وقال: (لم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله فمن حمل كلامَ أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب). (١)
وقال الشيخ الهرَّاس: (ومعنى الحي: الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية، التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أنَّ قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية؛ فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها). (٢)
стр. 737
«وأن له بصرًا، كما علمنا في كتابه: أنه سميع بصير».
البصر صفةٌ من صفات الله الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة. و (البصير): اسم من أسمائه تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨].
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
الدليل من السنة:
حديث أبي موسى الأشعري ﵁: «يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بَصيراً، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". (١)
стр. 738
«ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه (١)، وفي إثبات السمع والبصر، والآيات الدالة على ذلك».
صفة الوجه صفةٌ ذاتيةٌ خبرِيَّة لله ثابتة بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى): وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ)] البقرة: ٢٧٢. [
وقوله: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ).] الرعد: ٢٢. [
الدليل من السنة:
حديث ابن مسعود ﵁ قال: «قسَّم النبي ﷺ قسماً، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله» (٢).
حديث ابن عمر ﵄ في الثلاثة الذين حُبِسُوا في الغار، فقال كل واحد منهم: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرج عنا ما نحن فيه» (٣).
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تخلَّف فتعمل عملاً تبتغي به وَجْه الله؛ إلا ازددت به درجة ورفعة» (٤).
قال الإمام الشافعي: (لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته … وأن له وجهاً بقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ، وقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَالِ وَالإِكْرَام) (٥).
وقال الإمام ابن خزيمة بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوَجْه لله تعالى: (فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر؛
стр. 739
مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبه وَجْه خالقنا بوَجْه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين) (١).
وقال الحافظ ابن منده: (ومن صفات الله التي وصف بها نفسه قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَالِ وَالإِكْرَام، وكان النبي ﷺ يستعيذ بوَجْه الله من النار والفتن كلها، ويسأل به … )، ثم سرد أحاديث بسنده، ثم قال: (بيان آخر يدل على أنَّ العباد ينظرون إلى وَجْه ربهم (٢)، وسرد بسنده ما يدل على ذلك.
وقال قَوَّام السُّنَّة الأصفهاني: (ذكر إثبات وَجْه الله الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَالِ وَالإِكْرَام (٣).
стр. 740
«ثم قال: ثم إن الله تعالى تَعَرَّف إلى عباده المؤمنين؛ أن قال: له يدان قد بَسطهما بالرحمة، وذكر الأحاديث في ذلك، ثم ذكر شِعر أُمَيَّة بن أبي الصَّلت (١)».
من الصفات الذاتية لله الثابتة تعالى صفة اليدان وقد وردت فيها الكثير من النصوص:
الأدلة من القرآن:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا "خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.
وَقَالَ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. وَقَدْ تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مَجِيءُ " الْيَدِ " فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا مِثْلُ:
«ثم ذكر حديث: «يُلقى في النار وتقول: هل مِنْ مزيد؟ حتى يَضع فيها رِجْلَه»، وهي رواية البخاري، وفي رواية أخرى: «يضع عليها قَدَمَه» (١).
ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس: «أن الكرسي موضع القدمين، وأن العرش لا يَقدر قدره إلا الله» (٢).
وذكر قولَ مسلم البطين نفسه (٣)، وقول السدي، وقول وهب بن منبه، وأبي مالك وبعضهم يقول: «موضع قدميه»، وبعضهم يقول: «واضع رِجليه عليه».».
الرِّجل والقدمان صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله بصحيح السنة.
والدليل:
حديث أبي هريرة ﵁ في تحاجج الجنة والنار، وفيه: «فأما النار؛ فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله (وعند مسلم: قدمه)، فتقول: قط قط … » (٤).
أثر ابن عباس ﵄؛ قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره) (٥).
أثر أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: «الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل» (٦).
قال الإمام الشافعي: (لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته … وأن له قدماً بقول النبي ﷺ : (حتى يضع الرب فيها قدمه) يعني جهنم … ) (٧).
стр. 749
قال أبو يعلى الفراء: (أعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن المراد به قدم هو صفة لله تعالى وكذلك الرجل) (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك: (في هذا الحديث إثبات الرِّجل والقدم له ، وأهل السنة يثبتون لله ما جاء في هذا الحديث على حقيقته، كما يثبتون سائر الصفات، كما يثبتون اليدين والعينين له ، ويقولون: إن له تعالى قدمين، كما جاء في الأثر المشهور عن ابن عباس في تفسير الكرسي: أنه موضع القدمين، أي: قدمي الرب (٢).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان بعد ذكر روايات صفة القدم والرجل: (ففي مجموع هذه الروايات البيان الواضح بأن القدم والرجل -وكلاهما عبارة عن شيء واحد -صفة لله تعالى حقيقة على ما يليق بعظمته) (٣).
стр. 750
«ثم قال: فهذه الروايات قد رُويت عن هؤلاء مِنْ صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي ﷺ متداولة في الأقوال، ومحفوظة في الصدر، ولا ينكر خلف عن السلف، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم، نقلتها الخاصة والعامة مُدونة في كتبهم».
ذكر المصنف رحمه الله تعالى بعض ما يتميز به أهل السنة والجماعة عن غيرهم من طوائف أهل البدع ويحسن هنا إيراد بعض تلك المزايا التي منها ما أشار له المصنف هنا فأهل السنة لهم سمات ومزايا منها:
أولاً: اتصال السند.
يتميز أهل السنة والجماعة باتصال السند، فما كان عليه أصحابُ النبي ﷺ فأهل السنة - بحمد الله تعالى- يقولُون به إلى يومنا هذا ويعتقدونه ويدينُون الله به، فسندهم متصل، بخلافِ أهلِ البدعِ والأهواء فنجد أن سندهم منقطع؛ ينقطعُ إلى فلانٍ من الناس ولا يمكنُ بأي حالٍ من الأحوال أن يتصلَ ذلك إلى أصحابِ النبي ﷺ فضلاً عن أن يتصلَ إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
ويصف الأصفهاني هذا الأمر فيقول: ومما يدل علي أن أهل الحديث هم أهل الحق، أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار - وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافًا ولا تفرقًا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأن جاء على قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دين أبين من هذا؟ (١)
стр. 751
ثانياً: يتميزون باعتقادهم بأن هذا الدين- بحمدِ الله تعالى- واضحٌ.
ومن وضوحه أن كلام الله معلومُ المعنى، فيحفظُون لهذا الكتاب حرمته لفظاً، ويحفظونُ له حرمته معنى، ويعتقدون أنه ليس في كتابِ الله ما لا يُعلَمُ معناه فهو معلوم من جهة المعنى، وإن كان بعضُ حقائقِ تلك الأمور المغيَّبة أو كيفياتُها أمرٌ قد استأثر به الله تعالى في علمِ الغيب عنده، فيوقنُون أن الهدى في كلامِ الله ، وأن النورَ في كلامِ الله وسنَّةِ نبيه ﷺ .
فأهل السنة هم أهل الفهم الرشيد عن الله وعن رسوله، ولذلك تأتي أقوالهم على الاستقامة والسداد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله بعد كلام عن اختلاف المبتدعة: "وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور، تبيَّن له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح والمنقول الصحيح، وأن من خالفه كان خارجًا عن موجب العقل والسمع، مخالفًا للفطرة" (١)
قال ابن تيمية: "فَلِهَذَا لَمْ يَجْتَمِعْ قَطُّ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْحَقُّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ قَطُّ، وَكُلُّ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ خَارِجِيٍّ وَرَافِضِيٍّ وَمُعْتَزِلِيٍّ وَجَهْمِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَإِنَّمَا يُخَالِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلْ مَنْ خَالَفَ مَذَاهِبَهُمْ فِي الشَّرَائِعِ الْعَمَلِيَّةِ كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ يُوَافِقُهُمْ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ الْآخَرَ، فَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ مَعَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ; فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْمِلَلِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ" (٢)
ثالثاً: حفظهم للأصلين رواية ودراية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وجماع ذلك بحفظ أصلين:
أحدهما: تحقيق ما جاء به الرسول، فلا يخلط بما ليس منه من المنقولات الضعيفة، والتفسيرات الباطلة، بل يعطى حقه من معرفة نقله ودلالته.
والثاني: أن لا يعارض ذلك بالشبهات لا رأيًا ولا روايةً، قال الله تعالى فيما يأمر به بنى إسرائيل وهو لنا: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ
стр. 752
بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ (١) فلا يكتم الحق الذي جاء به الرسول، ولا يلبس بغيره من البطل ولا يعارض بغيره» (٢).
فأهل السنة أعلم الناس بأحوال النبي ﷺ وأقواله وأفعاله، لذلك فهم أشد الناس حبًّا للسنة، وأحرصهم على اتباعها، وأكثرهم موالاة لأهلها؛ يقول شيخ الإسلام ﵀: "فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم بالحقائق، وأقومهم قولًا وحالًا، لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك، وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداءً به أفضل الخلق" (٣)
رابعاً: وسطيتهم بين الطوائف والفرق.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل الأخرى" (٤)
فأهل السنة هم أعرف الناس بالحق، ولذلك فإن كل طائفة سوى أهل السنة والحديث المتبعين آثار رسول الله ﷺ ، لا ينفردون عن طائفة أهل السنة إلا بقول فاسد، ولا ينفردون بقول صحيح، وكل من كان عن السنة أبعد، كان انفراده بالأقوال والأفعال الباطلة أكثر. (٥)
خامساً: ويتميزون باعتقادهم أن الصحابةَ -رضوان الله عليهم-لم يكن أحدٌ منهم على بدعةٍ.
وما عُرفوا بذلك برغمِ ظهورِ بعض الفرقِ في زمانهم كالخوارجِ والقَدَرِيَة والشيعةِ ونحو ذلك، ومع ذلك ما عُرِفَ عن أحدٍ من أصحاب النبي ﷺ أنه قد حادَ عن هذا الطريق.
ونؤمنُ بأن أصحابَ النبي ﷺ كما وصفهم ابن مسعود حينما قال: " من كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتْنَةُ " (٦)، أولئك أصحابُ
стр. 753
محمد أبَّرُّ هذه الأمةِ قلوباً وأعمُقها علماً، وأقلها تكلُّفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبةِ نبيه وإقامةِ دينه فاعرفوا لهم حقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، وكما أُثِر عنه ﵁ حيث قال: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبعُ ولا نبتدع".
فأصحابُ النبي ﷺ خيرُ هذه الأمة، والله تعالى قد زكَّاهم في كتابه وأمرَ بلزومِ سبيلهم حيث قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فرضيَ الله عن السابقين من المهاجرين والأنصار رضاءً مطلقا بدونِ قيد، ورضيَ عنهم بعدهم رضاءً مقيَّداً .. مقيَّداً بأي أمر؟ باتباعهم بإحسان ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ صدق الله
ونهى الله عن الافتراقِ عنهم ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
نهى عن الافتراقِ عن هذا الطريقِ وهذا السبيل، والمعالم بحمد لله تعالى واضحة، مرجعيةٌ استقامَ عليها الأوائل وحفظوها لنا بأسانيدها الصحيحةِ الثابتة ونقلوها لنا، وأصبحت-بحمد الله تعالى-ميراثاً سليماً من كل بدعةٍ ومن كل شائبة يتوارثه أهل السنَّةِ جيلاً بعدَ جيل، وينقله الخيارُ من هذه الأمة، ينقله ورثةُ الأنبياء لكلِّ جيلٍ من هذه الأجيال.
فلذلك لا عجبَ أن يتسمَ هذا المنهج بثباته وعدمِ اضطرابه، ولا عجبَ أن يتسمَ هذا المنهج بلزومِ كلام الله وبلزومِ كلام رسوله ﷺ ، ولا عجبَ أن يستمرَ هذا الإسناد محفوظاً جيلاً بعدَ جيل.
فهذه هي مرجعيةُ أهل السنَّة التي بحمد الله تعالى نُقلِت لنا في كتبِ الاعتقاد، ولزِمَها أهلُ السنَّةِ على مدى هذه الأزمانِ وعلى هذه الأعصار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخصٍ انتصارًا مطلقًا عامًا، إلا لرسول الله ﷺ ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًا، إلا للصحابة ﵃ أجمعين.
فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره
стр. 754
حيث داروا؛ فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل قولٍ قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ؛ فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسَلَّمًا إلى عالِمٍ واحدٍ وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.
ولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تُنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله إن كان حقًّا مأخوذًا عمَّا جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قِيلَ في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه، فإنه قول باطل (١).
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (٢)
وقال أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك كما كان على ذلك الصحابة والتابعون لهم بإحسان، و من سلك سبيلهم، فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم، فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا، فكيف بأصول التوحيد والإيمان، ثم إذا عرف ما بينه الرسول نظر في أقوال الناس، وما أرادوه بها، فعرضت على الكتاب والسنة.
سادساً: ومن سمات أهل الحق قولهم: أن العقل الصريح دائمًا موافقٌ للرسول ﷺ لا يخالفه قط.
فإن الميزان مع الكتاب، والله أنزل الكتاب بالحق والميزان؛ لكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به، فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا
стр. 755
فيه، لا بما يعلمون بعقولهم بطلانه؛ فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم تخبر بمحارات العقول لا تخبر بمحالات العقول، فهذا سبيل الهدى والسنة والعلم.
سابعاً: من سمات أهل السنة حرصهم على الجماعة والألفة ونبذهم للاختلاف والفرقة.
حرصهم على الجماعة والألفة، ودعوتهم لها وحث الناس عليها، ونبذهم للاختلاف والفرقة بين أهل العقيدة والتوحيد، وتحذير الناس من ذلك، كيف لا ورسول الله ﷺ قد قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا"، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥، ١٠٦].
قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة.
فمن منهجهم الحرص على جمع كلمة المسلمين على الحق، فهم حريصون كل الحرص على وَحدة المسلمين، ولَمِّ شعثهم، وجمع كلمتهم على الحق، وإزالة أسباب النزاع والفرقة بينهم؛ لعلمهم أن الاجتماع رحمة، وأن الفرقة عذاب، ولأن الله أمر بالائتلاف، ونهي عن الاختلاف؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٢، ١٠٣].
ثامناً: من سمات أهل السنة الجمع بين الرحمة واللين والشدة والغلظة.
فمن سماتهم الجمع بين الرحمة واللين والشدة والغلظة، بخلاف غيرهم ممن يأخذ جانبًا من هدي السلف ويدع الجانب الآخر، فيأخذون بالشدة في جميع أحوالهم أو باللين في جميع أحوالهم.
أما أهل السنة فيجمعون بين هذا وهذا، وكل في موضعه، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومقتضيات الأحوال.
وهم حقاً كما قال شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية: "نقاوة المسلمين، فهم خير الناس للناس". (١)
стр. 756
وقال أيضاً: "وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ ١١٠]. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ (١). " (٢)
قال ابن تيمية: "ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى-فوق العرش لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، فكان هذا خطابنا، فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله" (٣)
وهذه قصة يذكرها ابن تيمية تدلل على عدل أهل السنة وإنصافهم مع أهل البدع بالرغم من أنهم قد يلقون من المبتدعة ما يلقون من اعتداء وسوء معاملة حين تكون الغلبة لأولئك المبتدعة.
قال ابن تيمية: "وَأَهْلُ السُّنَّةِ نَقَاوَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِسَاحِلِ الشَّامِ جَبَلٌ كَبِيرٌ، فِيهِ أُلُوفٌ مِنَ الرَّافِضَةِ يَسْفِكُونَ دِمَاءَ النَّاسِ، وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلُوا خَلْقًا عَظِيمًا وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَلَمَّا انْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ سَنَةَ غَازَانَ، أَخَذُوا الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ وَالْأَسْرَى وَبَاعُوهُمْ لِلْكُفَّارِ النَّصَارَى بِقُبْرُصَ، وَأَخَذُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْجُنْدِ، وَكَانُوا أَضَرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْدَاءِ، وَحَمَلَ بَعْضُ أُمَرَائِهِمْ رَايَةَ النَّصَارَى، وَقَالُوا لَهُ: أَيُّمَا خَيْرٌ: الْمُسْلِمُونَ أَوِ النَّصَارَى؟ فَقَالَ: بَلِ النَّصَارَى. فَقَالُوا لَهُ: مَعَ مَنْ تُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: مَعَ النَّصَارَى. وَسَلَّمُوا إِلَيْهِمْ بَعْضَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا اسْتَشَارَ بَعْضُ وُلَاةِ الْأَمْرِ فِي غَزْوِهِمْ، وَكَتَبْتُ جَوَابًا مَبْسُوطًا فِي غَزْوِهِمْ، وَذَهَبْنَا إِلَى نَاحِيَتِهِمْ وَحَضَرَ عِنْدِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَجَرَتْ
стр. 757
بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مُنَاظَرَاتٌ وَمُفَاوَضَاتٌ يَطُولُ وَصْفُهَا، فَلَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَلَدَهُمْ، وَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، نَهَيْتُهُمْ عَنْ قَتْلِهِمْ وَعَنْ سَبْيِهِمْ، وَأَنْزَلْنَاهُمْ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مُتَفَرِّقِينَ لِئَلَّا يَجْتَمِعُوا. " (١)
تاسعاً: من سمات أهل السنة أنهم يعطون كل ذي حق حقه وهم أبعد الناس عن التكفير.
قال ابن تيمية ﵀: "ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم". (٢)
وقال ابن تيمية: "وهذه حال أهل العلم والحق والسنّة؛ يعرفون الحق الذي جاء به الرسول؛ وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول؛ ويدعون إليه؛ ويأمرون به نصحاً للعباد، وبياناً للهدى والسداد. ومن خالف ذلك لم يكن لهم معه هوى، ولم يحكموا عليه بالجهل، بل حكمه إلى الله والرسول؛ فمنهم من يُكفره الرسول، ومنهم من يجعله من أهل الفسق أو العصيان، ومنهم من يعذره ويجعله من أهل الخطأ المغفور. والمجتهد من هؤلاء المأمور بالاجتهاد، يجعل له أجراً على فعل ما أمر به من الاجتهاد، وخطؤه مغفور له؛ كما دلّ الكتاب. " (٣)
وقال ابن تيمية: "وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ ١١٠]. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ" (٤). " (٥)
وقال ابن قيم الجوزية ﵀: وهو يتكلم عن أهل السنة: "فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه وهم براء من باطلهم فمذهبهم جمع حق الطوائف بعضه إلى بعض والقول به ونصره وموالاة أهله من ذلك الوجه ونفي باطل كل طائفة من
стр. 758
الطوائف وكسره ومعاداة أهله من هذا الوجه فهم حكام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق ولا يردون حق طائفة من الطوائف ولا يقابلون بدعة ببدعة ولا يردون باطلا بباطل ولا يحملهم شنآن قوم يعادونهم ويكفرونهم على أن لا يعدلوا فيهم بل يقولون فيهم الحق ويحكمون في مقالاتهم بالعدل والله أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ ". (١)
وقال ابن قيم الجوزية ﵀: "والله تعالى يحب الانصاف بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصا من نصب نفسه حكما بين الاقوال والمذاهب وقد قال الله تعالى لرسوله وأمرت لأعدل بينكم فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل ينزوله يدين بدين العدل والإنصاف ويحكم الحجة وما كان عليه رسول الله". (٢)
وقال ابن تيمية: "فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَسْتَعْمِلُونَ مَعَهُمُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ وَلَا يَظْلِمُونَهُمْ; فَإِنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، بَلْ هُمْ لِلرَّافِضَةِ خَيْرٌ وَأَعْدَلُ مِنْ بَعْضِ الرَّافِضَةِ لِبَعْضٍ. وَهَذَا مِمَّا يَعْتَرِفُونَ هُمْ بِهِ، وَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ تُنْصِفُونَنَا مَا لَا يُنْصِفُ بَعْضُنَا بَعْضًا. " (٣)
قال ابن تيمية: "فإن الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد به من الحسنات وما يذم به من السيئات، وما لا يحمد به ولا يذم من المباحات، والعفو عنه من الخطأ والنسيان بحيث يستحق الثواب على حسناته ويستحق العقاب على سيئاته، بحيث لا يكون محمودًا ولا مذمومًا على المباحات والمعفوات، وهذا مذهب أهل السنة في فساق أهل القبلة ونحوهم، وإنما يخالف في هذا الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ونحوهم، الذين يقولون: من استحق المدح لم يستحق الذم، ومن استحق الثواب لم يستحق العقاب، ومن يستحق العقاب لم يستحق الثواب" (٤)
стр. 759
عاشراً: من سمات أهل السنة أنهم قليل في زمن الفتن
قال الفضيل بن عياض: (عليك بطريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين). (١)
وقال سفيان بن عيينة: (اسلكوا سبيل الحق ولا تستوحشوا من قلة أهله). (٢)
وقال الحسن البصري: «يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس» (٣)
وعن عُمارة بن زاذان قال: قال لي أيوب: «يا عُمارة: إذا رأيت صاحب سنة وجماعة فاقبله على ما كان فيه». (٤)
الحادي عشر: ومن سمات أهل السنة أنهم يقولون: إن المسائل التي يقع الخلاف فيها ليست على درجة واحدة.
قرر أهل العلم أن المسائل التي يقع الخلاف فيها ليست على درجة واحدة.
القسم الأول: فثمة مسائل لا يسوغ الخلاف فيها لصراحة أدلتها واتفاق السلف عليها وتسمى المسائل الخلافية، وهذا النوع من المخالفة ينكر فيه القول، ويضلل فيه المخالف، وقد يبدع حسب ضوابط شرعية، وقواعد مرعية.
والقسم الآخر: هي المسائل التي يسوغ الخلاف فيها لتعارض أدلتها فيما يظهر للمجتهد أو لوقوع الخلاف فيها بين السلف الصالح وتسمى المسائل الاجتهادية.
والأصل في مسائل المعتقد أنها من قبيل المسائل الخلافية بخلاف المسائل الفقهية العملية، فالأصل أنها من المسائل الاجتهادية.
قال ابن تيمية: (قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل:
أما الأول: فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً، وإن
стр. 760
لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء.
(والثاني): وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيه مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد مالم يكن فيها دليل يوجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها" (١)
وقال ابن قيم الجوزية: "وهذا يرد قول من قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف إجماع الأئمة … -إلى أن قال-: وقولهم: (إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها). ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل،
أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً وجب إنكاره اتفاقاً وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء.
وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم". (٢)
стр. 761
الثاني عشر: ومن سمات أهل السنة أنهم يقولون: إن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق.
قال الشوكاني: "ليس لأحد من العلماء المختلفين، أو من التابعين لهم والمقتدين بهم أن يقول: الحق ما قاله فلان دون فلان، أو فلان أولى بالحق من فلان. بل الواجب عليه-إن كان ممن له فهم وعلم وتمييز-أن يرد ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمن كان دليل الكتاب والسنة معه فهو على الحق وهو الأولى بالحق. ومن كان دليل الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ، بل هو معذور، بل مأجور، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" فناهيك بخطأ يؤجر عليه فاعله، ولكن هذا إنما هو للمجتهد نفسه، إذا أخطأ، ولكن لا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه، ولا يعذر كعذره، ولا يؤجر كأجره، بل واجب على من عداه من المكلفين أن يترك الاقتداء به في الخطأ ويرجع إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. وإذا وقع الرد لما اختلف فيه أهل العلم إلى الكتاب والسنة كان من معه دليل الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحدا، والذي لم يكن معه دليل الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كان عددا كثيرا، فليس لعالم ولا لمتعلم ولا لمن يفهم-وإن كان مقصرا-أن يقول: إن الحق بيد من يقتدى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره. فإن ذلك جهل عظيم، وتعصب ذميم، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة، لأن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق. وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة المحققين بمعصوم، ومن لم يكن معصوما فإنه يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة ويخطئ أخرى. ولا يتبين صوابه من خطئه إلا بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما فهو مصيب، وإن خالفهما فهو مخطئ ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، كبيرهم وصغيرهم، وهذا يعرفه كل من له أدنى حظ من العلم، وأحقر نصيب من العرفان، ومن لم يفهم هذا ويعترف به فليتهم نفسه" (١)
стр. 762
«إلى أن حدث في آخر الأمة مَنْ قَلَّل اللهُ عددَهم ممن حذرنا رسول الله ﷺ عن مجالستهم ومكالمتهم، وأمرنا أن لا نعود مَرضاهم، ولا نشيع جنائزهم؛ فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه، وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دَفعها إلى أحكام المقاييس، وكفر المتقدمين، وأنكروا على الصحابة والتابعين، وردوا على الأئمة الراشدين؛ فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل».
أشار رحمه الله تعالى إلى بعض سمات أهل الباطل وقد ذكر جملة منها في هذه الفتوى في مواطن متفرقة، ولعل في ذكرها مجتمعة مزيد فائدة لينتفع بها من أكرمه الله بالسير على منهج السلف الصالح، ولتكون تذكرة لمن حاد عن هذا المنهج لعل الله أن ينير بصيرته ويعود إلى صراط الله المستقيم وهذه السمات لمناهج أهل الباطل جمعتها وفق النقاط الآتية:
أولاً: أنهم يجعلون أقوالهم هي الأصل ويجعلون ما جاء في الكتاب والسنة تبع لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما سبيل الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك أن يبتدع بدعةً برأي رجالٍ وتأويلاتهم، ثم يجعل ما جاء به الرسول تبعًا لها، ويحرف ألفاظه، ويتأول على وفق ما أصلوه
وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول، ولا يتلقون الهدى منه، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجةً لا عمدة، وما خالفهم تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه أو فوضوه، كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني" (١)
وقال أيضاً: " وأمّا أهل البدع: فهم أهل أهواء وشبهات، يتّبعون أهواءهم فيما
стр. 763
يُحبّونه ويُبغضونه، ويحكمون بالظنّ والشبه؛ فهم يتّبعون الظنّ وما تهوى "الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. فكلّ فريقٍ منهم قد أصّل لنفسه أصلَ دينٍ صنعه؛ إمّا برأيه وقياسه الذي يُسمّيه عقليّات؛ وإمّا بذوقه وهواه الذي يُسمّيه ذوقيّات ٢؛ وإمّا بما يتأوّله من القرآن، ويُحرّف فيه الكلم عن مواضعه، ويقول إنّه إنّما يتّبع القرآن كالخوارج؛ وإمّا بما يدّعيه في الحديث والسنّة ويكون كذباً وضعيفاً كما يدّعيه الروافض؛ من النصّ والآيات. وكثيرٌ ممّن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتجّ من القرآن بما يتأوّله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجّة لا عمدة، وعمدته في الباطن على رأيه، كالجهميّة والمعتزلة في الصفات والأفعال، بخلاف مسائل الوعد والوعيد؛ فإنّهم قد يقصدون متابعة النصّ. " (١)
وقال ابن تيمية: "وجماع الأمر أن الأدلة نوعان: شرعية، وعقليه.
فالمدعون لمعرفة الإلهيات بعقولهم، من المنتسبين إلى الحكمة والكلام والعقليات، يقول من يخالف نصوص الأنبياء منهم: إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه، أو يقولون: عرفوه ولم يبينوه للخلق كما بيناه، بل تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم.
والمدعون للسنة والشريعة واتباع السلف من الجهال بمعاني نصوص الأنبياء يقولون: إن الأنبياء والسلف الذين اتبعوا الأنبياء لم يعرفوا معنى هذه النصوص التي قالوها والتي بلغوها عن الله، أو إن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا مرادهم للناس، فهؤلاء الطوائف قد يقولون: نحن عرفنا الحق بعقولنا، ثم اجتهدنا في حمل كلام الأنبياء على ما يوافق مدلول العقل، وفائدة إنزال هذه المتشابهات المشكلات اجتهاد الناس في أن يعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في تأويل كلام الأنبياء الذي لم يبينوا به مرادهم، أو أنا عرفنا الحق بعقولنا، وهذه النصوص لم تعرف الأنبياء معناها، كما لم يعرفوا وقت الساعة، ولكن أمرنا بتلاوتها من غير تدبر لها ولا فهم لمعانيها.
أو يقولون: بل هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا نقل، بل نحن منهيون عن معرفة العقليات، وعن فهم السمعيات، وإن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات، ولا يفهمون السمعيات. " (٢)
стр. 764
ثانياً: من سمات مناهج أهل الباطل أن عامتهم لا يعرفون ما جاء في الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهؤلاء قد لا يعرفون ما جاء به الرسول: إما عجزًا وإما تفريطًا، فإنه يحتاج إلى مقدمتين:
أن الرسول قال كذا، وأنه أراد به كذا.
أما المقدمة الأولى: فعامتهم لا يرتابون في أنه جاء بالقرآن وإن كان من غلاة أهل البدع مَنْ يرتاب في بعضه لكن الأحاديث عامة أهل البدع جهال بها، وهم يظنون أن هذه رواها آحاد يجوزون عليهم الكذب والخطأ، ولا يعرفون من كثرة طرقها وصفات رجالها، والأسباب الموجبة للتصديق بها ما يعلمه أهل العلم بالحديث؛ فإن هؤلاء يقطعون قطعًا يقينًا بعامة المتون الصحيحة التي في الصحيحين كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.
وأما المقدمة الثانية: فإنهم لا يعرفون معاني القرآن والحديث، ومنهم من يقول: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم، وقد بسطنا الكلام على فساد ذلك في غير هذا الموضع. " (١)
وقال ابن تيمية: "وإذا كانت الطائفة عن الله وعن رسوله أبعد، كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلّم صحة الحديث. وربما قال لقوله ﵇: كذا .. وتكون آية من كتاب الله. وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر" (٢)
ثالثاً: من سمات مناهج أهل الباطل أنهم يتعاملون مع النصوص بما يوافق أهواءهم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكثير منهم إنما ينظر من تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقوه على المذهب فيتأول تأويلاتهم، فالنصوص التي توافقهم يحتجون بها، والتي تخالفهم يتأولونها، وكثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر إتباع نص أصلاً، وهذا في البدع الكبار مثل الرافضة والجهمية» (٣).
стр. 765
رابعاً: من سمات مناهج أهل الباطل:
١ أنهم يلبسون الحق بالباطل.
٢ أنهم يقيمون الباطل بدلاً عن الحق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقوله ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) هما متلازمان فإن من لبّس الحق بالباطل فجعله ملبوسا به خفي من الحق بقدر ما ظهر من الباطل، فصار ملبوسًا ومن كتم الحق احتاج أن يقيم موضعه باطلا فيلبس الحق بالباطل، ولهذا كان كل من كتم من أهل الكتاب ما أنزل الله فلابد أن يظهر باطلا.
وهكذا أهل البدع لا تجد أحدًا ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئًا من السنة، كما جاء في الحديث «ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها» رواه الإمام أحمد (١) وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (٢).
فلما تركوا حظا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره، فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (٣)(٤).
فعلى المسلم أن يحذر من هاتين الصفتين الذميمتين فهي من سمات أهل الكتاب" (٥)
خامساً: من سمات مناهج أهل الباطل اتباع المتشابهات والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة.
وقد قال النبي ﷺ في وصف أهل الأهواء والبدع: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه أولئك الذين سماهم الله فاحذروهم» (٦)
стр. 766
وقد تحدث علماء السلف عن سمات الفرق الهالكة وأسباب تفرقهم وما أحدثوه في الدين تحدثوا من باب النصيحة والتحذير.
فقد سأل عمرو بن قيس الحكم بن عتبة: «ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟ قال الخصومات» (١) وقال الفضيل بن عياض: «لا تجادلوا أهل الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله» (٢) وفي مصنف عبد الرزاق أن رجلاً قال لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم. فقال: كل هوى ضلالة» (٣).
وعن أبي قلابة قال: «ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا السيف» (٤).
فالله تعالى قد ذم في كتابه من يتتبع المتشابهات ورسوله ﷺ كما عاقب عمر ﵁ صبيغاً.
وقد صارت هذه العادة سمة وشعارا لأهل البدع والأهواء ومنهجا ينتهجونه في التلبيس، وسلَّما للوصول إلى بغيتهم وطريقاً في تحقيق نواياهم السيئة، ومِعْولاً يهدمون بها أصول الدين، ويعارضون بها الحق بعد ما تبين للناس، ويلبسون به على عقول العوام ويفسدون به دينهم بإلقاء الشبهات تارة وباستخدام الألفاظ المجملة والمعاني مشتبهة تارة أخرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، مما كتبه في حبسه قال في أوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلي الهدى ويبصرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضالٍّ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون علي الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم
стр. 767
فنعوذ بالله من فتن المضلين" (١)
وقال شيخ الإسلام في تعليقه على كلام الإمام أحمد ﵀: "المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة ولكن يقصدون بها معاني أخر.
والمقصود هنا قوله: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم" (٢) وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة، التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعانً أُخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال"
سادساً: من سمات أهل الباطل طعنهم في الصحابة.
فها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (٣):
أما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم، وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم. فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق.
ثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (٤).
وأيضا - كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه. ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين.
стр. 768
وأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة.
أما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة - عدا آل البيت - وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية.
والإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ .
والأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، يلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ بعد أن حكى عنهم هذا الكلام -: "ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض" (١). (٢)
فالخوارج طعنوا في أصحابِ النبي ﷺ ، طعنوا ما طعنوا وكفَّروا ما كفَّروا.
وكذلك جاء من بعدهم المعتزلة حتى يقول العمرو بن عبيد: "لو جاءَ كلا الفريقين عليّ ومَن معه، ومعاوية ومَن معه، يشهدون عندي على حزمة بَقْل ما قبلت شهادةَ أحدٍ منهم" فطعنوا بها في هذه المرجعية، وأطلق عمرو بن عبيد على ابنِ عمر أنه من الحشوية.
سابعاً: من سمات أهل الباطل انتقاصهم لعلوم السلف وقولهم: بأن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
قال ابن تيمية: " ولا يجوز أن يكون الخالفون أَعْلَمَ مِنْ السَّالِفِينَ كَمَا قَدْ يَقُولُهُ بَعْضُ الْأَغْبِيَاءِ مِمَّنْ لَمْ يُقَدِّرْ قَدْرَ السَّلَفِ؛ بَلْ وَلَا عَرَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ حَقِيقَةَ الْمَعْرِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا: مِنْ أَنَّ "طَرِيقَةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ "وَطَرِيقَةَ الْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ " فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ: إنَّمَا أَتَوْا مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا: أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ هِيَ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ﴾ وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ هِيَ اسْتِخْرَاجُ
стр. 769
مَعَانِي النُّصُوصِ الْمَصْرُوفَةِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ وَغَرَائِبِ اللُّغَاتِ. فَهَذَا الظَّنُّ الْفَاسِدُ أَوْجَبَ " تِلْكَ الْمَقَالَةَ " الَّتِي مَضْمُونُهَا نَبْذُ الْإِسْلَامِ وَرَاءَ الظَّهْرِ وَقَدْ كَذَبُوا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَضَلُّوا فِي تَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ؛ فَجَمَعُوا بَيْنَ الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ. وَبَيْنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ بِتَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ. " (١)
ثامنا: من سمات أهل الباطل أنهم جمعوا بين الجهل والظلم
قال ابن تيمية: "وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ أَصْلٌ فَاسِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى جَهْلٍ وَظُلْمٍ، وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي ظُلْمِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي ظُلْمِ النَّاسِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُسْلِمَ الْعَالِمَ الْعَادِلَ أَعْدَلُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَالْخَوَارِجُ تُكَفِّرُ أَهْلَ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الرَّافِضَةِ وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ فُسِّقَ. وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَبْتَدِعُونَ رَأْيًا، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ. " (٢)
تاسعاً: ومن سمات مناهج أهل الباطل أن استدلالاتهم لا تخرج أن الأمور الآتية.
ما يحتج به أهل البدع فشبههم لا تخرج عن أحد الأمور التالية:
١ - إما آيات وأحاديث صحيحة يتأولونها ويتعسفون في تفسيرها حتى توافق ما جاءوا به من الباطل مع أنه ليس فيها دلالة على ما يزعمون ويدعون.
٢ - وإما أحاديث واهية أو موضوعة لا يحتج بها ولا يعتمد عليها بل هي مخالفة لأهم قواعد هذا الدين المبنية على الآيات والأحاديث الثابتة الصحيحة.
وهذا الصنف هو أغلب بضاعتهم، بل وأكثر ما يستدلون به عند عرض بدعهم، إما جهلا منهم بحكم هذه الأحاديث، أو لعلمهم بأن هذا النوع من الأدلة هو مما يسهل ترويج باطلهم عند العوام الذين لا يستطيعون أن يميزوا بين الصحيح والضعيف من الأحاديث.
٣ - وإما بحكايات مكذوبة منسوبة لبعض أئمة هذا الدين الذين لهم في نفوس الناس منزلة ومكانة. وتلك الحكايات مروية بأسانيد مظلمة عن رجال مجهولين وهي مردودة بما اشتهر عن أولئك الأئمة من أقوال ذكرت في كتبهم أو رويت عن طريق تلاميذهم بأسانيد صحيحة تؤكد زيف تلك، الحكايات المنسوبة إليهم وتبرهن على بطلانها.
стр. 770
٤ - أو بمنامات لا تخلو من أحد أمرين إما كذب صاحبها أو تلبيس الشياطين عليه، ويشهد لهذا ويؤكده مخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله.
ويا سبحان الله كيف يتصور أن يترك ا، وسلم شرع الله من أجل أحلام ومنامات.
٥ - أو أقوال من تكلم في الدين بلا علم، وليس معه فيما يقول ويدعى دليل شرعي، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
٦ - أو بحجج هي من جهة الرأي والذوق هي أوهن من بيوت العنكبوت ولا يخفى ضعفها وفسادها ومخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله إلا على الجهلة وأصحاب الهوى أتباع كل ناعق الذين لم يستضيئوا بنور العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أولئك الضلال أشباه المشركين والنصارى فعمدتهم: إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقوله إما أن يكون كذبا عليه وإما أن يكون غلطا منه إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه كما يفعل النصارى" (١)
والمقام هنا لا يتسع لعرض تلك الشبه والرد عليها، فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فعليه بمظان ذلك في كتب علماء السلف (٢)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول "الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (٣)
فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَعْلَمُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ " (١)
الثاني عشر: من سمات أهل الباطل اضطراب أقوالهم وتنقلهم من قول إلى قول.
قال ابن تيمية ﵀: (إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ : هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره -: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل (٢) " (٣)
стр. 773
«ثم ذكر: المأثور عن ابن عباس، وجوابه لِنَجدة الحروري». (١)،
نجدة الحروري: هو نجدة بن عامر الحنفي، الخارجي، الحروري، رأس من رءوس الخوارج، وزعيم فرقة النجدات، انشق عليه أصحابه وقتلوه سنة تسع وستين.
والأثر المذكور نصه عن عكرمة أنَّ نجدة قال لابن عباس: «كيف معرفتك بربِّك؛ لأن مَنْ قبلنا اختلفوا علينا؛ فقال: إنَّ مَنْ ينصب دينه للقياس لا يزال الدهر في التباس، مائلًا عن المنهاج، ظاعنًا في الاعوجاج، أعرفه بما عرف به نفسه من غير رؤية، أصفه بما وصف به نفسه» (٢).
стр. 774
«ثم حديث الصورة (١)، وذكر أنه صنف فيه كتابًا مفردًا، واختلاف الناس في تأويله».
وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنَّ الله خلق آدم على صورته»، فمعناه: أن الله جل وعلا خلق آدم على صورة الرَّحمن ؛ يعني: على صفاته سبحانه، فخصَّ آدم من بين المخلوقات بأنَّ له من الصفات مِنْ جنس صفات الله جل وعلا؛ فلله وجه وجعل لآدم وجهًا، وله سمع وجعل لآدم سمعًا، وله بصر وجعل لآدم بصرًا، إلى آخر ذلك.
فهذا اشتراك في الصفة، والاشتراك في الصفة لا يعني الاشتراك في الكيفية، وكما جاء في الحديث: «خلق الله آدم على صورته»، ف (على) تقتضي الاشتراك في جنس الصفة وفي أصل معناها، ولا تقتضي المشابهة ولا المماثلة في الكيفية ولا في الصفة.
وهذا هو التحقيق في معنى الحديث، خلافًا لمن فهموا منه التمثيل أو التشبيه أو الذين ردوه أو الذين جعلوا معنى الصورة: الصورة الخاصة، وليست الصورة العامة التي هي بمعنى الصفات.
فالله سبحانه له صورة مثل ما جاء في أحاديث كثيرة غير حديث الصورة هذا، كما جاء مثلًا في الحديث: «قالَ أُنَاسٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقالَ: «هلْ تُضَارُّونَ في الشَّمْسِ ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟». قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: «هلْ تُضَارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ليسَ دُونَهُ سَحَابٌ». قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: «فإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَومَ القِيَامَةِ كَذلكَ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ، فيَقولُ: مَنْ كانَ يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، ويَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، ويَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ،
стр. 775
وتَبْقَى هذِه الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في غيرِ الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: نَعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ، هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ» (١).
فجاء في هذا الحديث إثبات الصورة لله جل وعلا؛ فالله له صورة تليق بجلاله وعظمته، ولا يجوز أن نجعل هذه الصورة كصورة الإنسان؛ لأن هذا تمثيل والقاعدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير في حديث النبي ﷺ : «إذا قاتَلَ أحَدُكُمْ أخاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ، فإنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ علَى صُورَتِهِ»، قال: «ليس معناه أن صورةَ آدمَ مماثلةٌ لصورةِ الرحمنِ ، ولكن معناه: أن لآدمَ صورةً مشتمِلةً على صفاتٍ نظيرَ الصفاتِ التي أُثْبِتَتْ للرَّحمنِ، فآدمُ له وجهٌ يليق به، واللهُ له وجهٌ يليق به، وآدمُ له بصرٌ وسمعٌ ويدٌ ورِجْلٌ على ما يليق به، واللهُ له بصرٌ وسمعٌ ويدٌ ورِجْلٌ على ما يليق به ، فكلٌّ له ما يَخُصُّه وإن اتَّحَدَ الاسمُ. ويشهد لذلك أن في الجنةِ رُمَّانًا وفي الدنيا رمانًا، ولا يلزم من ذلك التماثل؛ إذ ليس في الجنةِ مما في الدنيا إلا الأسماءُ، ومجردُ الاتفاقِ في الاسمِ لا يعني الاتفاقَ في المسمى من كلِّ وجهٍ، وجاءَ في الحديثِ الصحيحِ: «أولُ زُمْرةٍ تدخُلُ الجنةَ على صورةِ القمرِ» (٢)، وليس معنى هذا أن هؤلاء يدخلون الجنَّةَ بهذا الشكلِ المُدوَّرِ الذي لا يَشتَمِلُ على عينٍ ولا أنفٍ ولا فمٍ ولا غيرها، لكِنْ لهم صورةٌ كما أن للقمرِ صورةً. وكذلك الحال في حديث: «خلق الله آدم على صورته»، فلا يعني أن الصورة مثل الصورة. والله أعلم».