← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الكبير، وسلّم عليه، فإنّه كان مريضا، فقدّم إليه الأمير بطا تقدمة حافلة، ثم طلع إلى القلعة. وفيه عملت خوند أخت السلطان الملك الظاهر برقوق، كسوة [جليلة] (١) للحجرة الشريفة، [وستارة زركش لباب الحجرة الشريفة] (١)، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فطافت بذلك فى القاهرة، وكان يوما مشهودا؛ وسبب ذلك أنّها نذرت إن عاد أخوها إلى السلطنة، عملت للحجرة الشريفة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، كسوة، فلما عاد فعلت ذلك. وفيه قرّر ألطنبغا المعلّم فى نيابة الإسكندرية. - وفيه قرّر فى قضاء الحنفية بمصر، القاضى مجد الدين [إسمعيل] (٢) بن إبراهيم الكنانى، عوضا عن شمس الدين بن الطرابلسى. - وفيه وصل قاصد ملك الغرب، صاحب تونس، وصحبته هديّة جليلة للسلطان، فأكرم قاصده، وقبل الهديّة. وفى رمضان، أرسل [نعير] (٣)، أمير آل فضل، يطلب من السلطان الأمان، ودخل تحت طاعته (٤). - وفيه قدم فقيه الغرب الإمام العالم العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة، وكان من أعيان علماء المالكية. وفى شوّال، خرج الحاج من القاهرة فى تجمّل زائد، وكان يوما مشهودا. - وفيه نودى فى القاهرة أنّ متعمّما لا يركب فرسا، غير الوزير، وكاتب السرّ، وناظر الجيش، وناظر الخاص، فقط، وأنّ الحمّارة لا تحمّل الأكاديش شيئا من البضائع. وفيه (٥) توفّى القاضى صدر الدين بن أبى العزّ الحنفى الدمشقى، وكان من أعيان الحنفية، ولى القضاء بدمشق، ثم تولّى القضاء بمصر، وكان من الفضلاء. وفى ذى القعدة، توفّى الشيخ سرحان، وكان من أعيان المالكية. - وتوفّى

стр. 1052

الشيخ شرف الدين الآقصراى، وكان من أعيان العلماء الحنفية. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة ملك الروم مراد (١) بن عثمان، وقرّر فى مملكته (٢) ولده أبو يزيد، المعروف بيلدرم، وهو الذى أسره تمر لنك، وجعله فى قفص من حديد. وفى ذى الحجّة، عزل السلطان الصاحب سعد الدين بن البقرى، واستقرّ بالناصرى محمد بن الحسام الصقرى، وزيرا، عوضا عن ابن البقرى، فلما نزل إلى بيته طلب الوزراء المنفصلين، وقرّر كل واحد منهم فى وظيفة؛ فاستقرّ بالصاحب سعد الدين بن البقرى، ناظر (٣) الدولة؛ واستقرّ بالصاحب موفّق الدين أبو الفرج، مستوفى الصحبة؛ واستقرّ بالصاحب علم الدين سنبرة، ناظر البيوتات؛ واستقرّ بالصاحب فخر الدين بن مكانس، مستوفى الدولة؛ وصاروا يركبون فى خدمته إلى القلعة، فأطلق على الناصرى محمد بن الحسام الصقرى، وزير الوزراء، لأنّه كان مستوفيا على أرباب الوظائف جميعها، بالديوان المفرد، فعدّ ذلك من النوادر (٤). وفى أواخر هذه السنة، توفّى الشيخ على بن على (٥) الجعيدى، سلطان الحرافيش، وكان له حرمة وافرة على الحرافيش، فلم يخلفه بعده مثله. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة فيها فى المحرّم (٦)، جاءت الأخبار بأنّ يلبغا الناصرى وقع بينه وبين الأتابكى أيتمش، وحصل بينهما فتنة عظيمة، حتى ألبس يلبغا الناصرى مماليكه آلة الحرب، فدخلوا بينهما الأمراء، وخمدوا هذه الفتنة. وفيه أحضر السلطان حسين بن باكيش، الذى كان نائب غزّة، وجرى منه فى

стр. 1053

حقّ الظاهر برقوق ما جرى، مما تقدّم ذكره؛ فلما حضر بين يدى السلطان، عرّاه وضربه بالمقارع ثمانين شيبا، وكان السلطان فى قلبه منه، وكان تكلّم فى حقّ السلطان (١) بما لا يليق، وكان ابن باكيش يميل إلى منطاش، فصار عند السلطان من ذلك كمين، كما قيل [فى المعنى] (٢): وقد يرجى لجرح السيف برء … ولا يرجى لما جرح اللسان وفى صفر، رسم السلطان بهدم سلالم [مئذنة] (٣) مدرسة السلطان حسن، وسدّ باب المدرسة، وفتح لها خوخة صغيرة عند مدرسة الحنفية. - وفيه حضر كمشبغا الحموى، نائب حلب، يزور السلطان، فأكرمه وأجلسه فوق الأتابكى أينال اليوسفى، وكان كمشبغا له يد طائلة عند السلطان، لما أن خرج من الكرك، وتعصّب له، وأقام (٤) له برك، وقد تقدّم ذكر ذلك. وفيه حضرت التجريدة التى توجّهت إلى دمشق، بسبب منطاش، وكان باش التجريدة (٥) أيتمش البجاسى، وكان معه ستّة وثلاثين أميرا، ما بين مقدّمين ألوف (٦)، وأمراء طبلخانات (٧)، وعشراوات، ومن المماليك السلطانية نحو ألف مملوك. وفى ربيع الأول، قرّر فى قضاء الحنفية بحلب، جمال الدين محمود بن محمد؛ وقرّر فى قضاء الشافعية بطرابلس، شمس الدين الغزّى؛ وقرّر فى قضاء المالكية بدمشق، القاضى علم الدين القفصى؛ وقرّر فى قضاء الحنابلة، مهنا (٨) بن أبى النجا؛ فتولّوا هؤلاء القضاة فى يوم واحد، ونزلوا من القلعة بخلعهم. وفيه قبض السلطان على جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية، فوسّط منهم

стр. 1054

جماعة ببركة الكلاب، فعزّ ذلك على بقيّة الأمراء. - وفيه توفّى القاضى، قاضى قضاة المالكية ولىّ الدين أحمد بن خير، مات وهو منفصل عن القضاء. - وفيه قرّر فى نيابة ملطية، الناصرى محمد بن شهرى؛ وقرّر فى نيابة حماة، ألأبغا العثمانى. وفى ربيع الآخر، توفّى الشيخ الصالح أحمد بن آل ملك، صاحب الجامع الذى بالحسينية، وكان آل ملك نائب السلطنة بمصر، وكان ابنه أحمد هذا من جملة الأمراء المقدّمين، ثم إنّه ترك الدنيا واعتزل عن الناس، ولبس الصوف، وركب الحمار، وقنع بما يحصل له من أوقاف أبيه، وأقبل على العبادة حتى مات. وفى جمادى الأولى، ظهر بالسماء كوكب له ذنب، نحو ثلاثة أذرع، وكان يرى أول الليل، فأقام على ذلك مدّة، ثم اختفى. - وفيه جاءت الأخبار بأنّ منطاش قد ملك حماة، وحمص، وبعلبك، ولم يشوّش على أحد من أهلهم (١)، فمالوا إليه الرعيّة، وسلّموه المدن من غير قتال. وفى جمادى الآخرة (٢)، جاءت الأخبار بأنّ منطاش توجّه إلى دمشق، وحاصر المدينة، وكان نائب الشام (٣) غائبا، ففتحت له العوام باب كيسان الصغير، فدخل منه إلى المدينة وملكها، ونهب أسواقها، وأخذ أموال التجار، وكبس الاصطبلات، وأخذ الخيول التى (٤) بها، وكانوا نحوا من ثمانمائة فرس، فقوى بهم عسكره، وقويت شوكته، والتفّ عليه من العربان، والعشير، والتركمان، نحو ثلاثين ألفا؛ فلما وصل هذا الخبر إلى السلطان اضطربت أحواله، ونادى للعسكر بالعرض، وعلّق الجاليش، وقوى عزمه على الخروج إلى منطاش. وفى رجب، توفّى الشيخ شهاب الدين بن عمر بن مسلم بن سعيد القرشى، الواعظ، وكان معتقلا بخزانة شمايل، وكان تغيّر خاطر السلطان عليه، لكونه من جماعة

стр. 1055

منطاش، ويقال (١) إنّه خنق؛ وكان فقيها، محدّثا بارعا، واعظا. - وفيه خنق حسين ابن الكورانى، الذى كان والى القاهرة فى أيام منطاش، واستمرّ مسجونا بخزانة شمايل حتى خنق. - وفيه توفّى الشيخ جلال الدين [التبانى] (٢) الحنفى، وكان من أعيان الحنفية. وفيه جاءت الأخبار بأنّ السلطان أرسل إلى دمشق بقتل جانتمر، أخو طاز، نائب الشام، وابنه، والطواشى طقطاى، والشيخ فتح الدين محمد بن الشهيد الدمشقى، صاحب ديوان الإنشاء بدمشق، فضرب أعناقهم فى الصحراء؛ وكان الشيخ فتح الدين يميل إلى منطاش، وإذا خطب بدمشق يحطّ على [الظاهر] (٣) برقوق فى خطبته، فاستمرّ فى خاطره منه حتى قتله؛ وكان الشيخ فتح الدين هذا عالما فاضلا، وله تصانيف جيّدة، وله شعر رقيق، فمن ذلك قوله: سهل الخدود عزيز وصل من يرم … يوما جنا وجناته لم يستطع إن رمت لثم الخدّ منه، قال لى … لا تطمعنّ فإنّ سهلى ممتنع وفيه توفّى بدمشق الشيخ شمس الدين المزين، وكان من أعيان الناس بدمشق، وهو عالم فاضل، وله شعر جيّد، وكان من شعراء دمشق، بارعا فى الشعر، فلما بلغ الشيخ عزّ الدين [الموصلى] (٤) وفاتهما بدمشق، أنشأ يقول: دمشق قالت لنا مقالا … معناه فى ذا الزمان بيّن اندمل الجرح واستراحت … ذاتى من الفتح والمزيّن وفى شعبان، عزل قاضى قضاة الحنفية مجد الدين إسمعيل الكيمانى (٥)، وقرّر فيها القاضى جمال الدين محمود القصيرى، ونزل من القلعة فى موكب حافل جدّا؛ وكتب فى توقيعه: «الجناب العالى»، وكانت العادة الجارية أن يكتب له: «المجلس

стр. 1056

العالى»، واستمرّ ذلك يكتب من بعده للحنفى «الجناب العالى» إلى اليوم. وفيه توفّى قاضى قضاة المالكية شمس الدين بن يوسف الركراكى، وتولّى القاضى شهاب الدين أحمد [النحريرى، واستقرّ قاضى قضاة المالكية] (١)، عوضا عن الركراكى، أقام القاضى شهاب الدين أحمد النحريرى فى القضاء أربعين يوما وعزل؛ وتولّى بعده القاضى ناصر الدين محمد بن محمد التنسى (٢)، وأقام فى هذه الولاية إلى آخر دولة برقوق. وفيه جاءت الأخبار، بأنّ منطاش تزايد أمره، وقويت شوكته، وكثر عسكره؛ فلما تحقّق السلطان ذلك، عرض العسكر، ونفق عليهم، وبرز خيامه فى الريدانية. فلما كان يوم الاثنين ثانى عشرين شعبان، خرج السلطان فى موكب عظيم، وطلّب طلبا حافلا، وخرج صحبته الخليفة المتوكّل على الله، والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء، والعسكر؛ فلما استقرّ بالمخيم السلطانى (٣)، طلب حسين بن باكيش، الذى كان نائب غزّة، فلما حضر من خزانة شمايل أمر بتوسيطه، فوسّط بحضرته، ووسّط فى ذلك اليوم جماعة من حاشية منطاش. ثم إنّ السلطان جعل الأمير كمشبغا الحموى، نائب الغيبة بمصر، إلى أن يعود السلطان إليها، وكان كمشبغا من حين حضر من حلب وهو مقيم بمصر (٤)، فاختاره أن يكون نائب الغيبة إلى أن يعود (٥)؛ ورسم للأمير سودون الفخرى، نائب السلطنة، بأن يقيم بالقلعة إلى أن يعود السلطان؛ [ورسم للأمير بجاس النوروزى بأن يقيم بالإيوان، الذى بالقلعة، إلى أن يعود السلطان] (٦)، وترك عنده من المماليك خمسمائة مملوك؛ وترك بالقاهرة من الأمراء قطلوبغا الصفوى، حاجب الحجّاب، والأمير بتخاص السودونى، ومن (٧) الحجّاب، والأمراء العشراوات، عشرين أميرا.

стр. 1057

ثم إنّ السلطان رحل من الريدانية، وقصد التوجّه إلى الشام؛ فلما رحل أعرض الأمير كمشبغا الحموى، نائب الغيبة، أولاد الناس أجناد الحلقة، وعيّن منهم جماعة نحو المائتين (١) إلى جهة الصعيد، يقيمون عند الكاشف. ثم بعد أيام حضر الأمير سودون الطيّار، وعلى يده مثالات شريفة إلى الأمراء الذين (٢) بالقاهرة، بأنّ السلطان لما وصل إلى الشام، هرب منطاش من وجهه إلى الفرات، فلما جاء هذا الخبر دقّت الكوسات، ونودى بالزينة، فزيّنت القاهرة سبعة أيام. قيل لما دخل السلطان إلى دمشق، فهمّوا أهل دمشق بالخلاء، خوفا من الظاهر برقوق، وقد تقدّم ما وقع منهم فى حقّه، لما خرج من الكرك ودخل إلى دمشق، ورجموه وأخرجوه منها، ونهبوا بركه لما انتصر على منطاش وتسلطن؛ فلما دخل إلى دمشق بلغه أنّ أهل الشام تخوّفوا منه، لما تقدّم منهم (٣)، فنادى لهم بالأمان والاطمان، والبيع والشراء، وأنّ الماضى ما يعاد، ونحن أولاد اليوم، وقد عفونا عنكم، فضجّ له الناس بالدعاء، وسكن الاضطراب الذى كان عند أهل دمشق. وفى رمضان، جاءت الأخبار بأنّ السلطان خرج من دمشق، وتوجّه إلى حلب؛ فلما خرج السلطان من دمشق أتى نعير بن حيار، وأمير آل فضل، ونهبا غالب ضياع دمشق، وكان نعير ملتفّا على منطاش، فلما بلغ نائب الشام مجئ نعير، خرج إليه، وتقاتل معه فى مكان يسمّى «الكسوة»، فانكسر نائب الشام كسرة قويّة، وقتل فى الوقعة (٤) من عسكر دمشق خمسة عشر أميرا؛ ثم رجع نعير إلى بلاده. ثم جاءت الأخبار من بعد ذلك، بأنّ السلطان لما دخل إلى حلب أقام بها أياما، ثم قبض على يلبغا الناصرى، وعلى جماعة من الأمراء، وسجنهم بقلعة حلب، ثم إنّه قتلهم من آخرهم، وكانوا ثلاثة وعشرين (٥) أميرا؛ وسبب ذلك أنّ سالم الدوكارى،

стр. 1058

أمير التركمان، أرسل يعرّف السلطان، أنّ يلبغا الناصرى أرسل إليه مطالعة فى الدسّ، وهو يقول له فيها: «خذ منطاش واهرب به إلى بلاد الروم، فما دام منطاش موجودا، فنحن موجودين»، فلما وقف سالم الدوكارى على هذه المطالعة، أرسلها إلى السلطان، فلما قرأها السلطان طلب الأمراء، وطلب يلبغا الناصرى، وقرأ عليهم مطالعة يلبغا بحضرتهم، فأنكر يلبغا ذلك، فأحضر له المصحف وحلّفه عليه، فتلجلج لسانه، ومغمغ (١) فى الكلام، فكان كما قيل [فى المعنى] (٢): إذا كان وجه العذر ليس بواضح … فإنّ اطراح العذر خير من العذر ثم إنّ السلطان قبض على يلبغا الناصرى، وجماعة من الأمراء، وسجنهم بقلعة حلب، ثم أمر بقتلهم؛ فلما قتلوا أخلع السلطان على الأمير بطا، الدوادار الكبير، واستقرّ نائب الشام؛ وأخلع على الأمير جلبان الكمشبغاوى، واستقرّ نائب حلب؛ وأخلع على الأمير إيّاس الجرجاوى، واستقرّ نائب طرابلس؛ وأخلع على الأمير قرا دمرداش الأحمدى (٣)، واستقرّ نائب حماة؛ ثم أخلع على الأمير أبى يزيد، واستقرّ به دوادار كبير (٤)، عوضا عن [الأمير] (٥) بطا؛ فجرى ذلك كله والسلطان بحلب. ثم إنّه قصد التوجّه إلى نحو البلاد (٦) المصرية، وأصرف هذا المال الجزيل على التجريدة بسبب منطاش، ولم يحصل له منه طائل، [ولم يظفر به] (٧)؛ وقيل إنّ منطاش عدّى من الفرات إلى الرها، وانقطعت أخباره. وفى شوّال، نادى الأمير كمشبغا [الحموى] (٨)، نائب الغيبة (٩)، بأنّ امرأة لا تخرج من بيتها، وأنّ أحدا لا يخرج إلى المفترجات قاطبة، وأنّ لا امرأة تلبس قميص (١٠) بأكمام

стр. 1059

كبار، وكانوا قد أفحشوا فى ذلك حتى خرجوا عن الحدّ. - وفيه جاءت الأخبار بموت القاضى ناصر الدين، موقّع الدست، وكان مسافرا مع السلطان. وفى ذى القعدة، جاءت الأخبار بوفاة القاضى كاتب السرّ علاء الدين الكركى، توفّى (١) بحمص؛ فلما مات أخلع السلطان على القاضى بدر الدين بن فضل الله، وأعاده إلى كتابة السرّ كما كان [أولا] (٢). - وفيه توفّى الشيخ شهاب الدين أحمد الأنصارى الشافعى، شيخ خانقاة سعيد السعداء. وفيه نادى الأمير كمشبغا، [نائب الغيبة] (٣)، بتبييض الدكاكين [جميعها]، وتنظيف الطرقات، بسبب دخول السلطان إلى القاهرة. وفى ذى الحجّة، توفّى الشيخ الصالح سيدى على الروبى (٤)، ودفن بالفيوم. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب اليمن صلاح الدين العلوى، وكان عالما فاضلا، عادلا فى الرعيّة، حسن السيرة. - وقد وقع فى هذه [السنة] (٥) فتن كثيرة، وقتل فيها ما لا يحصى من الأمراء والعسكر بسبب منطاش، وحصل فى هذه [السنة] (٥) بالقاهرة (٦) غاية ما يكون من الاضطراب، بسبب غياب (٧) السلطان منها. ثم دخلت سنة أربع وتسعين (٨) وسبعمائة فيها فى المحرّم، [فى] (٩) ثانيه، وصل مقدّم المماليك بهادر الشهابى، ومعه حريم السلطان؛ وكان السلطان تزوّج هناك فى الشام ببنت الأمير على بن أسندمر، نائب الشام؛ وأخبر أنّه فارق السلطان فى غزّة. - ثم جاءت الأخبار أنّ السلطان وصل إلى بلبيس،

стр. 1060

فخرج الأمير سودون الفخرى، وسائر الأمراء، إلى لقائه، ونودى بالقاهرة بالزينة، فزيّنت زينة حافلة. فلما كان يوم الخميس سابع عشر المحرّم، دخل السلطان إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة من بين الترب، ولم يشقّ المدينة، فلاقته المغانى، والشبابة السلطانية، والشعراء، والأوزان (١)، وحملت على رأسه القبّة والطير، ولعبوا قدّامه بالغواشى الذهب، ومشت قدّامه الجنائب بالأرقاب الزركش، وفرشت له الشقق الحرير من قبّة النصر إلى القلعة، [ومشت قدّامه الأمراء من تربة كهنبوش إلى القلعة] (٢)، وكان يوما مشهودا، لم يسمع بمثله. فلما استقرّ السلطان بالقلعة، عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير عمر بن قايماز، وهو صاحب السبيل الذى بالقرب من المطرية (٣)، واستقرّ وزيرا، عوضا عن الناصرى محمد بن الحسام الصقرى، بحكم وفاته، وكان مع السلطان؛ وأخلع على ناصر الدين محمد بن الأمير جمال الدين محمود، الأستادار، واستقرّ به نائب ثغر الإسكندرية. -[وفيه] (٤) جاءت الأخبار بوفاة الأمير بطا، الذى استقرّ نائب الشام؛ فلما مات أخلع السلطان على الأمير سودون الطرنطاى، واستقرّ به نائب الشام، عوضا عن بطا، بحكم وفاته. وفى صفر، جاءت الأخبار من دمشق، بأنّ جماعة من المماليك أتوا إلى باب قلعة دمشق، وكانوا نحوا من خمسة عشر مملوكا، فهجموا على باب القلعة وقت الظهر، وأتوا إلى السجن الذى [بها] (٥)، وأخرجوا من كان فى السجن من المحابيس، الذين (٦) كانوا من عصبة منطاش، وكان عدّتهم نحو مائة مملوك؛ فلما خرجوا من السجن،

стр. 1061

قويت شوكة المماليك الذين (١) هجموا على باب القلعة، فلما صعدت هذه الفتنة (٢) بأيديهم، هجموا على نائب القلعة وقتلوه، وملكوا القلعة. فلما بلغ عسكر الشام ذلك، وما جرى، لبسوا آلة الحرب، وحاصروا من بالقلعة من المماليك الذين (١) فعلوا ذلك؛ فأقاموا (٣) فى هذه المعركة ثلاثة أيام، وقتل فيها جماعة كثيرة من عسكر دمشق؛ ثم إنّ عسكر دمشق هجموا على باب القلعة وأحرقوه، ودخلوا إلى القلعة، وقبضوا على ذلك المماليك (٤) الذين (١) فعلوا ذلك، فلما قبضوا عليهم وسّطوهم تحت قلعة دمشق. وفى ربيع الأول، قرّر الشيخ جمال الدين محمود القصيرى، فى مشيخة الخانقاة الشيخونية. - وفيه تزوّج السلطان بابنة الشهابى أحمد بن الطولونى، معلّم المعلّمين، وهو من أجداد البدرى حسن بن الطولونى. - وفيه رسم السلطان للقضاة، أن يقتصر كل قاض على خمسة من النوّاب، وقد كانوا كثروا جدّا. وفى ربيع الآخر، تغيّر خاطر السلطان على الصاحب فخر الدين بن مكانس، فضربه علقة قويّة، وعلّقه من رجليه بسرياق، وهو منكّس على رأسه، فأقام على ذلك ساعة، ثم شفع فيه بعض الأمراء، وأنزلوه، فقال [فى هذه الواقعة] (٥): وما تعلّقت بالسرياق منتكسا … لزلّة أوجبت تعذيب ناسوتى لكننى (٦) مذ نفثت السحر من عزلى … عذّبت تعذيب هاروت وماروت ثم إنّ السلطان نفى الصاحب فخر الدين إلى دمشق، وولاّه وزارة دمشق. - وفيه رسم السلطان بخنق جماعة من الأمراء، منهم: الأمير أيدكار العمرى، حاجب الحجّاب، ومنهم: الأمير قرا كشك.

стр. 1062

وفى جمادى الأولى، توفّى الأتابكى أينال اليوسفى (١)، وكان من خيار الأمراء، والثناء عنه جميل، وهو صاحب المدرسة التى بالشارع. ومن الحوادث، أنّ الأمير جمال الدين، الأستادار، وهو محمود (٢)، طلع إلى القلعة على جارى العادة، فلما نزل من القلعة، رجموه المماليك من الأطباق، فهرب منهم، فشحتوه إلى الرملة، وضربوه بالدبابيس، وكان معه القاضى سعد الدين بن تاج الدين موسى، ناظر الخاص، فضربوا الآخر. فلما بلغ الأمير أيتمش [البجاسى] (٣) ما جرى، ركب هو ومماليكه، وردّوا عنهما المماليك، وأدخلهما إلى بيته، فأقاموا عنده إلى آخر النهار، فأرسل معهما مماليكه حتى وصّلوهما إلى بيوتهما، فأقاموا ببيوتهما لم يركبا، حتى دخل بينهما وبين المماليك بعض الأمراء، وأصلحوا بينهم. وفى جمادى الآخرة، توفّى الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن على العطار، وكان من فحول الشعراء، وله [شعر جيّد] (٤)، وتصانيف حسنة، ومن شعره قوله: وكأس يرينا آية الصبح والدجى … فأولها شمس وآخرها بدر مقطّبة ما لم يزرها مزاجها … فإن زارها جاء التبسّم والبشر فيا عجبا للدهر لم يخل مهجة … من العشق حتى الماء يعشقه الخمر وفيه قرّر فى الأتابكية الأمير كمشبغا الحموى، عوضا عن أينال اليوسفى؛ وقرّر الأمير أيتمش، رأس نوبة كبير. وفى رجب، توفّى الشيخ الإمام العالم بدر الدين محمد بن بهادر الزركشى المنهاجى (٥) الشافعى، وكان مولده سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وكان عالما فاضلا، أخذ عن الإسنوى، ومغلطاى، وابن كثير، والأوزاعى، وألّف (٦) تصانيف كثيرة، وكان

стр. 1063

فريد عصره. - وفيه قرّر فى الوزارة القاضى تاج الدين بن أبى شاكر، عوضا عن الركنى عمر بن قايماز. وفيه قدم الشريف عنان بن مغامس، والشريف على بن عجلان، أمير مكّة المشرّفة، فأشرك السلطان بينهما [فى الإمرية] (١)، وأجلس عنان بن مغامس، فوق على بن عجلان. وفيه جاءت الأخبار من دمشق بوفاة الأمير سودون الطرنطاى، نائب الشام؛ فلما أن مات أخلع السلطان على الأمير كمشبغا الخاصكى، واستقرّ نائب الشام، عوضا عن سودون [المذكور] (٢)، بحكم وفاته. وفى ثانى شعبان، عمل السلطان الموكب، وأخلع على الأمير بكلمش العلاى، واستقرّ أمير سلاح؛ وأخلع على الأمير شيخ الصفوى الظاهرى، واستقرّ أمير مجلس، عوضا عن كمشبغا الخاصكى، الذى قرّر فى نيابة الشام؛ وأخلع على الأمير تانى بك اليحياوى (٣)، واستقرّ أمير آخور كبير، عوضا عن بكلمش العلاى؛ وقرّر الأمير تغرى بردى اليشبغاوى (٤)، من جملة المقدّمين الألوف (٥)، وتغرى بردى هذا، هو والد الجمالى يوسف، المؤرخ، صاحب كتاب النجوم الزاهرة فى أخبار ملوك مصر والقاهرة. وفيه توعّك جسد السلطان، وأقام مدّة وهو منقطع فى دور الحريم؛ فلما شفى، وركب، وخرج من دور الحريم إلى الخدمة، نودى فى القاهرة بالزينة، فزيّنت سبعة أيام، ودقّت له البشائر بالقلعة، وفرّق على الفقراء والمساكين ألف دينار. وفى رمضان، أخلع السلطان على قاضى قضاة الحنفية جمال الدين محمود القصيرى، واستقرّ ناظر الجيش، مضافا لما بيده من قضاء الحنفية، ومشيخة الخانقاة الشيخونية وغير ذلك، ولم يتّفق هذا لأحد من الأعيان قبله، فعدّ ذلك من النوادر. وفيه أوفى النيل المبارك، فى ثالث مسرى، فنزل السلطان وكسر السدّ على جارى

стр. 1064

العادة. -[وفيه وقع الوباء فى البقر، حتى كاد إقليم مصر أن يخلو منها، ورخص سعرها جدّا، حتى أبيعت كل بقرة بخمسة دراهم] (١). وفى شوّال، توفّى الشيخ الصالح [المعتقد] (٢) طلحة المغربى، الذى اختار السلطان برقوق أن يدفن تحت رجليه. - وفيه نادى السلطان فى القاهرة: أنّ لا مجذوم، ولا أبرص، ولا أقطع، يقيم بالقاهرة، ومن أقام بها منهم وسّط أو شنق. وفيه عزل القاضى، قاضى القضاة المالكى، شهاب الدين النحريرى؛ وقرّر فيها ناصر الدين التنسى (٣)، طلب من الإسكندرية، وكان عالما فاضلا فى مذهبه، وله نظم وشعر جيّد، ومن شعره قوله: جفوت من أهواه لا عن قلى … فظلّ يجفونى يروم الكفاح ثم وافى (٤) لى زائرا بعده … فطاب نشر من حبيب وفاح وفى ذى القعدة، جاءت الأخبار من حلب، بأنّ منطاش جاء إلى مدينة حلب وحاصرها، فخرج إليه أهل حلب، فقاتلوه، فكسروه كسرة عظيمة، ورجع هاربا إلى الفرات (٥). فلما انكسر، حضر قاصد من عند نعير إلى عند السلطان، وعلى يده كتاب من عند الأمير نعير، مضمونه أنّ نعير أرسل يطلب من السلطان أربع بلاد من أعمال حماة، وأنّه يلتزم بمسك منطاش؛ فلما سمع السلطان ذلك، أمر الأمير [أبى يزيد] (٦)، الدوادار الكبير، وقال له: «اكتب أنت عن لسانك: إن فعلت ذلك يعطيك السلطان ما تطلبه وزيادة على ذلك»، وأرسل له هذا الجواب على يد قاصده.

стр. 1065

وفى ذى الحجّة، جاءت الأخبار أنّ تمر لنك ملك أصفهان، وشيراز، وقتل شاه منصور، متملّك هرمز (١)، وقتل قرا يوسف، أمير التركمان، وفعل من الأمور الشنيعة ما لا يسمع بمثلها. ومن الوقائع الغريبة، أنّ جماعة من بلاد الغرب، خرجوا قاصدين الحجّ، فى البحر المالح، وكان معهم شخص شريف، فأخذوهم الإفرنج بمركبهم؛ فلما عرضوا على صاحب صقلية، أمرهم أن يقيّدوا، فقيّدوا، فلما جاءوا يقيّدوا [الرجل] (٢) الشريف، قال للترجمان: «قل للملك عن لسانى، إذا قدم عليك ابن ملك من الملوك، ماذا تصنع به»؟ فقال الترجمان للملك ذلك، فقال الملك: «أكرمه لأجل أبيه (٣)»، فقال الترجمان للشريف ذلك، فقال له الشريف: «وإن كان على غير دينك»؟ فقال الملك: «نعم»، فقال الشريف للترجمان: «قل له إنّ أبى أكبر ملوك الأرض»، فقال له الترجمان ذلك، فقال الملك: «ومن أبوه (٤)»؟ فقال الشريف: «أبى الحسين ابن على بن أبى طالب»، فقال الملك للشريف: «من يصدّق (٥) دعواك»؟ فأخرج له درجا كان معه، فيه نسبه متّصل بالنبى، ﷺ ، فلما سمعه الملك، أمر بإطلاقه ومن معه من الأسراء (٦)، وأمر بإكرامهم، وتجهيزهم إلى بلادهم، وهذه من النوادر [الغريبة] (٧). وفيه كانت وفاة الصاحب فخر الدين بن مكانس، اسمه عبد الرحمن بن عبد الرزاق ابن إبراهيم بن مكانس القبطى، الأديب الفاضل، صاحب الأشعار اللطيفة، والأرجوزة

стр. 1066

الطريفة؛ تولّى عدّة وظائف سنيّة، وتولّى وزارة البلاد الشامية (١)، وتوجّه إلى دمشق، ثم طلب من دمشق إلى القاهرة، ليلى الوزارة، فمرض فى أثناء (٢) الطريق، ومات، ودخل مع والده (٣) مجد الدين إلى القاهرة، وهو ميّت، وقيل إنّه سمّ فى الطريق؛ وكان أعجوبة عصره، ونادرة دهره، لم يجئ من بنى الأقباط مثله بعده؛ ومن شعره الرقيق قوله وأجاد: علقتها معشوقة خالها … قد عمّها بالحسن بل خصّصها يا وصلها الغالى ويا جسمها … لله ما أغلى وما أرخصا وقوله أيضا: لم أنس معشوقة زارت بجنح دجى … فبتّ فى طيب أنفاس وطيب سمر حتى الصباح وعيناها تظن … بأنّ هاروت حل عشيّا فيهما وسحر قال البدر البشتكى، أول من اخترع النورية [الملفقة] (٤) الصاحب فخر الدين بن مكانس، ولم تكن تعهد قبل ذلك. - وفيه عزل القاضى، قاضى قضاة الشافعية، عماد الدين الكركى؛ وأعيد إلى القضاء صدر الدين المناوى. ثم دخلت سنة خمس وتسعين وسبعمائة فيها فى المحرّم (٥)، عزل عن الوزارة ابن أبى شاكر؛ وأعيد إليها موفّق الدين أبو الفرج. - وفيه جاءت الأخبار من دمشق بوفاة كمشبغا الخاصكى، نائب الشام؛ وأخلع السلطان على تنم الحسنى، وقرّره فى نيابة الشام، عوضا عن كمشبغا الخاصكى؛ وقرّر فى نيابة طرابلس، دمرداش المحمدى؛ وقرّر فى نيابة حماة، آقبغا الصغير.

стр. 1067

وفى صفر، جاءت الأخبار من حلب، أنّ منطاش ونعير، توجّها إلى حماة، ودخلا المدينة على حين غفلة، فنهبوا أسواقها، وأخذوا أموال التجّار؛ فلما بلغ الأمير جلبان، نائب حلب، بما فعله نعير، ركب ومن معه من العسكر الحلبى، وكبس على بلاد نعير، فى غيبته، ونهب أمواله، وأخذ أولاده ونساءه (١)؛ وأحرق بيوته، وقتل جماعة [كثيرة] (٢) من عربانه. وفيه قرّر فى الدوادارية، الأمير قلمطاى العثمانى، عوضا عن الأمير أبى يزيد، بحكم وفاته. وفى ربيع الأول، توفّى الصاحب علم الدين عبد الله بن أبى شاكر عبد الكريم ابن الغنّام، مات وهو منفصل عن الوزارة. - وفيه توفّى الشيخ صلاح الدين بن الأعمى الحنبلى، مدرّس المدرسة البرقوقية، وكان من أهل العلم، بارعا فى مذهبه. وفيه جاءت الأخبار من حلب، بأن وقع بها سيل عظيم، وساق معه من الجبال أشياء كثيرة، من الوحوش والأفاعى، فقيل: جاء فى هذا السيل ثعبان طوله سبعة أذرع، يدخل الآدمى فى جوفه ما يبان. وفى ربيع الآخر، توفّى الشيخ الصالح المعتقد موسى العبدوينى (٣). - وفيه قرّر فى نيابة غزّة ألطنبغا العثمانى، عوضا عن يلبغا الأشقتمرى. وفى جمادى الأولى، توعّك جسد السلطان، واشتدّ به الإسهال الدموى، فأرجفت له القاهرة بموته، فأقام على ذلك أياما؛ ثم إنّه شفى وركب، فزيّنت له القاهرة سبعة أيام، ودقّت له البشائر بالقلعة، ثم إنّه نزل وشقّ المدينة، وضجّ الناس له بالدعاء؛ ثم دخل لدار [الأمير] (٤) أيتمش البجاسى، وعاده لأنّه كان مريضا؛ ثم طلع إلى القلعة.

стр. 1068

وفى جمادى الآخرة (١)، قبض السلطان على محمد بن محمد بن آقبغا آص، وضربه بالمقارع، وسلّم للوالى، وطلب منه مال، فضرب مرّتين. وفيه توفّى (٢) قاضى القضاة الحنابلة، ناصر الدين بن نصر الله بن أحمد بن محمد العسقلانى الكنانى، تولّى قضاء مصر، وأقام به مدّة طويلة حتى مات، وكان عالما فاضلا؛ فلما مات تولّى بعده ولده برهان الدين [إبراهيم] (٣)، وأقام مدّة طويلة. وفى رجب، قدمت رسل تمرلنك، ومعهم مكاتبة على لسان طقتمش (٤) خان، ملك التتار، وفيها ترفّق للسلطان، وهذا عين الخداع. - وفيه توفّى الشيخ علاء الدين على بن محمد بن عبد المعطى، وكان من أعيان الشافعية. وفى شعبان، أوفى (٥) النيل المبارك، سادس عشر مسرى، ونزل السلطان وكسر السدّ على العادة. - وفيه توفّى الصاحب شمس الدين أبو الفرج عبد الله المقسى، ناظر الخاص، ودفن فى جامعه الذى جدّده بالقرب من باب (٦) البحر، وكان أسلم وحسن إسلامه، وكان يحبّ العلماء والفقهاء، وله برّ ومعروف؛ وقد ذكر بعض المؤرّخين أنّه مات فى أثناء سلطنة برقوق الأولى، وذكر بعضهم أنّه مات فى هذه السنة، [والله أعلم بحقيقة ذلك] (٧). وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة مملوك نائب حلب، وأخبر على نعير أنّه قبض على منطاش، وسلّمه إلى نائب حلب، وكان [منطاش] (٨) يظنّ أنّه قط ما يقع، والباغى له مصرع، وسيف السلطان طويل، كما قيل: قالت ترقّب عيون الحىّ إنّ لها … عينا عليك إذا ما نمت لم تنم

стр. 1069

وكان سبب مسك منطاش أنّ نعير بن حيار، لما كبس عليه [جلبان] (١)، نائب حلب، وأسر أولاده، ونساءه (٢)، كما تقدّم، فأرسل نعير يقول لنائب حلب: «اطلق أولادى ونسائى وأنا أمسك [لك] (٣) منطاش»، فأرسل نائب حلب يقول له: «ما أطلق أولادك ونساءك (٤)، حتى تقبض [على] (٥) منطاش وترسله إلىّ». وكان منطاش عند نعير، وهو متزوّج إحدى (٦) بناته، فلما رأى نعير عين الغلب، أرسل إلى منطاش أربعة من العبيد الغلاظ الشداد، فلما أتوا إلى منطاش، حسّ بالشرّ، وكان راكبا على هجين، فنزل عنه وركب فرسا، فمسك بعض العبيد لجام فرسه، وقال له: «كلّم الأمير نعير»، فقال: «وما يصنع بى نعير»؟ فتكاثروا عليه العبيد، وأنزلوه من على فرسه، وأخذوا سيفه من يده. فلما رأى منطاش عين الغلب، قال للعبيد: «دعونى حتى أبول»؛ فقام وأتى إلى جانب حائط ليبول، فأخرج من على وسطه خنجرا، وشقّ به بطنه، فغشى عليه، فحملوه العبيد، وأتوا به إلى نعير، فقيّده، وأرسله إلى نائب حلب، وأرسل صحبته جماعة كثيرة من العربان، حتى أسلموه إلى نائب حلب؛ فلما دخل إلى حلب، كان له يوم مشهود، وزيّنت له حلب؛ فلما تسلّمه نائب حلب [بحضرة القضاة الأربعة، وكتب محضره] (٧)، سجنه بالقلعة، وأرسل كاتب السلطان بذلك. فلما تحقّق السلطان ذلك، أخلع على مملوك نائب حلب خلعة سنيّة، وأركبه فرسا بسرج ذهب بكنبوش، ونودى فى القاهرة بالزينة، فزيّنت سبعة أيام، ودقّت البشائر بالقلعة سبعة أيام. ونسى السلطان ما قاساه من قهره من منطاش، وما أصرفه على التجاريد من

стр. 1070

الأموال بسببه، وقد أفنى عمره فى قهر منطاش، فإنّه كان مملوكه، مشتراه، وجرى منه فى حقّه ما جرى، فلما ظفر به نسى ذلك جميعه، كما قيل فى المعنى: إذا ظفرت من الدنيا بقربكم … فكل ذنب جناه الدهر مغفور ثم إنّ السلطان عيّن الأمير طولو (١) بن على شاه إلى حلب، ليحضر منطاش، فلما وصل إلى حلب تسلّم منطاش، وجعل يعاقبه ويعصره، وقرّره على الأموال التى (٢) أخذها، ونهبها من البلاد، فلم يقرّ بشئ، [واستمرّ يعاقبه] (٣)، حتى مات تحت العقوبة، فلما مات قطع رأسه، ووضعها فى علبة، وقصد التوجّه إلى البلاد المصرية (٤). وجيل يطوف برأس منطاش فى كل مدينة دخلها، حتى وصل إلى القاهرة، فكان يوم دخوله (٥) إلى القاهرة يوما مشهودا، وزيّنت له القاهرة زينة حافلة، وشقّ برأس منطاش من وسط القاهرة، حتى طلع بها إلى القلعة، فرسم السلطان بأن تعلّق على باب زويلة، فعلّقت بها ثلاثة أيام، ثم دفنت، وقد قال القائل: كأنّ فجاج الأرض يمناك إن يسر … بها خائف تجمع عليه الأنامل فأين يفرّ المرء منك بجرمه … إذا كان تطوى فى يديك المراحل وفى رمضان، أرسل السلطان إلى نعير خلعة، وأقرّه على عادته، أمير آل فضل، وخمدت فتنة منطاش. واستأنفت الناس فتنة أخرى، وما ذاك إلا أنّ فى عقيب ذلك، حضر طواشى رومى، يسمّى صفىّ الدين جوهر، وعلى يده مكاتبة مطالعة من عند صاحب ماردين، مضمونها أنّ تمر لنك قد أخذ تبريز؛ وحضر عقيب ذلك قاصد صاحب بسطام، وأخبر أنّ تمر لنك أخذ شيراز؛ ثم حضر عقيب ذلك قاصد نائب الرحبة، وأخبر أنّ القان أحمد بن أويس، صاحب بغداد، قد وصل إلى الرحبة، وهو هارب من تمرلنك،

стр. 1071

وقد أحاط على غالب بلاده، وملكها. وكان سبب أخذ تمرلنك لبغداد، أنّه كان كثير الحيل والخداع، فأرسل إلى القان أحمد بن أويس كتابا، وهو يترفّق (١) له فيه، ويقول: «أنا ما جئتك محاربا، وإنما جئتك خاطبا فى أختك»، ففرح القان أحمد بذلك، وظنّ أنّ هذا الكلام صحيح، فكان كما قيل فى المعنى [المقدّم] (٢): لا تركنن إلى الخريف فماؤه … مستوخم وهواه خطّاف يمشى مع الأجساد مشى صديقها … ومن الصديق على الصديق يخاف فكان القان أحمد استعدّ لقتال تمرلنك، وجمع العساكر، ونفق عليهم، فلما جاء إليه قاصد تمرلنك بهذا الخبر، ثنى عزمه عن جمع العساكر، وأخذ منهم [ما كان أعطاه لهم من] (٣) النفقة، فتوجّه كل واحد من العسكر إلى بلاده؛ واستمرّ الحال ساكنا مدّة يسيرة، فما شعر القان أحمد إلا وقد دهمته عساكر تمرلنك، حتى ضاق بهم رحب القضاء، فخرج إليهم القان أحمد، وتحارب معهم. فبينما هم فى المعركة، فتعصّبوا أهل بغداد على القان أحمد، وفتحوا لعسكر تمرلنك أبواب المدينة، وقد خافوا أهل بغداد على أنفسهم أن لا يصيبهم من أصناف ما أصاب من قبلهم فى فتنة هولاكو (٤)، فى أيام الخليفة المستعصم بالله؛ فلما رأى تمرلنك أبواب المدينة قد فتحت، دخل إليها وملكها من غير مانع. فلما رأى القان أحمد أنّ تمرلنك قد ملك المدينة، فما وسعه إلا الهرب من بغداد، فأتى إلى جسر هناك فعدّى من عليه، ثم قطعه ومضى؛ فلما بلغ عسكر تمرلنك هروب القان أحمد، فتبعوه وخاضوا خلفه فى الماء، واستمرّوا فى طلبه ثلاثة أيام يتبعوه (٥)، فلم يحصّلوه؛ فلما جرى ذلك، أتى القان أحمد إلى حلب، فأرسل نائب حلب يعرّف السلطان بذلك.

стр. 1072

فلما ورد هذا الخبر على السلطان، جمع الأمراء واستشارهم فيما يكون من أمر القان أحمد، فوقع الاتّفاق على أنّ السلطان يرسل إليه الإقامات، ويكرّمه؛ فعند ذلك عيّن السلطان الأمير أزدمر، الساقى، بأن يتوجّه إلى حلب، وصحبته الإقامات، وما يحتاج إليه، فخرج الأمير أزدمر على جرائد الخيل. وفى شوّال، توفّى العلامة نور الدين على الأقفهسى، وكان من أعيان الشافعية. - وفى عشرينه، الموافق لثانى توت من الشهور القبطية، أمطرت السماء مطرا غزيرا، حتى صارت الأزقّة والطرقات، يخوضون فيها الناس، مثل الخلجان، وأقام ذلك نحو أسبوعين. وفيه ابتدأ الناس (١) فى العمارة على سور الكبش، فعمروا عليه الدور والاصطبلات، ولم يكن قبل ذلك عليه بناء. وفى ذى القعدة، جاءت الأخبار بوصول قاصد ملك [الروم] (٢)، أبو يزيد بن عثمان، وعلى يده تقادم للسلطان؛ وكان سبب مجيئه أن أرسل قاصده يخبر السلطان بأمر تمرلنك، ويحذره منه، وأن يكون منه على يقظة؛ ثم إنّه أرسل يطلب من السلطان طبيبا حاذقا، وأدوية توافق مرضه، فإنّه كان يشكو (٣) بضربان المفاصل؛ فلما وقف السلطان على مطالعة أبى يزيد بن عثمان، وعلم ما فيها، عيّن له الريس شمس الدين بن صغير (٤)، وأرسل صحبته حملين من الأدوية التى توافق مرضه، وأرسل له هديّة حاملة على يد قاصده. وفيه حضر قاصد صاحب ماردين، وأخبر أنّ تمرلنك ملك بلاد الأكراد، وقد ملك إلى الآن ست عشرة مدينة من مدائن الشرق؛ وأخبر أنّ الملك محمود شاه، أستاذ تمرلنك، قد توجّه إلى البصرة، وحاصر أهلها، فجمع صاحب البصرة من العساكر ما لا يحصى، وخرج إلى قتال محمود شاه، فكان بينهما وقعة (٥) عظيمة، فقتل فى المعركة

стр. 1073

الملك محمود شاه، أستاذ تمرلنك، وأسر فى المعركة ابن تمرلنك، وكان أكبر أولاده، وقتل من عساكر ابن تمرلنك نحو مائة [ألف] (١) إنسان. فلما رأى تمرلنك عين الغلب، أرسل يطلب الأمان من صاحب البصرة، وأنّ يطلق له ولده الذى أسر، فأرسل صاحب البصرة يقول له: «ما أطلق لك ابنك حتى تطلق أنت ابن القان أحمد بن أويس، الذى أسرته لما توجّهت إلى بغداد»؛ فلما سمع تمرلنك هذا الجواب، حنق وأرسل إلى البصرة عساكر لا تحصى، وحاصرها ثانيا فلم يقدر عليها، وقتل من عسكره نحو الثلث، وكان ذلك فى زمن الشتاء، فلما رأى تمرلنك ذلك رجع إلى بلاده، وقال: «حتى يمضى الشتاء أرجع إليهم». فلما تواترت الأخبار على السلطان، رسم بعرض العسكر، ونادى فى القاهرة بالسفير، عامّا، والغزاة فى سبيل الله تعالى؛ وصار الأمير علاء الدين، والى القاهرة، يكرّر هذه المناداة (٢) فى القاهرة ثلاثة أيام متوالية، فاضطربت الأحوال، وتزايدت الأهوال. ثم إنّ السلطان عرض العسكر فى الميدان، الذى تحت القلعة، وما صدّق العسكر أنّ فتنة منطاش قد خمدت، فاستأنفت فتنة أخرى، كما قيل: وثقيل ما برحنا … نتمنّى (٣) البعد عنه غاب عنا ففرحنا … جاءنا أثقل منه وفى ذى الحجّة، عزل قاضى القضاة الشافعية صدر الدين المناوى؛ وأعيد بدر الدين القاضى أبو البقا السبكى. - وفيه توفّى القاضى زين الدين أبو بكر بن عثمان العجمى الحلبى، أحد الموقّعين بديوان الإنشاء الشريف، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، ولا سيما فى [منّ] (٤) المواليا، فإنّه كان من جملة فرسان ميدانها، وقائد فنّ عنانها، فمن ذلك قوله: للحبّ قالوا معناك الذى أدبلتو … جد لو بقبلة فعقلو فيك خبّلتو

стр. 1074

فقال أقسم لو أنّ البوس سيّلتو … ومات للشرق ما درتو وقبّلتو وقوله فى البديع من تغزّلاته: انظر إلى الغدران كيف تجعّدت … أمواجها فزهت وراقت منظرا وحكت سطورا فى طروس خطّها … قلم النسيم بلطفه لما سرا وفى هذه السنة توفّى ملك الغرب صاحب تلمسان، وهو عبد الرحمن أبو تشفين، وكان حسن السيرة، وتولّى بعده أخوه محمد. - وتوفّى الشيخ عبد الرحيم الهمذانى الحنفى. ثم دخلت سنة ست وتسعين (١) وسبعمائة فيها فى المحرّم، جاءت الأخبار بوفاة صاحب فاس، أحد (٢) ملوك الغرب، وتولّى بعده ولده أبو فارس. - وفيه نزل السلطان إلى الرماية (٣)، ولما عاد شقّ من القاهرة، وكان يوما مشهودا. وفى صفر، جاءت الأخبار بوصول القان أحمد بن أويس، صاحب بغداد، فلما تحقّق السلطان وصوله، بعث الأمراء إلى ملاقاته، وهيّأ له مكانا على بركة الفيل، ينزل فيه؛ فلما وصل إلى خانقة سرياقوس، نزل السلطان إلى الريدانية، وجلس على المصطبة التى هناك برسم المطعم؛ فلما أن وصل القان أحمد إلى قرب السلطان، نزل له [من على المصطبة، ومشى له خطوات] (٤)، وهرول فى مشيه، ونزل القان عن فرسه، وتعانقا، فأراد القان أحمد أن يقبّل يد السلطان، فمنعه من ذلك. ثم صعد إلى المصطبة، وأحضر له السلطان خلعة حافلة، وهو قباء حرير بنفسجى، مفرّى (٥) بقاقم، مطرّز بطرز ذهب يلبغاوى عريض، وأحضر له فرسا بسرج ذهب

стр. 1075

وكنبوش [مزركش] (١)، فركب من على المصطبة، وركب السلطان، ومشى القان أحمد عن يمينه، وشقّ من القاهرة فى موكب حافل، حتى وصل إلى سلّم المدرّج؛ وكان له يوم مشهود. فلما وصلا (٢) إلى سلّم المدرّج، سلّم السلطان على القان أحمد، وأشار إليه بالتوجّه إلى المكان الذى أعدّ (٣) له، ونزل معه سائر الأمراء المقدّمين، ورءوس (٤) النوب، وسائر العسكر؛ وكان ذلك اليوم يوم الثلاثاء سابع صفر، وقيل سابع ربيع الأول من هذه السنة. فاستمرّوا معه إلى أن وصل بيت الأمير طقزدمر، الذى فى درب الشمسى، فنزل هناك، ومعه الأمراء، فمدّ له السلطان هناك مدّة حافلة، فأكل هو والأمراء، ثم سلّموا عليه وتوجّهوا إلى بيوتهم، وقام القان أحمد، ودخل إلى المبيت. ثم بعد ساعة أرسل له السلطان تقدمة عظيمة، وهى طوالة خبل خاص، بسروج ذهب وكنابيش، وعشرين مملوكا جراكسية صغار، وعشرين جارية جركسية أبكار، ومائتى تفصيلة سكندرى، وغير ذلك من الأنواع الغريبة التى [لا] (٥) توجد ببلاد الروم، وأرسل إليه خمسة آلاف دينار برسم النفقة. وفى ربيع الأول، عمل السلطان المولد فى القصر الكبير، وحضر القان أحمد، فأكرمه السلطان وأجلسه إلى جانبه، ثم مدّ له مدّة حافلة. ثم بعد أيام جاءت الأخبار بأنّ جاليش تمرلنك قد وصل الرها، فلما سمع السلطان بذلك، علّق الجاليش، وعرض العسكر وهم باللبس الكامل، [فاجتمع العسكر] (٦) فى الميدان الذى تحت القلعة، وكان القان أحمد حاضرا، فصار السلطان كل من أعرضه من المماليك يعطيه النفقة، وهى دون المائة دينار، فامتنعوا المماليك من الأخذ، فصار

стр. 1076

السلطان يعطيهم النفقة بيده، فأخذوها على كره منهم؛ ثم إنّ السلطان أرسل نفقة الأمراء المقدّمين، والطبلخانات، والعشراوات. ثم إنّ السلطان أفرض على المباشرين خيول وأبغال على قدر حال كل واحد منهم، فأخذوا فى أسباب ذلك؛ ثم إنّ الأمير جمال الدين محمود، الأستادار، طلع إلى القلعة بمائة جمل محمّل سلاح، ما بين قرقلات، ولبوس للخيول. وفى ربيع الآخر، توفّى القاضى برهان الدين المنهاجى (١) المالكى، ولى قضاء دمشق. - وفيه حضر قاصد تمرلنك، وعلى يده كتاب من عند تمرلنك، مضمونه، بعد البسملة: «قل اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون»؛ ثم أطال فيه الكلام، وعدّ مساوئ كثيرة لأهل مصر، من جملتها أنّهم يأكلون مال الأيتام بغير حقّ، وحكّامكم يقبلوا (٢) الرشوة، وعدّد عليهم أشياء كثيرة من هذا النمط. فلما وقف السلطان على كتاب تمرلنك، رسم لكاتب السرّ بدر الدين بن فضل الله أن يكتب الجواب عن ذلك، فكتب، بعد البسملة: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ [الْمُلْكِ] (٣) تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾، ثم أخذ يهدّد فيه بوعد ووعيد؛ ثم قرأ هذا الجواب على السلطان، بحضور الأمراء، فأعجبهم ذلك، وبعث به إلى تمرلنك. وفيه تزوّج السلطان بخاتون بنت حسين بن أويس، وهى بنت أخى القان أحمد، وكانت حضرت مع عمّها، فتزوّج بها، ودخل عليها. ولما حضر القان، حضر صحبته نعير بن حيار، أمير آل فضل، الذى كان عاصيا على السلطان، والتفّ على منطاش، وجرى منه ما تقدّم ذكره، فحضر فى صحبة القان أحمد، وقابل السلطان، وشفع فيه القان أحمد، فأخلع عليه السلطان، ورضى عليه لأجل القان أحمد، فكان كما قيل فى المعنى:

стр. 1077

إذا اعتذر الجانى محا العذر ذنبه … وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب ولما كان [يوم] (١) الأحد سابع ربيع الآخر، برز السلطان خامه إلى الريدانية، وكذلك الأمراء، وأعيان الناس قاطبة. فلما كان يوم الخميس حادى عشر (٢) ربيع الآخر، فيه خرج طلب السلطان من باب الميدان، الذى تحت القلعة، وصار السلطان يرتّب الطلب بنفسه، ويسوق من الصوة إلى [باب] (٣) الميدان الذى تحت القلعة، ذهابا وإيابا، حتى انتهى الطلب إلى آخره، [وكان السلطان لابس قرقل مخمل أحمر بغير أكمام، وعلى رأسه تخفيفة صغيرة]، فكان فى الطلب مائتى فرس ملبّسة بركستوانات مخمل ملوّن، وشئ فولاذ مكفّت؛ وكجاوتين زركش. فلما تكامل الطلب خرج بعده السلطان، والقان أحمد [بن أويس] (٤) إلى جانبه، وكان صحبته الخليفة المتوكّل على [الله] (٥) محمد، والقضاة الأربعة، وهم: القاضى الشافعى صدر الدين المناوى، والقاضى الحنفى جمال الدين محمود القصيرى، والقاضى المالكى ناصر الدين محمد بن التنسى، والقاضى الحنبلى برهان الدين بن نصر الله العسقلانى، وشيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، والقاضى كاتب السرّ بدر الدين بن فضل الله؛ وخرج معه سائر الأمراء، من الأكابر والأصاغر، وكان له يوم مشهود؛ ثم إنّ السلطان رسم للعسكر أن يخرجوا وهم لابسون آلة الحرب. فلما خرج طلب السلطان، ترادفت بعده أطلاب الأمراء، أشياء بعد أشياء، فلا زالوا ينسحبون إلى بعد الظهر، حتى انتهوا إلى آخرهم؛ واستمرّ السلطان فى ذلك الموكب العظيم حتى نزل بالمخيم [الشريف] (٦). فلما استقرّ به، عزل قاضى القضاة صدر الدين المناوى؛ وأخلع على بدر الدين

стр. 1078

أبى البقا السبكى، واستقرّ به عوضا عن المناوى؛ وكان سبب عزل المناوى أنّ السلطان قصد يقترض منه شيئا من مال الأيتام، فامتنع عن ذلك، فحنق منه السلطان وعزله، وأعيد أبو البقا. ثم إنّ السلطان أرسل خلف التاجر المحلّى، والخروبى، وابن مسلم، واقترض منهم مائتى ألف دينار، والتزم محمود، الأستادار، بذلك القدر، وكتب عليه مسطورا بأنّ ذلك فى ذمّته. ثم إنّ السلطان قبض على الصاحب سعد الدين بن البقرى، وعلى ولده تاج الدين؛ واستقرّ بالناصرى محمد بن كلبك، وزيرا، عوضا عن ابن البقرى. وكان السلطان، لما قصد التوجّه إلى البلاد الشامية، قرّر الأمير سودون الشيخونى فى نيابة الغيبة، إلى أن يعود من السفر. ثم إنّ السلطان أرسل الأمير قلمطاى، الدوادار، من الريدانية، ونادى فى القاهرة بعرض الجند البطّالة، فلما حضروا، قبض عليهم (١) وسجنهم بخزانة شمايل، وكانوا يظنّون أنّ السلطان يعطيهم نفقة، ويخرجوا (٢) صحبته. ثم إنّ السلطان أرسل خلف الشيخ بدر الدين الكلستانى (٣)، شيخ الخانقاة الشيخونية، فلما أرسل خلفه خاف على نفسه، فظنّ سوءا؛ وكان سبب ذلك أنّ السلطان ورد عليه كتاب باللغة الفارسية، فلم يجد من يقرأه، فذكر له الكلستانى، فبعث خلفه، وتوجّه صحبته إلى البلاد الشامية، وكان ذلك سببا لسعادته حتى [بقى] (٤) كاتب السرّ بالديار المصرية، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه، إن شاء الله تعالى. ثم إنّ السلطان رحل من الريدانية، وجدّ فى السير حتى دخل دمشق، فى يوم الاثنين ثانى عشرين ربيع الآخر، فنزل بالقصر الأبلق، الذى بميدان دمشق، وحكم بين الناس.

стр. 1079

وفى جمادى الأولى، جاءت الأخبار بأنّ السلطان خرج من الشام، وتوجّه إلى حلب، فحضر إليه قاصد من عند طقتمش (١) خان، ملك التتار، بأن يكون السلطان عونه على قتال تمرلنك، فأجابه السلطان لذلك؛ وكذلك أرسل إليه ابن عثمان. ثم بلغ السلطان أنّ جاليش تمرلنك قد وصل البيرة، وصار جماعة من عسكر السلطان [يعدّوا لهم تحت الليل من الفرات (٣)، ويكبسوا] (٢) عليهم، فغنموا من عسكر تمرلنك أشياء كثيرة؛ فقيل كان عسكر مصر ينفخون القرب، ويجعلونها تحت بطون الخيل، [ويعدّوا من الفرات (٣) تحت الليل، ويقاتلوا] (٤) مع عسكر تمرلنك، وقد قال القائل: ولما ترامينا الفرات بخيلنا … [سكرنا نهارا بالقوى والقوائم] (٥) فأوقفت التيار عن جريانه … إلى حيث عدنا بالغنى والغنائم ثم بلغ السلطان أنّ تمرلنك رجع إلى بلاده، فلما تحقّق السلطان رجوع تمرلنك إلى بلاده، رجع السلطان أيضا إلى الديار المصرية، ورجع القان أحمد بن أويس إلى بلاده، ولم يقع بينهما وبين تمرلنك قتال، ولا قابلهما فى هذه المرّة. ثم إنّ السلطان دخل الشام (٦)، وأقام بها أياما، وأخلع على الأمير تغرى بردى بن يشبغا، واستقرّ به نائب حلب، [وتغرى بردى هذا هو والد الجمالى يوسف المؤرخ] (٧)؛ ونقل الأمير أرغون شاه من نيابة صفد إلى نيابة طرابلس؛ وأخلع على آقبغا الجمالى، وقد استقرّ نائب صفد، عوضا عن أرغون شاه؛ وأخلع على دقماق المحمدى، واستقرّ

стр. 1080

نائب ملطية؛ وأخلع على مقبل كاور، واستقرّ نائب طرسوس؛ وأخلع على منكلى بغا الأسنبغاوى، [واستقرّ به] (١) نائب الرها؛ وأخلع على طغنجى (٢)، واستقرّ نائب قلعة المسلمين. وفى جمادى الآخرة، توفّى الشيخ الصالح سيدى رشيد التكرورى الأسود، وكان مقيما بجامع راشدة. - وتوفّى المحدّث ناصر الدين بن مقبل. وتوفّيت الشيخة الصالحة زينب بنت أبى البركات البغدادية، وهى صاحبة الرباط الذى بالقرب من الخانقاة البيبرسية، وكانت صالحة ديّنة خيّرة، ولها برّ ومعروف. - وتوفّى المسند كمال الدين بن المطوع، وكان علامة فى الحديث. وفى رجب، جاءت الأخبار بوفاة ملك الغرب، صاحب تونس، وهو أبو العبّاس أحمد بن محمد، أقام فى مملكة الغرب نحو أربعة وعشرين سنة، ولما مات تولّى بعده ابنه أبو فارس عبد الرحمن، ويعرف بعزوز. وتوفّى صاحب الأندلس أبو الحجّاج يوسف المعروف بابن الأحمر، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد [فيه رقّة] (٣)، فمن ذلك قوله: أيا ربّة (٤) الخال التى أذهبت نسكى … على أى حال كان لا بدّ لى منك فإما بذلّ وهو أليق بالهوى … وإما بعزّ وهو أليق بالملك وفى شعبان، رخص البطيخ العبدلّى، حتى أبيع كل قنطار بدرهم. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب قسطنطينة (٥)، الهوّى، ببلاد الغرب. وفى رمضان، توقّف النيل عن الزيادة، وتقلّق الناس بسبب ذلك، وتشحّطت الغلال، وغلت الأسعار، ولا سيما بغياب السلطان عن الديار المصرية، واضطربت الأحوال جدّا.

стр. 1081

وفى شوّال، جاءت الأخبار بوفاة القاضى كاتب السرّ بدر الدين محمد بن فضل الله؛ وهو محمد بن على بن يحيى بن فضل الله العمرى، وكان ريّسا (١) فاضلا، وله نظم ونثر جيّد، أقام فى كتابة السرّ نيّفا وعشرين سنة، وعزل وعاد مرارا، ومولده قبل الخمسين وسبعمائة. فلما مات أخلع السلطان على الشيخ بدر الدين محمد الكلستانى (٢) الحنفى، واستقرّ كاتب السرّ، عوضا عن ابن فضل الله، وكان مسافرا مع السلطان، كما تقدّم. وفيه جاءت الأخبار برجوع القان أحمد بن أويس إلى بغداد، وملكها من أيدى التتار. وفيه جاءت الأخبار بأنّ ابن عثمان، ملك الروم، جهّز للسلطان مائتى ألف مقاتل، بسبب قتال تمرلنك، وكذلك صاحب سيواس؛ فلما بلغ تمرلنك ذلك، رحل إلى بلاده، كما تقدّم. وفى ذى القعدة، جاءت الأخبار بوفاة ريّس الأطباء علاء الدين بن صغير، الذى توجّه إلى [بلاد] (٣) ابن عثمان، كما تقدّم. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة (٤) السلطان مراد، ملك الروم، وهو مراد بن أورخان بن على يلدرم بن عثمان بن سليمان ابن عثمان التركمانى، مات شهيدا فى بعض الغزوات؛ قال بعض المؤرّخين إنّ أصل ابن عثمان من بنى الحجاز، وإنّ جدّهم سليمان كان من عرب الحجاز، وإنّ ابنه عثمان هو أول من فتح برصا، واستوطنها حتى مات، فأقام بعده ابنه يلدرم على، ثم ملك بعده ابنه أور خان، ثم ملك بعده ابن أخيه هذا، وهو أول من ركب البحر وغزا الفرنج؛ فلما مات عهد لابنه يلدرم؛ واستمرّ ملك الروم مع بنى عثمان إلى اليوم. وفى ذى الحجّة، توفّى الصاحب موفّق [الدين] (٥) أبو الفرج. - وفيه توفّى الشيخ شهاب الدين أحمد بن يعقوب الغبارى المالكى، وكان من أعيان المالكية بحماة (٦).

стр. 1082

ثم دخلت سنة سبع وتسعين (١) وسبعمائة فيها فى المحرّم، حضر إلى الأبواب الشريفة مملوك الأمير جمال الدين محمود، الأستادار، وأخبر أنّ السلطان خرج من دمشق، وقد توجّه إلى زيارة بيت المقدس، ثم يعود إلى غزّة، ويرحل من هناك يقصد الديار المصرية. وفيه جاءت الأخبار بوفاة (٢) القاضى عزّ الدين حمزة أخو القاضى بدر الدين بن فضل الله، كاتب السرّ، ولما مات أخوه بدر الدين عيّن لكتابة السرّ بعد أخيه، فمرض، ومات بعده بمدّة يسيرة، وفيهما يقول عويس العالية، وهو قوله: قضى البدر بن فضل الله نحبا … ومات أخوه حمزة بعد شهر فلا تعجب لذى الأجلين يوما … فحمزة مات حقّا بعد بدر وفى صفر، دخل إلى القاهرة شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، وكان صحبة السلطان. - ودخل مقدّم المماليك بهادر المنجكى، وصحبته حريم السلطان. فلما كان يوم الثلاثاء ثلث عشر صفر (٣)، دخل السلطان إلى خانقاة سرياقوس، فخرج إليه الناس قاطبة إلى لقائه. فلما كان يوم الخميس خامس عشر صفر، دخل السلطان فى موكب عظيم، ولاقته المغانى، وطائفة اليهود والنصارى، وبأيديهم الشموع موقدة، وحمات على رأسه القبة والطير، [ولعبوا قدّامه بالغواشى الذهب، ومشت قدّامه الجنائب بالأرقاب الزركش، ولاقته الشعراء، والشبابة السلطانية، والأوزان، والشاويشية، فطلع من بين الترب، وفرشت تحت حافر فرسه الشقق الحرير الملوّن، من قبّة النصر إلى القلعة؛ وكان قدّامه الخليفة المتوكّل على الله، والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء، والمباشرين، وأرباب الدولة، واستمرّ فى هذا الموكب العظيم حتى طلع إلى القلعة] (٤)، وكان يوما مشهودا،

стр. 1083

كما تقدّم له؛ فلما طلع إلى القلعة، أخلع على جماعة من الأمراء والمباشرين، ونزلوا إلى بيوتهم، وكانت مدّة السلطان فى هذه السفرة نحو تسعة أشهر (١). وفى ربيع الأول، تزايد ظلم الوزير، وناظر الخاص، وصاروا يرمون (٢) الرمايات من البضائع على السوقة بأغلى (٣) الأثمان، فخسروا فى ذلك نحو النصف. - وفيه توفّى قاضى القضاة الشافعية ناصر الدين بن الميلق، وهو منفصل من القضاء. وفيه جاءت الأخبار من بغداد بوفاة العلامة غياث الدين محمد بن محمد العاقولى الشافعى الواسطى، مدرّس المدرسة المستنصرية (٤) ببغداد، وكان من أعيان العلماء [الشافعية] (٥) ببغداد، وكان قدم إلى مصر، ثم عاد إلى بغداد، وتوفّى بها. وفى ربيع الآخر، استعفى الأمير سودون الشيخونى من نيابة السلطنة، لكبر سنّه، فرتّب له السلطان ما يقوم بأوده، واستمرّ مقيما بداره. وفيه أحدث الأمير تمربغا المنجكى شرابا من الزبيب، ويعرف الآن بالتمربغاوى، وكان يسكر، فصار السلطان يستعمل منه، ولم يكن يعرف منه تعاطى السّكر قبل ذلك. وفيه أنعم السلطان على الأمير نوروز الحافظى بتقدمة ألف؛ وأنعم على شيخ المحمودى بإمرة (٦) طبلخاناة؛ وقرّر علاء الدين بن الطبلاوى حاجبا، مضافا لما بيده من ولاية الشرطية (٧). - وفيه وقع للشيخ مصطفى القرمانى الحلبى كائنة عظيمة، وتعصّب عليه بعض الفقهاء، ونسب إليه كفر، حتى حكم بإسلامه ثانيا.

стр. 1084

وفى جمادى الأولى، تزايدت عظمة (١) الأمير جمال الدين محمود، الأستادار، فتعصّب عليه ورافعه سعد الدين بن غراب، فاستمال عليه السلطان، وقرّب سعد الدين بن غراب. وفيه توفّى الشيخ شمس الدين محمد الآقصراى الحنفى، وهو والد الشيخ أمين الدين الآقصراى. - وفيه توفّى الشيخ الصالح أبو بكر المغربى البجاى المجذوب، وهو أحد (٢) من أوصى الظاهر برقوق بأن يدفن تحت رجليه، وكانت جنازته مشهودة. وفى جمادى الآخرة، ضرب السلطان الأمير جمال الدين محمود، الأستادار، علقة صعبة، بسبب تأخّر الكسوة عن عادتها، وأخذ فى أسباب مقته. - وفيه اهتمّ السلطان بإعادة خيل البريد على العادة (٣) القديمة، وألزم الأمراء بها فجيئت (٤) وهيّئت إلى المراكز (٥). وفيه حضر [شاه] حسين ابن أخى القان أحمد بن أويس؛ وفيه حضر ذكر للسلطان، أنّ خاتون التى تزوّج بها السلطان، كانت مخطوبته (٦)، فلما سمع السلطان بذلك طلّق خاتون، فلما انقضت عدّتها، تزوّجها شاه حسين، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة. وفى رجب، أمر السلطان بإعادة خدمة الإيوان الأعظم، وكان له مدّة معطّلا من الخدّامة. - وفيه توفّى الشيخ المعتقد شمس الدين القدسى، وكان مقيما بجامع المقسى، الذى بباب البحر. وفى شعبان، عزل السلطان قاضى قضاة الشافعية أبا البقا السبكى، وأعاد صدر الدين المناوى، كما كان أولا. - وفيه ابتدأ السلطان بالحكم بين الناس فى الاصطبل، يومين فى الجمعة، يوم السبت، ويوم الثلاثاء، وصار ذلك بعده عادة عند الملوك إلى الآن. وفى رمضان، توفّى سيدى إسمعيل بن الأشرف شعبان. - وفيه توفّى الشيخ

стр. 1085

الصالح أبو بكر الموصلى، نزيل دمشق، وقد زاره السلطان، وأعطاه خمسمائة دينار، وهو بدمشق، فلم يقبلها منه. وفيه جاءت الأخبار من مكّة المشرّفة، بأنّ الشريف على بن عجلان، قد قتل فى حرب كان بينه، وبين بنى حسن، وقوّاد مكّة المشرّفة؛ فلما قتل الشريف على، قرّر أخوه حسن بن عجلان، عوضا عنه. - وفيه توفّى الشيخ برهان الدين الآمدى الحنبلى، وكان من أصحاب ابن تيمية. وفى شوّال، فى سادسه، يوم السبت المبارك، الموافق لآخر يوم من أبيب، فيه زاد الله فى النيل المبارك أربعين أصبعا فى يوم واحد؛ ثم [فى يوم الأحد] (١) ثانى يوم، وهو أول يوم من مسرى، زاد الله فى النيل المبارك اثنين وستين أصبعا، وذلك بذراعين ونصف ذراع وأصبعين، وبقى عليه من الوفاء ذراعان. ثم فى يوم الثلاثاء، الموافق لثالث يوم من مسرى، زاد الله فى النيل المبارك خمسين أصبعا، فأوفى (٢)، وزاد أصبعين، فكان جملة ما زاده فى ثلاثة أيام ستة أذرع ونصف وأصبعين، وكان الوفاء فى ثالث مسرى؛ وهذه الزيادة لم يعهد بمثلها فيما تقدّم من السنين الماضية، ولا سمع بمثل ذلك؛ نقل هذه الواقعة الصارمى إبراهيم بن دقماق، فى تاريخه: «النفحة المسكية فى الدولة التركية»، عند أخبار الملك الظاهر برقوق؛ وقال القائل فيه: النيل زاد جورا … بحكمه المطاع يعمل فى الرعايا … بالباع والذراع وآخر فى المعنى: النيل أفرط فيضا … بقيضه المتتابع فصار مما دهانا … حديثنا بالأصابع وفيه توفّى للسلطان ولدان (٣)، وهما سيدى محمد، وسيدى قاسم، وكان وقع بالقاهرة

стр. 1086

بعض وباء. - وفيه خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير الحاج الناصرى محمد بن الأتابكى أيتمش البجاسى، وكان لخروجه يوم مشهود. وفى ذى القعدة، حضر الأمير طولو (١) بن على شاه، وكان السلطان أرسله إلى طقتمش (٢) خان، ملك التتار، للاتّفاق معه على محاربة تمرلنك. - وفيه توفّى الشريف شهاب الدين عدنان الحسنى (٣) الدمشقى، نقيب الأشراف، وكان ريّسا من الأعيان. وفيه جاءت الأخبار بأن وقع بين صاحب غرناطة بالأندلس، وبين الفرنج، حروب عظيمة، فأعان الله تعالى له بالنصر على الإفرنج، بعد ما كان قد انكسر. وفى ذى الحجّة، جاءت الأخبار من بلاد الروم، بأن وقع الخلف بين أولاد ابن عثمان لما تسلطن يلدرم، وجرت بينهم أمور يطول شرحها، وآخر الأمر انتصر أبو يزيد يلدرم، واستمرّ الحرب بينهم ثائرا، وتسلطن (٤) أبو يزيد، عوضا عن أخيه؛ فكان الملك الظاهر [برقوق] (٥) يقول: «ما أخشى من تمرلنك، فإنّ كل أحد يساعدنى عليه، وإنما أخشى من بنى عثمان، إذا وقع بينهم الخلف»؛ وكان قاضى قضاة المالكية ولى الدين بن خلدون، يقول: «لا تخشوا على ملك مصر إلا من أولاد ابن عثمان، وأشدّهم يلدرم الذى تسلطن». ثم دخلت سنة (٦) ثمان وتسعين وسبعمائة فيها فى المحرّم، ثبت النيل إلى أول هاتور، وهو فى تسعة عشر ذراعا لم ينهبط، وحصل للناس الضرر الشامل بثباته إلى هاتور. - وفيه أبطل السلطان كشف الوجه البحرى، وجعله نيابة بتقدمة ألف، قرّر فيها يلبغا الأحمدى، المعروف بيلبغا المجنون.

стр. 1087

وفى صفر، توفّى الشيخ شهاب الدين ابن الركن البيسرى، شيخ القراء، وكان عارفا بالقراءات، حنفى المذهب. وفيه بعث السلطان الطواشى فارس الدين شاهين الحسنى، الجمدار، فأخذ من دار الأمير محمود، وهو مريض، مالا كبيرا (١)، يقال إنّه مبلغ مائة ألف دينار، وجد فى عقد سلّم غمز عليه، وعدّة أحمال من قماش؛ وقبض على زوجتيه، وكاتبه سعد الدين ابن غراب، وصار بهم إلى القلعة، وعاد فأخذ ابنه الأمير ناصر الدين؛ ثم تسلّم سعد الدين إبراهيم بن غراب، الأمير ألى باى (٢) الخازندار، ونزل به إلى دار محمود، ليدلّه على ذخيرة اعترف بها، فكان جملتها خمسين ألف دينار. وفيه استقرّ على بن غلبك بن المكلّلة، فى ولاية الشرقية، عوضا عن على بك، بحكم انتقاله إلى ولاية البحيرة. وفيه استقرّ قطلوبغا الطشتمرى، نائبا بالوجه القبلى، عوضا عن أمير فرج بن أيدمر، بعد وفاته؛ واستقرّ الأمير بيسق الشيخى، فى كشف الجيزة، عوضا عن قطلوبغا. وفيه استقرّ قطلوبغا العلاى، أستادار الأمير أيتمش، فى وظيفة الأستادارية، عوضا عن الأمير محمود، وأنعم عليه بإمرة عشرين؛ واستمرّ محمود على إمرته، وهو مريض. وفيه استقرّ سعد الدين إبراهيم بن غراب، ناظر الديوان المفرد. - وفيه استقرّ الأمير قديد القلمطاى، فى نيابة الإسكندرية، عوضا عن الأمير مبارك شاه. وفيه استقرّ علاء الدين على بن الطبلاوى، أستادار خاص الخاص، وناظر كسوة الكعبة، عوضا عن نجم الدين محمد بن الطنبدى، وكيل بيت المال، ومحتسب القاهرة، كان، مضافا لما معه من الحجوبية، والتحدّث فى ولاية القاهرة، ودار الضرب، والمتجر، وشقّ القاهرة فى محفل حفل. - وفيه قدمت رسل الأمير قرا يوسف بن قرا محمد، صاحب تبريز، برجل يقال له أطلمش، من نوّاب تمورلنك، قبض عليه فسلّم لابن الطبلاوى.

стр. 1088

وفيه تسلّم ابن الطبلاوى، سعد الدين أبا الفرج بن تاج الدين موسى، ناظر الخاص، وابنه أمين الدين، ليخلّص منهما أربعمائة ألف وسبعين ألف درهم، وجد بها حجّة لابن رجب الوزير؛ ثم أفرج عنهما بعد يومين. وفيه سلّم ناصر الدين محمد بن محمود، الأستادار، لابن الطبلاوى، على مائة ألف دينار يخلّصها منه، فأخرق به، وبالغ فى إهانته (١)، ونزع عنه ثيابه، ليضربه بحضرة الناس، فقال له: «يا أمير، قد رأيت عزّنا، وما كنا فيه، وقد زال، وعزّك أيضا ما يدوم، وهذا أول يوم زال عنّى، وعن أبى، فيه السعادة، وأقبل الإدبار»، فلم يضربه. - وفيه أفرج عن سعد الدين، ناظر الخاص، وابنه، وأخلع عليهما خلع الرضا. وفيه نقل ابن محمود إلى الطواشى شاهين الحسنى، فأقام عنده يومين؛ ثم نزل الطواشى صندل، والطواشى شاهين الحسنى، وابن الطبلاوى، إلى خربة، خلف مدرسة الأمير محمود، وأخرجوا من الأرض، بعد حفر كبير، عدّة أزيار، فيها ألف ألف درهم فضّة، حملت إلى السلطان؛ وفى ثانى يوم وجد بالخربة أيضا، بعد حفر كبير، ستة آلاف دينار، وأربعة عشر ألف وخمسمائة درهم فضّة؛ وأعيد ابن محمود إلى ابن الطبلاوى، ثم أحضرت أمّه إلى السلطان. - وفيه ظفر أيضا بمبلغ ثمانية وثلاثين ألف ومائتين وثلاثين دينارا، فى مخزن حمّار (٢)، بثغر الإسكندرية، حملت إلى السلطان. وفيه رافع القاضى سعد الدين بن غراب، الأمير جمال الدين محمود، الأستادار، وكان سعد الدين بن غراب، كاتبا عند الأمير محمود، فلما رافعه، تغيّر خاطر السلطان على الأمير محمود، فأرسل إليه طواشى (٣)، يسمّى شاهين الحسنى، الجمدار، فلما أحسّ جمال الدين بالشرّ هرب، فقبض على ولده الأمير محمد، وقبض على نسائه وسراريه، وطلع بهم إلى القلعة، فسجن الأمير محمد بن جمال الدين بالبرج، ورسموا على النساء والسرارى.

стр. 1089

ثم إنّ السلطان أخلع على القاضى سعد الدين بن غراب، واستقرّ به ناظر الديوان المفرد، ووكيل بيت المال، فنزل إلى بيت الأمير محمود، وعمل فى عياله بالباع والذراع، واحتاط على جميع موجوده. فلما كان أول يوم، حضر الأمير على باى، الخازندار، والطواشى صندل المنجكى، فظهر له فى ذلك اليوم، فى مكان عقد تحت سلّم، مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار. فلما كان يوم الاثنين ثامن صفر، أخلع السلطان على الأمير قطلوبك العلاى، واستقرّ به أستادارا، عوضا عن الأمير محمود؛ وأخلع على الأمير مبارك شاه، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن الناصرى محمد بن كلبك. ثم إنّ السلطان اشتدّ غضبه على الناصرى محمد بن الأمير جمال الدين، فسلّمه إلى علاء الدين بن الطبلاوى، والى القاهرة، فعاقبه أشدّ العقوبة، وقرّره على أموال أبيه، فعصره بالمعاصير، حتى أشرف على الهلاك، كما قال القائل: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت … ويبتلى الله بعض الناس بالنعم فلما اشتدّ الأمر، ظهر الأمير جمال الدين، وكان قد اختفى، فلم يفده من الاختفاء شيئا، فظهر وقابل السلطان، فلما قابل السلطان، وبّخه بالكلام، ورسم بسجنه فى خزانة شمايل. ثم نزل الأمير على باى، الخازندار، والطواشى صندل، فظهر للأمير جمال الدين، فى مكان خلف مدرسته التى فى القربيّين، سبعة أزيار كبار، وزلعتين، ضمنهم فضّة، دراهم نقرة؛ ووجد له فى ذلك المكان جرّتين كبار، ضمنهم ذهب عين. ثم قبضوا على بوّابه موسى، وعصروه، فأقرّ على مكان بالإسكندرية، فى مخزن حمّار (١)، فأرسلوا إليه من حفر ذلك المكان، فوجدوا فيه ستة وثلاثين ألف دينار، ووجد له فى مكان آخر بالإسكندرية مائتى ألف دينار، وفى مكان آخر ثلاثين ألف دينار، فأحضروا ذلك إلى الخزائن الشريفة، على يد الطواشى صندل المنجكى، الخازن، وفى ذلك يقول القائل:

стр. 1090

رأيت الدرهم المضروب أضحى … كلصّ ما له أبدا أمانة ألم تر (١) كل إنسان حريص … يحصله ويرميه الخزانة ثم وجد له عند مملوكه شاهين، أربعون ألف دينار؛ ووجد له عند قاضى القضاة ولىّ الدين بن خلدون المالكى، عشرون ألف دينار؛ ووجد له عند فرّاشه شقير، زير كبير، فيه سبعين ألف دينار؛ ووجد له عند باب سرّه، فى مكان، بكلتان (٢) نحاس، فيهما ثلاثة وستين ألف دينار؛ ووجد له فى سطح مدرسته، خمس قدور نحاس، ضمنهم خمسون ألف دينار؛ ووجد له فى مكان عند جامع الأزهر، زير كبير، فيه مائة وسبعة وثلاثين ألف دينار؛ ووجد له فى مكان عند البرقية، عند جارية سوداء، زير كبير، فيه مائة ألف دينار، وثلاث برانى ضمنهم لؤلؤ كبار، وأحجار وفصوص مختلفة الألوان؛ فتسلّم ذلك جميعه الطواشى صندل المنجكى. ووجد له عند شخص إسكاف، بقج فيها طرز زركش، ما يعلم لهم عدّة؛ ووجد له فى مكان عند حارة بنى سيس، خلف بيته، زلعة فيها ذهب عين، جملة ذلك مائة ألف دينار وثمانية وثلاثين ألف دينار، ومن الفضّة الدراهم زلعتين كبار؛ هذا كله خارجا عما (٣) وجد له من القماش، والفرش، والخيول، والجمال، والبغال، والبرك، وحلىّ نسائه، وما وجد عند سراريه من الحلىّ. ووجد له من الضياع، والأملاك، والمعاصر، والمراكب، ما لا يحصى؛ وقد ضاع له عند الناس أضعاف ذلك؛ ووجد له من الغلال فى الشون ما لا يحصى؛ هذا خارجا عن المماليك، والطواشية، والعبيد، والجوار، وغير ذلك، والذى جمعه الأمير محمود من مبتدأ عمره خرج جملة واحدة، فكان كما قيل فى المعنى: قد يجمع المال غير آكله … ويأكل المال غير من جمعه ويقطع الثوب غير لابسه … ويلبس التوب غير من قطعه
следующие страницы →