← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وفى جمادى الأولى فى الثانى منه نزل السلطان إلى قبة يشبك الدوادار التى بالمطرية وبات بها، فلما أصبح أوكب وشقّ من المدينة وزيّنت له، ثم عرّج وطلع من الصليبة والأمراء قدّامه والمباشرون، فاستمرّ فى ذلك الموكب الحافل حتى طلع إلى القلعة. - وفيه قرّر ابن النيربى فى نظر الجيش بدمشق، وقد سعى فى ذلك بمال له صورة. وفى جمادى الآخرة جاءت الأخبار بوفاة هلال الرومى الطواشى، الذى كان مقدّم المماليك، توفى بدمشق، وكان لا بأس به. - وفيه فى يوم الجمعة ثامنه عقد للأتابكى جان بلاط على خوند أصل باى الجركسية امّ الملك الناصر وأخت الملك الظاهر قانصوه، وكان العقد بجامع القلعة وحضر القضاة الأربعة وكان عقدا حافلا. وفيه جاءت الأخبار من القدس بوفاة آقباى الطويل، الذى كان نائب غزّة، ثم بقى رأس نوبة النوب، وفرّ مع آقبردى لما انكسر وخرج من مصر، وآل أمره إلى أن أقام (١) بالقدس بطالا حتى مات، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى، وكان شجاعا بطلا، وجرى عليه شدائد ومحن، وقاسى ما لا خير فيه بسبب صحابته لآقبردى الدوادار، وهو الذى كان سببا لنصرته على قانصوه خمسمائة فى الواقعة التى وقعت بخان يونس الذى بالقرب من مدينة غزّة، قيل إن آقباى مات مسموما على ما قيل. وفيه قرر على ابن طرغل فى نيابة عينتاب. - وفيه توفى شمس الدين محمد الفرنوى، الذى كان إمام آقبردى الدوادار، ثم بقى ناظر الأحباس، وكان يكتب الخط الجيّد المنسوب، وقاسى من الشدائد والمحن ما لا يعبّر عنه، وعذّبه كرتباى الأحمر بأنواع العذاب. - وفيه توفى الشيخ أحمد المجذوب الذى كان تحت الكوم الذى عند القنطرة الجديدة، وكان من كبار الصالحين. - وفيه خرج الأمير طومان باى الدوادار متوجّها إلى الشرقية والغربية، فسرح فى البلاد نحوا من عشرين يوما، ثم عاد إلى القاهرة، وقد حاش عدة خيول من العربان، وغير ذلك من الأغنام والجمال.

стр. 2347

وفى رجب تزايدت عظمة الملك الظاهر قانصوه هذا، فجلس على الدكة التى بالحوش، ونصب سحابة جديدة صنعها من المخمل المذهب، وبها رنوك زركش، فجاءت غاية فى الحسن، فجلس على الدكة والسحابة على رأسه، وطلع القضاة الأربعة للتهنئة بالشهر، وكان موكبا حافلا. - وفيه فى الحادى عشر منه تغيّر خاطر السلطان على القاضى كاتب السرّ بدر الدين بن مزهر، فقبض عليه وسجنه بالعرقانة، ثم طلب أخاه كمال الدين محمد وقرّره فى كتابة السرّ، عوضا عن أخيه بدر الدين. - وفيه قرر سيباى فى نيابة صهيون، عوضا عن قنبك الشيخ، بحكم فراره عند ابن عثمان وخوفه على نفسه من القتل. وفيه كان دخول خوند أصل باى أمّ الملك الناصر على الأتابكى جانبلاط، فنزل جهازها من القلعة فى يوم السبت خامس عشره وشقّ من القاهرة، واستمرّ ينسحب من ضحوة النهار (١) إلى وقت الظهر، فتوجّهوا به إلى الأزبكية، فكان عدّة الحمالين أربعمائة حمّال، والبغال نحو من مائتين (٢) بغل، فرجّت له القاهرة وكان له يوم مشهود، فكان به من الأمتعة والتحف ما يعجز عنه الواصفون. فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشرة نزلت خوند أمّ السلطان فى محفّة زركش، وتوجّهت إلى الأزبكية، ومشت قدّامها جماعة من المباشرين، منهم كاتب السرّ كمال الدين بن مزهر، وناظر الجيش عبد القادر القصروى، وصلاح الدين بن الجيعان نائب كاتب السرّ، وآخرون من المباشرين والطواشية، وبعض أمراء عشرات، وهم بالشاش والقماش، وعدّة وافرة من الخاصكية؛ فلما وصلت إلى باب البيت الكبير الذى بالأزبكية، فرشت لها الشقق الحرير تحت حافر بغال المحفّة، ونثرت على رأسها خفائف الذهب والفضة، وكان ذلك يوما مشهودا، ولكن جرى من بعد ذلك أمور شتى وأنكاد مترادفة: يأتى الكلام عليها فى موضعه، فكان كما يقال: أمور تضحك السفهاء منها … ويبكى من عواقبها اللبيب وفى شعبان فى يوم السبت سادسه جاءت الأخبار من القدس بقتل الأمير

стр. 2348

تانى بك قرا، وكان مقيما بالقدس كما تقدم ذكر ذلك، وكان من عصبة آقبردى الدوادار وفرّ معه، فلما استقرّ بالقدس توجّهت إليه المراسيم الشريفة بخنقه، فخنق وهو بين أولاده وعياله، وكانوا توجّهوا إليه، وكانت قتلته فى يوم الأحد ثامن عشرين رجب ودفن بالقدس، فلما جاءت الأخبار بموته تأسّف عليه الكثير من الناس، وكان أميرا جليلا رئيسا حشما، ليّن الجانب، قليل الأذى، كثير الخير. ومن آثاره وهو السبيل والصهريج الذى أنشأه برأس سويقة عبد المنعم تجاه الرملة، وأصرف على ذلك من ماله مالا له صورة، فلما كمل بناء ذلك فقدّم هذا السبيل والصهريج إلى الأشرف قايتباى، فصار ذلك يعرف بسبيل السلطان؛ ومن آثاره المسجد اللطيف، الذى أنشأه بجوار بيته عند خوخة القردمى. وكان أصله من مماليك الأشرف أينال، ورقى فى دولة الأشرف قايتباى، وولى عدّة وظائف سنية، منها: تاجر المماليك، والدوادارية الثانية، ثم بقى مقدم ألف، ثم بقى حاجب الحجاب، ثم بقى رأس نوبة النوب، ثم بقى أمير مجلس، ووقع له من الشدائد والمحن ما يطول شرحه، وفاته القتل عدّة مرار، وكان ينسب إلى صحابة آقبردى الدوادار، وفرّ معه إلى البيرة، وعدّى الفراة، وكان موصوفا بالفروسية والشجاعة، ومات وهو فى عشر الستين وزيادة، ولما مات رثيته بهذه الأبيات: من طالع التاريخ يوما أو قرأ … ما يروى صرف الدهر عن تنبك قرا شاع الحديث بخنقه فلأجل ذا … خنقت بعبرتها الورا مستعبرا قد خانه ريب الزمان بفعله … والدهر إن أصفا يعود مكدّرا قد كنت أحذر من وقوع حمامه … والآن دمعى كالدماء وقد جرى لهفى عليه من أمير صارم … فى يوم حرب للعداء مدمّرا لم يقتلوه فوق ظهر جواده … لكن قاتله تعدّى وافترى يا لهف قلبى قد تجرّع فقده … وتجدّدت أحزانه بين الورى

стр. 2349

يا لهف قلبى كم أمير كان فى … عزّ وجاه صار مدفون الثرى قد غادر الأمراء جور زمانهم … فالحكم للرحمن فيما قدّرا يا ربّ فاجعل قبرهم فى روضة … واجعل برحمتك الجنان لهم قرا وفيه جاءت الأخبار بوفاة الخواجا مصطفى بن محمود بن رستم الرومى، توفى ببلاد ابن عثمان، وكان لا بأس به، وهو الذى جدّد عمارة الجامع الأزهر، وأصرف على ذلك مالا له صورة من ماله، وكان مشكور السيرة. - وفيه طلع الأتابكى جان بلاط إلى القلعة وضمن بدر الدين بن مزهر كاتب السرّ، فإنه الأتابكى جانبلاط كان زوج أخت بدر الدين بن مزهر، فلما ضمنه وتسلّمه من السلطان على مال قرّر عليه، فلما استقرّ عنده هرب تلك الليلة من مكان بالأزبكية، فتشوّش الأتابكى جان بلاط لذلك، ثم غمز على بدر الدين بن مزهر وقبض عليه عقيب ذلك وآل أمره إلى كل سوء. - وفيه توفى ابن السلطان الماضى خبر وصفه، فكان مدّة حياته أربعة أشهر وثلاثة عشر يوما، فأظهروا عليه الحزن والأسف، ودفن فى تربة أبيه التى أنشأها بالصحراء، فكان كما يقال: بدا وفى حاله توارى … فيالها طلعة شريقه جوهرة ما عملت إلا … دموع عينى لها عقيقه وفى أواخر هذا الشهر توفى القاضى شهاب الدين بن الصيرفى، وهو أحمد بن صدقة الإسرائيلى الشافعى، أحد نواب الحكم بالديار المصرية، وكان عالما فاضلا من أعيان النواب، وله تصانيف ونظم جيّد، ومات وقد قارب السبعين سنة. - وفيه جاءت الأخبار بقتل قراجا نائب سيس، وتولّى أيضا نيابة غزة، وكان موصوفا بالشجاعة. - وتوفى الناصرى محمد بن أبى يزيد، وكان رئيسا حشما من أعيان أولاد الناس. - وفيه عيّن السلطان نيابة حلب إلى الأمير قرقماس من ولى الدين، فلما قرره فى نيابة حلب أخرج عنه وظيفة الرأس نوبة الكبرى، وقرّر بها الأمير قانصوه الغورى، ولم يتمّ أمر قرقماس فى نيابته بحلب وأعيد إلى تقدمة ألف، ووقع من بعد ذلك أمور شتى

стр. 2350

وفى رمضان عرض السلطان المحابيس من الرجال والنساء الذين (١) بالحجرة، وعمل مصالح أرباب الديون وصالح عنهم أصحاب الحقوق، ووزن عن جماعة من ماله، وأطلق فى ذلك اليوم نحوا من مائتى إنسان، وضاع على غالب الناس حقوقها ممن كان له دين على من أطلقه من المحابيس، فكان كما يقال فى المعنى: رام نفعا فضرّ من غير قصد … ومن البرّ ما يكون عقوقا وفى يوم الاثنين رابع عشره عيّن السلطان تجريدة إلى الكرك بسبب عربان بنى لام، وقد تقدّم ما وقع منهم فى حقّ الحجاج، وكان باش العسكر سيباى نائب سيس أحد المقدّمين، وجماعة من الجند، فخرجوا فى أثناء ذلك مسرعين. - وفيه جاءت الأخبار من دمشق بأن قصروه نائب الشام خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان جملة واحدة، وحضر قانصوه بن سلطان جركس، المعروف بابن اللوقا، حاجب دمشق، وأخبر أن قصروه نائب الشام أصرفه عن الحجوبية وقصد القبض عليه ففرّ منه، وأخبر بأن قصروه استولى على قلعة الشام وعلى ما فيها من المال. فلما تحقّق السلطان ذلك تنكّد إلى الغاية، واضطربت أحواله، وأظهر أنه يخرج إلى الشام بنفسه وشرع فى أسباب ذلك، ثم نزل إلى الميدان وأعرض ما عنده من الهجن، وأمر صلاح الدين بن الجيعان بأن يحضر قوائم مصروف الأشرف برسباى عند توجّهه إلى آمد، وكل هذا هيت وتحبيس (٢) على الأمراء والعسكر؛ ثم إنه عيّن قنبك أحد الدوادارية، بأن يتوجّه إلى الشام لكشف الأخبار عن حقيقة ذلك. - وفى أواخر هذا الشهر فطر السلطان ليلة بالإيوان الكبير، الذى بالقرب من القصر، واجتمع عنده الأمراء وضربوا مشورة فى أمر قصروه، فعدّ فطوره فى الإيوان من النوادر. وفى شوال صادف أن فى يوم عيد الفطر قلع السلطان الصوف فى ذلك اليوم ولبس البياض، فخرج إلى صلاة العيد وهو راكب على فرس بوز قرطاسى بسرج فضة بيضاء بغير طلاء، وعباه حرير أبيض، وخفّ أبيض، ومهاميز كفت فضة بيضاء،

стр. 2351

حتى المشاية التى فى رجله من البرغالى الأبيض، حتى قبع الكلفتاة كان من الصوف الأبيض، فعدّ ذلك من النوادر؛ وكان لبس هذا البياض فألا عليه، فإنه خلع من السلطنة عقيب ذلك. وفيه، فى اليوم الثانى، صلّى الأمير طومان باى الدوادار صلاة الجمعة مع السلطان بالقلعة، فلما انقضت الصلاة أخلع عليه السلطان ونزل متوجّها إلى جهة الوجه القبلى؛ وكان فى تلك الأيام قويت الإشاعات بأن السلطان يقصد القبض على الأمير طومان باى، وكان وقع بينهما فى الباطن بسبب قصروه نائب الشام، وكان الأمير طومان باى متواطئا مع قصروه على السلطان، وكان طومان باى يقصد التمهيد لنفسه حتى يتسلطن، وقد ظهر مصداق ذلك فيما بعد، كما يقال: بت فى قلوب أسود … لا فى قلوب رجال فالكيد للناس لا للبهايم الجهال وفيه أشارت الأمراء على السلطان بأن يبعث إلى قصروه قاصدا وعلى يده مراسيم بأن يكون على نيابته بالشام، وأن يسلّم قلعة الشام إلى نائبها ولا يؤاخذه بما فعل، فعيّن إليه آقباى الطويل ناظر الجوالى، فخرج عن قريب. - وفيه خرج المحمل من القاهرة فى تجمّل زائد، وكان أمير ركب المحمل قانصوه البرجى، وبالأول جان بلاط الموتر المحتسب؛ فلما توجّها إلى بركة الحاج استمرّ المحمل مقيما بالبركة إلى الخامس والعشرين من شوال، حتى عدّ ذلك من النوادر، وسبب ذلك أن غلمان أمير الركب الأول هرب أكثرهم، وتعطلت أحواله بموجب ذلك. - وفيه جاءت الأخبار بأن قصروه قد استولى على مدينة طرابلس، وقبض على نائبها يلباى المؤيدى، وسجنه بقلعة دمشق. وفى ذى القعدة أخلع السلطان على قيت الرجبى حاجب الحجاب وقرّره فى نيابة طرابلس، عوضا عن يلباى المؤيدى، ولم يتمّ ذلك فيما بعد. - وفيه أخلع السلطان على شخص من خواصّه، يقال له تمر من جانم، وقرّره فى الحسبة، عوضا عن

стр. 2352

جان بلاط الموتر وهو غائب بالحجاز، فلم ينتج أمر تمر هذا وقبض عليه فيما بعد. - وفيه أنعم السلطان على أنص باى شاد الشراب خاناه بتقدمة ألف. وفيه، فى ثالث عشره، حضر آقباى الطويل المتوجّه إلى قصروه كما تقدّم، فعاد الجواب على السلطان بأن قصروه مستمرّ على العصيان ولم يدخل تحت الطاعة، فعند ذلك عرض السلطان العسكر وكتب تجريدة إلى قصروه، وعيّن بها من الأمراء المقدّمين ثمانية، ومن الأمراء الطبلخانات والعشرات نحوا من ثلاثين أميرا، ومن المماليك السلطانية نحوا من ألفى مملوك (١)، وأظهر السلطان أنه يخرج إلى الشام عقيب ذلك بنفسه. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة قنبك أحد الدوادارية، الذى كان توجّه إلى قصروه لكشف الأخبار، وقد سافر من البحر الملح لموجب فساد الطرقات، فلما وصل قانى بك إلى حلب وقابل النائب بها، وهو دولات باى من أركماس، فرماه النائب من على سور (٢) قلعة حلب إلى الخندق، فمات بالخندق. وفيه قويت الإشاعات بأن السلطان قد أرسل بالقبض على الأمير طومان باى الدوادار، وهو بالصعيد، وكانت هذه الإشاعة من أكبر أسباب الفساد فى زوال ملك الظاهر قانصوه؛ فلما قويت الإشاعات بذلك نادى السلطان فى القاهرة بأن أحدا لا يكثر كلاما فيما لا يعنيه، وأن الأمير طومان باى الدوادار على عادته، وكان ترك هذه المناداة أصوب وقد تأكّد الأمر بذلك. وفى هذا الشهر هجم المنسر على سوق الورّاقين وسوق الهرامزة (٣)، وكسروا عدّة حوانيت ونهبوا ما فيها، وقتلوا ثلاثة من الخفراء، وكان المنسر نحوا من مائة نفر، ما بين مشاة وركاب، ومعهم قسىّ ونشاب، فنهبوا قماشا بنحو عشرة آلاف دينار، ولم تنتطح فى ذلك شاتان، وكانت من الوقائع المهولة. - وفى هذا الشهر كانت وفاة الريس نور الدين على بن رحاب، المغنى الناشد المادح، فريد عصره ووحيد دهره، وكان من نوادر الزمان، بنظم الشعر، ويركز الخفائف بالألحان الغريبة، وكان آخر

стр. 2353

مغانى الدكة فى الدخول والطرب، ولم يجئ بعده أحد مثله فى الدخول، وقد رثيته بعد موته بهذه الأبيات: توفى نزهة الأسماع طرّا … وصار العيش منّا فى ذهاب وناحت بعده الآلات حزنا … وأظهرت الصّراخ مع انتحاب وأبدى الدفّ والماصول زعقا … كمن جاء المآتم فى المصاب وأضحى الناس فى قلق ولم لا … وقد ضاق الوجود بلا رحاب وفى أواخر هذا الشهر حضر الأمير طومان باى الدوادار، وكان مسافرا إلى جهة الصعيد، فلما حضر إلى الجيزة خرج الأمراء والعسكر قاطبة إلى تلقّيه، فأقام بالجيزة ولم يعدّى، فتوجّه إليه الأمير طراباى أحد المقدّمين، وعلى يده صورة حلف عن لسان السلطان، أنه لا يشوّش عليه إذا قابله (١) ولا يقبض عليه؛ فلما توجه إليه الأمير طراباى لم يثق الأمير طومان باى بذلك الحلف، وأظهر العصيان، فرجع الأمير طراباى بجواب غير صالح؛ وقد تقلّب على الظاهر قانصوه غالب الأمراء والعسكر، فلما رأى أحواله مضطربة تحقّق وقوع فتنة، فأخذ فى أسباب تحصين القلعة، ونقل إليها أشياء كثيرة من البقسماط والجبن، وملأ الصهاريج التى بالقلعة، وفرّق السلاح على مماليكه، وانتظر ما يكون من أمر الأمير طومان باى. فلما عدّت إليه الأمراء قبض على جماعة، منهم الأمير قانى باى قرا أمير آخور كبير، فلما قبض عليه وضعه فى الحديد، وقبض على أنص باى، وعلى تمر قريب السلطان الذى تولى الحسبة ووضعه فى الحديد، وقبض على القاضى عبد القادر القصروى ناظر الجيش، وعلى [آخرين من الأمراء. - فلما كان يوم الأربعاء سادس] (٢) عشرين ذى القعدة عدّى الأمير طومان باى من نحو إنبابة، وطلع من بولاق بمن معه من العساكر، فتوجّه إلى الأزبكية بعد العصر وبات بها، وكان الأتابكى جان بلاط ساكنا هناك، فاجتمعوا الأمراء عنده وضربوا مشورة فى أمر الظاهر قانصوه، فوقع الاتفاق على خلعه من السلطنة.

стр. 2354

فلما كان يوم الخميس سابع عشرين هذا الشهر لبس العسكر لامة الحرب، وركب الأتابكى جان بلاط، والأمير طومان باى، وبقية الأمراء، من الأزبكية، وتوجّهوا إلى بيت الظاهر تمربغا الذى عند سوق السلاح بالقبو، فعند ذلك ركبوا وحاصروا الظاهر قانصوه وهو بالقلعة، ولم يكن عنده من الأمراء سوى جان بلاط الأبح نائب القلعة، وبعض أمراء العشرات، ومن الجند نحو ألف إنسان، فاستمرّ الحرب ثائرا بين الفريقين، وأقام تحاربهم ثلاثة أيام على قلّة من عنده من العسكر بالقلعة، وكان الظاهر قانصوه حصّن القلعة، وسدّ باب الاسطبل الذى من جهة باب القرافة. فلما كان يوم الجمعة بعد العصر ملك الأمير طومان باى مدرسة السلطان حسن، وركّب هناك مكحلة، وصار يرمى على من بباب السلسلة. - فلما كان يوم السبت تاسع عشرينه انكسر الظاهر قانصوه، وتشتّت من كان عنده بالقلعة، فلما رأى عين الغلب دخل الحريم، وتزايا بزىّ النساء، وكشف عن رأسه وتزيّر وتنقّب، ونزل من القلعة وتوجّه [نحو] (١) الترب، واختفى خبره، فكان كما يقال: وقائلة [لى] (١) دهتك الهموم … وأمرك ممتثل فى الأمم فقلت ذريتى على غصّتى … فإن الهموم بقدر الهمم فلما انكسر الظاهر قانصوه لم يجسر الأمير طومان باى يتسلطن، وكان قدّامه الأتابكى جان بلاط، فاستمرّت القاهرة بلا سلطان من يوم السبت إلى يوم الأحد، وقد أشيع وجود قانصوه خمسمائة الذى تسلطن، فنودى فى القاهرة: إن كان قانصوه خمسمائة موجودا فليظهر وله الأمان، فلم يكن لهذه الإشاعة صحة، فعند ذلك وقع الخلف بين الأمراء فى من يلى السلطنة، فذكر تانى بك الجمالى، فلم يرض به العسكر، ثم ذكر الأتابكى جان بلاط فلم يرض به العسكر، فتعصّب له الأمير طومان باى حتى تسلطن، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. فكانت مدة الظاهر قانصوه سنة وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوما، وكان ملكا

стр. 2355

هيّنا لين الجانب، قليل الأذى كثير البرّ والمعروف، وكان مسلوب الاختيار مع الأمراء، مهما يقولون له، يقول: يخشى؛ فسمّته العوام «يخشى»؛ كما سمّوا الظاهر يلباى: إيش كنت أنا قل لو؛ وكانت أيام الظاهر قانصوه أصلح حال من أيام الملك الناصر محمد بن الأشرف قايتباى، وقد انصلحت أحوال البلاد الشرقية، وقلّ أذى العربان، وكذلك البلاد الغربية، ووقع الرخاء فى أيامه فى سائر البضائع، وانكفّت المماليك عن ما كانوا يصنعون من الأذى فى أيام الملك الناصر محمد، وساس الظاهر (١) فى أيامه أحسن سياسة، وخلع والناس عنه راضية. وكانت صفته أبيض اللون، يميل إلى الصفرة، نحيف الجسد، قصير القامة، أسود الشعر، عربى الوجه، مستدير اللحية، جميل الهيئة، حسن الشكل فى المنظر، جركسى الجنس، قليل الكلام بالعربى، الغالب عليه الجلوبية (٢)، تولّى الملك وله من العمر دون الثلاثين سنة، وكان وافر العقل، ثابت الجنان، مع سكون وعدم رهج. وأما ما عدّ من مساوئه، وهو قتله للأمير تانى بك قرا من غير ذنب، أرسل لخنقه وهو بين أولاده وعياله وهو بالقدس؛ ومنها أنه صادر خوند الخاصكيّة زوجة أستاذه الملك الأشرف قايتباى، ووكّل بها الطواشية، حتى أباعت قماشها مثل التركة وأوردت ما قرّره عليها من المال، وصادر أختها زوجة آقبردى ووكّل بها بالقلعة، وطالبها بمائة ألف دينار، وزعم أن آقبردى أودع عندها مالا، وصادر أخاها الناصر محمد بن خاص بك، وعرضه للضرب غير ما مرّة وألزمه بأن يسافر أمير حاج بالركب الأول من ماله، ولم يعطه شيئا كعادة أمراء الحاج. ومنها أنه ظلم جماعة من أعيان الناس من رجال ونساء، وأخذ أملاكهم غصبا، وهدّها بسبب البيت الذى أنشأه على بركة الفيل لأجل أخيه قانم، وفعل مثل ذلك بالتربة التى أنشأها بالصحراء، وضيّق بها الطريق على المارّ من هناك، وأعمى ترب الناس التى بجواره؛ ومنها أنه كان متواطئا مع الأمراء على قتلة الملك

стр. 2356

الناصر محمد بن أخته، ولولا تواطؤه لما قدر أحد على قتله؛ ومنها أنه رسم بشنق بدر الدين بن مزهر كاتب السرّ، حتى شفع فيه طومان باى الدوادار؛ ومنها أنه كان غير عفيف الذيل، على ما قيل، والله أعلم. - انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الظاهر أبى سعيد قانصوه خال الناصر محمد بن الأشرف قايتباى، وذلك على سبيل الاختصار. ذكر سلطنة الملك الأشرف أبو النصر جان بلاط من يشبك الأشرفى وهو الرابع والأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثامن عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم فى العدد، وكان أصله جركسى الجنس، اشتراه الأمير يشبك من مهدى أمير دوادار كبير، وأقام عنده مدّة، وحفظ القرآن، ثم إن الأمير يشبك قدّمه مع جملة مماليك إلى الملك الأشرف قايتباى، فأنزله بالطبقة، فأقام بها مدّة، ثم أعتقه وصار من جملة معاتيق الأشرف قايتباى، ثم أخرج له خيلا وقماشا وصار من جملة المماليك الجمدارية، ثم بعد مدّة بقى خاصكيا دوادار سكين، وسافر أمير حاج بالركب الأول وهو خاصكى غير ما مرّة، ثم أنعم عليه السلطان بأمرة عشرة فى سنة أربع وتسعين (١) وثمانمائة، وسافر إلى الحجاز أمير ركب المحمل وهو أمير عشرة، وقرّر فى نظر الخانكاه، ثم توجّه قاصدا إلى بن عثمان ملك الروم فى سنة ست وتسعين وثمانمائة، وكان يومئذ أمير طبلخاناه تاجر المماليك. ثم بقى مقدم [ألف] (٢) فى أواخر دولة الأشرف قايتباى، ثم بقى دوادارا كبيرا، عوضا عن آقبردى فى دولة الناصر محمد بن الأشرف قايتباى، ثم قرّره فى نيابة حلب وخرج إليها، فلما تولى الظاهر قانصوه نقله إلى نيابة الشام، عوضا عن كرتباى

стр. 2357

الأحمر بحكم وفاته، ثم أحضره الظاهر قانصوه إلى الديار المصرية، وأقرّه فى الأتابكية، عوضا عن الأتابكى أزبك بحكم وفاته، ثم تزوّج بخوند أصل باى أم الملك الناصر، واستمرّ على ذلك حتى وثب طومان باى الدوادار على الظاهر قانصوه وانكسر، فوقع الاختيار على سلطنته على كره من الأمراء والعسكر. وكانت صفة مبايعته أنه لما تسحّب الظاهر قانصوه من القلعة، واختفى كما تقدّم، أقامت القاهرة بغير سلطان يومين؛ فلما كان يوم الاثنين ثانى ذى الحجة صعد الأمراء والعسكر إلى باب السلسلة واشتوروا فيمن يلى السلطنة، وكان قصد الأمير طومان باى أن يتسلطن (١) وقد ظهر ذلك فيما بعد، ولكن كان قدّامه الأتابكى جان بلاط، وتانى بك الجمالى أمير سلاح، فلم يجسر أن يتسلطن، وكان العسكر غير راض به، فما وسعه إلا تعصّب للأتابكى جان بلاط وسلطنه؛ فأرسل خلف أمير المؤمنين المستمسك بالله يعقوب والقضاة الأربعة وهم: زين الدين زكريا الشافعى، والبرهان بن الكركى الحنفى، وعبد الغنى بن تقىّ المالكى، والشهاب الشيشينى الحنبلى. فلما تكامل المجلس عملوا صورة محضر فى خلع الظاهر قانصوه، فخلع من السلطنة فى الحال، ثم إن الخليفة بايع الأتابكى جان بلاط بالسلطنة، وقيل تسلطن فى ساعة الشمس، وتلقّب بالأشرف، وكنى بأبى النصر على لقب أستاذه الأشرف قايتباى؛ فلما تمّت بيعته أحضر إليه شعار الملك، وهى الجبة والعمامة السوداء، فأفيض عليه ذلك الشعار؛ وقدّمت إليه فرس النوبة، فركب من على سلم الحراقة التى بباب السلسلة، ورفعت على رأسه القبة والطير، وركب الخليفة عن يمينه، ومشت الأمراء بين يديه، واستمرّ فى ذلك الموكب حتى طلع من باب سرّ القصر، وجلس على سرير الملك، وقبّل له الأمراء الأرض من كبير وصغير؛ ثم أخلع على الخليفة وألزمه أن يتحوّل من يومه ويسكن بالقلعة كما كان والده المتوكل على الله عبد العزيز، فامتثل ذلك؛ ثم ضربت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة،

стр. 2358

وارتفعت الأصوات له بالدعاء، وكان ملء العيون، كفوا للسلطنة، وافر العقل، سديد الرأى. وفى حال سلطنته رسم بالإفراج عن الأمير قانى باى قرا أمير آخور كبير، وكان مشكوكا فى الحديد عند الأمير طومان باى الدوادار، وقد قاسى من البهدلة والأنكاد ما لا يعبّر عنه، وكذلك الأمير طراباى كان عنده فى الترسيم أيضا، فأخلع على قانى باى قرا وأبقاه فى أمرة آخورية الكبرى على عادته، وأطلق طراباى وأنص باى شاد الشرابخاناه وأبقاهما على وظائفهما، ثم إنه عيّن الأتابكية إلى قصروه نائب الشام، وكان يظن أنه سيدخل تحت طاعته، فجاء الأمر بخلاف ذلك. ثم فى يوم الثلاثاء ثالث ذى الحجة جلس فى شباك الدهيشة، وعرض مماليك الظاهر قانصوه، ومسح (١) منهم جماعة - وفى ذلك اليوم بعث للأمير طومان باى الدوادار نحوا من ثلاثمائة فرس من خيوله الخاص الذى كانوا عنده لما حضر من الشام. - ومما عدّ من آداب الأشرف جان بلاط أنه لما ولى السلطنة، فكان إذا جلس على الدكة التى بالحوش، فلا يقعد فى مكان كان يجلس فيه الأشرف قايتباى، بل يجلس فى وسط الدكة تأدبا لأستاذه قايتباى. وفى يوم الخميس خامس ذى الحجة فرّق الأضحية على الجند والأمراء ومن له عادة. - ثم أخلع على بدر الدين بن مزهر وأعاده إلى كتابة السرّ، وعزل أخاه كمال الدين عنها؛ وأعاد الشهابى أحمد بن ناظر الخاص إلى نظر الجيش، وعزل عبد القادر القصروى وأودعه الترسيم، وقرّر عليه مالا له صورة؛ وأخلع على علاى الدين بن الصابونى وأعاده إلى نظر الخاص، وعزل شهاب الدين بن الرملى عنها، وسلّمه إلى طراباى على مال قرّر عليه؛ وأخلع على قيت الرجبى وأعيد إلى حجوبية الحجاب، وبطل سفره إلى طرابلس نائبا؛ وأخلع على أزبك الناشف وقرّره فى نيابة القلعة، عوضا عن جان بلاط الأبح بحكم اختفائه؛ ثم عيّن قصروه الصغير بأن يمضى إلى قصروه نائب الشام بالبشارة بسلطنته، وظنّ أن قصروه يسرّ لسلطنته، فما ازداد إلا عصيانا، وأرسل إليه

стр. 2359

بالحضور ليلى الأتابكية، فلم يلتفت قصروه إلى ذلك وتمادى على ما هو عليه من العصيان. ثم قبض على تمر قرابة الظاهر قانصوه الذى كان محتسبا، ووكّل به وقرّر عليه مالا، وكذلك قبض على تانى بك الخازندار وقرّر عليه مالا. - وفيه عيّن دولات باى إلى تقدمة ألف، وكذلك برد بك المحمدى، وكذلك خاير بك أخو قانصوه البرجى المحمدى. وفى هذا الشهر قوى الفحص والتفتيش على الظاهر قانصوه، وصار والى الشرطة فى كل يوم وليلة يكبس الحارات ويهجم البيوت، وحصل للناس بسبب ذلك الضرر الشامل من الكبس والنهب، فلما طال الأمر قبض السلطان على الطواشى مسك وضربه، فأقرّ أن زوجته خوند جان كلدى تعرف طريقه، فبعث إليها السلطان الأمير طراباى فسألها عنه، فلم تقرّ بشئ، فأحضر إليها المعاصير وعصرها فى رجليها، فلم تقرّ بشئ، فحضر الوالى وعاقب الجوار وآخرين من جماعتها فلم يقرّوا بشئ. فلما اشتدّ الأمر بسبب ذلك حضر شخص من أولاد الناس يقال له محمد بن أينال، وكان ساكنا فى سويقة صفية عند الزير المعلّق، فأسرّ للأمير أزدمر أحد الأمراء المقدّمين بأن الظاهر قانصوه عنده فى بيته، فلما تحقق الأمير أزدمر ذلك طلع وأعلم السلطان، فأرسل جماعة من الخاصكية مع والى الشرطة إلى ذلك المكان، فقبضوا على الظاهر قانصوه، فأركبوه على بغل وعلى رأسه زمطه، وعليه كبر أبيض، فأتوا به على بركة الناصرية، وقاسى من البهدلة والأنكاد ما لا يعبّر عنه؛ وقيل إنه وقع من على البغل فى أثناء الطريق، وتعترسوا عليه حتى أركبوه؛ وكان القبض عليه فى يوم الأحد ثانى عشرين ذى الحجة، وكانت مدة اختفائه أربعة وعشرين يوما، فجرى عليه هذا كله وهو ساكت لا يتكلم، فكان كما يقال: الصبر أولى بوقار الفتى … من قلق يهتك ستر الوقار من لازم الصبر على حاله … كان على أيامه بالخيار

стр. 2360

فاستمرّ على هذه الحالة حتى أتوا به إلى بيت أزدمر، فلما رآه قام له وأدخله إلى البيت، فأقام عنده ثلاثة أيام حتى كتب وصية. - فلما كان ليلة الثلاثاء خامس عشرينه رسم السلطان بإخراج الظاهر إلى ثغر الإسكندرية، فقيّدوه وأنزلوه فى مركب تحت الليل وتوجّهوا به إلى الإسكندرية، فسجن بها، وقيل إن السلطان جان بلاط أنعم عليه بخمسة آلاف دينار لكون أنه كان صهره زوج أخته؛ وكان المتسفّر عليه الأمير أزدمر من على باى المذكور، فأوصله إلى ثغر الإسكندرية وسجنه بها وعاد؛ وخمدت فتنة الظاهر قانصوه كأنها لم تكن، بعد ما أقام فى السلطنة سنة وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوما، انتهى. ثم إن المماليك بربسوا (١) على الأشرف جان بلاط بسبب نفقة البيعة، فلما رأى منهم الجدّ أخذ فى أسباب جمع الأموال، فأطلق فى الناس نار المصادرة، وقبض على جماعة من الأعيان، ووزّع على قضاة القضاة مالا له صورة، فشفع الخليفة فى قاضى قضاة المالكية عبد الغنى بن تقى، فعفا عن ما كان قرّر عليه من المال لفقره. وفيه قبض السلطان [على] (٢) الحاج رمضان المهتار وسلّمه إلى طراباى، فعاقبه وعصره، واستخلص منه نحوا من ثلاثين ألف دينار، وقد صودر غير ما مرة، وهذه آخر مصادراته، فباع جميع ما يملكه، حتى بيوته وأثاثه وشوار نسائه، وانكشف حاله جملة واحدة، وكان رئيسا حشما، أقام فى مهترة الطشتخانات نحوا من ثلاثة وثلاثين سنة، ونال من العز والعظمة فى دولة الأشرف قايتباى ما لا رآه غيره من المهاترة، وكان متكلما على نظر الكسوة الشريفة، وغير ذلك من الجهات السلطانية، وكان غالب السعى من بابه، حتى قيل كان متحصّله فى كل يوم نحو من خمسين دينارا غير ما يتحصّل من جهاته. وفيه اشتدّ الأمر على الناس بسبب المصادرات، وقاست أعيان الناس من البهدلة والأنكاد ما لا يعبّر عنه، وكان المتكلم فى أمر هذه المصادرات البدرى بدر الدين ابن مزهر كاتب السرّ، فأظهر النتيجة لصهره الأشرف جان بلاط، وحصل منه

стр. 2361

للناس الضرر الشامل، وشوّش على الكثير منهم، وقد عقب عليه ذلك فيما بعد حتى كان من أمره ما سنذكره، وعمّت هذه المصادرة طائفة اليهود والنصارى، وجماعة من أعيان التجار، والطواشية منهم الطواشى مسك، ومختص، ومحسن، وغير ذلك، وكانت حادثة مهولة. وفيه أنعم السلطان بأمرة عشرة على خاير بك العلاى الأشرفى قايتباى أحد خواصه، وعلى جانم المحمدى الظاهرى خشقدم، وعلى على باى دوادار خشكلدى البيسقى، وآخرين من الخاصكية. - وفى ليلة الجمعة سابع عشرينه وقعت بالقاهرة زلزلة خفيفة بعد العشاء وأقامت نصف درجة، ولو دامت لأفسدت، وقد شاهدوا وقت وقوع الزلزلة بعض النجوم فى السماء تتناثر. وفيه نزل السلطان وتوجّه إلى تربة الأشرف قايتباى فزار قبره، ثم توجّه إلى باب النصر وكشف عن عمارة مدرسته التى هناك، ثم دخل من باب النصر وشقّ المدينة، ثم أتى إلى بيت الأشرف قايتباى الذى أنشأه على بركة الفيل، فكشف عن زوجته خوند أم الناصر وكانت مقيمة هناك، فزارها ثم عاد إلى القلعة. - وفيه أعيد الطواشى محسن كما كان خازنا، وقد قاسى من الأنكاد ما لا خير فيه. وفى أواخر هذه السنة كانت وفاة صاحبنا تقى الدين بن محمود، أحد أعيان الشهود بالمدرسة الصالحية، وكان رئيسا حشما عشير الناس فكه المحاضرة، لكنه كان ملسانا (١) كثير التعليق للناس، لا يفوته أحد من كبير ولا صغير، وكانت أعيان الناس يخشون من لسانه، حتى قضاة القضاة والمباشرين، وقد هجاه الأديب زين الدين بن النحاس بقوله: قف وقفة عند سبّاب الأنام ترى … جيوش أجفانه بالسرد قد كسرت ومن توقّد نيران الحشيش غدت … عيناه ترمى جمارا بعد ما نفرت وقال آخر فى المعنى: لا تعجبوا لعيون فاتها نسك … وبالحشايش صارت بعد ما نفرت

стр. 2362

كقطعتين دما حاكت بحمرتها … كأنما هدبها فى جفنها نحرت وفى هذه السنة انقطع البلسان من مصر، وهو البلسم، وكان من آثار نبى الله عيسى ﵇، وكانت الفرنج يجيئون (١) من أقصى البلاد حتى يشتروا من دهن هذا البلسم، ويتغالون فى ثمنه، وقد أحضر حبّ البلسان البرّى من الحجاز، وزرعوه بأرض المطرية وعالجوه، فلم ينتج ولم ينبت، وانقطع من مصر بالكلية كأنه لم يكن قط بعين شمس، وهو أجلّ نبات بها، وهذا لم يتفّق قط، بل كان قبل ظهور الإسلام بمدة طويلة، وكان ذكى الرائحة أشبه شبها بورق الملوخية، وكان دهنه ينفع للأمراض الباردة كوجع الظهر والركب وغير ذلك من الأعراض البلغمية، وكان يستخرج دهن هذا البلسم فى رابع عشرين بشنس القبطى، وكان فى الزمن القديم يحضر يوم استخراج دهنه بعض أمراء السلطان، وقيل الخازندار الكبير، وأجود ما يكون طبخ دهنه فى برمهات، وكان يزرع حبّه فى بؤنة إلى هاتور، وكان معدودا من جملة محاسن مصر، وكان انقطاعه عن مصر فى أوائل قرن التسعمائة (٢). - ومن حوادث هذا القرن أيضا الحبّ الفرنجى، أعاذنا الله منه، وقد فشا فى الناس جدا حتى أعيى الحكماء أمره، واستمرّ يعترض للناس إلى الآن، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ست وتسعمائة فيها فى المحرم كان خليفة الوقت المستمسك بالله أبو الصبر يعقوب الهاشمى الأبوين؛ والسلطان الملك الأشرف أبو النصر جانبلاط من يشبك الأشرفى؛ والقضاة الأربعة على حكم ما تقدّم؛ وكانت الأتابكية شاغرة، وقد تعيّنت لقصروه نائب الشام. - وفى يوم الثلاثاء مستهلّ المحرم كان صعود خوند أصل باى زوجة الأشرف جانبلاط، وهى أم الناصر، وسرية الأشرف قايتباى، وأخت قانصوه، وزوجة الأشرف جان بلاط، فكان يوم صعودها إلى القلعة يوما مشهودا، فشقّت من الصليبة وهى فى محفّة زركش، وحولها الخدام من أعيان الطواشية،

стр. 2363

وقدّامها أعيان المباشرين، وجماعة من الخاصكية نحو من خمسين إنسانا، وهم بالشاش والقماش، وجماعة من المماليك نحو من مائة إنسان، وهم بالكوافى القندس والملاليط، وبأيديهم العصى يفسّحون الناس، فاستمرّت فى هذا الموكب الحافل حتى صعدت إلى القلعة، ومعها نحو من مائتى امرأة على مكارية. وفيه فرّق السلطان نفقة البيعة على العسكر، وقد جمع هذا المال من وجوه الظلم والمصادرات، ففرّق على جماعة مخصوصة من العسكر، وقطع للأكثرين من الجند وأولاد الناس وغير ذلك. - وفيه فى يوم الخميس ثالثه حضر قصروه الصغير، الذى كان قد توجّه إلى قصروه نائب الشام ببشارة سلطنة الأشرف جانبلاط، فلما عاد وأخبر أن قصروه نائب الشام باق على عصيانه، ولم يدخل تحت طاعة الأشرف جانبلاط، ولا لبس خلعته، ولا قبّل له الأرض، فلما تحقّق السلطان ذلك تنكد إلى الغاية، وكان يظنّ أن قصروه يدخل تحت طاعته، فجاء الأمر بخلاف ذلك. وفى يوم الجمعة رابع المحرم صلّى السلطان الجمعة، وجلس بباب الستارة، وأخلع على الأمير تانى بك الجمالى وقرّره فى الأتابكية، عوضا عن نفسه، وكان السلطان أخّر وظيفة الأتابكية لقصروه نائب الشام، فلما تمادى على عصيانه قرّر بها تانى بك الجمالى؛ وأخلع على الأمير طومان باى وقرّره فى أمرة السلاح، مضافا لما بيده من الدوادارية الكبرى، وقرّره أيضا فى الوزارة والأستادارية وكشوفية الكشاف، كما كان الأمير يشبك من مهدى، فعظم أمره جدا وصار صاحب الحلّ والعقد فى تلك الأيام. وفيه استمرّ قرقماس من ولى الدين فى نيابة حلب كما قرّره الظاهر قانصوه، وقرّر برد بك الطويل فى نيابة طرابلس، عوضا عن قيت الرجبى الذى كان تعيّن إليها، وقرّر قانصوه بن سلطان جركس المعروف بابن اللوقا فى نيابة حماة، وكان قرّر قبل ذلك فى نيابة غزّة، ثم بطل أمر هؤلاء النواب جميعا، وحدث أمور بعد ذلك يأتى الكلام عليها فى موضعه. وفيه فى يوم السبت خامس المحرم، والموافق لثامن مسرى، أوفى النيل المبارك،

стр. 2364

وكسر يوم الأحد سادس المحرم، فلما أوفى توجّه الأمير طومان باى الدوادار لفتح السدّ على العادة، فأظهر فى ذلك اليوم غاية العظمة، وفرّق على المتفرّجين نحوا من مائتى مجمع حلوى، ومائتى مشنّة فاكهة، حتى فرّق البطيخ الصيفى، ونثر للعوام فضة لما أراد يركب عند السدّ، فارتفعت الأصوات له بالدعاء، وكان له يوم مشهود، وهذا كان آخر فتحه للسدّ، وتسلطن عقيب ذلك، وجرى عليه أمور يأتى الكلام عليها؛ فابتهج الناس بيوم الوفاء لكون أن النيل وافى مسرعا، وحصل به غاية النفع، وكان نيلا عاليا، فكان كما يقال: كأن فى يوم الوفاء نيلنا … أتقن علم الحرف بالضبط (١) إذ بالصبا صفحات خلجانه … تجدولت بالكسر والبسط وفيه تكلم وسائط السوء مع السلطان فى إعادة وظيفة نظر الأوقاف، فلما عرضوا ذلك على الأمير طومان باى فلم يوافق على إعادة هذه الوظيفة، وكان الملك الناصر أبطلها بواسطة كرتباى الأحمر، فلما توجّه كرتباى الأحمر إلى الشام، وطاش الملك الناصر بعده، سعى محمد بن العظمة الذى كان ناظر الأوقاف فى إعادته إلى هذه الوظيفة، وكان الساعى له عبد القادر بواب الدهيشة، فقرّره الناصر فى نظر الأوقاف، فأقام بها مدة يسيرة وضجّ منه الناس، فشكوه للملك الناصر، فقبض عليه وضرب ضربا مبرحا، ونفاه إلى قوص؛ وقد تولّى هذه الوظيفة غير ما مرّة ولم ينتجح أمره، وقد تولاّها جماعة كثيرة، منهم شخص يسمى ابن الفار الوكيل فلم ينتجح أمره، وتولّى بها أيضا شرف الدين بن البدر حسن فلم ينتج فيما تقرّر عليه من المال، وقد تولاّها جماعة كثيرة ولم يثوروا بالسداد، وهى وظيفة شرّ وظلم، فشكر الناس فضل الأمير طومان باى الدوادار على إبطال هذه الوظيفة فى تلك الأيام المسّة (٢). وفيه قبض السلطان على شمس الدين بن مزاحم ناظر الاسطبل، وقرّر عليه مال يرثه للخزائن الشريفة. - وفيه عاد سيباى نائب سيس أحد المقدّمين، وكان توجّه إلى الكرك لقتال عربان بنى لام، فعاد من غير طائل. - وفيه اجتمع السلطان

стр. 2365

بالأمراء وضربوا مشورة فى أمر قصروه نائب الشام، فأشاروا على السلطان بأن يرسل إليه قاصدا، فعيّن شخصين من الأمراء العشرات، وهما أزدمر الفقيه والآخر يسمى أصباى، فتوجّها إليه عن قريب؛ ثم فى أثناء ذلك حضر خاير بك الكاشف، الذى كان قانصوه (١) نفاه وفرّ من أثناء الطريق وتوجّه إلى قصروه وأظهر العصيان، فلما بلغه سلطنة الأشرف جانبلاط فرّ من عند قصروه ودخل تحت طاعة الأشرف جانبلاط، فلما حضر أخلع عليه ووعده بتقدمة (٢) ألف. وفيه فى خامس عشرينه كان دخول الحاج إلى القاهرة، وقد حصل لهم مشقّة زائدة، وعوّقوهم العرب حتى فات ميعاد دخولهم. - وفيه تعيّن تمرباى الدوادار للخروج إلى قصروه نائب الشام، وكانت هذه من مكائد الأمير طومان باى، فأظهر للسلطان أنه يروم الصلح بينه وبين قصروه، وكان الأمر بخلاف ذلك فيما بعد، وتلاعب بالأشرف جانبلاط وهو يظن أنه له من الناصحين، فكان كما يقال فى أمثال الصادح والباغم: جهد البلاء صحبة الأضداد … فإنّها كىّ على الفؤاد ومنها: كذاك من يستنصح الأعادى … يرددنه بالغش والفساد ومنها: أعظم ما يلقى الفتى من جهد … أن يبتلى من جنسه بالضدّ ومنها: والعاقل الكافى من الرجال … لا ينثنى بزخرف المقال انتهى ذلك. - وفيه جاءت الأخبار بأن قصروه قد استولى على غزّة وأعمالها والقدس، وغير ذلك من النواحى. وفى صفر عظم أمر الأمير طومان باى جدا، وتصرّف فى أحوال المملكة كما يختار، وصار الأشرف جان بلاط معه كالمحجور عليه لا يقضى أمرا دونه. - وفيه

стр. 2366

جاءت الأخبار من حلب بأن دولات باى نائبها أظهر الطاعة للسلطان، وأنه ليس مع قصروه نائب الشام، وكان هذا كله حيل وخداع، وترتيب من الأمير طومان باى، حتى كلّ عزمه عن إرسال تجريدة إلى قصروه نائب الشام، وكانت لوائح الخذلان لائحة على الأشرف جان بلاط، وأحواله كلها معكوسة، وصار الأمير طومان باى يمهّد لنفسه فى الباطن. وفيه توعّك قاضى القضاة زين الدين زكريا وحصل له ضعف فى بصره، فأغلق بابه وأظهر أنه قد عزل نفسه عن القضاء، فلم يلتفت السلطان إليه؛ فلما كان يوم الاثنين عشرين هذا الشهر أخلع السلطان على محيى الدين عبد القادر بن النقيب وقرّره فى قضاء الشافعية، عوضا عن القاضى زكريا بحكم انفصاله عنها؛ فكانت مدة ولاية زكريا فى قضاء الشافعية نحوا من عشرين سنة، فإنه تولّى فى دولة الأشرف قايتباى فى سادس رجب سنة ست وثمانين وثمانمائة، وعزل فى صفر سنة ست وتسعمائة، وهذه المدّة لم تتفق لأحد من قضاة الشافعية فى ولاية واحدة غيره، فعدّ ذلك من النوادر، وسيعود إلى القضاء ثانيا عن قريب؛ فلما تولّى عبد القادر بن النقيب شقّ على كل أحد من الناس ولايته ولاموا السلطان على ذلك، وكان يومئذ فى الشافعية من هو أولى بالقضاء منه، ولكن سعى بمال له صورة حتى تولى على كره من الناس، فكان كما يقال ذو بيت: فى مصر من القضاة قاض وله … فى أكل مواريث اليتامى وله إن رمت عدالة فقم مجتهدا … من عدّ له دراهما عدّله وهذه أول ولايته للقضاء بمصر، وقيل إنه سعى بسبعة آلاف دينار حتى تولى، وسيعزل عن قريب. - وفيه جاءت الأخبار من جهة المغرب بأن الفرنج قد استولوا على غرناطة، التى هى دار ملك الأندلس، ووضعوا فى المسلمين السيف، وقالوا: من دخل فى ديننا تركناه، ومن لم يدخل فى ديننا قتلناه؛ فدخل فى دينهم جماعة كثيرة من المغاربة خوفا على أنفسهم من القتل، ثم ثاروا عليهم المسلمون ثانيا وانتصفوا عليهم بعض شئ، واستمرّ الحرب بينهما ثائرا والأمر لله.

стр. 2367

وفى ربيع الأول نزل السلطان إلى بيت الأمير طومان باى الدوادار، وترجّل عن فرسه ودخل هو وإياه إلى المبيت، وأقام عنده ساعة يتحدثان فى أمر قصروه، ثم ركب وطلع إلى القلعة. - وفيه عمل السلطان المولد النبوى، وكان حافلا، وهو أول موالده. - وفيه فى يومه عيّن السلطان خاير بك، أخو قانصوه البرجى، ومعه جماعة من العسكر، وأمرهم بأن يقيموا (١) بغزّة خشية من قصروه أن لا يطرق غزّة على حين غفلة، فخرج خاير بك والعسكر مسرعين. - وفيه ماتت خوند حبيبة ابنة الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، وهى زوجة الأمير طومان باى الدوادار، وكانت جنازتها حافلة. وفيه عيّن السلطان الأمير سودون العجمى أحد المقدّمين، وقرّره فى امرة الحاج بركب المحمل، وعيّن دولات باى قرموط والى القاهرة بالركب الأول. - وفيه عرض السلطان العسكر وعيّن تجريدة إلى قصروه نائب الشام، وقد تمادى على العصيان والخروج عن الطاعة، واضطربت أحوال البلاد الشامية، وانقطعت سائر الأصناف التى كانت تجلب من البلاد الشامية كالماورد والورق الشامى والفاكهة، وغير ذلك مما كان يجلب من الأصناف الشامية. فلما عرض العسكر عيّن نحوا من ألفين (٢) مملوك، ومن الأمراء المقدّمين أحد عشر أميرا، وكان الباش على هؤلاء الأمراء المقر السيفى طومان باى أمير سلاح وأمير دوادار كبير ووزير وأستادار وكاشف الكشاف ومشير المملكة وما مع ذلك من الوظائف، فلما عرض السلطان العسكر نفق عليهم وبعث نفقة الأمراء، ثم استحثّهم على الخروج بسرعة ورسم لهم بأن يخرجوا شيئا بعد شئ؛ فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشرين هذا الشهر خرج جماعة من الأمراء المعينين فى هذه التجريدة، فكان جاليش العسكر قيت الرجبى حاجب الحجاب، وأصطمر من ولى الدين أحد المقدّمين، وسودون الدوادارى أحد المقدّمين، وخرج صحبتهم خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية.

стр. 2368

وفيه قرّر الأمير قانى بردى اليوسفى فى شادية الشراب خاناه مع أمرة أربعين، وكان من خواص الأمير طومان باى الدوادار، وقرّر قلج فى نيابة البيرة، [ثم] لم يتمّ له ذلك، وقرر فى نيابة الإسكندرية، ثم نفى فى دولة العادل طومان باى إلى البلاد الشامية. - وفيه قرّر الشيخ صنطباى فى نظر المدرسة السنقرية التى بباب النصر، وأخرج النظر عن قاضى القضاة الشافعى زكريا بأمر السلطان. - وفيه قرر أنصباى الذى كان شاد الشرابخاناه فى تقدمة ألف، وكان من خواص الأمير طومان باى ومن أعز أصحابه. - وفيه قرّر طقطباى فى كشف أسيوط، وصرف عنها يوسف النوام، وقرّر جانم المحمدى الخشقدمى فى كشف منفلوط، وصرف عنها جندر السيفى أزبك اليوسفى. وفى ربيع الآخر فى يوم السبت مستهلّه خرج من تعيّن من النواب المقدم ذكرهم، وهم: قرقماس من ولى الدين المعيّن لنيابة حلب، وبرد بك الطويل المعيّن لنيابة طرابلس، وقانصوه بن سلطان جركس المعروف بابن اللوقا المعيّن لنيابة حماة؛ وقد تعينت نيابة الشام لدولات باى نائب حلب بأن ينتقل إلى نيابة الشام، عوضا عن قصروه إذا قبض عليه، فكانت هذه التراتيب كلها فى البطال، وآل الأمر بخلاف ذلك كما يأتى الكلام عليه فى موضعه. وفيه فى يوم الاثنين رابعه خرج المقر السيفى طومان باى أمير سلاح وأمير دوادار كبير وما مع ذلك، فلما خرج طلّب طلبا حافلا حتى رجّت له القاهرة، فلما طلع إلى القلعة أفاض عليه السلطان خلعة حافلة، وهو فوقانى حرير أزرق بوجه حرير أخضر بطرز يلبغاوى عريض، قيل كان طوله ثلاثة أذرع فى عرض ذراعين ونصف من الذهب الخالص البندقى، وكان ما دخل فيه ثمانمائة مثقال، بحيث لم يعمل قط مثله ولا سمع بمثل ذلك؛ وكان الأشرف جان بلاط يقاتل على رضا الأمير طومان باى بكل ما يمكن، ومع هذا كان الأمير طومان باى يضمر له كل سوء، فكان لسان حال الأشرف جان بلاط يقول: أقاسى المنون لنيل المنى … ويا ليت هذا بهذا يفى

стр. 2369

وكان الأمير طومان باى باغى على الأشرف جانبلاط، فكان كما يقال فى الأمثال: والغدر بالعهد قبيح جدّا … شرّ الورى من ليس يرعى عهدا فلما خرج كان صحبته من الأمراء المقدّمين الأمير قانى باى قرا الرماح [١] أمير آخور كبير، والأمير قانصوه الغورى رأس نوبة النوب، والأمير أزدمر من على باى أحد المقدّمين والأمير أنص باى أحد المقدمين، فكانوا بمن تقدّمهم من الأمراء المقدّمين أحد عشر أميرا، ومن الأمراء الطبلخانات والعشرات نحو من عشرين أميرا، ومن المماليك السلطانية زيادة على ألفى مملوك [٢]، فكانت هذه التجريدة المعينة إلى قصروه نائب الشام تعادل تجاريد ابن عثمان، وقد تقدّم ذكر ذلك فى أخبار الأشرف قايتباى. فلما شقّ الأمير طومان باى من القاهرة كان له يوم مشهود، وارتفعت الأصوات له بالدعاء، وكان محبّبا للناس ولا سيما العوام، فلهج الناس بأنه سيعود سلطانا وكان الأمر كذلك، فاستمرّ فى ذلك الموكب حتى نزل بالريدانية فى الوطاق، فأقام به أياما ورحل؛ وقيل إن السلطان نزل إليه هناك فى الخفية تحت الليل، وجلس عنده وتحدثا فى ما يكون من أمر قصروه، فأنعم عليه السلطان بأشياء كثيرة من مال وقماش وتحف، حتى أحجار حيوانية لمنع السموم القاتلة، ثم ودّعه وطلع إلى القلعة، وكان يظنّ أن الأمير طومان باى ناصح له، وكان الأمر بخلاف ذلك. ومن الحوادث فى هذا الشهر أن السلطان تغيّر خاطره على القاضى كاتب السرّ بدر الدين بن مزهر، فقبض عليه وعلى حاشيته، وسجنه بالعرقانة، وضربه ضربا مبرحا غير ما مرة، وسبب ذلك أن السلطان لما صادر الناس كما تقدّم ندب القاضى بدر الدين إلى ذلك، فأظهر من العسف والظلم والتشويش على الناس ما يطول شرحه، وأظهر النتيجة فى ذلك للأشرف جان بلاط فإنه كان صهره، فكثر الدعاء عليه وأخذه الله من الجانب الذى يأمن إليه، كما يقال: فكان كالمتمنّى أن يرى فلقا … من الصباح فلما أن رآه عمى ثم إنه قرّر عليه مالا وأقام فى العرقانة حتى يردّ ما تقرّر عليه من المال، وكان

стр. 2370

من أمره ما سنذكره فى موضعه. - فلما كان يوم الخميس ثانى عشره أخلع السلطان على صلاح الدين بن يحيى بن شاكر بن الجيعان وقرّره فى كتابة السرّ، عوضا عن بدر الدين بن مزهر بحكم صرفه عنها، وهذه آخر ولايته لكتابة السرّ ولم يعد إليها بدر الدين بعد ذلك. - وفى ليلة الجمعة ثالث عشره خسف جرم القمر خسوفا تامّا، وأقام فى الخسوف إلى قريب التسبيح، وغروب وهو مكسوف. وفيه توفى القاضى جلال الدين بن الأمانة أحد أعيان نواب الشافعية، وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز، وكان عالما فاضلا رئيسا حشما، فاته منصب القضاة غير ما مرة، وهو آخر من يروى صحيح مسلم عن الزينى الزركشى بالسماع، وكان قد طعن فى السنّ وقارب التسعين من العمر. - وفيه نودى من قبل السلطان بإبطال ما تجدّد من المكوس، والمظالم الحادثة من بعد موت الأشرف قايتباى. - وفيه عاد تمرباى خازندار الأمير طومان باى الدوادار، وكان قد توجّه إلى قصروه نائب الشام ليمشى بينه وبين السلطان بالصلح، فلم يوافق قصروه على ذلك. - وفيه توفى أصباى الأشرفى قايتباى وكان أحد الدوادارية، وكان لا بأس به. وفى جمادى الأولى، فى يوم الاثنين خامسه، وصل هجان من الشام، وعلى يده مكاتبات إلى تمر باى دوادار طومان باى ليفرّقها على الأمراء، فكان من مضمونها أنه قد تسلطن بالشام، وتلقّب بالملك العادل، فاستفاض هذا الكلام بين الناس وفشا؛ فلما فرّق تمرباى المكاتبات على الأمراء، فخاف على نفسه، ففرّ تحت الليل وستر الله عليه حتى خرج من القاهرة. ثم بعد أيام جاءت الأخبار مفصّلة بصحّة ما جرى، وهو أن العسكر لما وصل إلى الشام نزل فى مكان يسمّى سعسع بالقرب من دمشق، فركب قصروه نائب الشام فى نفر قليل من عسكره وأظهر أنه طائع، فاطمأن إليه العسكر، وكان غالب الأمراء خشداشينه، فلما حضر إليهم دخل هو وإياهم إلى الشام واجتمعوا فى القصر الأبلق الذى هناك بالميدان، وحضر قصروه نائب الشام [وذكروا له أن يطلع إلى القلعة ويقرأ مراسيم السلطان، فطلع وطلعوا الأمراء إلى القلعة، فعند ذلك] (١) قرأوا عليه مراسيم

стр. 2371

السلطان، فلم يلتفت إلى ذلك، ثم تفاوض هو والأمراء فى الكلام. ثم ثارت فتنة كبيرة بالقصر، وأمر قصروه (١) بالقبض على جماعة من الأمراء، وهم: قرقماس من ولى الدين الذى قرّر فى نيابة حلب، وأزدمر من على باى أحد الأمراء المقدّمين، وخاير بك أخو قانصوه البرجى أحد الأمراء المقدّمين، وسودون الدوادارى أحد المقدّمين، وقانصوه بن سلطان جركس الذى قرر فى نيابة حماة، وقبض على آخرين من الأمراء الطبلخانات والعشرات، فلما قبض عليهم قيّدهم وسجنهم بالقلعة بدمشق. ثم فى أثناء ذلك حضر إلى دمشق دولات باى نائب حلب (٢)، وكان يدعى أنه أخو الأمير طومان باى، فلما حضر تعصّب قصروه للأمير طومان باى وتكلم فى سلطنته، فأحضر قضاة الشام وكتب صورة محضر فى خلع الأشرف جان بلاط من السلطنة، وشهد فيه جماعة من الخاصكية بأشياء توجب الخلع، فخلع من السلطنة، وبايعوا طومان باى بالسلطنة من غير خليفة، وتلقّب بالملك العادل أبو النصر، وأحضر له شعار الملك فأفيض عليه، وقبّل له الأمراء الأرض، فأول من قبّل له الأرض قصروه نائب الشام، ثم بقية الأمراء شيئا فشيئا. فلما تمّ أمره فى السلطنة عين الأتابكيّة بمصر إلى قصروه نائب الشام وعيّن نيابة الشام لدولات باى نائب حلب، وعيّن نيابة حلب إلى أركماس من ولى الدين، وعيّن نيابة طرابلس لبرد بك الطويل، وعيّن نيابة صفد لجانم، وقرّر قيت الرجبى فى أمرة السلاح عوضا عن نفسه، وقرّر قانصوه الغورى فى الدوادارية الكبرى والوزارة والأستادارية وكشف الكشاف عوضا عن نفسه، وقرّر قانبك نائب الإسكندرية فى الرأس نوبة الكبرى، وقرّر أصطمر من ولى الدين فى الحجوبية الكبرى، وعيّن عدّة تقادم ألوف وأمريات طبلخانات وعشرات لجماعة من عصبته؛ ثم إنه رسم بشنق أحد مشايخ العربان من أولاد ابن نبيعة، وشنق شخصا من مشايخ

стр. 2372

بنى حرام (١)، يقال له ثابت؛ فلما تمّ أمره فى السلطنة خطب باسمه على منابر دمشق، ثم أخذ فى أسباب التوجّه إلى مصر. فلما طرق الأشرف جان بلاط هذه الأخبار اضطربت أحواله وضاقت به الدنيا بما رحبت، ثم أخذ فى أسباب تقرير الوظائف للأمراء الذين (٢) بمصر، عوضا عن من أظهر العصيان بدمشق، فاستمال قلوبهم حتى يكونوا له عونا ويدخلوا تحت طاعته، فأحضر لهم المصحف العثمانى وحلّف عليه سائر الأمراء من كبير وصغير، بعد صلاة الجمعة، بحضرة الخليفة المستمسك بالله يعقوب والقضاة الأربعة، وكان قاضى القضاة الشافعى عبد القادر بن النقيب ألّف صورة أيمانات مغلّظة بالله، وبالمصحف وبالحج وبالعتق والطلاق الثلاثة وغير ذلك من التأكيد فى الأيمان المغلّظة، وكتب ذلك فى سجلّ ودفعه إلى صلاح الدين بن الجيعان كاتب السرّ ليحلّف به الأمراء، وكان هذا سببا لانتقام العادل من ابن النقيب، فلما حضر إلى مصر وتمّ أمره فى السلطنة، فجرى على ابن النقيب منه أمور مهولة يأتى الكلام عليها فى موضعه. فلما تكامل المجلس حلّف الأمراء بمعنى ذلك الإيمان التى تقدّمت، فحلفوا أنهم لا يخونوا ولا يغدروا ولا يميلوا مع العادل إذا حضر، فحلفوا على ذلك، ثم أحضر لهم عدة تشاريف، فأخلع على قانصوه المحمدى المعروف بالبرجى وقرّره فى أمرة السلاح، عوضا عن طومان باى بحكم سلطنته بدمشق، وقرر خشكلدى البيسقى الظاهرى خشقدم فى أمرة مجلس، عوضا عن قانصوه البرجى بحكم انتقاله إلى أمرة السلاح، وقرّر مصر باى فى الدوادارية الكبرى، عوضا عن طومان باى بحكم سلطنته بدمشق، وقرّر سيباى نائب سيس فى الأمير آخورية الكبرى، عوضا عن قانى باى قرا الرماح (٣) بحكم عصيانه مع طومان باى، وقرّر سودون العجمى فى الرأس نوبية الكبرى، عوضا عن قانصوه الغورى بحكم عصيانه مع طومان باى، وقرّر برد بك المحمدى الأينالى فى حجوبية الحجاب، عوضا عن قيت الرجبى بحكم عصيانه

стр. 2373

مع طومان باى، وقرّر قصروه الصغير فى ولاية القاهرة، وقرّر تانى بك الأبح فى شادية الشراب خاناه، وقرّر آقباى الأشقر الطويل فى تجارة المماليك، وقرّر تمر باى الطويل فى أستادارية الصحبة، وقرّر جان بردى رأس نوبة ثانى، وأنعم بتقادم ألوف على جماعة من الأمراء، منهم: بيبردى الفهلوان، وأزبك المكحل، وخشكلدى الذى كان أستادار الصحبة، ودولات باى قرموط الذى كان والى القاهرة، وأرزمك الناشف، وتمراز جوشن، وتمر الزردكاش، وآخرين (١) من الأمراء، عوضا عمن خامر مع طومان باى. ثم فرّق عدّة أقاطيع على الخاصكية، عوضا عمن كان صحبة طومان باى بالشام؛ ثم أخذ فى أسباب تحصين القلعة، فركّب حولها المكاحل المعمّرة بالمدافع، وأصلح سورها وأبراجها، وبنى فوق سلّم المدرج بابا وهو الموجود الآن، ثم بنى برجا محيطا على باب السلسلة فبناه بالحجر (٢) الفصّ، وصنع فيه مرامى وأبواب صغار، ثم سدّ باب الميدان، وباب حوش العرب، وباب الاسطبل الذى عند الصرّة، وصار ينزل فى النهار مرتين يكشف على العمارة بنفسه، ثم رسم بهدم مدرسة السلطان حسن، فهدم منها بعض شئ من وراء ظهر محراب القبة، وأقاموا يهدمون (٣) فيها ثلاثة أيام فلم يقدروا على هدم ذلك، فتكلم الأمير تغرى بردى الأستادار مع السلطان فى عدم ذلك، فرجع إليه السلطان وترك الهدم عنها، وقد تأسّف الناس على هدمها لأن لم يعمّر فى الدنيا مثلها، ولو هدمها ما كان يفد من هدمها شئ وما كان يقدر على هدمها، فكان ترك ذلك أوجب، وقد ظهر عجزه عن ذلك، وفى هذه الواقعة يقول شيخنا عبد الباسط بن خليل الحنفى، وهو قوله: هتكت قبة الحسن … وانتفى وصفها الحسن إنّ فى ذا لعبرة … لكن المستفيق من وقال محمد بن قانصوه بن صادق:

стр. 2374

حسن السلطان قد هتكت … خيفة المحذور قبّته تعس الراضى بذا وغدت … مثلها فى الهتك حرمته ثم إن السلطان نقل إلى القلعة أشياء كثيرة من العليق والبقسماط والجبن وغير ذلك من الاحتياج، ثم ملأ الصهاريج التى بالقلعة، ونقل إليها أشياء من احتياج المطبخ ما يكفى المحاصرة فوق الشهرين، ثم نادى فى القاهرة بإصلاح الدروب وإصلاح أبواب المدينة، فاضطربت الأحوال وتزايدت الأهوال وكثر القيل والقال، ووزّع الناس قماشهم فى المخابئ، وظنّ كل أحد أن هذه فتنة مهولة لا تنجلى إلا عن أمور شتى، وصار الناس فى رعب من ذلك، وقد اشتدّ الأمر جدا. ثم إن السلطان قبض على إسماعيل بن زامل وشنقه على باب الميدان، وسبب ذلك أنه لما هرب تمرباى خازندار طومان باى الذى تسلطن بالشام، كيف مكّنه من أن يتوجّه إلى الشام وما أعلم السلطان بذلك، فشنقه لأجل ذلك وصار له ذنب كبير؛ ثم إن السلطان أراد أن يقبض على الأمير طراباى، وعوّقه بالقلعة ساعة، ثم بدا له ترك هذا الأمر. ثم إن السلطان رسم بقطع سلالم مدرسة السلطان حسن، وأمر بنقض أماكن من دار يشبك الدوادار، ونقل إلى القلعة أخشاب كثيرة، صنع منها طوارق وسلالم خشب وغير ذلك من آلة الحرب؛ ثم فتح الزردخاناه وفرّق منها على جماعة من الجند عدّة سيوف وزرديات ولبوس وبكاتر وقسىّ ونشاب وغير ذلك، ثم فرّق عليهم عدّة خيول خاص، وأرضى العسكر بكل ما يمكن من الإنعام حتى تمنّى كل بقاءه ولم يفد من ذلك شئ، فكان كما يقال: إذا طبع الزمان على اعوجاج … فلا تطمع لنفسك فى اعتدال وفى جمادى الآخرة، فى يوم الأربعاء مستهلّه، أخلع السلطان على الأمير عبد اللطيف الطواشى، وقرّره زماما وخازندارا كبيرا، عوضا عن جوهر المعينى بحكم وفاته كما تقدّم. - وفيه توفى الشيخ الصالح المعتقد بالجذب سيدى عبيد القفاص، وكان من الصالحين. - وفى يوم السبت رابعه جاءت الأخبار بأن العادل طومان باى

стр. 2375

خرج من الشام، هو وقصروه نائب الشام، ودولات باى نائب حلب، وجماعة من النواب، والتفّ عليهم الجمّ الغفير من عسكر الشام وعربان جبل نابلس والعشير وغير ذلك، وقد وصل إلى غزّة. فلما تحقّق السلطان ذلك علّق الصنجق السلطانى على باب السلسلة، ونادى للعسكر بأن الطائع يطلع إلى القلعة ومعه آلة السلاح، وأن سائر الأمراء تطلع إلى القلعة؛ ثم رسم لأقارب الخليفة بأن يطلعوا عنده إلى القلعة كبارهم وصغارهم، ثم رسم لقاضى القضاة بأن يطلعوا إلى القلعة، وكذلك سائر المباشرين من أرباب الوظائف يطلعوا إلى القلعة أجمعين، فامتثلوا ذلك وطلعوا إلى القلعة وأقاموا بها، واحتاط فى الأمور بكل ما يمكن، ولم يفد من ذلك شئ، فكان كما يقال: إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأوّل ما يجنى عليه اجتهاده فلما كان يوم الخميس تاسعه وصل العادل بمن معه من العساكر إلى خانقاة سرياقوس، ودخل أوائل عسكره إلى القاهرة، فماجت المدينة واضطربت، وقلق الأشرف جان بلاط وضاقت عليه الدنيا بما رحبت، فكان كما قيل فى المعنى: قد كان يرجف فى ليالى وصله … قلب فكيف يكون عند صدوده ثم جاءت الأخبار بوصول عسكر العادل إلى المطرية، فخرج إليه بعض المماليك السلطانية واتقعوا معهم هناك قتال هيّن، ففرّ منهم أزبك النصرانى ودخل تحت طاعة العادل وقبّل له الأرض، فأخلع عليه العادل هناك وقرّره والى الشرطة بالقاهرة؛ ثم إن بعض المماليك توجّه إلى بيت العادل الذى كان ساكنا به، وهو بيت الظاهر تمربغا الذى عند سوق السلاح بالقبو، فأحرقوا مقعده ومبيته ونهبوا منهم بعض أثاث. فلما كان يوم السبت حادى عشره كان دخول العادل طومان باى إلى القاهرة، فدخل من باب الفتوح ورفع على رأسه صنجق خليفىّ، وكان معه من الأمراء: قانى باى قرا الرماح أمير آخور كبير، والأمير قانصوه الغورى رأس نوبة النوب، وقد تقرّر فى الدوادارية الكبرى بدمشق، والأمير قيت الرجبى حاجب الحجاب،

стр. 2376

والأمير أصطمر من ولى الدين أحد الأمراء المقدّمين، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات والعشرات، وكان معه من النواب قصروه نائب الشام، ودولات باى نائب حلب، وبرد بك الطويل نائب طرابلس، وجانم نائب حماة وغير ذلك من الجند والعربان والعشير. فشقّ من القاهرة وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وكان محبّبا للناس قاطبة، فنادى بالأمان والاطمان والبيع والشراء، وأن لا أحد يشوّش على أحد من الرعية، فتزايدت له الناس بالأدعية السنية، وكان الناس يظنّون أن العادل طومان باى إذا دخل إلى القاهرة تخرب عن آخرها، بسبب ما يقع من الفتن، وأن الأمر يطول فى ذلك، فما حصل إلا كل خير، وانفرج الأمر عن قريب. فاستمرّ العادل طومان باى فى ذلك الموكب، وكان له يوم مشهود، حتى توجّه إلى بيت تانى بك قرا، الذى عند حمّام الفارقانى، فنزل به، ونزل قصروه بالأزبكية بدار الأتابكى أزبك، ونزل دولات باى نائب حلب بجامع شيخوا، ونزل نائب طرابلس بدار أزبك اليوسفى أمير مجلس كان، الذى بدرب ابن البابا، وتوزّعوا الأمراء والنواب الذين (١) حضروا صحبة العادل كل أحد فى مكان، بالقرب من الصليبة. ثم نار الحرب بين الفريقين وعظم الأمر جدا، وكان القائم بأمر الحرب لنصرة العادل، قصروه نائب الشام، فأمر بحفر خنادق فى الطرقات (٢)، فحفر أربعة خنادق، خندقا برأس الرملة عند سويقة عبد المنعم، وخندقا عند حدرة البقر، وخندقا عند باب الوزير، وخندقا برأس جامع أحمد بن طولون. ثم إن العادل أحضر عدة أخشاب لاطات وجزم وصوارى، وأحضر جماعة النجارين، فصنعوا منها عدّة طوارق وسلالم، وشرعوا فى عمل مناجنيق، وسدّوا عدة أبواب فى أماكن شتى (٣)، وظنوا أن هذه الفتنة يطول أمرها، ففى اليوم الثالث من المحاصرة ملك قصروه مدرسة السلطان حسن، وركّب عليها المكاحل

стр. 2377

المعمّرة بالمدافع، ووقّف بها الرماة (١) وأرموا على من بالقلعة بالبندق (٢) الرصاص، فقتل ممن كان بالقلعة جماعة كثيرة وجرح آخرون، ففتر عزمهم عن القتال، وبانت الكسرة على الأشرف جانبلاط، ولم يكن عنده بالقلعة من الأمراء سوى: الأتابكى تانى بك الجمالى، والأمير طراباى، والأمير مصر باى، والأمير قانصوه المحمدى البرجى، وخشكلدى البيسقى (٣)، وآخرون من الأمراء المقدّمين وغيرهم. وكان بعض الأمراء أشار على السلطان جانبلاط لما وصل العادل إلى المطرية، بأن يخرج إليه الأتابكى تانى بك الجمالى، وآخرون من الأمراء، ويحاربونه قبل أن يدخل إلى القاهرة ويتمكن منها، فلم يوافق على ذلك جماعة من الأمراء، وكان هذا عين الصواب، كما يقال فى المعنى: وانتهز الفرصة إنّ الفرصة … تصير إن لم تنتهزها غصّة واسبق إلى الأجود سبق الناقد … فسبقك الخصم من المكايد ثم إن العادل قصد أن يحضر جماعة من فرسان عربان الشرقية يقاتلون معه كما فعل آقبردى الدوادار، فلم يوافقوه الأمراء على ذلك، وقالوا: هذا يحصل منه غاية الفساد، فترك ذلك - فلما كان يوم الاثنين ثالث عشره اشتدّ الحرب بين الفريقين، وحصل بينهما واقعة مهولة بباب الوزير، فجرح فيها شخص من الأمراء الطبلخانات يقال له تمر باى الطويل أستادار الصحبة، فلما جرح أغمى عليه فسقط عن فرسه، فأخذوا لبسه وسلاحه وفرسه وحمل إلى داره فمات بعد أيام. وفى ذلك اليوم تقنطر الأمير مصر باى الدوادار بالتبّانة، وأخذوا فرسه من تحته، فنجا بنفسه وهرب؛ وجرح فى ذلك اليوم جماعة كثيرة من الفريقين، وقتل فى ذلك اليوم أيضا الأمير قانبك نائب الإسكندرية أحد الأمراء المقدّمين (٤)، وكان من

стр. 2378

عصبة الأمير آقبردى الدوادار، وحضر إلى القاهرة صحبة قصروه نائب الشام، وكان مقيما بالشام، وقتل جماعة من الخاصكية فى ذلك اليوم. وفى يوم الأربعاء خامس عشره استمرّ الحرب ثائرا بين الفريقين إلى يوم الخميس سادس عشره، فنفق العادل طومان باى على العسكر الذى من عصبته جامكية شهر، فصار الأشرف جان بلاط ينفق الجامكية بالقلعة على من عنده من العسكر، والعادل طومان باى ينفق الجامكية فى بيت تانى بك قرا على من عنده من العسكر. فلما تلاشى أمر الأشرف جان بلاط، وترشّح أمر العادل طومان باى، ولاحت عليه لوائح النصر، فصار جماعة من الأمراء والعسكر يتسجّبون من القلعة وينزلون عند العادل طومان باى، فنزل إليه: قانصوه الفقيه، وتمر الظاهرى، وجان بلاط الأبح، وتانى بك الأبح، وغير ذلك من الأمراء والخاصكية؛ ثم نزل فى ذلك اليوم القاضى عبد القادر القصروى وتوجّه إلى عند العادل، فأخلع عليه وأقرّه فى نظر الجيش، عوضا عن الشهابى أحمد ناظر الجيش؛ وكان الأشرف جان بلاط واعد العسكر أنه ينفق عليهم مع الجامكية، فلم ينفق عليهم شيئا، فتغلّبوا عليه وتسحّب غالبهم وأتى إلى العادل فترحّب بهم. فلما كان يوم الجمعة سابع عشره خرج العادل من بيت تانى بك قرا، وهو راكب وعليه سلارى جوخ أحمر مفرّى بصموّر (١)، وعلى رأسه تخفيفة صغيرة، والأمراء حوله، فتوجّه إلى جامع شيخوا وصلّى به صلاة الجمعة، فارتفعت له الأصوات بالدعاء، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وكان له يوم مشهود؛ فلما خطب الشرفى يحيى بن العدّاس، خطيب جامع شيخوا، دعا فى أواخر الخطبة باسم الملك العادل، فهى أول خطبة خطب بها باسم العادل فى القاهرة، قبل أن يخلع الأشرف جانبلاط من السلطنة، وقد خاطر الشرفى يحيى بن العدّاس بنفسه فى ذلك، فعدّ من النوادر، فلما تسلطن العادل، وتم أمره فى السلطنة، كتب للشرفى يحيى بن العدّاس جامكية فى كل شهر ألف درهم فى نظير ذلك.

стр. 2379

وفى يوم السبت ثامن عشره، وقت صلاة الفجر، نزل من القلعة جماعة من الأمراء العشرات، منهم: جان بردى الغزالى، وخاير بك الكاشف، وآخرون من الخاصكية، فتوجّهوا إلى عند العادل؛ ثم إن الأشرف جان بلاط رسم بتفرقة الجامكية الثانية فى الاسطبل السلطانى، وحضر هناك العسكر وهم لا بسون لامة الحرب، فبينما العسكر التى بالقلعة مشغولين بتفرقة الجامكية، وإذا بالقلعة قد ماجت واضطربت، وثار الجمّ الغفير بالرملة من المماليك الذين من عصبة العادل، فنهبت الجامكية عن آخرها التى نفقت بالاسطبل. وكان سبب ذلك مما استفاض بين الناس أن الأشرف جانبلاط كان مقيما فى مدّة حصار القلعة بالقصر الكبير، وعنده جماعة من مشايخ الصوفية ومن يعرف بالصلاح، فلما ضاق الأمر على الأشرف جانبلاط قام ودخل دور الحريم، فأبطأ فيه ساعة طويلة، فعمد الأمير طراباى إلى الترس والنمجاة ونزل من القلعة وتوجّه إلى عند العادل طومان باى، وأشاع أن الأشرف جان بلاط قد هرب من القلعة، فلما سمع بذلك الأتابكى قصروه وكان مقيما فى مدّة المحاصرة فى مدرسة السلطان حسن، فحطم بمن معه من الجند، فملك باب السلسلة وسلم المدرج من غير مانع، ولم يفد من تحصين الأشرف جان بلاط شئ، ولا من بنائه لتلك الأبراج شئ، ولا من تركيب المكحلة الكبيرة التى يقال لها المجنونة، وكان هذا خذلانا من الله تعالى له، وقد قلت فى المعنى مع التضمين: تحصّن خوفا جنبلاط بقلعة … فلم تدفع الأعداء عنه المدافع فكانت مراميه كفارغ بندق … خلّى من القتلى ولكن فراقع فلما كانت الكسرة على الأشرف جانبلاط وقع النهب بالقلعة فى الحواصل السلطانية، فنهبوا أشياء كثيرة من قماش وسلاح وخيول وغير ذلك، مما نقله الأشرف جانبلاط إلى القلعة من أغنام وأبقار، وبقسماط وسكر، واحتياج المطبخ، وغير ذلك؛ ثم إن فى ذلك اليوم رسم العادل بالإفراج عن القاضى بدر الدين بن مزهر كاتب السرّ، وكان الأشرف جانبلاط سجنه بالعرقانة، وقرّر عليه مالا له صورة، وأقام بالعرقانة مدّة طويلة، فأفرج عنه ونزل إلى داره فى ذلك اليوم.

стр. 2380

فلما حصلت هذه النصرة من غير قتال مهول، فعند ذلك ركب العادل طومان باى من بيت تانى بك قرا، وعلى رأسه صنجق سلطانى، وصعد إلى باب السلسلة من غير مانع وملكه، وكان من أمر سلطنته ما سيأتى الكلام عليه فى موضعه؛ ثم فى أثناء ذلك اليوم قبض على الأشرف جان بلاط، قيل وجد فى مكان مهجور بدور الحرم، فمسك من هناك، فلما قبضوا عليه أدخلوه إلى قاعة البحرة، وقيّدوه بقيد ثقيل، ووكلوا به جماعة من الخاصكية، وفيهم شخص من مماليك آقبردى الدوادار، فحصل للأشرف جان بلاط منه غاية البهدلة وما لا خير فيه، فكان كما يقال فى أمثال الصادح والباغم: عند تمام المرء يبدو نقصه … وربما ضرّ الحريص حرصه ومنها: كم عشت فى لذّة عيش زمنى … فأصبر الآن لهذى المحنى ثم نقل الأشرف جان بلاط من البحرة إلى المبيت التى بجوار المقعد الذى بالحوش، فأقام به نحوا من ثمانية عشر يوما، فلما كان يوم الاثنين خامس رجب توجّهوا بالملك الأشرف جان بلاط إلى السجن بثغر الإسكندرية، فنزلوا به من باب الدرفيل وقت الظهر، وهو مقيّد وخلفه أوجاقى بخنجر، فتوجّهوا به من على المجراة إلى البحر، فنزل فى الحراقة وسار إلى الإسكندرية، وكان المتسفّر عليه: الأمير أنسباى أحد المقدّمين، والأمير قان بردى أحد العشرات، وجماعة من الخاصكية، فتوجّهوا به إلى الإسكندرية ورجعوا. وقيل كان سبب تأخير الأشرف جان بلاط هذه الثمانية عشر يوما، حتى أورد ما قرره عليه العادل من المال حتى أرضاه، فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية ستة أشهر وثمانية عشر يوما، وكان هذه المدّة فى غاية فى الضنك مع الأمير طومان باى، وآخر الأمر وثب عليه وخلعه من السلطنة، وحاصره وهو بالقلعة نحوا من سبعة أيام، فإنه دخل إلى القاهرة يوم السبت حادى عشر هذا الشهر، وملك القلعة يوم السبت ثامن عشره، وتعب فى تحصين القلعة، ونقل إليها أشياء كثيرة من كل صنف

стр. 2381

كما تقدم وظنّ أن حصار القلعة يطول، فما أفاده من ذلك شئ. وكان الأشرف جانبلاط أرشل، قطيع القلب، قليل الحظّ، عسوفا ظالما، حصل منه فى مدة سلطنته للناس غاية الضرر من المصادرات وأخذ الأموال، ولو أقام فى السلطنة حصل للناس منه غاية المشقّة من الظلم والأذى، فعجّل الله به؛ ومن مساوئه ما وقع له مع آقبردى الدوادار، فإنه كان أعزّ أصحابه، ثم أقلب عليه بعد صحابته له ما كأنه يعرفه. وكان صفته أبيض اللون، طويل القامة، غليظ الجسد، مستدير الوجه، أسود اللحية، جميل الهيئة، حسن الشكل، تولّى الملك وله من العمر نحو من أربعين سنة، وكان من خواص الأشرف قايتباى، وساعدته الأقدار حتى تسلطن وأقام هذه المدة اليسيرة، وآل أمره إلى أن خنق وهو مسجون بالبرج، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه، انتهى ما أوردناه من أخبار الأشرف جان بلاط وذلك على سبيل الاختصار. ذكر سلطنة العادل أبو النصر طومان باى الأشرفى قايتباى وهو الخامس والأربعون من ملوك الترك وأولادهم فى العدد، وهو التاسع عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ وكان أصله جركسى الجنس، اشتراه قانصوه اليحياوى نائب الشام وقدّمه مع جملة مماليك إلى الأشرف قايتباى، فأقام فى الطبقة مدّة طويلة، ثم أعتقه وأخرج له خيلا وقماشا وصار من جملة المماليك السلطانية جمدارا، ثم بقى خازندار (١) كيس فى سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، ثم بقى أمير عشرة فى دولة الناصر محمد بن الأشرف قايتباى، ثم قرّر فى نيابة الإسكندرية فى سنة اثنتين وتسعمائة، وتوجّه إليها فأقام بها مدّة يسيرة وعاد إلى مصر، ثم بقى أمير طبلخاناه دوادار ثانى فى دولة الناصر أيضا، ثم بقى مقدّم ألف دوادارا كبيرا فى دولة الظاهر قانصوه، ثم بقى أمير سلاح دوادارا كبيرا ووزيرا وأستادارا وكاشف الكشاف

стр. 2382

ومدبّر المملكة فى دولة الأشرف جانبلاط. ثم سافر إلى الشام لما عصى قصروه نائب الشام، فتسلطن هناك وعاد وهو سلطان كما تقدّم، فلما دخل إلى القاهرة وصحبته قصروه وبقية النواب، قام قصروه بنصرته قياما حافلا، وصار [يقف على حفر الخندق بنفسه، ويشيل التراب بالقفف على كتفه] (١)، هو ومماليكه، مع الفعلاء، ونصب المكاحل على مدرسة السلطان حسن، ووقّف الرماة بالبندق الرصاص، واستمرّ يحاصر القلعة سبعة أيام؛ فلما كان يوم السبت ثامن عشر الشهر هذا، كسر الأشرف جانبلاط، فحطم العادل وملك باب السلسلة من غير مانع. فلما استقرّ بباب السلسلة قبض على قاضى القضاة الشافعى محيى الدين عبد القادر ابن النقيب، ووكل به جماعة من الأوجاقية، وقرّر عليه مالا له صورة، فنزلوا به وهو ماشى على أقدامه وحوله أوجاقية، ورسل قابضين (٢) عليه من أكمامه، فشقّوا به من الصليبة وهو على هذه الهيئة، فسبّوه العوام وكادوا أن يرجموه، حتى حماه بعض الأتراك، واستمرّ على ذلك حتى أتوا به إلى بيت على بن أبى الجود البرددار (٣)، وكان ساكنا فى ربع الأشرف برسباى الذى بالصليبة، فأقام هناك فى الترسيم حتى يردّ المال الذى قرّر عليه، وكان قد بلغ العادل ما رتّبه ابن النقيب من الأقسام المغلظة التى حلّفها الأشرف جان بلاط للعسكر، لما بلغه سلطنة العادل بدمشق، فانتقم منه العادل بسبب ذلك وعزله عن القضاء، فكانت مدّته فى هذه الولاية ثلاثة أشهر وثمانية وعشرين يوما، وسيعود إلى القضاء ثانيا عن قريب، وقد قلت فى ذلك: ولّوك أشرف منصب يا قاضيا … لكن إن عدل الزمان ستنسخ طبخوا بنار العزل قلبك بعد ذا … وكذا القلوب على المناصب تطبخ ثم إن العادل طلب قاضى القضاة زين الدين زكريا، فلما توجّهوا إليه امتنع من الحضور واعتذر متوعّكا فى جسده، فلا زالوا به حتى أركبوه وطلع إلى القلعة،

стр. 2383

فأخلع عليه العادل وأعاده إلى القضاء، وعزل ابن النقيب كما تقدم؛ ثم حضر قاضى قضاة الحنفية البرهان بن الكركى، وقاضى قضاة المالكية عبد الغنى بن تقىّ، وقاضى القضاة الحنابلة الشهاب الشيشينى؛ ثم حضر أمير المؤمنين أبو الصبر المستمسك بالله يعقوب. فلما تكامل المجلس عملوا صورة شرعية فى خلع الأشرف جان بلاط، وولاية العادل طومان باى، فخلع جان بلاط من السلطنة، وبايع الخليفة طومان باى بالسلطنة، وجدّد له مبايعة ثانية زيادة على ما بيده من مبايعته بالشام، واستمرّ على لقبه بالعادل الذى تلقّب به بالشام، وكان أولا تلقّب بالملك المؤيد وهو بالشام، ثم تحوّل لقبه إلى الملك العادل. فلما كسر الأشرف جان بلاط كما تقدّم، ركب العادل من بيت تانى بك قرا وطلع إلى القلعة، فلما طلع لم يجلس بباب السلسلة بالمقعد الذى هناك، بل طلع إلى القلعة ودخل إلى القصر الكبير وجلس به، وحضر الخليفة والقضاة الأربعة، ووقعت مبايعته هناك، وأفيض عليه شعار الملك به، واجتمع هناك الأمراء والعسكر وأرباب الدولة قاطبة، واستمرّ على ذلك حتى جلس على سرير الملك، ورفع الزردكاش القبّة والطير على رأسه، وكان الأتابكى تانى بك الجمالى مختفيا، وقبّل الأرض له الأمراء قاطبة. ثم أخلع على الخليفة وكان ساكنا بالقلعة؛ ثم قرّر قصروه فى الأتابكية، عوضا عن تانى بك الجمالى بحكم اختفائه، فأخلع عليه فى ذلك اليوم تلك الفوقانى التى كان الأشرف جان بلاط صنعه له عند توجّهه إلى دمشق، وكان فوقانى أخضر حرير، بوجه مخمل أزرق، بطرز يلبغاوى عريض، طوله ثلاثة أذرع فى عرض ذراعين ونصف، قيل دخل فيه من الذهب ثمانمائة مثقال من ذهب بنادقة، بحيث لم يعمل مثله قط؛ ثم قام العادل لقصروه وقبّل رأسه، ونزل من القلعة فى موكب حافل، فتوجّه إلى الأزبكية بدار الأتابكى أزبك، وكان كله عين الخداع من العادل فى حقّ

стр. 2384

قصروه، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه، فكان كما يقال فى المعنى: إذا رأيت ثنايا الليث كاشرة … فلا تظنّ بأن الليث بسّام (١) ثم ضربت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وارتفعت الأصوات له بالدعاء، وكان محبّبا للناس ولا سيما العوام، فزيّنت له القاهرة سبعة أيام متوالية، وخرج الناس فى القصف والفرجة عن الحدّ، حتى عدّ ذلك من النوادر الغريبة؛ وصار كل أحد فى الفرح بسلطنته، وانفرجت تلك الفتنة عن الناس عن قريب، وكان يظن كل أحد بأن أمر الفتنة يطول ويتسع، فآل الأمر إلى خير بخمود الفتنة عن قريب، فكان كما يقال: ملك نداه المبتدا … للناس والمدح الخبر أمضى لسان سيفه … حكم القضاء والقدر فلما تمّ أمره فى السلطنة، فكان أول شئ صدر منه من الأفعال الشنيعة، أنه قبض على خوند أصل باى، أم الناصر، وزوجة الأشرف جان بلاط، وأخت الظاهر قانصوه، فوكل بها عشرة من الخدّام، وقرّر عليها نحوا من خمسين ألف دينار، وقيل عشرين ألف دينار، فباعت أشياء كثيرة من قماشها، وأخذت فى أسباب وزن ما قرّر عليها من المال. ثم إنه عزل برهان الدين بن الكركى عن قضاء الحنفية، وقرّر بها الشيخ سرى الدين عبد البرّ بن الشحنة، وهذه أول ولايته لقضاء الحنفية. - وفيه قرّر قرقماس المقرى فى الحسبة، فلما قرّر بها قبض على محمد الباسطى، الذى كان متكلما فى الحسبة فى دولة الناصر محمد بن قايتباى، فلما قبض عليه ضربه بالمقارع فى يوم شديد البرد، وأشهره فى القاهرة على جمل، فما طاق ذلك ومات عن قريب، وكان من الظلمة الكبار. وفيه أخلع على أسنباى الأصم وقرّر فى الحجوبية الثانية، وقرّر نوروز أخو يشبك الدوادار فى الرأس نوبة الثانية، وقرّر طومان باى الأشرفى قايتباى فى الأمير آخورية

стр. 2385

الثانية، وقرّر القاضى عبد القادر القصروى فى نظر الجيش، وصرف عنها الشهابى أحمد بن ناظر الخاص. - وفيه رسم السلطان برمّ ما فسد من حيطان مدرسة السلطان حسن فى مدّة محاصرة القلعة، فرمّ ذلك جميعه. - وفيه توفى الشرفى يونس بن محمد ابن أينبك أحد الزردكاشية، وكان لا بأس به. وفى رجب، فى ليلة الخميس مستهلّه، جرى من الحوادث الغريبة أن الأتابكى قصروه طلع إلى القلعة ليبات عند السلطان، وكان يبات بالقلعة ليلة الاثنين وليلة الخميس فى تلك الأيام، فلما طلع على جارى العادة، وأكل السماط مع السلطان، وجلسوا ساعة يتحدّثون، فقال له السلطان: والله قلبى خائف منك يا أمير كبير، فلما صلّى العشاء مع السلطان أمر بعض الخاصكية بالقبض عليه، فأقاموه من مجلس السلطان، وتوجّهوا به إلى المكان الذى أنشأه الظاهر قانصوه بجوار الدهيشة، فأقام هناك أياما، ثم أمر بخنقه فخنق تحت الليل، وغسل وكفن وأنزلوه من باب الدرفيل، فدفن فى تربة الصاحب خشقدم الزمام التى بالقرب من حوش العرب. وكان قصروه أميرا جليلا مهابا مبجّلا، وأصله من مماليك الأشرف قايتباى، وتولّى عدّة وظائف سنية، منها: نيابة حلب، ونيابة الشام، والأتابكية بمصر، وكان فى أيام العادل هو الآمر والناهى فى الموكب، وإذا نزل من القلعة تتوجّه معه الأمراء إلى الأزبكية، ويقام له هناك مواكب تفوق على موكب السلطان، ثم إنه صنع وليمة حافلة بالأزبكية، وجمع قرّاء البلد والوعاط، وعزم على سائر الأمراء، وعمل أسمطة حافلة جدا، وحضر عنده أكابر الأمراء وأصاغرهم وباتوا عنده، وأنعم فى تلك الليلة على جماعة من الأمراء بخيول ومال حتى استمال قلوبهم، وكان يوصف بالكرم الزائد مع شجاعته، فأوعد العسكر بكل جميل فمالوا إليه، وعوّلوا فى السلطنة عليه، فلما بلغ العادل ذلك المجلس استغنم الفرصة وبادر بالقبض عليه، وخنقه تحت الليل ودفنه، فكان كما يقال فى الأمثال: وانتهز الفرصة إن الفرصة … تصير إن لم تنتهزها غصّة
следующие страницы →