← Акыда

Акыда · id 30017

المنحة الإلهية في شرح الفتوى الحموية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 219 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(٨٤) "روى أبو بكر البيهقي في "الأسماء والصفات" بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" (١). (٨٥) فقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العرش، وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لكتابه ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك. (٨٦) وروى أبو بكر الخلال في "كتاب السنة" عن الأوزاعي قال: "سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمِرُّوها كما جاءت". نقل المصنف عن البيهقي الذي نقل عن الأوزاعي، والأوزاعي هو الأوزاعي الذي له وزنه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، فانظر إلى هذا النص: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته". فهو هنا فسَّر الاستواء وأثبت الفوقية، لأن استوى بمعنى علا وارتفع، فالله عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، فهذا هو منهج السلف الصالح، كنا والتابعون متوافرون نقول: أن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. فهل يقال بعد ذلك هذا تفويض للاستواء وللعلو كما يزعم المعطلة. فهذا نقلٌ من النقول عن أحد أئمة السلف وهو الأوزاعي، الذي يقول عنه المصنف: "أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل

стр. 457

الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق"، فهذا يعني شهرة هذا القول الذي نقله الأوزاعي في الإيمان بأن الله تعالى فوق العرش، والإيمان بالصفات التي جاءت بها النصوص. فقوله هنا: "ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" فيه رد على المعطلة، فمثلاً الأشاعرة يقولون لا نؤمن إلا بالصفات العقلية، لأن الصفات السبع الذي يجمع بينها عندهم كونها صفات دل عليها العقل، أما ما لا يدل عليه العقل فهذا لا يثبتونه (١). وقال المصنف: "وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لكتابه ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك"، فالجهم ظهر في أواخر عصر التابعين، والأوزاعي في عصر تابعي التابعين، فذكر هذا ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف هذا. فهذا نقلٌ من النقول فيه: • إثبات للاستواء بل تفسيرٌ له. • الإيمان بجميع ما جاءت به السنة من الصفات. • أن السنة هي مصدرٌ من المصادر التي يُعتمد عليها في هذا الباب. فهذه بعض الفوائد في هذا النقل. وذكر نقلاً آخر عن الأوزاعي كذلك فقال: "وروى أبو بكر الخلال في "كتاب السنة" عن الأوزاعي قال: "سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمِرُّوها كما جاءت" (٢). يحاول بعض المعطلة أن يأخذ أمثال هذه النصوص ويقولون: انظر هذا

стр. 458

نقلٌ عن السلف يقولون: أمروها كما جاءت، أي على حد تفسيرهم لهذا أنهم يقولون: اقرؤوها بدون فهم وبدون معنى. ولكن بلا شك أن هذا ليس مقصود السلف، وهذا الغمز منهم وحمل هذا القول على هذا الزعم، هو زعمٌ باطلٌ فالتفويض نوعان: النوع الأول: تفويض في المعنى. النوع الثاني: تفويض في الكيفية. فتفويض المعنى هذا ليس من منهج ومعتقد السلف الصالح، بدليل: أن السلف فسروا نصوص الصفات، وهذه كتب التفسير وكتب الحديث، تشهد أنهم يفسرون معاني النصوص، فقد سبق أن ذكرنا لكم عن مجاهد كما ذكر البخاري في صحيحه أنه لما جاء إلى معنى الاستواء قال: استوى: علا وارتفع (١)، ومجرد إلقاء نظرة على كتب التفسير للمأثور وكتب الحديث وكتب العقائد التي نقلت من المأثور، تجد أن السلف لم يريدوا تفويض المعنى ولم يذهبوا إليه. وإنما قالوا: مثل هذه العبارات رداً على المعطلة الذين حرَّفوا وأوَّلوا، فلما حرَّف أولئك وأوَّلوا قال السلف: "أمروها كما جاءت" (٢) أي لا تأوِّلوها، أي لا تحرِّفوها عن معانيها، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، فلو كان السلف مفوِّضة لمَّا ثبت عنهم تفسير هذه الصِّفات وإثبات معانيها. وارجع لصحيح البخاري، أو ارجع إلى تفسير الطبري، أو ارجع إلى الكتب التي حوت أصول أهل السنة، تجد أنهم لم يريدوا هذا، فهذا الأوزاعي بنفسه كما نقل المصنف عن البيهقي يقول: نؤمن بأن الله فوق عرشه، فهل هذا يكون مفوضاً؟

стр. 459

(٨٧) "ورُوي أيضًا عن الوليد بن مسلم قال: "سألتُ مالكَ بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت. وفي رواية: فقالوا: أمِرَّها كما جاءت بلا كيف" (١). (٨٨) فقولهم ﵃: "أمِرُّوها كما جاءت" ردٌّ على المعطلة، وقولهم: "بلا كيف" رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهما. (٨٩) روى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرِّف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: "سَنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاَّه الله ما تولَّى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" (٢). (٩٠) وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: "سُئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق" (٣). (٩١) وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة من غير وجه، منها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني، وأبو بكر البيهقي، عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 460

كيف استوى؟، فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضَاء ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يُخرج" (١). فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافقٌ لقول الباقين: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف" (٢)، فإن الاستواء حينئذٍ لا يكون معلومًا، بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم. (٩٢) وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. (٩٣) وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. (٩٤) وأيضًا: فقولهم: أمِرُّوها كما جاءت. يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن الله لا يُوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيفية عما ليس بثابت لغوٌ من القول". جاءت عبارة "بلا كيف" في آثارٍ كثيرةٍ عن السلف الصالح عند حديثهم عن نصوص الصفات، كما أورد المصنف هنا، ومعنى قولهم: "بلا كيف"، أي: بلا

стр. 461

كيف يعقله البشر، لا أن المراد نفي الكيفية مطلقاً، فإن كلَّ شيء لابد وأن يكون على كيفية معيَّنة، ومرادهم هو نفي العلم بهذه الكيفية، فلا يعلم كيف الله ولا كيف صفاته إلا هو، وهذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا سبيل للوصول إليه (١). وعدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات، ومعرفة معانيها فمن المقرر في منهج أهل السنة والجماعة في باب الصفات، أن عدم العلم بالكيفية والذي سبق تأكيده من خلال النقاط السابقة، لا يقدح أبداً في الإيمان بالصفات ومعرفة معانيها، فإن الكيفية وراء ذلك، فإثبات السلف للصفات إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، يؤمنون بتلك الصفات، ويفهمون معانيها ويفسرونها ويعتقدون ما دلت عليه من الأحكام ويعملون بمقتضياتها من الآثار (٢). فكثيرٌ من الأمور التي أخبر الله بها، لا تُعلم كيفيَّتها ولا كنهها، ولم يمنع ذلك من الإيمان والتصديق الجازم بها. فمنها ما أخبر الله به من حقائق الإيمان باليوم الآخر، فإنا نؤمن بها وإن لم نعلم حقيقتها وكيفيتها، ومن ذلك الروح التي بين جنبي الإنسان، كل واحدٍ منا يشعر بها ويوقن بوجودها لكن لا يدرك كنهها وحقيقتها، ومع ذلك لم يمنعه عدم علمه بكيفيتها من الإيمان بوجودها. فكان الإيمان بالصفات مع الابتعاد عن طلب كيفيتها من منهج الراسخين في العلم المتبعين لهدي الكتاب والسنة، والذين يقولون وفق هذا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣)، أما طلب علم الكيفية، فيترتب على ذلك: إما تعطيل للصفات، أو تمثيلها بالمخلوقات، وهذا هو سبيل أهل الأهواء والبدع، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤). كما هو شأن أهل السنة والجماعة دائماً فإنهم ينطلقون في جميع ما يستنبطونه من قواعد وأسس لمنهجهم في توحيد الأسماء والصفات، وفي سائر الأبواب، من

стр. 462

نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهذه القاعدة شأن مثيلاتها مما سبق ذكره أيضاً، مستند أهل السنة والجماعة فيها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، مستنيرين بفهم السلف الصالح، وأقوالهم الموافقة لمضمون هذه القاعدة، فمما استدل به أهل السنة والجماعة في تقرير هذه القاعدة ما يلي: • قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (١). • وقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ (٢). فمدلول هاتين الآيتين واحد، تفيدان أن البشر لا يطلعون على شيء من علم ذات الله وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه (٣)، والله لم يطلعنا على كيفية ذاته ولا صفاته، فدخل علم كيفية ذات الله وصفاته، في الأمور التي لا يحيط البشر بها علماً، وشاء الله في نفس الوقت أن يحيطنا علماً بمعاني ما اتصف به ، فتُثْبَت له على الوجه اللائق به ﵎. قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٤) ﵀: « … لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا نَصَّ الله عليه في سورة طه حيث قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾، فقوله: "يحيطون به" فعل مضارع، والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي، ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، كما قال ابن مالك (٥) في الخلاصة (٦): المصدرُ اسمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ منْ … مَدْلُولَي الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ وقد حرر علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعيِّة، أنه يَنْحَلُّ عن مصدرٍ وزمنٍ ونسبةٍ، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعاً، ف "يحيطون" تكمن في مفهومها الإحاطة،

стр. 463

فيتسلَّط النفي على المصدر الكامن في الفعل، فيكون معه كالنكرة المبنيَّة على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض، فينفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن رب العالمين» (١). وفي الحديث: «تَفَكَرُوا فِي خَلْقِ اللهِ، وَلَا تَفَكَرُوا فِي اللهِ» (٢). قال شيخ الإسلام-﵀، بعد أن أورد هذا الأثر: « … لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة، والمقاييس، وذلك يكون في الأمور المتشابهة، وهي المخلوقات. وأما الخالق- ﷻ -فليس له شبيه ولا نظير، فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد. وبالذكر، وبما أخبر به عن نفسه، يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة؛ لا تنال بمجرد التفكير والتقدير؛ أعني من العلم به نفسه؛ فإنه الذي لا تفكير فيه. فأما العلم بمعاني ما أخبر به ونحو ذلك، فيدخل فيها التفكير والتقدير، كما جاء به الكتاب والسنة» (٣). فبيَّن-﵀، أن الله والمراد ذاته وصفاته-لا يدخل تحت مجال التفكير الإنساني، والعقل البشري القاصر؛ لأن مبنى التفكير على قياس الغائب على الشاهد، وإيجاد العلاقة بين النظير ونظيره، والله ليس له ندٌّ ولا مثيلٌ ولا مسامٍ ولا نظيرٌ حتى يقاس عليه، أو توجد بينه وبينه علاقة، تؤدي إلى إدراك كنهه وحقيقته. وفي حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄: «أَنَّ النَّبِي ﷺ نَهَى عَنِ الأُغْلُوطَاتِ» (٤). قال عيسى بن يونس (٥) ﵀، وهو أحد رواة الحديث: «والأغلوطات ما لا

стр. 464

يحتاج إليه من كيف وكيف» (١). وقال الخطابي-﵀-في معالم السنن: «وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسائل، ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به» (٢). ولا شك أن معرفة حقيقة كنه الله ، وكيفية ذاته وصفاته، مما لا يحتاج إليه أحد، ولا يتوقف الإيمان به على معرفة كيفية ذاته وصفاته، فالبحث في ذلك من التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه، فوجب التوقف عما لا علم للإنسان به، ولا يمكنه أن يحيط به بحال من الأحوال. وقول المصنف: "فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافقٌ لقول الباقين: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة". فقد علَّق الإمام الذهبي-﵀، على قول الإمام مالك بقوله: «وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمِّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقيناً مع ذلك أن الله لا مثل له لا في صفاته، ولا في استوائه ولا في نزوله ) (٣). وقد بيَّن الإمام ابن عبد البر-﵀ (ت ٤٦٣ هـ) أن أهل السنة والجماعة لا يخوضون في شأن الكيفية بل: «يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عياناً وقد جلَّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون؛ فلا يصفه ذووا العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (٤). وقال الإمام البغوي-﵀ (ت ٥١٠ هـ): «إن الامتناع عن الخوض في صفات الله تعالى بالتكييف والتشبيه واجب، وأن المهتدي من سلك في نصوص الصفات طريق التسليم، وأن الخائض فيها زائغ، والمنكر معطِّل، والمكيِّف مشبِّه، تعالى الله عما

стр. 465

يقول الظالمون علواً كبيراً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (١). وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀ (ت ٧٢٨ هـ) أن طلب معرفة كيفية صفات الله بدعة، وأن معرفة كيفية الصفات غير حاصل للعباد؛ لأن العلم بكيفية الصفات فرع العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تُعلم كيفيته، امتنع أن تُعلم كيفية صفاته (٢). وأكدَّ على اتفاق أهل السنة والجماعة على نفي معرفة حقيقة الله وكيفية صفاته، وقالوا: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته (٣). ومما ذكره الإمام ابن القيم-﵀ (ت ٧٥١ هـ) في تقرير هذه القاعدة قوله: «إن العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها؛ فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: "بلا كيف"، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا لا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فَعَجْزُنَا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم» (٤). فعُلم مما تقدم من آثار عن سلف الأمة وأئمتها، أن أهل السنة والجماعة متفقون على النهي عن طلب كيفية صفات الله ، وأن ذلك من الطرق المفضية إلى التشبيه والتمثيل، مجانبين في ذلك لطريق المعطِّلة الذين خاضوا في الكيفية فوقعوا في التشبيه أولاً، ثم فروا منه إلى التعطيل، ومجانبين أيضاً طريق المشبِّهة الذين خاضوا في الكيفية فوقعوا في التشبيه والتمثيل المذموم، فأثبت أهل السنة والجماعة الصفات، ونزهوه عن مشابهة المخلوقات. وإلى جانب ما استدلَّ به أهل السنة والجماعة من أدلة نقلية وآثارٍ واردة عن أئمة

стр. 466

السلف في أن نفي العلم بالكيفية لا يتعارض مع الإيمان بأصل الصفة، فقد استدلوا أيضاً بأدلة عقلية تدل على هذه القاعدة المهمة. من ذلك أن يقال: إن كيفية الشيء لا تدرك إلا بأحد طرق ثلاث: إما بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو خبر الصادق عنه. ونحن لم نشاهد الله ، فإن ذلك من الأمور المستحيلة في هذه الدنيا، والله ليس له نظير حتى يقاس عليه، فتعرف كيفية صفاته، ولم يأتنا الخبر الصادق من الله أو من رسوله ﷺ ، عن كيفية صفاته تعالى، والذي جاءنا هو الإخبار عن اتصاف الله بهذه الصفات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فوجب الإيمان بها والوقوف حيث وقف الله ورسوله، وعدم الخوض في شأن الكيفية (١). كما استدلوا أيضاً في هذه المسألة بقياس الأولى، فإن الإنسان يؤمن بحقائق كثيرة، ولا يعلم كنهها وكيفيتها، وعدم علمه بكيفية هذه الأشياء التي يؤمن بها لم يقدح في إيمانه بها، لعجزه وضعفه عن إدراك أشياء كثيرة تحيط به في هذا العالم من حوله، بل مثال ذلك أقرب الأشياء إليه وهي روحه التي بين جنبيه، يؤمن الإنسان ويجزم بوجودها، وإن لم يعرف حقيقتها وكنهها، فالله أولى أن يُؤمن العبد بصفاته الثابتة له، وإن لم يعلم كيفيتها، وعدم علمه بكيفيته ليس مسوغاً أبداً، لجحدها وإنكارها، أو تعطيلها عن معانيها التي تدل عليها (٢).

стр. 467

(٩٥) وروى [الأثرم في السنة] وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، [وأبو عمر الطلمنكي وغيرهم] بإسناد صحيح، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب وقد سئل فيما جحدت به الجهمية: «أما بعد: فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت الجهمية ومن خالفها في صفة الرب [العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكَلَّت الألسن عن] تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره ردت عظمته العقول فلم تجد مساغًا فرجعت خاسئة وهي حسيرة، وإنما أُمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال «كيف»؟ لمن لم يكن ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول، ولم يَزَلْ، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبد ومن لم يمت، ولا يبلى، وكيف [يكون] لصفة شيء منه حد أو منتهى؟ يعرفه عارف أو يحد قدره واصف على أنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء، أبين منه. الدليل على عجز العقول في تحقيق صفته، عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغرًا يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر، لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل (١) بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم وسيد السادات، وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. اعرف رحمك الله غناك عن تَكلُّف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته، أو تنزجر به عن شيء من معصيته؟ فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا، فقد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: ٧١] فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن [قال]: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 468

فعمي عن البَيِّن بالخفي، وجحد ما سَمَّى الربُّ من نفسه بصمتِ الرَّبِّ (١) عَمَّا لم يُسَمِّ منها، فلم يَزل يُملي له الشيطان حتى جَحَد قولَ الرَّبِّ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقال: لا يراه أحدٌ يوم القيامة، فجَحَد- واللهِ- أفضل كرامة الله التي أَكرم بها أولياءه يوم القيامة من النَّظَر إلى وجهه (٢)، ونضرته إيَّاهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وقد قضى أنَّهم لا يَموتون؛ فهم بالنَّظر إليه يَنظرون. إلى أن قال: وإنَّما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحُجَّة الضَّالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مُؤمنين، وكان له جاحدًا. وقال المسلمون: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تُضَارُّون في رؤيةِ الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فهل تُضَارُّون (٣) في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم كذلك» (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 469

وقال رسول الله ﷺ : «لا تَمتلئ النارُ حَتَّى يَضع الجَبَّارُ فيها قَدَمه، فتقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض» (١). وقال لثابت بن قيس ﵁: «لقد ضَحِك اللهُ مِمَّا فعلت بضيفك البارحة» (٢). وقال فيما بلغنا: «إن الله ليضحك من أَزلِكم وقنوطكم (٣) وسرعة إجابتكم»، فقال له رجل من العرب: إنَّ رَبَّنا ليضحك؟ قال: «نعم». قال: لا نَعْدِمَ مِنْ ربٍّ يَضحك خيرًا» (٤). في أشباهٍ لهذا مِمَّا لم نُحْصِه. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. فوالله ما دلَّهُم على عِظَم ما وصف من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صِغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقى في رُوعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله مِنْ نفسه فسَمَّاه على لسان رسوله ﷺ سَمَّيْنَاه كما أَسْمَاه، ولم نتكلف منه صِفة ما سواه-لا هذا ولا هذا-لا نَجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يَصِف. اعلم-رحمك الله-أنَّ العِصمة في الدِّين أن تنتهي في الدِّين حيث انْتُهي بك، ولا تُجاوز ما حُدَّ لك؛ فإنَّ مِنْ قِوام الدِّين معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بُسطت عليه المعرفةُ وسَكنت إليه الأفئدةُ وذُكِر أصلُه في الكتاب والسُّنَّة وتَوارث علمَه الأُمَّةُ؛ فلا تَخافنَّ في ذكره وصفته مِنْ رَبِّك ما وصفه من نفسه عيبًا، ولا تكلفنَّ لما وصف لك من ذلك قدرًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 470

وما أنكرته نفسك، ولم تَجد ذكره في كتاب ربِّك ولا في الحديث عن نبِيِّك-مِنْ ذِكر ربك-فلا تتكلفن علمه بعقلك، ولا تَصفه بلسانك، واصمت عنه كما صمت الربُّ عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يَصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جَحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أَعْظِم تَكَلُّف ما وصف الواصفون مما لم يَصف منها (١). فقد-والله-عَزَّ المسلمون (٢) الذين يَعرفون المعروف وبمعرفتهم يُعرف، ويُنكرون المنكر وبإنكارهم يُنكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مَرِض من ذِكر هذا وتَسميته قلبُ مسلم، ولا تَكَلَّف صفة قدرة ولا تسمية غيره من الربِّ مؤمنٌ. وما ذكر عن الرسول ﷺ أنه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه. والرَّاسخون في العلم-الواقفون حيث انتهى علمُهم، الواصفون لربِّهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها-لا يُنكرون صفة ما سَمَّى منها جحدًا، ولا يتكلَّفون وصفه بما لم يُسَمِّ تعمُّقًا؛ لأنَّ الحقَّ تركُ ما ترك وتسميةُ ما سمَّى، ومَن يَتَّبِعْ ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وَهَبَ اللهُ لنا ولكم حُكْمًا، وألحَقَنا بالصالحين». اه (٣). وهذا كله كلام ابن المَاجَشون الإمام فَتَدَبَّرْه! وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية مُوافقة لغيره من الأئمة؟ وكيف أنكر على مَنْ نفى الصفات بأنه يَلزم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: أنه يلزم أن يكون جسمًا أو عَرَضًا فيكون». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 471

يستفاد من قول الإمام عبد العزيز بن الماجشون السابق الأمور الآتية: أولًا: الإثبات، وذلك من قوله: «فما وصف اللهُ مِنْ نفسه فسَمَّاه على لسان رسوله ﷺ سَمَّيْنَاه كما أَسْمَاه»، أي: أثبتنا ما أثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . ثانيًا: عدم الزيادة، وذلك من قوله: «ولم نَتَكَلَّف منه صفة ما سواه؛ لا هذا ولا هذا»، أي: لا نزيد على ما أثبته اللهُ لنفسه في كتابه وعلى لسان رسولِه ﷺ . ثالثًا: التوقف فيما لم يَرِد إثباته أو نفيه؛ وذلك من قوله: «ولا نَتَكَلَّفُ معرفةَ ما لم يَصِف»، أي: لا نخوضُ في معرفة ما لم يَرِد به نصٌّ، ولا نتكلف معرفةَ ذلك». رابعاً: عدم النقص، وذلك من قوله: «لا نَجحد ما وصف»، أي: لا نُنقص مما أَثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . ونستفيد قاعدة جليلة جدًّا من قوله ﵀: «اعلم-رحمك الله-أنَّ العصمة في الدِّين أن تَنتهي في الدِّين حيث انْتُهِي بك، ولا تُجاوز ما حُدَّ لك». فهذه قاعدة عظيمة النفع لو التزمها العبد لَسَلِم ونجا، أي: قِف عند ما أخبرك الله من الغَيب، ولا تتجاوز ذلك الحدَّ. وبَيَّن العلة من ذلك فقال: «فإنَّ مِنْ قِوَام الدِّين: معرفةَ المعروف وإنكارَ المنكر»: أي: من إقامة الدين: معرفة المعروف وإنكار المنكر، «فما بُسِطت عليه المعرفةُ، وسَكنت إليه الأفئدةُ، وذُكر أَصْلُه في الكتاب والسُّنَّة وتَوَارَثَ عِلْمُه الأمة، فلا تخافنَّ في ذِكره وصفته من ربك ما وصفه من نفسه عيبًا»، أي: اصدع به، وقل كما صحَّ: «يضحك رَبُّنا»، و «يَغضب ربُّنا»، و «يرضى ربنا»! فلماذا تَجبن في هذه المواقف؟ مع أنَّ عندك من كلام الله تعالى وما صحَّ من كلامِ رسوله ﷺ ما يُؤَيِّد ذلك؛ فقد جاءت هذه الصفاتُ صريحةً فيهما؟! وقوله: «فلا تخافنَّ في ذِكره وصفته من ربِّك ما وصفه من نفسه عيبًا»، يعني: لا تَخف أن يُعاب عليك بما تذكره من صفات الله الصحيحة الثابتة؛ فيُقال عنك: مُشَبِّه، أو مجسِّم، أو حشوي، أو وهَّابي، أو غير ذلك من الألقاب التي يُطلقونها على مَنْ يثبت صفات الله من غير تكييف. فلا تَخْشَ-أيها المُسلم على منهج أهل السُّنَّة والجماعة-على نفسِك مِنْ ذِكْرِ أمرٍ أخبر الله به؟

стр. 472

إن كنتَ مصدقًا بثبوته؛ فَلِمَ تَخافُ مِنْ الألقاب التي يُطلقها هؤلاء وأنت معك على ذلك أدلة من كلام الله تعالى ومن كلام رسوله ﷺ ؟! فلا بُدَّ من إقامة المعروف ولا بُدَّ من إنكار المنكر! كيف تَصمت، وكيف لا تصدع بالحق وأنت ترى فِرقة تعطِّل صفات الله وتَجحدها؟ كيف لا تُنكر منكرَ تَعطيل صفات الله؟! ثم قال ابن الماجشون ناصحًا من سأله: «ولا تتكلفنَّ لما وُصف لك من ذلك قدرًا»، يعني: لا تَخُض في الكيفية كما وَقَع المُشَبِّه فيها. «وما أنكَرَتْه نفسُك ولم تجد ذِكره في كتاب ربِّك ولا في الحديث عن نَبِيِّك مِنْ ذِكر صفة ربِّك؛ فلا تَتكلفَنَّ علمَه بعقلك»؛ لأنَّ هذا الباب ليس فيه رأي وليس فيه اجتهاد، بل فيه نصٌّ فقط، فإن جاء النصُّ أخذتَ بِهِ، وإلَّا فاسكت ولا تَخض فيما لا عِلْمَ لك بك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيرها: «نهى الله تعالى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال؛ كما قال تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢]، وفي الحديث: «إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث» (١)» (٢). وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنَّ مَسائل الدِّقِّ (٣) في الأصول لا يَكاد يتفق عليها طائفة؛ إذ لو كان كذلك لَمَا تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين، وقد يُنكر الشيء في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص. وأصل هذا ما قد ذكرتُه في غير هذا الموضع: أن المسائل الخبرية قد يكون بمنزلة المسائل العملية؛ وإن سُمِّيَت تلك (مسائل أصول) وهذه (مسائل فروع)، فإن هذه تسمية مُحْدَثَة قَسَّمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب؛ لا سِيَّما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة. وأمَّا جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أنَّ الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها، وكثيرًا ما يكرهون الكلام في كلِّ مسألة ليس فيها عمل، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة، بل الحقُّ أنَّ الجليل من كل واحد من الصنفين (مسائل أصول) والدقيق؛ (مسائل فروع).

стр. 473

فالعلمُ بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة؛ كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة؛ ولهذا مَنْ جَحَد تلك الأحكام العملية المُجمع عليها كفر، كما أنَّ مَنْ جحد هذه كفر. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية؛ بل هذا هو الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل؛ وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبَعْث بعد الموت والإيمان بالقَدَر؛ خيره وشره. وأما الأعمال الواجبة: فلا بد من معرفتها على التفصيل؛ لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مُفَصَّلَة؛ ولهذا تُقر الأمة مَنْ يفصلها على الإطلاق وهم الفقهاء؛ وإن كان قد يُنكر على مَنْ يتكلم في تفصيل الجمل القولية؛ للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة، وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة» (١). فهذه نصيحة غالية من الإمام ابن الماجشون للسائل: وهي أن ما جاء به النصُّ فآمن به وسَلِّم له، وما لم يَرِد فيه نصٌّ فأمسك عنه ولا تَخُض فيه، ولا تَصِفه بلسانك؛ ولا تتجاوزْ الحَدَّ الذي حُدُّ لك، لأنَّ عندنا هنا في هذا الباب ثلاثةَ أُمُورٍ: - أمورٌ أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ ؛ فنُثبت ما أثبته الله لنفسه، وما أثبتها له رسولُه ﷺ . - أمورٌ نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله ﷺ ؛ فنَنفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ . - وأمورٌ لم يَرِد فيها عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ نفيٌ ولا إثبات؛ فنتوقف فيها ونسكت عنها، ولا نخوض فيها. لأن «تكلفك معرفة ما لم يَصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها»، يعني: يستوي هذا وذاك، فهذا محظور وهذا محظور؛ فتعطيل الصفات الثابتة محظور، وكذلك التقول على الله بغير علمٍ محظور؛ لذلك قال: «فكما أَعْظَمْتَ ما جَحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أَعْظِمْ تَكَلُّفَ ما وصف الواصفون مما لم يَصِف منها!». أي: إذا كنت تستعظم ما فعله المُعَطِّلة مِنْ جحد الصفات، فكذلك استعظم التَّقَوُّلَ على الله بغير علم؛ لإن هذا من طرق إغواء الشيطان للخلق؛ فقد قال الله عنه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩].

стр. 474

فإذًا من القول على الله- -بغير علم: أن تَصِفَه بما لم يَصف به نفسه. وهل هناك أَسْلَمُ من هذا المنهج في التعامل مع صفات الله ﷻ ؟! منهجٌ يقف مع النصِّ ولا يتجاوزه، فكلُّ ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ يُثبته، وكل ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ يَنفيه، وما لم يأت فيه نصٌّ بإثبات أو نفي-يَتوقف فيه، ويَنهى عن الخوض فيه إثباتًا أو نفيًّا. ثم انتقل الإمام ابن المَاجِشُون إلى الرد على مَنْ جحد رؤية الله تعالى في الآخرة، وبَيَّن أنَّ الشيطان لم يَزل يُملي له حتى جَحَد قولَ الرَّبِّ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقال: لا يراه أحدٌ يوم القيامة … إلى أن قال: «وإنَّما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحُجَّة الضَّالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مُؤمنين، وكان له جاحدًا». ولذلك نقول للذين يتبجحون ويزعمون أنهم يَرون الله في الدنيا-: أين أنتم من هذا الحديث الذي هو في «صحيح مسلم»، وفيه يقول النبيُّ ﷺ لأصحابه وهم خير هذه الأمة وأفضلها وأشرفها-: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» (١). فباب رؤية الله- -لا سبيل إليه في هذه الحياة الدنيا، ولم يتحقق حتى لكليم الله موسى ﵇؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وهذا من عقيدة أهل السنة؛ ولذا ينبغي أن نذكِّرهم بمثل هذه الأحاديث، وعلينا أن نُعَلِّمَ عوامَّ الناس أمثالَ هذه الأحاديث حتى لا تَروج أكاذيب الصوفية ودعاواهم عليهم. فهم يزعمون أنهم يرون الله ، وأن الحجاب يُكشف لهم، وهذا زعم باطل، قالوه لكي يروِّجوا أقاويلهم على العوام. ولذلك يزعم هؤلاء: أن أهل السنة يأخذون علمهم بواسطة، وأما هم-أي: المتصوفة-فيأخذون علمهم عن الله بدون واسطة! فإنهم لم يَبْقَ أمامهم بعد ذلك إلا أن يَدَّعوا النبوة، ولولا الخوف من أن تَطير رءوسهم لفعلوها، ولتبجحوا بذلك. فينبغي الحذر من ذلك، ويجب تذكير عامة الناس بهذه الأحاديث التي تَرُدُّ على هذه الدعاوى.

стр. 475

وهذه قضية خطيرة ينبغي للإنسان أن يتنبه لها؛ لأن الصوفية إنما تُروج أفكارها من طريق واحد إذا أُغلق سُدَّ عليهم الباب، وهو تقديس الأشخاص، فيجعلون لأنفسهم هالة ومهابة بدعاوى يزعمونها حتى يَعظم في نفوس الناس قَدْرُهم، فإذا عَظَّمُوهم وقَدَّسوهم عند ذلك يَقبلون منهم ما يقولون. فإذا قُطِع هذا الطريق على الصوفي، وعرف الناسُ قَدْرَه، استطاعوا أن يتبينوا حقيقة باطله. وكذلك المعطِّلة وأهل الفلسفة إنما تَروج أفكارهم بسبب غرسهم فكرة تقديس العقل وتقديمه. فعلى طالب العلم أن يهدم صنم تقديس الأشخاص عند الصوفية، حتى تزول هذه المنزلة لهم، وبعدها سيُمَيِّز الناس أقوالهم ويتبيونها ولن يقبلوها مُسَلَّمَةً. وهؤلاء الصوفية قد استعبدوا الناس، وسلبوا أموالهم وعقولهم، ومن قبل ذلك سلبوا دينهم، ومَن يَعِش قريبًا منهم-أو يقرأ عنهم-يرى مثل هذه الأوضاع، ويُوقن بخطرهم، ويتبين له ما هم عليه من دَجَل وباطل، ونشر للشرك والخرافة والبدعة، وتبديل لدين الله وإحداث فيه؛ فنسأل الله أن يُقَيِّض من طلبة العلم مَنْ يَكسر شوكة هؤلاء، وكذلك يُزيل ما عندهم من باطل قد رَوَّجوه على ضعفاء البَصيرة والعِلم. ثم نعى ابن الماجشون ﵀ حال الأمة في زمانه فقال: «فقد-والله-عَزَّ المسلمون» يعني: قَلَّ الَّذين هم على المُعتقد الصحيح؛ «الَّذين يَعرفون المعروف وبمعرفتهم يُعْرف، ويُنكرون المنكر وبإنكارهم يُنكر؛ يَسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما بَلغهم مثله عن نَبِيِّه». وإذا كان يقول هذا عن زمانه؛ فماذا نقول عن زماننا؛ فإلى الله المشتكى! ثم قال: «فما مَرِضَ مِنْ ذكر هذا وتَسميته قلبُ مُسلم، ولا تَكَلَّفَ صِفة قدره ولا تَسمية غيره من الربِّ مُؤمنٌ، وما ذكر عن الرسول ﷺ أنه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه». فلا شَكَّ أن قلب المؤمن الحيِّ المُستسلم لله ؛ لا يَستشكل ما أثبته الله لنفسه ولا ما أثبته له رسوله ﷺ ، ولا يَستريب فيه، ولا يستثقل وصف الله به، بخلاف هؤلاء الذين مَرضت قلوبهم من ذلك؛ فحملهم على تعطيل صفات الله . وكذلك لا يتكلف المؤمن أن يصف الله بصفة لم يَصف بها- نفسَه، ولم يصفه بها رسولُه ﷺ .

стр. 476

وقوله: «وما ذُكر عن رسول الله ﷺ أنَّه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سَمَّى وما وصف الربُّ تعالى من نفسه»، أي: ما جاء في السُنَّةِ الصَّحيحةِ مِثْلُ ما جاء في القرآن؛ لا نُفَرِّق بين القرآن والسنة في الإيمان والاستدلال؛ فالقرآن وحيٌ مَتْلُوٌّ، والسُّنَّة وحيٌ غيرُ مَتْلُوٍّ، ونحن متعبدون بالقرآن والسُّنَّة، مُؤمنون بهما ومصدقون بما جاء فيهما؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فهذه نصوصٌ واضحة لو أنَّ الإنسان نظر لها نظرة سليمة لاهتدى إلى الاعتقاد الصحيح بيقين وطمأنينة، ولكن كما قال الشاعر: وكمْ من عَائِبٍ قوْلًا صَحيحًا … وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقيمِ فالسبب في هذا: الأفهام السقيمة؛ لأن النصوص واضحة وثابتة. فالخلل هنا إمَّا أن يكون في النصوص، وإمَّا أن يكون في عقول هؤلاء! وحاشا أن يكون في النصوص خللٌ؛ إذ النصوص ثابتة؛ ففي القرآن-مثلًا-أخبر الله عن استوائه على عرشه، وفي السُّنَّة مثلًا: أخبر النبي ﷺ عن نزول الله تعالى إلى السماء الدُّنيا في الثلث الأخير من الليل كلَّ ليلة (١). وهكذا في سائر صفاته-جل وعلا-نجدها نصوصًا ثابتة صريحة صحيحة في الكتاب والسُنَّة، وقد امتلأت بها كتب الاعتقاد. لكن الخلل في أفهامٍ تنظر إلى هذه النصوص بنظرةٍ غير صحيحة وغير سليمة؛ إذ يَرُومون-تنزيه الله-بزعمهم-عن مُشابهة خلقه؛ فيقعون في تعطيلها. ثم قال ابن الماجشون ﵀: «والرَّاسخون في العلم-الواقفون حيث انتهى علمُهم، الواصفون لربِّهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها-لا يُنكرون صفة ما سَمَّى منها جحدًا، ولا يتكلَّفون وصفه بما لم يُسَمِّ تعمُّقًا». فأهل السُّنَّة والجماعة أصحاب المنهج الصحيح: يُثبتون ما أثبته الله لنفسه ولا يَجحدونه، وكذلك ما أَثبتوه لا يَخوضون في كيفيَّتِه؛ «لأنَّ الحقَّ تَرْكُ ما تَرَكَ، وتَسمية ما سَمَّى». فإذًا نسألُ اللهَ بما سأل به الإمام ابن الماجشون أن يَهب لنا- -حُكْمًا، وأن يُلحقنا بالصَّالحين. فهذا كلام أحد أئمة أهل السُّنَّة مِنْ قبل ابنِ تيمية بِقُرُونٍ، حتى لا يَقول قائل: هذا

стр. 477

قولُ ابن تيمية! وهذه عقيدة ابن تيمية! أو هذه عقيدة الوَهَّابية! أو غير ذلك من الألفاظ والألقاب التي يُطلقها هؤلاء زُورًا وبهتانًا. ثم قال المصنفُ ﵀: «هذا كله كلام ابن الماجشون الإمام فَتَدَبَّرْه، وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية مُوافقةً لغيره من الأئمة، وكيف أنكر على مَنْ نفى الصفات بأنه يَلزمهم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: إنَّه يَلزم أن يكون جِسْمًا أو عَرَضًا فيكون مُحْدَثًا». فهذا إمامٌ من أئمة السلف الصالح؛ انظر كيف يتكلم في هذه المسائل، هل عطَّل منها شيئًا؟! هل دعا إلى التَّعطيل؟! هل دعا إلى التَّشبيه؟! أو دعى إلى تفويض المعنى؟! أَلَم يَدْعُ إلى إثبات ما أثبته الله- -لنفسه، وما أثبته له رسولُه ﷺ ، وفي الوقت نفسه نهى عن الزيادة على ذلك وعن النقصان عنه، وعن التكَلُّف بإحداث صفةٍ لم تَرِد في الكتاب ولا في السُّنَّة الصحيحة. فهذه وصيته فالجهمية، فإذا قلنا: إن لله- -صفات. قالوا: يَلزم من ذلك أن يكون جسمًا، أو أن يكون عَرَضًا، ويلزم منه أن يكون ذا أجزاء، ويلزم منه أن يكون مُرَكَّبًا! وهذه لوازم المخلوق فيُقولون: إننا لو أثبتنا هذه الصفات للخالق، فيكون مشابهًا للمخلوق، وبالتالي عَطَّلُوها. وهي شُبهة ميِّتة وضعيفة لا تَروج-والله-إلا على إنسانٍ جاهل ما عنده أثارة من علم ولا له أدنى بَصيرة. فإن لله تعالى فيما وُصِف ما يَخُصُّه، وللمخلوق فيما يَتَّصف به ما يخصُّه، فلا تُعْطَى خصائص الخالق للمخلوق، ولا تُعطى خصائص المخلوق للخالق ؛ فكما نقول: لله حياةٌ تخصُّه وعلمٌ يخصُّه، فلنقل: له استواءٌ يخصُّه ونزولٌ يخصُّه. فنؤمن بما أخبر الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، فهل هناك أوضح وأَسْلَم مِنْ هذا المنهج؟! وهذا الذي يتفق مع النصوص؛ فلا تُنْكَر، ولا تُعَطَّل، ولا يُزاد فيها ولا يُنقص منها. وتلك عقيدة السلف الواضحة الجَلِيَّة؛ نسأل اللهَ أن يَختم لنا بها، وأَلَّا يَتوفانا إلَّا عليها.

стр. 478

(٩٦) "وفي كتاب [الفقه الأكبر] المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرنَّ أحدًا بذنب، ولا تنف أحداً به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تتبرأ من أحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ -ولا توالي أحدًا دون أحد، وأنت تردَّ أمر عثمانٍ وعليٍّ إلى الله ". قال الإمامُ أبو حنيفة-﵀-في كتاب «الفقه الأكبر»: «ولا تُكَفِّرَنَّ أحدًا بذنبٍ»، والمقصود هنا: تكفير مُرتكب الكبيرة، وكما هو معلوم؛ فإن الخوارج قالوا: إنَّ مرتكب الكبيرة يُعَدُّ خارجًا من الإيمان؛ فكفروا مرتكب الكبيرة. وهكذا فعلتِ المعتزلةُ؛ على اختلافٍ بينهم في حكم مُرتكب الكبيرة في الدنيا؛ فإن المعتزلة قالوا: إنَّه في منزلة بين منزلتين، واتفقوا مع الخوارج في الحُكم عليه في الآخرة بأنه مُخَلَّدٌ في النار. ومسألة التَّكفير مسألةٌ عظيمة وخطيرة، وقد حصل فيها زَلَلٌ في القديم وفي الحديث، ونحن في هذا العصر نلمس شيئًا من هذا الزَّلل بسبب أنَّ كثيرًا من الناس لا يَفهم هذه المسألة على ما هي عليه، وعلى الوجه الحقِّ الذي هي فيه. ولذلك، فإنَّ بعضَ طلبة العلم المُبتدئين-للأسف الشديد-لا يَفهمون هذه المسألة فهمًا صحيحًا، ولا يَرجعون فيها إلى مُعتقد أهل السُّنَّة والجماعة، ولذلك لا بد أن نتوقف وقفة عند هذه المسألة؛ (مسألة التكفير)، أو ما يُسَمَّى: (الكفر المُطلق والكفر المُعَيَّن). ولا بد أن يَعلم طالبُ العِلم أن عند أهل السُّنَّة والجماعة في هذا الباب أمرين: - الأمر الأول: أن يعلم ما هي المسائل التي تُوجب الكفر؟ وما هو الكفر؟ وهذا ما يُسمى ب (الكفر المُطْلَق)، أي: متى يكون حكم القول أو الفعل أو الاعتقاد كفر، وهذا أمرٌ مهم.

стр. 479

- الأمر الثاني: متى يكون القائل أو الفاعل أو المعتقد لهذا الأمر كافرًا؟ وهذا ما يُسمى بمسألة: (تكفير المُعَيَّن). فلا بُدَّ لطالب العلم أن يفهم هذين الأمرين: ما هو الكفر؟ ومتى يكون الإنسان كافرًا؟ فالإيمان ضده الكفر، والإيمان-كما هو معلوم-شُعَبٌ، وشعب الإيمان نُسَمِّيها: الطاعات، فالإيمان أصلٌ وله شُعَبٌ؛ فأصل الإيمان في القلب، والقلب عليه واجبان؛ هما: واجب العلم والمعرفة، وهذا الذي يُسَمِّيه أهل السُّنَّة: التصديق. وواجب الانقياد والطاعة، وهذا الذي يُسَمُّونه: العمل؛ لذلك يُعَبِّرون عن الإيمان؛ بقولهم: الإيمان قول وعمل؛ فالمقصود بذلك: قول القلب: الذي هو التصديق، الذي هو العِلم والمعرفة. وعمل القلب: الذي هو الانقياد والطاعة. والإنسان لا يَصير مؤمنًا إلا بهذين الأمرين: الأمر الأول: أن يكون على علمٍ ومعرفة. الأمر الثاني: وعلى انقيادٍ وطاعة؛ فلو اختل التصديق لا يبقى الإيمان، وكذا الأمر إذا اختل الانقياد؛ لأنَّ التصديق وحده لا يَكفي؛ فإبليس-عليه لعنة الله-كان يَعلم مَنْ يخاطب؟ وعلى من اعترضَ؟ ويهود المدينة كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ وقد قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠]، لكن لم ينفعهم هذا العِلم ولم تنفعهم تلك المعرفة، كما لم ينفع إبليس علمه بمن يخاطب وعلى مَنْ اعترض، وكذلك فرعون وقومه لم ينفعهم علمُهم بأن الآيات التي جاءتهم هي حقٌّ من عند الله؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣، ١٤]؛ لأن هؤلاء جميعًا لم يضيفوا إلى العلم الإذعان والانقياد والقبول لما علموا صدقه. وقد سُئل سفيان بن عيينة ﵀ عن الإرجاء؛ فقال: «يقولون: الإيمان قول. ونحن نقول: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لِمَنْ شهد أن لا إله إلا الله مُصِرًّا بقلبه على ترك الفرائض، وسَمُّوا تركَ الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المَحارم، وليس بسواءٍ؛ لأن ركوبَ المحارم من غير استحلال مَعصية، وترك الفرائض متعمدًا

стр. 480

من غير جهل ولا عُذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود؛ أمَّا آدم فنهاه الله عن أكلِ الشَّجرة وحَرَّمها عليه؛ فأكل منها متعمدًا؛ ليكون مَلَكًا أو يكون من الخالدين؛ فسُمِّي عاصيًا مِنْ غير كفر، وأمَّا إبليسُ- لعنه الله- فإنَّه فُرض عليه سجدةٌ واحدةٌ؛ فجَحَدها مُتعمدًا فَسُمِّي كافرًا. وأمَّا علماء اليهود فَعَرَفوا نعتَ النبي ﷺ ، وأنه نبيٌّ رسولٌ، كما يعرفون أبناءهم، وأَقَرُّوا به باللسان ولم يَتَّبعوا شريعة؛ فَسَمَّاهم الله كُفَّارًا؛ فركوب المحارم مِثلُ ذَنْب آدم ﵇ وغيرِه من الأنبياء، وأمَّا تركُ الفرائض جُحودًا فهو كفرٌ؛ مِثل كفر إبليس لعنه الله، وتَركهم على معرفة من غير جُحود فهو كفر؛ مِثل كفر علماء اليهود، والله أعلم» (١). وقال الأوزاعي ﵀: «لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يَستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية مُوافقة للسنة. وكان مَنْ مضى مِنْ سلفنا لا يُفَرِّقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنَّما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل؛ فمَن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله؛ فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومَن قال بلسانه ولم يَعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله؛ لم يُقبل منه وكان في الآخرة من الخاسرين» (٢). ونقله عنه المصنفُ في «مجموع الفتاوى»، وعَلَّق عليه بقوله: «وهذا معروفٌ عن غير واحد من السَّلَف والخلف: أنَّهم يجعلون العمل مصدقًا للقول» (٣). فإذًا القلب عليه واجبان: الواجب الأول: واجب التصديق، أو ما نُسَمِّيه: واجب العلم والمعرفة، الواجب الثاني: واجب الانقياد والطاعة، فإذا اختلَّ أحد الأمرين زال الإيمان؛ فهذا أصل الإيمان. وأمَّا أصل الكفر فهو التكذيب والجحود؛ لأن التكذيب يقابل التصديق، والجحود يقابل الانقياد.

стр. 481

فلا يصير العبد مؤمنًا إلا بإيمان وانقياد؛ لذلك من عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: أن الإيمان قولٌ وعمل، فإذا زال أحدُ الأمرين زال الإيمان، والإيمان كما-تقَدَّم-شُعَبٌ، وهذه الشعب نُسَمِّيها: طاعات. ومِن شعب الإيمان ما لو زَالَ زَالَ الإيمانُ، ومِن شُعب الإيمان ما لو زال لم يَزل الإيمان، وشُعَب الإيمان متفاوتة في الرُّتبة؛ فهناك الأفضل وهناك الأدنى؛ كما قال النبيُّ ﷺ : «الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ-أَوْ بِضْعٌ وسِتُّون-شُعبة؛ فأفضلُها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمانِ» (١)، فلو زالت لا إله إلا الله فلا يبقى إيمان، لكن لو زالت إماطة الأذى عن الطريق لم يَزل الإيمان. ولذلك في المقابل: الكُفْرُ-أيضًا-شُعُبٌ؛ ونسميها: معاصي؛ فالكفر معصية، والشرك معصية، والنفاق معصية، كما أنَّ الصلاة إيمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله ﷺ : «الطَّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» (٢). فمعنى الإيمان هنا في الآية والحديث: الصلاة، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: أي: صلاتكم؛ لأنها نزلت بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؛ عندما سأل الصحابةُ عن شأنِ صلاتهم السابقة إلى بيتِ المقدس، وكذلك معنى الحديث: «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»، أي: الوضوء نصف الصلاة. فتُسمى شُعَب الإيمان-التي هي الطاعات-إيمانًا، كما تسمى شُعَب الكفر-التي هي المعاصي-كفرًا؛ لذلك جاء في هذه الأحاديث: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٣)، «اثْنَتَان في النَّاسِ هُمَا بهم كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» (٤)، «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ »،

стр. 482

«مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » (١)، وهكذا. فإذًا شُعَبُ الكفر نُسَمِّيها معاصي، ولذلك مِنْ شعب الكفر ما لو وُجد زال الإيمان، ومِن شعب الكفر ما لو وُجد لم يَزل الإيمان، وعلى هذا يُفهم أنَّ الكفر كفران: كفرٌ يُخرج من المِلَّة، وكفرٌ لا يُخرج من الملة، فإذا كان تلك المعصية تُوجب الخلل في التصديق أو في الانقياد، فعند ذلك تُسَمَّى كفرًا أكبر. لذلك مِنْ أصح ما يكون في تعريف الكفر، أن نقول: هو الجحود، فإمَّا جحود الوحدانية، أو جحود النبوة، أو جحود الشريعة، فإذا اختلَّ هذان الأصلان، أي: أصل التصديق وأصل الانقياد، فهذا الذي يُسَمَّى الكفر، لكن إذا لم يختل هذان الأصلان فعند ذلك لا يَقع الكفر المخرج من الملة. لذلك نقول في تعريف الكفر الأصغر: هو كل معصيةٍ أَطلق عليها الشارعُ اسمَ الكفر، مع بقاء اسم الإيمان على صاحبها؛ كقتال المسلم الذي جاء في حديث النبي ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٢). فالقتل-وقد أُطلق عليه اسم الكفر-لا يُوجب الخروج عن الإيمان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإذًا لم تَزل أخوةُ الإيمان باقيةً لهم. فعند أهل السنة-كما قلنا-: شُعَبُ الإيمان تتفاوت، ولذلك فإن الوقوع في بعض المعاصي واختلال بعض الطاعات قد لا يُوجب الخروج من الإيمان. ولِكَيْ تَفْقَهَ مسألة الكفر جيدًا عليك أن تتصور مواقف الفِرَق المختلفة من الإيمان: فالخوراج والمعتزلة يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، ولكن يرون أن الإيمان شيءٌ واحد؛ إذا زال بعضه زال كله. وفي المقابل المرجئة يقولون: الإيمان هو المعرفة، وما دام العلم موجودًا فإن ذلك لا يُوجب زوال الكفر ولو وقع الإنسان فيما يخالف ذلك من العمل، وهو قول الجهمية وقول الأشاعرة.

стр. 483

ولذلك عرَّفَ الأشاعرة الكفر فقالوا: «الكفر هو التكذيب»؛ فحصروا الكفر في التكذيب، كما حصروا الإيمان في التصديق؛ فمقابل التصديق: التكذيب. وهذا هو قول الأشاعرة. ولذلك الناس مختلفون في مسألة الكفر؛ فهناك مَنْ يقول: لا نُكَفِّر أحدًا من أهل القبلة. وهناك مَنْ يكفِّر بأدنى بدعة. وأمَّا أهل السُّنَّة فيقولون: إن الأمر يختلف باختلاف البدع؛ فمن البدع ما هي مُضَلِّلة، ومنها ما هي مُكَفِّرة. فمثلًا لو أنَّ إنسانًا أقامَ مَوْلِدًا؛ فلا نقول: إنه يكفر بهذا. ولكن لو أن إنسانًا فعل أمرًا يناقض أصل الإيمان؛ فإننا نقول: إن هذا القول-أو هذا الفعل-كُفْرٌ، كما نقول مثلًا: إن نفي الصفات وتعطيلها كفرٌ. فينبغي لطالب العلم أن يتصور ما الإيمان؟ وما الكفر؟ ثم بعد ذلك يَعرف لماذا ينقسم الكفر إلى قسمين: كفر أكبر مخرج من الملة. وكفر أصغر لا يُخرج من الملة، وهو الذي نُسَمِّيه كفرًا دون كفر، أو كفرًا لا يُخرج من الملة. فهذه مسألة واسعة، وينبغي على طالب العلم أن يعرف ما الكفر؟ وما أقسامه؟ وما الشرك؟ وما أقسامه؟ وكذلك ما النفاق؟ وما أقسامه؟ وكذلك ما الردة؟ وما أقسامها؟ فهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن يتصورها تصورًا واضحًا، حتى يعرف ما هو الإيمان؟ لأن الناس لما اختلفوا في مسألة الإيمان تَفَرَّع عن هذا الاختلاف اختلافٌ في مسألة الكفر. فذلك الذي قال بِكُفْر مُرتكب الكبيرة، إنما وقع في هذا الزَّلل؛ لكونه يرى أن الإيمان شيءٌ واحدٌ إذا ذهب بعضُه ذهب كله. وكثير من الناس لا يستطيع أن يتصور ما النفاق؟ وأنه نوعان. فأصل النفاق: اختلاف الظاهر عن الباطن، ولذلك تارةً يكون أكبر، وتارةً يكون أصغر. فيكون أصغر إذا اختلف السر والعلانية في الواجبات، ولذلك جاء في الحديث: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»، وفي رواية: «وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (١).

стр. 484

فمثلًا: لو أن إنسانًا أعطى موعدًا لآخر وهو ينوي في قرارة نفسه أنه لن يحضر في ذلك الموعد. فهذا نسميه نفاقًا أصغر؛ لأن السرَّ خالف العلانية في الواجبات، وليس في أصل الاعتقاد. أما إذا اختلف السرُّ والعلانية في أصل الاعتقاد فهذا نسميه: كفرًا أكبر، ومعناه: أن الإنسان يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر. وهكذا؛ فالشرك شركان: شركٌ أكبر، وشركٌ أصغر. والشرك الأصغر لا يكون إلا في نوعٍ واحد من أنواع التوحيد، وهو توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة فقط هو الذي فيه أكبر وأصغر. أمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات. هذان ما فيهما أكبر وأصغر، فينبغي كذلك أن يتصور ما هو الشرك الأكبر؟ وما هو الشرك الأصغر؟ فعلى طالب العلم أن يعلم أن كلام أهل العلم في الشرك الأصغر إنما يقصدون به: الشرك في العبادات وتوحيد الألوهية، ويقولون في تعريفه: كل وسيلةٍ تؤدي إلى الشرك الأكبر ولم تبلغ رُتبة العبادة؛ لأنها متى ما بلغت رتبة العبادة فإن ذلك يَنقلها إلى الشرك الأكبر في توحيد العبادة. أمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات، فليس فيهما أكبر وأصغر، إذ كله أكبر. لذلك يقول الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «الشِّرك شِركان: شرك يتعلق بذات المَعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. وشِرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه-سبحانه-لا شريكَ له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. والشِّرك الأول نوعان: أحدهما: شرك التَّعطيل: وهو أقبحُ أنواع الشرك؛ كشرك فرعون إذ قال: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣]. وقال-تعالى-مُخبرًا عنه أنه قال لهامان: ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]،

стр. 485

فالشرك والتعطيل متلازمان: فكل مُشرك مُعَطِّل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل يكون المشركُ مقرًّا بالخالق-سبحانه-وصفاته، ولكنه مُعطل حق التوحيد. وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. القسم الثاني: تعطيل الصانع-سبحانه-عن كماله المقدس؛ بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله. القسم الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومِن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثَمَّ خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان، بل الحق المُنَزَّه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقِدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يَزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مُستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، ويسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك مَنْ عَطَّل أسماء الرب-تعالى-وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. النوع الثاني: شِرك مَنْ جعل معه إلهًا آخر، ولم يُعَطِّل أسماءه وصفاته وربوبيته؛ كشرك النَّصارى الذين جعلوه ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا. ومِن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشَّرِّ إلى الظلمة. ومِن هذا شرك القدرية القائلين بأنَّ الحيوان هو الذي يَخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس. ومِن هذا شرك الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه؛ ﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فهذا جعل نفسه ندًّا لله؛ يُحيي ويميت بزعمه، كما يُحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طَرْدَ قولِك: أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا، كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًّا. ومِن هذا شرك كثير ممن يُشرك بالكواكب العُلويات، ويجعلها أربابًا مُدبرة لأمر

стр. 486

هذا العالم، كما هو مذهب مُشركي الصابئة وغيرهم. ومِن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم. ومِن هؤلاء مَنْ يزعم أنَّ معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم مَنْ يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خَصَّه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يُقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى مَنْ هو فوقه، حتى تُقربه تلك الآلهة إلى الله ، فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل. وأمَّا الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرًا، فإنه يُصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظِّ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله مِنْ عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحَظِّه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان في «صحيحه»: «الشِّركُ في هذه الأمة أَخفى مِنْ دَبِيب النمل». قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل: «اللهم إني أعوذ بك أن أشركُ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (١). فالرياء كله شرك؛ قال تعالى: ﴿قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. أي: كما أنَّه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفَرَّد بالإلهية يجب أن يُفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالي من الرِّياء المقيد بالسُّنَّة. وكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا». وهذا الشرك في العبادة يُبطل ثواب العمل، وقد يُعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه يُنَزِّله منزلة مَنْ لم يعمله، فيُعاقب على ترك الأمر، فإن الله-سبحانه-إنما أمر بعبادته عبادة خالصة؛ قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين

стр. 487

حنفاء﴾ [البينة: ٥]. فمن لم يُخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يُقبل منه، ويقول الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمَن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريءٌ» (١). وهذا الشركُ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر، والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور؛ فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقًا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يَغفره الله، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]. ومعلوم أنهم ما سَوُّوهم به-سبحانه-في الخلق والرِّزق والإماتة والإحياء والمُلك والقدرة، وإنما سوُّوهم به في الحبِّ والتأله والخضوع لهم والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم؛ فكيف يُسَوَّى الترابُ بربِّ الأرباب، وكيف يُسَوَّى العبيد بمالك الرِّقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات، الذي ليس له مِنْ ذاته إلا العدم؛ بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غِناه وقدرته وملكه وجُوده وإحسانه وعِلمه ورحمته وكماله المطلق التام مِنْ لوازم ذاته؟! فأيُّ ظلم أقبح مِنْ هذا؟ وأيُّ حكم أشد جَوْرًا منه؟ حيث عَدَل مَنْ لا عِدْلَ له بخلقه، كما قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور * ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١]. فعدل المشركُ مَنْ خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، بِمَنْ لا يَملك لنفسه ولا لغيره مِثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ فيَا لَكَ مِنْ عَدْل تَضَمَّن أكبرَ الظُّلْم وأقبحَه» (٢). وخلاصة القول: فالشرك في أصل تقسيمه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود، أي: ما يتعلق بأفعاله وأسمائه وصفاته.

стр. 488

القسم الثاني: شرك يتعلق بعبادته . ثم الشرك الذي يتعلق بذات الخالق- -نوعان: النوع الأول: شرك تعطيل. النوع الثاني: شرك تمثيل. ففي توحيد الربوبية شركان، وفي توحيد الأسماء والصفات-كذلك-شركان. فلذلك ضدُّ التوحيد: الشرك، والشرك-كما قلنا-: شركٌ في الربوبية وشرك في الأسماء والصفات وشرك في الألوهية. أما الذي في الربوبية وفي الأسماء والصفات، فهو ينقسم إلى قسمين: شرك في التمثيل، وشرك في التعطيل. فالربوبية-مثلًا-الشرك فيها شركان: الأول: شرك تعطيل: وتعريفه هو: ١ - أن يَجحد الخالق وهو أن ينكر جميع أفعال الخالق، وهذا الذي نسمِّيه: الملحد. ٢ - أو أن يُعَطِّل أفعاله إمَّا تعطيلًا كليًّا، وإمَّا تعطيلًا جزئيًّا، فهناك مَنْ يعطِّل بعض أفعال الخالق؛ كالذي يُنكر قدرة الله تعالى في فِعل العبد، فقدرة الله فِعْلٌ من أفعاله، فإذا أنكره يكون بذلك معطِّلًا لهذا الفعل من أفعاله؛ لذلك فالتعطيل إمَّا أن يكون تعطيلًا كليًّا، وإمَّا أن يكون تعطيلًا جزئيًا. الثاني: شرك التمثيل. وتعريفه هو: أن يَصرف فعلًا من أفعال الله تعالى لغير الله، مع جعل هذا الفعل لله تعالى؛ كالذي يعتقد أن الله يرزق وصاحب القبر يرزق، أو أن لله قدرة وأنَّ للكواكب قدرة؛ فهذا نسميه شِركًا في الربوبية. فمثلًا الذين يعتقدون أن للنجوم وللكواكب تأثيرًا في مجريات الأحداث بالكون، فإن هؤلاء أشركوا شركَ تمثيلٍ في الربوبية؛ لأنهم جعلوا مع الله مُماثلًا في هذا الفعل؛ فاعتقدوا أن الله يؤثر في الكون وأن الكواكب تؤثر كذلك. وكالذي يقع فيه بعضُ عُبَّادِ القبور الذين يعتقدون أن صاحب القبر يستطيع أن ينفع وأن يَضر بنفسه، وأنه يرزق بنفسه، وأنه يأتي بالولد بنفسه، وهكذا، فهذا نسميه

стр. 489

شركَ التمثيل. والشاهد: أنَّ هذا بابٌ واسعٌ، وهو ما نُسَمِّيه: الكفر المطلق، وعلى طالب العلم أن يتصور المسائل التي تُوجب الكفر؛ لأن التكفير حقٌّ لله ولرسوله ﷺ ، فلذلك لا يمكن أن نحكم على المسائل بأنها كفرٌ أكبر أو كفرٌ أصغر، إلا بعد أن نعرف النصوص التي وردت في هذا، ونُفَرِّق بين ما هو أكبر وبين ما هو أصغر، وبين ما ينافي أصل الإيمان وبين ما ينافي كمال الإيمان، حتى لا نَقع في الخَلَل الذي وقع فيه المُرجئة والذي وقع فيه الخوارج والمعتزلة، وتفرع عنه حكمهم على مرتكب الكبيرة. والأصل في هذا كله: أن يَعرف الإنسان ما هو معتقد السلف في الإيمان. وأردنا بهذا أن نُلقي بعض الضوء على هذه المسألة التي ينبغي على طالب العلم أن يفهمها فهمًا صحيحًا سليمًا، حتى يستطيع أن يُفَرِّق بين الحق والباطل في هذا الباب؛ فلا يميل إلى رأي المرجئة ولا يميل إلى رأي الخوارج والمعتزلة، بل يكون وسطًا، كما كان عليه أهل السُّنَّة والجماعة. ولن يكون كذلك حتى يعلم مُعتقد أهل السُّنَّة والجماعة، ويعلم ما هو الإيمان؟ وما هو الكفر؟ وما هي أقسامه؟ وما هي شُعَبُه؟ مسألة تكفير المعين: وننتقل إلى مسألة مهمة-وهي تكفير المعين-التي أثار سوء الفهم لها كثيرًا من الجدال، بل واستحلال الدماء. فنظرًا لاختلاف الناس في مُسمى الإيمان ترتب عليه اختلافهم في مسمَّى الكفر، ونتج عن ذلك-أيضًا-اختلافهم في تكفير المعين. فالناس في هذه المسألة ثلاثة أصناف: - صنف لا يُكَفِّرون أحدًا من أهل القبلة. - وصنف يُكَفِّرون كل مبتدع، بل يكفرون حتى أصحاب الكبائر. - وأهل السُّنَّة والجماعة الذين هم وسط بين الصنفين السابقين. ونحن في زمنٍ قد كثر فيه اللغط والغلط حول هذه المسألة، وعدم فهمها على مذهب السلف، ولذلك نتج عن ذلك خروج جماعات التكفير، ونسمع منهم وممن اغترُّوا بهم الشيء العظيم الذي بسببه كفَّروا الناس وخرجوا عليهم؛ حتى استحلوا دماءهم، وغير ذلك من أمور بسبب الخطأ في فهم هذه المسألة.

стр. 490

ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يتصوَّر هذه المسألة، وأن يعرفها ويفهمها فهمًا صحيحًا سليمًا حتى لا يُخطئ فيها؛ فيقع فيما وقع فيه أولئك من خطأٍ وزَلَل. فلا بُدَّ أن نعلم أولًا: أنه لا يلزم من كون الفعل كفرًا أكبر-مثلًا-أن يكون فاعله كافرًا إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع عند أهل السُّنَّة، والشروط أربعة والموانع-كذلك-أربعة. فلا بُدَّ للحكم بكفر معين أن نعلم أنه لا بُدَّ من اجتماع هذه الشروط الأربعة، وانتفاء ما يُقابلها، وهي: الشرط الأول: العقل. الشرط الثاني: البلوغ. فلا بُدَّ أن يكون هذا القائل-أو هذا الفاعل، أو هذا المعتقد-عاقلًا بالغًا، بمعنى: أن الإنسان لو كان دون سِنِّ البلوغ أو كان مَجنونًا، فإنه بَذلك يَسقط عنه التكليف، ويكون هذا مانعًا من تكفيره ولو أَتَى بِمُكَفِّر؛ فالشرط: العقل والبلوغ، ويقابله الجنون والصِّغر. فعن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِع القَلمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبي حتَّى يحتلِمَ، وعن المجنونِ حتَّى يَعقِلَ» (١). فمثلًا لو أن صبيًّا دون سِنِّ البلوغ عبث بأوراق المصحف وأهانه، فإنه لا يَكفر بذلك، وكذلك المجنون؛ لأنهما غير مُكَلَّفَيْن. الشرط الثالث: العِلم، ومقابله: الجهل؛ ومن الدليل عليه: قصة الرجل الذي أوصى بَنِيه بإحراقه، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «كان رجلٌ يُسرف على نفسه، فلما حَضَرَه الموتُ قال لِبَنيه: إذا أنا مُتُّ فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذَرُّوني في الريح، فوالله لَإِن قَدر عليَّ ربي ليُعَذِّبَنِّي عذابًا ما عَذَّبه أحدًا، فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيكِ منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتُك، فَغَفَرَ له» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذا الرجلُ ظَنَّ أن الله لا يَقدر عليه إذا تفرَّق

стр. 491

هذا التفرُّق؛ فظَنَّ أنه لا يُعيده إذا صار كذلك، وكل واحد: مِنْ إنكاره لقدرة الله، وإنكاره مَعاد الأبدان وإن تَفَرَّقَتْ؛ كُفْر، لكنه كان مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًّا في هذا الظَّنِّ مُخطئًا، فَغَفَر اللهُ له ذلك. والحديث صريحٌ في أنَّ الرجل طَمِع أن لا يُعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكًّا في المعاد وذلك كفر؛ إذا قامت حُجَّة النبوة على مُنكره حُكم بكفره» (١). الشرط الرابع: قَصْد الفعل أو القول أو الاعتقاد المُكَفِّر؛ فمَن قصد الفعل المكفِّر-وإن لم يَعلم أنه كُفْر-وعلم بأنه منهي عنه، فقد توافر فيه شرط القصد، ثم إذا ظهر أنه جاهل يُعَلَّم، فإن أصرَّ كَفَرَ بهذا. والإكراه منافي للقصد، فإذا أُكره على الكفر؛ فنَطق بالكفر أو فعل مُكَفِّرًا-وكان قلبه مُطمئنًا بالإيمان-لم يُحكم بكفره؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. والقَصْد مقابله: الخطأ؛ فالخطأ مانع من موانع التكفير؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وعند مسلم: «أنَّ الله قال: «قَدْ فَعَلْتُ» (٢)، وقال ﷺ : «إنَّ اللهَ وَضَعَ عن أُمَّتي الخطأَ والنِّسيان وما اسْتُكرهوا عليه» (٣). فالواجب الحذر من إطلاق الكفر على إنسان معين أو طائفة معينة حتى يُعلم تحقق شروط التكفير في حقها وانتفاء موانعه.

стр. 492

(٩٧) قال «أبو حنيفة»: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير من أن يجمع العلم الكثير. اه. قال أبو مُطيع: «قلت: أخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تَعَلُّم الرجل الإيمان، والشرائع، والسُّنَن، والحدود، واختلاف الأئمة، وذَكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القَدَر، والرد على القدرية بكلام حَسَنٍ ليس هذا موضعه. ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فيَتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة: هل تَرى ذلك؟ قال: لا. قلت: وَلِمَ؟ وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال: كذلك، ولكن ما يُفسدون أكثر مما يُصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام. قال: وذكر الكلام في قتال الخوارج والبُغاة، إلى أن قال: قال أبو حنيفة عَمَّن قال: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات. قلت: فإن قال: إنَّه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل. وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولكن لا يدري؛ العرش في الأرض أو في السماء! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر» (١). ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كَفَّر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربِّي في السماء أم في الأرض! فكيف يكون الجاحد النَّافي الذي يقول: ليس في السماء أو ليس في الأرض ولا في السماء؟ واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: وعرشه فوق سبع سماوات. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 493

وبَيَّنَ بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ يُبين أن الله فوق السماوات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دلَّ على أن الله نفسه فوق العرش، ثم أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: لأنَّه أنكر أنه في السماء؛ لأن الله في أعلى عليين، وأنه يُدعَى من أعلى لا من أسفل، وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء. واحتج على ذلك بأن الله تعالى في أعلى عِلِّيين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحُجَّتين فِطرية عقلية؛ فإن القلوب مَفطورة على الإقرار بأنَّ الله في العلو، وعلى أنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. وروى هذا اللفظ عنه بالإسناد شيخُ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهَرَوي بإسناده في كتاب «الفاروق» (١). قال المصنف ﵀: قال أبو حنيفة: «الفقه الأكبر في الدين خيرٌ من الفقه في العلم، ولأن يَفقه الرجل كيف يعبد ربَّه خير من أن يَجمع العلم الكثير». لا شَكَّ أن الإنسان إذ تفقه في أصول دينه، وفي معرفة كيفية عبادة ربه فإنه سيعبده على يَقين وعلى بصيرة من أمره، وهذا خير من أن يجمع مسائل الفروع ويكون جاهلا بمسائل الأصول. قال المصنف ﵀: «قال أبو مُطيع: «قلت: أخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تَعَلُّم الرجل الإيمان، والشرائع، والسُّنَن، والحدود، واختلاف الأئمة، وذَكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القَدَر، والرد على القدرية بكلام حَسَنٍ ليس هذا موضعه. ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فيَتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة: هل تَرى ذلك؟ قال: لا. قلت: وَلِمَ؟ وقد أمر الله ورسوله

стр. 494

بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال: كذلك، ولكن ما يُفسدون أكثر مما يُصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام». فهنا سأل أبو مُطيع الإمام أبا حنيفة ﵀ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن طائفة من الناس، يُلِمِّح إلى كل من الخوارج والمعتزلة، الذين يَرَوْن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون ضوابط شرعية، مما أدى إلى لازم ذلك من الخروج على جماعة المسلمين بالسيف والقتال. ولا شَكَّ أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الإسلام، وشريعة من شرائعه، لكن لا بد أن تؤدى بالوسائل الشرعية، فيجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهي عن المنكر، لكن لا يخرج على جماعة المسلمين بحجة أنه يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر؛ لأنه إذا خرج عليهم بالسلاح كان إفساده أكثر من إصلاحه؛ ويترتب على خروجه من المنكر أعظم مما هم موجود وقائم. وهناك شواهد عبر التاريخ مما صنع الخوارج والمعتزلة الذين خرجوا بالقوة على جماعة المسلمين بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأفسدوا أكثر مما أصلحوا، والقاعدة الأصولية العامة تقول: إن درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح؛ فإذا كان هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيجلب مَفسدة، أو سيترتب عليه مفسدة أعظم من المفسدة القائمة؛ فتركه أَوْلَى، وكذلك لا يُزال المنكر بمُنكر أشد منه؛ قال الإمامُ ابن القيم ﵀: «فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يَزول ويخلفه ضده. الثانية: أن يَقِلَّ وإن لم يَزل بجُملته. الثالثة: أن يَخلفه ما هو مثله. الرابعة: أن يَخلفه ما هو شَرٌّ منه. فالدرجتان الأُولَيَان مَشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. فإذا رأيت أهلَ الفجور والفسوق يَلعبون بالشِّطْرَنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله؛ كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك. وإذا رأيت الفُسَّاق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاء وتصدية، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلَّا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تُفَرِّغَهم

стр. 495

لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المُجون ونحوها وخِفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسِّحْر؛ فَدَعْهُ وكتبه الأولى، وهذا بابٌ واسعٌ. وسمعت شيخَ الإسلام ابن تيمية-قَدَّس الله روحه ونور ضريحه-يقول: مَررت أنا وبعض أصحابي في زمن التَّتار بقومٍ منهم يشربون الخمر؛ فأنكر عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلتُ له: إنَّما حَرَّم الله الخمر؛ لأنَّها تَصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يَصدهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرية وأخذ الأموال؛ فَدَعْهُم» (١). قال المصنف ﵀: «قال-أي: أبو مطيع-وذكر-أي: أبو حنيفة-الكلام في قتال الخوارج والبُغاة، إلى أن قال: قال أبو حنيفة عَمَّن قال: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات. قلت: فإن قال: إنَّه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل. وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولكن لا يدري؛ العرش في الأرض أو في السماء! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر». لا زال المؤلف يذكر كلام الإمام أبي حنيفة، كما رواه أبو مطيع البلخي ﵀، ففي هذا الكلام نرى أن الإمام أبا حنيفة كَفَّر مَنْ أنكر صفة العلو لله ، والكلام في هذا صريح لا يحتمل التأويل، بل إنه ﵀ كَفَّر مَنْ تَوَقَّف في هذه المسألة، فقال: لا أدري اللهُ في السماء أم في الأرض! لكن ينبغي التنبه هنا إلى أن كلام الأئمة في تكفير مَنْ خالف في بعض هذه المسائل هو من باب التكفير المُطلق، وليس من باب تكفير المُعَيَّن. فالتكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، مثل أن يتوعد الله بالنار مَنْ يأكلون أموال اليتامى ظلمًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، فلا يجوز أن نحكم على من
следующие страницы →