← Акыда

Акыда · id 30017

المنحة الإلهية في شرح الفتوى الحموية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 219 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقول النبي ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (١). وضع خطوطًا تحت ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (٢)، «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (٣). ستجد إرشاداً ودليلاً على أن في الإنسان قُوَّتين: قوةً في العلم، فإذاً هو أُلهِم الرشد، وسَلِم من الغواية؛ استقامت عنده قوة العمل، وإذا هو كذلك هُدِي لطريق الحق، وعرف طريق الحق وسَلِم من الضلال، فعند ذلك تسقيم عنده قوة العلم. فإذًا قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، دليل على سلامة علمه وفكره واعتقاده، وسلامة عمله وسلوكه. ولذلك قال النبي ﷺ في تزكية أصحابه: «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (٤)، والرشد ضد الغواية، والهدى ضده الضلال، فلذلك كما نعلم أن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، فادعوا بهذا الدعاء «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (٥). لأنك إذا أُلهمت الرشد استقام وسُدِّد فكرك، وإن سلمت من شر النفس؛ فبالتالي استقام عملك وسلوكك، وبعد ذلك حصلت لك الهداية في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الإنسان يُخشى عليه من أمرين: الشهوات والشبهات، فهما جيشان من الباطل الشيطان يغزوك بهما، جيش الشهوات المحرمة، وجيش الشبهات المضللة، فأنت إن نجوت من الشهوات المحرمة ومن الشبهات المضللة؛ فبالتالي تكون قد نلت الخير كله. فلا بد أن تسقيم عند الإنسان كل من القوَّتين. فقوة التفكير والعلم يتم بناؤها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، وليس على الفلسفة والمنطق، وعلى آراء الرجال.

стр. 72

وقوة العمل والسلوك ينبغي كذلك أن يكون العمل الذي يطبِّقه العبد ويعمله مبنيًا على نصوص الكتاب والسُنَّة. فينبغي ألا تغيب هذه المسألة؛ لأنها مسألة أساسية، ما دام العبد قد اختار لنفسه طريق العلم، فعليه أن يدخل من باب السُنَّة، ويتعمق ويقرأ، ويستقرئ هذا المنهج من خلال القرآن، ومن خلال السُنَّة ومن خلال كلام السلف الصالح، وحينها سيجد ينابيع العلم. واعلم أن البدع نوعان: النوع الأول: بدعٌ قد يكون أهلها متمسِّكون ببعض النصوص، مثلًا: مَنْ يكون من المرجئة، أو مَنْ يكون من الخوارج والمعتزلة في مسألة مرتكب الكبيرة، هؤلاء يتمسكون بنصوص وهؤلاء يتمسكون بنصوص، نصوص جاءت بالوعيد لأهل الكبائر مثلًا ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]. هذا نص، وذاك يتمسَّك بنصٍ في الإرجاء، فهذه البدعة قد يكون لبعض لأهلها متمسك لشيء من النصوص دون الشيء الآخر. النوع الثاني: بدع ليس لها متمسك من النصوص. ومن ذلك الخلاف في مسألة الصفات فهو ليس خلافًا في فهم النصوص، إنما هذه البدعة ليس لهم فيها أصل من الكتاب والسُنَّة، وحتى هم يعترفون بهذا أن ليس لهم دليل من الكتاب والسُنَّة على ما يقولون.

стр. 73

(١٣) "وإذا كان كذلك: فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه فوق كل شيء، وعليٌّ على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، " بعد أن انتهى المصنف ﵀ من ذكر ما يتعلق بالجوانب التأصيلية، وبيان أن الأساس في هذا الباب وغيره من مسائل الدين هو الرجوع إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، شرع المصنف ﵀ في تقرير مسألة العلو والتي ذكرها السائل في رسالته لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال السائل: " ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات. " فبين المصنف هنا المنهجية التي سيسير عليها في تقرير إثبات صفة العلو حيث سيورد أمثلة من: أولاً: القرآن الكريم. ثانياً: السنة النبوية. ثالثاً: أقوال الصحابة والتابعين. رابعاً: أقوال أئمة الإسلام. فبين شيخ الإسلام ﵀ هنا أن إثبات هذه الصفة ورد في القرآن الكريم، والسنة النبوية، كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم وكلام أئمة الإسلام فهذه النصوص من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ -تدل دلالةً واضحةً صريحةً على إثبات صفة العلوِّ لله . وشرع في سرد تلك الأدلة بحسب هذا التقسيم الذي أورده:

стр. 74

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم على إثبات صفة العلو لله . (١٤) مثل: • قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ [فاطر: ١٠]، • ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] • ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ • أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًاِ﴾ [الملك: ١٦١٧]، • ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، • ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، • ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، • ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، • ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، في ستة مواضع، • ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، • ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦٣٧]، • ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، • ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤]. إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة. وفي شرح كلام المصنف هناك وقفات: الوقفة الأولى: كثرة أدلة إثبات صفة العلو. ليس غرض المصنف هنا حصر أدلة القرآن الكريم على إثبات صفة العلو لله تعالى وإنما ذكر أمثلة من تلك الأدلة فالأدلة أكثر من تحصر.

стр. 75

قال ابن تيمية: "قَدْ وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِالْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالْفَوْقِيَّةِ فِي كِتَابِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: فِي الْقُرْآنِ أَلْفُ دَلِيلٍ أَوْ أَزْيَدُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالٍ عَلَى الْخَلْقِ وَأَنَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ ثَلَاثُمِائَةِ دَلِيلٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ" (١) وقال ﵀: "دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةِ آيَةٍ وَهِيَ دَلَائِلُ جَلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ مَفْهُومَةٌ: مِنْ الْقُرْآنِ مَعْقُولَةٌ: مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. " (٢) الوقفة الثانية: تنوع عبارات القرآن في إثبات صفة العلو. فالقرآن الكريم من أوله إلى آخره مليء بما هو إما نص ظاهر في أن الله فوق كل شيء، وأنه عال على خلقه ومستو على عرشه، وقد تنوعت تلك الدلالات، فوردت بأصناف من العبارات، فقد أشار العلماء إلى ذلك التنوع في العبارة على إثبات هذه الصفة، ومن ذلك: ١ - التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعينة لفوقية الذات نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. ٢ - ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]. ٣ - التصريح بالعروج إليه، نحو ﴿تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوُحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. ٤ - التصريح بالصعود إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلكَلِمُ الطّيّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. ٥ - التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنّي مُتَوفَيّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. ٦ - التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو، ذاتاً، وقدراً، وشرفاً، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. ٧ - التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

стр. 76

﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل ١٠٢]. وهذا يدل على شيئين: الأول: على أنَّ القرآنَ ظَهَر منه لا من غيره، وأَنَّهُ الذي تكلم به، لا غيره. الثاني: على عُلُوِّهِ على خَلْقِهِ، وأنَّ كلامَه نزل به الرُّوح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله. ٨ - التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقوله ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرَّق بين من له عمومًا، ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا. ٩ - التَّصريح بأنه سبحانه في السَّماء، وهذا عند أَهْل السُّنَّة على أحد وجهين: إما أن تكون «في» بمعنى «على». وإما أن يراد بالسَّماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حملُ النَّصِّ على غيره. ١٠ التَّصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثُمَّ» الدَّالَّة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السِّياق صريحٌ في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العُلُوِّ والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتَّة. ١١ - إخباره سبحانه عن فرعون أنه رَامَ الصُّعُودَ إلى السماء؛ لِيَطَّلِعَ إلى إله موسى، فيُكذبه فيما أخبر به من أنه فوق السماوات؛ فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فكذَّب فرعونُ موسى في إخباره إياَّه بأن ربَّه فوق السماء (١). وفي قوله : ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ -بيَّن أن الملائكة أقرب إليه من غيرهم من خلقه. وكذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إلى غير ذلك من

стр. 77

ألفاظ متنوعة ومتعددة تدل دلالة واضحة على أن الله عال على خلقه مُستو على عرشه. الوقفة الثالثة: المواقف من صفة العلو وموقفهم من النصوص. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَقَدْ افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ " أَرْبَعُ فِرَقٍ " (١). القول الأول: القائل: الْجَهْمِيَّة الْنُّفَاةِ قولهم: يَقُولُونَ: لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَ الْعَالَمِ وَلَا فَوْقَ وَلَا تَحْتَ لَا يَقُولُونَ بِعُلُوِّهِ وَلَا بِفَوْقِيَّتِهِ. موقفهم من النصوص: لَمْ يَتَّبِعْوا شَيْئًا مِنْ النُّصُوصِ؛ بَلْ خَالَفَوهَا كُلَّهَا فليس لهم متمسك في النصوص بَلْ الْجَمِيعُ عِنْدَهُمْ مُتَأَوِّلٌ أَوْ مُفَوِّضٌ. وَجَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ قَدْ يَتَمَسَّكُونَ بِنُصُوصِ: كَالْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ إلَّا الْجَهْمِيَّة فَإِنَّهُمْ لَيْسَ مَعَهُمْ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُوَافِقُ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ النَّفْيِ؛ " القول الثاني: القائل: النجارية وَكَثِيرٌ مِنْ الْجَهْمِيَّة. قولهم: هم على قسمين: ١ - عُبَّادُهُمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. ٢ - أَهْلُ الْوَحْدَة يَقُولُونَ: إنَّهُ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَمَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ مُرَكَّبًا مِنْ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ. موقفهم من النصوص: هُمْ يَحْتَجُّونَ بِنُصُوصِ " الْمَعِيَّةِ وَالْقُرْبِ "؛ وَيَتَأَوَّلُونَ نُصُوصَ " الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ فهم تَرَكَوا النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الْمُحْكَمَةَ الْمُبَيَّنَةَ وَتَعَلَّقَوا بِنُصُوصِ قَلِيلَةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِم مَعَانِيهَا. القول الثالث: القائل: هذا قول جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني (٢)، وزهير

стр. 78

الأثري (١)، وأصحابهما (٢)، وهو موجود في كلام السالمية (٣) كأبي طالب المكي (٤) وأتباعه كأبي الحكم برجان (٥) وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا (٦) قولهم: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان. فهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (٧). والفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة. ويزعم أصحاب هذا القول إنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.

стр. 79

موقفهم من نصوص الصفات: يَقُولُون: نحن نقِرُّ بِهَذِهِ "لنُّصُوصِ وَهَذِهِ لَا نصْرِفُ وَاحِدًا مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهِ. وَهَذَا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ وَأَبْعَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فهم يَقُولُون: أَنَا اتَّبَعَنا النُّصُوصَ كُلَّهَا لَكِنَّهُم غالطوا أَيْضًا. فَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ وَلِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَلِلْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالًا مُتَنَاقِضَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَيَقُولُونَ: نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نَصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُمْ: إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَإِنْ قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِالْحُلُولِ الْخَالِصِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ " الصُّوفِيَّةِ " حَتَّى صَاحِبُ " مَنَازِلِ السَّائِرِينَ " فِي تَوْحِيدِهِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُلُولِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا. سُئِلَ " الْجُنَيْد " عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوَ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُوَحِّدِ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ وَالْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ "فَلَا يَخْتَلِطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَالشِّيعَةِ فِي أَئِمَّتِهَا؛ وَكَثِيرٌ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ يُنْكِرُ عَلَى الْجُنَيْد وَأَمْثَالِهِ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا قَالُوهُ مِنْ نَفْيِ الْحُلُولِ وَمَا قَالُوهُ فِي إثْبَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَيَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يُكْمِلُوا مَعْرِفَةَ الْحَقِيقَةِ كَمَا كَمَّلَهَا هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ. الرد عليهم: إنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض. أما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة "المعراج وصعود الملائكة

стр. 80

ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته. وأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فقد بينا خطأ هذا الاستدلال وبطلانه عند الرد على الأدلة السمعية لمذهب الجهمية، وقد بينا أنه ليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات "أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك. فإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش. وإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (١). القول الرابع: القائل: سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا: أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ قولهم: أَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ وَأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَهُمْ مِنْهُ بَائِنُونَ وَهُوَ أَيْضًا مَعَ الْعِبَادِ عُمُومًا بِعِلْمِهِ وَمَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْكِفَايَةِ وَهُوَ أَيْضًا قَرِيبٌ مُجِيبٌ. موقفهم من نصوص الصفات: يؤمنون بجميع نصوص الصفات ولا يرون أن بينها أي تعارض فأَثْبَتُوا وَآمَنُوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلْكَلِمِ فإجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم منعقد على إثبات علو الله، واستوائه على عرشه وقد نقل غير واحد من السلف هذا الإجماع عنهم، ومن ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي أنه قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله-تعالى-ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته" (٢).

стр. 81

وقال أبو نصر السجزي: "فأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وسفيان ابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي: متفقون على أن الله-سبحانه-بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش" (١). وقال أبو نعيم الأصبهاني في عقيدته المشهورة: "وطريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش والاستواء عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمواته من دون أرضه" (٢). وكلام السلف من الصحابة والتابعين، من تبعهم في إثبات العلو كثير جدا ولا يتسع المقام ههنا لذكره، وقد "نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الكثير من تلك النصوص الواردة عنهم، وبين إجماعهم على إثبات ذلك (٣)، وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" وكذلك الذهبي في كتابيه "العلو" و"العرش".

стр. 82

(١٥) "وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى مثل: • قصة معراج رسول الله ﷺ إلى ربه (١)، • ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، • وقول الملائكة الذين يتعاقبون [فيكم] بالليل والنهار، فيخرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم (٢). • وفي الصحيح في حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً» (٣)، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 83

• وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع». قال ﷺ : «إذا اشتكى أحد منكم، أو اشتكى أخ له، فليقل: ربنا الله الذي في السماء … » (١) وذكره. • وقوله في حديث الأوعال (٢): «والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» (٣). رواه أبو داود. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 84

[وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن كأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم، فهو مروي من طريقين مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عنه موصولاً إلى النبي ﷺ . • وقوله في الحديث الصحيح للجارية: «أين الله؟» (١) قالت: في السماء. قال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 85

«من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة» (١). • وقوله في الحديث الصحيح: «إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي» (٢). • وقوله في حديث قبض الروح: «حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله» (٣) إسناده على شرط الصحيحين. " ثانياً: الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو. السنة مليئة بالأحاديث الدالة على علو الله- -واستوائه على عرشه، وقد تكلم

стр. 86

المصنف على إثبات ذلك في خلال الكثير من الأحاديث، كأحاديث المعراج، وأحاديث صعود الملائكة ونزولها من عند الله، وعروج الروح إليه، واستواء الخالق على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ورؤيته في الآخرة، فالسُّنَّةُ قد دلَّت على عُلُوِّ الله بدلالاتها الثلاث: (القولية، والفعلية، والتقريرية). أولاً: أما السُّنَّة القولية فمنها: ١ حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً». ٢ حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض». ثانياً: وأما أدلة السُّنَّة الفِعلية فمنها: ١ - ما رواه مسلم من حديث جابر ﵁ في حديث حَجَّةِ الوَدَاعِ، وفيه: أن رسول الله ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا … »، إلى أن قال جابر ﵁: «فقال بإصبعه السَّبَّابَة يَرْفَعُهَا إلى السَّماء وَيَنْكُتُهَا إلى الناس: اللهم اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» (١). قال العَلَّامة ابن القَيِّم ﵀ مُعَلِّقًا على هذا الحديث: «ليشهد الجميعُ أن الرَّبَّ الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه» (٢). ٢ - ما في الصَّحيحين في رفعه ﷺ يديه إلى السماء قائلًا: «اللهم اسقنا» (٣). وهكذا رفعه يديه في الاستسقاء وغير ذلك. ثالثاً: ومن أدلة السُّنَّة التقريريَّة وأشهرها: ما رواه معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي ﵁ قال: «كانت لي جاريةٌ تَرْعَى غَنَمًا قِبَلَ أُحُدٍ والجوَّانيَّة، فاطَّلَعْتُ ذات يومٍ فإذا بالذئب قد ذهب بشاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يَأْسَفُونَ لكني صَكَكْتُهَا، فأتيتُ رسول الله ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها»، فأتيتُه بها، فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء، قال: «ومَن أنا؟». قالت: رسول الله، قال: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة».

стр. 87

وقد تقدم ذكر موقف المعطلة عموماً من نصوص السنة ورفضهم الاحتجاج بها بزعم أنها أخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا يحتج بها في باب الاعتقاد، مع وصفهم لها بأنها أحاديث التشبيه كقول الغزالي: " وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة" (١). وأحاديث التشبيه يقصد بها أحاديث الصفات، والحديث كلام المصطفى ﷺ -كيف يُنبز بهذا الوصف الذي ينفر السامع؟ ثم كيف تحكم عليها هكذا أنها غير صحيحة؟ ولا يتوهم السامع أن معنى أكثرها غير صحيحة أنها ضعيفة أو موضوعة، بل يقصدون بها أنها أخبار آحاد وعنده أن أخبار الآحاد لا صحة لها. فشتان بين من يعظم السنة ويوقرها يحتج بها ويصدرها ويستدل بها، وبين من لا يقيم لها وزناً أو اعتباراً، بل ويتهكم بنصوصها وينفر منها بألقاب وأسماء تجعل السامع ينفر منها، بل ويقدم عليها زبالة الأفكار وأقوال من لم يعرف الله حق المعرفة.

стр. 88

(١٦) " • وقول عبد الله بن رواحة ﵁ الذي أنشده النبيَّ ﷺ وأقره عليه: شهدتُ بأن وعدَ الله حق … وأنَّ النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ … وفوق العرش رب العالمينا (١) • وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي (٢) الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: «آمن شعره وكفر قلبه»: مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبنا الأعلى الذي سبق الناس … وسوى فوق السماء سريرا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 89

شرجعًا (١) ما يناله بصر العين … يرى دونه الملائكة صورا (٢) " (٣) ثالثاً: أقوال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. وهكذا ما أوثر عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. فأوثر عن عبد الله بن رواحة أنه قال في أبيات شعرٍ له: شهدت بأن وعد الله … حقٌ وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ … وفوق العرش رب العالمينا فإذًا هذا واضح في إثبات صفة العلوِّ والاستواء لله . وهكذا في شعر أمية بن أبي الصلت وقد سمعه النبي ﷺ -ولم يرده، فمن شعره أنه قال: مجِّدوا اللَهَ فَهوَ لِلمَجدِ أَهلٌ … رَبُّنا في السَماءِ أَمسى كَبيرا بالبناء الأَعلى الَذي سَبَقَ الناسَ … وَسَوَّى فَوقَ السَماءِ سَريرا فإذًا هذا مما يدل على أن هذا الأمر لو كان فيه ما يخالف العقيدة لما قَبِلَه النبي ﷺ ، ولما قَبِلَ أن يسمعه، ولما قَبِلَ أن يقبله، ولما قَبِلَه العلماء، ولما علقوا عليه فيما أوردوه من كتبهم.

стр. 90

(١٧) "إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علمًا يقينًا من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول ﷺ -المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوِّين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء". فهذه نصوص كما يقول: "إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله ﵎"، وإن شئت الاستزادة في هذا فارجع إلى كتابي "العلو" و "العرش" للذهبي، فالذهبي جمع في كتابيه الكثير من النصوص والآيات والأحاديث والمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وقد قام الشيخ الألباني باختصار هذا الكتاب فيما سماه مختصر العلو، فإن شئت ارجع إلى مثل هذا الكتاب تجد أن المؤلف جمع فيه العشرات من النصوص. وكذلك ارجع إلى كتاب ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية"، فابن القيم في هذا الكتاب جمع كذلك العشرات من النصوص في هذه المسألة، فالرجوع إلى هذين الكتابين يؤكد ويبين أن كتاب الله تعالى جاء بإثبات صفة العلو، وسنة المصطفى ﷺ -جاءت بإثبات صفة العلو، وكذا أن هناك العشرات بل المئات من النصوص عن السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومَن جاء بعدهم من الأئمة تؤكد على إثبات هذه الصفة، وعلى أن اعتقادهم فيها هو إثبات صفة العلو لله . وفي المقابل لو جئت إلى القوم فقلت لهم: أين دليلكم من كلام الله تعالى أو من كلام رسوله ﷺ -أو من المأثور عن الصحابة والتابعين أو تابعي التابعين؟، أعطونا دليلاً واحداً يؤكد على صحة ما تزعمون، وما تقولون؟ وذكر المصنف ﵀ في هذا الموضع ما يتعلق بصفة العلو، وما يتصل بهذه الصفة من جملةِ صفاتٍ. فأعظم مسألتين في باب أسماء الله وصفاته: هما صفة العلو وصفة الكلام، وهذا

стр. 91

لأهمية هاتين المسألتين في هذا الباب؛ لأن أهل الباطل من المعطلة أَصَّلوا قولهم في صفة العلو بناء على أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد، فكذَّبوا بكل غيب، ولذلك أنكروا عُلُوَّ الله ؛ وهو أعظم غيب، وهم بذلك يُريدون الوصول إلى إنكار وجوده؛ لأن في إثبات علوه إثباتًا لوجوده جل وعلا، وإثبات وجوده إثبات لأعظم الغيب. وكذلك أرادوا أن يتسلطوا على صفة الكلام؛ لأن في إثباتها إثبات للوحي، وهو مصدر العلم الشرعي، فهم يريدون أن يُفسدوا هذا الباب؛ ليقصروا مصدر العلم على نفوسهم، وبالتالي يريدون أن يُسووا بين قولهم وقول رسول الله ﷺ باعتبار أن مصدر الاثنين واحد. وبالتالي، فمسألة العلو من أعظم المسائل؛ لذلك نجد أن النصوص التي أثبتت هذه الصفة متواترة ومتنوعة ومتعددة، حتى إنَّ العلماء يذكرون أن في كتاب الله أكثر من ثلاثمائة آية تتكلم عن علوِّ الله بأساليب متنوعة ومتعددة كما تقدم ذكره.

стр. 92

(١٨) "كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم، في الجاهلية الإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته". رابعاً: دليل الفطرة. ثم انتقل المصنف إلى دليل الفطرة: فدليل الفطرة أمرٌ الله -جَبَلَ النفوس عليه، فما من قائلٍ يقول: يا الله، إلا ويجد في نفسه ضرورة تطلب جهة العلو، لا يلتفت يمنةً ولا يسرة، فأنت إن شئت انظر بعد أن تصلي في مساجد المسلمين كيف يرفع الناس أيديهم في الدعاء، ويتجهون إلى جهة العلو، ولا يلتفتون يمنةً ولا يسرة. فقد قال إمام الأئمة محمد بن خزيمة ﵀: «باب ذكر البيان أن الله في السماء، كما أخبرنا في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين علمائهم وجُهَّالِهِمْ وأَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِم بَالِغِيهِم وأَطْفَالِهِم، كل مَنْ دعا الله جل وعلا فإنه يرفع رأسَه إلى السماء ويمد يدَيْه إلى الله إلى أعلاهُ، لا إلى أسفل» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم، فهذا أمرٌ معلومٌ بالفطرةِ الضروريةِ التي يشترك فيها جميع بني آدم. وكُلُّ مَنْ كان بالله أعرفَ وله أَعْبَدَ ودُعَاؤُهُ له أكثرَ وقَلْبُهُ له أَذْكَرَ كان علمُه الضروريُّ بذلك أقوى وأكملَ، فالفطرة مُكَمَّلَةٌ بالفطرة المنزَّلة؛ فإن الفطرةَ تعلم الأمر مُجْمَلًا والشريعة تُفَصِّلُهُ وتُبَيِّنُهُ وتَشْهَدُ بما لا تَسْتَقِلُّ الفطرة به، فهذا هذا، والله أعلم» (٢). فالله تعالى فطر القلوب على إثبات علوه عز جل، ولذلك لما تكلم أبو المعالي الجويني في إنكار صفة العلو؛ وقال على المنبر: كان اللهُ ولا عَرْشَ، فقال له أبو

стр. 93

جعفر الهمداني: يا أستاذ دَعْنَا مِنْ ذكر العرش- يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمْعِ- أَخْبِرْنَا عن هذه الضرورة التي نَجِدُهَا في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قَطُّ (يا الله) إلا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ، لا تلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حَيَّرَنِي الهمذانيُّ، حَيَّرَنِي الهمدانيُّ، ونزل (١). فالله فطر هذه القلوب على إثبات علوه فأنت في كل أحوالك إذا سألت الله اتَّجهت إلى جهة واحدة، وهي جهة العلو، فلا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأن الله فطر القلوب على معرفته، ومن ذلك جواب الجارية على النبي ﷺ لما سألها الجارية: «أين الله؟». فقالت: «في السَّماء». فقال ﷺ : «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (٢). فإذًا هذا أمرٌ مغروسٌ في الفِطَرِ، الله تعالى فَطَرَ الناس على ذلك، وما من إنسانٍ صاحب فطرةٍ سليمة إلا وهذا الأمر في فطرته، وهذا يؤكده حديث الجارية، لما سألها النبي ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء، وهذا جاء في صحيح مسلم. بل إن هذا أمرٌ مغروسٌ في فطر الأمم جميعًا، على اعتقاد بأن الله تعالى في السماء؛ ولذلك ما من إنسان يحزبه أمر إلا إذا أراد أن يدعو الله تعالى وأن يناجي الله -مد يديه إلى السماء، واتجه بقلبه إلى جهة السماء، يسأل الله ، ويطلب الله . فإذًا كما يقول المصنف: "كما فطر الله على ذلك جميع الأمم"، فجميع الأمم بلا استثناء مفطورةٌ على الإيمان بأن الله تعالى في السماء، وأنه عالٍ على خلقه، سواءٌ كانوا عَرَبًا أو عَجَمًا في الجاهلية أو الإسلام، "إلا مَنْ اجتالته الشياطين عن فطرته" (٣) يعني: إنسان غُيِّرت فطرته، إذ لُقِّن أن الله في كل مكان، هذا إنسانٌ آخر، إنسانٌ تغيرت فطرته بمغيرٍ خارجي. وكما قال النبي ﷺ : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» (٤)؛ معنى ذلك أن الفطرة قد تتغير إذا لُقِّن هذا الإنسان أمرًا مخالفًا

стр. 94

للفطرة، بأن لُقِّن وقيل له: إن الله في كل مكان، بعد ذلك أصبحت مثل هذه الأمور عقيدة في نفسه، ليست أمرًا فطريًا، ولكنه أمرٌ خارجٌ عن الفطرة، ومؤثرٌ ومغيرٌ خارجي عن الفطرة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقراراً بذلك، وتصديقاً من غير أن يتواطؤا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم. وكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجهاً إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات. فهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك" (١).

стр. 95

(١٩) (ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفًا) خامساً: أقوال السلف. مقصود المصنف ﵀ أن هناك مئات أو ألوف النصوص التي تؤكد أن عقيدة السلف في هذه المسألة هي هذه، وأنت لو رجعت إلى قدماء الأشاعرة، كالبيهقي مثلاً وهو من قدماء الأشاعرة، والأشاعرة يجعلونه من أوائلهم، أو ارجع إلى ابن فورك، أو ارجع إلى الباقلاني، فهذه كتبهم موجودة وهم من قدماء الأشاعرة، ومع ذلك لم ينكروا العلو، بل أثبتوا صفة العلو. فلو تجاهلنا علماء السلف، فعلى أقل الأمور أن يرجع الإنسان إلى كتب قدماء الأشاعرة، فإن كتب قدماء الأشاعرة لا تنكر صفة العلو بل تثبتها، وهذا كتاب التمهيد للباقلاني مثلًا، أو كتب البيهقي، مثل كتاب الأسماء والصفات مثلًا. فكتب قدماء الأشاعرة تؤكد أن عقيدة القدماء منهم، هي إثبات صفة العلو؛ لأن الأشاعرة المتأخرين إنما تأثروا بهذا الفكر وحملوه من المعتزلة وليس عن قدمائهم؛ لأنه لم يكن عند القدماء من خلل إلا في إنكار ذلك النوع من الصفات، فالقدماء أخذوا عقيدتهم من الكلابية، والكلابية كان إنكارهم والخلل عندهم إنكارهم صفات الأفعال الاختيارية، لكن الجويني إمام الحرمين، ثم مَنْ جاء من بعده كالغزالي إلى الرازي إلى غيرهم، هؤلاء هم الذين أنكروا مثل هذه الصفات وهي مما أخذوه من المعتزلة. وكذلك تأثر المعتزلة بهذا الفكر من الجهمية، فهذا الفكر لم يكن موجودًا عند واصل بن عطاء، ولكن تلاميذ المعتزلة هم الذين أخذوا فكر إنكار الصفات، أما واصل فكان خلله في مسائل محدودة، منها مرتكب الكبيرة، ومنها مسألة القدر، ولم يكن عند واصل بن عطاء ولا من في طبقته إنكارٌ للصفات، وإنما جاء هذا عند تلاميذ المعتزلة.

стр. 96

وكما يقول شيخ الإسلام: "إذا كان الغلط في الأوائل شبرًا صار من بعده ذراعًا، ثم باعًا، ثم إلى ما شاء الله" (١)، فالبعد عن الكتاب والسُنَّة لا شك أنه طريق هلاك. فإذًا أقوال السلف موجودة، وإن شئت ارجع إلى شرح أصول اعتقاد أهل السُنَّة للالكائي، وإن شئت ارجع إلى كتاب الشريعة للآجري، وإن شئت ارجع إلى كتاب السُنَّة للإمام أحمد، والسُنَّة لعبد الله بن الإمام أحمد، وكتب السلف الحمد لله مطبوعة ومخدومة في هذا الزمان. ولذلك مَنْ كان على عقيدة أهل السُنَّة عليه أن يعتني بجمع المأثور، وينظر في المأثور عن علماء السلف في صفات الله تعالى، وهو محفوظٌ وبأسانيده بفضل الله تعالى، فهو العلم كما قال الإمام الشافعي: العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذلك وسواس الشياطين فينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يكون على بصيرةٍ وعلى بينة، وأراد أن يؤصِّل لنفسه، فعليه أن يعتني بالمأثور، فما جعل الكثير من طلبة العلم في حيرةٍ واضطراب، وفي شكٍ وارتياب إلا أنهم لم يجعلوا لعلمهم الذي يعتنون بجمعه أصلًا وأساسًا يعتمدون عليه، بل غاية الكثير منهم إذا استحسن كلامًا من فلان، قال به وحمله في فكره وفي رأسه، ثم يأتي آخر بكلامٍ يناقضه ويضادُّه فيحمله، فيكون في حيرةٍ واضطراب، وتستمر هذه الحيرة معه، لأنه لا يعلم مع مَنْ يعلم مع مَنْ يتلقى وممن يأخذ، فتجده اليوم على فكرٍ معين ثم غدًا على فكرٍ آخر، وكل هذا سببه السطحية التي هو عليها، وإذا أردت أن تؤسِّس علمًا واعتقادًا في نفسك فاجعله على هذه الثوابت. فانظر إلى ما في كتاب الله تعالى واعرفه واحفظه، وانظر إلى ما في سنة المصطفى ﷺ -واعرفها واحفظها، وانظر فيما هو من المأثور من كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم واعرفه واحفظه، ثم بعد ذلك يكون قد وسعك ما وسعهم ولك في ذلك غنية، فهم أئمة وأعلام هدى، والعلم يؤخذ منهم وعنهم وكما يقول بعض السلف: «من لم يسعه ما وسع الرسول ﷺ وما وسع الصحابة فلا وسع الله عليه» (٢). ولا شك أن كل واحدٍ يعرف لهؤلاء ما لهم من قدر، وما لهم من منزلة، سواء

стр. 97

كانوا أصحاب محمدٍ ﷺ -فهم خير هذه الأمة، قومٌ اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه. ولذلك ابن مسعود، وهو صحابي جليل يحث على هذا المنهج فيقول: " مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فإنَّ الْحَيَّ لَا تُؤمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ "، يقول هذا وهو في وقته. وبعد ذلك يقول: " أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اخْتَارَهُمُ الله لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى أَثَرِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُم منْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ " (١). هذه كلمات قالها ابن مسعود ﵁-ومشهورٌ عن ابن مسعود ﵁-أنه من أشدِّ الصحابة محاربةً للبدع، فانظر إلى هذه الكلمات وتمعنها فهي تضع منهجا وترسم طريقا، "أولئك أصحاب محمد"، لماذا الإعراض عن هؤلاء؟ وعن كلامهم؟ أليسوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا؟ أليسوا أعمقها علمًا؟ أليسوا أقلَّها تكلفًا وبُعدًا عن البدع والأهواء؟ أليسوا قوماً اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﵌ وإقامة دينه؟ فلماذا نعرض عن كلامهم وعن المأثور عنهم اعتقادًا وعملًا؟ فينبغي للإنسان أن يسير على هذا النهج، ثم إذا وجدت كتابًا يسير على هذا النهج فافرح به، واسعَ لحفظه، ولا تكن ممن قال عنهم علي ﵁: "همج رعاع أتباع كل ناعق" (٢)، فليس كل مَنْ تكلم أو تفوَّه بكلمة واستطاع أن يقنعك بها، ليس هو على الحق، وإلا سيتعدد الحق، ويضطرب الناس، ويضطرب الفكر. قال الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀ ورَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "أو كلما جاءنا رجل ألحن بحجته من الآخر أخذنا بقوله وتركنا ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد ﷺ ". ولكن عليك أن تعتمد هذا الأصل وهذه القاعدة، وتؤسِّس علمك عليها، فإنه

стр. 98

والله إن سرت على هذا، بإذن الله تسلم وتنجو من كثيرٍ من الفتن وكثيرٍ من الأهواء التي يومًا ما ستنقشع وتنجلي، ثم بعد ذلك يظهر ما فيها من الفساد والانحراف. فهذه وصية السلف يتناقلونها ويتواصون بها قديمًا وحديثًا، ونحن حملناها من مشايخنا، فأذكر أن الشيخ حماد الأنصاري ﵀-عندما كان يدرِّسنا كان يوصينا بمثل هذا، وكان يسرد علينا كتب السلف المأثورة حتى وإن كانت مخطوطات، ويرشدنا إلى مواضعها، ويعطينا من أخبارها. فبحمد الله هذا كان حافظاً للإنسان وهو في طور التأسيس عندما يقتني ويقرأ، كان حافظًا بفضل الله تعالى لنا من أن نزيغ عن هذا المنهج، فهذه وصية أشعر والله أنني بنفسي استفدت منها من هذا الشيخ، وأحفظها له إلى هذا اليوم، أنه أوصانا بكتب المأثور، وأوصانا باقتنائها، وأوصانا بمدارستها ودراستها؛ لأن فيها العلم وفيها الخير. فإن تركنا هذا العلم وهذا الخير، فلا شك أن بعد ذلك قد استبدلنا هذا العلم بالأهواء والبدع، وبأقوالٍ لا ندريٍ ألها أساسٌ وسلطان من الحق أو ليس لها أساسٌ من الحق؟، فلا يغيب عنك أن كلام السلف له قيمته، بل له قيمةٌ من أعظم ما تكون؛ لأنه يؤكد ويبين صحة هذا المنهج، وأن هذا المنهج ليس منهجًا شاذًّا أو منفردًا، أو قد انفرد به فلان من الناس. بل هو كلام الأئمة السابقين الذين لا شك أن علمهم محفوظٌ وموروث، وبحمد الله طبع الكثير منه، وهو إلى يومنا هذا لا يزال تحت عناية الدارسين، فلا تتجاهل هذا العلم، ولا تتجاهل هذه النصوص، واعتنِ بها جمعًا وقراءة وعلمًا وتعلُّمًا وتعليمًا.

стр. 99

(٢٠) "ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول ﷺ ، ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة والتابعين، ولا عن أئمة الدين الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا". بدأ المصنف ﵀ بعد أن انتهى من تأسيس أصول أهل السنة في هذه الباب، بالانتقال للخصم وإلى ما معه، وكأن لسان مقاله يقول: يا تُرى هذه بضاعتنا قال الله وقال الرسول، وقال السلف الصالح، فما بضاعة القوم؟ هل لهم فيما زعموا وفيما ادَّعوا دليل من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ؟ فليس عند القوم الذين خالفوا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، دليل من كلام الله تعالى ولا من كلام رسوله ﷺ ، ولا من كلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، أو من أئمة الدين المشهورين المعروفين كالأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى. فهذا يوضح أن هؤلاء ليس لهم في هذا الميراث من نصيب، وليس لهم حظٌّ، بل ساحتهم خالية من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، لأنهم لا يرون لهذا قيمة، فلا تجد في باب الإلهيات ولا في باب النبوات؛ لأنهم يقسمون أبواب الاعتقاد إلى ثلاثة أبواب: باب الإلهيات. باب النبوات. باب السمعيات. فالإلهيات: أي إثبات وجود الله كما يقولون وهذا منتهى التوحيد عندهم. والنبوات: أي الإيمان بنبوة النبي. والسمعيات: أي ما يتعلق بالبعث والنشور واليوم الآخر. ولن تجد في البابين الأُولَيَيْن، باب الإلهيات وباب النبوات، قال الله وقال الرسول، بخلاف ما قد تجد في باب السمعيات؛ وهم أسموها سمعيات لأنها -كما

стр. 100

يقولون-مصدرها الكتاب والسُنَّة، لكن في باب التوحيد وفي باب النبوات لن تجد قال الله وقال الرسول، إنما ستجد قال القدماء، قال الحكماء، قال العقلاء، ويعنون بذلك أهل المنطق والفلسفة. ومما يؤكد ذلك أيضًا أنك لا تستطيع فهم عقيدة الأشاعرة حتى تدرس المنطق، فهو سُلَّمٌ لفهم عقيدتهم، مما يدل ويؤكد أن هؤلاء ليس لهم حظٌ في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، ولا في المأثور عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله عليهم؛ لأن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌ وكلام هؤلاء لا يحتاج إلى فلسفةٍ ومنطق. ومَن ذا الذي يقول: إن القرآن يحتاج إلى علم المنطق لكي يُفهم؟، أو أن كلام الرسول ﷺ -يحتاج إلى المنطق والفلسفة لكي يُفهم؟، أو أن كلام السلف الصالح يحتاج إلى هذا لكي يفهم؟ فإذًا، هذا تنبيهٌ وإشارة من شيخ الإسلام أن هذه أصول أهل السُنَّة، وهذا معتقدهم، فإن شئت فاعتمد وقل بما قالوا، أما القوم فلا حظ لهم ولا نصيب في هذه الأصول.

стр. 101

(٢١) "ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه [بذاته] في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصبع، ونحوها؛ بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: «ألا هل بلغت؟». فيقولون: نعم. فيرفع أصبعه إلى السماء وينكبها [إليهم] ويقول: «اللهم اشهد» غير مرة، وأمثال ذلك كثير. فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصًا وإما ظاهرًا، فكيف يجوز على الله، ثم على رسوله ﷺ ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائمًا بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق الذي يجب اعتقاده ولا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصًا ولا ظاهرًا، حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة، يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف، أو كل فاضل أن يعتقدها" أي ليعطينا أي إنسان من هؤلاء أنه ورد عن الصحابة أو التابعين وتابعي التابعين أو عن الأئمة الأربعة أنهم قالوا إن الله في كل مكان. بل إن الإمام أبو حنيفة يقول: "مَنْ أنكر إن الله -في السماء فقد كفر" (١)، فحكم عليه بالكفر، وللشافعي ﵀-كلام في هؤلاء سنأتي إليه في نهاية هذه الفتوى بإذن الله تعالى. فهذه أقوال المبتدعة تدور حول هذه العبارات، فمن منكرٍ لعلوِّ الله تعالى، ومن منكرٍ لاستوائه، ومن منكرٍ وقائلٍ بأن الله تعالى بذاته في كل مكان، ومن قائلٍ بأن الله

стр. 102

لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا متصلٌ ولا منفصل، ومن قائلٍ إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع، مع أن النبي ﷺ -في حجة الوداع كان يرفع إصبعه السبابة هكذا وينكبها إلى أصحابه كما قال ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ -لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمعٍ حضره الرسول ﷺ -جعل يقول: «اللَّهُمَّ قَدْ بَلَّغْتُ». قَالُوا: نَعَمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُبُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ» (١).

стр. 103

(٢٢) "فلئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أُحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًا أو ظاهرًا، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين. " لو كان الحق فيما يزعم هؤلاء فالنصوص تقول شيئاً، وهم يقولون شيئاً آخر، فالحق واحد لا يتعدد، فإما أن يكون الحق في صف هذه النصوص، وإما أن يكون الحق في صف هؤلاء، فأنت اجمع واعقد مقارنة كما يرشدك شيخ الإسلام، اجمع النصوص واقرأها، ثم انظر في قول هؤلاء، هل تجد في قول هؤلاء ما يدل عليه النصُّ ويؤكده؟ أم أن قولهم على خلاف ما يقول النصُّ؟ فإذًا بعد ذلك، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فإما أن يكون الكتاب والسُنَّة وسلف الأمة على الخطأ وحاشا أن يكون الأمر كذلك، وإما أن يكون هؤلاء على الخطأ، وهذا الأمر من أوضح وأبين ما يكون، فإنهم على الخطأ البيِّن، إذا كان الأمر في مثل هذه المقارنة. فإذًا كما يقول المصنف: كيف يُعقل أن الحق يكون على خلاف ما جاء في النصوص، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، هل نقول بعد ذلك إن للشريعة ظاهراً وباطناً؟، ونزعم كما زعم الباطنية من الرافضة والصوفية، أو أن للنصوص شريعة وحقيقة. فلا شك أن هذا الشرع واحد، وأن ظاهره وباطنه سواء، ولا يقول مثل هذا الكلام إلا مَنْ انحرفت عقيدته من المتصوفة والباطنية، فهؤلاء الذين إذا جئت تخاطبهم فقالوا: اذهبوا عنا أنتم علماء الشريعة ونحن علماء الحقيقة، وأنتم علماء الظاهر ونحن علماء الباطن، فالشريعة ظاهرها وباطنها سواء والأمر واحد ولا يختلف، فيطرح المصنف مثل هذا الاستفهام وكيف يكون هذا الحق ثم لا يعتقدونه.

стр. 104

(٢٣) "فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ: إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُنَّة وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَلَكِنْ اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ -سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ -وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ. ثُمَّ هُمْ هَهُنَا فَرِيقَانِ: أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: مَا لَمْ تُثْبِتْهُ عُقُولُكُمْ فَانْفُوهُ -وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ تَوَقَّفُوا فِيهِ -وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ -الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وَمُضْطَرِبُونَ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ -فَانْفُوهُ وَإِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَارْجِعُوا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ؛ وَمَا كَانَ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ قِيَاسَكُمْ هَذَا أَوْ يُثْبِتُ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ عُقُولُكُمْ -عَلَى طَرِيقَةِ أَكْثَرِهِمْ -فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ لَا لِتَأْخُذُوا الْهُدَى مِنْهُ؛ لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اللُّغَةِ وَوَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ وَغَرَائِبِ الْكَلَامِ. أَوْ أَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إلَى اللَّهِ مَعَ نَفْيِ دَلَالَتِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ؛ هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ عَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ. (٢٤) وهذا الكلام قد رأيته صرَّح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيد عنه، ومضمونه أن كتاب الله لا يُهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردُّون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة وهم المشركون والمجوس، وبعض الصابئين. وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة، ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أُمروا أن يكفروا بهم، وما أشبه هؤلاء المتكلفين بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا • وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا • فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 105

فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علمًا وعملاً بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية. ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أُمروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عن من قال كقولهم لتشابه قلوبهم ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ .. ﴾ [البقرة: ٢١٣] (٢٥) ولازم هذه المقالة: أن لا يكون الكتاب هدًى للناس، ولا بيانًا ولا شفاء [لما في الصدور] ولا نورًا، ولا مردًّا عند التنازع، لأنا نعلم بالاضطرار [أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أن الحق الذي يجب اعتقاده لم يدل عليه [الكتاب والسنة] لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات، ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لقد أبعد النجعة وهو إما مُلْغِز، أو مُدَلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين. (٢٦) ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مَرَدَّهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالاً. يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ يومًا من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا؛ فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه. (٢٧) ثم الرسول ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: «إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 106

ورُوي عنه ﷺ أنه قال في صفة الفرقة الناجية: «هو من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». فهلا قال من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين. لا يزال المُصَنِّف رحمه الله تعالى يبين من خلال هذه العبارات ومن خلال ما يعقده من موازنة بين منهج أهل الحق ومناهج أهل الباطل، يبين حقيقة الأمر وحقيقة الخلاف في أصله، وكما تعلمون أن الخلاف هنا خلافٌ بين منهجين؛ إما منهج أهل الحق المبني على الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، كما أسلف المُصَنِّف وبين وقدم، وإما المنهج العقلي الفلسفي المبني على منطق اليونان وفلاسفة الهند وأشكالهم وأمثالهم. ففي بداية هذا الكلام قال المُصَنِّف: "فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ: إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُنَّة وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَلَكِنِ انْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِا"، فهنا يبين أن هؤلاء قد طرحوا منهج الحق ونَحَّوْهُ جانباً وأقصوه وأبعدوه، وكما ذكرنا سالفاً أنك لا تجد عند هؤلاء استدلالاً بالنصوص في باب الإلهيات ولا في باب النبوات، وهذان البابان كما ذكرنا هما أصلا هذا الدين؛ لأن هذا الدين قام على أصلين هما: التوحيد والاتباع؛ أي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكما قال المصطفى ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وهذا جانب التوحيد، «وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» (١)، وهذا جانب الإيمان بالنبي ﷺ واتباع النبي ﷺ .

стр. 107

فهؤلاء القوم في هذين الأصلين أقصوا منهج الحق وأبعدوا نصوص الكتاب والسنة، وأبعدوا كذلك منهج السلف الصالح، وبالتالي لن تجد في كتبهم قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ ، وإنما الذي ستجده: قال بعض الفضلاء، وقال بعض الحكماء، وقال بعض العقلاء. وبالتالي يريد أن يشير المُصَنِّف في هذه العبارات، إلى أن هؤلاء اعتمدوا منهجاً وهو الاعتماد على العقل كما زعموا، وسبق أن أسلفنا أن هذا الأمر إنما هو أصل المنهج الفلسفي، وأن المنهج الفلسفي قام على أصلين: الأصل الأول: أن العلم فقط في المحسوس المشاهد، فهذا الذي يسلِّمون به ويقولون به. والأصل الثاني: أن الأصل في العلم هو الإنسان؛ أي عقل الإنسان، وأنه لا إيمان بغيبٍ ولا بوحي. فعلى هذين الأصلين يقوم قطب الرحى عند أصحاب المناهج العقلية؛ أي أن الإيمان ينحصر في المحسوس المشاهد، وأن الأصل في العلم هو الإنسان، وبالتالي ينبني على هذا أنه لا عبرة ولا إيمان بالغيب، وينبني على هذا أنه لا اعتبار ولا قيمة للوحي، فكل أصلٍ من هذين الأصلين لديهم يهدم أصلاً من أصول الدين. فإذا كان هناك - على حد زعمهم - لا غيب، فمعنى هذا أنه لا توحيد ولا إيمان بالله ، ولذلك لن تجد عند هؤلاء في باب التوحيد إيماناً بوجود الله تعالى إلا بقدر ما قد يكون الأمر في الخيال والذهن لا في الحقيقة والواقع. فلو جئت إلى أشعريٍّ فقلت له: أين الله؟ فإما أن يقول لك: في كل مكان، أو أن يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، فلا يستطيع أن يثبت لله وجوداً حقيقاً يمكن للإنسان أن يقتنع به. ثم في أصلهم الثاني هدمٌ للوحي، الذي هو الإيمان بالنبي ﷺ ، فإذاً هم استبدلوا منهج الحق بمنهجٍ فلسفي عقلي يقول: إن المرجع في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل إلى عقل الإنسان، فما أجازه عقل هؤلاء، وما أجازه منطقهم فهو المعتمد وهو المقبول والمسَلَّم، وما عداه فهو دائرٌ بين حالين: إما أن يُنفي وإما أن يتوقف الإنسان فيه. ويحكي المصنف قولهم: "وَلَكِنْ اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ - سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ"، فعندهم لا اعتبار

стр. 108

للوحي، فإنك إذا نظرت في عباراتهم ستجدها عبارات قد يكون بعضها ليس له أصلٌ في الكتاب ولا في السنة، كتسميته تعالى «واجب الوجود»، فمثلاً، ابن سينا عندما يتحدث عن وجود الله تعالى يقول: «واجب الوجود واحد في ذاته بسيط لا تَكَثُّرَ فيه بوجهٍ من الوجوه ولا قسمة له لا في الكم ولا في الكيف ولا في المعقول ولا في اللا معقول ولا في المتناهي ولا في اللا متناهي» (١) إلى نحو هذه العبارات المنطقية الفلسفية التي لا تجد لها أصلاً في الكتاب ولا في السنة. فتسميته «واجب الوجود» هذا أمرٌ لم يرد به نصٌ من الكتاب أو السنة، ولو جئت تسأل عن «واجب الوجود» في معاجم الفلسفة ستجد أن المراد به: الوجود الذهني الخيالى الذي ليس له حقيقة ولا واقع. فإذاً هم على هذا بنوا أصل هذه المسألة على عقولهم وفلسفتهم ومنطقهم، ولم يبنوا أصل هذه المسألة على كتاب أو على سُنَّة، وإن شئت فانظر في كتبهم، لن تجد لهم دليلاً من الكتاب أو السُنَّة في هذه المسائل، بل إنهم لا يقبلون هذا. ولذلك هم أسَّسوا ما يسمَّى «قانون التأويل»، وقانون التأويل يقول: «إذا تعارض العقل والنقل فأيهما يقدم؟» فقالوا بالترتيب المنطقي - قالوا: «إما أن يُجْمَعَ بين الأمرين» (٢)، أي نأخذ بالعقل والنقل وهذا لا يمكن؛ لأن العقل مثلاً يقول: لا، والنقل يقول: نعم، فكيف تجمع بين لا ونعم في وقت واحد؟ هل هذا يمكن؟ فقالوا: «لا يمكن الجمع بين النقيضين أو الجمع بين الضدين» (٣). المقصود ب «النقيضين» أو ب «الضدين» أن أحدهما يقول: «لا» والثاني يقول: «نعم»، فلئن كان النص يقول للعلوِّ: «نعم»، أو للاستواء «نعم»، فإن عقولهم تقول: «لا»، فقالوا: «يستحيل الجمع بين الضدين ويستحيل ترك الأمرين» (٤) أي أن نترك العقل والنقل. وقالوا بعد ذلك: «إما أن يقدم العقل على النقل أو يقدم النقل على العقل» (٥) فقالوا: «لو قدمنا النقل على العقل»، فعلى حد زعمهم، العقل هو الأصل والنقل فرع، فيقولون: «تقديم الفرع على الأصل فيه إبطالٌ للأصل والفرع».

стр. 109

انظر ترتيبهم! قالوا: «لو قدمنا النقل على العقل فإن في ذلك إبطال للأصل والفرع» (١) لأن النقل فرع والعقل أصل، فهم يجعلون العقل هو الأصل في إثبات وجود الله تعالى، ويجعلون العقل هو الأصل في إثبات نُبُوَّة النبي ﷺ ، فبالتالي جعلوا من العقل أصلاً يعتمدون عليه ويرجعون إليه في هذين البابين. فبعد هذا، على زعمهم الشرع جاء وَتَفَرَّعَ عن هذا الأصل - أي عن العقل - فإنه إذا أُثبتت نُبُوَّة النبي أثبت ما جاء به النبي، فبالتالي عندهم إثبات ما جاء به النبي متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، افهم هذه المسألة، إثبات ما جاء به النبي - الذي هو الوحي - متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، وإثبات نُبُوَّة النبي متوقف على العقل. فالعقل عندهم هو الأصل، وتفرع عنه إثبات نُبُوَّة النبي، ثم تفرع عنه إثبات ما جاء به النبي الذي هو الوحي. فعلى هذا الترتيب عندهم أنه مادام العقل هو الأصل وما جاء به النبي ﷺ هو الفرع، فلو أنك قدَّمت ما جاء به النبي ﷺ فإنك بذلك أبطلت الأصل. «وإبطال الأصل بالفرع فيه إبطالٌ للأصل والفرع» (٢)، هكذا يرتِّبون هذا الترتيب المنطقي الفلسفي، وهذا لا تنسى - كما ذكرنا - يعود على أنهم يقولون: «إن الأصل في العلم هو الإنسان» (٣)، فعلى هذا الترتيب قالوا يستحيل أن يُقَدَّم النقل على العقل. ما بقي عندهم إلا خيارٌ واحد: أن يقدم العقل على النقل، فهذا أساس ما يسمَّى عندهم بقانون التأويل، الذي من خلاله بعد ذلك طعنوا في النصوص ثبوتاً ودلالة، فحكموا بقطعية العقل، وأما النقل فهو ظنيّ على حد زعمهم، فبعد ذلك حكموا على الآحاد منها - أي من النصوص - بأنها لا تُقْبَلُ ولا تُعْتَمَدُ. ولمناقشة أصل المتكلمين القاضي بتقديم العقل على النقل عند التعارض يقال: هذا القانون مبني على ثلاث مقدمات: ١ - ثبوت التعارض بين العقل والنقل. ٢ - انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة المذكورة. ٣ - بطلان الأقسام الثلاثة ليتعيَّن ثبوت القسم الرابع، أي تقديم العقل.

стр. 110

وهذه المقدمات كلها متهافتة لا تقوم على أساس من الشرع، ولا من العقل السليم، وإثبات تهافتها من وجوه. الوجه الأول: أن هذا التقسيم باطلٌ من أصله، والتقسيم الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيَّان أو دليلان عقليان أو دليلان سمعي وعقلي، فلا يخلو الأمر إما أن يكونا قطعيين، وإما أن يكونا ظنِّيَّين، وإما أن يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، وعلى هذا الأساس يجري الحكم لأحدهما أو عليه، فيقال: أما القطعيان فلا يمكن تعارضهما؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعًا، فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين، وإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا تعيَّن تقديم القطعي سواء كان عقليًّا أو سمعيًّا، نظراً لقطعيَّة دلالته لا بكونه عقليًّا أو سمعياًّ وإن كانا ظنِّيَّين صرنا إلى الترجيح،، ووجب تقديم الراجح سمعيًّا كان أو عقليًّا، وعلى هذا فقولهم: إذا تعارض العقل والنقل؛ فإما أن يريدوا القطعيَّين فلا نسلم إمكان التعارض بينهما، وإما أن يريدوا به الظنيين، فالتقديم للراجح، وإما أن يريدوا ما يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، فالقطعي هو المقدَّم، فإن قُدِّر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي، فعلم بهذا أن تقديم العقلي مطلقاً خطأ فادح، وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التأخير والإطراح كون النقلي نقليًّا خطأ. وهذا الوجه يقضي على مقدمتهم الثانية والثالثة. الوجه الثاني: قولهم: «العقل أصل النقل» ممنوع؛ فإنما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفاً على علمنا به، فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه، كما أن الرسول ﷺ حق، وإن كذبه من كذبه، ووجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق، وإن جهله من جهله أو جحده من جحده، وعلى هذا فليس القدح في العقل قدحاً في الحقائق الثابتة بالسمع. وهذا واضحٌ إن شاء الله. الوجه الثالث: أن العقل الصريح السليم لا يعارض النقل الصحيح، إذا كان الدليل السمعي ثابتًا في نفسه، ظاهر الدلالة بنفسه على المراد، لم يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة، وأوهاماً كاسدة، ومقدمات كاذبة، إذا تأملها العاقل حق التأمل وجدها مخالفةً لصريح المعقول، وهذا ثابتٌ في كل دليلٍ عقلي خالف دليلاً سمعيًّا صحيح الدلالة، وعليه إذا عارض هذا المسمى دليلاً عقليًّا السمع وجب إطراحه لفساده وبطلانه.
следующие страницы →