "فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه وهم براء من باطلهم فمذهبهم جمع حق الطوائف بعضه إلى بعض والقول به ونصره وموالاة أهله من ذلك الوجه ونفي باطل كل طائفة من الطوائف وكسره ومعاداة أهله من هذا الوجه فهم حكام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق ولا يردون حق طائفة من الطوائف ولا يقابلون بدعة ببدعة ولا يردون باطلا بباطل ولا يحملهم شنآن قوم يعادونهم ويكفرونهم على أن لا يعدلوا فيهم بل يقولون فيهم الحق ويحكمون في مقالاتهم بالعدل والله أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ ". (٣) وقال ابن قيم الجوزية ﵀: "والله تعالى يحب الانصاف بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصا من نصب نفسه حكما بين الاقوال والمذاهب وقد قال الله تعالى لرسوله وأمرت لأعدل بينكم فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل ينزوله يدين بدين العدل والإنصاف ويحكم الحجة وما كان عليه رسول الله". (٤) وقال ابن تيمية: "فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَسْتَعْمِلُونَ مَعَهُمُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ وَلَا يَظْلِمُونَهُمْ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، بَلْ هُمْ لِلرَّافِضَةِ خَيْرٌ وَأَعْدَلُ مِنْ بَعْضِ الرَّافِضَةِ لِبَعْضٍ. وَهَذَا مِمَّا يَعْتَرِفُونَ هُمْ بِهِ، وَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ تُنْصِفُونَنَا مَا لَا يُنْصِفُ بَعْضُنَا بَعْضًا. " (٥) قال ابن تيمية: "فإن الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد به من الحسنات وما يذم به من السيئات، وما لا يحمد به ولا يذم من المباحات، والعفو عنه من الخطأ والنسيان بحيث يستحق الثواب على حسناته ويستحق العقاب على سيئاته، بحيث لا يكون محمودًا ولا

стр. 1218

مذمومًا على المباحات والمعفوات، وهذا مذهب أهل السنة في فساق أهل القبلة ونحوهم، وإنما يخالف في هذا الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ونحوهم، الذين يقولون: من استحق المدح لم يستحق الذم، ومن استحق الثواب لم يستحق العقاب، ومن يستحق العقاب لم يستحق الثواب" (١)

стр. 1219

(١٧٢) «ومن كان عليمًا بهذه الأمور-تبين له بذلك حِذق السلف وعلمهم وخبرتهم؛ حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يَزدد مِنْ الله إلا بُعْدًا. فنسأل الله العظيم أن يَهدينا الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين.» مسألة الأسماء والصفات من المسائل التي من خلالها يَعرف الإنسان عِظم منهج السلف، وطريق الحق الذي كان عليه سلف هذه الأمة، وهذا المنهج الذي هو بحمد الله باق إلى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله . وهذه المسألة تضع برهانًا أمام طالب العلم، وتكشف له عن حقيقة المناهج الباطلة التي أوجدها المخالفون الضالون، والتي في حقيقتها إنما هي محاربة لله ، ومحاربة لرسوله ﷺ ، وطمس لمعالم منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم. فنسأل الله أن يَجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله أن يعلمنا مِنْ ديننا ما جهلنا، وأن يجعلنا ممن يخافه ويخشاه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين.