← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وبرد بك المحمدى بتقدمة ألف؛ ورسم السلطان لكاتب السر وناظر الجيش أن لا يخرجوا مراسيم سلطانية ولا مربعات ولا مناشير إلا بختم من وراء العلامة السلطانية وأن يكتب أيضا وراء العلامة ما تضمّنه ذلك المرسوم. وفيه قويت الإشاعات بوقوع فتنة وأخذ السلطان فى تحصين القلعة، ونقل إليها أشياء كثيرة من الدقيق والبقسماط والأحطاب والماء والعليق وغير ذلك، وكانت الأحوال فى غاية الاضطراب، وظهر غالب من كان قد اختفى من عصبة قانصوه خمسمائة، وانتموا إلى قانصوه خال السلطان، والتفّوا عليه، بغضا فى آقبردى الدوادار، وقد تلاشى أمره لما أن عاد فى هذه المرّة، وصار مهدّدا بالقتل فى كل ليلة، ولم تنفذ له كلمة مع وجود قانصوه خال السلطان، وقد صار السعى لأرباب الدولة من بابه، واجتمعت فيه الكلمة، فكان كما يقال فى المعنى: ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها … فحيث ما انقلبت يوما به انقلبوا يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت … يوما عليه بما لا يشتهى وثبوا فكان زوال آقبردى عن قريب. وفى شعبان أنعم السلطان بأمرة عشرة على قراكز الفهلوان، وهى أمرة قايتباى (١) الشرفى الذى قتل بغزّة. - وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة برد بك الطويل نائب صفد، فلم يأذن له السلطان بالاجتماع به، ومنع من الطلوع إلى القلعة عند حضوره، وقاسى من آقبردى الدوادار غاية البهدلة. - وفيه أمر السلطان بأن تقطع الحيّات التى تصنع فى البيمارستان بحضرته حتى يتفرج عليها، فأحضروها بين يديه بقاعة البحرة، فقطعت بحضرته وهو ينظر إليها، وأخلع على رئيس الطب شمس الدين القوصونى، وولده، والحاوى الذى أحضر الحيّات، وآخرين منهم. وفيه أنعم السلطان على طومان باى الخاصكى، أحد الخازندارية، بأمرة عشرة، وكان قدم من البلاد الشامية، وطومان باى هذا هو الذى ولى السلطنة فيما بعد ولقّب بالعادل، فكان بين أمرته العشرة وسلطنته دون الأربع سنين. - وفيه هجم المنسر

стр. 2277

على سوق أمير جيوش، وأخذوا منه أشياء كثيرة من عدّة دكاكين، وقتلوا الخفير (١)، ولم تنتطح فى ذلك شاتان. - وفيه أخلع السلطان على جانم المصبغة وقرّره فى حجوبية الحجاب، عوضا عن أينال الخسيف. - وفيه رسم السلطان بشنق عبد القادر صبى القصديرى (٢). وفيه جاءت الأخبار من دمشق بقتل شمس الدين بن بدر الدين حسن ابن المزلق الدمشقى، مات مذبوحا بدمشق وهو فى داره، وكان متولى قضاء الشافعية (٣) بدمشق. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة رستم صاحب العراقين وديار بكر، وكان لا بأس به. - وفيه ثارت المماليك الجلبان على السلطان، وطلبوا منه نفقة بسبب هذه النصرة التى وقعت له، فنفق عليهم بعد ما كادت أن تقع فتنة كبيرة بسبب ذلك، فبلغت هذه النفقة نحوا من خمسمائة ألف دينار، فصودر فيها جماعة كثيرة من المباشرين وغيرها. - وفيه صار السلطان يخرج إقطاعات أولاد الناس والرزق، بل والأملاك، ويفرّقها على المماليك الجلبان، وحصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك. وفيه قرّر تمراز جوشن أمير آخور ثانى، وقرّر قصروه فى نيابة القلعة. - وفيه قبض آقبردى الدوادار على داود بن عمر أمير هوّارة، وقد آل أمره فيما بعد أنه شنق على باب شونة بمنفلوط بالوجه القبلى، لأمور حقدها عليه. - وفيه جاءت الأخبار من نواحى هرمز، بأن خسف بها مدينة كاملة بأهلها. - وفيه أكمل السلطان النفقة على الجند والأمراء. - وفيه توفى الشيخ شهاب الدين أحمد بن عامر المغربى المالكى، شيخ تربة الأشرف قايتباى، وكان عالما فاضلا صالحا متقشفا لا بأس به. - وفيه جاءت الأخبار بأن الطاعون قد وقع بمدينة غزّة، وهو زاحف نحو الديار المصرية. وفيه أخلع السلطان على وفا الماوردى، وقرّره فى أمرة شكار، ورسم له بأن يتزيّا بزىّ الأتراك، ويلبس التخفيفة التى بالقرون، والسلارى القصير الكمّ، وكان عاميا يلبس العمامة والملوطة الطرح، فعدّ ذلك من نواقص الملك الناصر. -

стр. 2278

وفيه تزايد أذى الجلبان فى حق آقبردى الدوادار، وصار مهدّدا بالقتل فى كل يوم، حتى ساءل السلطان بأن يولّيه نيابة الشام ويخرج إليها خوفا على نفسه من الجلبان، فلم يسمح له السلطان بذلك. وفى رمضان، فى أول ليلة منه، لم يطلع أحد من الأمراء، ولا فطر عند السلطان على جارى العادة، وكثرت الإشاعات بوقوع فتنة كبيرة بسبب آقبردى الدوادار. - فلما كان يوم السبت رابع شهر رمضان ركب الأمير آقبردى، ووافقه على ذلك تانى بك قرا أمير مجلس، وآقباى نائب غزّة رأس نوبة النوب، وجانم الأجرود أحد المقدمين، وكاشف منفلوط، وجانم المصبغة حاجب الحجاب، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات والعشرات، والجمّ الغفير من الجند، ممن هو عصبة آقبردى، فوقع فى ذلك اليوم واقعة مهولة، فانكسر آقبردى بعد العصر واختفى؛ فلما دخل الليل هرب آقبردى هو ومماليكه، وأخذ صحبته آقباى نائب غزّة رأس نوبة النوب، فلما هرب توجّه إلى نحو الصعيد، فأقام به حتى كان من أمره ما سنذكره. وفيه توفى خالص الطواشى التكرورى مقدّم المماليك، وكان عنده لين جانب، وكان لا بأس به؛ فلما مات قرّر فى تقدمة المماليك مثقال الحبشى البرهانى، الذى كان مقدّم المماليك ونفى إلى القدس وأعيد إلى القاهرة. - وفيه اشتدّ الحرّ وعزّ وجود السقايين، وتكالب الناس على الروايا والجمال حتى تخانقوا بالعصىّ، وبلغ سعر الراوية الماء ثلاثة أنصاف فضة ولا توجد. ومن النوادر الغريبة أن فى يوم التاسع والعشرين من هذا الشهر أمر السلطان بأن تدقّ الكوسات بالقلعة، وقال: أنا أعمل العيد فى الغد من هذا الشهر إن رأوا الهلال أو لم يروا؛ فلما أشيع ذلك بين الناس ركب قاضى القضاة الشافعى زين الدين زكريا وطلع إلى القلعة، فاجتمع بالسلطان وعرّفه أن العيد لا يكون إلا إذا رؤى الهلال، فشقّ ذلك على السلطان، وهمّ بعزل القاضى فى ذلك اليوم؛ فلما دخل الليل لم ير الهلال فى تلك الليلة وجاء العيد بالجمعة، وكان الناصر تطيّر من العيد بأن يجئ يوم الجمعة، فكان ذلك على رغم أنفه.

стр. 2279

وفى شوال لم يخرج السلطان إلى صلاة العيد، ولا طلع الأتابكى تمراز إلى القلعة، ولا بقية الأمراء المقدّمين، فبعث السلطان الخلع إليهم فى بيوتهم؛ وفى أواخر ذلك اليوم طلع الخليفة ليهنئ السلطان بالعيد، وكان بقاعة البحرة مع ذلك الأوباش الذين (١) يعاشرهم، فلم يخرج إليه السلطان، وأرسل يتشكر منه، وأمره بالانصراف، فعدّ ذلك من نواقص الملك الناصر، وكان الناصر فى تلك الأيام فى غاية الطيشان. وفيه أخلع السلطان على عمّه قيت وقرّره فى نيابة القلعة، عوضا عن قصروه بحكم أنه بقى مقدم ألف، وقرّر ولده جانم فى الزردكاشية، عوضا عن أبيه. - وفيه رسم السلطان لشخص من الأمراء الطبلخانات، يقال له قانصوه الساقى، بأن يكون أمينا على باب القلعة عند سلم المدرج، يحيط علما بمن يطلع إلى القلعة أو ينزل منها، فعدّ ذلك من النوادر. وفيه جاءت الأخبار من المدينة المشرفة بوفاة الحافظ شمس الدين السخاوى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبى بكر بن عثمان، وكان عالما فاضلا بارعا فى الحديث، وألّف له تاريخا فيه أشياء كثيرة من المساوئ فى حق الناس، وكان مولده بعد الثلاثين والثمانمائة. وفيه جاءت الأخبار من الصعيد، بأن قامت هناك فتنة كبيرة بين حميد بن عمر أمير هوّارة، أخو داود الماضى خبر شنقه، فوقع بين حميد وبين قريبه إبراهيم فتنة مهولة يأتى الكلام عليها. - وفيه كانت الفتن قائمة بين طائفة بنى حرام وبنى وائل، حتى أعيى جان بردى الكاشف أمرهم، وخرج إليهم تجريدة وبها عدّة من الأمراء، ولم يفد من ذلك شئ. - وفيه عيّن السلطان أبا يزيد الصغير بأن يتوجه إلى آقبردى الدوادار للصعيد، وصحبته خلعة وفرس بسرج ذهب وكنبوش، وعلى يده مراسيم شريفة لآقبردى الدوادار، بأنه على عادته وفى وظائفه حتى يصير له حرمة على العربان، ثم حضر إلى القاهرة عن قريب، وكان من أمره ما سنذكره فى موضعه.

стр. 2280

وفيه خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير ركب المحمل مصرباى أحد المقدمين، وبالركب الأول الناصرى محمد بن العينى، وكان الحاج فى تلك السنة قليلا. - وفيه صعد سليمان بن قرطام، أحد مشايخ بنى حرام، إلى القلعة، وعلى رأسه منديل الأمان من السلطان، فلما مثل بين يديه لكمه قانصوه الفاجر والى الشرطة، وأخذ منه منديل الأمان والسلطان ساكت لم يتكلم، وثارت عليه جماعة من المماليك السلطانية، وقالوا: هذا قتل خشداشينا الذين (١) قتلوا بالخطارة، فكيف يعطونه منديل الأمان؟ فشقّ ذلك على السلطان، وقام عن الدكة وهو مغضب من المماليك. وفيه جاءت الأخبار من دمشق بوفاة قانصوه اليحياوى نائب الشام، وحضر سيفه، وكان أصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان لا بأس به، تولّى عدة وظائف سنية، منها نيابة الإسكندرية، ونيابة صفد، وطرابلس، ونيابة حلب، ونيابة الشام، وجرى عليه شدائد ومحن، وأسر عند يعقوب بن حسن الطويل فى كاينة يشبك الدوادار مع باينذر، ونفى إلى القدس، ثم ولى بعد ذلك نيابة الشام ومات بها وهو على نيابته، وكان من أجلّ الأمراء وأعظمهم قدرا (٢). وفى ذى القعدة توفى قاضى القضاة الحنبلى بدر الدين السعدى محمد بن محمد بن أبى بكر بن خلف بن إبراهيم الحنبلى، وكان عالما فاضلا عارفا بمذهبه، تولّى القضاء بمصر وهو فى عنفوان شبوبيته، وأقام به مدّة طويلة حتى مات وهو على وظيفته، وكان لا بأس به، وتوفى وهو فى عشر الستين؛ فلما مات أرسل السلطان خلف شهاب الدين الشيشينى وكان بمكة، فلما حضر أخلع عليه السلطان وأقرّه فى قضاء الحنابلة بمصر، عوضا عن بدر الدين السعدى بحكم وفاته، وهو باق على وظيفته إلى الآن، لكن بعد عزل وإعادة كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. - وفيه ظهر قانصوه المحمدى المعروف بالبرجى أحد الأمراء المقدّمين، وكان مختفيا من حين ركب قانصوه خمسمائة وانكسر، فلما ظهر أمّنه السلطان على نفسه، وأقام بداره.

стр. 2281

ومن الحوادث فى هذا الشهر أن القاضى أبو البقا بن الجيعان، وكان طالعا إلى القلعة فصلّى صلاة الفجر وخرج من داره، فلما وصل إلى الحمّام التى يرى بين (١) زقاقهم خرج عليه بعض المماليك، فضربه بخنجر فى بطنه ضربة بالغة، فمات من وقته، وما عرف قاتله، واتّهم به جماعة من المماليك، ولم تنتطح فى ذلك شاتان؛ وكان رئيسا حشما فاضلا عارفا بأحوال المملكة، وكان مقرّبا عند الأشرف قايتباى، ورقى فى أيامه وانتهت إليه الرياسة، وفاق على من تقدّمه من أقاربه، وكان أدوبا حلو اللسان سيوسا وله اشتغال بالعلم، وكان من نوابغ بنى الجيعان، وكان اسمه أبو البقا محمد بن يحيى بن شاكر، وله برّ ومعروف، وهو الذى أنشأ عمارة الزاوية الحمراء، وجعل بها خطبة، والحوض والسبيل، وأنشأ هناك القصور والمناظر والغيط الحافل، وصار ذلك المكان من جملة مفترجات القاهرة، وتسعى إليه الناس فى زمن النيل بسبب الفرجة هناك، وصار عوضا عن التاج والسبعة الوجوه التى كان من المفترجات القديمة؛ ومات أبو البقا وقد قارب الستين سنة من العمر، فلما مات أخلع السلطان على أخيه صلاح الدين وقرّره فى استيفاء الجيش، مضافا لما بيده من نيابة كتابة السرّ. وفيه تزايد شر المماليك الجلبان، وضيّقوا على السلطان وصار معهم فى غاية الضنك، فأرسل يستحثّ آقبردى الدوادار فى سرعة المجئ. - فلما كان يوم الخميس رابع عشرين هذا الشهر وصل آقبردى الدوادار إلى برّ الجيزة، فلما تسامعت به الأمراء خرجوا إليه قاطبة، وكذلك العسكر، ولم يخرج إليه قانصوه خال السلطان، فتلطّف به الأتابكى تمراز حتى ركب معه، وتوجّها إلى نحو السواقى التى عند الهدّ بالقرب من درب الخولى، فقصد قانصوه خال السلطان أن يعدّى من هناك ويتوجّه إلى آقبردى ليسلّم عليه، فمنعوه المماليك من ذلك، وقالوا له: متى ما رحت إليه يقبض عليك؛ فتخيّل من ذلك ورجع من حيث أتى، فعند ذلك كثر القيل والقال، واضطربت الأحوال، وصار العسكر على ثلاث فرق، فرقة مع آقبردى الدوادار،

стр. 2282

وفرقة مع قانصوه خال السلطان، وهى الفرقة التى كانت من عصبة قانصوه خمسمائة فالتفّوا على خال السلطان، وفرقة وافرة من المماليك الجلبان مع السلطان. ثم إن طائفة من المماليك الذين (١) من عصبة خال السلطان لبسوا آلة السلاح وتوجّهوا إلى بيت آقبردى الدوادار الذى عند حدرة البقر، فأحرقوا مقعده ونهبوا رخامه وأخشابه وأبوابه، وذلك قبل دخول آقبردى إلى القاهرة. - فلما كان يوم الجمعة خامس عشرينه عدّى آقبردى عن برّ الجيزة إلى مصر، فلما وصل مصلّة (٢) خولان التى بالقرافة الكبرى، لاقاه الأتابكى تمراز، وتانى بك قرا وقد ظهر وكان مختفيا من حين كسر آقبردى فى شهر رمضان كما تقدّم، وتوجّه إلى آقبردى الجمّ الغفير من العسكر، وكان آقبردى أرسل خلف جماعة من عربان بنى وائل وعربان عزالة، فلاقوه (٣) من عند باب الزغلة التى عند المجراة، فصاروا يشوّشوا على الناس الذين (١) يتوجهون إلى هناك ويعرّونهم ويأخذون عمائمهم وأثوابهم، فخرج إليهم جماعة من المماليك واتقعوا معهم عند باب الزغلة، فقتل فى ذلك اليوم جماعة من الغلمان واثنان من المماليك السلطانية. فلما كان يوم السبت سادس عشرين هذا الشهر رحل الأمير آقبردى من مصلّة (٢) خولان، ودخل إلى المدينة من على مشهد السيدة النفيسة ﵂، ولم يشقّ من الصليبة (٤) بل توجّه إلى بيته من درب الخازن، فلما استقرّ بداره أتى إليه الأمراء والعسكر أفواجا أفواجا، ولو حطم فى ذلك اليوم وطلع إلى الرملة لملك القلعة من غير مانع، وكان ذلك عين الصواب، ولكن أشار عليه بعض الأمراء

стр. 2283

بالتثبّت فى ذلك، فكان كما يقال: وربّما فات بعض الناس حاجته … مع التأنّى وكان الرأى لو عجلا فلما بلغ قانصوه خال السلطان أن آقبردى قد أحضر صحبته عربان من بنى وائل وعزالة، [فأرسل هو أيضا خلف طائفة من عربان بنى حرام، فصار الأتراك يتقعون مع بعضهم] (١)، والعربان يتقعون (٢) مع بعضهم، فلم يحصل بالطائفتين نفع، بل حصل منهم غاية الضرر، وصاروا يعرّون الناس، ويخطفون العمائم بالمطرية وبولاق ومصر العتيقة والقرافة، وصاروا ينهبون الترب ومزارات الصالحين، حتى مزار الإمام الشافعى والإمام الليث ﵄، وأظن أن هذا كان سببا لكسرة آقبردى. ثم إن آقبردى أحضر أشياء كثيرة من الأخشاب وشرع فى عمل طوارق، وأحضر عدّة قناطير نحاس وشرع فى سبك مكحلة كبيرة (٣)، وأظهر (٤) آقبردى الدوادار فى هذه الحركة همّة عالية، وكان عنده من الأمراء الأتابكى تمراز الشمسى، وكرتباى ابن عمة السلطان أمير آخور كبير، وتانى بك قرا الأينالى أمير مجلس، وآقباى نائب غزّة رأس نوبة النواب، وجانم المصبغة حاجب الحجاب، وقانبك الشريفى نائب الإسكندرية أحد المقدمين الألوف، وجانم الأجرود أحد المقدّمين، وبرد بك المحمدى الأينالى أحد المقدّمين أيضا، ومن الأمرء الطبلخانات والعشرات

стр. 2284

فكانوا زيادة على الثلاثين أميرا، منهم مغلباى صصرق الأشرفى برسباى، وغير ذلك من الأمراء، واجتمع عنده الجمّ الغفير من العسكر من سائر الطوائف. فكان آقبردى فى كل يوم يمدّ للأمراء والخاصكية أسمطة حافلة فى باكر النهار وآخره، ثم يحضر لهم السكر والحلوى والفاكهة والبطيخ الصيفى، واستمرّ الحرب ثائرا بين الفريقين، وحاصر آقبردى من بالقلعة أشدّ المحاصرة، ومنع الغلمان والعبيد (١) أن يصعدوا إلى القلعة بشئ من نوع الأكل، وقطع آذان جماعة من العبيد بسبب ذلك. ثم استهلّ شهر ذى الحجة فقوى عزم آقبردى على محاصرة القلعة، فكان يركب كل يوم هو والأتابكى تمراز والأمراء والعسكر، وعلى رأسه الصنجق السلطانى يخفق، وقد أرسله إليه الملك الناصر فى الدّس، وكان له به عناية فى الباطن، فصار آقبردى يظهر أنه لم يركب على السلطان، وإنما له غرماء من الأمراء يقصد القبض عليهم؛ هذا ما كان من أمر آقبردى الدوادار، وأما ما كان من أمر الملك الناصر فإنه لم يكن عنده بالقلعة من الأمراء [سوى سودون العجمى، وجان بلاط الغورى، وقانى باى قرا الرماح، وخاله قانصوه شاد الشراب خاناه، فنصبوا عدة مكاحل حول القلعة، ونصبوا المكحلة المسماة بالمجنونة على باب السلسلة] (٢). وصار الحرب ثائرا بين الفريقين، فبقى مع الفرقة التى بالقلعة من سلّم المدرج إلى رأس الصوّة إلى باب زويلة إلى باب النصر إلى المطرية، وصار مع الفرقة التى مع

стр. 2285

آقبردى من باب القرافة إلى الصليبة إلى قناطر السباع إلى مصر العتيقة وبولاق؛ يقتل فى كل يوم من طوائف العربان مقتلة كبيرة من بنى وائل وبنى حرام، وكانوا يدخلون برءوس القتلاء (١) آخر النهار فى شباك التبن، فقتل فى هذه المعركة من العربان زيادة على ألف إنسان، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلى العظيم، فكانت الأتراك تتقع (٢) مع بعضها والعربان تتقع مع بعضها. فلما قرب عيد الأضحية فرّق آقبردى على الأمراء والعسكر الذين (٣) ركبوا معه عدّة أبقار وأغنام كثيرة، ثم نفق عليهم جامكية ذلك الشهر، وكل هذا من ماله دون مال السلطان، فأصرف فى هذه الحركة فوق المائة ألف دينار، ويا ليت أفاده من ذلك شيئا؛ ثم إن آقبردى شرع فى سبك مكحلة كبيرة، فأحضر المعلم دمنيكوا السبّاك وألزمه بعمل مكحلة، فأخذ فى أسباب ذلك؛ ثم إن آقبردى وزّع الأمراء فى أماكن شتى بسبب حصار القلعة، فكان الأمير كرتباى بن عمّة السلطان أمير آخور كبير، وتانى بك قرا أمير مجلس، وجماعة من العسكر، فى مدرسة السلطان حسن بسبب حصار القلعة، فكانوا يرمون عليها، فلم يفد من ذلك شئ، ثم إن المكحلة المسماة بالمجنونة أرموا بها على من فى مدرسة السلطان حسن، فخرق المدفع شباك المدرسة، ودخل قتل ثلاثة أنفار من المماليك الذين (٣) هناك، فحصل للعسكر من ذلك زمعة. فكان لهم يوم عيد النحروقعة تشيب منها النواصى، وقتل فى ذلك اليوم شخص من الأمراء العشرات، يقال له جانم من قايتباى، وشخص يسمى طومان باى نائب بهسنا، وشخص يسمى قصروه نائب سنجار (٤)، وكانا حضرا صحبة الأمير آقبردى من البلاد الشامية، وقتل ممن كان بالقلعة من المماليك جماعة، ومات شخص من [الأمراء الطبلخانات يقال له برسباى اليوسفى] (٥) أبو ذقن، وكان من مماليك الظاهر جقمق، مات فجأة بالقلعة فى مدّة المحاصرة، وكان لا بأس به.

стр. 2286

فلما طال على العسكر الذى كان مع اقبردى أمر الحصار، وأبطأ عليهم دمنيكوا بفراغ المكحلة التى شرع فى سبكها، وصار يقتل فى كل يوم من حلف آقبردى جماعة كثيرة، فبقى يتسحّب منهم جماعة ويطلعون إلى القلعة شيئا فشيئا، فبان على آقبردى التلاشى، فلما تحايت الطائفة الفوقانية، فعند ذلك ظهر جان بلاط من يشبك الذى كان دوادارا كبيرا، وظهر قرقماس من ولى الدين، وقيت الرجبى، وقانصوه المحمدى المعروف بالبرجى، وظهر قبل ذلك كرتباى الأحمر، وأزبك اليوسفى الظاهرى، وتانى بك الجمالى، وغير ذلك من الأمراء ممن كان مختفيا من حين ركب قانصوه خمسمائة وانكسر. فلما ظهروا وطلعوا إلى القلعة قويت شوكة من كان بالقلعة وجدّوا فى القتال، ولو حطم آقبردى أول يوم ودخل إلى المدينة، لكان ملك القلعة فى ذلك اليوم من غير مانع له، وكانت قلوب العسكر معمّرة منه بالرعب الشديد، ولكن استخفّ آقبردى بمن كان بالقلعة ولم يعلم ما وراء ذلك، فاشتدّ أمر القتال ممن كان بالقلعة، واستطالوا على التحاتة (١) الذين من حلف آقبردى بالنشاب والبندق الرصاص والمدافع، حتى أهلكوا منهم ما لا يحصى. وكان مع آقبردى مدرسة السلطان حسن وسبيل المؤمنى وسويقة عبد المنعم، وصار آقبردى معه صنجق سلطانى، وهو يقول: الله ينصر السلطان الملك الناصر؛ وكرتباى الأحمر وبقية الأمراء معهم صنجق سلطانى، وهم يقولون: الله ينصر السلطان الملك الناصر؛ فحار فكر الناس بين الفريقين ولا بقى يعلم هذه الركبة على من؟ إما على السلطان أو على الأمراء فى بعضهم؟ واستمرّ الحال على ذلك حتى كان ما سنذكره فى موضعه. وأما من توفى فى هذا الشهر من الأعيان، منهم قاضى القضاة ناصر الدين محمد ابن الإخميمى الحنفى، وهو محمد بن أحمد الأنصارى القاهرى الحنفى، وكان عالما فاضلا يقرأ بالسبع روايات، وكان ضنينا بنفسه، وكان إمام السلطان الملك الأشرف

стр. 2287

قايتباى، ثم قرّره فى قضاية القضاة واستمرّ بها حتى مات، وكان موته فجأة فأخرجت جنازته ولم يشعر بها أحد من الناس بسبب تلك الفتن القائمة. وتوفى به أيضا القاضى أبو الفتح محمد المنوفى كاتب المماليك ونائب جدّة، وكان من أعيان المباشرين، ورأى من العزّ والعظمة ما لا يوصف، وفى أواخر عمره قاسى شدائد ومحنا، واعتراه جنون وماخولية، واستمرّ على ذلك حتى مات. - وتوفى أيضا سيدى إبراهيم بن أبى الفضل بن أبى الوفا، وكان شابا صالحا لا بأس به. - وفيه جاءت الأخبار من دمشق بوفاة تمربغا الترجمان، وكان لا بأس به. - وتوفى شمس الدين محمد بن الخادم الحنفى وهو محمد بن أحمد بن أينال الحنفى، وكان من أهل العلم والفضل، وكان لا بأس به. وفى هذا الشهر توقّف النيل عن الزيادة فى ليالى الوفاء، وكان كل أحد فى شاغل (١) عن ذلك، والفتن قائمة. - فلما كان يوم الاثنين ثانى عشرين ذى الحجة، الموافق لسابع عشرين مسرى، فيه وفا النيل المبارك، وفتح السدّ فى الثامن والعشرين من مسرى، وقد أبطأ عن ميجاله (٢) أياما، فلما وفا شاوروا الأمير آقبردى عن فتح السدّ، فبعث والى القاهرة لفتح السدّ، فوجد الشيخ عبد القادر الدشطوطى قد فتح جانبا منه قبل مجئ الوالى؛ ولم يتوجّه أحد ليتفرج على فتح السدّ على جارى العادة، لكون، أن القاهرة كانت فى غاية الاضطراب، من عدم الأمن وفساد الأحوال، والناس على رءوسهم طيرة، فكان كما يقال: أتطلب من زمانك ذا وفاء … وتنكر ذاك جهلا من بنيه لقد عدم الوفاء به وإنى … لأعجب من وفاء النيل فيه وقد قال القائل: لو نطق النيل قال قولا … تشفى به غاية الشفاء

стр. 2288

قد كثر الغدر فاعذرونى … لما توقّفت فى الوفاء فلم يقم النيل سوى أياما قلائل وانهبط بسرعة، وشرّق غالب البلاد، وحصل بسبب ذلك الضرر الشامل. - ولما وقعت الفتن بمصر بين الأتراك وقعت الفتن أيضا بين العربان، وأحرقوا القمح والشعير وهو فى الجرون، ونهب عدة بلاد، فوقع الغلاء بالديار المصرية، [وانتهى سعر القمح] (١) إلى ألف درهم كل أردب، واستمرّ على ذلك مدة طويلة، وكانت الأحوال فى تلك الأيام فى غاية الفساد، وهذا الأمر معلوم من غير أن يشرح. واستمرّ الحرب ثائرا على ما ذكرناه من القتل والنهب عمّال، والرمى بالمدافع والبندق الرصاص والنشاب ليلا ونهارا، إلى أن كان يوم الجمعة سادس عشرين ذى الحجة تسحّب من كان عند الأمير آقبردى من العسكر جملة واحدة، ولم يبق معه سوى مماليكه وبعض مماليك السلطان والأمراء المقدّمين الذين هم من حلفه؛ وكان الأمير جانم الأجرود الأينالى كاشف منفلوط، وأحد الأمراء المقدّمين، قد جرح واختفى ومات من تملك الجرح عقيب ذلك وهو مختفى ولم يشعر به أحد؛ ثم إن الأمير آقبردى اضطربت أحواله، وتشتّت ذلك الجمّ الغفير الذى كان عنده، بعد ما أكلوا أسمطته وأخذوا أضحيته، ونفق عليهم جامكية شهر (٢) من ماله، فلم يرعوا له ذلك، ولا أثمر فيهم ما فعله بهم، فكان كما يقال فى المعنى: لقاء أكثر من يلقاك أوزار … فلا تبالى أصدّوا عنك أو زار (٣) أخلاقهم حين تبلوهنّ أوعار … وفعلهم مأثم للمرء أو عار لهم لديك إذا جاءوك أوطار … إذا قضوها تنحّوا عنك أو طار (٤) فلما كان وقت المغرب من ليلة السبت نزل كرتباى الأحمر من القلعة، وصحبته جميع من كان بالقلعة من المماليك الكبار والصغار الذين (٥) كانوا بالطباق، وزحفوا زحفة واحدة (٦)،

стр. 2289

وهجموا على من بمدرسة السلطان حسن، وأحرقوا بابها ودخلوا على من بالمدرسة من الأمراء، فقتلوا الأمير كرتباى ابن عمّة السلطان (١) أمير آخور كبير، وهرب تانى بك قرا فلم يظفروا به، وهرب جميع من كان بمدرسة السلطان حسن من الأمراء والمماليك، فنهبوا الجلبان ما كان بالمدرسة [من] (٢) طستخانات الأمراء، ونهبوا بسط المدرسة والقناديل، وقلعوا شبابيك القبّة التى بالمدرسة، وأخذوا رخامها، وأحرقوا ربع الأمير يشبك الدوادار المجاور للمدرسة، وأحرقوا أيضا بيته الذى عند القبو بسوق السلاح، لكون أن كرتباى كان متزوجا بابنة الأمير يشبك وهو ساكن به، ثم توجّهت طائفة من المماليك إلى سبيل المؤمنى فأحرقوه، وأحرقوا الربوع التى تحت السور (٣)، وأحرقوا ربع خشكلدى البيسقى التى بجوار بيته؛ فلما دخل الليل ركب آقبردى فى نفر قليل من مماليكه وطلع إلى الرملة، فلم يطبّ طبّة واستمرّ على ذلك بطول الليل. فلما أصبح يوم السبت سابع عشرين ذى الحجة، فيه انكسر آقبردى كسرة مهولة. فرجع إلى داره وأخذ بركه وزردخانته والطستخانات، وخرج من داره وعلى رأسه صنجق، وقدّامه طبلين (٤) وزمرين، ومماليكه حوله وهى لابسة آلة السلاح؛ وخرج صحبته من الأمراء المقدّمين. تانى بك قرا أمير مجلس، وآقباى نائب غزّة رأس نوبة النوب، وجانم المصبغة حاجب الحجاب، وقنبك نائب الإسكندرية أحد الأمراء المقدمين، وكرتباى أخو آقبردى الدوادار أحد المقدّمين؛ ومن الأمراء الطبلخانات والعشرات جماعة كثيرة نحو من عشرين أميرا، فمن جملتهم أينال السلحدار المعروف بالصغير أحد العشرات؛ ومن المماليك السلطانية والسيفية نحو من ألف مملوك. فلما خرج من داره دخل من الدرب الذى عند حمّام الفارقانى، وخرج من

стр. 2290

الدرب الذى تجاه (١) المدرسة الصرغتمشية، وتوجّه من هناك إلى بولاق، وطلع من على جزيرة الفيل، ثم خرج إلى الفضاء وقصد التوجّه إلى نحو البلاد الشامية، ودخل خانقة سرياقوس ولم يقم بها، واستمرّ يجدّ السير حتى وصل إلى بلبيس، فلم يتبعه أحد من الأمراء والعسكر حتى خرج وتوجّه إلى البلاد الشامية، وجرى منه أمور يطول شرحها، ولكن يأتى الكلام على بعضها فى مواضعه. والذى وقع لآقبردى الدوادار لم يقع لمنطاش والناصرى فى أيام الظاهر برقوق، وكان مدّة محاصرته للقلعة واحد وثلاثين يوما، ولم يسمع بمثل هذه الواقعة فيما تقدم من الدول الماضية، قال بعض المؤرخين: لم يقع بمصر من يوم فتحها وهلمّ جرّا مثل واقعة آقبردى الدوادار، فكانت من غرائب الوقائع؛ وفى مدّة المحاصرة كانت الأسواق معطّلة، والدكاكين مقفلة، وامتنع البيع والشراء، ولم تظهر فى تلك الأيام امرأة بالأسواق ولا بالطرقات، وكثر القتل والنهب، وكانت القاهرة مائجة والناس فى أمر مريب. قيل لما طال أمر هذه الفتنة دخل على الأمير آقبردى جماعة من الفقراء من الرفاعية والقادرية وأحمدية من الصوفية، وقد سألوه بأن يكفّ هذا القتال، وأن يقع بين الطائفتين الصلح، فأبى آقبردى من ذلك؛ ثم نزل إليه مثقال مقدّم المماليك رسولا عن لسان السلطان، بأن يكون الصلح بينه وبين الأمراء على يد السلطان، فأبى آقبردى من ذلك، وكانت (٢) هذه ثالث كسرة وقعت لآقبردى، ولكن هذه كانت آخر العهد به من دخوله إلى مصر، وقاسى شدائد ومحنا يأتى الكلام عليها، فهذا ما كان من آقبردى الدوادار. وأما ما كان من أمر الأتابكى تمراز فإنه كان مقيما بالبيت الذى بجوار بيت يشبك

стр. 2291

الدوادار عند المدرسة البندقدارية، وكان موعّكا فى جسده فلم يشعر بكسرة آقبردى، فلما أراد آقبردى أن يفرّ أرسل خلف الأتابكى تمراز وأعلمه بما جرى، وقصد يأخذه معه، فأبطأ عليه، وخشى آقبردى من المماليك الجلبان أن يهجموا عليه ويقتلوه، فأسرع فى الخروج من داره وترك الأتابكى تمراز فى البيت ومضى. ثم إن الأتابكى تمراز لبس قماشه وركب وخرج من البيت الذى كان به، فلما وصل إلى بيت تانى بك قرا لاقاه جماعة من المماليك الجلبان، فقبضوا عليه وقصدوا قتله، فأدخلوه إلى بيت تانى بك قرا، ثم بدا لهم أن يطلعوا به إلى القلعة، فلما خرجوا به من بيت تافى بك قرا ومشى إلى رأس الصليبة عند السكاكينيين، لاقاه طائفة من المماليك الجلبان (١) غير هؤلاء، فقنطروه من على فرسه، فوقع إلى الأرض، فطلعوا به على دكان لبعض السيوفية الذى هناك، فنزعوا أثوابه من عليه وحزّوا رأسه على الدكان بالسيف فلم تنقطع، فكسروها حتى تخلّصت عن جثته. وكان الذى قتله شخص من المماليك، ويقال إن الذى قتل الأتابكى تمراز كان أصله من مماليك الأشرف قايتباى، يقال له برد بك عجوز، وهو من أراذل المماليك القايتبيهية، وما زالت الأيام تبدى العجائب، يسمّى برد بك الأشقر، ثم أخذ رأسه ولفّها فى فوطة وطلع بها إلى القلعة، فلما عرضت على الملك الناصر شقّ عليه ذلك، لكونه كان قرابة أبيه الأشرف قايتباى، ثم إن بعض جماعة الأتابكى تمراز أحضر له نعشا وأخذ فيه جثته وتوجّه بها إلى مكان بالقرب من بيت تغرى بردى الأستادار فغسلوه هناك. ثم إن السلطان أرسل رأس الأتابكى تمراز، وأرسل معها ثوبين بعلبكى وثلاثين دينارا، فخيّطوا رأسه على جثته وغسلوه؛ ثم أحضروا جثة كرتباى ابن عمّة السلطان الذى قتل فى مدرسة السلطان حسن، فغسلوه أيضا مع الأتابكى تمراز وأخرجوهما فى يوم واحد، فصلّوا عليهما فى مصلّة (٢) باب الوزير، ثم توجّهوا بهما إلى تربة الأشرف

стр. 2292

قايتباى، فدفن الأتابكى تمراز على الأشرف داخل القبّة، ودفن كرتباى ابن عمّة السلطان على جانم قريب السلطان، الذى كان ناظر الجوالى مقدّم ألف. وكان الأتابكى تمراز أميرا جليلا معظّما، دينا خيرا كثير البرّ والصدقات، محبّبا للناس، جميل الهيئة، وله آثار ومعروف، ولا سيما ما فعله فى الجسور التى صنعها بالغربية وهو كاشف التراب بالغربية، وهى باقية إلى الآن، وحصل بها غاية النفع للمسلمين، وكان أصل الأتابكى تمراز من مماليك الأشرف برسباى، وأعتقه وأخرج له خيلا وقماشا، وصار من جملة الجمدارية، ثم بقى خاصكيا ساقى فى دولة الأشرف أينال، ثم أنعم عليه بأمرة العشرة وصار عنده من المقرّبين، ثم نفى إلى دمياط فى دولة الظاهر خشقدم، ثم حضر إلى القاهرة فى دولة الظاهر تمر بغا، ثم ظهر أنه ابن أخت الأشرف قايتباى، فلما تسلطن جعله مقدّم ألف، ثم بقى رأس نوبة النوب، ثم بقى أمير سلاح، ثم بقى أتابك العسكر، عوضا عن أزبك من ططخ لما نفى إلى مكة كما تقدّم، ولما مات رثيته بهذه الأبيات، وهو قولى مع التضمين: أرغمت يا دهر أنوف الورى … بقتل تمراز ويتم العباد أتابك العسكر ذا رأفة … بالجود قد شاع لأقصى البلاد أخطأت يا قاتله كيف قد … قتلت من يقمع أهل العناد مصيبة جلّت فمن أجلها … قد أطلقت فى كل قلب زناد لكن فى قتله أسوة … إلى الحسين بن علىّ الجواد مذ أودعوه الرمس ما أنصفوا … بل كان يحيى (١) فى صميم الفؤاد فالله يأجره على ما جرى … من قتله بالعفو يوم المعاد ومات الأتابكى تمراز وهو عشر الثمانين، وكان ليّن الجانب، قليل الأذى، واسطة خير، وما كان يظن كل أحد أن السلطنة تفوته، وقد ترشّح أمره إليها غير ما مرّة، وكان إذا سأله أحد فى حاجة يقول له: اصبر علينا حتى يجئ وقته، وكان متطمّعا بالسلطنة فخابت فيه الظنون، وجاء الأمر بخلاف ما أمّله أن يكون،

стр. 2293

فكان كما يقال: وقائل لى لما أن رأى قلقى … من انتظارى لآمال تعنينا عواقب الصبر فيما قال أكثرهم … محمودة قلت أخشى أن تخزينا ثم جاءت الأخبار بأن آقبردى لما مرّ من على بلاد الشرقية كادت طائفة عربان بنى حرام أن تقطعه، فرجموه حتى جاءت رجمة فى وجهه، وسبّوه سبّاقبيحا، وفعلوا به مثل ذلك فى عدة أماكن، وما خلص منهم إلا بعد جهد كبير، وسبب ذلك أنه سلّط عليهم بنى وائل قتلوا منهم فى مدّة المعركة ما لا يحصى، فلما انكسر ومرّ من عليهم انتقموا منه وجرى عليه منهم ما لا خير فيه. فلما هرب آفبردى وقتل تمراز، اضطربت الأحوال وتزايدت الأهوال، ونزلوا المماليك الجلبان من الطباق، وعطعطوا فى المدينة، وصاروا يدخلون الحارات وينهبون البيوت، حتى نهبوا الربوع التى هى سكن العوام؛ ثم توجّهوا إلى حارة زويلة ونهبوا كل ما فيها، بسبب آن كان لآقبردى حاصلا هناك فيه مال، فهبوا كل ما كان فيه، حتى قيل كان فيه ما يزيد على مائة ألف دينار، غير الخيام والقماش التى كانت هناك، ونهبوا بيوت اليهود التى حوله، ودخلوا الزعر والعبيد ونهبوا القبّة التى فى مدرسة السلطان حسن، وأخذوا الرخام التى بها، والشبابيك النحاس التى بها والأبواب، ومن يومئذ تلاشى حال المدرسة إلى الآن، واستمر النهب والقتل عمّالا ثلاثة أيام متوالية، ولم يجدوا من يردّهم عن ذلك، والمدينة مائجة، وكل من ظفروا به من جماعة آقبردى يقتلونه أشرّ قتلة؛ ثم إن كرتباى الأحمر قبض على المعلم دمنيكوا الذى سبك المكحلة لآقبردى، فقطع رأسه وعلّقها على باب السلسلة، فكان كما قيل فى الأمثال: وربّما عوقب من لا جنى. وقد خرجت هذه السنة على ما شرح فيها من الفتن والأنكاد، والفساد وخراب البلاد، ووقع فيها الغلاء، وتشحّطت الغلال، وقتل فيها من الأمراء نحو من خمسين أميرا، ما بين مقدّمين (١) ألوف وطبلخانات وعشرات، وقد تقدّم ذكر

стр. 2294

ذلك عند وقوع كل حادثة، من أوائل هذه السنة إلى أواخرها، حسبما أوردناه من من الوقائع، وقتل من الجند والعرب نحو من ألف إنسان، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلى العظيم، وما حصل على العسكر بعد وفاة الأشرف قايتباى خير، وجاءت الأمور بضدّ ما أمّلوه من بعده، فكان كما يقال فى المعنى: يسعى ابن آدم فى قضى أوطاره … والموت يتبعه على آثاره يلهو وكفّ الموت فى أطواقه … كالكبش يلعب فى يد جزّاره يمسى وقد أمن الحوادث ليله … فلربما تطرقه فى أسحاره من راد يعلم كيف تصبح داره … من بعده فليعتبر بجواره انتهى ما أوردناه من أخبار سنة اثنتين وتسعمائة. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعمائة فيها فى المحرم كان مستهلّ الشهر يوم الثلاثاء، ووافق ذلك يوم النوروز للقبط، بموجب تحويل السنة القبطية إلى السنة العربية؛ فصعد القضاة إلى القلعة للتهنئة بالشهر، وبهذه النصرة التى وقعت للسلطان؛ فلم يحضر الخليفة فى ذلك اليوم بسبب أنه كان متوعّكا فى جسده، وهو مقيم بالقلعة، فنزل إلى داره فى محفّة، وكان ذلك ابتداء ضعف الموت به. وفى ذلك اليوم أخلع السلطان على الشيخ برهان الدين بن الكركى الإمام وقرّره فى قضاء الحنفية، عوضا عن ناصر الدين بن الإخميمى بحكم وفاته، وهذه أول ولاية ابن الكركى؛ وأخلع على الشيخ سرىّ الدين عبد البرّ بن الشحنة وقرّره فى مشيخة المدرسة الأشرفية، عوضا عن البرهان بن الكركى، فلم يقم بها عبد البرّ غير ثلاثة أيام وأعيد إليها ابن الكركى، مضافا لما بيده من قضاء الحنفية. وفيه تخوّف السلطان على نفسه من الأمراء، فأحضر لهم المصحف العثمانى، وحلّف عليه الأمراء الذين هم من حلف قانصوه خمسمائة بأنهم لا يخونونه قط ولا يغدرونه ولا يركبون عليه، وهذا رابع يمين حلّفه السلطان للأمراء على المصحف

стр. 2295

العثمانى، وكل أيمانهم كانت كاذبة. - ثم إن السلطان عمل الموكب وأخلع على جماعة من الأمراء، منهم المقر السيفى قانصوه خاله وقرره فى الدوادارية الكبرى، عوضا عن آقبردى بحكم اختفائه؛ وأخلع على كرتباى الأحمر وقرّره فى أمرة السلاح، عوضا عن آقبردى أيضا؛ وأخلع على جان بلاط من يشبك وقرّره فى نيابة حلب، وخرج إليها عن قريب. وفيه وصل مبشّر الحاج، وهو شخص من العرب، وقد تأخّر عن عادته ستة أيام لفساد طريق الحجاز. - وفيه توفى الزينى قاسم بن قاسم المالكى أحد نواب الحكم، وكان عالما فاضلا مفتيا لا بأس به. - وفيه قرّر كمشبغا الشريفى فى نيابة الإسكندرية، عوضا عن أسنباى. - وفيه عين السلطان خاير بك أخو قانصوه البرجى، بأن يتوجّه قاصدا إلى ابن عثمان ملك الروم. - وفيه قرر عبد القادر بن النقيب فى مشيخة خانقاة سعيد السعداء، وكانت عيّنت للمسلمى ولم يتمّ ذلك. - وفيه توفى الشيخ بدر الدين محمد الوفاى، وكان لا بأس به. وفيه أخلع على طراباى الشريفى وقرّر أمير آخورثانى، وهذه أول وظائفه؛ وأخلع على دولات باى الأجرود وقرّر فى ولاية الشرطة. - وفيه وقع الاتفاق من الأمراء على عود الأتابكى أزبك وحضوره بالقاهرة من مكة ليلى الأتابكية، عوضا عن تمراز الشمسى، فكتبت له المراسيم بالحضور، وتوجّه بها طراباى الشريفى الذى قرر أمير آخور ثانى، فخرج على الفور بسبب ذلك. - وفيه أخلع على قانى باى قرا الرماح وقرّر أمير آخور كبير، عوضا عن كرتباى ابن عمّة السلطان، الذى قتل بمدرسة السلطان حسن فى واقعة آقبردى، وأخلع على قانصوه المحمدى المعروف بالبرجى وقرّر فى أمرة مجلس، عوضا عن تانى بك قرا الأينالى بحكم اختفائه. وفيه أخلع على قيت الرجبى (١) وقرر حاجب الحجاب، عوضا عن جانم المصبغة بحكم اختفائه مع الأمير آقبردى؛ وأخلع على طومان باى وقرر فى الدوادارية الثانية

стр. 2296

عوضا عن سيباى نائب سيس، بحكم أنه قرّر فى تقدمة ألف، وهى تقدمة جانم الأجرود الأينالى كاشف منفلوط، بحكم أنه جرح فى واقعة آقبردى ومات عقيب ذلك؛ وأخلع على أزدمر من على باى وقرّر فى شادبة الشرابخاناه، عوضا عن قانصوه خال السلطان، بحكم انتقاله إلى الدوادارية الكبرى؛ وقرر تمر فى الزردكاشية الكبرى، عوضا عن قايت أخو الأشرف قايتباى؛ وقرر بيبرس فى نيابة القلعة، عوضا عن قايت عمّ الملك الناصر، فعزل من الزردكاشية ونيابة القلعة، وقد نسب إلى الميل مع عصبة آقبردى الدوادار. وفيه أخلع على أزبك اليوسفى المعروف بالخازندار وقرّر مقدم ألف مشير المملكة، وقرّر قانصوه كرت فى الخازندارية الكبرى. - وفيه دخل الحاج إلى القاهرة، بعد ما قبض على أمير الحاج مصرباى فى عجرود وتوجّهوا به من هناك إلى السجن بالإسكندرية فسجن بها. - وفيه جاءت الأخبار بأن آقبردى الدوادار، لما خرج من مصر بعد فراره، استولى على غزّة وملكها، فاتّفق رأى الأمراء على خروج تجريدة إليه. - وفيه أخلع على جان بلاط الغورى وقرّر فى الرأس نوبة الكبرى، عوضا عن آقباى نائب غزّة، بحكم فراره مع آقبردى، وقرر أزبك قفص فى الرأس نوبة الثانية. وفيه أشيع بين الناس أن الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز قد اشتدّ به المرض وأشرف على الموت، وقد عهد بالخلافة إلى ولده الشرفى يعقوب، وحكم بذلك قاضى القضاة المالكى عبد الغنى بن تقىّ، ونّفذه على بقيّة القضاة، وعهد بالخلافة أيضا لولده محمد من بعد أبيه يعقوب؛ فلما بلغ ذلك ابن عمّه خليل، اضطربت أحواله، وضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وكان منتظرا للخلافة بعد عمّه عبد العزيز، فلم ينله من ذلك شئ، وفاته المطلوب، فقدح فى الشرفى يعقوب من نار قلبه بكلمات قبيحة، فلم يفده من ذلك شئ ولا التفت إليه أحد من القضاة، بل ولا السلطان، وولى الخلافة يعقوب على رغم أنف خليل، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه عن قريب، وقد قلت فى هذه الواقعة مع التضمين: قالت العليا لمن حاولها … سبق المولى وقد حلّ عراها

стр. 2297

فدعوا الحاسد فيها إنها … حاجة فى نفس يعقوب قضاها فلما كان يوم الخميس سلخ المحرم من سنة ثلاث وتسعمائة، فيه كانت وفاة أمير المؤمنين أبو العز عبد العزيز، وهو عبد العزيز بن يعقوب بن محمد المتوكل على الله، ولم يل والده يعقوب الخلافة بل جدّه محمد المتوكل؛ وكان الخليفة عبد العزيز رئيسا حشما، ذا شهامة، جميل الهيئة، كفوا للخلافة، وافر العقل، سديد الرأى، وله اشتغال بالعلم، وخطّ جيّد مع حسن عبارة، وكان عنده لين جانب، واتضاع، كثير العشرة للناس، وتوفى وله من العمر نحو من أربع وثمانين سنة، ومولده بعد السابع عشر والثمانمائة؛ وكانت مدّة خلافته تسع عشرة سنة وأياما، وحضر مبايعة الملك الناصر محمد بن قايتباى، ومبايعة قانصوه خمسمائة، وكان من خيار بنى العباس، وكانت له جنازة حافلة، ونزل الملك الناصر وصلّى عليه بسبيل المؤمنى، ودفن بجوار مشهد السيدة نفيسة ﵂، داخل القبّة التى تدفن فيها الخلفاء، ولما مات تولّى الخلافة بعده ابنه يعقوب. ذكر خلافة أمير المؤمنين المستمسك بالله أبو الصبر يعقوب ابن عبد العزيز بن يعقوب بن محمد المتوكل على الله وهو الرابع والخمسون من خلفاء بنى العباس فى العدد، وهو الخامس عشر من خلفاء بنى العباس بمصر، فهو من خلاصة بنى العباس، لكونه هاشمى الأبوين؛ ولم بل الخلافة من هو هاشمى الأبوين غير أربعة من بنى هاشم، وهم: الإمام على كرم الله وجهه، كانت أمه هاشمية تسمى فاطمة بنت أسد بن هاشم، ثم ابنه الحسن ﵁، وأمّه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم محمد الأمين ابن زبيدة، وكانت أمه هاشمية، ثم يعقوب بن عبد العزيز وأمه هاشمية تسمى آمنة بنت أمير المؤمنين المستكفى بالله أبى الربيع سليمان، فهذه الأربعة هاشميين (١) الأبوين، وما عدا ذلك فإن غالب الخلفاء كانوا من سرارى مولدات وحبش وغير ذلك.

стр. 2298

وكانت صفة ولاية الشرفى يعقوب أن لما كان يوم السبت ثالث صفر بعث الملك الناصر خلف الشرفى يعقوب، فحضر وحضر ابن عمه خليل، فعرض العهد المقدّم ذكره على السلطان، فشرع خليل يتكلم فى حقّ الشرفى يعقوب بكلمات فاحشة، منها أنه قال: هذا قليل النظر ولا تصحّ ولايته؛ فلم يلتفت السلطان إلى كلام خليل، وقال: هذا أبوه كان خليفة؟ فقيل له: لا؛ فقال (١): ما بلى الخلافة إلا من كان أبوه خليفة؛ وشرع كرتباى الأحمر وأزبك اليوسفى مشير المملكة وتغرى بردى الأستادار يساعدون (٢) الشرفى يعقوب، فترشّح أمره بأن يلى الخلافة، وفى الحقيقة لم يكن يومئذ من بنى العباس من يصلح للخلافة غير الشرفى يعقوب، فى الدين والخير والصلاح، فاتّفق رأى الأمراء على ولايته، ونزل خليل من القلعة بخفّى حنين. فلما حضر القضاة وتكامل المجلس لم يحتج إلى مبايعة ثانية، لأنه استقرّ فى الخلافة بعهد من أبيه له عند موته، فاستكفى القاضى الشافعى بذلك؛ ثم أحضر إليه شعار الخلافة فأفيض عليه، وتلقّب بالمستمسك بالله أبى الصبر، وعدّ لقبه هذا من النوادر؛ وقيل إن الشيخ جلال الدين السيوطى هو الذى كنّاه ولقّبه بهذا اللقب، ومن الغرائب أن لم يل الخلافة من بنى العباس ولا من بنى أميّة من اسمه يعقوب سواه؛ فلما تمّت بيعته أحضر إليه التشريف فأفيض عليه، فصار فى غاية الأبّهة والوقار، وفى الحقيقة أنه من عباد الله الصالحين، لم يعهد له صبوة من منذ نشأ وإلى الآن ﵁، وفيه أقول مضمنا: يا أمير المؤمنين أقبل ولا … ترتجى غير الذى قد شرّفك لو أتى العباس أضحى قائلا … يرحم الله الذى قد خلّفك وكان له من العمر لما ولى الخلافة نحو من خمسين سنة وقد وكزه الشيب، فنزل من القلعة فى موكب حافل، حتى وصل إلى داره، واستمرّ فى هذه الولاية مدّة طويلة حتى كان من أمره ما سنذكره فى موضعه. وفى ربيع الأول أخلع على قانصوه خال السلطان وقرّر فى الوزارة والأستادارية،

стр. 2299

عوضا عن كرتباى الأحمر، بحكم استعفائه من ذلك. - وفيه جاءت الأخبار من مكة بوفاة السيد الشريف الحسيب النسيب محمد بن بركات أمير مكة، وكان رئيسا حشما فى سعة من المال، كفوا لأمرة مكة، وكان لا بأس به. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة أينال باى الإبراهيمى نائب طرابلس، وكان من حلف آقبردى الدوادار. وجاءت الأخبار بوفاة كرتباى أخو آقبردى الدوادار، الذى كان نائب صفد، ثم بقى مقدّم ألف بمصر، وفرّ مع أخيه آقبردى فمات فى أثناء الطريق ودفن هناك. - وفيه أخلع على تغرى بردى القادرى وقرر فى الأستادارية نائبا عن قانصوه خال السلطان. - وفيه فى أوائل بابه أمطرت السماء مطرا مهولا، حتى وقع منه عدّة أماكن، وخسف غالب القبور التى بالقرافة والصحراء، وكان من نوادر الوقائع. وفيه أخلع السلطان على كرتباى الأحمر وقرّره فى نيابة الشام، عوضا عن قانصوه اليحياوى، بحكم موته، وكان كرتباى الأحمر هو الساعى فى ذلك، خوفا على نفسه من الملك الناصر أن لا يسلّط عليه المماليك الجلبان بقتله، وقد همّ بذلك غير ما مرّة، لأجل أن كرتباى كان يحجّر على الملك الناصر ويمنعه عن هذه الأفعال الشنيعة، فكرهه بسبب ذلك وقصد قتله، حتى قيل إنه ذبح السلطان يوما كبشا بيده، وقال: هكذا أفعل بكرتباى الأحمر عن قريب، فلما خرج كرتباى الأحمر من القاهرة كان له يوم مشهود، وطلّب طلبا حافلا. وفيه عيّن السلطان تجريدة بسبب آقبردى الدوادار، فإنه لما انكسر وخرج من مصر فارا حاصر الشام وقصد يملكها فما قدر على ذلك، فنهب الضياع التى حول دمشق وأخرب غالبها، وفعل مثل ذلك بضياع حلب، فوقع الاتفاق من الأمراء على خروج تجريدة له، فنفق السلطان على العسكر المعيّن لها، وبعث نفقة الأمراء الذين (١) تعيّنوا للخروج إلى التجريدة، وهم: قانصوه البرجى أمير مجلس، وقيت الرجبى حاجب الحجاب، وقانصوه الغورى أحد المقدّمين، وهو الذى تسلطن فيما بعد، وأصطمر من ولى الدين أحد المقدّمين، وقصروه أحد المقدّمين، ومن الأمراء الطبلخانات

стр. 2300

والعشرات عدّة وافرة. ثم جاءت الأخبار بأن آقبردى بعد أن حاصر الشام نحوا من شهر فلم يقدر عليها، وحاربوه الأمراء الذين (١) بالشام ورموا عليه بالمدافع، ففرّ إلى حلب (٢) وحاصرها نحوا من شهرين، وكان أينال السلحدار يومئذ نائب حلب، وكان من عصبة آقبردى فقصد أن يسلمه مدينة حلب، فرجموه أهل المدينة وطردوه منها، وحصّنوا المدينة بالمدافع على الأسوار، فعند ذلك فرّ آقبردى ومن كان معه من الأمراء والعسكر، وخرج أينال نائب حلب صحبتهم، ففرّوا أجمعين وتوجّهوا إلى على دولات فالتجأوا (٣) إليه، فلما بلغ الأمراء ذلك اضطربت أحوالهم وضربوا فى ذلك مشورة، فوقع الاتفاق على أن يولّوا جان بلاط من يشبك الذى كان دوادارا كبيرا نيابة حلب، عوضا عن أينال الذى كان بها، بحكم فراره مع آقبردى. ولما تولى كرتباى الأحمر نيابة الشام وخرج إليها، أخلع السلطان على محمد بن العظمة وأعاده إلى نظر الأوقاف، وكان الساعى له عبد القادر بوّاب الدهيشة، فكثر عليه الدعاء من الناس بسببه. - وفيه عمل السلطان المولد النبوى، وكان حافلا. - وفيه أخلع السلطان على جانبلاط الموتر أحد العشرات، وقرره فى الحسبة، عوضا عن تانى بك من حديد بحكم موته. - وفى تلك الأيام اشتدّ الغلاء وانتهى سعر القمح إلى ثلاثة أشرفية كل أردب. وفيه كان دخول الأتابكى أزبك إلى القاهرة، وقد حضر من مكة، فلما حضر أخلع عليه وأعاده إلى الأتابكية، عوضا عن تمراز الشمسى، بحكم قتله كما تقدّم، وكان دخول الأتابكى أزبك فى يوم الخميس ثامن عشرين هذا الشهر، وكان مدّة غيبته فى مكة سنتين وثلاثة أشهر وأيام. - وفيه هجم المنسر على سوق تحت الربع وسوق الحاجب وفتحوا عدّة دكاكين، فلما بلغ الوالى ذلك ركب وتحارب مع المنسر، وقتل من أعوانه جماعة، ولم يبلغ من المنسر أربا وراحت على التجار أموالها.

стр. 2301

وفى ربيع الآخر فى يوم الثلاثاء رابعه كان خروج الأمراء الذين (١) تعيّنوا للتجريدة، فكان لهم يوم مشهود، حتى رجّت لهم القاهرة، وقد تقدّمهم كرتباى الأحمر الذى تقرر فى نيابة الشام، وجانبلاط من يشبك الذى تقرر فى نيابة حلب، فاستمرت الأطلاب تنسحب إلى قريب الظهر، والعسكر خارجا أفواجا أفواجا. - وفيه ظهر تانى بك الجمالى، وكان مختفيا من حين ركب قانصوه خمسمائة وانكسر، فلما ظهر أخلع عليه السلطان وأعاده إلى أمرة السلاح، عوضا عن كرتباى الأحمر بحكم انتقاله إلى نيابة الشام. وفيه أعيدت مشيخة المدرسة الأشرفية إلى برهان الدين بن الكركى، وانفصل عنها عبد البرّ بن الشحنة. - وفيه نزل السلطان وتوجّه إلى قبّة يشبك التى بالمطرية وبات بها، فلما أصبح شقّ من القاهرة فى موكب حافل، وصحبته قانصوه خاله وبعض الأمراء، وجعل قدّامه طبلين وزمرين (٢)، وعبيد سود ترمى بالنفوط قدّامه على هيئة الكشاف، وقد بهدل حرمة المملكة ولم يقع من أبناء الملوك من السواقط ما وقع من الناصر هذا، كما يأتى الكلام عليها فى موضعه. وفى هذا الشهر حضر الشهاب الشيشينى من مكة، وقد أرسل إليه مرسوم من السلطان بالحضور ليلى قضاء الحنابلة، فلما حضر أخلع عليه وقرّر فى قضاء الحنابلة بمصر، عوضا عن بدر الدين السعدى بحكم وفاته. - وفيه نادى والى القاهرة عن لسان السلطان بأن أهل الأسواق والحارات يعملون عليهم دروبا فامتثلوا ذلك وبنيت بالقاهرة دروب، منها على سوق تحت الربع وسوق أحمد بن طولون وسوق أمير جيوش، وغير ذلك من الأسواق والحارات، وكان المناسر قد كثرت فى تلك الأيام جدا، وصاروا يهجمون على الأسواق والحارات ويعطعطون بها. ومن الحوادث الشنيعة أن السلطان نادى فى القاهرة بأن الأمراء المختلفين الذين هم من عصبة آقبردى الدوادار يظهرون (٣) وعليهم أمان الله تعالى، وأشيع أن آقبردى

стр. 2302

قد ظهر وهو عند السلطان بالقلعة، فعند ذلك ظهر برد بك المعروف بنائب جدّة، الذى كان من جملة المقدّمين، وظهر أيضا برد بك المحمدى الأينالى، وأبو يزيد الصغير، وبرسباى السلحدار، وبرقوق المحتسب، وشاد بك، وبيبرس، وقانصوه الفاجر، وكرتباى الكاشف، وخاير بك الكاشف، وقانصوه الساقى، ودولات باى من غيبى، وآخرين من الخاصكية. وكان قبل ذلك رسم السلطان بالإفراج عن مصر باى، وكان فى السجن بثغر الإسكندرية، فحضر وحضر أيضا قانبك أبو شامة، وتانى بك المحمدى الأينالى، وجانى باى، وكانوا هؤلاء فى السجن من حين ركب آقبردى الدوادار وانكسر، فلما ظهروا هؤلاء كثر القال والقيل فى سبب ظهورهم، ثم إن السلطان صرّح فى قوله: أنا ما رسمت بإخراجهم إلا لأصلح بينهم وبين الطائفة التى من عصبة قانصوه خمسمائة. فلما ظهروا وطلعوا إلى القلعة باتوا تلك الليلة بالقلعة، فقرأ السلطان ختمة ومدّ أسمطة حافلة؛ فلما صلّى العشاء أحضر عدّة خلع، فأخلع على مصرباى وعيّنه أمير آخور كبير، وأخلع على أبى يزيد الصغير وعيّنه دوادار ثانى، وأخلع على قانبك أبو شامة وعيّنه نائب القلعة، وأقرّ على آخرين منهم فى تقادم ألوف، وآخرين فى أمريات طبلخانات، وآخرين فى أمريات عشرات، وكل هذه خفّة وطيش وصبينة من الملك الناصر، وقد طاش إلى الغاية لما خرج كرتباى الأحمر إلى الشام، وكان يظن أن ما بقى على يده يد، وكل هذا عقل الصغار، فكان كما قال المعمار: ذى دولة حواضر (١) تسويقة معتبر … خليلى وشامى والخيار مقعبر فلما جرى ذلك تحت الليل بلغ الأمراء الذين (٢) من عصبة قانصوه خمسمائة ما وقع من السلطان تلك الليلة، فلما طلع النهار لبسوا لامة الحرب وصعدوا إلى القلعة، فوثبوا على بعضهم بها، وكانت فتنة مهولة، فقتلوا الأمير أبا يزيد الصغير، والأمير سيباى الأشقر، وهرب الأمير مصرباى، وقانبك (٣) أبو شامة، واتّسعت الفتنة،

стр. 2303

وقتل فى هذه المعركة جماعة من الخاصكية، وقد همّوا بقتل السلطان لولا أنه اختفى، ثم نزلوا بجثة أبى يزيد على حمار، وتوجّهوا بها إلى داره ليغسلوه ويدفنوه. ثم نزل جماعة من المماليك ونهبوا بعض أماكن الأمراء الذين (١) من حلف آقبردى، ونهبوا بيت الناصرى محمد بن خاص بك، كونه كان صهر آقبردى الدوادار؛ فلما بلغ الأتابكى أزبك ما جرى طلع إلى القلعة، واجتمع بالسلطان ولامه على هذه الأفعال الشنيعة التى بتصدر (٢) منه، فلم يلتفت إلى كلامه، ثم نزل الأتابكى أزبك إلى داره، وقد خمدت هذه الفتنة قليلا، وكان ذلك يوم الخميس حادى عشرين ربيع الآخر. وفى جمادى الأولى وقع من الملك الناصر غاية القبح فى حق الأمراء المقدّمين، بأشياء ما سبقه إليها أحد من السلاطين، وهو أنه أضاف لكل أمير مقدّم ثلاثين مملوكا من المماليك الأجلاب، يأخذون من إقطاعه فى كل سنة عشرة الاف درهم لكل مملوك، وأضاف إلى أمير كبير أزبك أربعين مملوكا، كل مملوك يأخذ من إقطاعه فى كل سنة عشرة آلاف درهم، وأضاف لكل أمير طبلخانات عشرة من المماليك يأخذون من إقطاعه على حكم ما تقدّم، وأضاف لكل أمير عشرة خمسة من المماليك، على حكم ما شرح من ذلك؛ فحصل من المماليك فى حقّ الأمراء ما لا خير فيه، وصاروا يدخلون بيوت الأمراء وهم راكبون، ويشوّشون على مباشرينهم (٣) بالضرب والسبّ، حتى يأخذوا (٤) منهم ما قرر لهم، فأضرّ ذلك بحال الأمراء وما طاقوا ذلك، ولكن لم يخرج من أيديهم شئ بسبب اضطراب الأحوال فى تلك الأيام، فكان كما يقال: اخضع لقرد السوء فى زمانه … وداره ما دام فى سلطانه وفيه أمر السلطان بهدم كنيسة ليهود فى دموة، فتوجّه إلى هناك بنفسه

стр. 2304

وهدمها بحضرته، ثم عاد إلى القلعة. - وفيه تزوّج الأمير طومان باى الدوادار الثانى، بابنة الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، فكان لها مهم حافل. - وفى هذا الشهر كانت وفاة شيخنا علامة العصر الشيخ شمس الدين محمد بن أبى بكر بن حسن بن عمران بن نجيب، المعروف بالقادرى، وكان شاعر العصر على الإطلاق بعد الشهاب المنصورى، وكان مولده بعد الثلاث والثلاثين والثمانمائة، وكان شاعرا ماهرا وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله فى ميقاتى، وقد أجاد: فى صنعة الميقات بدر نجمه … بالسعد يخدمه مدى الساعات حجّت عيون الناس كعبة حسنه … وقضت مناسكها من الميقات وقوله أيضا فى فرس محجل الثلاثة مطلق اليمين: وطرف زانه التحجيل يحكى … لمن يحكيه بالسحر المبين جوادا رام أن يخفى نوالا … فأسبل كمّه فوق اليمين وفيه جاءت الأخبار من مكة بأن قد وقع بين السيد الشريف بركات، وبين ابن أخيه هزاع فتنة كبيرة، وكادت أن تخرب فيها مكة. - وفيه توفى إمام الكاملية وابن إمامها، وكان من عباد الله الصالحين، دينا خيرا لا بأس به. وفى جمادى الآخرة وقعت الوحشة بين السلطان وبين الأمراء، بل وبين خاله قانصوه، بسبب ما تقدم من تلك الفتنة التى وقعت من حلف آقبردى الدوادار، وقد نسب فيها السلطان إلى غرض. - وفيه قرّر يحيى بن سبع فى أمرة الينبع، عوضا عن دراج بحكم صرفه عنها. - وفيه جاءت الأخبار بقتل الطواشى لؤلؤ الرومى رأس السقاة، وكان قد خرج إلى الوجه القبلى فى بعض أشغال السلطان، ليتوجّه إلى مكة من هناك، وكان صحبته السيجينى المرافع، فقتل مع لؤلؤ أيضا. - وفيه نزل السلطان وبات فى تربة أبيه، وحصل منه تلك الليلة عدة مساوئ لا ينبغى شرحها. - وفيه جاءت الأخبار بوصول الطاعون إلى قطيا وقد فشابها، وهو زاحف نحو الديار المصرية. وفيه نادى السلطان فى مصر والقاهرة بأن تعلّق على الحوانيت قناديل،

стр. 2305

وكذلك البيوت المطلّة على الشوارع، وصار يركب هو بنفسه فى كل ليلة بعد العشاء، وقدّامه فانوسين (١) أكرة وأربع مشاعل، ومعه أولاد عمّة قيت: جانم وأخوه جانى بك، وقدّامه عدّة عبيد سود، ومعهم مكاحل نفط، فكان إذا طاف بالقاهرة من بعد العشاء، ورأى أحدا يمشى فى الشوارع يقطع أذنيه مع أنفه، وشئ يضربه بالمقارع، وشئ يوسّطه، فقتل من الناس ما لا يحصى فى مدّة يسيرة، وكان إذا مرّ بدكان ولم ير عليها قنديلا، يسمّر الدكان وهو واقف بنفسه عليها حتى تسمّر، وكل هذا خفّة وطيش، وقد بهدل حرمة المملكة فى أيامه ولم يتبع طريقة الملوك السالفة فى إقامة حرمة السلطنة، وصار على طريقة والى الشرطة. وفيه قبض بعض الخاصكية على عبد من عبيد السلطان، يقال له فرج الله، وكان مقربا عنده إلى الغاية، فلما قبضوا عليه قتلوه بالرملة، فشقّ ذلك على السلطان وتأسّف عليه، ولم يقدر أن يحميه من المماليك، فإنهم كانوا يومئذ طالبين الشرّ مع السلطان، بسبب هذه الأفعال التى بتصدر (٢) منه. - وفيه قرر شاهين الجمالى باستمراره فى نظر الحرم الشريف النبوى على عادته، فخرج إلى السفر عن قريب، وأمره السلطان أن يتوجّه إلى يحيى بن سبع أمير الينبع، ويصلح بينه وبين أمير مكة، وكان وقع بينهما فى تلك الأيام وحشة. وفى رجب ظهر الطاعون بالقاهرة ومات به جماعة. - وفيه تخوّفت خوند أصل باى أم الناصر على ولدها من خاله قانصوه، وكانت المماليك قد التفّوا عليه، فأحضرت المصحف العثمانى إلى بين يديها فى قاعة الواميد، وحلّفت عليه أخاها قانصوه وابنها الناصر محمد بوفاء كل منهما إلى صاحبه، ولم يفد من تلك الأيمان شئ. - وفيه خرج خاير بك أخو قانصوه البرجى قاصدا إلى ابن عثمان، فخرج فى تجمّل زائد، وأصرف فى هذه الحركة مالا له صورة. - وفيه توفى الشيخ داود المالكى، وكان من أعيان علماء المالكية، من أهل العلم والدين، وكان لا بأس به. وفى شعبان تزايد أمر الطاعون بالديار المصرية، ومات من المماليك والأطفال

стр. 2306

والعبيد والجوار جانبا؛ فلما كثر الموت فى المماليك صنع السلطان ثلاثين نعشا برسم من يموت بالقلعة، وحصل بذلك النفع. - وفيه توفى أينال الفقيه الحسنى الظاهرى جقمق، أحد الأمراء الطبلخانات والحاجب الثانى، وكان دينا خيرا لا بأس به. - وفيه وقعت نادرة غريبة وهو أن شخصا من مماليك السلطان مات، فغسل وكفن (١) ووضع فى نعشه وحمل ليدفن، فبينما هو فى أثناء الطريق اضطرب وتحرّك فى أكفانه، فوضع على الأرض وحلّوا أكفانه، فاستوى جالسا، وعاش بعد ذلك مدّة. - وفيه توفى العزّى عبد العزيز بن البرهان إبراهيم، وكان من مشاهير الناس لا بأس به، مات مطعونا. ومن الحوادث فى هذا الشهر أن الصوفية التى بالخانقاة البيبرسية، ثاروا على شيخهم الشيخ جلال الدين الأسيوطى، وكادوا أن يقتلوه، ثم حملوه بأثوابه ورموه فى الفسقية، وجرى بسبب ذلك أمور يطول شرحها، وكان طومان باى الدوادار محطّا عليه، فلما تسلطن فيما بعد اختفى الشيخ جلال الدين فى مدّة سلطنته، حتى كان من أمره ما سنذكره فى موضعه. - وفيه أخلع على ماماى جوشن وقرّر فى الحجوبية الثانية. - وفيه تعامل الناس بالفلوس الجدد معاددة، وبطل أمر وزنهم بالميزان. وفيه تزايد شرّ المماليك الجلبان، وجاروا على الناس بخطف القماش من الدكاكين والبضائع من الأسواق، وصاروا يستخفّون بالسلطان والأمراء، حتى قيل إن بعض المماليك كان راكبا على فرس حرون، فصادف جنازة فى وجهه، فجفل منها فرس ذلك المملوك، فسقط إلى الأرض، فخرج خلقه وهاش على الحمالين الذين حاملين الميت، فلما عاينوا ذلك هربوا وألقوا الميت على الأرض، فلما هربوا أخذ الدبوس ووقع فى الميت فضربه به حتى اشتفى، وصار الميت ملقى على الأرض لم يدفن إلى آخر النهار، وقيل جرت هذه الواقعة فى سويقة صفيّة، وصار الطعن عمّال والمماليك جائرة فى حقّ الناس بالأذى، حتى قلت فى ذلك هذه المداعبة، وهو قولى:

стр. 2307

أقول للطعن والمماليك … جاوزتما الحدّ فى النكاية ترفّقا بالورى قليلا … فى واحد منكما كفاية فكان الناس على ما ذكرناه من هذه الأفعال الشنيعة، والملك الناصر فى طيشانه ولعبه، فنزل إلى بولاق فى ليلة سيدى إسماعيل الإنبابى رحمة الله عليه، وشقّ البحر فى مركب، ومعه جماعة (١) أولاد عمّه: جانم وأخيه جانى بك، وأحرق تلك الليلة ببولاق حراقة نفط حافلة، وبات فى المركب تلك الليلة، وكانت من الليالى المشهودة فى القصف والفرجة، وفعل مثل ذلك عدّة مرار. - وفيه توفى عبد القادر الألواحى بوّاب الدهيشة، وكان عند الملك الناصر من جملة المقرّبين، وكانت الناس تسعى فى الوظائف من بابه. - وفيه مات بالطاعون شاه بضاع بن ذالغادر أمير التركمان، وكان مقيما بالقاهرة. وفيه جاءت الأخبار بأن العسكر الذى توجّه إلى محاربة آقبردى الدوادار، فتبعوه إلى عينتاب واتقعوا معه هناك، فانكسر آقبردى كسرة مهولة، وقتل من عصبته جماعة كثيرة، منهم أينال السلحدار نائب حلب الذى فرّ معه، وقتل لعلى دولات ولدان، وقتل من المماليك والخاصكية الذين كانوا معه جانب كبير، وأخبروا أن آقبردى لما انكسر توجّه إلى نحو الفراة بمن معه من الأمراء، ومن بقى معه من العسكر، وقد حاربه كرتباى الأحمر نائب الشام أشدّ المحاربة، وكان قد توجّه إلى عينتاب صحبة العسكر حتى يحارب معه [وكسره، وعن قريب تحضر رءوس من قتل فى هذه المعركة] (٢). وفى رمضان تزايد أمر الطاعون، وفتك فى المماليك والعبيد والجوار والأطفال والغرباء فتكا ذريعا، حتى انتهى إلى ثمانمائة جنازة فى كل يوم، وكان كما يقال فى المعنى:

стр. 2308

ألا إن هذا الوباء قد سبا … وقد عمّنا طعن طوفانه ولا عاصم اليوم من أمره … سوى رحمة الله سبحانه ومات فى هذا الشهر من الأعيان جماعة كثيرة، منهم الناصرى محمد بن الشهابى أحمد بن العينى، وكان شابا رئيسا حشما، أدوبا عاقلا، وولى من الوظائف: حسبة القاهرة، ونظر الجوالى، ووكالة بيت المال، وتوجّه إلى الحجاز أمير حاج أول فى دولة الملك الناصر، وكان عنده من أخصائه؛ ومات بيبرس من حيدر الأشرفى قايتباى نائب القلعة، وكان لا بأس به؛ ومات الأمير جانبلاط الغورى رئيس نوبة النوب، وكان قليل الأذى لا بأس به، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى، وتنقّل من الخاصكية لأمرة عشرة، ثم بقى أمير الطبلخانات، ثم بقى نائب القلعة، ثم بقى مقدم ألف، ثم بقى رأس نوبة النوب، وتوفى فى هذا الشهر. وفيه مات صنطباى المبشّر الأشرفى قايتباى، أحد الأمراء الطبلخانات؛ وماتت شاشة أم آقبردى الدوادار الجركسية، فنزل السلطان وصلّى عليها، وحمل نعشها قانصوه خال السلطان، ومشى به خطوات؛ وماتت أم جمجمة ابن عثمان، سرية أبيه محمد بن عثمان ملك الروم، وكان اسمها ججك، وكانت لا بأس بها؛ ومات قيت الأشرفى قايتباى أحد العشرات، وكان شاد الطرانة ومن الوقائع الغريبة أن شخصا من المماليك الجلبان طعن، فلما أشرف على الموت أحضر شهودا، وأخرج بين أيديهم جملة قماش، ما بين بشاخين ومقاعد ومخدّات وبسط وغير ذلك، ومبلغ نحو من ثلاثة آلاف دينار، وأخبر أنه نهب ذلك من مكان سمّاه، ثم قال لغلامه: امض وآتنى بأصحاب تلك القماش، فمضى الغلام والشهود جالسة، فغاب ساعة ثم أحضر أصحاب القماش، فعرفهم ذلك المملوك، فسلّمهم تلك المال والقماش بحضرة الشهود وسألهم المحاللة، فلما حاللوه ومضوا مات من ليلته، فعدّ ذلك من النوادر. ومات آخر من المماليك الجلبان، فوجد عنده خمسة عشر ألف دينار، فذكر غلامه أنه نهب ذلك من حاصل آقبردى الذى فى حارة زويلة، فحمل ذلك المال إلى

стр. 2309

خزائن السلطان؛ ومات مصرباى من على باى الذى (١) كان نائب قلعة حلب وعزل عنها؛ ولما كثر الموت فى الناس رسم السلطان بعمارة سبيل المؤمنى، وهى المصلاة التى بالرملة، وكانت خرابا من حين حاصر آقبردى القلعة. وفيه جدّد الأمير طومان باى، الدوادار الثانى، ما فسد من مدرسة السلطان حسن، من حين كانت واقعة آقبردى الدوادار، فجدّد باب المدرسة الذى كان احترق، وسدّ شبابيك القبّة وغير ذلك مما فسد منها، وأقيمت بها الخطبة وصلاة التراويح، وكانت معطلة نحوا من عشرة أشهر بسبب ما تقدم. وفيه قبض على إنسان زعموا أنه ينبش القبور على الموتى ويسرق أكفانهم، فأمر السلطان بسلخ وجهه وهو حىّ، فسلخوه من حدّ رقبته وأرخوه على صدره، وصار عظم رأسه ظاهرا، فطافوا به فى القاهرة، ثم علّقوه على باب النصر، واستمر معلّقا إلى أن مات؛ ثم نودى للحفارين بحفظ أكفان الموتى. - وفى أواخر هذا الشهر تناقص أمر الطعن وخفّ، بعد أن فتك فى الناس فتكا ذريعا، حتى قيل ضبط من مات فى هذا الطاعون فى مدة ثلاثة أشهر، فكان زيادة على مائتى (٢) ألف إنسان، من كبير وصغير ومن المماليك السلطانية نحو من ألف ومائتين إنسان. وفى شوال أخلع السلطان على قرقماس من ولى الدين وقرّر فى الرأس نوبية الكبرى، عوضا عن جانبلاط الغورى بحكم موته؛ وقرر يلباى (٣) المؤيدى من جملة مقدمين (٤) الألوف بمصر. - وفى رابع عشر هذا الشهر وصل سودون الدوادارى أحد العشرات، وصحبته عدة رءوس ممن قتل فى المعركة التى وقعت بين آقبردى والعسكر الذى خرج من مصر كما تقدم، وكان عدّة تلك الرءوس واحد وثلاثين رأسا، وكان فيهم رأس أينال السلحدار، الذى كان نائب حلب وفرّ مع آقبردى، وفيهم رأس ابن على دولات، الذى قتل فى المعركة، وقيل قتل له ولدان؛ فكان يوم دخولهم إلى القاهرة يوم مشهود، فدخلت الرءوس وهى مشهورة على أرماح، وشقّوا بهم

стр. 2310

من القاهرة والمشاعلية تنادى عليهم، فلما عرضوا على السلطان رسم بأن يعلّقوا على أبواب المدينة، فعلّقت رأس أينال نائب حلب على باب زويلة، ومعها رأس ابن على دولات، والباقى على أبواب المدينة، وكل هذا يشقّ على الملك الناصر فى الباطن وكانت له عناية مع آقبردى وتعصّب. وأخبر سودون الدوادارى أن كرتباى الأحمر نائب الشام، رجع إلى الشام، وجانبلاط نائب حلب، رجع إلى حلب، وأن العسكر واصل عن قريب؛ وقيل إن كرتباى الأحمر، لما استقرّ فى نيابة الشام استولى على نيابة قلعة الشام أيضا، مضافا لما بيده من نيابة الشام، وهذا الأمر عزيز الوقوع جدا. وفيه أمر السلطان ببناء جامع الفيوم، وكان القائم فى ذلك الشيخ عبد القادر الدشطوطى، فأرسل صحبته السلطان عدّة من البنائين والمهندسين. - وفيه جاءت الأخبار من مكة بأن كاتب السرّ بدر الدين بن مزهر، لما توجّه إلى مكة، أصلح بين أمير مكة وأخيه بمرسوم السلطان؛ وجاءت الأخبار أيضا من مكة بوفاة الأمير برد بك نائب جدّة، وكان أحد الأمراء المقدّمين بمصر، وخرج منفيا إلى مكة بعد كسرة آقبردى فمات بها، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى، وكان لا بأس به. وفيه كان ابتداء الوحشة بين السلطان وخاله قانصوه، وقد صار بعض الأمراء يوقع بينهما الفتن، حتى بلغ بذلك مقاصد، وخيّلوا الملك الناصر من خاله، وخيّلوا خاله منه بأشياء من أنواع الحيل والخداع، وأخذوا فى أسباب ما يتمّ به الحيلة على قتل الملك الناصر، وقد سعوا فى ذلك سعى الشطّار، حتى كان من أمره ما سنذكره فى موضعه، وقد قيل فى معنى ذلك: صف بالدهاء الذى يخشى الدهاء فما … ينام خيفة أن تسدى له الحيل فقد تبيت بقلب ضمّه أسد … ولا تبيت بقلب ضمّه رجل وفيه خرج الحاج من القاهرة فى تجمّل زائد، وكان أمير ركب المحمل تانى بك الجمالى، وبالأول جان بلاط الموتر المحتسب. - وفيه جدّد الأمير قانصوه خال السلطان

стр. 2311

خطبة فى المدرسة البشيرية (١)، فجدّد بها خطبة بسبب مماليكه، وكان ساكنا بالقرب من هناك. - وفيه قبض الوالى على شخص من السرّاق، فلما عرضه على السلطان أمر بقطع يده ورجله، وألزم ذلك السارق أن يقطعهما بيده، ففعل ذلك بحضرة السلطان. - وفى اواخر هذا الشهر دخلت التجريدة التى توجّهت إلى آقبردى الدوادار، وقد حضروا من غير إذن من السلطان، فشقّ عليه ذلك وأخذ حذره من الأمراء، كونهم دخلوا من غير إذن منه. وفى ذى القعدة جاءت الأخبار من حلب بأن آقبردى الدوادار، لما بلغه رجوع التجريدة عاد إلى عينتاب، وصار ينهب البلاد ويقطع الطريق على التجار، فلما بلغ الأمراء بذلك أعياهم أمره. - وفيه تزايد شرّ العربان بالشرقية، حتى خرج إليهم قانصوه خال السلطان، وقرقماس رأس نوبة النوب، فلما خرج خال السلطان سرح فى البلاد الشرقية والغربية سرحة حافلة، وغاب نحوا من شهر، ودخل عليه جملة تقادم حافلة من مشايخ العربان وغيرها. - وفيه قصد السلطان أن يخرج إلى مولد سيدى أحمد البدوى رحمة الله عليه، فلم يمكّنوه الأمراء من ذلك. - وفيه توفى الخطيب الوزيرى شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عثمان المالكى، وكان من أهل العلم والفضل لا بأس به. وفى ذى الحجة عاد قانصوه خال السلطان من السرحة، فنادى له السلطان فى القاهرة بالزينة، فزيّنت، ثم إنه دخل فى موكب حافل وطلع إلى القلعة، فأخلع عليه السلطان خلعة سنية، فلما نزل من القلعة ووصل إلى رأس الصوّة لاقاه جماعة من المماليك الجلبان وبأيديهم دبابيس مسحوبة، فقالوا له: قل للسلطان ينفق علينا بسبب نصرته على آقبردى الدوادار؛ فاستمرّوا يحاصرونه من رأس الصوّة إلى أن دخل بيته الذى عند درب حمّام الفارقانى، فلما دخل بيته وقفوا له على الباب حتى قلع الخلعة وأكل المدّة، ثم أركبوه ثانيا وطلعوا به إلى القلعة وهو مهدّد منهم بالقتل، فلما طلع إلى السلطان وأعلمه بذلك، فلم يوافق السلطان على هذا الأمر، فردّ الجواب على المماليك بالمنع من السلطان.

стр. 2312

فاستمرّوا صابرين حتى مضى عيد النحر، وانقضى أمر تفرقة الأضحية، فلبسوا لامة الحرب وطلعوا إلى الرملة، وحاصروا السلطان وهو بالقلعة، وكان قانصوه خاله عنده فوق القلعة، ثم توجّهوا إلى بيت الأتابكى أزبك فأركبوه غصبا وطلعوا به إلى القلعة، فتكلم مع السلطان فى ذلك، فتمنّع ساعة، ثم وقع الاتفاق على أنه ينفق عليهم بعد مضى شهر لكل مملوك خمسين دينارا، فلما نزل الأتابكى أزبك من القلعة وردّ عليهم الجواب، خمدت تلك الفتنة وقلعوا آلة السلاح. ثم إن السلطان أخذ فى أسباب جمع الأموال، فوزّع على المباشرين جانبا، وعلى قضاة القضاة جانبا، وعلى أعيان الناس من التجار وأولاد الناس وغير ذلك، حتى على اليهود قاطبة والنصارى، ومشاهير السوقة والمتسبّبين، وكان القائم فى ذلك قانصوه خال السلطان وأعوانه، وهم: ناصر الدين الصفدى وكيل بيت المال، وإبراهيم المهاجرى إمام الأمير قانصوه المشار إليه، وقانبك دواداره، فجلس قانصوه خال السلطان فى داره التى عند درب حمّام الفارقانى وأحضر المعاصير والكسارات، وأحمى خوذ حديد على النار، وطلب الناس بالرسل الغلاظ الشداد. فأما قاضى القضاة المالكى ابن تقى اختفى من بيته، وكذلك قاضى القضاة الحنبلى الشهاب الشيشينى؛ وطلب القاضى شهاب الدين أحمد ناظر الجيش، فامتنع مما قرّر عليه، فبطح على الأرض ليضرب، وكذلك ناظر الخاص علاى الدين ابن الصابونى، وعلى هذا فقس بقيّة الناس من الأعيان والمشاهير؛ فجمعت تلك الأموال من الناس بالضرب والحبس والتراسيم، وحصل لهم غاية المشقة بسبب ذلك، فكثر الدعاء على الناصر وخاله، وقد تزايد الظلم والجور فى تلك الأيام إلى الغاية، حتى فرج الله تعالى عن قريب وقتل الملك الناصر بعد مضى ثلاثة أشهر، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه، ولكن كما قال القائل: وماذا ينفع الدرياق يوما … إذا وافى وقد مات اللديغ ولما تكامل جمع الأموال ابتدأ السلطان بتفرقة النفقة على الجند، فأعطى لطائفة المماليك القايتبيهية لكل واحد خمسين دينارا، وما عدا ذلك خمسة وعشرين دينارا.

стр. 2313

ومن أخبار الملك الناصر التى هى فى غاية البشاعة، قيل إنه دخل إلى حارة الروم، وهجم على دار إبراهيم مستوفى ديوان الخاص ليلا، وقبض على ولده أبى البقا ورام توسيطه، فألقى والده نفسه عليه وافتداه بألف دينار؛ وقيل كان سبب ذلك أن الملك الناصر بلغه أن زوجة أبى البقا جميلة، فهجم عليه بسببها فأخفوها منه، فجرى بسبب ذلك ما جرى، وهذا ما استفاض فى الكلام بين الناس، والله أعلم. وفى هذه السنة جاءت الأخبار من بلاد المغرب بأن المسلمين أخذوا حصن جربة من يدى الفرنج، وكانوا قد استولوا عليها نحوا من سنة وشئ، فكانت النصرة للمغاربة على الفرنج. - وفى هذه السنة كثرت الفلوس الجدد بأيدى الناس، حتى صار النصف الفضة يصرف بأربعة عشر من الفلوس الجدد، وصار الدينار الذهب يصرف من الفلوس الجدد بثلاثين نصفا، وصارت البضائع تباع بسعرين، سعر بالفضة، وسعر بالفلوس، وأضرّ ذلك بحال الناس. وفيه تزوّج قانى باى قرا أمير آخور كبير، ببنت الأمير يشبك الدوادار، التى كانت زوجة كرتباى بن عمّة الأشرف قايتباى، الذى قتل فى واقعة آقبردى بمدرسة السلطان حسن. - وفيه خرج نوروز أخوخ، أحد الأمراء العشرات، قاصدا إلى كرتباى الأحمر نائب الشام، وعلى يده مراسيم بالعقب عليه، الذى قد استولى على نيابة قلعة الشام من غير إذن من السلطان، فتوجّه إليه وعاد بعد مدّة بغير طائل منه. - وفيه توفى آقباى أستادار الذخيرة، وكان لا بأس به. - وجاءت الأخبار من مكة بوفاة أنصباى، الذى كان نائب الإسكندرية، واتّهم بموته كاتب السر لما توجّه إلى هناك. وقد خرجت هذه السنة عن الناس وهم فى أمر مريب، وقد وقع بها الغلاء والفناء، والمصادرات للناس، وجور السلطان فى حق الناس، كما تقدّم، وأذى المماليك فى حقّ الرعية، وقد صارت الناس فى غاية الاضطراب؛ وما كفى هدا كله، حتى فشى فى الناس داء يقال له الحبّ الفرنجى، أعاذنا الله منه، وقد أعيى الأطباء أمره ولم يظهر هذا بمصر قط، سوى فى أوائل هذا القرن، ومات به من الناس ما لا يحصى، انتهى ذلك.

стр. 2314

ثم دخلت سنة أربع وتسعمائة فيها فى المحرم كان خليفة الوقت المستمسك بالله أبو الصبر يعقوب بن المتوكل على الله أبى العزّ عبد العزيز؛ وسلطان العصر الملك الناصر أبو السعادات محمد بن الملك الأشرف قايتباى؛ وأما القضاة الأربعة فالقاضى زين الدين زكريا الشافعى، والقاضى برهان الدين بن الكركى الحنفى، والقاضى عبد الغنى بن تقى المالكى، والقاضى شهاب الدين أحمد بن الشيشينى الحنبلى. وأما الأمراء المقدمون فقد تقلّبت أحوالهم بموجب ما جرى من الفتن والقتل، كما تقدّم من أخبار السنة الخالية، فكان الأتابكى أزبك يومئذ أمير كبير، وتانى بك الجمالى الظاهرى جقمق أمير سلاح، وقانصوه المحمدى المعروف بالبرجى أمير مجلس، وقانى باى قرا الرماح أمير آخور كبير، وقانصوه خال السلطان دوادار كبير ووزير وأستادار وكاشف الكشاف، وقرقماس من ولى الدين رأس نوبة النوب، وقيت الرجبى حاجب الحجاب، وبقية الأمراء المقدّمين على حكم ما تقدّم من أخبارهم. وأما المباشرون فالقاضى بدر الدين بن مزهر كاتب السرّ، ونائبه صلاح الدين بن الجيعان، والقاضى شهاب الدين أحمد بن ناظر الخاص يوسف ناظر الجيش، والقاضى علاى الدين بن الصابونى ناظر الخاص ووكيل بيت المال، وبقية المباشرين على حكم ما تقدّم. ومن الوقائع فى هذا الشهر أن النيل أوفى فى تاسع عشر مسرى، الموافق لرابع المحرم، وكان السلطان الناصر عوّل على أن ينزل ويفتح السدّ بنفسه، وأخذ فى أسباب ذلك، فلم يمكّنوه الأمراء من ذلك خوفا عليه من القتل، فشقّ عليه ذلك؛ فلما صلّى العشاء نزل من القلعة على حين غفلة، وقدّامه عدّة فوانيس ومشاعل، ومعه أولاد عمّه وبعض خاصكية نحو مائة خاصكى، فتوجّه إلى السدّ وفتحه تحت الليل؛ ثم توجّه إلى سدّ قنطرة قديدار (١)، ففتحه أيضا، ثم عاد إلى القلعة، وكل هذا تحت الليل.

стр. 2315

فلما أن طلع النهار أصبح الناس يجدون الخلجان والبرك قد تعمّرت بالمياه فتعجّبوا من ذلك، وهذا قط ما وقع فى الجاهلية، ولا فى الإسلام أن السدّ فتح بالليل، وقطع (١) على الناس فرحاتهم بيوم الوفاء، وما كان يقع فيه من القصف والفرجة المعتادة، وفى هذه الواقعة يقول الناصرى محمد بن قانصوه من صادق: منذ للسلطان قالوا … للورى بالكسر جبر كسر السدّ بليل … فغدا للناس كسر ثم بعد مضى أيام توجّه السلطان إلى قناطر أبى المنجا وفتح سدّها أيضا، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة. - وفيه ضرب السلطان الكرة بالحوش فى غير يوم موكب، وكان معه بعض أمراء طبلخانات وعشرات، منهم الأمير طومان باى (٢) الدوادار الثانى، فصار طومان باى يقتحم على أخذ الكرة من السلطان، فحنق منه السلطان وضربه على ظهره بالصولنجان غير ما مرّة، فكان ذلك من جملة ما حقده عليه طومان باى، حتى كان سببا لقتله عن قريب. وفيه مرّ السلطان من بين القصرين بعد العشاء، فرأى شخصا ماشيا فى السوق وقد خرج من الحمّام، فقيل له: إن هذا الرجل سكران، فوسّطه ولم يفحص عن أمره، وراح ذلك الرجل ظلما، وكان الناصر قد تزايد شرّه فى تلك الأيام إلى الغاية. - وفيه نادى السلطان لسكان بركة الرطلى بأن يوقدوا بها وقدة سبع ليالى متوالية، فامتثلوا ذلك، وصار ينزل فى المراكب ويطوف البركة هو وأولاد عمّه، فإن رأى امرأة جميلة فى بيتها يهجم عليها ويطلع لها من الطاق ويأخذها غصبا، ويضرب زوجها بالمقارع فى وسط بيته، فارتابت الناس منه وبقى على رءوسهم طيرة. ومن الحوادث فى هذا الشهر قد أشيع بين الناس أن السلطان عمل له يرقا حافلا بتربة أبيه، وقد عوّل على أن يسافر فى الدسّ إلى نحو البلاد الشامية، بسبب آقبردى ليكون له عونا على نصرته ودخوله إلى مصر، وكان السلطان له عناية بآقبردى باطنا وظاهرا؛ فلما بلغ المماليك ذلك توجّهوا إلى مكان فيه السنيح ونهبوه عن آخره،
следующие страницы →