وأما ما استدل به هؤلاء من أبيات، كقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق
وقول آخر:
هما استويا بفضلهما جميعاً … على عرش الملوك بغير زور
فهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروهما.
قال ابن فارس: "هذان البيتان لا يعرف قائلهما" (١).
فهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة.
قال أبو عمر بن عبد البر: "وأما ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه أحد ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد" (٢).
وأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس ﵄ فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس ورواته مجهولون وضعفاء كما تقدم ذكره.
القول الثاني:
أن معنى استوى: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، أي عمد إلى خلق السماء.
стр. 527
وهذا هو قول بعض الجهمية (١)، وإليه ذهب الفراء، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي (٢).
الرد عليهم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض.
وكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران عن النبي ﷺ أنه قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء … " فإذا كان العرش مخلوقاً قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟!
هذا لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا، بمعنى أنه عمد إلى فعله، فكيف إذا كان لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازاً ولا في نظم ولا في نثر.
ومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضاً ولا هو قول أحد من مفسري السلف بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك" (٣).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجيب من جهله، بل من إقدامه على حكاية الإجماع على ما لم يقله مسلم" (٤).
القول الثالث:
أن استوى بمعنى علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، وإنما المراد علو المكانة والقهر، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكر بن فورك (٥)، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل.
стр. 528
الرد عليهم:
أن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعالياً على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة (١).
القول الرابع:
وهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش وليس صفة لله تعالى.
وأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قرباً فيصير مستوياً عليه من غير أن يقوم به-أي بالله-فعل اختياري.
وهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري (٢)، وأئمة أصحابه المتقدمين كالباقلاني وغيره، وهو أيضاً قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن عقيل في كثير من أقواله (٣).
والسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله تعالى هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته -كالنزول والاستواء-كأفعاله المتعدية-كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله.
وهم يقولون: "إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضاً، إذ هي قديمة أزلية" (٤).
وحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله تعالى أنهم يقولون: "إن كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثاً، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة
стр. 529
الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة.
وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الباري بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر غير جائز" (١).
الرد عليهم:
لقد اعتمد أصحاب هذا القول في منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى على حجة منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وهي حجة واهية وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنه في الأزل لا يكون خلواً عما يمكن الاتصاف به في الأزل.
ثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذاً فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع.
وقولهم بإجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعاً فإن أهل الكلام يقولون إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفاً.
ثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلاماً وفعلاً، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور ولا مراد أو يكون بائناً عنه، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.
وكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين أو مطلقاً أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقصي بأن الأول أكمل، فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به والتي يفعل بها المفعولات
стр. 530
المباينة له صفات كمال" (١).
وكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: "إنه لو كان الاستواء عائداً على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى" (٢).
الفريق الثاني: القول بالتفويض
ويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون: إن الاستواء ثابت في القرآن حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وهو استواء لا نعلمه (٣).
وقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه الاعتقاد (٤) وهو أحد قولي الرازي (٥).
وهؤلاء في الحقيقة ينفون صفة الاستواء ولكن يتوقفون في المعنى الذي على زعمهم يجب تأويل اللفظ إليه.
وقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (٦).
ويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول أن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا".
وقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب".
والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨].
стр. 531
الرد عليهم:
معلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعاً أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.
قال شيخ الإسلام: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعاً مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك" (١).
وقال في موضع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثاً حديثاً ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهباً لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها" (٢).
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية" (٣).
وأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (٤).
стр. 532
والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلوماً في القرآن.
ومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقاً بل غالباً ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.
الفريق الثالث: قول المشبهة.
والمقصود بهم الهشامية (١) من الروافض، والكرامية (٢)، وغيرهم.
وهؤلاء يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء.
فالهشامية مثلاً يقولون: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه (٣).
وأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه:
فمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.
ومنهم من يقول: إن العرش مكان له وإن العرش امتلأ به.
ومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشاً موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكاناً له لأنه أكبر منها كلها.
стр. 533
ومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به (١).
وقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته.
فالهشامية يقولون: "إن الله جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء".
ونقل عنهم أنهم قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإن له مكاناً مخصوصاً ووجهة مخصوصة وإنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان وهو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وإنه مماس لعرشه ولا يفضل منه شيء من العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه" (٢).
وأما الكرامية فيقول ابن كرام: "إن معبوده مستقر على العرش استقراراً وإنه بجهة فوقَ ذاتاً وإنه أُحدي الذات أُحدي الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا".
ولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: "إنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته وهو فوقه كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه".
وقال بعضهم: "أنه يلاقى مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم".
وقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.
وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش" (٣).
الرد عليهم:
هذا القول للمشبهة يتضمن حقاً وباطلاً.
فالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه.
وأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله
стр. 534
لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥].
ومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استواءه. فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا لأنّهم يفترون على الله الكذب قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢].
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟
والجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة.
ومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله أو كيفية استوائه أو غيرها من الصفات هو أمر غير جائز عند السلف ويحرم الخوض فيه بل يبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء الباري ، حيث قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه)، وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص وهو الذي سار عليه السلف جميعاً.
стр. 535
(١٠٠) وروى-أيضًا-عن ابن المديني لما سُئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: «يُؤمنون بالرؤية والكلام، وأن الله فوق السماوات على العرش استوى؛ فسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١)» (٢).
وهذا-أيضًا-قول ابن المديني؛ الإمام الحُجَّة، أمير المؤمنين في الحديث؛ أبو الحسن، علي بن عبد الله، شيخ الإمام البخاري الذي قال عنه: «ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند عليِّ بن المديني» (٣).
يقول-﵀-لما سُئل: ما قول أهل الجماعة-أي: ما قول أهل السنة والجماعة؟ فقال: «يُؤمنون بالرؤية والكلام، أي: يُثبتون رؤية الله وكلامَه، وأن الله فوق السماوات- وهذا هو الشاهد- على العرش.
فسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾!
وهذه الآية في سورة المجادلة يحتج بها دائمًا مَنْ ينكرون صفة العلو لله تعالى، ويحتج بها-كذلك-مَنْ يقول بالحلول: أن الله حالٌّ ومُختلط بخلقه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
فأجاب الإمام ابن المديني ﵀ إجابة مفحمة حيث قال للسائل: اقرأ ما قبل هذه، أي: أول الآية؛ فأولها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾». والمراد: أن الله تعالى قد افتتح الآية بالعلم واختتمها كذلك بالعلم، فقال: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾؛ فدلَّ على أن المراد بالمعية هنا ليست مَعية الذات قطعًا، وإنما معية العلم.
وبنفس هذا الاحتجاج قد احتج الإمام أحمد فقال: «﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ
стр. 536
هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: الله بعلمه، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ﴾ يعني: الله بعلمه ﴿سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني: بعلمه فيهم؛ ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه» (١).
وقال الإمام ابن بطة ﵀: «واحتج الجهمي بقول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. فقالوا: إنَّ الله معنا وفينا. واحتجوا بقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]، وقد فَسَّر العلماء هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا﴾ إنما عني بذلك: علمه، ألا ترى أنه قال في أول الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فرجعت الهاء والواو من هو على علمه لا على ذاته. ثم قال في آخر الآية: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فعاد الوصف على العلم، وبين أنه إنما أراد بذلك العلم، وأنه عليم بأمورهم كلها» (٢).
وقد ذكر الإمام ابن كثير ﵀: أن غير واحد حكى الإجماع على أن المراد بهذه الآية: مَعِيَّة علم الله تعالى (٣).
стр. 537
(١٠١) وروى-أيضًا-عن أبي عيسى الترمذي، قال: «هو على العرش كما وصف في كتابه، وعِلْمُه وقدرته وسلطانه في كلِّ مكان» (١).
علم الله تعالى محيط بجميع خلقه؛ لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ومعيته نوعان: معية عامة لسائر الخلق. ومعية خاصة، وهي مَعية النصر والتأييد لعباده المخلصين؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وكقوله : ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله جل وعلا: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦].
стр. 538
(١٠٢) وروى عن أبي زُرْعَة الرَّازي أنه سئل عن تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: «تفسيره كما تقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكان، مَنْ قال غير هذا فعليه لعنة الله» (١).
فالإمام أبو زرعة الرازي ﵀ لما سئل عن تفسير هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. قال: «تفسيره كما تقرأ»، أي: كما يَظهر منها واضحًا؛ فمعنى «استوى» يعرفه العرب بأنه: علا وارتفع، فالله-جل علا-على الخلق بذاته، ولكن علمه شامل لكل المخلوقات وفي كل مكان.
стр. 539
الإيمان بما وصف الله به نفسه في القرآن والأحاديث:
(١٠٣) وروى أبو القاسم اللالكائي-صاحب أبي حامد الإسفرائيني-في «أصول السُّنَّة» بإسناده عن محمد بن الحَسَن-صاحب أبي حنيفة-قال: «اتفق الفقهاءُ كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربِّ ؛ من غير تفسير ولا وَصف ولا تشبيه؛ فمن فَسَّر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج عمَّا كان عليه النبيُّ ﷺ وفَارَقَ الجماعةَ، فإنهم لم يَصِفُوا ولم يُفَسِّروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسُّنَّة ثم سكتوا، فمن قال بقول جَهْمٍ فقد فارق الجماعة؛ فإنه قد وصفه بصفة لا شيء». اه (١).
(١٠٤) محمد بن الحَسَن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى على هذا الإجماع، وأخبر أنَّ الجهمية تَصفه بالأمور السلبية غالبًا، أو دائمًا (٢).
(١٠٥) وقوله: «مِنْ غير تفسير»؛ أراد به: تفسير الجهمية المُعَطِّلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات».
ذكر الذهبي أن إبراهيم الحربي قال: قلت للإمام أحمد: «مِنْ أين لك هذه المسائل الدقاق؟ فقال: «مِنْ كُتُب مُحَمَّد بن الحَسَن» (٣).
стр. 540
فهذا الإمام محمد بن الحَسَن الذي أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء قد حكى الإجماع على أن الفقهاءَ كلَّهم اتفقوا على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربِّ ؛ من غير تفسير … »، وأخبر أنَّ الجهمية تَصفه بالأمور السلبية غالبًا، أو دائمًا».
وقوله: «من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه» أي: من غير تفسير الجهمية ومن غير تأويل المعطلة؛ الذين يقولون: ﴿استوى﴾ بمعنى: استولى، و ﴿خلقت بيدي﴾، أي: بقدرتي .. ونحو ذلك.
وقد بَيَّن الإمام محمد بن الحسن هنا: أن السلف قد أثبتوا هذه الصفات من خلال أدلة الكتاب والسنة من غير أن يتعرضوا لها بشيء من تفسيرات الجهمية التي تصف الله تعالى بالأمور السلبية غالبًا أو دائمًا.
стр. 541
(١٠٦) وروى البيهقيُّ وغيرُه بأسانيد صحيحة عن أبي عُبيد؛ القاسم بن سلام (١) قال: «هذه الأحاديث التي يقول فيها: «ضحك ربُّنا مِنْ قُنُوط عِباده وقُرْب غِيَره (٢)» (٣)، «وإنَّ جهنمَ لا تَمتلئ حتى يضع ربُّك قَدَمَه فيها» (٤)، «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين» (٥)، وهذه الأحاديث في (الرؤية) هي عندنا حقٌّ حَمَلَها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنَّا إذا سُئلنا عن تفسيرها لا نُفَسِّرُها، وما أدركنا أحدًا يُفَسِّرها». اهـ (٦).
«أبو عبيد» أحدُ الأئمة الأربعة الذين هم: الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عُبيد. وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يُوصف، وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدًا من العلماء يُفَسِّرها. أي: تفسير الجهمية.
قوله «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين» جاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا
стр. 542
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥].
وهذه الآية هي أفضل الآي، وقد سميت بآية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: "ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبهاً على سعته سبحانه وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب" (١).
стр. 543
(١٠٧) وروى اللالكائي والبيهقي عن عبد الله بن المبارك أن رجلًا (١) قال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أَكره الصفة-عنى صفة الرب-فقال له عبد الله بن المبارك: «أنا أشد الناس كراهة لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثارُ بشيء جَسَرْنا عليه» (٢)، ونحو هذا.
أراد ابن المبارك: أنَّا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار.
هذا منهج أهل السنة والجماعة الذي يقوم على الاتباع والاقتداء وينهى عن الابتداع والابتداء كما قال ابن مسعود ﵁: "إنا نتبع ولا نبتدع، ونقتدي ولا نبتدئ" (٣).
ويشهد لهذا أيضاً ما وذكره ابن كثير عن وهب بن منبه فقال: (وذكر أن الجعد بن درهم كان يتردد إلى وهب بن منبه ٢، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمع للعقل، وكان يسأل وهباً عن صفات الله ؛ فقال له وهب يوماً: ويلك يا جعد أقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً ما قلنا ذلك، وأن له عيناً ما قلنا ذلك، وأن له نفساً ما قلنا ذلك وأن له سمعاً ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك (٤) ".
стр. 544
(١٠٨) «وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيدَ صِحَاحٍ عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: أنَّه ههنا في الأرض» (١)، وهكذا قال الإمام أحمد وغيره» (٢).
قد ذكر الإمام ابن القيم-﵀-أنَّ هذا الأثر ثابت عن ابن المبارك فقال: «روى الدارمي والحاكم والبيهقي وغيرهم بأصحِّ إسناد إلى عليِّ بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نَعرف رَبَّنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه. ولا نقول كما قالت الجهمية، وفي لفظ آخر قلتُ: كيف نَعرف ربَّنا؟ قال: في السَّماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما قالت الجهمية» (٣).
قوله: «بائن من خلقه» لفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود -هنا-أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثوراً حصلت به الألفة، وما كان معروفاً حصلت به المعرفة" (٤).
стр. 545
وقال أيضاً: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل.
ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه.
ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلاً بباطل" (١).
فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:
القسم الأول: الألفاظ المأثورة، وهي التي وردت بها النصوص.
القسم الثاني: الألفاظ المعروفة، وهي التي بُيِّنَت معانيها.
القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة، التي تدل على معنى باطل.
القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة، التي تحتمل الحق والباطل.
فلفظ (بائن) هي من القسم الثاني.
ومثل هذه الألفاظ كما إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات.
والمصنف ﵀ يسرد هذه الآثار؛ ليبين أن مذهب متأخري الأشاعرة الذين نفوا صفة العلو هو مذهب متقدمي الجهمية الذي أنكره علماء السلف، وأن ما ذكره الأئمة المتقدمون منهم من اللوازم الباطلة التي تلزم على مذهب الجهمية هي نفسها التي تلزم على مذهب متأخري الأشاعرة في نفي صفات الله تعالى؛ علمًا بأن الأشاعرة يَزعمون أنهم ضد الجهمية والمعتزلة، وينكرون عليهم أشد النكير، وقد وقعوا في شيء مما وقعوا فيه.
стр. 546
(١٠٩) وروى بإسناد صحيحٍ عن سليمان بن حرب-الإمام-: سمعت حَمَّاد بن زيد-وذكر هؤلاء الجهمية-فقال: «إنَّما يُحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء» (١).
حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق، ثقة ثبت فقيه، مات سنة (١٧٩ هـ). (٢)
قال الذهبي بعد ما ذكر قول حماد: "هذا إسناد كالشمس وضوحا، والأسطوانة ثبوتاً عن سيد أهل البصرة وعالمهم" (٣)
وهنا بين يبين حماد بن زيد ﵀ أن لازم مذهب الجهمية ومنتهى قولهم: أنه ليس في السماء شيء، أي: ليس ثَّم إله.
يقول ابن القيم ﵀: «قال شيخ الإسلام: وهذا الذي كانت الجهمية يُحاولونه قد صَرَّح به المتأخرون منهم، وكان ظهور السُّنَّة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يَحول بينهم وبين التصريح به، فلما بَعُد العهدُ وخَفيت السُّنَّةُ وانْقَرَضت الأئمة صَرَّحت الجهمية النُّفاة بما كان سلفهم يحاولونه ولا يتمكنون من إظهاره» (٤).
стр. 547
(١١٠) وروى ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية»، عن سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من شيوخ أحمد-أنَّه ذكر عنده الجهمية، فقال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش. وقالوا هم: ليس عليه شيء» (١).
لما ذُكِر عند سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، ومن شيوخ أحمد-قولُ الجهمية في نفي العلو عن الله ونفي الصفات عن الله-قال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى»؛ أي: قد اجتمع اليهود والنصارى مع المسلمين على أنَّ الله على العرش، وقالت الجهمية: ليس عليه شيء. لذلك كان قولهم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى.
стр. 548
(١١١) وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة-إمام الأئمة-: «مَنْ لم يقر: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه-وَجَبَ أن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة»، ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح (١).
قال الذهبي "توفي ابن خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة؛ ذكره أبو إسحاق فقال: حكى عنه أبو بكر النقاش، أنه قال: "ما قلدت أحداً منذ بلغت ست عشرة سنة". أخذ الفقه عن المزني، وقال فيه المزني: "هو أعلم بالحديث مني" (٢).
قلت: ولا أعلم في وقته مثله في معرفته بالفقه والحديث، وربما في وقته أفقه منه من غير علم بالحديث، أو بالعكس، أما من جمع بينهما في زمانه مثله فلا أعلم، فرضي الله عنه وعن جميع أئمة المسلمين" (٣).
والأثر رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» عن ابن خزيمة، وهذا يدل على شناعة هذا القول، فحكم الإمام ابن خزيمة على مَنْ لم يقل: «إنَّ الله فوق سماواته على عرشه بائن مِنْ خلقه» بأن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة؛ لأن أهل الذمة في الأصل لا ينكرون علو الله على عرشه فوق خلقه.
стр. 549
وهذا الحكم بالردة ليس على التعيين، وكذلك لا يحكم بذلك آحاد الناس على الأشخاص المُعينين، وكذلك إقامة حد الردة-وغيره من الحدود-مما يختص بها ولي أمر المسلمين بعد رفع الأمر للقضاء والاستتابة وغير ذلك من الأمور المرعية؛ فينبغي مراعاة ذلك حتى لا تصير الأمور إلى الفوضى ويَحكم على الناس مَنْ لا علم عنده، ومن غير تحقق من شروط التكفير وانتفاء موانعه.
стр. 550
(١١٢) وقد روى عبد الله بن أحمد، عن عَبَّاد بن العوام الواسطي-إمام أهل واسط، من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد-قال: «كَلَّمت بِشْرًا المَرِيسي وأصحاب بِشْرٍ، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء» (١).
قول عَبَّاد بن العوام الواسطي (١٨٥ هـ) هذا يُبين أن لازم قول هؤلاء المعطلة-ومنهم بشر بن غياث المَرِيسي، وهو من أئمة الجهمية، وممن ينفي الصفات عن الله الذي رَدَّ عليه الإمامُ الدَّارمي في كتابه القيم «نقض الإمام أبي سعيد؛ عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله- -من التوحيد».
يذكر عَبَّاد بن العوام الواسطي: أنه ناظر بِشْرًا المَرِيسي وأصحابَه؛ فرأى آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء.
стр. 551
(١١٣) وعن عبد الرحمن بن مهدي-الإمام المشهور-أنَّه قال: «ليس في أصحاب الأهواء شرٌّ من أصحاب جَهْمٍ، يَدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى-والله-أن لا يُناكحوا، ولا يُورثوا» (١).
عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، مات سنة (١٩٨ هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة (٢)؛ الذي قال فيه ابن المديني ٢: لو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت أني ما رأيت أعلم منه (٣)
تقدم الحديث عن الجهمية وأصولهم ومعتقداتهم وأفكارهم بما يغني عن تكرار الكلام في ذلك فليرجع إليه.
стр. 552
(١١٤) وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» عن عبد الرحمن بن مهدي قال: «أصحاب جَهْمٍ يُريدون أن يقولوا: إن الله لم يُكَلِّم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يُستتابوا؛ فإن تابوا وإلا قُتِلوا» (١).
وهذا-أيضًا-لبيان شناعة قول هؤلاء الجهمية ومَن دار في فلكهم؛ فإن الإمام عبد الرحمن بن مهدي-﵀-كفَّر من قال بهذا؛ فالذي لا تجوز مناكحته ولا توارثه هم الكفار.
والسبب في شناعة هدا القول: كون أنَّ الله غيب، بل هو أعظم الغيب ؛ فمقصود الجهمية: إنكار وإبطال حقيقة وجوده، فإذا تحقق لهم هذا لم يَبق لأيٍّ من الغيبيات الأخرى أي حقيقة أو وجود.
وسبب تسَلُّط الجهمية ومَن وافقهم على هذه الصفة: هو الأصل الفلسفي الذي تقوم عليه الفلسفة: أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد. وبالتالي لا يؤمنون بأي أمر غيبي، ويبقى حديثهم عن وجود الله أنَّه أمر مُتخيل في الذهن لا وجود له في الحقيقة. وخلاصة ما يقوله هؤلاء: إذا ذُكر عُلو الله أن يقولوا: لا داخل العالم
стр. 553
ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، أو يقولوا: إنه في كل مكان؛ وحاصل القولين واحد، وهو إنكار وجوده حقيقة، ومن هذا المنطلق كان قولهم شر الأقوال، كما قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀ وغيره من أئمة السلف.
стр. 554
(١١٥) وعن الأصمعي قال: «قدمت امرأة جهم فنزلت الدبَّاغين (١)، فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود! وقال الأصمعي: كافرة بهذه المقالة» (٢).
مما ذكر في أخبار امرأة جهم ما جاء في بعض المصادر أن جهما كانت له زوجة تدعو إلى القول بخلق القرآن، اسمها زهرة، كما ترك ولداً نهج نهجه وكان من الدعاة إلى خلق القرآن، وهو محمد بن الجهم بن صفوان.
قال أبو إسماعيل الهروي: إن جهما كان يدعو إليه (يعني القول بخلق القرآن) الرجال، وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيراً» (٣).
وعن مكي بن إبراهيم أنه قال: «دخلت امرأة جهم على امرأتي أم إبراهيم -وكانت امرأة ديدانية تبدو أسنانها-فقالت: يا أم إبراهيم! إن زوجك هذا الذي يحدث عن العرش، العرش، من نجره؟ فقالت لها: نجره الذي نجر أسنانك هذه!! (٤).
فقول امرأة جهم: محدود على محدود، إنكار منها لاستواء الله على عرشه، وتريد أن تثير شبهة أنه يلزم من إثبات الاستواء أن يكون الله محدودًا على العرش المحدود.
فقال الأصمعي: هي كافرة بهذه المقالة؛ التي لازمها إنكار صفة العلو.
وقولها: «محدود على محدود»: فالحد من الألفاظ المجملة التي لم تَرد في
стр. 555
الكتاب ولا في السُّنَّة؛ لا بنفي ولا بإثبات؛ ولهذا رُوي عن بعض الأئمة إثبات ذلك، ورُوي عن بعضهم نفي ذلك؛ فروي عن الإمام أحمد إثبات الحد، وروي عنه نفي الحد، كذلك مِمَّنْ رُوي عنه إثبات الحَدِّ الدَّارميُّ وابنُ المبارك.
قال الإمام الذهبي (١) في: «مسألة الحد (٢):
«الحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين، الذي يُمَيِّزُ بينهما؛ لئلا يَختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يَتَعَدَّى أحدهما على الآخر، وهو مأخوذ من حَدَّ الشيء عن غيره يَحُدُّهُ حَدًّا؛ إذا مَيَّزه» (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الحدُّ: ما يَتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره» (٤).
سبق أن أسلفنا أن إطلاق السلف للحَدِّ ليس من باب الصفات، وإنما هو من باب الإخبار، ولهم فيه استعمالان:
الاستعمال الأول: في حال الإثبات.
ومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الخلال بسنده، عن محمد بن إبراهيم القيسي، قال: «قلت لأحمد بن حنبل: يُحكى عن ابن المبارك-وقيل له: كيف نَعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بِحَدٍّ. فقال أحمد: هكذا هو عندنا» (٥).
стр. 556
وعن حرب بن إسماعيل قال: «قلت لإسحاق-يعني ابن راهويه-: هو على العرش بِحَدٍّ؟ قال: نعم، بحد». وذكر عن ابن المبارك قال: «هو على عرشه بائن من خلقه بِحَدٍّ» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنَّ كثيرًا من أئمة السنة والحديث (٢) أو أكثرهم يقولون: إنَّه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه بحد» (٣).
الاستعمال الثاني: في حال النفي.
قال حنبل: «قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، و ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة» (٤).
وفي رسالة الإصطخري قال الإمام أحمد: «والله على عرشه ليس له حد، والله أعلم بحده» (٥).
توضيح المسألة:
أما الاستعمال الأول: فهو استعماله في حال الإثبات.
стр. 557
فقد استعمل في مسألة إثبات علو الله على خلقه وتميزه وانفصاله عنهم وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم؛ فلما زعم الجهمية أن الخالق في كل مكان، وأنه غير مباين لخلقه ولا متميز عنهم، قال بعض أئمة السلف: إن الله سبحانه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وذكروا الحَدَّ؛ لأن الجهمية زعموا أنه ليس له حد. وما لا حَدَّ له لا يُباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه: إن الخالق لا يتميز عن الخلق؛ فيجحدون صفاته التي تَمَيَّز بها، ويجحدون قَدْرَهُ؛ حتى يقول المعتزلة إذا عرفوا أنه حي، عالم، قدير: قد عرفنا حقيقته وماهيته، ويقولون: إنه لا يُباين غيره. بل إما أن يصفوه بصفة المعدوم؛ فيقولوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا. أو يجعلوه حالاًّ في المخلوقات أو وجوده وجود المخلوقات.
فبين ابن المبارك أن الرب على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد» (١).
وبناءً على ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية فقد أثبت السلف الحد؛ لِما في إثبات هذا اللفظ من ردٍّ على الجهمية فيما زعموا، ولما في معنى (الحد) من إثبات مباينة الله لخلقه، وعلوه عليهم، واستوائه على عرشه.
وإن كان السلف يقولون: إنه حَدٌّ لا يعلمه إلا الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن نقل الآثار الواردة عن السلف في إثبات الحد: «فهذا وأمثاله مما نقل عن الأئمة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره، كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول؛ فبَيَّن أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم يَنفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا عِلْمَ الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف، والأئمة يَنفون علم الخلق بقدره وكيفيته» (٢).
الاستعمال الثاني: استعماله في حال النفي.
وذلك في مسألة نفي الإحاطة بالله علمًا وإدراكًا، فلا منازعة بين أهل السنة بأن الله
стр. 558
تعالى غير مدرك الإحاطة والخلق عاجزون عن الإحاطة به، فهم لا يستطيعون أن يحدوا الخالق جل وعلا، أو يُقَدِّرُوه، أو يبلغوا صفته؛ فمن نفى الحد على هذا المعنى فهو مُصيب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المحفوظ عن السلف والأئمة: إثبات حد لله في نفسه، وقد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يَحُد أحدٌ الله» (١).
وقال أيضًا: «وقوله: بلا حد ولا صفة» نَفَى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه، إلا بما أخبر عن نفسه؛ ليبين أن عقول الخلق لا تُحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة «الرسالة»: «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يَصفه به خلقه» (٢).
ولهذا قال أحمد: «لا تُدركه الأبصار بحد ولا غاية»؛ فنفى أن يُدرك له حد أو غاية» (٣).
وهذا المحفوظ عن السلف والأئمة من إثبات حد لله في نفسه قد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه؛ ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يحد أحد الله، كما ذكره حنبل عنه في كتاب «السنة والمحنة». وقد رواه الخلال في «كتاب السنة»: أخبرني عبد الله بن حنبل، حدثني حنبل بن إسحاق، قال: قال عمي: «نحن نؤمن بالله على عرشه كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يَبلغها واصف أو يحده أحد؛ فصفات الله منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف، وهو كما وصف نفسه، وليس من الله شيء محدود، ولا يبلغ علمه وقدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وكان الله قبل أن يكون شيء، والله الأول، وهو الآخر، ولا يبلغ أحدٌ حَدَّ صفاته؛ فالتسليم لأمر الله والرضا بقضائه، نسأل الله التوفيق والسداد؛ إنه على كل شيء قدير.
وذلك أن لفظ (الحد) عند كل من تكلم به يراد به شيئان:
يُراد به: حقيقة الشيء في نفسه. ويراد به: الوجود العيني، أو الوجود الذهني؛
стр. 559
فأخبر أبو عبد الله أنه على العرش بلا حد يَحده أحد أو صفة يبلغها واصف، وأتبع ذلك بقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ بحد ولا غاية، وهذا التفسير الصحيح للإدراك: أي: لا تحيط الأبصار بحده ولا غايته؛ ثم قال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾؛ وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب؛ ليتبين أنه عالم بنفسه وبكل شيء.
وقال الخلال: «وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى «أن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا»، و «أن الله يضع قدمه»، وما أشبه هذه الأحاديث! فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها ولا كيف، ولا معنى، ولا نَرُدُّ منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صِحاح، ولا نَرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه ولا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء.
قال: وقال حنبل في موضع آخر قال: ليس كمثله شيء في ذاته، كما وصف به نفسه، فقد أجمل-﵎-بالصفة لنفسه؛ فحد لنفسه صفة، ليس يشبهه شيء؛ فيعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه؛ قال تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾.
قال: وقال حنبل في موضع آخر: قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا يتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا يتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخُلُوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلمًا، عالمًا غفورًا، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه لا تُدفع ولا تُرد، وهو على العرش بلا حد، كما قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش﴾ كيف شاء، المشيئة إليه ، والاستطاعة له ﴿لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيء﴾، وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه، سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قول إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾؛ فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه، لا تعدى القرآن والحديث والخبر، يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن، ولا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد؛ تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة» (١).
стр. 560
قال ابن القيم: «أراد أحمد بنفي الصفة نفي الكيفية والتشبيه، وبنفي الحد حدًّا يُدركه العباد ويَحُدُّونه» (١).
فتبين مِنْ هذا: أنَّ مَنْ أطلق الحدَّ على الله وأراد بالحد: ما يَتميز به الشيء عن غيره. فهذا المعنى صحيح، والعلماء الذين أطلقوا على الله الحد أرادوا الرد على الجهمية الذين قالوا: إنَّ الله مُختلط ممتزج بعباده. فقالوا: لا، الله له حَدٌّ يَتميز به عن خلقه، مُنفصل مباين عن الخلق، غير مُختلط بهم، كما تزعم الجهمية.
أمَّا من أراد بالحدِّ: أن الله يُحيط به شيء من مخلوقاته؛ فلا شك أن نفي الحد بهذا المعنى هو الصَّحيح؛ ولهذا الإمام أحمد نفى الحد بهذا المعنى، وأثبت الحد بالمعنى الآخر، وهو: أن الله متميز عن خلقه، مباين لخلقه، منفصل عن الخلق، عال عليهم .
ولهذا قال أبو سعيد الدارمي عن بشر المريسي: «وادعى المعارض-أيضًا-أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية. وهذا هو الأصل الذي بَنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منها أغلوطاته، وهي كلمة لم يَبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحدٌ من العالمين.
فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمتُ مرادك بها-أيُّها الأعجمي-وتعني: أن الله لا شيء؛ لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حَدٌّ وغاية وصفة، وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدًا موصوف لا محالة، ولا شيء يُوصف بلا حد ولا غاية. وقولك: لا حد له يعني: أنه لا شيء.
قال أبو سعيد: والله-تعالى-له حد لا يَعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لِحَدِّه غاية في نفسه، ولكن يُؤمن بالحدِّ ويَكِل عِلم ذلك إلى الله، ولمكانه-أيضًا-حد، وهو على عرشه فوق سماواته، فهذان حَدَّان اثنان.
وسئل ابن المبارك: بِمَ نَعرف ربَّنا؟ قال: «بأنه على العرش، بائن من خلقه. قيل: بِحَدٍّ؟ قال: بِحَدٍّ» (٢).
فعلم الإمام الدارمي مراده أي: لمَّا نفى عن الله الحد، أراد أن الله ممتزج بالخلق؛ فأنكر عليه نفي الحد بهذا المعنى.
فالمعنى الباطل في الحد: هو أن هناك شيئًا من الخلق يُحيط بالله ؛ وعلى هذا المعنى فلا شك أنه ليس لله حد، أي: ليس لله شيء يُحيط به من الخلق.
стр. 561
(١١٦) وعن عاصم بن علي بن عاصم-شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما-قال: «ناظرتُ جهميًّا؛ فتبَيَّنَ من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربًّا» (١).
قال الذهبي: "عاصم بن علي، إمام، حافظ، ثقة، حدث عن شعبة، وابن أبي ذئب، والليث، ونحوهم، توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.
وروى الخطيب في ترجمته قال: "وجه المعتصم من يحزر مجلسه، في رحبة النخل، في جامع الرصافة، وكان عاصم يجلس على سطح الرحبة، ويجلس الناس في الرحبة وما يليها، فعظم الجمع مرة جدًا، حتى قال أربع عشرة مرة حدثنا الليث بن سعد، والناس لا يسمعون لكثرتهم، وكان هارون المستملي يركب نخلة يستملي عليها فحزروا المجلس، فكان عشرين ومائة ألف" (٢).
وقال يحيى بن معين فيه: عاصم بن علي، سيد المسلمين" (٣).
стр. 562
(١١٧) وروى الإمام أحمد: ثنا سُرَيْج بن النعمان، قال: سمعتُ عبدَ الله بن نافع الصائغ، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: «اللهُ في السِّماء، وعلمه في كلِّ مَكان، لا يَخلو من علمه مكان (١)» (٢).
(١١٨) وقال الشافعي: «خلافة أبي بكر ﵁ حقٌّ قَضاها الله في سمائه، وجمع عليه قلوب عباده» (٣).
هذه الآثار صحيحة عن الإمام مالك وعن الإمام الشافعي رحمهما الله، فلماذا لا يتبعها بعض مَنْ يأخذون بمذهبهم؛ ممن ينفون صفة العلو، ونقول لهم: هذا إمامكم وإمامنا الإمام مالك يصرح بكلام لا يَقبل التأويل أن الله في السماء، وعلمه في كل
стр. 563
مكان، لا يخلو من علمه مكان، وكذلك الإمام الشافعي وغيره من الأئمة.
وأبو بكر الصديق ﵁ هو القائل لما مات النبي ﷺ : "من كان يعبد محمدًا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الذي في السماء فإنه حي لا يموت".
أخرجه هكذا الدارمي (١) بإسناد صحيح (٢)، والبخاري في تاريخه من حديث نافع (٣)، عن ابن عمر.
стр. 564
(١١٩) وفي الصَّحيح عن أنس بن مالك، قال: «كانت زينبُ تَفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُن وزَوَّجَني الله مِنْ فوق سبع سماوات» (١)، وهذا مثل قول الشافعي.
ولهذا شاهد من قول عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا أنه مر بعجوز فاستوقفته فوقف يحدثها فقال له رجل: "يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز" فقال: "ويلك أتدري ما هي؟، هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة (٢) التي أنزل الله فيها ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ اَلتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٣) ".
أخرجه عثمان الدارمي في "الرد على المريسي" (٤).
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن العبد ليهمُّ بالأمر من التجارة والإمارة،
стр. 565
حتى إذا تيسر له، نظر الله إليه من فوق سبع سموات، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخله النار".
رواه أبو القاسم اللالكائي الشافعي، وغيره بإسناد صحيح عن خيثمة (١) عنه (٢).
وعن أنس بن مالك قال: "قال أبو بكر لعمر بعد وفاة رسول الله ﷺ انطلق بنا إلى أم أيمن (٣) نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقلنا ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، فقالت: صدقتما ولكن أبكي أن الوحي انقطع عنا من السماء، فهيجتهما على البكاء".
رواه مسلم (٤).