← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الشهر، وكان ذلك اليوم بالسماء غيم ثقيل، لا يرى فيه الشمس، فصلّى الناس صلاة الكسوف، على غالب الظنّ. وفى جمادى الأولى (١)، قبض السلطان على الأمير بيغوت (٢)، وسودون بقجة (٣)، وأرسلهما إلى السجن بثغر الإسكندرية. - وفيه قرّر فى مشيخة الخانقاة الشيخونية الناصرى محمد بن قاضى القضاة كمال الدين بن العديم الحنفى، [وكان من أعيان علماء دمشق وشعرائها] (٤)، وكان صغير السنّ جدّا. [وفى] (٥) جمادى الآخرة (٦)، كانت وفاة الشيخ شمس الدين محمد (٧) بن المزين الدمشقى، وكان من أعيان شعراء دمشق، وله شعر جيّد، وكان مولده سنة ثلاثين وسبعمائة، ومن شعره قوله: مدير الكاس حدّثنا ودعنا … بعيشك من كوسك والحثيث حديثك عن قديم الراح يغنى … فلا تسقى الأنام سوى الحديث ومن نظمه ما كتب على قبره، وهو قوله: بقارعة الطريق جعلت قبرى … لأحظى بالترحم من صديق فيا مولى الموالى أنت أولى … برحمة من يموت على الطريق وفى رجب، توفّى الشيخ شهاب الدين الأوحدى، المؤرّخ، وكان من الفضلاء، ألّف (٨) تاريخا كبيرا فى خطط مصر. وفيه توفّى قاضى قضاة الحنفية كمال الدين عمر (٩) بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن العديم الحلبى

стр. 1402

الحنفى، وكان عالما فاضلا، ريّسا حشما، تولّى عدّة وظائف سنيّة؛ فلما مات تولّى بعده ابنه ناصر الدين محمد، فتولّى القضاء وهو شاب أمرد، وكان حسن السيرة، أعظم من والده. - وفيه توفّى الأمير باشباى (١)، رأس نوبة النوب، وكان شديد البأس جدّا. وفيه كملت عمارة مدرسة الأمير جمال الدين، الأستادار، التى (٢) برحبة باب العيد، وقرّر بها حضور وصوفة، ولم يكن فى مدارس القاهرة أعظم من رخامها. وفى شعبان، صرف الناصرى بن العديم عن قضاء الحنفية، وأعيد إليها أمين الدين بن الطرابلسى، فكانت مدّة ابن العديم فى هذه الولاية دون الشهرين. وفيه جاءت الأخبار بوقوع زلزلة كبيرة عظيمة، بمدينة جبلة، واللاذقية، وبلاطنس (٣)، حتى وقعت الدور على أصحابها، وهلك من الناس ما لا يحصى عددهم. وفى رمضان، نادى السلطان أنّ متعمّما لا يركب فرسا، ولا بغلا، إلا الحمير، وضار لا يركب أحد [من الناس] (٤) الخيول والبغال، إلا بمرسوم السلطان، ويكون معه حاضرا (٥). وفيه جاءت الأخبار بوفاة (٦) يلبغا السالمى، مات بالسجن بثغر الإسكندرية، خنقا، وكان من أعيان الأمراء، وتولّى عدّة وظائف جليلة، وكان القائم فى قتله جمال الدين، الأستادار، خوفا من شرّه. وفى شوّال، توفّى الشيخ المعتقد شمس الدين محمد بن إبراهيم الكردى (٧) المقدسى، نزيل القاهرة، وكان من العبّاد (٨)

стр. 1403

وفيه بلغ شيخ أنّ السلطان عوّل فى التوجّه إلى الشام، فأرسل إليه ابن حجّى، قاضى دمشق، وعلى يده صورة حلف من شيخ، أنّه لم يخرج عن طاعته (١)، وأنّه مقيم تحت طاعته؛ فلم يقبل السلطان عذره، ومقت ابن حجّى بسبب ذلك. وفى ذى القعدة، قتل الصاحب فخر الدين بن غراب، أخو الأمير سعد الدين إبراهيم ابن غراب، مات تحت عقوبة جمال الدين، الأستادار، وكان اشتراه من السلطان بمال جزيل، فاستصفى أمواله، ثم قتله. وفيه جاءت الأخبار بأنّ قرايلك، ملك ماردين، من الملك الصالح أحمد بن إسكندر الأرتقى، وهو آخر ملوك بنى الأرتق، فأعطاه قرايلك الموصل، وأخذ منه ماردين؛ فلم يقم الملك الصالح بالموصل سوى مدّة يسيرة، ومات فجأة من قهره، وبه زالت دولة الأرتقيّة، وقد ملكوا ماردين، وغيرها، نحوا من ثلثماية سنة، وزالت دولتها كأنّها لم تكن. وفى ذى الحجّة، أرسل السلطان خلعة إلى الشريف حسن بن عجلان، أمير مكّة المشرّفة، وفوّض إليه سلطنة الحجاز جميعها، وكان لذلك سبب أوجب ذلك. - وفيه ابتدأ السلطان بقتل الأمراء المقدّمين، منهم: الأتابكى بيبرس قرابته، وسودون الماردينى، وغيرهما من الأمراء. وفيه جاءت الأخبار بوفاة عالم سيراج، العلاّمة جنيد بن أحمد البلبانى (٢)، وهو مشهور بالعلم. - وتوفّى ضياء الدين التبريزى بن العماد، وكان من أعيان العلماء. ومن الوقائع، هذه السنة، أن تزايد هبوب الرياح العواصف (٣) الشديدة، وظهر عقيب ذلك فى السماء، بعد مغيب الشفق، حمرة عظيمة من جهة الغرب، ثم اشتدّت تلك الحمرة، حتى صارت كضوء النار الموقدة، ثم جاء وراء (٤) تلك الحمرة برق ساطع، وصار كلما لمع من خلف الحمرة، يخيّل للناظرين أنّها نار لا محالة، ثم انتشرت تلك

стр. 1404

الحمرة، حتى كادت أن تغّطى ثلث السماء، واستمرّ الحال على ذلك إلى نصف الليل، فخاف الناس من ذلك، وابتهلوا إلى الله تعالى بالدعاء؛ فصارت تلك الحمرة تنكشف من السماء قليلا، قليلا، حتى زالت، وأصحت السماء، وظهر بها النجوم، فأصبح الناس يتحدّثون بما وقع فى تلك الليلة من العجائب، وقد قال القائل: ما خاب عبد على الله الكريم له … توكّل صادقا فى السرّ والعلن حاشاه أن يحرم الراجى إجابته … إذا دعاه لكشف الهمّ والحزن انتهى ذلك. ثم دخلت سنة اثنتى عشرة (١) وثمانمائة فيها فى المحرّم، جاءت الأخبار أنّ شيخ خرّج الأوقاف التى (٢) بدمشق، وجعلها إقطاعات، وفرّقها بمثالات على عسكره؛ [وأخذ فى أسباب تحصين القلاع، وقد التفّ عليه جماعة كثيرة] (٣) من العربان، والعشير، والتركمان؛ فلما بلغ السلطان ذلك، أخذ فى أسباب خروجه إلى الشام؛ فخرج على جرائد الخيل، وصحبته الخليفة المستعين بالله العبّاس، والقضاة الأربعة، والأتابكى تغرى بردى. فلما وصل إلى بيسان، تقلّب عليه الأمراء والعسكر، وقصدوا قتله هناك، وكان السلطان قد عوّل على مسك جماعة [من الأمراء] (٤) هناك، فلما بلغهم ذلك، تحمّلت قلوب الأمراء عليه، فبات تلك الليلة وهو على وجل من العسكر؛ فاستشار فتح الله، كاتب السرّ، وجمال الدين، الأستادار، فيما يفعله، فأشار عليه فتح الله، بالتثبّت، وأشار [عليه] (٥) جمال الدين، بالعود إلى مصر، وكان جمال الدين متواطئ على الملك

стр. 1405

الناصر فى الباطن، فقصد يغشّه؛ ثم إنّ السلطان تثبّت حتى دخل إلى الشام، ففرّ شيخ من وجهه [إلى] (١) نحو صرخد. ثم إنّ السلطان أرسل إلى نوروز [خلعة] (٢)، بأن يكون نائب حلب؛ ثم قرّر بكتمر جلق، فى نيابة الشام، عوضا عن شيخ؛ وقرّر دمرداش، فى نيابة طرابلس. وفى صفر، جاءت الأخبار بأنّ السلطان قبض على [الأمير] (٣) جمال الدين، الأستادار، وهو بدمشق؛ وسبب ذلك أنّ السلطان عوّل على قبض جماعة من الأمراء بحضرة [الأمير] (٣) جمال الدين، فأسرّ الأمير جمال الدين ذلك إلى بعض الأمراء، فأخذوا حذرهم من السلطان، فلما علم السلطان بذلك تحقّق أنّ ما نقل هذا الكلام إلا جمال الدين، فقبض عليه، ثم على ناصر الدين بن البارزى (٤)، وضربه علقة مرعدة (٥)، وكان ابن البارزى (٤) من جماعة شيخ. وفيه جاءت الأخبار أنّ [السلطان] (٦) قد قتل جمال الدين، الأستادار، وهو فى السجن، بقلعة دمشق؛ وكان جمال الدين من أعيان الرؤسا، وتولّى عدّة وظائف جليلة، وكان له محاسن ومساوئ، ولكن كانت مساوئه أكثر فى الظلم، وأخذ أموال الناس بغير حقّ، وأخرب دور ناس كثيرة، وأحدث بمصر جملة مظالم لم تحدث من أحد قبله. - وفيه توفّى الأديب موفّق الدين الزبيدى اليمنى، وكان شاعرا ماهرا، [وله شعر جيّد] (٧)، فمن ذلك قوله: أفدى الذى زارنى والخوف يقلقه … يمشى ويبكر (٨) فى العطفات والطرق قبّلت أطراف كفّيه على ثقة … بالأمن منه وخدّيه على فرق

стр. 1406

تراه من نشوات السكر مضطربا … إذا أراد انتظام اللفظ لم يطق لله ما أحسن الصهباء منعمة … علىّ إذ علّمته طيبة (١) الخلق أهدت إلىّ سرورا نلت معظمه … كالفعل ينصب مفعولين فى نسق وفيه توفّى أيضا الأديب البارع أبو بكر المنجّم، وكان شاعرا ماهرا، كثير المجون، عارفا بالنجامة، مشهورا بها، ومن شعره قوله: وما خضب الناس البياض لقبحه … وأقبح منه حين يظهر فاصله ولكنه مات الشباب فسوّدت … على الرسم من حزن عليه منازله ثم إنّ السلطان عزل القضاة الذين (٢) ولاّهم شيخ؛ فولّى القاضى شهاب الدين أحمد ابن الكشل (٣) الحنفى، عوضا عن ابن الآدمى؛ وولّى الشهاب الباعونى (٤)، قاضى الشافعية، عوضا عن ابن حجّى؛ وقرّر ابن حجّى فى قضاء طرابلس. ثم إنّ السلطان نادى [فى الشام] (٥) للعسكر: «تهيّئوا لقتال شيخ»، وصار يكرّر النداء بذلك؛ ثم إنّ السلطان خرج من دمشق إلى قتال شيخ، فتوجّه إلى بصرى (٦)، من أعمال دمشق، فتقدّم إليه برسباى الدقماقى، وهو الذى تولّى السلطنة فيما بعد، وسودون اليوسفى، وقد فرّا من عند شيخ إلى [عند] (٧) السلطان، ففرح بهما غاية الفرح. فلما وصل السلطان إلى صرخد، وقع بينه وبين عسكر شيخ وقعة (٨) عظيمة، على

стр. 1407

صرخد، وقتل بها من الفريقين ما لا يحصى عددهم، وآخر الأمر انكسر شيخ وهرب إلى صرخد؛ فعند ذلك نهب وطاق شيخ عن آخره. ثم إنّ السلطان نادى: «كلّ من جاء بأمير من جماعة شيخ، فله مائة دينار وفرس»؛ وكان يتسحّب من عند السلطان جماعة من الأمراء، وتوجّهوا إلى عند شيخ، منهم: سودون الجلب، وسودون بقجة (١)، وتمراز، وتمربغا المشطوب، وغير ذلك من الأمراء. وفى ربيع الأول، جاءت الأخبار بأنّ نوروز، لما انكسر من التركمان، رجع (٢) إلى حلب هاربا، فسرّ السلطان بذلك، وكان قد ملك صرخد من شيخ، فدقّ بها البشائر. - ثم إنّ السلطان رجع إلى دمشق، فلما رجع إلى دمشق، قبض على علم الدين بن الكويز، وأخيه خليل، فإنّهما كانا من جماعة شيخ؛ ثم إنّ شيخ أرسل إلى الأتابكى تغرى بردى، بأن يمشى بينه وبين السلطان بالصلح، فما زال الأتابكى تغرى بردى يسعى بين شيخ وبين السلطان بالصلح، حتى أصلح بينهما؛ وتوجّه فتح الله، كاتب السرّ، إلى شيخ وحلّفه أيمانا عظيمة، أن لا يخرج عن الطاعة (٣)، ولا يخامر على السلطان. ثم إنّ شيخ بعث للسلطان تقدمة على يد ولده إبراهيم، فأكرمه السلطان؛ وكان عمر سيدى إبراهيم يومئذ سبع سنين، فأهدى إليه السلطان هديّة حافلة، وأرسل إلى أبيه خلعة بأن يكون نائب طرابلس، وتقرّر الحال على ذلك؛ ثم إنّ السلطان رحل عن دمشق، قاصدا الديار المصرية. [وفى ربيع الآخر] (٤)، توفّى الشيخ الصالح سيدى محمد الخردفوشى (٥)، وكان من الصالحين [رحمه الله تعالى] (٦).

стр. 1408

وفيه قرّر السلطان، عند ما رحل، بكتمر جلق، فى نيابة الشام، عوضا عن شيخ، الذى قرّر (١) نائب طرابلس. فلما رحل السلطان عن دمشق، رجع إلى دمشق شيخ، ونقض الأيمان التى (٢) حلفها؛ فلما رجع إلى دمشق، صرف القضاة الذين (٣) ولاّهم السلطان، وأعاد القضاة الذين (٣) ولاّهم شيخ كما تقدّم؛ فلما جرى ذلك بعث بكتمر جلق يعلم السلطان، بأنّ شيخ عاد إلى دمشق، [فرسم السلطان لبكتمر جلق، أن لا يمكّن شيخ من الإقامة بدمشق] (٤). ولما عاد السلطان من الشام، عرج إلى زيارة بيت المقدس [الشريف] (٥)، وعاد، فلما وصل إلى بلبيس، رسم للقاضى فتح الله أن يتقدّم وأن يحتاط على موجود جمال الدين، [فتقدّم فتح الله، ودخل القاهرة، واحتاط على موجود جمال الدين] (٦)؛ فكان جملة ما ظهر له من المال، زيادة على ألف ألف دينار، فلم يكتف القاضى فتح الله بذلك، ورسم على أقاربه، وعياله، ونسائه، وسراريه، وغلمانه، وحاشيته، وصادرهم، وختم على حواصلهم. فلما دخل السلطان إلى القاهرة، أخلع على القاضى تاج الدين (٧) [عبد الرزاق] (٨) ابن الهيصم، وقرّر فى الأستادارية، عوضا عن جمال الدين المذكور. [قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى (٩)] (١٠): وأخلع على القاضى مجد الدين، أخو ابن الهيصم وقرّر فى نظارة الخاص، عوضا عن جمال الدين؛ وأخلع على سعد الدين إبراهيم

стр. 1409

البشيرى (١)، وقرّره فى الوزارة، عوضا عن جمال الدين [﵀] (٢). قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى (٣): إنّ جمال الدين، الأستادار، قتل فى القلعة بمصر، عند ما حضر السلطان إلى القاهرة، عاقبه، ثم أمر بخنقه، فخنق، ثم أمر بقطع رأسه، فقطعت وأحضرت بين يديه؛ وكانت قتلته فى حادى عشر ربيع الآخر (٤) من هذه السنة. وقال بعض المؤرّخين: «إنما قتل بدمشق عند ما تغيّر خاطر السلطان عليه هناك»، والله أعلم بحقيقة ذلك. وفى جمادى الأولى (٥)، حضر بكتمر جلق إلى القاهرة على حين غفلة، فخرج السلطان إلى لقائه وأكرمه، فذكر له بكتمر أنّه جاء هاربا من شيخ، وقد حاصره فى صفد أشدّ المحاصرة، ففرّ منه وأتى إلى القاهرة. وفيه توفّى الشيخ شمس الدين القليوبى، شيخ الشيوخ بالخانقاة (٦) السرياقوسية، وكان من أعيان الشافعية (٧)؛ فلما مات أخلع السلطان على [الشيخ] (٨) شهاب الدين بن أوحد، وقرّر فى مشيخة الخانقاة السرياقوسية، عوضا عن القليوبى. وفى جمادى الآخرة (٩)، خرج الأمير مقبل الرومى، أحد الأمراء المقدّمين، وعلى يده خلعة لنوروز، أن يستقرّ نائب الشام، عوضا عن بكتمر جلق، وأن يحارب شيخ؛ فخرج مقبل وسافر إلى دمياط، وطلع من هناك بالساحل، إلى أن وصل إلى نوروز.

стр. 1410

وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة دوادار شيخ، وصحبته إمام قبّة الصخرة (١)، وكان رجلا من أهل العلم، معتقدا فيه بالصلاح، فحضرا (٢) وعلى أيديهما صورة محضر []، يذكر فيه أنّه كان متوجّها إلى طرابلس، فلما وصل شقحب (٣)، خرج عليه بكتمر جلق، وحاربه أشدّ [ما يكون من] (٤) المحاربة، وأنّه مقيم على الطاعة للسلطان؛ فلما قرئ هذا المحضر على السلطان، غضب على دوادار شيخ، وأمر بتوسيطه، وضرب إمام قبّة الصخرة (١) علقة قويّة، وسجنه بخزانة شمايل. وفيه جاءت الأخبار بوفاة جماز (٥) بن هبة، أمير المدينة الشريفة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، مات ببعض نواحى المدينة مقتولا. وفيه حضر الشيخ شهاب الدين الزعيفرينى (٦) بين يدى السلطان [فى الحوش] (٧)، فأمر بقطع يده ولسانه؛ وسبب ذلك أنّه كتب ملحمة، وعتق ورقها، وأهداها إلى شيخ، وذكر [فيها] (٨) أنّه سيلى السلطنة، فلما بلغ السلطان ذلك، فعل به ما فعل. وفيه توفّى الأمير آقباى الطرنطاى، رأس نوبة الأمراء، وكان من الظلمة الكبار، وقد استجار من ظلمه أهل مصر. وفى رجب، كان وفاء النيل المبارك، فى أول (٩) يوم من مسرى، ونزل السلطان، وكسر السدّ، وكان يوما مشهودا؛ واستمرّ النيل يزيد حتى بلغ فى الزيادة اثنين وعشرين ذراعا وأصبع من ثلاثة وعشرين ذراعا، وثبت إلى نصف هاتور؛ فحصل منه

стр. 1411

بسبب ذلك غاية الضرر للناس، وغرق أكثر من مائتى ضيعة، وغرق عدّة بساتين من جزيرة الفيل، وانقطعت الطرقات عن المسافرين، حتى وصل الماء إلى بعض دور الحسينية، من نزز الأرض، وقد قيل فى المعنى: قد زاد هذا النيل فى عامنا … فأغرق الناس (١) بإنعامه وكاد أن يعطف من مائه … عرى على أزرار أهرامه وفى شعبان، نزل السلطان، وتوجّه إلى الربيع، وعدّى إلى برّ الجيزة؛ فعاد وهو سكران؛ فلما وصل إلى قناطر السباع، أمر بقبض قردم، الخازندار، وأينال المحمدى الساقى، المعروف بضعضع، فمسك قردم، وهرب أينال ضعضع فلم يحصّل، وقيل تعرّض إليه فى أثناء الطريق الأمير قجق (٢)، فضربه أينال بالسيف على يده، فكاد أن يقطعها، وهرب، فلم يلحقه أحد، واختفى (٣) بالقاهرة أياما، وصار الملك الناصر يكبس كل يوم عليه البيوت والحارات. ثم بعد مدّة طويلة، ظهر خبره ببلاد جركس، وحضر إلى مصر فى دولة المؤيّد شيخ، وعمل تاجرا (٤) فى المماليك، وهو الذى جلب السلطان يلباى (٥)، وكان يعرف به؛ وكان أينال ضعضع هذا لمّا فرّ من الملك الناصر، كان رأس نوبة كبير، فلما عاد إلى مصر سئل فى عوده [إلى الإمرية] (٦)، فأبى، واستمرّ تاجرا فى المماليك إلى أن مات. وفى رمضان قرّر فى خطابة الجامع الأموى الشيخ شمس الدين محمد التبّانى (٧) الحنفى،

стр. 1412

فتعصّب أهل الشام [وقالوا] (١) إنّ شرط الواقف أن يكون الخطيب لهذا الجامع شافى [المذهب] (٢)، فتعصبوا عليه، وأعادوا الشهاب الباعونى. وفيه ضرب عنق شريف، ادّعى بما يقتضيه تكفير، فحكم القاضى المالكى بكفره، وضرب عنقه تحت شبّاك المدرسة الصالحية. - وفيه تولّى (٣) قضاء المالكية القاضى شمس الدين محمد المدنى، عوضا عن جمال الدين البساطى (٤)، بحكم صرفه عنها. وفى شوّال، توفّى الشيخ العارف بالله، المسلك إلى الله تعالى، سيدى أحمد ابن سيدى محمد وفا الشاذلى، ﵁، وهو أخو سيدى على، وكان أسنّ منه، ولكن سيدى على، الأشهر هو، وكان يقول: «أنا أنفق من خزانة سيدى أحمد»؛ ومات سيدى أحمد وله من العمر نحوا من خمسين سنة؛ ولمّا مات خلف له ولد، يسمّى أبو الفضل عبد الرحمن، وكان من أذكياء العالم، وهو صاحب النظم الرقيق. وفيه جاءت الأخبار بأنّ نوروز قد اصطلح مع شيخ، وزالت من بينهما تلك الوحشة، وتحالفا على العصيان على الملك الناصر. وفى ذى القعدة، بعث دمرداش يستحثّ السلطان فى سرعة المجئ، فإنّ البلاد الشامية قد خرجت من يده، واصطلح نوروز مع شيخ، واستولى على البلاد الحلبية، والشامية، حتى على أنطاكية، فشرع السلطان فى عمل يرق. [وفى] (٥) ذى الحجّة، جاءت الأخبار بوفاة الشريف أحمد بن رميئة، أمير مكّة المشرّفة. - وتوفّى داود بن سيف أرعد، ملك الحبشة. وفيه احتال نوروز على العجيل (٦) بن نعير، أمير العرب، حتى قبض

стр. 1413

عليه، فكان هذا العجل (١) أكبر أسباب الفساد فى البلاد الشامية، وترمى الفتن بين النوّاب. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة (٢) وثمانمائة فيها فى المحرّم، تزوّج بكتمر جلق بابنة السلطان. - وفيه أخلع السلطان على قراجا، شاد الشراب خاناه، واستقرّ دوادار كبير (٣)، عوضا عن بتخاص (٤) بحكم وفاته. - وفيه جاءت الأخبار بأنّ شيخ قد استولى على مدينة حلب. وفيه وقع الطاعون بالشام، وطرابلس، ونابلس، وفلسطين، وحوران، وعجلون؛ ثم دخل مصر وفتك فى أهلها غاية الفتك، حتى أخلى (٥) دورا كثيرة (٦)، ومات به من الناس ما لا يحصى عددهم، حتى قيل: أرى الطاعون يفتك فى البرايا … ويطعن طعن أرباب الحراب وينشد عند هدم العمر منا … لدوا للموت وابنوا للخراب وفيه عيّن [السلطان] (٧) بكتمر جلق، بأن يخرج إلى الشام، جاليش العسكر، إلى أن يحضر السلطان. وفى صفر، جاءت الأخبار بوقوع جراد عظيم لم يسمع بمثله، جاء من مكّة المشرّفة إلى الشام، وعظم أمره بحوران، حتى أكل الأشجار، وأبواب الدور، وغلقت الأسواق؛ فلما كان يوم الجمعة حضر الناس إلى الصلاة، فملأ الجراد صحن الجامع، وترامى على الخطيب، حتى شغله عن الخطبة؛ وقد كثر أمر الجراد بحوران، وبعلبك، وعجلون، والشام، حتى وخمت منهم المدينة، وصار الناس يشمّون القطران لطرد الوخم عنهم، وكان الأمر عظيما.

стр. 1414

وفى حادى عشره (١)، عجّل السلطان بالمولد (٢) الشريف، فى غير شهره (٣)، لأجل سفره إلى الشام، وحضر فى المولد الشريف الشيخ الصالح إبراهيم بن رقاعة، والشيخ الصالح نصر الله الجلالى. وفى ربيع الأول، خرج السلطان إلى السفر نحو الشام، بسبب قتال شيخ، وكان صحبته الخليفة العبّاس، والقضاة الأربعة. وفيه كملت عمارة تربة السلطان برقوق، التى فى الصحراء، وقرّر فيها الشيخ صدر الدين (٤) أحمد بن محمود العجمى شيخا، وقرّر فيها عدّة صوفة. فلما رحل السلطان، احتاط العسكر على خيول الطواحين، والبغال، وحصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك؛ فلما رحل السلطان من الريدانية، جدّ فى السير، حتى دخل دمشق، ففرّ شيخ من وجهه، فنادى السلطان لأهل دمشق، بالأمان والأطمنان، وأنّ أحدا لا يشوّش على أحد من الرعيّة، وأنّ الأمير نوروز الحافظى هو نائب الشام؛ فلما أقام السلطان بدمشق، أخلع على الأمير يشبك (٥) الموساوى، وقرّره فى نيابة طرابلس. وفى ربيع الآخر، توفّى السيد الشريف على بن إبراهيم بن عدنان الدمشقى، كاتب سرّ دمشق، وكان من الأعيان، مات وهو منصرف عن كتابة السرّ. ثم إنّ السلطان رحل عن دمشق، وتوجّه إلى حلب، فى طلب شيخ؛ فلما وصل إلى الأبلستين (٦)، كتب إلى شيخ، ومن معه من النوّاب: «إما أن تخرجوا عن مملكتى، أو تدخلوا فى طاعتى»؛ فلما وصل مرسوم السلطان إلى شيخ، قام وباس الأرض للسلطان، واعتذر فيما وقع منه فى حقّ السلطان، وأرسل يقول له: «إن كان السلطان ينعم علىّ بنيابة الشام، على عادتى، وإلا أنا أقنع بنيابة الأبلستين، ونوروز بنيابة ملطية»، فما رضى (٧) السلطان بذلك.

стр. 1415

ثم إنّ السلطان، أعاد بكتمر جلق إلى نيابة الشام، وقرّر دمرداش، فى نيابة طرابلس؛ وقرّر قرقماس ابن أخى دمرداش، الذى يعرف بسيدى الصغير، وكان دمرداش يعرف بسيدى الكبير، فى نيابة صفد. وفى جمادى الأولى (١)، جاءت الأخبار أنّ القان أحمد بن أويس قد قتل، هو وولده، فى الوقعة (٢) التى ثارت بينه وبين قرا يوسف، صاحب ماردين؛ وكان ملكا جليل المقدار بين ملوك الشرق، تولّى على بغداد مدّة طويلة، وقاسى (٣) شدائد ومحنا كثيرة، ولا سيما ما جرى له مع تمرلنك؛ وكان القان أحمد ينظم الشعر وله شعر جيّد، وكان يحفظ بالعربية، وله كتب مؤلّفة، وكان عنده شجاعة وفروسية، غير أنّه كان سفّاكا للدماء، شديد العربدة (٤)، إذا افتتن، يأخذ حبّه، يقتله، من غير ذنب، مع شدّة حبّه له؛ وكان فكه المحاضرة، مع حسن المذاكرة، ومن نظمه دو بيت (٥): يا قلب أفق فكم غرام ووله … من خانك خنه ثم عوض بدله النفس عزيزة على مالكها … لا يصلح لى من كنت لا أصلح له وفيه قبض السلطان على القاضى صدر الدين بن الآدمى الحنفى، قاضى دمشق، وسجنه بقلعة دمشق، وكان من أصحاب شيخ. وفيه جاءت الأخبار بأن وقعت فتنة عظيمة، بين أولاد أبو يزيد (٦) [بن عثمان] (٧)، ملك الروم، فانتصر موسى، على أخيه سلمان، وقتله، وملك برصا، وما يليها، من بعده.

стр. 1416

وفى جمادى الآخرة (١)، جاءت الأخبار بوفاة عالم مكّة المشرّفة، [الشيخ] (٢) صدر الدين محمد بن المعيد (٣) الحنفى، قيل حجّ خمسين حجّة، وجاوز من العمر نحو ثمانين سنة، وكان من أهل العلم. وفيه جاءت الأخبار بوصول مراكب الفرنج على ساحل يافا، فاستقرّت القضيّة على أنّهم جاءوا ليعمروا (٤) بيت لحم، الذى بالقدس، فاستأذنوا نائب القدس فى ذلك، فأذن لهم فى العمارة؛ فلما بلغ السلطان ذلك، أرسل مراسيم بمنعهم عن ذلك. - وفيه قرّر السلطان الأمير قرقماس، فى نيابة حلب. وفى رجب، توفّى العالم الفاضل محمد بن خاص بك البرقى الحنفى، وهو جدّ الخاص بكية (٥) الموجودين إلى الآن، وكان ينسب إلى الملك الظاهر ركن الدين [بيبرس] (٦) البندقدارى، من النساء، وكان الناصرى محمد هذا اشتغل بالعلم، على الشيخ أكمل الدين الحنفى، وصار علامة فى علوم الحنفية، وكان قانعا بما يتحصّل من إقطاعه، زاهدا فى الدنيا. وفيه رجع السلطان إلى دمشق، فأقام بها، فبلغه أنّ شيخ، ونوروز، رجعا من الأبلستين، وقد وصلا إلى البلقاء، ثم عرجا إلى غزّة، وقد قصدوا التوجّه إلى نحو القاهرة، فعيّن لهم السلطان بكتمر جلق، ومعه عسكر. فلما دخل شيخ، ونوروز، إلى غزّة، تحاربا مع نائبها، فقتل فى المعركة تمربغا المشطوب، وكان فارسا بطلا شجاعا، وقع منه أمور شتى بحلب (٧)، بعد موت جكم العوض.

стр. 1417

فلما بلغ شيخ، ونوروز، مجئ بكتمر جلق إلى غزّة، رحلوا عنها مسرعين، وجدّوا فى السير، إلى أن وصلوا قطيا. فبلغ الأمير أرغون، نائب الغيبة، فحصّن القلعة، ونصب عليها المكاحل؛ ثم إنّ شيخ، ونوروز، أتوا من خلف الجبل المقطّم، وكان معهما جماعة كثيرة من عربان بنى وائل، ومن عرب هوارة، فدخلوا من باب القرافة، وأتوا إلى الرملة، فأرموا عليهم من القلعة بالمدافع، والنشاب، وكذلك من مدرسة السلطان حسن؛ فقتل فى المعركة شاهين، دوادار شيخ، وكان عزيزا عنده، فشقّ على شيخ موته. واستمرّ أينال الصصلانى (١)، أحد الحجّاب، يقاتل فى باب السلسلة، إلى بعد المغرب، فثارت الزعر والعوام مع شيخ، ونوروز؛ ثم إنّ شيخ أقام واليا من جهته، ونادى فى القاهرة بترخيص الأسعار، وأنّ الرعيّة فى أمان، فضجّ الناس له بالدعاء. ثم إنّ شيخ ملك المدرسة الأشرفية، التى فى رأس الصوّة، تجاه الطبلخاناة؛ ثم إنّ شيخ نهب دور الأمراء، الذى غائبين (٢) مع السلطان؛ ثم إنّه أطلق من فى الحبوس من المسجونين؛ ونهب الشون، وحواصل الديوان المفرد، وصار يحاصر القلعة أشدّ المحاصرة. وفعل من هذه الأفعال الشنيعة ما يطول شرحها، فظنّ الناس قاطبة أنّ الملك الناصر قد قتل لا محالة؛ ثم إنّ شيخ طلب الزمام، وقال له: «احضر لى ابن السلطان، حتى نسلطنه»، فامتنع من ذلك، وقال: «حتى يحضر العسكر والخليفة»، فهدّده بالقتل. فبينما هو (٣) يعطعط فى القاهرة، وإذا بالأخبار قد جاءت، بأنّ السلطان قد وصل إلى خانقة سرياقوس، فاضطربت أحوال شيخ، وحار فى أمره، وكان يظنّ أنّه قد انتهز الفرصة بغياب السلطان، وأنّه قد ملك القلعة، وحدّثته نفسه بالسلطنة.

стр. 1418

فبينما هو واقف بالرملة، فما يشعر إلا وقد دهمته عساكر السلطان؛ فلما عاين ذلك ولّى هاربا بمن معه من العسكر، وتوجّه إلى باب القرافة، فتبعه العسكر، الذى حضر، وساقوا خلفه؛ فكبّ الفرس بشيخ فى أثناء الطريق، فحماه جلبان، الذى ولى نيابة الشام فيما بعد، واستمرّ العسكر سائق خلفه إلى طموه. ثم [إنّ] (١) أمير العرب شعبان بن محمد بن عيسى العايدى، أخذ شيخ، ونوروز، وتوجّه بهما إلى السويس، ثم سار من هناك إلى الكرك، وقد قتل من عسكره جماعة، وجرح منهم آخرون (٢). ولم يحضر الملك الناصر، وإنما جاء بكتمر جلق، ومعه بعض عسكر، فأشيع أنّ السلطان قد حضر، ولو علموا أنّ الذى حضر بكتمر جلق وحده، لم كانوا يفكّروا (٣) به. وفيه توفّى الشيخ نور الدين الرشيدى [الشافعى] (٤)، وكان من أعيان العلماء. - وتوفّى الشيخ علاء الدين الحريرى الدمشقى الحنفى، وكان من أعيان الحنفية. - وتوفّى الشيخ شمس الدين الطويل، محتسب القاهرة. وفى شعبان، توفّى قاضى القضاة تقىّ الدين الزبيرى الشافعى، مات وهو منصرف عن القضاء. - وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد الدميرى المالكى، وكان من الأعيان، وتولّى عدّة وظائف جليلة. وفى رمضان، توفّى الشيخ شمس الدين محمد بن العطار، المقرئ، وكان علامة فى القراءات. وفيه جاءت الأخبار بأن قدم على السلطان قرقماس، نائب حلب، وصحبته صبىّ صغير، يسمّى حسن، قيل إنّه ابن السلطان أحمد بن أويس، فرّت به أمّه من بغداد، خوفا عليه من القتل، فالتجأ إلى السلطان.

стр. 1419

وفيه جاءت الأخبار [بأنّ السلطان] (١) عزم إلى التوجّه إلى الكرك لقتال شيخ ونوروز، [وقد طال الشرح فى أخبار شيخ، ونوروز] (٢)، وملّت منهما المسامع. وفى شوّال، حضر إلى القاهرة [الجناب] (٣) تاج الدين بن الهيصم، الأستادار، والبرهان البشيرى، الوزير، وعلى أيديهما مراسيم السلطان، بمصادرات جماعة من أعيان التجّار، وأغنياء الناس؛ فأطلقوا فى الناس النار، ووضعوا أيديهما فى التّرك (٤) الأهلية، ولم يلتفتوا للأحكام الشرعية. - وفيه خسف القمر جميعه، وأظلمت الدنيا. وفيه جاءت الأخبار بأنّ أهل الكرك ثاروا على شيخ، وهو فى الحمّام، وكاد أن يقتل، لولا أدركه نوروز؛ وقتل فى هذه الحركة سودون بقجة (٥)، وهو فى الحمّام. وفى ذى القعدة، وصل إلى القاهرة [الأمير] (٦) كزل العجمى، وصحبته حريم السلطان، وحضر معه القضاة الأربعة. - وكان فى شوّال حضر قاضى قضاة الشافعية جلال الدين البلقينى، بسبب صرر (٧) الحرمين الشريفين. فلما حضر الأمير كزل العجمى، أخبر أنّ السلطان وصل، وأنّه قرّر الأتابكى تغرى بردى، فى نيابة دمشق؛ وأرسل إلى شيخ خلعة، بأن يكون نائب حلب؛ وأنّ نوروز يكون نائب طرابلس؛ فوقع الاتّفاق على ذلك، وتحالفا أن لا يخرجا عن الطاعة، وأن يسلّما قلعة الكرك، وقلعة صرخد، وقلعة صهيون، للسلطان؛ وعزل

стр. 1420

بكتمر جلق، عن نيابة الشام. - وفيه دخل الطاعون إلى دمشق، ومات فيه من العسكر جماعة كثيرة. وفى ذى الحجّة، جاءت الأخبار، بأنّ الإفرنج قد استولوا على عدّة مدائن من مدائن الغرب، منها غرناطة، وغيرها، وقتل من أهل غرناطة، نحو من مائة ألف إنسان من المسلمين؛ وكان هذا أول خراب مدينة غرناطة فتلاشى (١) أمرها من يومئذ، وآلت إلى الخراب؛ وقتل فى المعركة عالم الأندلس أبو يحيى بن عاصم، الفقيه المالكى. وتوفّى (٢) الشيخ شمس الدين محمد البغدادى الزركشى، وكان من أعيان العلماء والمحدثين، توفّى فى هذه السنة بمصر. ثم دخلت سنة أربع عشرة (٣) وثمانمائة فيها فى المحرّم، وصل السلطان إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة، وكان له يوم مشهود، كما تقدّم من وصف مواكب الملوك. وفيه قرّر الشيخ زين الدين حاجى التركمانى الحنفى، فى مشيخة المدرسة البرقوقية، عوضا عن الشيخ صدر الدين بن العجمى. وفيه توفّى الشيخ المعتقد سيدى إبراهيم بن أبى بكر الماحورى (٤) الدمشقى، وكان للناس فيه اعتقاد. - وتوفّى الزينى (٥) قاسم بن أخى قاضى القضاة بدر الدين العينى، وقد ترجم له فى تاريخه، وذكر أنّه كان علامة فى كل فنّ من العلوم. وفيه توفّى سيدى أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن سيدى محمد وفا الشاذلى، ﵃ أجمعين، ورحمهم؛ مات غريقا فى بحر النيل، قيل إنّه كان

стр. 1421

يتمنّى أن يموت غريقا، حتى غرق، وكان من أذكياء العالم، وله شعر جيّد كله غزل، وكان من محاسن الزمان. نقل العينين فى تاريخه، أنّ سيدى أبو الفضل هذا كان فى منظرة على البحر بالروضة، هو وجماعة من أصحابه، فأرادوا أن يتوجّهوا إلى الآثار الشريف، فنزلوا فى مركب، وكان معه قاضى قضاة المالكية جمال الدين بن التنسى، ومحمد بن عبيد السكاكينى (١)؛ فلما نزل سيدى أبو الفضل فى المركب، وأقلعوا، قال وهو فى المركب: «عجبا إن نجونا من الغرق»، فلم يتمّ كلامه حتى انقلبت بهم المركب، وغرقوا أجمعين، ولم يعلم لسيدى أبى الفضل خبر، ولا وقف له على أثر؛ ومن شعره الرقيق، قوله: أرسلت عينىّ بدمعيهما … بين يدى من قد تمادى جفا أسأله فى فمه قبلة … فلم يميلاه ولم يعطفا وقوله: ألا لا تلومونى فلست بمقلع … إذا انحدرت من كأسها الخمر فى حلقى سآوى إلى بحر من الراح مترعا … أحطّ المراسى عنده فأملى لى واسقى وقوله: لقد تعشّينا فروحوا بنا نروا … فهذا الوقت وقت الرواح وإن نادى الساقى فنوحوا معى … عونا فإنّى لا أطيق النواح وفيه توفّى الشيخ عبد الوارث بن محمد البكرى المالكى الأنصارى، وكان من أعيان المالكية. وفيه عزم السلطان على هدم المدرسة الجمالية، التى بالقرب من الركن المخلق، فتلطّف به الشيخ فتح الله، كاتب السرّ، حتى انتهى عن ذلك؛ ثم ضرب رنكه عليها، وسمّاها «الناصرية»، بعد ما كانت «الجمالية»، فعدّ ذلك من النوادر؛ ثم عادت بعد موت الملك الناصر إلى وقف جمال الدين، وصارت تسمّى «الجمالية» (٢).

стр. 1422

وفى صفر، توفّى الشيخ الصالح خليل القابونى (١)، وكان من الصالحين. - وفيه أرسل السلطان بقتل جماعة من الأمراء، وهم بالسجن بثغر الإسكندرية، وهم: جانى بك القرمى، وأسندمر الحاجب، وسودون البجاسى، وقانباى أخو بلاط. وفيه قبض السلطان على تسعة من الأمراء ما بين مقدّمين ألوف (٢)، وعشراوات، وحملوا إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ ثم أرسل تمراز الناصرى بطّالا إلى دمياط. - وفيه أخلع السلطان على سنقر الرومى، وقرّر رأس نوبة كبير (٣)، عوضا عن قانباى، الذى نفى إلى الإسكندرية. وفيه بعث صاحب القسطنطينية هديّة حافلة إلى السلطان، وأرسل يوصيه على مراعاة (٤) البترك، وطائفة النصارى. - وفيه، قرّر سودون بن عبد الرحمن، فى نيابة غزّة؛ وقرّر القاضى تقىّ الدين بن أبى شاكر، فى نظر الخاص. وفى ربيع الأول، جاءت الأخبار بأنّ شيخ، ونوروز، أظهروا العصيان، وخرجا عن طاعة السلطان. وفيه جاءت الأخبار (٥) بوقوع فتنة عظيمة بين أولاد أبو يزيد (٦) بن عثمان، ملك الروم، وأنّ موسى قتل أخاه سلمان وأخذ جميع بلاده، واستولى عليها. وفيه بعث السلطان بقتل جماعة من الأمراء، ممن كان بالسجن بثغر الإسكندرية. - ثم إن الملك الناصر استدرج إلى ذبح جماعة من مماليك أبيه، فصار يذبح المماليك بيده مثل الغنم. وفيه عزل السلطان تاج الدين بن الهيصم، من الأستادارية؛ وقرّر فيها فخر الدين عبد الغنى بن أبى الفرج، وكان أصله من الأرمن، وهو صاحب المدرسة التى بين الصورين.

стр. 1423

وفى ربيع الآخر، جاءت الأخبار بوقوع فتنة، بين قرا يوسف، وقرايلك، وخرب بسبب ذلك غالب بلاد الشرق. وفيه جاءت الأخبار بأنّ الإفرنج وصلوا إلى ثغر الإسكندرية (١)، وحصل بينهم، وبين المسلمين، ما لا خير فيه، وقتل من الناس ما لا يحصى. - وفيه قبض السلطان على أقارب جمال الدين، الأستادار، وصادرهم، وعاقبهم، حتى مات تحت العقوبة ناصر الدين أخو جمال الدين. وفى جمادى الأولى (٢)، أمر السلطان بهدم مدرسة الأشرف شعبان، التى كانت فى رأس الصوّة، تجاه الطبلخاناة (٣)، وكانت من محاسن الزمان، فحكم بعض القضاة بهدمها، ووجّهوا لها وجها شرعيّا، وهدمت؛ ورسم السلطان أيضا بهدم البيوت الملاصقة للميدان، الذى تحت القلعة. وفيه قبض السلطان على أبى الفرج، الأستادار، وصادره، واحتاط على موجوده، فظهر عنده حاصل فيه جرار خمر، نحوا من ثلاثة آلاف جرّة، فابتاعت على الناس كل جرّة بمائة درهم، وتزاحمت الناس على شراها (٤)، حتى بلغ كل جرّة ثمنها دينار، وقيل فى المعنى: فوارغ الخمر عندى غير واحدة … وأنتم قد شربتم كل ما فيها فالناس يسقون من خمر لها حبب … إلا أن ما بقى لى غير درديها وفيه خنق أحمد بن جمال الدين، الأستادار، وأولاد أخيه أحمد وعمر. وفى جمادى الآخرة (٥)، توفّى الطواشى فيروز، وكان فى سعة من المال، وقد شرع فى [بناء] (٦) مدرسة بخطّ الغرابليين (٧)، تجاه حارة (٨) الروم، فمات ولم تكمل فى البناء؛

стр. 1424

ثم آل أمرها إلى [أن] (١) ملكها القاضى عبد الباسط، وصيّرها قيسارية، وهى التى تعرف به إلى الآن. - وفيه قبض السلطان على جماعة من الأمراء، فوسّط منهم خمسة، وغرّق الباقى. وفى رجب، الأخبار بأنّ تغرى بردى اليشبغاوى (٢)، نائب الشام، قد مرض، وأشرف على الموت؛ وأنّ يشبك بن أزدمر، توجّه إلى شيخ، ونوروز. وفيه ذبح السلطان عشرين مملوكا من مماليك أبيه، ووسّط تحت القلعة خمسة عشر مملوكا، ثم ذبح فى تلك الليلة مائة مملوك من جنس الجراكسة. وفيه نزل السلطان إلى نحو المطرية، فأقام هناك إلى آخر النهار؛ واصطبح، وقتل هناك عشرة من المماليك؛ ثم ركب بعد العصر، وشقّ من القاهرة، وهو بثياب جلوسه، فكاد أن يسقط من ظهر فرسه من شدّة السّكر، فعدّ ذلك من النوادر. وفى شعبان، شرب [السلطان] (٣) دواء مسهل، فأمر السلطان ريّس الأطباء أن يعلم المباشرين من الأعيان بذلك، فحملوا إليه من التقادم أشياء كثيرة، ودام ذلك [بعده] (٤) سنّة، وصار كل سلطان شرب دواء، يفعل مثل ذلك [فى] (٥) أوائل فصل الربيع. وفى رمضان، نادى السلطان بأنّ المماليك الظاهرية يظهروا (٦) ولهم الأمان، فإنّهم عتقاء شهر رمضان، فظهر منهم جماعة، فلما ظهروا، قبض عليهم، وسجنهم بالقلعة. وفى شوّال، ذبح السلطان، فى ليلة واحدة، مائة وعشرين مملوكا، وصار الذبح كل ليلة عمّال، بحسب ما يختار من المماليك، وكان يذبحهم فى الحوش، ويرميهم من سور القلعة، مما يلى القرافة، فإذا طلع النهار يجدوهم (٧)، فيلقونهم فى بئر هناك معطّلة.

стр. 1425

وفيه عزم السلطان على التوجّه إلى ثغر الإسكندرية، فبعث جانى بك الصوفى إلى البحيرة، فى تحصيل خيول، وجمال، وأغنام؛ ثم إنّ السلطان خرج إلى الإسكندرية، فكان يوم دخوله إليها يوما مشهودا، ودخل فى موكب حافل؛ فلما أقام بالإسكندرية أبطل ما كان يؤخذ من المغاربة من الثلث إلى العشر، فعدّت هذه الفعلة من محاسن الملك الناصر. وفيه كانت وفاة الملك المنصور أمير حاج بن الأشرف شعبان، الذى خلعه برقوق من السلطنة، فمات وهو مقعد فى الفراش، مما قاساه من الطربة، لما كبس عليه برقوق فى شقحب، وقد جاوز من العمر نحوا من خمسين سنة أو دون ذلك. وفيه أرسل السلطان بالقبض على ناصر الدين بن البارزى (١)، وشهاب الدين الحسبانى (٢)، فقبض عليهما، وسجنا بقلعة دمشق. وفى ذى القعدة، رجع السلطان من الإسكندرية. - وفيه أحضر السلطان أحمد ابن الطبلاوى، وضرب عنقه بيده؛ وسبب ذلك، أنّ ابن الطبلاوى وشى به أنّه أفسد خوند بنت صرق، زوجة السلطان، فنزلت من القلعة فى غياب السلطان، وهى منكّرة، وباتت عند ابن الطبلاوى؛ فلما بلغ السلطان ذلك، قطع رأسها وأحضرها بين يدى ابن الطبلاوى، فى طبق مغطى، فلما كشف عنها، قال له: «أتعرف هذه»؟ فسكت، وأطرق رأسه، فقام إليه السلطان، وضرب عنقه [بالسيف] (٣) بيده، وأمر أن يدفنا فى قبر واحد، فكان كما قيل فى المعنى: لو يعلم القبر ما قد ضمّ من جسد … قتلى (٤) أهل الهوى لامتدّ واتسعا وصنّفوا للنساء مناديل عصائب، وسمّوهم (٥): «دموع بنت صرق (٦)». - وفيه عيّن السلطان بكتمر جلق، بأن يخرج جاليش العسكر، ويتوجّه إلى الشام إلى أن يحضر السلطان.

стр. 1426

وفى ذى الحجّة، خرج السلطان من الديار المصرية، قاصدا إلى الشام، وكانت هذه التجريدة آخر سفراته إلى البلاد الشامية، فلما نزل من القلعة كان له يوم مشهود. وخرج فى موكب حافل، وصحبته الخليفة المستعين بالله العبّاس، والقضاة الأربعة، وهم: جلال الدين بن سراج الدين البلقينى الشافعى، وناصر الدين بن كمال الدين بن العديم الحنفى، وشمس الدين محمد بن علاء الدين (١) المالكى، ومجد الدين بن سالم الحنبلى. وقد أظهر فى هذه السفرة العظمة الزائدة فى الطلب، والجنايب، والخيول الملبّسة، بخلاف العادة؛ وكان معه مكاحل على عجل، تسحبها الأبقار، وكان معه نحو ألف حمل جمل محمّل سلاح، وخزائن مال، قيل كان فيها ما ينيف عن أربعمائة ألف دينار؛ وكان معه من الغنم السياق نحو ثلاثين ألف (٢)؛ وكان معه جماعة من سراريه فى محفّات زركش؛ فكان عدّة جمال السنيح ثلاثة وعشرين ألف جمل؛ وخرج العسكر قاطبة وهم لابسون آلة الحرب [الخوذ والقرقلات] (٣). وقرّر يلبغا الناصرى، نائب غيبة، إلى أن يحضر؛ ورسم للأمير ألطنبغا العثمانى أن يقيم بالاصطبل السلطانى (٤)؛ وترك جماعة من الحجّاب بالقاهرة. وكان خروجه فى يوم الجمعة حادى [عشر] (٥) الشهر المذكور، فتوجّه إلى تربة أبيه التى بالصحراء، وزاره؛ وتوجّه من هناك إلى الريدانية، ونادى: «بأن لا أحد من الناس يتقدّم قبل السلطان»، فبلغه أنّ جماعة من العسكر قد تقدّموا، فشنقهم؛ ولما وصل إلى ما هو قاصد إليه (٦)، وسّط نحو عشرين مملوكا من مماليك أبيه، وكان لا يعى

стр. 1427

من السّكر بطول الطريق، فتفاءل الناس بزواله [عن قريب] (١)، ونفرت عنه قلوب العسكر قاطبة. وفيه توفّى الشيخ نور الدين على الأنبارى الشافعى، وكان من أعيان العلماء، علامة فى النحو واللغة. وفيه جاءت الأخبار بأنّ السلطان دخل إلى دمشق؛ ثم إنّ السلطان أرسل بقتل تمراز الناصرى، وهو بسجن الإسكندرية (٢). وفيه جاءت الأخبار بوفاة ملك الهند، السلطان غياث الدين، وكان مشكور السيرة. - وتوفّى الطواشى مرجان، وكان زمام الأشرف شعبان. - وفيه توفّى السيد الشريف على بن محمد الجرجانى، وكان من أكابر العلماء، وقد ترجم له الصينى فى تاريخه. ثم دخلت سنة خمس عشرة (٣) وثمانمائة فيها فى المحرّم، جاءت الأخبار، بأنّ السلطان خرج من دمشق إلى محاربة شيخ، ونوروز، وصار يطرد من خلفهم، من بلد إلى بلد، ليلا ونهارا، حتى أعيى (٤) العسكر من التعب، فعند ذلك عاد إلى دمشق، وأقام (٥) فى قلعتها، وقصد الرجوع إلى مصر، فلم يمكّنه كاتب السرّ فتح الله من ذلك. ثم بلغه أنّ شيخ، ونوروز، قد وصلوا إلى اللجون، وكان الملك الناصر غارقا فى سكره، فقام وركب فى يوم الثلاثاء سادس عشر المحرّم، فخرج من دمشق وهو سائق، فأتعب العسكر من شدّة السوق، وانقطع منهم نحو النصف، فما وصل إلى

стр. 1428

اللجون إلا بعد العصر، وهو غارق فى السّكر، فأشار عليه كاتب السرّ فتح الله بأن ينزل هناك ساعة، حتى يستريح العسكر من شدّة السوق، فلم يلتفت إلى كلامه، وقال له: «أنا لى سنين أنتظر هذا اليوم، ومتى نزلت يهربوا من وجهى إلى مكان آخر». فلما رأوا الأمراء، والعسكر، هذه (١) الأحوال الفاسدة، تسحّب من عنده جماعة من الأمراء، والعسكر، وتوجّهوا إلى عند شيخ، ونوروز؛ فكان أول من تسحّب من الأمراء قجقار (٢) القردمى، أمير سلاح، فلما رأوا بقيّة الأمراء ذلك، صاروا يتسحّبون قليلا، قليلا، حتى لم يبق مع الملك الناصر إلا القليل من العسكر، وقد ظهر عليه علامة الغلب. فلما كان وقت غروب الشمس، هرب من كان بقى مع السلطان من العسكر، فلم تكن إلا ساعة يسيرة، وقد ولّى الملك الناصر هاربا، وهو مكسور، لم يدر (٣) إلى أين يتوجّه؛ فلما ولّى الملك الناصر، توجّه إلى الشام، وبات فى تربة تنم. فلما تحقّق شيخ رجوع الملك الناصر إلى دمشق، استولى على خزائن المال، وبرك الملك الناصر جميعه؛ وقد حصلت هذه النصرة [العظيمة] (٤) على اللجون لشيخ، وهى من ضياع دمشق، وفى ذلك قال الشيخ تقىّ الدين ابن حجّة، من قصيدة: وكسرت باللجون جمّ عساكر … ودارت عليهم من سطاك الدوائر وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفة … فكأنّ هاتيك السروج مقابر ثم إنّ شيخ، ونوروز، دخلا إلى الشام، وملكوها. وفى أثناء ذلك توفّى تغرى بردى اليشبغاوى (٥)، نائب الشام، [وهو والد الجمالى يوسف المؤرّخ] (٦)، ودفن بدمشق، واستراح من هذه الفتنة.

стр. 1429

ثم إنّ الأمراء اجتمعوا فى دار السعادة، وشرعوا فى كتابة محضر [] بأفعال الملك الناصر، وأنّه سفّاك للدماء، مدمن للخمر، وقد وقع فى أشياء توجب الكفر، فقامت عليه البيّنة بذلك، فخلعوه من السلطنة، وقام قاضى قضاة الحنفية ناصر الدين ابن العديم فى سفك دمه، قياما تاما، وكتب خطّه بذلك، وأشهد على نفسه بموجب ذلك، وانتهى هذا الأمر. ثم إنّ الملك الناصر أتى من تربة تنم بعد المغرب، ماشى (١)، وفى رقبته منديل، وأخذ أولاده معه، ودخل إلى شيخ، فقام له، وقبّل يده، ثم إنّ شيخ أمر بتقييده، فقيّد وسجن بقلعة دمشق. ومن جملة عكس الملك الناصر، الذى توجّه أولا إلى شيخ، فلو توجّه إلى نوروز، ما كان تمكّن أحد (٢) من قتله، فإنّ نوروز كان متزوّجا بأخت الملك الناصر، فلو (٣) طلب منه الأمان على نفسه، ما صابه سوء، ولكن توجّه إلى شيخ، فلم يعطه الأمان، فكان كما قيل فى المعنى: لا تأمننّ عدوّا ولو دنا للمنيّة … فحيّة السمّ تدعى فى حالة الموت حيّة وأما من قتل فى هذه الحركة، والمعركة، من الأمراء: الأمير يشبك الشعبانى، وقانى باى قريب الأتابكى (٤) بيبرس؛ وأمر شيخ بتوسيط شخص من المماليك يسمّى بلاط (٥)، قيل إنّه كان يذبح المماليك بيده بين يدى السلطان الناصر فرج، وقتل من المماليك السلطانية جماعة كثيرة. وفى ليلة الأحد سادس صفر، كانت قتلة الناصر فرج بن برقوق، وذلك أنّه لما سجن بالبرج بقلعة دمشق، صار القال والقيل عمّال بين الناس، وخشى جماعة كثيرة من أخصاء الملك الناصر، منهم: بكتمر جلق، ومنهم فتح الله، كاتب السرّ، ومنهم

стр. 1430

قاضى قضاة الحنفية ابن العديم، وصاروا على وجل منه، فسعوا فى تعجيل قتله، فأرسلوا له أربعة من الفداوية، فقتلوه بالخناجر، وهو فى البرج بقلعة دمشق، فأصبحوا الناس يتحدّثون بذلك، وصار جماعة من الناس فى شكّ من قتله. ثم إنّهم أخرجوه من البرج، وألقوه على مزبلة خارج المدينة، وهو عريان مكشوف الرأس، ليس عليه غير اللباس [فى وسطه] (١)، وصار الناس يأتون إليه أفواجا، أفواجا، ينظرون إليه، ويعبثون بلحيته، فأقام على ذلك ثلاثة أيام لم يدفن. ولو أمكن مماليك أبيه أن يحرقوه بالنار، لفعلوا ذلك، مما قاسوا منه، فإنّه كان يسكر إلى نصف الليل، ويخرج فى الحوش، ويعرضوا عليه المماليك وهم فى جنازير، فيقول: «من هذا»؟ فيقولون له: «هذا فلان من طبقة الفلانية»، فيقول: «قدّموه»، فيبطحونه على الأرض، فيذبحه بيده مثل الخروف، ثم يدوس على وجهه برجله، ويبول عليه، وكل هذا من شدّة قهره من مماليك أبيه، فكان يذبح فى كل ليلة حسبما يختار منهم، ثم يلقيهم من سور القلعة، فإذا طلع النهار، يلقونهم فى بئر هناك معطّلة، فقيل إنّه ذبح من مماليك أبيه نحو ألفين مملوك (٢). وكان الملك الناصر معذورا منهم، فإنّه كان يسامح الواحد منهم المرّة، والمرّتين، والثلاث، وهم يغدرونه ويخامروا (٣) عليه، حتى كان يقول الملك المؤيد شيخ بعد أن تسلطن: «ما أحد من الملوك صبر كصبر الملك الناصر على مماليك أبيه، فإنّه ما كان يقتل الواحد منهم، حتى يكون [قد] (٤) سامحه مرارا عديدة، وهم يغدرونه، ولم يرجعوا». ثم بعد قتل الملك الناصر، أقام ثلاثة أيام لم يدفن، ثم إنّ بعض الناس أتى فى الليل وحمله إلى مكان، حتى غسّله وكفّنه، ودفنوه بمقبرة مرج الدحداح، بباب الفراديس.

стр. 1431

ومات الملك الناصر وله من العمر نحو من أربع (١) وعشرين سنة، وكان مولده سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وكان أبوه (٢) الظاهر برقوق فى فتنة منطاش والناصر يلبغا، فلما ولد سمّاه «بلغاق» (٣) معناه بالجركسى «تكدير»، فلما نفى الظاهر إلى الكرك، وخلص وعاد إلى السلطنة، غيّر اسمه وسمّاه «فرج»، وكان اسمه فى الحقيقة «بلغاق». وفى أيامه توفّى القيم خلف الغبارى، صاحب الأزجال اللطيفة، وكان علاّمة فى فنّ الزجل. وكانت مدّة سلطنته بمصر ثلاث عشرة (٤) سنة، وثلاثة أشهر، وأحد عشر يوما، وذلك خارجا عن مدّة [خلعه من] (٥) السلطنة بأخيه عبد العزيز، وهى دون الشهرين؛ وزالت مملكة الملك الناصر كأنها لم تكن، فسبحان من لا يزول ملكه، ولا يتغيّر، ولكن قاست الناس فى أيامه شدائد عظيمة، من سفك دماء، وقتل، ومصادرات، وخراب دور. وقد ضاعت حقوق الناس فى أيامه، وضعفت شوكة الشرع الشريف فى أيامه، وخرج غالب أوقاف الناس التى بالبلاد (٦) الشامية والحلبية، وخربت غالب أرض مصر من الظلم والجور فى حقّ الرعيّة، ولو عدّدنا ما جرى فى أيامه لطال الكلام على ذلك، فما وسع الناس إلا الصبر حتى فرج الله عنهم، كما يقال فى المعنى: صبرنا على جور الزمان لعل أن … تفرج أيام الكريهة بالصبر وقال آخر: أين الذين عتوا فى الأرض إذ ظلموا … والله منهم لقد أخلى أماكنهم (٧)

стр. 1432

فاستغن بالسمع عن مراهم عظة … فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وكان الملك الناصر فرج شجاعا، بطلا مقداما، كريما، غير أنّه كان سفّاكا، مسرفا على نفسه، منهمكا على اللذّات، لا يعى من السّكر، ليلا ولا نهارا، حتى غلا سعر العنب (١) فى أيامه من كثرة ما يعصره؛ ومات وهو شاب، كما دارت لحيته؛ وكان عربىّ الوجه، أشهل العينين، وافر الأنف، يميل إلى الصفرة، نحيف الجسد. وخلف من الأولاد سبعة: ثلاثة صبيان، وأربع بنات: فأما الصبيان، فهم: محمد، وفرج، وخليل، الذين (٢) نفاهم المؤيّد شيخ إلى ثغر الإسكندرية، وأقام خليل بها إلى أن مات فى دولة الأشرف أينال، ونقل حتى دفن فى تربة جدّه برقوق، التى فى الصحراء؛ وأما البنات: فخوند شقرا زوجة الأتابكى جرباش كرت، وخوند آسية، وخوند زينب، وخوند هاجر. وأما ما ابتناه من العمائر فى أيّامه: فالجامع، الذى فى الحوش السلطانى؛ والمدرسة، التى تجاه باب زويلة، المعروفة بالدهيشة؛ وأنشأ ربعين بجوار جامع الصالح، وله غير ذلك من الإنشاءات. انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك الناصر فرج بن برقوق بن آنص العثمانى، وبه انقرضت دولة الملك الظاهر برقوق.

стр. 1433

ذكر سلطنة الخليفة المستعين بالله أبى الفضل العبّاس ابن الخليفة محمد المتوكّل على الله بن المعتضد (١) بالله أبى بكر بن المستكفى بالله سليمان بن الإمام أحمد الحاكم بأمر الله تسلطن بالشام، وكان صفة ولايته، أنّه لما تحارب الملك الناصر مع شيخ، ونوروز، وانكسر، وخلع من السلطنة، كما تقدّم ذكر ذلك، فصار الأمر دائرا بين شيخ، ونوروز، فى أمر السلطنة، وكل منهما يقول: «أنا أتسلطن». فآخر الأمر وقع الاتّفاق أن لا شيخ يتسلطن، ولا نوروز، وإنما يتسلطن الخليفة العبّاس، فطلبوه وأحضروا له خلعة السلطنة، فامتنع من ذلك غاية الامتناع. وكان القائم فى سلطنة الخليفة: نوروز الحافظى، فتلطّف به فتح الله، كاتب السرّ، حتى أجاب، بعد أن اشترط على الأمراء شروطا كثيرة، منها: أنّه قال لهم: «إذا خلعت من السلطنة تبقونى فى الخلافة على حال الأول»، ومنها أنّه لا يعزل، ولا يولّى إلا باتّفاق مع الأمراء، فأجابوه إلى ذلك. ثم أحضروا له خلعة السلطنة، وتولّى بحضرة القضاة الأربعة، وسائر الأمراء، واستمرّ على لقبه الأول المستعين بالله؛ فلبس شعار الملك، وجلس، وباس له الأمراء الأرض، من كبير وصغير، ونودى باسمه فى مدينة دمشق، وضجّ له أهل دمشق بالدعاء. وكان ذلك اليوم، يوم الاثنين سابع عشرين المحرّم، سنة خمس عشرة (٢) وثمانمائة؛ فمن المؤرخين من عدّه من جملة السلاطين بالديار المصرية، ومنهم من عدّه من الخلفاء العبّاسية؛ وهذه الواقعة لم تتّفق قطّ لخليفة قبله بمصر، ولا سمع بمثل ذلك فيما تقدّم. وقد مدحه العلامة شهاب الدين بن حجر، رحمه الله تعالى، بهذه القصيدة، وهى قوله:

стр. 1434

أصبح الدين ثابت الأساس … بالمستعين العادل العبّاس رجعت مكانة آل عمّ المصطفى … لمحلّها من بعد طول تناس فرع نما من هاشم فى روضة … ذاكى المنابت طيّب الأغراس فالحمد لله المعزّ لدينه … من بعد ما كان فى إبلاس طاعت له أيدى الملوك وأذعنت … من نيل مصر أصابع المقياس واستبشرت أم القرى والأرض … من شرق وغرب كالعذيب وفاس ومناقب العبّاس لم تجمع سوى … لحفيده ملك الورى العبّاس لا تنكروا للمستعين رياسة … فى الملك من بعد الجحود الناس فبنو أميّة قد أتى من بعدهم … فى سالف الدنيا بنو العبّاس فأدام ربّ الناس عزّك دائما … بالحمد محروسا بربّ الناس وهذه قصيدة مطوّلة، ولكن أوردنا منها هذا القدر. فلما تمّ أمر العبّاس فى السلطنة، قرّر بكتمر جلق، فى نيابة الشام؛ وقرقماس، فى نيابة حلب؛ وسودون الجلب، فى نيابة طرابلس؛ وأنّ شيخ، ونوروز، يكونوا مدبّرين المملكة (١) للخليفة. ثم إنّ الخليفة عزل جلال الدين البلقينى، من قضاء الشافعية؛ وقرّر فيها شهاب الدين الباعونى؛ وقرّر صدر الدين بن الآدمى الحنفى الدمشقى، فى قضاء الحنفية بمصر؛ وقرّر الحسبانى (٢) فى قضاء الشافعية بدمشق (٣)؛ وقرّر ابن الشحنة، فى قضاء الحنفية بدمشق؛ وقرّر شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد الأموى، فى قضاء المالكية بمصر. وفى ربيع الأول، بطل أمر بكتمر جلق من نيابة دمشق، وقرّر فيها نوروز الحافظى؛ وقرّر شيخ أتابك العساكر بمصر، ونظام المملكة، وأنّ الخليفة لا يتصرّف فى أمر من الأمور حتى يعرضه على شيخ، وأنّ نوروز يتصرّف فى أمور البلاد الشامية،

стр. 1435

والحلبية، إلى الفرات، ومن الفرات إلى غزّة، وأنّ شيخ والخليفة يتصرّفوا (١) فى الديار المصرية، وأعمالها، من الثغور وغيرها، فتحالفا شيخ، ونوروز، على ذلك. وفيه قرّر محبّ الدين بن الأشقر، فى مشيخة الخانقاة السرياقوسية، عوضا عن ابن أوحد، وكان أصل محبّ الدين بن الأشقر من الأكراد، يعرفون بأولاد نوح الكردى، وكان حنفى المذهب، وهذه أول عظمة (٢) ابن الأشقر. وفيه وصل مراسيم الخليفة إلى الأمراء الذين (٣) بمصر، ونودى فى القاهرة بالأمان والاطمان، والبيع والشراء، والدعاء للخليفة ابن عمّ سيّد المرسلين، المفترض طاعته على الخلائق أجمعين، فضجّ له الناس بالدعاء؛ وقد ماجت القاهرة لما تحقّق قتل السلطان الملك الناصر، وكادت أن تقوم فتنة بين الأمراء. وفيه خرج الخليفة من دمشق، وصحبته شيخ، وقد تقرّر أتابك العساكر بمصر؛ وكان الخليفة فى مدّة سفره إلى أن عاد إلى القاهرة فى غاية العزّ والعظمة، وهو نافذ الكلمة، وافر الحرمة، وأطاعه سائر العسكر. وفى ربيع الآخر، كان دخول الخليفة المستعين بالله العبّاس إلى القاهرة، وصحبته شيخ، وكان له يوم مشهود، ودخل فى موكب حافل، وزيّنت له القاهرة، وحمل الأتابكى شيخ على رأسه القبّة والطير؛ فلما وصل إلى القلعة، نزل شيخ بباب السلسلة، وطلع الخليفة إلى القلعة. وكان الأمراء إذا نزلوا من القلعة من عند الخليفة، [يحضروا إلى عند شيخ فى باب السلسلة، ويعطوه] (٤) الخدمة ثانيا، وبين يديه يقع الحلّ والعقد؛ وكان الأتابكى شيخ لا يمكّن الخليفة من كتابة منشور، ولا مربّعة، ولا مرسوم، حتى يعرض عليه، وتلقّب شيخ بنظام الملك، وكان شيخ يظنّ أنّ الخليفة إذا دخل مصر، يترك له السلطنة، ويقنع بالخلافة، فلم يوافق الخليفة على ذلك. فلما ترشّح أمر شيخ إلى السلطنة، صارت الناس تسعى فى الوظائف من عند شيخ، وكفّوا السعى من عند الخليفة؛ وكان القاضى ناصر الدين بن البارزى، موقّع شيخ، يقرأ عليه القصص بين يديه، وصار الناس على بابه، حتى ضعف كاتب السرّ

стр. 1436

فتح الله، وترك. - وفيه قبض شيخ على الأمير أسنبغا الزردكاش، واستفتى على قتله، وقتله. ثم إنّ الخليفة عمل الموكب بالقصر، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأتابكى شيخ، وجعله نظام الملك، وفوّض إليه أمور المملكة، يعزل من يعزل، ويولّى من يولّى، من غير مراجعة. وأخلع على شاهين الأفرم، واستقرّ به أمير سلاح، على عادته؛ وأخلع على يلبغا الناصرى، واستقرّ أمير مجلس؛ وأخلع على الأمير أينال الصصلانى، واستقرّ به حاجب الحجّاب؛ وأخلع على سودون الأشقر، واستقرّ به رأس نوبة كبير؛ وأخلع على طوغان الحسنى، واستقرّ به دوادار كبير (١)، على عادته. وأخلع على ألطنبغا العثمانى، واستقرّ به نائب غزّة، عوضا عن سودون من عبد الرحمن؛ وأخلع على خليل الجيشارى، واستقرّ فى نيابة الإسكندرية، وكان من أصحاب شيخ، قدم معه. وأخلع على ناصر الدين التاج، واستقرّ فى ولاية القاهرة، وكان التاج من أصحاب شيخ، قدم معه من الشام، وكان أصله من الشوبك؛ وأخلع على حسن بن عبد الله الطرابلسى، واستقرّ فى الأستادارية، وكان من أصحاب شيخ، وقدم معه من الشام. وفى تلك الأيام عظم أمر كاتب السرّ فتح الله، حتى صار يجلس فوق الوزير، وهو أول من وقع له ذلك من المعمّمين، وفيه يقول: لما ولى العبّاس سلطاننا … قرّب فتح الله قرب الحبيب دعا له مع قربه جاءه … من الله نصر وفتح قريب وقد صار فى تلك الأيام مستشار الأمراء، وعظم أمره جدّا. وفيه جاءت الأخبار بوفاة الحسبانى، قاضى قضاة الشافعية بدمشق، وكان من الرؤساء، وتولّى عدّة وظائف جليلة. - وتوفّى فى هذا الشهر أيضا، القاضى محبّ الدين ابن الشحنة، وهو جدّ والد قاضى القضاة عبد البرّ بن الشحنة، وكان عالما فاضلا، ريّسا حشما، وتولّى عدّة وظائف جليلة، وكان أصله من حلب، من أولاد محمود الثقفى.

стр. 1437

وفيه جاءت الأخبار بأن نوروز توجّه إلى حلب، [ليحارب دمرداش، نائب حلب] (١)، ففرّ منه دمرداش، وعدّى من الفرات، فعاد نوروز، وقد عيّن لنيابة حلب يشبك من أزدمر. وفى جمادى الأولى، أوفى (٢) النيل المبارك، فى سابع عشر مسرى، وتوجّه إلى كسر السدّ ثلاثة من الأمراء، وهم: أمير سلاح، وأمير مجلس، وأمير دوادار كبير. وفيه تولّى حسبة القاهرة قاضى القضاة صدر الدين بن الآدمى، مضافا لما بيده من قضاء الحنفية، وهو أول من جمع بين القضاء وبين الحسبة بالقاهرة، وفيه يقول بعضهم: من ولى الحسبة يصبر على … تعرّض الخارج والعابر فليس يحظى بالمنى والغنى … فيهم سوى المحتسب الصابر وفى جمادى الآخرة، توفّى الأمير بكتمر جلق، رأس نوبة الأمراء، وكان ممن تعصّب على قتل الملك الناصر، وبادر إلى ذلك، فلما رجع مع الخليفة لسع بعقرب، فى أثناء الطريق، ومات بعد مدّة يسيرة، وكان من أجلّ الأمراء قدرا. وفيه توفّيت (٣) خوند سارة بنت الظاهر برقوق، وهى زوجة نوروز الحافظى، ماتت بالقدس. - وفيه توفّى الأديب الفاضل جمال الدين محمد بن المحلاوى، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله فى واقعة حال، وهو: جاء غلامى وشكى … أمر كميتى وبكى وقال لا شك … برذونك قد تشبّكا قد سقته اليوم … فما مشى ولا تحرّكا فقلت من غيظى … له مجاوبا لما حكى ابن الحلاوى أنا … فلا تكن معلّكا لو أنه مسيّر … لما غدا مشبّكا وفى رجب، أمر الأتابكى شيخ بعقد مجلس بين يديه، فحضر القضاة الأربعة، وتكلّموا فى عود المدرسة الجمالية إلى وقف جمال الدين، الأستادار، كان، وكان الملك الناصر أضافها إليه، وسمّاها الناصرية، فقام فى ذلك قاضى قضاة الحنفية

стр. 1438

ابن الآدمى، قياما تامّا، حتى أعادها إلى وقف جمال الدين، وجعل أخو جمال الدين ناظر أوقاف أخيه. وفيه صار الأتابكى شيخ يضيّق على الخليفة، ووكّل به دواداره جقمق، وأسكنه بالقلعة، وصار لا يمكّن أحدا من اجتماعه بالخليفة إلا وهو معه، فزاد قلق الخليفة، وضاق صدره من ذلك، حتى كره الحياة على هذا الوجه. فلما استقام أمر شيخ، جلس فى المقعد الذى فى باب السلسلة، وأرسل خلف القضاة الأربعة، فلما حضروا، قام كاتب السرّ، فتح الله، فى وسط المجلس، وقال: «يا سادة القضاة، ومشايخ الإسلام، إنّ أحوال الديار المصرية قد فسدت وتغيّرت، وعمّ الفساد برّا وبحرا، وزاد طغيان العربان فى البلاد، ونهبوا الغلال، وإنّ الأحوال مضطربة، والوقت محتاج لإقامة سلطان من الأتراك، له سطوة تقمع العربان، وغيرها، وإنّ العسكر، وأرباب الدولة، وقع رأيهم على سلطنة الأتابكى شيخ»؛ وكتبوا بذلك محضرا، وفيه جماعة يسيرة من الأتراك وغيرها. ثم إنّ كاتب السر، فتح الله، طلع إلى الخليفة، ومعه القضاة الأربعة، وذكر له ما وقع، وقرأ عليه المحضر، وقالوا له: «إنّ من الرأى أن تبايع الأتابكى شيخ بالسلطنة، وتستمرّ أنت فى الخلافة»، فتوقّف فى ذلك قليلا، ثم خلع نفسه من السلطنة وبايع الأتابكى شيخ، وأشهد على نفسه بذلك، [وأخذوا منه الترس والنمجاة والدواة] (١)، وأمروه أن يتحوّل إلى مكانة بالقلعة، فتحوّل به، واستمرّ ساكنا بالقلعة، إلى أن خلعه شيخ من الخلافة أيضا، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، كما سيأتى ذكر ذلك. وكانت مدّة سلطنته بالبلاد الشامية، والديار المصرية، ستة أشهر وأياما (٢)، ليس له فى السلطنة سوى الاسم فقط، وهو مع الأتابكى شيخ فى غاية الضنك والضيق، بحيث أنّه كان فى الترسيم مع جقمق، المقدّم ذكره، ولم يمكّنه من شئ حتى يعرض عليه؛ وكان القائم فى أمر سلطنته نوروز الحافظى، نائب الشام. انتهى ما أوردناه من سلطنة الخليفة العبّاس، وذلك على سبيل الاختصار.

стр. 1439

الجزء الثاني (٨١٥ - ٨٧٢ هـ)

стр. 1440

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير يسرّنى أن أقدّم هنا الطبعة الأولى، للجزء الثانى، من كتاب «بدائع الزهور فى وقائع الدهور»، تأليف أبى البركات الناصرى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى. ويحوى هذا الجزء أخبار السنوات من ٨١٥ إلى ٨٧٢ هـ (١٤١٢ - ١٤٦٨ م). وهذا القسم من كتاب ابن إياس، الذى نراه هنا فى خمسمائة صفحة، قد سبق نشره فى طبعة بولاق فى تسع وثمانين صفحة فقط، مما يؤكّد أن طبعة بولاق نقلت عن نسخة، وردت فيها الأخبار والحوادث مبتورة وناقصة؛ الأمر الذى يرفع من أهميّة المعلومات، والحوادث والأخبار، التى تجئ - لأول مرّة - فى هذه الطبعة الأولى للجزء الثانى من تاريخ ابن إياس. وعلى سبيل المثال فإنه لم يرد فى طبعة بولاق، ذكر لمراسم تولّى الخليفة المعتضد بالله داود، فى سنة ٨١٦ هـ، وإن كان قد أشير إليه إشارة عابرة (ص ٤)، بمناسبة خروجه صحبة السلطان المؤيد شيخ، فى تجريدة إلى الشام فى سنة ٨١٦ هـ (١٤١٣ م)، ثم أشير إليه (ص ٢٨) عند وفاته فى سنة ٨٤٥ هـ (١٤٤١ م). وهذا هو الحال مع الخليفة المستكفى بالله سليمان، الذى ولى الخلافة بعد وفاة المعتضد بالله فى سنة ٨٤٥ هـ (١٤٤١ م). كما أنه لم يرد بين أخبار سنة ٨٥٥ هـ (١٤٥١ م)، أىّ ذكر لمراسم تولّى الخليفة القائم بأمر الله حمزة، وإن كان قد أشير إليه فى صفحتى ٥١ و ٥٢، عند ما عزل الخليفة حمزة، وبويع بالخلافة المستنجد بالله يوسف فى سنة ٨٥٩ هـ (١٤٥٤ م).
следующие страницы →