بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الْحَمْد لِلَّهِ نحمده ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠: ٧١]
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
فهذا كتابي المختصر في دروس رمضان وملحق به فضائل عشر ذي الحجة، وقد ألفت في هذا الباب كتبا ورسائل كثيرة ورغبة مني أن أكون مع هذا الركب المبارك لا سيما أن هذا الموضوع هو الذي لا يزال يقرأ في الكتب في رمضان في المساجد وغيرها وهذا الذي حملني على جمع هذا المختصر وإلا فإن فضل من
стр. 2
سبقني إلى الكتابة في هذا الموضوع ظاهر لا يخفى وقد اجتهدت أن يكون على هذا النحو
أولا: الاختصار، والغرض من ذلك أمور، منها:
١ - إسماع المصلين أو أكثرهم.
٢ - ترك مجال للقارئ للشرح والتعليق.
ثانيا: تجنب المسائل الاجتهادية وترك هذا الاجتهاد للقارئ من أئمة المساجد وغيرهم.
ثالثا: ختمت كل درس ببعض الأسئلة المتعلقة به؛ ليحصل التفاعل أو ليحصل التذاكر بين القارئ والمستمع، وذلك أحرى بثبات المسألة واستذكارها.
هذا، وأسأل الله الكريم أن يعفو عن التقصير والزلل وأن ينفع به كاتبه وقارئه وسامعه
إنه سميع مجيب.
المؤلف
الرياض ١٧/ ٦/ ١٤٤٤ هـ
стр. 3
الدرس الأول
من فضائل شهر رمضان ووجوب صيامه رقم (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٣].
روى الإمامان البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «بُنِي الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١).
فالصيام أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام؛ ولأنه لا غنى لأمة من الأمم عنه، فقد أخبر سبحانه أنه فرضه على جميع الأمم، ولما فيه من تهذيب الأخلاق، وتطهير النفوس، وحملها على الصبر الذي لا يستقيم لأحد من الخلق أمر من أمور الدنيا والآخرة إلا به، ورأس هذه الأمور كلها التقوى الذي جعل ربنا سبحانه الصيام سببا لنيلها فقال ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وفرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله ﷺ تسع سنين، وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما حضر رمضان قال رسول الله ﷺ : «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا،
стр. 4
فَقَدْ حُرِمَ» (١).
فينبغي للمؤمن أن يفرح بقدوم هذا الشهر، وما فيه من الخير والفضل العظيم وأن يصومه إيماناً واحتساباً.
اللهم كما بلغتنا رمضان، فأعنا على صيامه وقيامه، واجعلنا فيه من المقبولين،
ومن عتقائك من النار.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - اذكر النصوص الشرعية التي تدل على وجوب صيام رمضان.
٢ - متى فرض صيام رمضان؟
٣ - كم عدد السنين التي صام فيها رسول الله ﷺ رمضان؟
٤ - هل فرض الصيام على أمة محمد ﷺ فقط؟ مع ذكر الدليل.
٥ - ما هي الحكمة في فرض الصيام على جميع الأمم؟
стр. 5
الدرس الثاني
من فضائل شهر رمضان رقم (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن الخالق لجميع المخلوقات جل وعلا قد فضَّل بعضها على بعض، واختار منها ما شاء، فخلق الناس واختار منهم الأنبياء، وخلق الأماكن واختار منها المساجد، وخلق الشهور واختار منها رمضان، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [سورة القصص، الآية رقم: ٦٨].
وهذا «الشهر» قد خصَّه الله بخصائص، من أعظمها وأجلها أن الله تعالى أنزل فيه القرآن العظيم هدًى للناس وبينات، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٥].
قال بعض أهل العلم: إن الله ﵎ عقَّب بالفاء السببية التي تفيد التعليل؛ ليبين أن سبب اختيار رمضان ليكون شهر الصوم هو إنزال القرآن فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [سورة القدر، الآية رقم: ١].
قال ابن كثير ﵀: يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه (١).
ومنها: أنه تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، روى البخاري
стр. 6
ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (١). وهذا فضل عظيم خص الله به هذا الشهر من بين سائر الشهور فلا تفوتنك يا عبد الله هذه الفضائل.
ومنها: أن فيه ليلة خير من ألف شهر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [سورة القدر، الآية رقم: ٢ - ٣]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢).
والمقصود من هذه الخيرية أن العمل الصالح في هذه الليلة أفضل من العمل ألف شهر.
اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - اذكر بعض خصائص شهر رمضان.
٢ - لماذا خص الله رمضان بإنزال القرآن فيه؟
٣ - ما (معنى ليلة القدر خير من ألف شهر)؟
٤ - لماذا تسلسل الشياطين في رمضان؟
стр. 7
الدرس الثالث
من فضائل شهر رمضان رقم (٣)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فاستكمالاً للحديث عن فضائل شهر رمضان فمن ذلك:
استجابة الدعاء والعتق من النار، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أو عن أبي سعيد ﵄ شك الراوي- أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن لله عند كل فطر عتقاء» (٢).
ومنها: أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ : إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» (٣).
ومنها: فضل الاعتمار فيه: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟». قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لأَبِي فُلَانٍ - زَوْجِهَا - حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا،
стр. 8
وَكَانَ الآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا. قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي» (١)(٢).
ومنها: تكفير الخطايا والسيئات، روى ابن حبان في صحيحه من حديث مالك بن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده قال: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المِنبَرَ، فَلَمَّا رَقِيَ عَتَبَةً قَالَ: «آمِينَ» ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً أُخرَى فَقَالَ: «آمِينَ»، ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً ثَالِثَةً، فَقَالَ: «آمِينَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَانِي جِبرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدرَكَ رَمَضَانَ فَلَم يُغفَر لَهُ فَأَبعَدَهُ اللهُ، قُلتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ أَدرَكَ وَالِدَيهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبعَدَهُ اللهُ، قُلتُ: آمِينَ، فَقَالَ: وَمَنْ ذُكِرتَ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيكَ فَأَبعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلتُ: آمِينَ» (٣).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٤).
ومعنى: «إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» أي: مصدقًا بفرضية الصيام، وراغبًا في ثوابه، طيبة نفسه بالصيام، غير كاره لصيامه ولا مستثقل لقيامه.
ومنها: أن من صام رمضان وأدى الفرائض الأخرى كان من الصديقين والشهداء، فروى ابن حبان في صحيحه من حديث عمرو بن مرة الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ الزَّكَاةَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَقُمْتُهُ،
فممن أنا؟ قال: «من الصديقين والشهداء» (٥).
стр. 9
اللهم أحينا حياة طيبة، وارزقنا حسن العاقبة إنك جواد كريم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - اذكر بعضاً من فضائل رمضان.
٢ - ما هو الفضل الوارد في العمرة في رمضان؟.
٣ - ما معنى إيماناً واحتساباً؟
٤ - من صام رمضان وأدى الفرائض فما له من الأجر؟
стр. 10
الدرس الرابع
ما خص الله به رمضان من الأعمال الصالحة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
خص الله رمضان بأربعة أعمال ينبغي الاهتمام بها وتقديمها على غيرها من الأعمال الصالحة أوجب الله منها واحداً.
الأول: وهو أن يصوم العبد كما أراد الله وأن يحافظ على صيامه من الإخلال والنقص، روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ (١)، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» (٢).
وروى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» (٣).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ لم يَدَعْ قوْلَ الزُّورِ وَالعملَ بِه (٤)، والجهلَ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشرابَهُ» (٥).
الثاني: قراءة القرآن روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل،
стр. 11
وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (١).
قال النووي ﵀: وفيه من الفوائد استحباب الإكثار من القراءة في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساوياً لفعلاه (٢)، وقال في موضع آخر: وفي هذا الحديث فوائد منها استحباب إكثار الجود في رمضان، ومنها: زيادة والخير عند ملاقاة الصالحين، وعقب فراقهم ومنها: استحباب مدارسة القرآن (٣).
الثالث: قيام الليل مع الجماعة: لم يشرع قيام الليل جماعة على وجه الدوام إلا في شهر رمضان وذلك من خصائصه، ولذا جاء في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (٤).
الرابع: الصدقة بجميع أنواع الخير: من علم، وكسوة، وطعام، وغير ذلك كما ورد في حديث ابن عباس السابق ذكره.
اللهم لا تجعل حظنا من صيامنا الجوع والعطش، ولا تجعل حظنا من قيامنا السهر والتعب، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - خص رمضان بأعمال ينبغي تقديمها على غيرها فما هي؟.
٢ - ما هو الواجب من هذه الأعمال، وما هو المسنون؟.
٣ - ما الذي يدل عليه كلام النووي؟
٤ - الحسنات تجلب الحسنات، فما هو الدليل؟
стр. 12
الدرس الخامس
الدعاء في رمضان فضله ومكانته رقم (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٦].
قال ابن كثير: وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر (١).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أو عن أبي سعيد ﵄ شك الراوي أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» (٣).
стр. 13
ويجب على الداعي أن يراعي الأمور التالية:
١ - الإخلاص لله في الدعاء: روى أبو داود في سننه من حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [سورة الجن، الآية رقم: ١٨].
٢ - ألا يستعجل في الدعاء، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا» قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللهُ أَكْثَرُ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (٢).
٣ - ألا يدعو بإثم أو قطيعة رحم، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» (٣).
٤ - أن يكون حاضر القلب حال الدعاء مقبلاً على ربه عند مناجاته في خشوع وسكينة، موقناً بالإجابة:
ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي (٤) وفي رواية وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» (٥).
стр. 14
قال سفيان بن عيينة: (ألا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ قال: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ [سورة الأعراف، الآية رقم: ١٤ - ١٥]) (١).
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - هل دعوة الصائم مستجابة؟ مع ذكر الدليل.
٢ - هل دعاء غير الله شرك أكبر؟ مع ذكر الدليل.
٣ - هل تكون إجابة دعاء المسلم في الدنيا أم في الآخرة؟ فصل في ذلك مع ذكر الدليل.
٤ - ذكر المؤلف أن الداعي وهو يدعو لابد أن يكون حاضر القلب موقناً بالإجابة حتى يُجاب دعائه. ما الدليل على ذلك؟
стр. 15
الدرس السادس
الدعاء في رمضان فضله ومكانته رقم (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد.
فاستكمالاً للحديث عن الدعاء في رمضان أهميته وفضله، ومما ينبغي للداعي مراعاته ما يلي:
١ - تقوى الله بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [سورة المائدة، الآية رقم: ٢٧].
٢ - أن يعلم الداعي أن من أعظم أسباب استجابة الدعاء الكسب الطيب.
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ»، ثم ذكر في آخر الحديث: «الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (١).
٣ - أن يعلم الداعي أن من موانع الدعاء ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، روى الترمذي في سننه من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» (٢).
стр. 16
وقد ذكر أهل العلم أن من آداب الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، والصلاة والسلام على رسوله ﷺ ، وأن يرفع يديه حال الدعاء مستقبلاً القبلة، وأن يكون على طهارة، وأن يكون معترفاً بذنبه ونعمة الله وفضله عليه، وأن يكون مفتقراً إلى الله تعالى وأن لا يعتدي في الدعاء، وقد وردت هذه الآداب وغيرها بأحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ثم عليه أن يتحرى الأوقات الفاضلة التي يستجاب فيها الدعاء كحال السجود، وبين الآذان والإقامة، وليلة القدر، وفي الثلث الأخير، وغير ذلك من المواضع وأن يختار الجوامع من الدعاء (١)، فقد روى الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: أرأيت با نبي الله إن علمت أُيُّ ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها قال: «قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (٢).
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، اللهم تقبل منا الصيام والقيام وتجاوز عن تقصيرنا وزللنا يا رب العالمين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - اذكر بعضاً من موانع الدعاء.
٢ - اذكر بعضاً من آداب الدعاء.
٣ - ما هو الدعاء الذي علمه النبي ﷺ عائشة ﵂ أن تقوله ليلة القدر؟
стр. 17
الدرس السابع
مفطرات الصيام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٧].
ذكر الله في هذه الآية الكريمة أصول مفطرات الصوم وذكر النبي ﷺ في السنة تمام ذلك:
١ - الجماع، وهو أعظمها وأكبرها إثماً، فمتى جامع الصائم بطل صومه فرضاً كان أو نفلاً ووجبت عليه الكفارة، وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟، قَالَ: لَا، قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» (١).
٢ - ٣ - الأكل والشرب، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٧]، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ
стр. 18
عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ» (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ وعندي أن الحديث موجه على أحد وجهين:
الوجه الأول: إما أن يكون المؤذن يؤذن بالتحري، والذي يؤذن بالتحري قد يصيب وقد لا يصيب كالمؤذنين عندنا الآن.
الوجه الثاني: أن يكون ذلك بالتأذين من المؤذن عن يقين ومشاهدته للفجر، ولكن هذا من باب الرخصة، لما كان الإنسان رفع الماء ليشرب تعلقت به نفسه، كان من ﵀ أن يقضي الإنسان حاجته منه، كما لو حضر الطعام والإمام يصلي فإنك تأكل الطعام ولو فاتتك الصلاة فتسقط بذلك واجباً (٢).
٣ - التقيؤ عمداً وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم لقول النبي ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» (٣).
٤ - خروج دم الحيض والنفاس لقول النبي ﷺ في المرأة: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» (٤) فمتى رأت دم الحيض أو النفاس فلا يجوز لها إكمال صومها ولو قبل الغروب بلحظة وعليها القضاء (٥).
تنبيه: «ينبغي للصائم ألا يكثر من المضمضة والاستنشاق لقول النبي ﷺ
стр. 19
للصحابي لقيط بن صبرة ﵁: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (١).
اللهم وفقنا لاتباع سنة نبيك، والعمل بما دلنا عليه من الخير والهدى.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - ما هي أصول مفطرات الصيام؟ مع ذكر الدليل.
٢ - إذا تقيأ بغير قصد منه هل يفطر أم لا؟
٣ - هل يأثم من استقاء عمداً؟
٤ - هل تقضي الحائض الصوم والصلاة؟
стр. 20
الدرس الثامن
من تناول شيئاً من المفطرات ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن المفطرات التي سبق ذكرها لا يفطر الصائم بشيء منها إلا إذا تناولها عالماً ذاكراً مختاراً وهذه ثلاثة شروط:
أولاً: أن يكون عالماً، فإن كان جاهلاً لم يفطر، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ٢٨٦]، فقال الله قد فعلت (١) سواء كان جاهلاً بالحكم الشرعي، مثل أن يظن أن هذا الشيء غير مُفّطر فيفعله، أو جاهلاً بالحال مثل أن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل وهو طالع أو يظن أن الشمس قد غربت فيأكل وهي لم تغرب فلا يفطر في ذلك كله.
وفي صحيح البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «أفْطرْنَا في عهدِ النبيِّ ﷺ يوم غيم ثم طلعت الشمس» (٢)، ولم تذكر أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء، لأنهم كانوا جاهلين بالوقت ولو أمرهم بالقضاء لنقل؛ لأنه مما توافرت الدواعي على نقله لأهميته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته (حقيقة الصيام):
من فعل محظوراً مخطئاً أو ناسياً لم يؤاخذه الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله فلا يكون عليه إثم، ومن لا إثم عليه لم يكن عاصياً ولا مرتكباً لما نُهي عنه وحينئذ
стр. 21
فيكون قد فعل ما أُمر به ولم يفعل ما نُهي عنه (١).
ثانياً: أن يكون ذاكراً، فإن كان ناسياً فصيامه صحيح ولا قضاء عليه؛ لما سبق في آية البقرة ولما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (٢)، فأمر النبي ﷺ بإتمامه دليل على صحته.
٣ - أن يكون مختاراً، أي متناولاً للمفطر باختياره وإرادته، فإن كان مكرهاً فصيامه صحيح ولا قضاء عليه لأن الله سبحانه رفع الحكم عمن كفر مكرهاً، وقلبه مطمئن بالإيمان فقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [سورة النحل، الآية رقم: ١٠٦] الآية، فإذا رفع الله حكم الكفر عمن أُكره عليه فما دونه أولى ولقول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٣)(٤).
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - ما الحكم إذا تناول الصائم شيئاً من المفطرات جاهلاً بالحكم؟
٢ - ما الحكم إذا أكل الصائم أو شرب ناسياً؟
٣ - ما الحكم إذا تناول الصائم شيئاً من المفطرات مكرهاً؟
стр. 22
الدرس التاسع
أصحاب الأعذار رقم (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فالمقصود بأصحاب الأعذار من يباح لهم الفطر في رمضان لعذر شرعي ومنهم:
١ - المسافر، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٥]، والأفضل للمسافر فعل الأسهل عليه من الصيام والفطر فإن تساويا فالصوم أفضل لأنه أسرع في إبراء ذمته وأنشط له إذا صام مع الناس، ولأنه فعل النبي ﷺ ، ففي الصحيحين من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة (١)، وفي أحاديث أخُر أنه ﷺ أفطر مراعاة لأصحابه حين بلغه أنهم شق عليهم الصيام.
٢ - المريض الذي يرجى برْءُ مرضه، وله ثلاث حالات:
الأولى: أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره فيجب عليه الصوم لأنه ليس له عذر يبيح الفطر.
الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضره فيفطر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٤] ويكره له الصوم مع المشقة لأنه خروج عن رخصة الله.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ
стр. 23
يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» (١).
الثالثة: أن يضره الصوم فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [سورة النساء، الآية رقم: ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٩٥]، ولقول النبي ﷺ : «لا ضَرَرَ وَلا إِضْرَارَ» (٢).
٣ - الحائض فيحرم عليها الصيام ولا يصح منها؛ لقول النبي ﷺ في آخر الحديث: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» (٣) فإذا ظهر الحيض منها وهي صائمة ولو قبل الغروب بلحظة لم يصح صومها ولزمها قضاؤه وكذلك النفساء ويجب عليها القضاء بعدد الأيام التي فاتتها لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٤] (٤).
اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واجعلنا من المقبولين ومن عتقائك من النار.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - إذا كان المريض لا يشق عليه الصيام ولا يضره فهل يصوم أم لا؟
٢ - إذا كان المريض يضره الصوم فهل يجب عليه الفطر أم لا؟
٣ - ما هو الأفضل في حق المسافر أن يصوم أم يفطر؟
٤ - ما الحكم إذا نزل من المرأة دم الحيض قبل الغروب بدقائق هل تكمل الصيام أم تفطر؟
стр. 24
الدرس العاشر
أصحاب الأعذار رقم (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فاستكمالاً للحديث عن أصحاب الأعذار فمن ذلك:
١ - المرأة إذا كانت مرضعاً أو حاملاً فخافت على نفسها أو على الولد من الصوم فإنها تفطر لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ لِلْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ» (١).
ويلزمها القضاء بعدد الأيام التي أفطرت حين يتيسر لها ذلك ويزول عنها الخوف كالمريض إذا بريء.
٢ - العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يُرجى زواله، كالكبير والمريض مرضاً
لا يُرجى برؤه فلا يجب عليه الصيام؛ لأنه لا يستطيعه، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن، الآية رقم: ١١٦] وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ٢٦٨] لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكيناً، قال ابن عباس ﵄ في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً (٢)، وأطعم أنس ﵁ بعدما كبر عاماً أو عامين كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر (٣).
٣ - من احتاج للفطر لدفع ضرورة غيره كإنقاذ معصوم من غرق أو حريق أو هدم أو
стр. 25
نحو ذلك، فإذا كان لا يمكنه انقاذه إلا بالتقوي عليه بالأكل والشرب جاز له الفطر بل وجب الفطر حينئذ؛ لأن إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قضاء ما أفطره.
ومثل من احتاج إلى الفطر للتقوي به على الجهاد في سبيل الله في قتاله العدو فإنه يفطر ويقضي ما أفطر، سواء كان ذلك في السفر أو في بلده إذا حضره العدو، وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلاً فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ " فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ (١)(٢).
٤ - الناسي والجاهل والمكره وقد تقدم الكلام عنهم في كلمة سابقة.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، وتول أمرنا وأصلح شأننا كله، يا أرحم الراحمين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - هل يجوز للمرأة إذا كانت مرضعاً أو حاملاً وخافت على نفسها أو ولدها أن تفطر؟ مع الدليل.
٢ - هل يجب الصيام على المريض مرضاً لا يرجى برؤه أو الكبير العاجز عن الصيام؟ مع ذكر الدليل.
٣ - من احتاج الفطر لدفع ضرر كإنقاذ معصوم من غرق أو حريق هل يشرع له الفطر؟ أم لا فصل في ذلك.
стр. 26
الدرس الحادي عشر
الصوم المشروع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن الصوم المشروع الذي يقبله الله ويرضى به ويعود على الصائم بالنفع في الدنيا والآخرة هو ما يلتزم فيه العبد بالأمور التالية:
الأول: أن يقصد بصيامه التعبد لله بذلك، ففي الحديث القدسي عن النبي ﷺ : قال الله تعالى: «الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ» (١).
الثاني: أن يجتنب في صيامه المفطرات، وهي على نوعين:
١ - الأكل والشرب والجماع وغيرها من المفطرات المعلومة لعامة المسلمين.
٢ - اللغو والرفث والجهل وقول الزور وغيرها من الذنوب.
روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ (٢)، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ فَلْتَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» (٣).
وروى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» (٤).
стр. 27
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (١).
وهذا النوع الثاني أشدها خطراً وأولى بالاهتمام والعناية.
الثالث: أن يصوم النهار كاملاً من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس ولا يتم له ذلك إلا بأن يبيت النية من الليل، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٧]. وروى الترمذي في سننه من حديث أم المؤمنين حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (٢).
قال النووي ﵀: لا يصح صوم رمضان ولا القضاء ولا الكفارة ولا صوم فدية الحج وغيرها من الصوم الواجب بنية من النهار بلا خلاف (٣)، فمن لم ينوي الصيام قبل طلوع الفجر فلا يكون قد صام من أول النهار.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، وتول أمرنا وأصلح شأننا كله، يا أرحم الراحمين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - هل التعبد لله بالصيام شرط لصحته؟
٢ - المفطرات على نوعين، اذكرهما.
٣ - هل تبيت النية من الليل شرط لصحة الصيام الواجب والمسنون؟
٤ - هل يوجد فرق في تبيين النية بين الصيام الواجب والمسنون؟
стр. 28
الدرس الثاني عشر
من حكم الصيام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٣].
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: يخبر تعالى بما من الله به على عباده بأنه فرض عليهم الصيام كما فرضه على الأمم السابقة، لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان، وفيه تنشيط لهذه الأمة بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة التي اختصكم الله بها ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعيته فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى ولأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.
فمما اشتمل عليه من التقوى أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها التي تميل إليها نفسه متقرباً بذلك إلى الله راجياً بتركها ثوابه فهذا من التقوى.
ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه لعلمه باطلاع الله عليه.
ومنها: أن الصائم تكثر طاعته والطاعات من خصال التقوى.
ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقراء المعدمين وهذا من
стр. 29
خصال التقوى (١).
ومنها: أن يعلم الناس ما في طاعة الله والتقرب إليه من الخيرات العاجلة والآجلة، فإن الناس حين يتقربون إلى الله في رمضان يحصل لهم من تفريج الهموم وقضاء الحاجات ما هو مشاهد معلوم.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم أصلح فساد قلوبنا، وخذ بنواصينا إلى البر والتقوى.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - اشرح الآية الكريمة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾.
٢ - اذكر بعض الحكم من الصيام.
٣ - يكثر الخير في رمضان، ويستغني الفقراء وتفرج الكروب، وتبسط أيدي الأغنياء، فما أسباب ذلك؟
стр. 30
الدرس الثالث عشر
فضل صلاة التراويح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فقد كان ﷺ يحث أمته على قيام الليل وخاصة في رمضان، فروى الإمامان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول ﷺ : «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر ﵁ (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون: يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله (٢).
وروى الإمام مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد: قال أمر عمر بن الخطاب ﵁ أُبي بن كعب وتميماً الداري ﵄ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وقيام رمضان شامل للصلاة من أول الليل وآخره، وعلى هذا فالتراويح من قيام رمضان، فينبغي الحرص عليها والاعتناء بها واحتساب الأجر والثواب من اللَّه عليها، وما هي إلا ليال معدودة ينتهزها المؤمن العاقل قبل فواتها (٤). اه.
стр. 31
وعلى المسلم أن يحرص على القيام مع الإمام حتى ينصرف، روى الترمذي في سننه من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (١).
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - اذكر بعض النصوص الشرعية الواردة في فضل قيام رمضان.
٢ - متى يبدأ وقت قيام الليل ومتى ينتهي؟
٣ - ما الفضل الوارد فيمن قام مع الإمام حتى ينصرف؟
стр. 32
الدرس الرابع عشر
من سنن الصيام وآدابه رقم (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن للصيام سنناً وآداباً ينبغي للصائم أن يلتزم بها فمن ذلك:
١ - السحور يسن للصائم أن يتسحر لما فيه من البركة، واتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوي على عبادة الصيام روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تسحروا فإن في السحور بركة» (١).
وفي صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَكْلَةُ السَّحَرِ» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ (٣) أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» (٤).
وينبغي للمتسحر أن ينوي بسحوره امتثال أمر النبي ﷺ ، والاقتداء بفعله ليكون سحوره عبادة، وأن ينوي به التقوي على الصيام ليكون له به أجر، ولو جعل
стр. 33
في السحور تمراً فهو أفضل روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ» (١).
٢ - تأخير السحور، ويسن تأخير السحور؛ لحديث أنس عن زيد بن ثابت ﵁ قال: تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم بين الأذان والسحور، قال: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» (٢)، قال الحافظ ابن حجر قدر خمسين آية أي متوسطة، لا طويلة
ولا قصيرة، ولا سريعة ولا بطيئة (٣).
وروى ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُؤَخِّرَ سُحُورَنَا، وَنُعَجِّلَ فِطْرَنَا، وَأَنْ نُمْسِكَ بِأَيْمَانِنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي صَلَاتِنَا» (٤).
اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - هل السحور سنة أم واجب؟.
٢ - ما الحكمة من السحور؟
٣ - هل السنة تأخير السحور أم تقديمه؟
стр. 34
الدرس الخامس عشر
من سنن الصيام وآدابه رقم (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فاستكمالاً للحديث عن سنن الصيام وآدابه فمن ذلك:
١ - تعجيل الفطر، يسن للصائم تعجيل الفطر إذا تحقق من غروب الشمس، فروى البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ، مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ» (٢).
وروى ابن خزيمة في صحيحه من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ»، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ صَائِمًا أَمَرَ رَجُلًا فَأَوْفَى عَلَى شَيْءٍ، فَإِذَا قَالَ: غَابَتِ الشَّمْسُ، أَفْطَرَ» (٣).
والسنة أن يفطر على رطب، فإن عُدم فتمر فإن عُدم فماء؛ لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا
стр. 35
حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» (١).
فإن لم يجد رطباً ولا تمراً ولا ماء أفطر على ما تيسر من طعام أو شراب، فإن لم يجد شيئاً نوى الإفطار بقلبه.
٢ - دعاء الفطر: يسن للصائم أن يدعو عند فطره بدعاء النبي ﷺ روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وابتلَّت الْعُرُوقُ، وَثبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (٢).
٣ - السنة للصائم أن يستاك قال البخاري: وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي أَوْ أَعُدُّ» (٣) قال البخاري ﵀ (باب السواك الرطب واليابس للصائم): قال أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» (٤) قال البخاري، ولم يخص الصائم من غيره، وقالت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (٥) قال الحافظ ابن حجر أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بالسواك الرطب ولم يخص صائماً من غيره ولم يخص رطباً من يابس (٦) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الصواب أن السواك للصائم سنة في أول النهار وفي آخره (٧).
стр. 36
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - ما هي السنة في الإفطار تعجيله أو تأخيره؟ مع الدليل.
٢ - على أي طعام يفطر الصائم؟ وما هي السنة في ذلك؟
٣ - اذكر دعاء إفطار الصائم الذي كان يقوله ﷺ .
٤ - هل السنة للصائم أن يستاك آخر النهار؟ مع الدليل.
стр. 37
الدرس السادس عشر
مخالفات يقع فيها بعض الصائمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
تعيش الأمة الإِسلامية هذه الأيام موسمًا عظيمًا من مواسم الخير.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٣].
إلا أن هناك مخالفات يقع فيها بعض الصائمين أحببت التذكير بها، أداءً لحق الله تعالى، وقيامًا بواجب النصيحة.
روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ السَّهَرُ» (١).
فبيَّن النبي ﷺ في هذا الحديث أن طائفة من الناس يصومون لكن لا يكتب لهم عند الله أجر الصائمين، وإنما نصيبهم من هذا الصيام الجوع والعطش، وذلك لأن الجوارح لم تمتنع عن معصية الله، فالعين تنظر إلى ما حرم الله، والأذن تستمع إلى ما حرَّم الله، واللسان يتكلم بما يغضب الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [سورة الإسراء، الآية رقم: ٣٦].
стр. 38
وطائفة أخرى تقوم الليل ولكن لا يكتب لهم أجر القائمين، إما لفقدان الإِخلاص في عبادتهم، أو لعدم موافقتها لهدي النبي ﷺ .
ولذا ينبغي للصائم أن يحذر من الوقوع في المعاصي، فليس الصيام هو الإِمساك عن الطعام والشراب فحسب، وانَّما إِمساك الجوارح عما حرَّم الله.
وأعظم هذه المخالفات وأكثرها تأثيراً على حياة الفرد والمجتمع تأخير الصلاة عن وقتها، فبعض الصائمين ينام بعد تناوله السحور فلا يستيقظ إلاَّ عند طلوع الشمس، فيضيع صلاة الصبح، وآخرون ينامون قبل صلاة العصر، فلا يستيقظ أحدهم إلا عند غروب الشمس، فيضيع صلاة العصر قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [سورة النساء، الآية رقم: ١٠٣]، روى البخاري في صحيحه من حديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» (١).
وفي مثل هؤلاء يقول تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [سورة مريم، الآية رقم: ٥٩].
ومنها: السهر الطويل أكثر الليل أو كله على وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات القنوات الفضائية السيئة التي تبث شرورها وسمومها على أشكال متعددة، حيث يعرض بها برامج يقصد بها تشكيك المسلمين في دينهم، وإظهار عظمة الكفار والإعجاب بحضارتهم كالتمثيليات الهابطة، والأغاني الماجنة، والصور الخليعة، وهذه الليالي ليالٍ شريفةٌ ينبغي أن تستغل بطاعة الله من صلاة وذكر وقراءة قرآن.
اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واجعلنا من المقبولين ومن عتقائك من النار.
стр. 39
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة:
١ - من هم الذين يصومون النهار ويقومون الليل ولا يكتب لهم ذلك؟
٢ - ما هو الوعيد الشديد لمن أخر صلاة العصر أو الصبح عن وقتها؟
٣ - اذكر أعظم المخالفات التي تقع من بعض الصائمين.
стр. 40
الدرس السابع عشر
فضل العشر الأواخر من رمضان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد.
فقد كان هدي النبي ﷺ في هذه العشر الأواخر أنه يجتهد فيها ما لا يجتهد في بقية الشهر، روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديثها ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ: أَحْيَا اللَّيْلَ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» (٢).
أحيا ليله أي بالصلاة والذكر والدعاء، وأيقظ أهله أي أيقظهم من نومهم ليجتهدوا في الصلاة والذكر والتضرع إلى الله تعالى، وهذه السُّنَّة قد لا ينتبه لها بعض المسلمين، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [سورة التحريم، الآية رقم: ٦].
أما شد المئزر فقد قال كثير من أهل العلم: إنه كناية عن اعتزال النساء والتفرغ للعبادة، ولذلك كان ﷺ يعتكف في هذه العشر في المسجد، وينقطع عن الدنيا ويخلو بربه يدعوه ويناجيه ويسأله ويتضرع إليه.