← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

فلما وثب العسكر على الملك المؤيّد أحمد فى رمضان، وانكسر وخلع من السلطنة كما تقدّم، فاتّفق رأى الأمراء على سلطنة الأتابكى خشقدم إلى أن يحضر جانم نائب الشام، فيسلطنوه، فلما تسلطن خشقدم ثبت فى السلطنة، حتى مات على فراشه وهو سلطان، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه. وفى اليوم الثانى من سلطنته، توفّى الأمير يونس الآقباى، المعروف بالبواب، أمير دوادار كبير، صهر السلطان [أينال] (١)، وكان مريضا، فمات فى ذلك اليوم، وكان أميرا رئيسا حشما، عاقلا سيوسا، جوادا كريما سخيّا، ذا هيئة وشهامة زائدة، وله برّ ومعروف، قليل الأذى، وأصله من مماليك آقباى المؤيّدى نائب الشام، وولى عدّة وظائف سنيّة، منها: شادية الشراب خاناه، ثم بقى مقدّم ألف، ثم بقى دوادارا كبيرا، وتزوّج ببنت الأشرف أينال، وكان لا بأس به فى الأمراء. ثم إن السلطان رسم بإخراج الملك المؤيّد أحمد إلى ثغر الإسكندرية، فنزل من القلعة وقت الظهر وهو مقيّد، هو وأخوه الناصرى محمد، وقراجا الطويل، فنزلوا من باب السلسلة، وشقّوا من الصليبة، وهم على أكاديش، والملك المؤيّد على فرس، وهم فى قيود، وخلفهم الأوجاقية بالخناجر يردفونهم، فكثر عليهم الأسف والحزن والبكا، وشقّ ذلك على الناس، وكان يوما مهولا؛ ثم ساروا على تلك الهيئة، حتى وصلوا بهم إلى ساحل بولاق، فنزلوا بهم فى الحرّاقة، وساروا بهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وكان المتسفّر عليهم خاير بك الأشقر المصارع، فسجنهم بثغر الإسكندرية ورجع إلى مصر؛ واستمرّ الملك المؤيّد أحمد فى السجن بالإسكندرية، إلى أن كان من أمره ما سنذكره فى موضعه إن شاء الله (٢) تعالى، وبه زالت دولة الملك الأشرف أينال، كأنها لم تكن، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يفنى (٣). فلما تمّ أمر الظاهر خشقدم فى السلطنة، عمل بالقصر عدّة مواكب، وأخلع

стр. 1822

فيها على جماعة من الأمراء، وهم: المقر السيفى جرباش كرت، فقرّره فى الأتابكية، عوضا عن نفسه؛ وأخلع على قرقماس الجلب، وقرّره فى إمرة السلاح، عوضا عن جرباش كرت؛ وأخلع على قانم التاجر، وقرّره فى إمرة مجلس؛ وأخلع على جانى بك نائب جدّة، وقرّره فى الدوادارية الكبرى، عوضا عن يونس البواب صهر السلطان؛ وأنعم على جانى بك الظريف بتقدمة ألف، وقرّره فى الدوادارية الثانية، عوضا عن برد بك صهر السلطان، وقد قبض على برد بك وصودر، وقرّر عليه مال، وكان جانى بك الظريف رأس الفتنة فى خلع الملك المؤيّد، والوثوب عليه؛ وأخلع على يلباى المؤيّدى، وقرّر فى حجوبية الحجّاب. وأنعم بتقادم ألوف على جماعة من الأشرفيّة، والظاهرية، منهم: أزبك من ططخ صهر الظاهر جقمق، وقرّر من المقدّمين الألوف، وهذا أول تقدمة أزبك من ططخ؛ وقرّر برد بك البجمقدار من المقدّمين أيضا؛ وقرّر جانى بك المشد الأشرفى، أيضا من المقدّمين الألوف؛ وأنعم على جانى بك قلق سيز، بتقدمة ألف وهى تقدمة يشبك البجاسى؛ وقرّر يشبك البجاسى، حاجب الحجّاب بحلب؛ ثم بعد ذلك أخلع على بيبرس خال العزيز، وقرّر رأس نوبة النوب؛ وكان حاجب الحجّاب، فقرّر فى الحجوبية يلباى الأينالى المؤيّدى، عوضا عنه، نم أخلع على قايتباى المحمودى، وقرّر شاد الشراب خاناه، أمير أربعين، عوضا عن جانى بك المشد، بحكم انتقاله إلى التقدمة؛ وصار ينعم بإمريات عشرة على جماعة من الخاصكية، من طائفة الأشرفية، والظاهرية، وأرضاهم إلى الغاية، ثم نادى للجند بالنفقة أول الشهر. فلما كان سابع عشرين رمضان، جاءت الأخبار بأن جانم المكحل، نائب الشام، قد وصل إلى بلبيس بمن معه من العساكر، فلما تحقّق السلطان ذلك اضطربت أحواله، وكذلك جماعة الظاهرية، وكانت الأشرفية أرسلت كاتبت جانم بالحضور إلى مصر ليلى السلطنة، عوضا عن الملك المؤيّد أحمد، فسبقه خشقدم وتسلطن، ولم يقسم لجانم شئ (١) من السلطنة.

стр. 1823

ثم إن السلطان طلب جانى بك نائب جدّة، بعد صلاة الجمعة، وضرب هو وإياه بسورة فى أمر جانم نائب الشام، وصار جانى بك نائب جدّة مقيما عند السلطان بالقلعة ليلا ونهارا، يشتوروا (١) فى أمر جانم فيما يكون؛ ثم إن السلطان عيّن الصاحب علاى الدين بن الأهناسى، بأن يخرج إلى ملاقاة جانم، ويمدّ له أسمطة بالخانكاه. ثم إن جانى بك نائب جدّة، أشار على السلطان بأن يرضى جانم بكل ما يمكن، ولا يدعه يدخل إلى القاهرة، فبعث إليه عشرة آلاف دينار، وأنعم عليه بجميع برك الأمير يونس الدوادار، من صامت وناطق، وبعث يعتذر إليه بأن يعود إلى دمشق، ويستمرّ فى نيابة الشام على عادته، وأن يولّى بالبلاد الشامية من يشاء، ويعزل من يشاء، من غير مشورة السلطان، وكل ذلك ضحك عليه حتى يعود إلى الشام؛ ثم إن السلطان عيّن دولات باى النجمى، بأن يكون متسفّرا لجانم بإعادته إلى دمشق، وكان تمراز الأشرفى حضر صحبة جانم نائب الشام، فأرسل إليه السلطان خلعة بأن يكون نائب صفد، عوضا عن خاير بك القصروى، وبعث إلى تمراز بمبلغ له صورة، وأرضاه بكل ما يمكن. وفيه جاءت الأخبار بوفاة (٢) خشكلدى الكجكى، نائب حمص، وكان ديّنا خيّرا، لا بأس به. - وجاءت الأخبار بوفاة (٢) سودون الأبوبكرى المؤيّدى، نائب حماة، وكان لا بأس به. وفى شوال، صلّى السلطان صلاة عيد الفطر، فلما فرغ من الصلاة، رسم للأمراء [بأن يقيموا بالقلعة، ولا ينزلوا] (٣) إلى دورهم، وكذلك القضاة الأربعة، وأرسل خلف الخليفة، وأقاموا الجميع بالقلعة، وذلك خوفا من جانم نائب الشام، إلى أن يرحل من الخانكاة، ومنع العسكر من التوجّه إليه.

стр. 1824

ثم بعد يومين من شوال، رحل جانم من الخانكاه على رغم أنفه، وقد رأى جماعة الظاهرية، والمؤيديّة، مائلين إلى الظاهر خشقدم؛ وكان هذا كله بتدبير جانى بك نائب جدّة، وقد عظم أمره فى تلك الأيام جدّا، وصار مدبّر المملكة، والظاهر خشقدم فى قبضة يده. ثم إنّ السلطان أخذ فى أسباب تفرقة (١) الإقطاعات على المماليك السلطانية، فاشتغلوا بذلك إلى أن رحل جانم من بلبيس، وكل ذلك توطئة للأشرفية، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه؛ ورحل جانم، ولم يجتمع به أحد من أعيان خشداشينه، ترضّيا للظاهر خشقدم، وقد عمل على رضاهم، وفرّق عليهم إقطاعات ثقيلة، التى كانت بالذخيرة، حتى أخرج البلاد من الديوان المفرد، وفرّقها إمريات عشرات على الخاصكية، وصار لا يردّ من سأله فى شئ من الإقطاعات الثقال. ثم إن السلطان ابتدأ بتفرقة نفقة البيعة على الجند، وصار يفرّق فى كل جمعة طبقة، وسلسل الأمر فى التفرقة، حتى يطول الشرح فى ذلك، وهو يعتذر عن تحصيل المال، وقد صادر خوند أمّ الملك المؤيّد، وبرد بك صهر السلطان، وجماعة من حاشية الأشرف أينال. ولما رحل جانم من بلبيس، أذن السلطان للأمراء الذين (٢) كانوا بالقلعة أن ينزلوا إلى دورهم، وكذلك القضاة الأربعة؛ واستمرّ الخليفة من يومئذ مقيما بالقلعة لم ينزل إلى المدينة، وصارت هذه عادة من بعده على الخلفاء؛ ثم إن السلطان رتّب للخليفة فى كل يوم من السماط: خمسة أطيار دجاج، ورأس غنم، ومن السكر رطلين، ومن البطيخ حبّة، واستمرّ ذلك فى مدّة الظاهر خشقدم كلّها إلى أن مات. وفيه قرّر خاير بك القصر روى فى نيابة غزّة، عوضا عن برد بك، بحكم صرفه عنها. - وفيه رسم السلطان بالإفراج عن الملك العزيز يوسف بن الأشرف برسباى، وكذلك الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق؛ ورسم بالإفراج عن قانى باى

стр. 1825

الجركسى؛ ورسم للملك العزيز، والملك المنصور، أن يسكنا فى أى دار شاءا من الإسكندرية، وأن يركبا إلى صلاة الجمعة والعيدين، وبعث إليهما بالخلع والمراكيب، ورسم لقانى باى الجركسى، بأن يتوجّه إلى ثغر دمياط، ويقيم به من غير سجن، ويركب إلى الجامع، وإلى حيث يشاء؛ ثم إن المؤيّد أحمد سعى بمال حتى فكّ القيد من رجله، واستمرّ فى السجن بالإسكندرية إلى أن يأتى الكلام على ذلك. وفيه قرّر السلطان على الأمير برد بك الدوادار الثانى، صهر الأشرف أينال، مائة ألف دينار، يردّها إلى الخزائن الشريفة، فأظهر العجز فى ذلك، وأنّه فقير بالنسبة إلى بقيّة الأمراء؛ ثم فى أثناء ذلك ظهر له وديعة عند شخص، يقال له الشيخ عيسى المغربى، ثلاثين ألف دينار؛ فلما ظهر له ذلك حنق السلطان من برد بك، وطلبه وسجنه بالقلعة، حتى يردّ ما قرّر عليه، وهو المائة ألف دينار. - وفيه أعيد زين الدين إلى الأستادارية، وصرف عنها مجد الدين بن البقرى. - وفيه قدم الأمير تمربغا الظاهرى من مكّة، وكان منفيّا بها، فلما قدم أكرمه السلطان، وأخلع عليه. وفيه قرئ تقليد السلطان بالقصر على العادة، وحضر الخليفة، والقضاة الأربعة، والأمراء، على جارى العادة. - وفيه أخلع السلطان على القاضى شرف الدين موسى الأنصارى، وقرّر فى نظر الخاص، عوضا عن عبد الرحمن بن الكويز، بحكم اختفائه. - وفيه أعيد إلى قضاء الشافعية القاضى شرف الدين يحيى المناوى، وصرف عنها علم الدين صالح البلقينى. وفيه شفع جانى بك نائب جدّه فى برد بك صهر السلطان، وأورد الثلاثين ألف دينار، التى كانت له عند الشيخ عيسى المغربى، وحلف أنه لا يملك غيرها، فأفرج عنه من الترسيم، ونزل إلى داره. - وفيه أوردت خوند زينب أمّ الملك المؤيد أحمد، مما قرّر عليها من المال، خمسين ألف دينار، وكانت فى التوكيل بها. - وفيه جاءت الأخبار بوصول جانم نائب الشام إليها، ونزل بدار السعادة، وقد بدا منه إظهار العصيان. وفى ذى القعدة، خرجت تجريدة إلى البحيرة، وكان باش العسكر برسباى

стр. 1826

البجاسى، أمير آخور كبير، وبيبرس خال العزيز، رأس نوبة النوب، وجماعة من المماليك السلطانية. - وفيه أخلع السلطان على الشرفى يحيى بن حجّى، وقرّر فى نظر الجيش، وصرف عنها الزينى بن مزهر، وكان الشرفى يحيى بن حجّى من خيار الناس فى العلم والدين والخير والكرم، وفيه يقول الشهاب المنصورى: تودّ ركاب آمالى رحيلا … إلى بحر من الكرماء لجّى فقلت لها عليك ببيت يحيى … فزوريه وبيت أبيه حجّى وفيه يقول أيضا: أبرمت يادنيا أمورا بعضها … بخل الورى والبخل شرّ مسلك فعظّمى يحيى الفتى فإنما … يحيى جواد حيث حلّ برمكى وفيه انتهت تفرقة نفقة البيعة، وقد بلغ قدرها ما يزيد على ستمائة ألف دينار. - وفيه كان وفاء النيل المبارك، فلما أوفى (١) نزل الأتابكى جرباش كرت، وفتح السدّ على العادة، وكان يوما مشهودا. - وفيه قرّر فى الزمامية، والخازندارية، الطواشى جوهر التركمانى، عوضا عن لؤلؤ الأشرفى، بحكم صرفه عنها. وفيه توفّى الشيخ جمال الدين بن جماعة، خطيب بيت المقدس، وكان من أهل العلم والفضل، من أعيان الشافعية بالقدس. - وتوفّى تاج الدين عبد الوهاب ابن نصر الله الخطير القبطى الأسلمى، وكان من أعيان الكتبة، عارفا بصنعة المباشرة، ولى مباشرة الذخيرة غير ما مرّة، وكان محمود السيرة. - وفيه توفّى الشيخ ولى الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عمر بن سلمان البلقينى الكنانى الشافعى، وكان عالما فاضلا، واعظا خطيبا، ولى عدّة تداريس، وناب فى الحكم، وولى القضاء بدمشق، ومولده سنة أربع عشرة وثمانمائة. وفى ذى الحجّة، قبض السلطان على ناظر الخاص عبد الرحمن بن الكويز، وسلّمه إلى قانم التاجر ليستخلص منه مالا، وقد قرّر عليه نحوا من ثلاثين ألف دينار. - وفيه جاءت الأخبار بأن إياس الطويل نائب طرابلس، قد توجّه نجدة إلى صاحب

стр. 1827

قبرص (١)، وأن الفرنج قد تحرّكت عليه، فاهتمّ السلطان بخروج تجريدة من مصر إلى قبرص (١). - وفيه توفّى الشيخ الصالح المعتقد المجذوب سيدى أحمد خروف، رحمة الله عليه، وهو أحمد بن خضر بن سليمان السطوحى، وكان من بيت صلاح أصله، وظهر له كرامات خارقة. وفيه، فى يوم عيد النحر، صلّى السلطان صلاة العيد، وخرج من الجامع، وتوجّه إلى الإيوان، ونحر الضحايا هناك على العادة القديمة، وكان الأشرف أينال أبطل ذلك، وصار ينحر الضحايا بالحوش، خوفا من شرّ مماليكه كما تقدّم. - وفيه توفّيت الستّ خديجة بنت الأتابكى جرباش كرت، من خوند شقرا ابنة الناصر فرج، وقد ماتت نفساء، وكان موتها يوم عرس أختها على خاير بك المصارع، فانقلب ذلك الفرح بالعزاء، فتوجّه الأتابكى جرباش إلى التربة، بسبب مأتم ابنته. فبينما هم على ذلك، وإذا بالمماليك الأشرفية، والأينالية؛ قد وثبوا على السلطان، فلما ركبوا توجّهوا إلى تربة الظاهر برقوق، بسبب الأتابكى جرباش، وكان مقيما هناك لأجل مأتم ابنته التى ماتت، فلما أحسّ بهم اختفى فى فسقية الموتى، فقبضوا المماليك على ولده سيدى محمد، وهدّدوه بالقتل، فدلّهم عليه، فأتوا إليه وأخرجوه من الفسقية، وأركبوه غصبا على كره منه، من تربة الظاهر برقوق، وتوجّهوا به إلى باب النصر، ورفعوا على رأسه سنجق (٢)، ولقّبوه بالملك الناصر، وكثر الدعاء له بالنصر من العوام وغيرها، واستمرّ على ذلك، وشقّ من القاهرة، ودخل من باب زويلة، حتى أتى إلى دار قوصون (٣) التى عند حدرة البقر؛ فعند ذلك اشتدّت الفتنة، وكثر الاضطراب، فجلس بالمقعد الذى بدار قوصون، وصاروا الأشرفية، والأينالية، [يقاتلون قتالا هيّنا] (٤)، وقد بنوا على غير أساس، وصاروا لا رأى ولا تدبير؛

стр. 1828

فلما رأى الأتابكى جرباش هذه الأحوال الفاسدة، أخذ فى أسباب الهروب. ثم إن الظاهرية، والمؤيدية، طلعوا إلى القلعة أفواجا، وقويت شوكة (١) الظاهر خشقدم؛ ونزل إلى باب السلسلة، وجلس فى المقعد المطلّ على سوق الخيل، وقد ظهرت الكسرة على الأشرفية. ثم إنّ السلطان بعث خلف الأتابكى جرباش مع بعض الخاصكية، فطلع إلى القلعة وقت الظهر، فلما قابل السلطان باس له الأرض، وشرع يعتذر إليه مما جرى له مع المماليك، فقال له السلطان: «لا بأس عليك»؛ وقيل لما طلع الأتابكى جرباش إلى القلعة، عبث عليه الأمير جانى بك نائب جدّة، فقال له: «خش كلدن ملك ناصر»، فلم يردّ عليه الجواب. فلما طلع الأتابكى جرباش إلى القلعة، نزلوا المماليك الظاهرية، واتّقعوا مع المماليك الأشرفية فى الرملة، وزحفوا عليهم إلى الصليبة، فلم تكن إلاّ ساعة يسيرة، وقد ولّوا المماليك الأشرفية منهزمين، وتشتّتوا أجمعين، فعند ذلك توجّهوا جماعة من المماليك الظاهرية إلى بيت سنقر قرق شبق (٢) الزردكاش، فهبوا كل ما فيه وأحرقوه، ثم خمدت هذه الفتنة، وتوجّه كلّ منهم إلى داره، ونزل الأتابكى جرباش إلى داره، وقلع المماليك لامة الحرب، وتغافل السلطان عن هذه الواقعة، حتى كان من أمر الأشرفية ما سنذكره فى موضعه، ثم قبض على جماعة من أعيانهم، وسجنهم بثغر الإسكندرية. ثم بعد أيام عمل السلطان الموكب بالقصر وبات به، فلما طلعت الأمراء إلى القلعة للخدمة وباتوا بها، فلما صلّى السلطان العشاء وتحوّل، دخل جماعة من المماليك الظاهرية على الأمراء وهم بالقصر، فقبضوا على جماعة من الأمراء الأشرفية، وهم: جانى بك الظريف، وجانى بك المشد، وبيبرس خال العزيز، وغير ذلك من الأمراء الأشرفية، نحوا من اثنى عشر (٣) أميرا من مقدّمين ألوف (٤)، وعشرات.

стр. 1829

وكانوا المماليك الظاهرية لما دخلوا على الأمراء (١) بالقصر، لبسوا خوذا وزرديات، وبأيديهم قسىّ ونشاب، وسيوف مسلولة؛ قيل لما أرادوا أن يقبضوا على جانى بك الظريف، هاش عليهم بالسيف، فتكاثروا عليه ومسكوه، ولم يفد من شجاعته شيئا، فلما قبضوا على الأمراء، قيّدوهم تحت الليل؛ فلما طلع النهار، نزلوا بهم من القلعة وهم فى قيود، فتوجّهوا بهم إلى ساحل بولاق، وانحدروا بهم إلى ثغر الإسكندرية، فسجنوا بها: فلما خمدت هذه الفتنة، وسكن الاضطراب، عمل السلطان الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: تمربغا مملوك الظاهر جقمق، وقرّر رأس نوبة النوب، عوضا عن بيبرس خال العزيز؛ وقرّر فى الدوادارية الثانية، جانى بك كوهيه الإسماعيلى المؤيّدى، عوضا عن جانى بك الظريف؛ وأنعم على قنبك المحمودى المؤيّدى، بتقدمة ألف، وكان قد حضر من دمشق. وفيه جاءت الأخبار بوفاة (٢) المعتصم أحمد، صاحب تلمسان، وكان محمود السيرة، تولّى على تلمسان مدّة طويلة، ثم ثار عليه محمد بن أبى ثابت وحاربه، فملك منه تلمسان، ففرّ أحمد المعتصم إلى الأندلس، ثم عاد إلى تلمسان وقد أنجده صاحب غرناطة، فانتصر على محمد بن أبى ثابت، وآخر الأمر مات فجأة، وقيل إنه مات مسموما. وفيه جاءت الأخبار بوقوع فتنة كبيرة، بين محمد بن عثمان، ملك الروم، وبين حسن بك الطويل، صاحب ديار بكر. - وفيه توفّى العلاّمة أبو الفضل محمد المغربى المالكى، وكان من أعيان المالكية. - وتوفّى خاير بك النوروزى، نائب صفد، وكان لا بأس به. - وخرجت هذه السنة، وقد وقع فيها أمور شتى، من ولاية وعزل وتغيير سلاطين وأمراء، ووقوع فتن بين الأتراك، وغير ذلك.

стр. 1830

ثم دخلت سنة ست وستين وثمانمائة فيها فى المحرم، جاءت الأخبار بوصول إياس الطويل، نائب طرابلس، وقد حضر من قبرص (١) إلى دمياط، فلما بلغ السلطان ذلك تغيّر خاطره على إياس الطويل، لكون أنّه حضر من غير إذن من السلطان، فبعث إليه قايتباى المحمودى، شاد الشراب خاناه، فقبض عليه وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، فسجن بها. - وفيه رسم السلطان بنفى خاير بك الفهلوان إلى البلاد الشامية، هو وقانم الصغير. وفيه خرجت تجريدة إلى الوجه القبلى، صحبة سليمان بن عمر، وقد ولى إمرة هوّارة، وكان باش العسكر جكم خال العزيز الأشرفى، ومعه مغلباى الأشرفى، وأيدكى. - وفيه أخلع السلطان على طوخ الأبوبكرى المؤيّدى، وقرّره فى الزردكاشية، عوضا عن سنقر قرق شبق؛ وأخلع على سودون الأفرم الظاهرى، وقرّره فى الخازندارية الكبرى، عوضا عن قانم الصغير. وفيه قرّر قراجا العمرى الناصرى، فى تقدمة ألف بدمشق؛ وقرّر فى الرأس نوبة الثانية، تنم الحسنى المؤيّدى، عوضا عن قراجا العمرى، بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف بدمشق. - وفيه قرّر فى نيابة طرابلس برسباى البجاسى، أمير آخور كبير؛ وقرّر فى الأمير آخورية الكبرى، يلباى الأينالى المؤيّدى؛ وقرّر فى حجوبية الحجّاب، برد بك البجمقدار الظاهرى؛ وقرّر فى تقدمة برسباى البجاسى، قنبك المحمودى؛ وقرّر فى تقدمة قنبك المحمودى، تمرباى ططر. وفيه قرّر علاى الدين بن الصابونى الدمشقى، فى نظر الاصطبل (٢)، وأضيف إليه نظر الأوقاف أيضا، وكان هذا أول ظهور ابن الصابونى بمصر. - وفيه خرجت التجريدة المعيّنة إلى قبرص (١). وفى صفر، توفّى شيخ عربان الشرقية بيبرس بن أحمد بن بقر، وكان جوادا

стр. 1831

كريما محمود السيرة، ومولده على رأس قرن الثمانمائة. - وفيه أعيد زين الدين أبو بكر بن مزهر إلى نظر الجيش، وصرف عنها يحيى بن حجّى. - وفيه جاءت الأخبار بأن تمراز الأشرفى، الذى قرّر فى نيابة صفد، قد فرّ منها ولا يعلم له خبر، وكان تمراز قد أحسّ بالقبض عليه. وفيه حضر تنم من عبد الرزاق المؤيّدى، وكان منفيّا بدمياط، فحضر ليلى نيابة الشام، عوضا عن جانم. - وفيه عيّن تنم رصاص، وجماعة من الخاصكية صحبته، ليتوجّهوا إلى الشام، ويقبضوا على جانم نائب الشام. - وفيه قدم جانى بك الأبلق من قبرص (١)، وعليه خلعة من جاكم صاحب قبرص (١)، وصحبته تقدمة للسلطان من عند جاكم. - وفيه قرّر فى نيابة صفد، جانى بك الناصرى، حاجب الحجّاب بدمشق، عوضا عن تمراز الأشرفى. وفى ربيع الأول، قدم أزدمر الإبراهيمى، وقرقماس أحد الخاصكية، وكانا قد توجّها صحبة تنم رصاص المحتسب إلى الشام، بسبب القبض على جانم، فأخبرا بأن جانم نائب الشام، لما أحسّ بالقبض عليه، خرج من دمشق على جرائد الخيل هاربا، ومعه جماعة من مماليكه، فقيل إنه توجّه إلى نحو ديار بكر؛ فلما بلغ السلطان ذلك تشوّش فى الباطن، وشقّ ذلك عليه؛ قيل إن السلطان أرسل إلى نائب قلعة الشام، بأن يقبض على جانم النائب بها، فبينما هو جالس بدار السعادة، فرمى عليه نائب القلعة بالنشاب، فجاءت نشّابة فى المخدّة التى خلفه، فقام جانم وهرب، وخرج من الشام على جرائد الخيل فارّا. وفيه عمل السلطان المولد النبوى، وكان مولدا حافلا، وهو أول موالده فى السلطنة. - وفيه ركب السلطان، ونزل من القلعة، وتوجّه إلى بيت تنم، وسلّم عليه، ثم عاد إلى القلعة سريعا. - وفيه، بعد أيام، نزل أيضا السلطان وتوجّه إلى الصحراء، وكشف عن تربته التى أنشأها هناك؛ وأخلع على البدرى حسن بن الطولونى، معلّم المعلّمين؛ ثم توجّه من هناك إلى المطعم وجلس به، وألبس الأمراء الصوف؛ ثم دخل من باب النصر، وشقّ من القاهرة فى موكب حافل، وقدّامه الأمراء،

стр. 1832

وهذا أول مواكبه فى السلطنة، ومروره من القاهرة؛ فلما خرج من باب زويلة، ووصل إلى التبّانة، دخل إلى دار تانى بك المعلّم، ثم طلع إلى القلعة، وكان له يوم مشهود. وفى ربيع الآخر، أخلع السلطان على الشرفى يحيى بن الصنيعة، وقرّر فى الوزارة، عوضا عن العلاى على بن الأهناسى، بحكم أنه كان مسافرا فى الوجه القبلى، وأرسل السلطان بالقبض عليه، وأحضره إلى مصر وهو فى الحديد. - وفيه أخلع على الطواشى صندل الهندى، وقرّر فى نيابة تقدمة المماليك، وصرف عنها عنبر الطنبدى؛ وقرّر فى شادية الحوش، معروف اليشبكى. وفيه جاءت الأخبار بوفاة (١) جانى بك الجكمى، نائب ملطية؛ فلما مات، أخلع السلطان على أينال الأشقر، والى القاهرة، وقرّر فى نيابة ملطية، عوضا عن جانى بك الجكمى؛ وقرّر فى ولاية القاهرة، تمر من محمود شاه الظاهرى، عوضا عن أينال الأشقر. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة (١) قانى باى الجركسى الظاهرى، أمير آخور كبير كان، وكان مقيما بدمياط منفيّا، وكان أميرا جليلا، ديّنا خيّرا، شجاعا مقداما، وهو صاحب الجامع الذى بالرملة تجاه القلعة، ثم نقل إلى تربته المعروفة به، وكان لا بأس به. وفيه أخلع على شمس الدين محمد بن القوصونى، وقرّر فى رئاسة الطب. - وفيه توفّى الأمير تمرباى ططر من حمزة، أحد مقدّمين الألوف (٢) بمصر، وكان لا بأس به؛ فلما مات قرّر فى تقدمته برد بك هجين الظاهرى؛ وقرّر فى إمرة برد بك هجين، مغلباى طاز المؤيّدى؛ وقرّر فى إمرة مغلباى طاز، سودون الأفرم؛ وقرّر فى إمرة سودون الأفرم، يشبك الفقيه المؤيّدى. وفى جمادى الأولى، رسم السلطان للعسكر، بأن فى يوم الجامكية يصعدوا (٣) إلى القلعة، وهم بالشاش والقماش لقبض الجامكية، وأراد أن يمشى على النظام القديم،

стр. 1833

فدارت الطواشية على المماليك السلطانية، وأعلموهم بذلك، فما وافق العسكر على ذلك، وبطل تلك الإشاعة عن قريب. وفيه جاءت الأخبار، بأن الملك خلف الأيوبى، صاحب حصن كيفا، قد قتله ولده، فلما قتل ثار بنو عمّه (١) على ابن خلف المقتول، فقتلوه وملكوا منه حصن كيفا، فوقع بينهم خلف عظيم؛ فلما بلغ حسن الطويل ذلك، زحف عليهم، وحاربهم فملك منهم حصن كيفا، وكان هذا سببا لزوال دولة الأيوبية عن حصن كيفا، بعد ما ملكوا حصن كيفا نحوا من مائتى سنة وكسور، فمن يومئذ استولى حسن الطويل على حصن كيفا، وما حولها؛ وكان الملك خلف، الذى قتل، حسن السيرة، محبّبا للرعيّة، كثير العدل فيهم، وكان لا بأس به فى ملوك الشرق. وفيه قرّر فى نيابة قلعة دمشق، إبراهيم بن بيغوث، عوضا عن سودون قيدوره، بحكم تقدمته بدمشق. - وفيه خرج تنم من عبد الرزاق إلى الشام، وقد قرّره السلطان فى نيابة الشام، عند تسحّب جانم من دمشق، فخرج فى تجمّل زائد، وكان له يوم مشهود. - وفيه توفّى الشيخ نور الدين بن زين الدين القسطلانى، وكان من أعيان الحنفية. وفيه قدم قاصد حسن الطويل، وعلى يده مكاتبة، تتضمّن بأن جانم نائب الشام قد التجأ إليه مستشفعا به إلى السلطان، وكان هذا من جانم عين الخداع، إلى أن تقوى شوكته، ويلتفّ عليه التركمان. وفى جمادى الآخرة، قرّر فى نيابة الكرك، مبارك شاه من عبد الرحمن، عوضا عن تغرى بردى الأينالى. - وفيه خرج أينال الأشقر إلى السفر، وقد تقرّر فى نيابة ملطية كما تقدّم. - وفيه، فى خامس برموده من الشهور القبطية، حدث بالسماء رعد وبرق، ونزل عقيب ذلك صاعقة على مئذنة (٢) جامع أمير حسين فأحرقتها، وكان يوما مهولا. - وفيه أفرج عن الصاحب علاى الدين بن الأهناسى، بعد أن أورد مالا له صورة.

стр. 1834

وفى رجب، أدير المحمل على العادة، وساق الرمّاحة، وكان معلّم الرمّاحة الأمير قايتباى المحمودى، شاد الشراب خاناه. - وفيه عيّن السلطان تجريدة إلى الوجه القبلى، وكان باش التجريدة جانى بك قلق سيز. - وفيه، فى حادى عشرين برموده، لبس السلطان البياض، وذلك قبل أوانه بمدّة نحو شهر. - وفيه نزل السلطان وتوجّه إلى نحو تربته (١) التى أنشأها بالصحراء، فلما عاد دخل من باب النصر، وشقّ من القاهرة، ثم عاد إلى القلعة. وفى شعبان، قرّر فى نظر الاصطبل، ونظر الأوقاف، عبد القادر كاتب العليق؛ عوضا عن علاى الدين بن الصابونى، بحكم توجّهه إلى دمشق. - وفيه قرّر ألماس، دوادار السلطان بحلب، فسافر إليها. - وفيه خرجت خوند شكرباى الأحمدية، إلى زيارة سيدى أحمد البدوى عند مولده، فخرجت فى محفّة زركش، وحولها الطواشية وأعيان الناس، فزارت ورجعت، ولم يقع هذا لأحد من الخوندات قبلها. وفيه جاءت الأخبار بوفاة (٢) نائب حلب، أينال اليشبكى، وكان أصله من مماليك يشبك الجكمى، أمير آخور كبير، وكان لا بأس به؛ فلما صحّ موته، عيّن السلطان نيابة حلب إلى جانى بك التاجى، نائب حماة؛ ولم يولّ (٣) نيابة حلب لبرسباى البجاسى، نائب طرابلس، وكان أحقّ بها من غيره، فعدل السلطان عنه، وعيّن الأمير قايتباى المحمودى، شاد الشراب خاناه، وعلى يده التقليد لجانى بك التاجى، بنيابة حلب. وفى رمضان، عيّن السلطان نيابة حماة إلى جانى بك الناصرى، نائب صفد، عوضا عن جانى بك التّاجى؛ وعيّن نيابة صفد إلى خاير بك القصروى، نائب غزّة، عوضا عن جانى بك الناصرى؛ وقرّر فى نيابة غزّة شاد بك الصارمى، أتابك العساكر بحلب؛ وقرّر فى أتابكية حلب يشبك البجاسى، حاجب الحجّاب بها؛ وقرّر فى

стр. 1835

الحجوبية بها تغرى بردى من يونس، نائب قلعة حلب؛ وقرّر فى نيابة قلعتها إنسان من الجند، يقال له كمشبغا السيفى يخشباى، وقد سعى بمال له صورة. وفيه خسف جرم القمر، وأظلم الجو، واستمرّ على ذلك إلى قريب طلوع الفجر. - وفيه قويت بين الناس الإشاعات، بوقوع فتنة من الظاهرية، وقد مالوا إلى جانب جانى بك نائب جدّة، ثم سكن الاضطراب عن هذا المعنى. وفى شوال، توقّف النيل عن الزيادة فى مبتدأ الزيادة، واستمرّ على هذا التوقّف نحوا من أربعة عشر يوما، فحصل للناس القلق الشديد بسبب ذلك، وارتفع سعر الغلال، وتشحّطت منه السواحل، وتزاحم الناس على مشترى القمح، وصار كل يوم فى تزايد، وكل يوم يتوقّف عن الزيادة، يرتفع سعر الغلال، فهمّ السلطان بهدم المقياس، حتى لا يعلم الزيادة من النقص، فأشار عليه بعض الناس بالتثبّت فى ذلك. - ثم رسم السلطان للقضاة الأربعة بأن يتوجّهوا إلى المقياس ومعهم قراء البلد، وكان يومئذ القاضى الشافعى يحيى المناوى، والقاضى الحنفى سعد الدين الديرى، والقاضى المالكى السيد الشريف حسام الدين بن حريز، والقاضى الحنبلى عزّ الدين، فتوجّهوا إلى المقياس وأقاموا به ثلاثة أيّام، فلم يزد النيل شيئا، وفى ذلك يقول القائل: ولقد عهدت النيل سنيّا يرى … عمرا ويتبع أمره تسديدا والآن أضحى فى الوزى متشيّعا … متوقّفا ما أن يحبّ يزيدا وقد قيل: للنيل أكبر آية … لا يدّعيها مدّعى كم ذا تقيس له الذراع … وما ينحنى عمّا جاء أصبع (١) فلما رجعوا إلى دورهم، صار تمر والى القاهرة يكبس أماكن المفترجات، ويكفّ الناس عن المعاصى. - ثم فى يوم الجمعة كبس بولاق، فوجد بها خياما كثيرة، فمسك من بها من الناس، وكان من جملتهم ابن قاضى القضاة شمس الدين القاياتى، فى خيمة هناك هو وعياله، على هيئة مرضية، فقبضوا عليه، وأركبوه على حمار،

стр. 1836

وشقّوا به من القاهرة، مع جملة من شهر من رجال ونساء، والمشاعلية تنادى عليهم، فشقّ ذلك على القضاة ومشايخ العلم، وكادت أن تنتشى من ذلك فتنة كبيرة، ودخلوا مشايخ العلم إلى بيت تمر الوالى، وهو جالس فى مقعده، فبهدلوه بالكلام الفاحش، حتى صار يتدارى منهم بالسكوت؛ فلما بلغ السلطان ذلك وبّخ تمر الوالى بالكلام، ثم أصلح بينه وبين ابن القاياتى، واستمرّ النيل فى توقّف. ثم إن السلطان بعث إلى الشيخ أمين الدين الآقصراى يستفتيه فى أمر النيل، فأشار الشيخ أمين الدين، بأن تجمع بنو العباس (١)، من كبير وصغير، ويضعون فى أفواههم شيئا من الماء، ثم يمجّونه فى إناء، ويصبّونه فى فسقيّة المقياس؛ فرسم السلطان لبنى العباس بذلك، فاجتمعوا عند العزّى عبد العزيز بن أخى (٢) الخليفة، وكان ساكنا بمصر العتيقة على البحر، وفعلوا ما قاله الشيخ أمين الدين الآقصراى، وصبّوا ذلك الماء فى فسقيّة المقياس، فما عن قريب حتى زاد، واستمرّت الزيادة حتى أوفى (٣)؛ ثم إن قاضى القضاة علم الدين (٤) صالح البلقينى؛ توجّه إلى المقياس للاستسقاء، وأقام به أياما، فزاد النيل أصبعين، فلما طلع ابن أبى الرداد وبشّر السلطان بذلك، فألبسه سلارى صوف بسنجاب من ملابيسه. ثم إن القاضى علم الدين البلقينى رجع من المقياس، وشقّ من القاهرة، وقدّامه رايات زعفران، وانطلقت له النساء من الطبقات بالزغاريت، وتفاءلوا بتوجّهه إلى

стр. 1837

المقياس، وكان منفصلا عن القضاء، فعاد إليها عن قريب؛ فلما وقع ذلك من أمر الزيادة لما توجّه القاضى علم الدين إلى المقياس، وزاد النيل بقدومه، فشقّ ذلك على قاضى القضاة يحيى المناوى، كونه توجّه إلى المقياس ولم يزد النيل شيئا؛ ثم صارت الزيادة عمّالة إلى أن أوفى (١) فى أواخر مسرى؛ وأعان الله تعالى ومنّ على الناس بالوفاء؛ وفى ذلك يقول الشيخ جلال الدين الأسيوطى: عاتبت هذا النيل فى ترك الوفا … فأجابنى حالا بغير توقّف سأفى وإن خانوا وأصفح عنهم … ما كدت أفسده ومثلى من يف وقال آخر: سدّ الخليج بكسره جبر الورى … طرّا فكلّ قد غدا مسرورا البحر سلطان فكيف تواترت … عنه البشائر إذ غدا مكسورا وفى المعنى: لو نطق النيل قال قولا … يشفى به غاية الشفا قد كثر الغدر فاعذرونى … لما توقّفت فى الوفا وفيه خرج الحاج من القاهرة فى تجمّل زايد، وكان أمير ركب المحمل برد بك البجمقدار، وأمير ركب الأول الناصرى محمد بن الأتابكى جرباش كرت؛ ورسم السلطان للأمير برد بك، صهر الأشرف أينال، بأن يخرج صحبة (٢) الحاج، ويقيم بمكّة منفيّا بها. - وفيه خرجت تجريدة إلى جهة البحيرة، وكان بها من الأمراء المقدّمين: الأمير قرقماس الجلب أمير سلاح، وبرد بك هجين، ويشبك الفقيه؛ ومن الأمراء الطبلخانات: خشكلدى القوامى، وتنم الحسنى، وغير ذلك من الأمراء العشرات والجند. وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن جانم نائب الشام، قد عدّى من الفرات (٣)

стр. 1838

فى جموع وافرة، وهو قاصد للأعمال الحلبية، وقد وصل إلى تلّ باشر، وأنّ نائب حلب تهيّأ لقتاله؛ فلما بلغ السلطان ذلك، اضطربت أحواله، وعيّن تجريدة إلى حلب، وعيّن بها من الأمراء المقدّمين: جانى بك نائب جدّة، أمير دوادار كبير، وعيّن يلباى، أمير آخور كبير، وعيّن أزبك من ططخ، وعيّن جانى بك قلق سيز؛ وعيّن جماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات؛ ومن العشرات نحوا من ثلاثة عشر أميرا؛ وعيّن من المماليك السلطانية نحوا من ستمائة مملوك (١)، وأخذ فى أسباب تفرقة (٢) النفقة عليهم. فبينماهم على ذلك، إذ جاءت الأخبار، بأن جانم عاد من حيث أتى، وقد وقع بينه وبين عسكره من التركمان الذين (٣) جمعهم، غاية الخلف، وقد ثاروا عليه، وقصدوا قتله، فعند ذلك رجع وعدّى من الفرات (٤)؛ فلما تحقّق السلطان صحّة هذا الخبر، بطلت التجريدة، ودقّت البشائر بالقلعة، وعلى أبواب الأمراء. وفيه أخلع على القاضى محب الدين بن الشحنة، وقرّر فى قضاء الحنفية، عوضا عن سعد الدين الديرى، بحكم استعفائه من القضاء؛ وأخلع على القاضى برهان الدين ابن الديرى، أخى قاضى القضاة سعد الدين، وقرّر فى كتابة السرّ بمصر، عوضا عن محب الدين بن الشحنة، وقيل إنّه سعى فى كتابة السرّ، حتى وليها، بثمانية آلاف دينار، ويا ليته لا سعى. وفيه أخلع على نور الدين بن الإنبابى، وقرّر فى نيابة كتابة السرّ، عوضا عن لسان الدين حفيد ابن محب الدين بن الشحنة. - وفيه قرّر فى نيابة دمياط حسن البلوى الحصنى، وصرف عنها محمد بن كزل بغا العيساوى. - وفيه نزل السلطان من القلعة، ودخل إلى دار الأمير تمربغا رأس نوبة النوب، ثم خرج من عنده ودخل إلى دار قانى بك المحمودى، وكان حصل له رمد فعاده؛ ثم رجع إلى القلعة

стр. 1839

وشقّ من الصليبة، فلما شقّ من الصليبة، ضجّ له الناس بالدعاء، وشكوا له من ظلم تنم رصاص المحتسب، فسمع ذلك وسكت، لأجل جانى بك نائب جدّة. وفى ذى القعدة، فى يوم السبت رابعه، ماتت بنت خوند الأحمدية، وهى والدة الشهابى أحمد بن عبد الرحيم العينى، وكانت ربيبة (١) السلطان، فى مقام ابنته، فلما ماتت صلّوا عليها بالقلعة، ونزل معها الأمير جانى بك نائب جدّة، أمير دوادار، وجماعة من الأمراء، والقاضى كاتب السرّ برهان الدين بن الديرى، واستمرّوا معها إلى تربة السلطان التى أنشأها. فلما رجعوا من التربة ترافق كاتب السرّ مع الأمير جانى بك نائب جدّة فى الطريق، فخلط كاتب السرّ مع الأمير جانى بك فى الكلام، وكان برهان الدين ابن الديرى عنده بعض خفّة ورهج، فقال للأمير جانى بك: «هذه الميّتة خرجت من القلعة يوم السبت، ولا بدّ ما يعقبها أحد كبير، وأظنه السلطان»، فأسرّ الأمير جانى بك هذا الكلام فى نفسه، وكانت هذه الكلمة سببا لعزل ابن الديرى من كتابة السرّ؛ فلما طلع الأمير جانى بك إلى السلطان، نقل له ما قاله ابن الديرى: «وأظن ما يعقب هذه الميّتة إلاّ السلطان، كونها خرجت من عندهم يوم السبت». فلما طلع ابن الديرى يوم الأحد إلى العلامة، استقبله السلطان، وقال له: «يا قاضى، فى أى حديث ورد عن النبى، ﷺ ، أنّ الميّت إذا أخرج من عند أحد يوم السبت، يعقبه أحد كبير»؟ فذاق ابن الديرى هذا الكلام، وعلم أن ناقله الأمير جانى بك، فسكت ولم يردّ الجواب عن ذلك، ثم إن السلطان قال له: «الزم بيتك، ولا تبقى (٢) ترينى وجهك»، فنزل إلى بيته معزولا؛ وكانت مدّة إقامته فى كتابة السرّ خمسة عشر يوما، وقد سعى فيها بثمانية آلاف دينار، فخسر ذلك بكلمة، وهذا آفة الكلام فى غير مستحقّه، وقد نهى بعض الحكماء عن كثرة (٣) الكلام من غير فائدة، وقد قال بعضهم:

стр. 1840

أقلل كلامك واستعذ من شرّه … إن البلاء ببعضه مقرون واحفظ لسانك واحترز من غيّه … حتى تكون كأنه مسجون وقال آخر: أنت من الصمت آمن الزلل … ومن كثير الكلام فى وجل لا تقل القول ثم تتبعه … يا ليت ما كنت قلت لم أقل وقال آخر: العقل زين والسكوت سلامة … فإذا نطقت فلا تكن مكثارا ما أن ندمت على سكوتى مرّة … ولقد ندمت على الكلام مرارا وقال آخر: إن كان من فضّة كلامك يا … نفس فإن السكوت من ذهب وقد قيل: الباز تحمله الملوك لصمته … ولصوته يؤذى الهزار ويحبس وفيه كان وفاء النيل المقدّم ذكر ذلك، ونزل الأمير قانم التاجر، أمير مجلس، وفتح السدّ على العادة، وكان له يوم مشهود، وكان الوفاء ثامن عشر مسرى. - وفيه أخلع السلطان على الزينى أبى بكر بن مزهر، وقرّر فى كتابة السرّ، عوضا عن برهان الدين بن الديرى؛ وقرّر فى نظر الجيش تاج الدين بن المقسى، عوضا عن ابن مزهر. وفى ذى الحجة، جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية بوفاة (١) الناصرى محمد بن الملك الأشرف أينال، أخو الملك المؤيّد أحمد، فلما مات نقلت جثته إلى القاهرة، ودفن على أبيه، وكان له من العمر لما مات تسع عشرة (٢) سنة، وكان أيام أبيه بيده تقدمة ألف، وكان شابا عاقلا حشما رئيسا، لا بأس به. وفيه ورد من مدينة تونس بالغرب، صفة استفتاء فى امرأة ولدت مولودا، نصفه

стр. 1841

آدمى، ونصفه الآخر صفة حيّة، فماتت أم هذا المولود عقيب وضعه وتركته حيّا، فهل يرث من أمه شيئا، مع وجود أبيه وأخيه، أم لا؟ فأفتى بعض علماء مصر: إن كان صفة الحيّة من جهة رأسه، فلا ميراث له، وإن كان من جهة الأسفل، فله الميراث. - وفيه توعّك السلطان فى جسده، وانقطع عن الخدمة أياما، ثم شفى وجلس على الدكّة على العادة، وحكم بين الناس، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة سبع وستين وثمانمائة فيها فى المحرم، طلع قضاة القضاة، ومشايخ العلم، وهنّوا السلطان بالعام الجديد، وبعافيته، وضربت البشائر فى ذلك اليوم بالقلعة، وتخلّق الطواشية بالزعفران. - وفيه، فى تاسع عشره، دخل الحاج فى الركب الأول، ثم فى عشرينه، دخل المحمل، فعدّ ذلك من النوادر، كونه دخل فى تاسع عشر المحرم، وسبق أوائل الحاج فى ثامن عشره. وفيه نزل السلطان وتوجّه إلى المطعم، وألبس الأمراء الصوف، ودخل من باب النصر، وشقّ من القاهرة، وكان له يوم مشهود. - وفيه رسم السلطان بسجن سنقر قرق شبق، الزردكاش، بقلعة صفد، بعد أن كان قد رسم له بأن يتوجّه إلى مكّة. وفى صفر، قرّر مجد الدين بن منقورة الأسلمى، فى نظر الدولة، فأقام بها ثلاثة أيام، وقبض عليه السلطان، وضربه بالحوش، وقرّر عليه ستة آلاف دينار، وسلّمه إلى والى الشرطة وهو فى الحديد. - وفيه أخلع السلطان على الصاحب علاى الدين بن الأهناسى، وأعاده إلى الوزارة، عوضا عن يحيى بن الصنيعة، وقرّره أيضا فى نظر الخاص، عوضا عن شرف الدين الأنصارى، فاستقرّ فى الوظيفتين فى شهر واحد، وكانت هذه آخر ولاياته ومنتهى سعده. وقرّر فى وكالة بيت المال، ونظر الجوالى، علاى الدين بن الصابونى، عوضا عن شرف الدين الأنصارى، وقد رسم السلطان عليه بالبحرة، وقرّر عليه مال. - وفيه قرّر فى نظر البيمارستان ابن الصابونى أيضا، عوضا عن ابن مزاحم. -

стр. 1842

وفيه قرّر فى إمرة هوازة يونس بن إسماعيل بن عمر، وصرف سليمان. وفى ربيع الأول، أخلع السلطان على علم الدين أبى الفضل بن جلود القبطى، وقرّر فى كتابة المماليك. - وفيه كانت وفاة (١) شيخ الإسلام، علاّمة عصره، قاضى القضاة سعد الدين سعد الديرى الحنفى، رحمة الله عليه، وهو سعد بن محمد بن عبد الله بن مفلح ابن أبى بكر بن سعد المقدسى الديرى الحنفى، وكان إماما عالما فاضلا، وارعا زاهدا، ماهرا فى الفقه والحديث والتفسير، وغير ذلك من العلوم، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وكان معظّما عند الملوك والسلاطين، ولى قضاء الحنفية مدّة طويلة، نحوا من أربعين سنة، وكذلك مشيخة الجامع المؤيّدى، وصنّف الكتب الجليلة فى العلوم النفيسة، ومولده فى رجب سنة ثمان وستين وسبعمائة، فمدّة حياته مائة سنة إلا عاما وبضعة شهور؛ ولما مات دفنه السلطان فى تربته تبرّكا به، ومات وهو منفصل عن القضاء، وقد رثاه الشهاب المنصورى بهذه الأبيات، فمنها قوله: دع الأيام تعجب والليالى … فظلّ نعيمهن إلى زوال قصارى عيشهن إلى فناء … وغاية أهلهن إلى انتقال تنكّرت المعارف فى عيانى … وتمييزى غدا فى سوء حال وما عوّضت من بذل وعطف … سوى توكيد سقمى واعتلالى ودائى ليس يشفيه دواء … وجرحى لا يؤول إلى اندمال لفقد السعد قد سهرت عيونى … فوا أسفا على طيف الخيال به الأيّام قد كانت قصارا … فويلى من لياليها الطوال وكان ذخيرتى فيها وكنزى … وكان هدايتى عند الضلال لقد درست دروس العلم حزنا … وقد ضلّ الجواب عن السؤال ودقّ الناس أبواب الفتاوى … وقد وصلوا إلى باب الصيال بكاك العلم حتى النحو أضحى … مع التضريف بعدك فى جدال

стр. 1843

وقد أضحى البديع بلا بيان … وقد سفلت معانيه العوالى بكت أوراقه بيض المواضى … دما ويراعه سمر العوالى وعين دواته عمشت وآلت … يمينا لا تداوى باكتحال فوا عجبا لجوهرة عليها … بكيت من المدامع باللآلى وقد عظمت رزيتنا فنبّه … لها عمرا ونم جنح الليالى فلا زالت ذوو الأقدار تلقى … من الأيام أنواع النكال وكم جنت المنون على كرام … وجندلت الكمىّ بلا قتال فيا قبرا ثوى فيه تهنّى … فقد حزت الجميل مع الجمال وقد غيّبت وجها كان أشهى … إلى الظامى من الماء الزلال رعاه الله غصنا أذكرتنى … شمائله نسيمات الشمال وحيّى (١) منزلا فيه اجتمعنا … وبالى فى أمان من وبالى سقاه الله عينا سلسبيلا … وأسبغ ما عليه من الظلال وبوّأه من الفردوس مثوى … ورقاه إلى الغرف العوال وفيه عمل السلطان المولد النبوى، وكان مولدا حافلا. - وفيه توفّى شاد بك الصارمى، نائب غزّة، وكان أصله من مماليك ابن المؤيّد شيخ، ورقى (٢) حتى بقى نائب غزّة، وكان لا بأس به. - وفيه اختفى زين الدين الأستادار؛ فأراد السلطان أن يولّى منصور بن الصفى، فامتنع من ذلك، فأخلع السلطان على قاسم الكاشف، وقرّره فى الأستادارية، عوضا عن زين الدين. وفيه جاءت الأخبار، بأن جانم نائب الشام قد قتل بالرها، على يد بعض مماليكه، وقد تحيّل جانى بك التاجى، نائب حلب، فى قتله، حتى قتل بغتة على يد بعض مماليكه؛ وكان أصل جانم هذا من مماليك الأشرف برسباى، وكان يعرف بجانم المكحل، وكان رئيسا حشما، ديّنا خيّرا، شجاعا بطلا، ولكن كان عنده خفّة ورهج، وحدّة مزاج مع طيش، وولى عدّة وظائف جليلة، منها: الأمير آخورية

стр. 1844

الكبرى بمصر، ونيابة حلب، ونيابة دمشق؛ وكان ترشّح أمره إلى السلطنة ولم يتمّ له ذلك، وقد تقدّمت أخباره بما جرى عليه من عصيانه، وما كان سبب ذلك. وفيه جاءت الأخبار، بأن عثمان، صاحب تونس، قد انتصر على ابن أبى ثابت، صاحب تلمسان، وضربت السكة باسمه، وأقيمت الخطبة باسمه أيضا، وقد قبض على محمد بن أبى ثابت، صاحب تلمسان، بعد ذلك وسجنه. - وفيه توفّى الشيخ زين الدين ماهر بن عبد الله الأنصارى الشافعى، وكان من أهل العلم والفضل، لا بأس به. وفى ربيع الآخر، خرجت التجريدة المعيّنة إلى قبرص (١)، وكان باش العسكر الأمير برد بك البجمقدار، حاجب الحجّاب، والأمير جانى بك قلقسيز، ومن الأمراء العشرات جماعة كثيرة؛ فبعث السلطان للأمير برد بك البجمقدار نفقة خمسة آلاف دينار، وللأمير جانى بك قلقسيز ثلاثة آلاف دينار، ولكل أمير عشرة مائتى دينار، ولكل مملوك من مماليك السلطان خمسة عشر دينارا، وخرجوا وتوجّهوا من البحر الملح. وفيه قرّر فى نيابة ملطية يشبك البجاسى، أتابك حلب، عوضا عن أينال الأشقر؛ وقرّر فى الأتابكية بحلب، أينال الأشقر. - وفيه توفّى الشيخ علاى الدين الغزّى، إمام السلطان، وكان لا بأس به. - وفيه خرجت خوند الأحمدية، زوجة السلطان، إلى زيارة سيدى أحمد البدوى، فخرجت فى محفّة كما تقدّم قبل ذلك. - وفيه ظهر زين الدين الأستادار، فأخلع عليه السلطان وقرّره فى الأستادارية، وصرف عنها قاسم الكاشف. - وفيه ولد للسلطان ولد ذكر من بعض سراريه. وفى جمادى الأولى، قرّر فى نيابة صفد بلاط اليشبكى، بمال سعى به؛ وقرّر خاير بك القصروى، فى تقدمة ألف بدمشق، عوضا عن يشبك المؤيّدى، وقرّر أوش قلق فى نيابة غزّة، عوضا عن شاد بك الصارمى، بحكم وفاته. - وفيه توفّى الأمير جانى بك البواب المؤيّدى، أحد الأمراء العشرات، وكان ديّنا خيّرا، لا بأس به.

стр. 1845

وفيه مرض الأتابكى جرباش كرت، فنزل السلطان وعاده، فقدّم إليه الأتابكى جرباش تقدمة حافلة، فقبل منها السلطان بعضها، وردّ الباقى. - وفيه صحّت الأخبار بموت جانم نائب الشام كما تقدّم، فدقّت البشائر لذلك بالقلعة، وفى بيوت الأمراء، فعدّ موت جانم من جملة سعد الظاهر خشقدم، ولو عاش جانم كدّر عيش الظاهر خشقدم، وأفسد البلاد الحلبية وخبّثها. وفى جمادى الآخرة، توفّيت خوند عائشة ابنة الملك الظاهر جقمق، وهى زوجة (١) الأمير أزبك من ططخ، من خوند مغل بنت البارزى، أخرجت فى بشخانه زركش، ونزل السلطان وصلّى عليها بسبيل المؤمنى، وكانت جنازتها حافلة، ودفنت عند أبيها بتربة قانى باى الجركسى. وفى رجب، كان دوران المحمل على العادة، ومعلّم الرمّاحة الأمير قايتباى المحمودى، شاد الشراب خاناه. - وفيه قرّر جكم الأشرفى خال العزيز، فى نيابة غزّة، وبطل أمر شاد بك الجلبانى. - وفيه عجّل السلطان بلبس البياض بخلاف العادة، لأجل ضرب الكرة، وكان رمضان قد هجم وقرب الصوم. - وفيه وصلت تقدمة من عند تنم نائب الشام، وكانت تقدمة حافلة. - وفيه عيّن السلطان تجريدة إلى البحيرة، وكان باش العسكر الأمير جانى بك المرتد، أحد المقدّمين، والأمير قايتباى المحمودى، شاد الشراب خاناه، وجماعة من الأمراء العشرات، والجند، فتوجّهوا إلى هناك وأقاموا به مدّة، ثم عادوا. وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان، ومنعوا الناس من الطلوع إلى القلعة، وضربوا مقدّم المماليك، وهجموا على نائب القلعة، وكان هذا أول فساد الجلبان الخشقدمية. - وفيه جاءت الأخبار من مكّة بوقوع سيل عظيم، فهدم البيوت، ودخل الحرم، وأغرق مقام إبراهيم، ﵇، ووصل إلى قريب باب الكعبة، وكان أمرا مهولا. - وفيه توفّى أزبك المحمودى، أحد الأمراء العشرات، وكان من مماليك الأشرف برسباى.

стр. 1846

وفيه أخلع السلطان على البدرى حسن بن الصواف الحموى، وقرّر فى قضاء الحنفية بمصر، عوضا عن محب الدين بن الشحنة، وقد سعى ابن الصواف بمال جزيل حتى قرّر فى قضاء الحنفية. - وفيه توفّى الشيخ شمس الدين بن الجلال الشافعى، وكان فاضلا ذكيّا، عارفا بزمانه، ومولده سنة ست وسبعين وسبعمائة. وفى شعبان، توفّى الشيخ برهان الدين بن الميلق الشاذلى الشافعى، خطيب جامع ابن طولون، وكان عالما فاضلا، واعظا محدّثا، ديّنا خيّرا، ومولده سنة أربع وثمانين وسبعمائة. - وفيه كسفت الشمس كسوفا تاما، حتى أظلمت الدنيا، واستمرّت فى الكسوف نحوا من أربعين درجة. وفى رمضان، توفّى المسند عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمد الأسيوطى الشافعى، وكان عالما محدّثا لا بأس به. - وفيه قرّر فى تقدمة المماليك، مثقال البرهانى الظاهرى، وصرف عنها صندل. - وفيه توفّى الشيخ شمس الدين محمد بن الضياء العجمى الحلبى الشافعى، وكان ينسب إلى الكرابيسى، وكان الكرابيسى من أصحاب الإمام على ﵁، وكان تولّى قضاء الشافعية بحلب، ومولده سنة خمس وسبعين وسبعمائة. وفى شوال، إختفى (١) الصاحب علاى الدين بن الأهناسى، وكان عظم أمره فى هذه الولاية جدّا، ولا سيما جمع بين الوزارة، والخاص، فى وقت واحد. - وفيه أخلع السلطان على مجد الدين بن البقرى، وقرّر فى الوزارة، عوضا عن العلاى على بن الأهناسى؛ وقرّر تاج الدين بن المقسى فى نظر الخاص، عوضا عن ابن الأهناسى أيضا. وفيه خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير ركب المحمل برد بك البجمقدار، وأمير ركب الأول الشهابى أحمد بن الأتابكى تانى بك البردبكى. - وفيه أخلع السلطان على قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى، وأعيد إلى قضاء الشافعية، وصرف عنها يحيى المناوى، وهذه آخر ولايات علم الدين البلقينى، ومات عقيب ذلك بمدّة يسيرة.

стр. 1847

وفى ذى القعدة، كان وفاء النيل فى تاسع مسرى، فلما أوفى (١)، رسم السلطان للأمير جانى بك نائب جدّة بأن يكسر السدّ، ومعه الشهابى أحمد بن العينى، فتوجّها إلى المقياس، وخلقّا العمود بحضرتهما، ثم نزلا فى الحرّاقة، وفتحا السدّ على العادة، وكان لهما يوم مشهود. - وفيه قرّر فى نيابة الكرك حسن بن أيوب، وصرف عنها مبارك شاه. وفيه كان نهاية عمارة القبّة، التى أنشأها الأمير جانى بك نائب جدّة فى منشية المهرانى، فلما كملت عمارتها، عمل لها وليمة حافلة، فى ليلة الجمعة سادس عشرين هذا الشهر، وأوقد بها وقدة حافلة على شاطئ النيل، ونصب هناك صوارى، وعلّق بها قناديل؛ فلما أشيع ذلك بين الناس، جاءت الخلائق إلى هناك زمرا فى البرّ والبحر بسبب الفرجة، وتزاحمت هناك المراكب، وكانت ليلة حافلة، قلّ أن يقع مثلها فى الفرجة والقصف. وكان الأمير جانى بك عزم على السلطان خشقدم، بأن ينزل إليه، ويبات عنده فى القبّة، فأجابه السلطان خشقدم إلى ذلك، فلم يمكّنه (٢) جماعته من ذلك، وخيّلوه من جانى بك، فأرسل إليه ربيبه، الجناب الشهابى أحمد بن العينى، إلى القبّة تلك الليلة، فحضر، وحضر جماعة من أعيان الدولة، ما عدا الأمراء المقدّمين الألوف، فإنه لم يعزم عليهم، وقرأ فى تلك الليلة هناك ختمة، ومدّ أسمطة حافلة، وحضر قرّاء البلد جميعا؛ وحضر الريّس إبراهيم بن الجندى. المغنّى، وعلى بن رحاب المغنّى؛ فتعصّب الأمير جانى بك فى تلك الليلة لابن رحاب، على إبراهيم بن الجندى، وكان هذا أول شهرة ابن رحاب بالغناء (٣) من يومئذ. فبات ابن العينى عند الأمير جانى بك تلك الليلة، فلما أراد الانصراف من عنده، قدّم إليه تقدمة حافلة، ما بين خيول، وبين قماش، وغير ذلك؛ وهذا أول ظهور

стр. 1848

ابن العينى فى الرئاسة بمصر، وأطلق عليه: «سيدى ابن بنت السلطان»؛ فلما انقضت تلك الليلة، لهجوا الناس بأن هذه تمام سعد الأمير جانى بك، وكذا جرى، فكان بين تلك الوليمة وقتلته أربعة أيام، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه. فلما كان يوم الثلاثاء ثامن ذى الحجّة (١)، قال السلطان لجانى بك نائب جدّة: «بادر إلىّ بالطلوع يوم الثلاثاء، فإن قصدى أقبض على جماعة من خشداشينى المؤيّدية»، وكان الأمر بخلاف ذلك؛ ومن ملخّص هذه الواقعة، أنّ الظاهر خشقدم لما ثقل عليه أمر جانى بك نائب جدّة، ورأى الظاهرية قد التفّوا عليه قاطبة، وأشيع عنه الوثوب على السلطان، فاجتمع السلطان بخشداشينه المؤيّدية، مثل: قانم التاجر، وقنبك المحمودى، وغير ذلك من المؤيّدية، وضربوا مشورة فى أمر جانى بك، فأشار قانم التاجر على السلطان، بأن يجتمع بالأمير جانى بك، ويشكو (٢) له من قانم التاجر، وقنبك المحمودى، ومهما قاله له فى حقّهم يردّ الجواب على الأمير قانم بذلك. فلما طلع الأمير جانى بك إلى القلعة، فوجد السلطان كاظما (٣)، فسأله عن سبب ذلك، فأخذ السلطان يشكو (٤) له من قانم التاجر، ومن بقيّة خشداشينه، بأنهم قد طمعوا فى حقّه، وصاروا يعاكسونه فى الأمور، فقال جانى بك: «نحن نقبض عليهم بالقصر، كما فعلنا بالأشرفية»، فقال له السلطان: «ما يشكرنى على ذلك أحد، كونهم خشداشينى»، فقال له جانى بك: «سلّط عليهم المماليك الجلبان يقتلونهم، واعتذر للأمراء عن ذلك، أنه لم يكن باختيارك، وإذا قتلوهم لم تنتطج فى ذاك شاتان (٥)»، فاتّفقا على ذلك؛ فأرسل السلطان يعلم الأمير قانم بما قاله جانى بك، فقال قانم للسلطان: «الذى أشار به جانى بك فى قتلنا، افعله أنت به»؛

стр. 1849

فقرّر مع جانى بك، بأن يطلع يوم الثلاثاء بدرى، حتى يفعل ما وقع عليه الاتّفاق؛ ثم إنّ السلطان قرّر مع مماليكه أن إذا طلع جانى بك، يكمنون له فى باب القلّة، ويخرجون عليه يقتلونه، وعرّفهم كيف يقتلونه. فلما كان يوم الثلاثاء، بادر جانى بك بالطلوع إلى القلعة، فطلع وصحبته تنم رصاص المحتسب، وجانم دواداره، وبعض مماليك؛ فلما طلع إلى القلعة، ودخل من باب القلّة، فأغلقوا خلفه الباب، ورأى فى القلعة بعض اضطراب، فظنّ أن ذلك هو الاتّفاق الذى اتّفقه مع السلطان كما تقدّم؛ فلما وصل إلى باب الجامع، خرج عليه كمين هناك من المماليك، فطعنه بعضهم بالرمح فى بطنه، فسقط إلى الأرض مغشيّا عليه، فأخذ بعض المماليك فصّ حجر كان هناك، وألقاه على رأسه، ففشّشها، حتى خرج مخّ رأسه، ثم قتلوا تنم رصاص بالسيوف، ثم أرادوا قتل جانم دوادار جانى بك، فمنعهم بعض المماليك من ذلك، فسجنوه فى مكان بالقلعة؛ ثم جرّدوا جانى بك من أثوابه، وتنم رصاص، وألقوهما على حصير فى مكان خلف الجامع. وكانت قتلة جانى بك نائب جدّة، عند الجامع الذى بالقلعة، بالقرب من الزردخاناة، وذلك فى يوم الثلاثاء ثامن ذى الحجة سنة سبع وستين وثمانمائة، وقد لعبت به المؤيّدية، وتمّت الحيلة عليه، وكان هو سعى فى قتل جماعة من المؤيّدية، فكان كما قيل فى المعنى: وكم من طالب يسعى لشئ … وفيه هلاكه لو كان يدرى فلما طلع النهار غسّلوا جانى بك، وتنم رصاص، وكفّنوهما، وصلّوا عليهما بالقلعة، ونزلوا بهما، فدفنوا جانى بك فى تربته، التى بالقرب من باب القرافة، ودفنوا تنم رصاص فى تربته، التى عند الإمام الليث؛ وكان جانى بك أصله من مماليك الظاهر جقمق، ورقى (١) فى دولة الظاهر خشقدم، حتى بقى مدبّر المملكة؛ وكان هر القائم فى سلطنة الظاهر خشقدم، وفى مسك الأمراء الأشرفية، وفى رجوع جانم نائب الشام، بعد ما كان ترشّح أمره إلى السلطنة.

стр. 1850

وكان ينزل من القلعة إلى بيته، الذى فى السبع سقايات، فى المواكب الحافلة، والأمراء والعسكر قدّامه، مثل المواكب السلطانية، وهو أول من اتّخذ السعاة قدّامه من الدوادارية؛ وكان أميرا جليلا فى سعة من المال، حاكم الحجاز بسبب نيابة جدّة، وكان كثير الحيل والخداع، دهاء فى نفسه، سيوسا فى أحكامه، كريم النفس، سخىّ اليد. وكان صفته، أسمر اللون، قصير القامة جدّا، شائب اللحية، عليه الوقار والسكينة، ومات وله من العمر نحوا من سبع وخمسين سنة؛ وكان مولعا بغرس الأشجار، وحبّ الرياض؛ وهو الذى أنشأ الزاوية التى فى منشية المهرانى، وقرّر بها شيخ وصوفة من أبناء العجم، وكان له محاسن ومساوئ، وأذى وخير، وكانت قتلته من النوادر الغريبة. - وأما تنم رصاص، أصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان ولى حسبة القاهرة، وكان عنده الظلم والعسف الزائد، وهو الذى أنشأ الجامع الذى داخل الدرب، بالقرب من بيت جانى بك نائب جدّة. فلما قتل جانى بك، وقع فى ذلك اليوم بعض اضطراب، وكثر القيل والقال فى ذلك اليوم، ثم إنّ مماليك جانى بك لبسوا لامة الحرب، وطلعوا إلى الرملة، فما طبّوا طبّة، ونزل إليهم مماليك السلطان، فشتّتوهم عن آخرهم. ثم فى ذلك اليوم قبض السلطان على جماعة من الأينالية، ممن كان قد التفّ على جانى بك نائب جدّة، وهم: أزدمر الإبراهيمى الطويل، وتانى بك قرا، وشخص آخر؛ ثم قبض على جماعة من الظاهرية، ممن كان من عصبة جانى بك، وهم: سودون البرقى، وقانصوه اليحياوى، وطومان باى، ودمرداش الطويل، وتغرى بردى ططر، وكل منهم كان أمير عشرة، رأس نوبة؛ فبعث سودون البرقى إلى السجن بثغر الإسكندرية، وبعث قانصوه اليحياوى، وتغرى بردى ططر إلى طرابلس، وبعث تانى بك قرا إلى غزّة، وأزدمر الطويل إلى الشام، فلما فعل ذلك انخفض (١) أمر الظاهرية، وقويت شوكة (٢) المؤيّدية.

стр. 1851

ثم عمل الموكب بالقصر، وأخلع على الأمير يشبك الفقيه المؤيّدى، وقرّر فى الدوادارية الكبرى، عوضا عن جانى بك نائب جدّة؛ وأخلع على سودون البردبكى المؤيّدى، وقرّر فى الحسبة، عوضا عن تنم رصاص؛ وقرّر فى الأمير آخورية الثانية، نانق الظاهرى، عوضا عن سودون البرقى؛ وأخلع على المعلّم شمس الدين محمد البباى، وقرّر فى نظر الدولة، وهنا أول عظمة (١) البباى فى الوظائف السنيّة. وفيه توفّى الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن عمر بن شرف القرافى المالكى، سبط ابن أبى جمرة، وهو والد القاضى بدر الدين، وكان عالما فاضلا فى مذهبه، وناب فى القضاء، وكان عيّن لقضاء المالكية فى أيام الأشرف أينال، قبل حسام الدين ابن حريز، فما تمّ ذلك، ومولده سنة إحدى وثمانمائة، وكان من أعيان المالكية. ثم إنّ السلطان ما اكتفى (٢) بقتلة جانى بك نائب جدّة، حتى قبض على جماعة من الأمراء الظاهرية، وهم: تمربغا رأس نوبة النوب، وأزبك من ططخ أحد الأمراء المقدّمين؛ ومن الأمراء العشرات: برقوق، وقانى باى الساقى، فقيّدوهم ونزلوا بهم على أكاديش، تردفهم الأرجاقية بالخناجر، فشقّوا بهم من الصليبة، وتوجّهوا بهم إلى بولاق، ونزلوا بهم فى الحرّاقة، وتوجّهوا بهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وكان لهم يوم مهول (٣). وسبب ذلك، أن السلطان كان له قصد (٤) بأن يقبض على جماعة من أعيان الظاهرية، فندب إليهم جماعة من مماليكه، فقبضوا على من تقدّم ذكرهم، فلما جرى ذلك قامت عليه الأشلة، وقصدوا الظاهرية بأن يثبوا عليه، وكادت أن تكون فتنة كبيرة، فيها زوال ملكه؛ فلما تحقّق ذلك استدرك فارطه، وقصد تخميد هذه الفتنة، فبعث خلف قايتباى المحمودى، وأزبك اليوسفى، وشرع يعتذر لهما، بأن الذى جرى من

стр. 1852

مسك الأمراء لم يكن باختياره، ولا بعلمه، وإنما هذا فعل المماليك الجلبان، وشرع يحلف عن ذلك الأيمان عظيمة، وكان كاذبا فى أيمانه، والذى فعل بالأمراء بعلمه، وهو القائم فى ذلك؛ وقرّر مع قايتباى، وأزبك اليوسفى، بأنه فى باكر النهار، يكتب مراسيم بعود الأمراء الذين (١) سجنوا كما تقدّم. ثم إنّ السلطان ألزم قايتباى، وأزبك، بأن يطوفوا على جماعة الظاهرية، ويخمدوا هذه الفتنة، فداروا تحت الليل على الظاهرية، وخمدوا هذه الفتنة. - فلما طلع النهار، كتب السلطان مرسوما (٢) إلى نائب ثغر الإسكندرية، بإحضار الأمراء الذين (١) توجّهوا إلى السجن بها. وفى هذا الشهر، توفّى طوخ كسا الأبوبكرى الناصرى، أحد العشرات. - وتوفّى كمشبغا شبشق المؤيّدى، أحد العشرات، وكان علاّمة فى رمى النشّاب، ديّنا خيّرا، كثير البرّ والصدقات، وله اشتغال بالعلم، متفقّها، وكان لا بأس به، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان وستين وثمانمائة فيها فى المحرم، قبض مجد الدين بن البقرى، على الصاحب علاى الدين بن الأهناسى، من مكان فى حارة عبد الباسط، وطلع به إلى السلطان، فسجنه بالبرج فى القلعة، ثم احتاط على موجوده من صامت وناطق، فظهر له أموال جزيلة، فحمل ذلك إلى الخزائن الشريفة، واستمرّ السلطان يستصفى أمواله، حتى أخذ رخام بيته، الذى فى بركة الرطلى، وجعله فى تربته التى أنشأها فى الصحراء؛ واستمرّ فى الترسيم فى بيت القاضى شرف الدين الأنصارى أياما، ثم رسم السلطان بنفيه إلى مكّة، فتوجّه إليها من البحر الملح، وكان ذلك آخر العهد به من مصر، ولم يكن من بنى الأقباط، بل أصله من أهناس من خيار أهلها؛ وكان الصاحب علاى الدين رئيسا حشما، فى سعة من المال، تولّى الوزارة غير ما مرّة، وجمع فى آخر ولايته بين نظر الخاص،

стр. 1853

والوزارة، وكان ماشيا فى الوزارة على النظام القديم، ولم يجئ أحد من بعده من الوزراء ماشيا على نظامه، وهذا الأمر مشهور بين الناس. وفيه توفّى قاضى القضاة الحنفى بدر الدين حسن بن على بن محمد بن على بن الصواف الحنفى، وكان فاضلا ديّنا خيّرا متواضعا، ولى قضاء حماة مدّة طويلة، ثم تولّى قضاية القضاة بمصر، فلم تطل (١) أيامه بها، وقيل مات مسموما، وكان من أعيان علماء الحنفية، ومولده سنة ثلاث وثمانمائة. وفيه وصل الأمراء الذين بعثوا إلى السجن بثغر الإسكندرية، وهم: تمربغا، وأزبك من ططخ، وقانى باى الساقى، وبرقوق، فلما حضروا باتوا بدار يشبك الفقيه، ثم صعدوا إلى القلعة فأكرمهم السلطان، وأخلع عليهم كوامل بسمور (٢)، ونزلوا إلى بيوتهم على عادتهم، وقد أدركهم الفرج بعد الشدّة، فأقاموا بالسجن بثغر الإسكندرية ثلاثة أيام، وفكّت قيودهم، وحضروا على أحسن وجه. وفيه قبض السلطان على مجد الدين بن البقرى، وصرفه عن الوزارة؛ وأخلع على الشرفى يونس بن عمر بن جنكلى بغا (٣)، دوادار فيروز الزمام، عوضا عن مجد الدين ابن البقرى، فلما أخلع عليه بالوزارة، ألبسوه أطلسين ومثمّر، لا خلعة (٤) الوزارة، كونه متزيّيا بزىّ الأتراك. - وفيه أعيد القاضى محب الدين بن الشحنة إلى قضاء الحنفية، عوضا عن ابن الصواف، وهذه ثانى ولاية وقعت لابن الشحنة بمصر. وفيه عقد مجلس بالصالحية، وحضر القضاة الأربعة بسبب أهل الذمّة، وكان السلطان منع أهل الذمّة من التكلّم فى مباشرات الأمراء، ونودى بذلك فى القاهرة؛ فلما عقد المجلس بالصالحية، أحضروا العهود التى كتبت عليهم قديما، بأنهم [لا يباشروا فى ديوان أحد من الأمراء، ولا يتعمّموا] (٥) بأكثر من عشرة أذرع،

стр. 1854

فوقع فى ذلك المجلس كلام كثير، وضيّقوا عليهم، فأسلم منهم فى ذلك اليوم جماعة، وانفضّ المجلس بالمنع لهم عن المباشرة فى الدواوين مطلقا، ما عدا الطبّ والصرف فقط؛ ثم بعد ذلك سعوا بمال له صورة، أوردوه للخزائن الشريفة، حتى أبقاهم السلطان على حالهم الأول، فى المباشرة بالدواوين. وفى هذا الشهر، جاءت الأخبار من الإسكندرية، بوفاة الملك العزيز يوسف بن الملك الأشرف برسباى الدقماقى، توفّى بثغر الإسكندرية، وكان قد أفرج عنه فى دولة الأشرف أينال، وخرج من السجن وسكن ببعض دور الإسكندرية، وكان يخرج إلى صلاة الجمعة وهو راكب، واستمرّ على ذلك مدّة طويلة حتى مات، وكان رئيسا حشما، عاقلا كريما سخيّا، قليل الأذى، كثير البرّ والصدقات، واشتغل بالعلم فى مدّة إقامته بالإسكندرية، حتى صار ماهرا فيه، وكان مولده سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وولى الملك وله من العمر خمس عشرة سنة؛ ولما مات حمل إلى القاهرة، ودفن على أبيه بالصحراء. وفيه توفّى الشيخ العارف بالله الولى، سيدى عمر الكردى الببانى، رحمة الله عليه، وكان فى مبادئ أمره له اشتغال بالعلم، ثم حصل له جذب، ووقع له مكاشفات وكرامات خارقة، وكان مقيما بجامع قيدان، الذى بقناطر الأوز، واستمرّ به حتى مات، فحمله السلطان إلى تربته، ودفن بها للتبرّك به. وفى صفر، قرّر أبو بكر باكير بن صالح الكردى، فى حجوبية الحجّاب بحلب، وكان نائب البيرة؛ فقرّر فى نيابة البيرة عوضه، كمشبغا السيفى يخشباى، نائب قلعة حلب؛ وقرّر فى نيابة قلعة حلب، تغرى بردى من يونس. - وفيه قرّر السلطان سودون البرقى، فى تقدمة ألف بدمشق. وفيه تغيّر خاطر السلطان على شخص من مماليكه، يقال له برسباى الدوادار، وكان دوادار سكين من المقرّبين عنده، وضربه بالحوش بين يديه، وصار يقول له: «من أمرك بقتل جانى بك نائب جدّة»؟ فيقول (١) له: «أنت أمرتنى بذلك»،

стр. 1855

فحنق منه وأمر بتوسيطه بين يديه بالحوش؛ ووسّط فى ذلك اليوم شخص آخر من مماليكه، يقال له قانم، وكان خشداش برسباى المذكور؛ وكان السلطان فى ذلك اليوم أشدّ ما يكون من الخلق والتغيّظ (١). وفيه أعيد مجد الدين بن البقرى إلى الوزارة، وصرف عنها يونس المقدّم ذكر ولايته. - وفيه أشيع بين الناس بأن حانى بك حبيب، قد توجّه إلى بلاد الغرب، وكان مختفيا بمصر مدّة طويلة. وفى ربيع الأول، توفّى المقرّ الشهابى أحمد بن الأشرف برسباى، أخو الملك العزيز يوسف، وكان ربيب الأمير قرقماس الجلب، وكان الملك الأشرف برسباى، والده، تركه حملا، وتزوّج قرقماس الجلب بأمّه ملك باى، سرية الأشرف المذكور، وربّاه قرقماس فى داره، وكان لا يخرج، ولا يركب، ولا يصلّى الجمعة، ولا العيدين، حتى مات، وكان بينه وبين أخيه الملك العزيز نحوا من شهر، وكان مولده سنة اثنتين (٢) وأربعين وثمانمائة. وفيه عمل السلطان المولد النبوى على العادة، وكان حافلا. - وفيه أنعم السلطان على سبطه الشهابى أحمد بن العينى، بتقدمة ألف، وقرّر فى إمرة الحاج؛ وقرّر فى إمرة الركب الأول الشرفى يحيى بن الأمير يشبك الفقيه. - وفيه اختفى (٣) زين الدين الأستادار، فصرف السلطان مجد الدين بن البقرى من الوزارة، وقرّره فى الأستادارية، واستمرّت (٤) الوزارة شاغرة أياما. فلما كان يوم الاثنين، فى أثناء هذا الشهر، أخلع السلطان على الشمسى محمد البباى، ناظر الدولة، وقرّره فى الوزارة، عوضا عن ابن البقرى، فلما قرّر البباى فى الوزارة، قامت على السلطان الأشلة بسبب ذلك، وعدّ هذا من مساوئ الظاهر

стр. 1856

خشقدم، وهو أول زفورى تولّى الوزارة بمصر، ومن يومئذ انحطّ قدر الوزارة جدّا، وتبهدل هذا المنصب إلى الغاية. قال الإمام أبو شامة المؤرخ: كانت الوزارة على عهد الخلفاء وظيفة عظيمة جليلة، وكان الوزير يجلس بحضرة الخلفاء على مقدار خمسة أذرع، وكان هو المتصرّف فى أمر المملكة بما يختار، فلما جاءت دولة الأتراك، قدّموا نيابة السلطنة على الوزارة، فتلاشى أمر الوزارة من يومئذ، وصارت الوزارة تنقسم على أربعة جهات، منها: كتابه السرّ، والأستادارية، ونظر الخاص، وشاد الدواوين، وغير ذلك من الوظائف المحدثة، فمن يومئذ تعطّل جيد الدولة من عقودها، وانحلّ برم عهودها. وقال الإمام أبو شامة: كانت خلعة الوزارة فى قديم الزمان، وهى عمامة بيضاء شرب، برقمات ذهب، شغل تنيس، وطيلسان أبيض، برقمات ذهب، وجبّة صوف أبيض بطرز ذهب، وفى عنقه عقد جوهر بعشرة آلاف دينار، وسيف مقلّد به، وهو مسقّط بالذهب، ويركب حجرة بخمسمائة دينار، وفى قوائمها أربع (١) جوهرات، وفى عنقها جوهرة كبيرة بألف دينار، وترفع على رأسه أعلام حرير أبيض، ويحمل على رأسه منشور الولاية، وهو مكتوب فى حرير أبيض، فبطل ذلك جميعه، مع جملة ما بطل من شعار الوزارة. فلما تولّى البباى، شقّ ذلك على الناس، لكونه لم يكن من أهل ذلك، فكان كما قيل فى المعنى: مرض الزمان وقد تمسّك طبعه … من شرّ قولنج به يتمغس (٢) حقنته آراء الملوك فجاءه … أهل المناصب كل شخص مجلس وكان البباى أصله طباخا، من معاملين اللحم (٣)، وكان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، وفى كلامه غرثلة، وعنده عترسة، فلما رآه السلطان سدّادا، قرّره فى نظر الدولة،

стр. 1857

ثم قرّره فى الوزارة، فلما تولّى الوزارة جاء فيها على الوضع، ولبس الخفّ والمهاميز والطوق، وسكن فى بيت الوزراء، الذى ببركة الرطلى، ودقّت على بابه الكوسات، وهابته جميع الناس، من المباشرين وغيرها، وكان له بمصر حرمة وافرة، وكلمة نافذة، لا يقبل رسالة من أمير ولا قاض؛ وسلّمه السلطان زين الدين الأستادار ليعاقبه، ويستخلص منه الأموال؛ وفى مدّة ولايته صادر جماعة من المباشرين والتجّار؛ وكان يكبس البيوت على الناس، فى أيام النيل، فى بركة الرطلى، فمن وجده بيسكر (١)، إن كان رئيسا، صادره وسلب نعمته، وإن كان غير ذلك أدّبه، وكان يكره من يسكر مطلقا، وجاء على الناس مجيئا فاحشا (٢)، وهجوه الناس هجوا كثيرا، فمن ذلك قول بعض الشعراء: قالوا البباى قد وزر … فقلت كلاّ لا وزر الدهر كالدولاب لا … يدور إلا بالبقر وفيه قيل أيضا: تجنّب العلم والفضايل … ومل إلى الجهل ميل هايم وكن حمارا مثل البباى … فالسعد فى طالع البهايم واستمرّ على هذا الظلم والعسف، حتى أغرقه الله تعالى فى ساعة واحدة كما سيأتى الكلام على ذلك. - وفى هذا الشهر، حضر الأمراء الذين توجّهوا إلى قبرص (٣)، من غير إذن من السلطان، فشقّ ذلك عليه، وأخذ فى أسباب عمارة مراكب، وخروج تجريدة ثانية. وفى ربيع الآخر، قرّر دمرداش فى نيابة طرسوس، عوضا عن جانى بك الجكمى. - وفيه أخلع على برد بك البجمقدار، وقرّر فى نيابة حلب، عوضا عن جانى بك التاجى.

стр. 1858

وفى جمادى الأولى، قرّر أزبك من ططخ، فى حجوبية الحجّاب، عوضا عن برد بك البجمقدار، بحكم صرفه عنها إلى نيابة حلب. - وفيه توفّى جانى بك الأبلق الظاهرى، الذى كان باش العسكر على تجريدة قبرص (١). وفيه جاءت الأخبار من الشام، بوفاة (٢) تنم من عبد الرزاق نائب الشام، وكان أصله من مماليك المؤيّد شيخ، وكان أميرا جليلا، حشما رئيسا، ولى عدّة وظائف سنيّة، منها: حسبة القاهرة، ونيابة الإسكندرية، ونيابة حماة، ونيابة حلب، ثم أعيد إلى القاهرة، وقرّر فى تقدمة ألف بمصر، ثم بقى أمير مجلس، ثم بقى أمير سلاح، ثم سجن بثغر الإسكندرية فى دولة الأشرف أينال، ثم أطلق إلى دمياط، ثم حضر إلى القاهرة فى دولة الظاهر خشقدم، وبقى نائب الشام، واستمرّ على ذلك حتى مات، وجرى عليه شدائد ومحن، ومات وله من العمر نحوا من ستين سنة، وكان مسرفا على نفسه، وعنده الطمع الزائد. وفيه أخلع السلطان على جانى بك التاجى، الذى كان نائب حلب، وحضر إلى القاهرة، فقرّره فى نيابة الشام، عوضا عن تنم من عبد الرزاق بحكم وفاته. - وفيه قرّر قايتباى المحمودى فى تقدمة ألف، وكان بين تقدمته وسلطنته أربع سنين؛ وقرّر فى شادية الشراب خاناه، نانق الظاهرى، عوضا عن قايتباى المحمودى؛ وقرّر جانى بك الفقيه، فى الأمير آخوريه الثانية، عوضا عن نافق. وفيه، [فى جمادى الآخرة] (٣)، جاءت الأخبار، بوفاة جانى بك التاجى، الذى قرّر فى نيابة الشام، فكانت مدّته قصيرة فى نيابة الشام، وكان أصله من مماليك المؤيّد شيخ، وكان أميرا جليلا، وولى عدّة وظائف سنيّة، منها: نيابة غزّة، وبيروت، وحلب، والشام، وكان لا بأس به.

стр. 1859

وفيه وقعت نادرة غريبة، وهو أن إنسانا كان له على شخص دين، نحو ستمائة نقرة، فمات المديون، فلما بلغ صاحب الدين موته، أخذ معه أربعة (١) نقباء ونبع الجنازة، فأدرك الميّت قبل أن يوضع فى قبره، فاحتمله هو والنقباء، وعاد به إلى القاهرة، ودخل به من باب النصر، وصمّم على عدم دفنه حتى يأخذ الأشرفيين من زوجته، فلما علم العوام قصّته حملوا النعش بالميّت، وصاحب الدين، والنقباء، وأتوا بهم إلى المدرسة الصالحية، فرفعت هذه الواقعة بين يدى القاضى جلال الدين بن الأمانة، أحد نوّاب الشافعية؛ فلما رأى هذه الواقعة، وكادت أن تكون فتنة كبيرة، وأن العوام يقصدوا (٢) قتل صاحب الدين لا محالة، أخذ فى أسباب تخميد هذه الفتنة، فساس الأمر أحسن سياسة، وأحضر صاحب الدين، وعزّره أشدّ تعزير، هو والنقباء، على عدم دفن الميّت ورجوعه، ثم صلّى على الميّت ثانيا وأمر بدفنه، فسكنت هذه الفتنة، وعدّت (٣) هذه الفعلة من دربته وسياسته، انتهى ذلك. وفيه عيّن السلطان تجريدة إلى البحيرة، وكان باش العسكر الأمير أزبك من ططخ، حاجب الحجّاب، وعدّة من الأمراء، ومماليك سلطانية. - وفيه نزل السلطان من القلعة، وتوجّه إلى بيت برد بك البجمقدار، نائب حلب، فسلّم عليه، ثم دخل إلى بيت برقوق، الذى تولّى نيابة الشام فيما بعد، تم عاد إلى القلعة. وفيه نقل السلطان برسباى البجاسى، من نيابة طرابلس، إلى نيابة الشام، عوضا عن جانى بك التاجى؛ وقرّر فى نيابة طرابلس جانى بك نائب حماة؛ وقرّر فى نيابة حماة بلاط، نائب صفد؛ وقرّر فى نيابة صفد يشبك قلق المؤيّدى، أحد الأمراء المقدّمين بدمشق. - وفيه وصل قاصد جاكم صاحب قبرص (٤)، وأخبر بقتل جانى بك الأبلق، المقدّم ذكر وفاته، فلما تحقّق السلطان ذلك عيّن سودون المنصورى. ليخرج مع قاصد جاكم، لكشف الأخبار عن حقيقة قتله.

стр. 1860

وفى رجب، فى يوم الأربعاء خامسه، كانت وفاة (١) الإمام العلاّمة، قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى الشافعى، رحمة الله عليه، وهو صالح بن سراج الدين عمر شيخ الإسلام، وكان مولده سنة إحدى (٢) وتسعين وسبعمائة، وكان عالما فاضلا، ولى قضاء الشافعية (٣) غير ما مرّة، وكان أول ولايته سنة ست وعشرين وثمانمائة، فى دولة المؤيّد شيخ، أخذ عن الشيخ ولى الدين العراقى، وانتهت إليه رئاسة مذهبه بمصر، وخضعت له الناس، ومات وهو متولّى القضاء، وقد سعى فيها بثمانية آلاف دينار، فأقام فى هذه الولاية الأخيرة (٤) ثمانية أشهر ومات، فوقفت عليه كل شهر بألف دينار، وكان هذا منه غاية الخفّة، فإنه كان كبر سنّه، وضعف عن الحركة، وظهر عليه العجز. - فلما توفّى أعاد السلطان القاضى شرف الدين يحيى المناوى، إلى قضاء الشافعية، عوضا عن علم الدين صالح البلقينى؛ وهذه آخر ولايات يحيى المناوى، ولم يل (٥) القضاء بعد ذلك مرّة أخرى. وفيه اختفى قايتباى المحمودى، أحد مقدّمين الألوف (٦)، وسبب ذلك، أن وقع بين مماليكه ومماليك السلطان فتنة، فاختفى أياما ثم ظهر، وقد أعطاه السلطان على يد قانم التاجر أمانا (٧) حتى ظهر. - وفيه عيّن السلطان تجريدة ثالثة إلى البحيرة، وقد بلغه أن العربان قد استطالوا على الترك، وقتل منهم جماعة، وقد اجتمع فى البحيرة من الأمراء المقدّمين تسعة، فأقاموا هناك مدّة، ورجعوا من غير طائل من العرب. وفى شعبان، فرّقت الكسوة على الجند بحضرة السلطان، فقطع كسوة جماعة كثيرة من ضعفاء الجند، وأولاد الناس، وحصل فى ذلك اليوم غاية الضرر. - وفيه، فى ثانى بشنس القبطى، أمطرت السماء مطرا غزيرا، حتى غرقت
следующие страницы →