والباع: قدر مد اليدين (١)، وهو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره، وذلك أربعة أذرع (٢).
وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً: الهرولة: هي الإسراع في المشي دون الهرولة (٣).
وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً: قراب: بضم القاف، وحكى بعضهم الكسر، ومعناه ملء الأرض، أو ما يقارب من ملئها (٤).
تنبيه مهم: قال النووي ﵀: "هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره وقد سبق الكلام في أحاديث الصفات مرات ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة وإن زاد زدت فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه
стр. 37
على حسب تقربه" (١)،
قلت: "هذا تأويل لصفات الله عزو وجل خلافًا لطريقة أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله كما جاءت من غير تكييف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل وقد أوردت كلام الإمام النووي ﵀ من أجل التنبيه عليه، وبيان خطئه"، فقد قال ابن رجب ﵀: "ومن فهم من شيء من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا، فإنما أتي من جهله، وسوء فهمه عن الله ورسوله ﷺ ، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير" (٢).
وقال صاحب مرعاة المفاتيح ﵀ بعد ذكره لمن أول صفات الله الواردة بهذا الحديث وتعداد أسمائهم: "قلت لا حاجة إلى هذا التأويل والتفسير والصواب أن يحمل هذا الحديث كأمثاله على ظاهره فنؤمن به على ما يليق بعظمة الله تعالى كالمجيء والنزول ونحوهما وربنا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير والله أعلم" (٣).
стр. 38
وقال الشيخ محمد على آدم ﵀: "لقد أجاد صاحب "المرعاة"، وأفاد، فهكذا ينبغي لشارح الحديث أن يكون مع ظواهر النصوص، إلا إذا وجد دليلًا صارفًا يصرفه عنها، ولا يوجد صارف في إجراء أحاديث الصفات على ظواهرها، إلا ما تخيّله المتأخرون الذين تأثّروا بأفكار أهل الكلام، ففسَّروها بالمعنى الذي يكون للمخلوق، ثم فرّوا من التشبيه، فأداهم ذلك إلى نفي معانيها، وهذا هو الخطأ المُبِين، فإن هذه الصفات إذا اتّصف بها الله تكون على المعنى اللائق به، فلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين" (٢).
لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً: شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من سلمه الله، وذلك هو القلب
стр. 39
السليم. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١)، (٢).
قال ابن رجب ﵀: " فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة لكن هذا مع مشيئة الله عز و جل فإن شاء غفر له وأن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة … فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه او بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر وربما قلبتها حسنات فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات .. " (٣).
* * *
стр. 40
المطلب العاشر: ذكرأمثلة من الأقوال والأعمال الشركية:
أولًا: تحريم الرقى الشركية:
١٢ - عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ.
أولًا: التخريج: أخرجه مسلم (١).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
رُقَاكُمْ: بضم الراء جمع رقية (٢)
مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ: فجازت الرُّقية من كل الآفات من الأمراض، والجراح، والقروح، والحمة، والعين، وغير ذلك؛ إذا كانت الرُّقى بما يفهم، ولم يكن فيه شرك، ولا شيء ممنوع، وأفضل ذلك، وأنفعه: ما كان بأسماء الله تعالى وكلامه، وكلام
стр. 41
الله رسوله ﷺ (١)
فائدة: قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى .. ".
* * *
ثانيًا: الطيرة من الشرك:
١٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ".
أولًا: التخريج: أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٤)، وكرر أبو داود الجملة الأولى ثلاث مرات، وإسناده صحيح، إلا أنه
стр. 42
اختلف في لفظة "وما منا إلا .. " فقال سليمان بن حرب أنها مدرجة من قول ابن مسعود (١)، وخالفه ابن القطان قائلًا: لاحجة على ذلك (٢)، وتبعه الألباني (٣)، ورجح الإدراج ابن حجر (٤)، والحديث صححه الترمذي، والحاكم (٥)، والألباني.
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
الطِّيَرَةُ: بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: هي التشاؤم بالشيء (٦)، وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي (٧).
شِرْكٌ: أي من أنواع الشرك، قال القرطبي ﵀: "وإنما كان يكره الطيرة لأنها من أعمال أهل الشرك، ولأنها تجلب ظن السوء بالله تعالى" (٨).
стр. 43
قال ابن حجر ﵀: "وإنما جعل ذلك شركًا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا أو يدفع ضرًا فكأنهم أشركوه مع الله تعالى" (١).
وَمَا مِنَّا إِلَّا: معناه إلاّ من يعتريه التطير، وسبق إلى قلبه الكراهة فيه، فحذف اختصارًا للكلام واعتمادًا على فهم السامع (٢).
وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ: أي يزيل ذلك الوهم المكروه، بسبب الاعتماد على الله، والاستناد إليه سبحانه (٣).
* * *
ثالثًا: الحلف بغير الله من الشرك:
١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أشرك"، وفي لفظ الترمذي: "فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ ".
أولًا: التخريج: أخرجه أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وإسناده صحيح، والحديث
стр. 44
حسنه الترمذي، وصححه ابن الملقن (١)، والألباني (٢).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ: قال ابن عبد البر ﵀: "وفي هذا الحديث من الفقه، أنه لا يجوز الحلف بغير الله في شيء من الأشياء، ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه … أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز الحلف بها لأحد .. " (٣).
فائدة: قال ابن حجر ﵀: "قال العلماء السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصة لكن قد اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية" (٤).
فَقَدْ أشرك: قال سليمان بن عبد الله ﵀: " وقال الجمهور:
стр. 45
لا يكفر كفرًا ينقله عن الملة، لكنه من الشرك الأصغر .. " (١)، قلت: نعم هو كذلك، ولكن إن كان يعتقد بالمحلوف به، ما لله من التعظيم والخوف فهو من الشرك الأكبر، كما بيّن ﵀ بقوله: " .. لكن الذي يفعله عباد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبًا. فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. وهذا ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام"، وقال ابن حجر ﵀: "قال إمام الحرمين المذهب القطع بالكراهة، وجزم غيره بالتفصيل، فإن اعتقد في المحلوف فيه من التعظيم ما يعتقده في الله، حرم الحلف به، وكان بذلك الاعتقاد كافرًا … وأما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم، فلا يكفر بذلك، ولا تنعقد يمينه .. " (٢).
* * *
стр. 46
رابعًا: تزيين الصلاة من أجل نظر الناس شرك:
١٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ.
أولًا: التخريج: أخرجه ابن ماجه (١)، وأحمد (٢)، والحاكم (٣)، وفي إسناده رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري (٤) مقبول، وللحديث شاهد من حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ، وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ يُرَاؤُونَ
стр. 47
بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضَ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكَ صَوْمَهُ.
أخرجه أحمد (١)، والطبراني (٢)، والحاكم (٣)، وقال الهيثمي: "فيه عبد الواحد بن زيد ضعيف" (٤)، وله شاهد من حديث عبد الله بن زيد قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يَا نَعَايَا الْعَرَبِ، ثَلاثًا، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرِّيَاءَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ "، أخرجه الضياء (٥)، وفي إسناده عبد الله بن بديل بن ورقاء صدوق يخطئ (٦)، ويشهد له أيضًا حديث محمود بن لبيد الآتي بعده، وحديث أبي سعيد، صححه الحاكم، والهيثمي (٧)، وحسنه البوصيري (٨)، والألباني (٩).
* * *
стр. 48
١٦ - عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: " يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ، جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ.
أولًا: التخريج: أخرجه ابن أبي شيبة (١)، وابن خزيمة (٢)، وإسناده رجاله ثقات، والحديث صححه ابن خزيمة، وحسنه الذهبي (٣)، والألباني (٤).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟: إنما كان الرياء كذلك، لخفائه وقوة الداعي إليه، وعسر التخلص منه لما يزينه الشيطان، والنفس الأمارة في قلب صاحبه (٥).
الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ
стр. 49
نَظَرِ رَجُلٍ: سمي الرياء شركًا خفيًا، لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك الجلي (١).
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: " أنه ﷺ فسر الشرك الخفي بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه" (٢).
فائدة: قال ابن القيم ﵀: "وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته.
والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ
стр. 50
يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء" (٢).
* * *
خامسًا: تعليق التميمة من الشرك:
١٧ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ جَاءَ فِي رَكْبِ عَشَرَةٍ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ بَيْعَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُ هَذَا الرَّجُلِ لَا تُبَايِعُهُ؟ فَقَالَ: " إِنَّ فِي عَضُدِهِ تَمِيمَةً "، فَقَطَعَ الرَّجُلُ التَّمِيمَةَ، فَبَايَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ ثُمَّ قَالَ: "مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ".
أولًا: التخريج: أخرجه أحمد (٣)، والحارث (٤)، والطبراني (٥)، والحاكم (٦)،
стр. 51
وإسناده حسن فيه يزيد بن أبي منصور الأزدي لا بأس به (١)، وصححه المنذري (٢)، والهيثمي (٣)، والألباني (٤).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
إِنَّ فِي عَضُدِهِ تَمِيمَةً: والتميمة هي ما يعلق في الأعناق من القلائد سواء كانت من خرز أو غيره، خشية العين أو غيرها من أنواع البلاء (٥).
قال الخطابي ﵀: "واعتقاد هذا الرأي جهل وضلال إذ لا مانع ولا دافع غير الله سبحانه .. ".
وقال ابن عبد البر ﵀: "وهذا كله تحذير ومنع مما كان أهل الجاهلية يصنعون من تعليق التمائم والقلائد يظنون أنها تقيهم وتصرف البلاء عنهم وذلك لا يصرفه إلا الله وهو المعافي والمبتلي لا شريك له".
стр. 52
فائدة: قال الشيخ الألباني ﵀: " ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة يعلقونها على المرآة!، وبعضهم يعلق نعلًا في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها! وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار أو الدكان! كل ذلك لدفع العين زعموا، وغير ذلك مما عم وطم بسبب الجهل بالتوحيد، وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا من أجل إبطالها والقضاء عليها، فإلى الله المشتكى من جهل المسلمين اليوم، وبعدهم عن الدين" (١).
فائدة أخرى مهمة: قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته فقالت طائفة يجوز ذلك وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره وهو ظاهر ما روي عن عائشة وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية وحملوا الحديث على التمائم الشركية أما التي فيها القرآن وأسماء الله وصفاته فكالرقية بذلك قلت
стр. 53
وهو ظاهر اختيار ابن القيم وقالت طائفة لا يجوز ذلك وبه قال ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم ﵁ وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد في روايه اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه فإن ظاهره العموم لم يفرق بين التي في القرآن وغيرها … هذا اختلاف العلماء في تعليق القرآن وأسماء الله وصفاته فما ظنك بما حدث بعدهم من الرقى بأسماء الشياطين وغيرهم وتعليقها بل والتعلق عليهم والاستعاذة بهم والذبح لهم وسؤالهم كشف الضر وجلب الخير مما هو شرك محض وهو غالب على كثير من الناس إلا من سلم الله فتأمل ما ذكره النبي صلى الله عليه و سلم وما كان عليه أصحابه والتابعون وما ذكره العلماء بعدهم في هذا الباب وغيره من أبواب الكتاب ثم انظر الى ما حدث في الخلوف المتأخرة يتبين لك دين الرسول صلى الله عليه و سلم وغربته الآن في كل شيء فالله المستعان" (١).
وقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: "ولا شك أن منع ذلك أسد لذريعة الاعتقاد المحظور، لا سيما في زماننا هذا فإنه إذا كرهه أكثر
стр. 54
الصحابة والتابعين في تلك العصور الشريفة المقدسة والإيمان في قلوبهم أكبر من الجبال، فلأن يكره في وقتنا هذا -وقت الفتن والمحن- أولى وأجدر بذلك، كيف وهم قد توصلوا بهذه الرخص إلى محض المحرمات وجعلوها حيلة ووسيلة إليها" (١).
* * *
سادسًا: السحر من الشرك:
١٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ.
أولًا: التخريج: أخرجه النسائي (٢)، والطبراني (٣)، وفي إسناده عباد بن منصور المنقري ليّن الحديث (٤)، والحسن لم يسمع من أبي هريرة (٥)،
стр. 55
والحديث ضعفه ابن القيسراني (١)، والذهبي (٢)، والألباني (٣)، ووجه الشاهد من الحديث قوله: (ومن سحر فقد أشرك) يكفي في إثباته قَوْلُه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٤).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ: دأب أهل السحر أَنْ أحدهم يَأْخُذ خيطا فيعقد عَلَيْهِ عقدَة وَيتَكَلَّم عَلَيْهِ بِالسحرِ بنفث فَمن أَتَى بذلك فقد أَتَى بِعَمَل من أَعمال أهل السحر (٥).
والنفث: شبيه بالنفخ، وهو أقلّ من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق (٦).
стр. 56
قال ابن القيم ﵀: "فإن النفاثات في العقد هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر والنفث هو النفخ مع ريق وهو دون التفل وهو مرتبة بينهما والنفث فعل الساحر فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى مقترن بالريق الممازج لذلك وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري لا الأمر الشرعي" (١).
فَقَدْ سَحَرَ: أي عمل بأعمال أهل السحر (٢).
وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ: أَي فقد أَتَى بِفعل من أَفعَال الْمُشْركين أَوْ لِأَنَّهُ قد يُفْضِي إِلَى الشّرك إِذا اعْتقد أَنْ لَهُ تاثيرا حَقِيقَة، وَقيل المُرَاد الشّرك الْخَفي بترك التَّوَكُّل والاعتماد على الله سُبْحَانَه (٣).
وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ: أي من تعلق قلبه شيئا بحيث يتوكل
стр. 57
عليه ويرجوه وكله الله إلى ذلك الشيء فإن تعلق العبد على ربه والهه وسيده ومولاه رب كل شيء ومليكه وكله اليه فكفاه ووقاه وحفظه وتولاه ونعم المولى ونعم النصير كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (١)، ومن تعلق على السحر والشياطين وكله الله اليهم فأهلكوه في الدنيا والآخرة وبالجملة فمن توكل على غير الله كائنًا من كان وكل اليه وأتاه الشر في الدنيا والآخرة من جهته مقابلة له بنقيض قصده وهذه سنة الله في عباده التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أن من اطمأن إلى غيره أو وثق بسواه أو ركن إلى مخلوق يدبره أجرى الله تعالى له بسببه أو من جهته خلاف ما علق به أماله وهذا أمر معلوم بالنص والعيان ومن تأمل ذلك في أحوال الخلق بعين البصيرة النافذة رأى ذلك عيانا وفائدة هذه الجملة بعد ما قبلها الإشارة إلى أن الساحر متعلق على غير الله فإنه متعلق على الشياطين (٢).
فائدة: قال الشيخ محمد الأمين ﵀: " التحقيق في هذه المسألة هو
стр. 58
التفصيل. فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب، والجن، وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة «البقرة» فإنه كفر بلا نزاع … وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر" (١).
* * *
стр. 59
الخاتمة
الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فهذا ملخص للفوائد والحكم المستنبطة من هذا البحث
• الشرك نوعان أكبر وأصغر.
• الأكبر هو دعوة غير الله معه، كالاستغاثة بغير الله فيما لايقدر عليه إلا الله.
• الأصغرهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوصل بها للشرك كالحلف بغير الله.
• الشرك لها حالان ظاهر وخفي وذلك في كل قسميه الأصغر والأكبر.
• الأكبر يخرج صاحبه من الإسلام، ويخلده في النار، ويحبط عمله، ولايغفرالله لصاحبه.
• الأصغر: لايخرج من الملة، ولايخلد صاحبه في النار إن دخلها، وينقص أجر ما صاحبه من العمل، وقد يحبطه إذا كثر.
• تتابع الرسل والأنبياء ﵈ في التحذير من الشرك،
стр. 60
والخوف منه.
• الشرك أكبرالموبقات، وأكبر الكبائر، وأظلم الظلم.
• من الشرك أن تجعل لله ندًا وهو خلقك.
• لايقبل الله عملًا أشرك معه فيه غيره، ولايثيب عليه.
• وجوب الجنة لمن لم يشرك بالله شيئًا.
• وجوب النار لمن أشرك بالله.
• تخلي الله عن المشركين يوم القيامة وأمرهم بطلب الثواب ممن أشركوهم معه.
• وجوب الحذر من الشرك حتى في الرقى.
• خفاء هذا الشرك يوجب شدة الحذر منه.
• دعاء يقيك من الشرك وهو اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ.
• الطيرة داخلة في الشرك، والسلامة منها بالتوكل على الله.
• من الشرك الحلف بغير الله وقد يكون أصغرًا وهو الغالب، وقد يكون أكبرًا.
• خوف النبي ﷺ على أمته الشرك الخفي أكثر من فتنة الدجال
стр. 61
مع عظمها.
• من الشرك الخفي تزيين الصلاة من أجل نظر الناس إليه.
• تعليق التمائم من الشرك.
• من تعلق شيئًا وكله الله إليه.
• السحر من أنواع الشرك.
• مغفرة الله لمن لم يشرك به شيئًا.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لكاتبه وقارئه في الدنيا والآخرة، وأن يحفظنا وذرياتنا والمسلمين من الشرك كله أكبره وأصغره، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *