← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

بالقرب من ساحل قلعة إياس، فتحارب معهم الأمير محمد بنفسه وقد فرّ عنه من كان معه من العسكر، فقتل، وقتل من كان معه من الجند، وأخذوا ما كان معه من المراكب المشحونة بالسلاح وآلة الحرب وكانت نحوا من ثمانية عشر مركبا، فلما بلغ السلطان ذلك تنكّد إلى الغاية وامتنع عن الأكل يومين، وقد تزايد شرّ الفرنج فى هذه السنة وكثر تعبّثهم بالناس فى البحر الرومى والبحر الهندى والأمر إلى الله تعالى، وقد ارتج الأمر على السلطان فى هذا الشهر من جهات عديدة واضطربت أحواله جدّا، فكان كما يقال فى المعنى: لا تجزعنّ فبعد العسر تيسير … وكلّ شئ له وقت وتدبير وللمهيمن فى أحوالنا نظر … وفوق تدبيرنا لله تدبير وفى يوم الأربعاء ثالث عشره نزل السلطان إلى نحو تربة العادل التى بالريدانية وجرّبوا قدّامه تلك المكاحل التى سبكها كما تقدم، فلما أطلقوا فيهم البارود تفرقعوا أجمعين وبقى نحاسهم طاير مع الهوى ولم تصحّ منهم واحدة، وكانوا نحوا من خمس عشرة مكحلة، فتزايد نكد السلطان فى ذلك اليوم إلى الغاية ورجع إلى القلعة سريعا؛ وكان عوّل على أن يمدّ هناك أسمطة للأمراء وينشرح فى ذلك اليوم فلم يتمّ ذلك. - وفيه أرسل السلطان بالقبض على الرهبان الذين بالقيامة (١) التى بالقدس، وكذلك قبض على سائر الفرنج الذين بالإسكندرية ودمياط وغير ذلك من السواحل، وهذا بسبب الفرنج الذين قتلوا الأمير محمد وأخذوا مراكب السلطان. وفى يوم الاثنين ثامن عشره أخلع السلطان على جان بردى الغزالى، وأقرّه فى نيابة صفد على عادته وأضاف إليه نيابة الكرك أيضا، فخرج إليها من يومه وتوجّه نحوها، وأخلع على قانصوه روح لو أحد الأمراء المقدّمين ورسم له بأن يتوجّه إلى قطيا ويقيم بها دائما خوفا من الفرنج أن لا يهجمون على من بالطينة، وجعل قانصوه روح لو (٢) باشا على العسكر الذى بالقلعة التى أنشأها السلطان بالطينة، وأنعم عليه بخراج قطيا ما دام

стр. 2592

هناك وعيّن معه جماعة من المماليك السلطانية. - ومن العجائب أن قانصوه روح لو الذى ولى نيابة قطية كان قبل ذلك نائب غزّة، فلما تسلطن العادل قرّره فى نيابة حلب وأرسل إليها متسلّمه فلم يتمّ له ذلك، ثم بقى مقدّم ألف، ثم آل أمره إلى أن بقى نائب قطية وهذه سفلى درجة إلى الغاية، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة، انتهى. - وفيه أخلع السلطان على عمر من أولاد ابن عمر أمير عربان هوارة وأقرّه على عادته فى أمرة هوارة، وأخلع على شخص من أولاد ابن رمضان وأقرّه أميرا للتركمان عوضا عن خليل بيك المقدّم ذكر وفاته، وأخلع على الشيخ أبى بكر الجيوسى وقرّره فى مشيخة جبل نابلس. - وفيه قوى عزم السلطان على أن يتوجّه إلى ثغر الإسكندرية ليتفقّد الأبراج التى هناك خوفا من طروق الإفرنج لثغر الإسكندرية، فنزل إلى الميدان وعرض مماليكه وفرّق عليهم عدّة خيول وبغال وسلاح من سيوف وزرديات وغير ذلك، وأخذ فى أسباب عمل يرق ثقيل وأشيع سفره بين الناس حقيقا. - وفيه جاءت الأخبار بأن وقع بإسطنبول زلزلة مهولة حتى أرمت المآذن (١) وأخربت عدّة أماكن وهلك بسببها من الناس ما لا يحصى، وهذه كرسىّ مملكة ابن عثمان، وكانت حادثة عظيمة. - وفيه ثارت رياح عاصفة وأمطرت السماء مطرا غزيرا وقام الرعد والبرق، وكان ذلك فى أواخر توت والنيل فى قوة الزيادة، حتى عدّ ذلك من النوادر. - وفيه قام الأتابكى قرقماس على السلطان ومنعه من السفر إلى ثغر الإسكندرية وقبل له الأرض عدة مرار، وقال له أن الطرقات وحل من ماء النيل وسلوك البرّ صعب فى هذه الأيام، وكان يقصد السفر من البرّ فبطل ذلك. - وفيه ثبت النيل المبارك على واحد وعشرين أصبعا من ثمانية عشر ذراعا وانهبط فى أواخر توت ولم يثبت، وكان نيلا شحيحا فشرّق غالب البلاد ولولا لطف الله تعالى لوقع غلاء عظيم، وكان عند جماعة الأقباط عادة أن فى ليلة عيد ميكائيل صبحة نزول النقطة يزنون الطينة وعدّدوها على ستة عشر قيراطا فمهما زادت عن القراريط

стр. 2593

يكون بقدرها أذرع فى زيادة النيل، فوزنوها فى هذه السنة وجاءت قريب عشرين قيراطا فتفاءلوا الناس بأن النيل يبلغ فى هذه السنة عشرين ذراعا فلم يكن ذلك، وهذه القاعدة قط ما أخرمت عند القبط سوى هذه السنة، فعدّ ذلك من النوادر، وكذلك البئر التى فى منيل أبى شعرة بنواحى البهنسا قيل أن فى ليلة الخامس والعشرين من بشنس يطفّ ماء تلك البئر فى الليل، فمهما تغطى من الدرج التى فى تلك البئر يكون فألا للنيل، فطفّ ماؤها وغطى نحوا من عشرين درجة من درج البئر، فتفاءلوا الناس بأن النيل يبلغ فى هذه السنة نحوا من عشرين ذراعا فلم يكن ذلك وأخرمت هذه القاعدة أيضا، وقيل أن امرأة صالحة رأت فى المنام أن ملكين نزلا من السماء وتوجّها إلى البحر فرفسه أحدهما برجله فانهبط سريعا، ثم قال أحدهما إلى الآخر: إنّ الله تعالى كان أمر النيل أن يزيد إلى عشرين ذراعا فلما تزايد الظلم بمصر أذن له بالهبوط وهو فى ثمانية عشر ذراعا، فلما انتبهت من المنام انهبط النيل فى تلك الليلة دفعة واحدة، انتهى ذلك. - وفيه توفى حانم الإبراهيمى أحد الأمراء الطبلخانات وكان مسرفا على نفسه، مات قتيلا وقد وقع من مكان عال وهو سكران فمات لوقته. - وفيه رسم السلطان بشنق شخص من العربان المفسدين يقال له عمر بن موسى النفعى من عربان ثعلبة، وكان من شجعان العرب. - وفيه نزل السلطان إلى عند قبّة الهوى التى تحت القلعة وجرّبوا قدّامه مكاحل، وأقام هناك إلى بعد العصر ثم طلع إلى القلعة. وفى رجب خرج الأتابكى قرقماس وتوجّه إلى ثغر الإسكندرية وصحبته الأمير علان الدوادار الثانى، وكان سبب ذلك أن السلطان لما قصد أن يسافر إلى الإسكندرية ليكشف على الأبراج التى هناك ويصلح ما فسد منها فقال له الأتابكى قرقماس أنا أسافر وأكشف عن ذلك عوضا عن السلطان، فسافر بسبب ذلك. - وفيه توفى بهاى الدين مباشر قانصوه خمسمائة، مات وهو بالمقشرة وقاسى شدائد ومحنا، وأقام فى الترسيم نحوا من ست سنين، وآخر الأمر سلّمه السلطان للوالى

стр. 2594

فعاقبه إلى أن مات. - وفيه توفى الصارمى إبراهيم بن الأمير برد بيك صهر الملك الأشرف أينال، وكان لا بأس به. - وفيه طلع إلى السلطان شخص من ابناء الناس يقال له يونس بن سودون الفقيه، وكان ساكنا بالقرب من زقاق حلب على بركة الفيل، فأنشأ عنده جنينة وزرع فيها شجرة جوز شامى فنتجت وطلع فيها الجوز بعد ثلاثين سنة حتى طرحت، فجمع من ذلك الجوز ستين جوزة وطلع بها إلى السلطان فابتهج بها ولم يصدّق بأن هذا الجوز يطرح بمصر، فكشف عن حقيقة ذلك حتى ظهر له مصداق ذلك، فأنعم على يونس المذكور بعشرة دنانير وبالغ فى إكرامه. - وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة رهبان القيامة (١) التى بالقدس، وكان السلطان أرسل خلفهم بسبب الفرنج الذين قتلوا الأمير محمد بيك قريب السلطان ونهبوا ما فى المراكب التى جهزها السلطان صحبته، فلما وقفوا بين يدى السلطان وبّخهم بالكلام على لسان تغرى بردى الترجمان، وقال لهم: كاتبوا ملوك الفرنج بأن يردّوا ما أخذوه الفرنج من المراكب والسلاح وإن لم يردّوا ذلك هدمت القيامة (١) وأشنق الرهبان، فتسلّمهم ناظر الخاصّ على ما يحرّر من أمرهم، وكانوا نحوا من عشرين راهبا، وفى عقيب ذلك قبض نائب الإسكندرية على جماعة من تجّار الفرنج الذين كانوا بثغر الإسكندرية وبعث بهم إلى السلطان، وكانوا نحوا من خمسين إنسانا. - وفيه توفى القاضى تقى الدين محمد بن بدر الدين محمد الزجاجى أحد نوّاب الحنفية، وكان فاضلا رئيسا حشما، وكان لا بأس به. - وفيه أمطرت السماء مطرا غزيرا حتى أوحلت الأسواق وحصل للناس وقوف حال بسبب ذلك وتعطلت الأسباب عن البيع والشراء (٢)، واستمرّت تمطر ثلاثة أيام متوالية حتى انخسف غالب القبور التى بالصحراء، وكان ذلك فى أوائل هاتور. - وفيه توفيت زوجة الأتابكى قانم التاجر، وكانت جركسية، وكانت فى سعة من المال، فاحتاط السلطان على موجودها قاطبة. - وفيه أخلع السلطان على مهتاره محمد مهتار الطشتخاناه وأعاده على ما كان عليه، وكان تغيّر

стр. 2595

خاطره عليه وصادره كما تقدم ذكر ذلك، فشفع فيه الأمير طومان باى الدوادار وباس رجل السلطان بسبب ذلك حتى رضى عليه. وفيه عيّن السلطان الأمير أقباى الطويل أمير آخور ثانى بأن يتوجه إلى القدس ويحتاط على مال الفرنج الذى فى القيامة (١)، فخرج وسافر من يومه. - وفيه حضر يونس العادلى وكان السلطان أرسله إلى بلاد بن عثمان ليشترى له أخشابا وحديدا وبارودا، فلما بلغ ابن عثمان ذلك ردّ المال الذى كان مع يونس العادلى وقال: أنا أجهّز من عندى زردخاناه للسلطان، فحضرت فيما بعد. - وفيه أخلع السلطان على أقباى كاشف الشرقية وأعاده إلى كشف الشرقيه عوضا عن كرتباى الذى كان بها، وأخلع على يخشباى قرا أخى الوالى وقرّره فى شادية الشون عوضا عن تانى بيك الأبح بحكم صرفه عنها، وأشرك معه فى الشادية شخصا من الأمراء العشرات يقال له خشقدم. - وفيه حضر الأتابكى قرقماس والأمير علان الدوادار الثانى وكانا قد توجّها إلى ثغر الإسكندرية. بسبب الكشف على الأبراج التى هناك، فأخلع عليهما السلطان ونزلا من القلعة فى موكب حافل. وفى شعبان قلع السلطان البياض ولبس الصوف، ووافق ذلك حادى عشر هاتور القبطى. - وفى ليلة الجمعة ثانى عشره كان دخول الأمير أنصباى حاجب الحجّاب على ابنة الأشرف قانصوه خمسمائة، فكانت له زفّة حافلة مشى فيها الأتابكى (٢) قرقماس وبقية الأمراء المقدّمين وهم بالشاش والقماش وبأيديهم الشموع الموقدة، وشقّ من الصليبة فى هذا الموكب الحافل حتى دخل إلى قاعة الفرح ببيت يشبك الدوادار الذى بحدرة البقر. - وفى يوم الأربعاء تاسع عشره نزل السلطان وتوجّه إلى نحو المطرية عند تربة العادل، وكان المعلّم حسن بن الصيّاد المهندس خطّ له بالجبس فى الأرض صفة مدينة ثغر الإسكندرية وعدد أبراجها وأبوابها وهيئة صورها والمنار التى كان بها وقدر عرضها وطولها، فنزل السلطان بسبب ذلك حتى تأملها وتفرّج عليها ثم عاد إلى القلعة من يومه. - وفى هذا الشهر

стр. 2596

كثرت الأمراض بالناس وحدث لهم السعال وذات صدر حتى صاروا يتساقطون على بعضهم، ولكن كان الغالب فيه السلامة. - وفيه توفى القاضى نور الدين على الدمياطى أحد نوّاب الحنفية، وكان لا بأس به، وقاسى شدائد ومحنا، وصودر وأخذ منه مال له صورة. وفى رمضان فى يوم مستهلّه عرض الوزير الجمالى يوسف البدرى اللحم والخبز والسكر والدقيق والغنم، فطلع بذلك وهو مزفوف على رؤوس الحمّالين، وكان السلطان فى الميدان فأخلع عليه وعلى الزينى بركات بن موسى ناظر الحسبة الشريفة. - وفى يوم الأربعاء عاشره توفى القاضى إبراهيم بن البابا المعروف بالشرابيشى ناظر الذخيرة والمتحدّث على أوقاف الزماميّة، وكان رئيسا حشما ليّن الجانب، ومات وهو فى عشر الثمانين وزيادة، وكان لا بأس به، فلما توفى أخلع السلطان على ولده الشمسى شمس الدين محمد وقرره فى تلك الجهات كما كان والده. - وفى يوم الجمعة تاسع عشره توفى القاضى كمال الدين محمد بن القاضى خير الدين الشنشى أحد نوّاب الحنفية، وكان رئيسا حشما لا بأس به. - وفى ليلة الثلاثاء ثالث عشرينه كانت وفاة الأتابكى قرقماس من ولى الدين أتابيك العساكر بالديار المصرية، فرجّت لموته القاهرة وكانت جنازته مشهودة ومشى فيها القضاة الأربعة وسائر الأمراء من كبير وصغير وكذلك أعيان المباشرين ومشاهير الناس بحيث لم يتأخر منهم أحد، وكانت جنازته حافلة وأخرجوا قدامه كفّارة ما بين خبز وتمر وغنم، فلما وصلوا به إلى مدرسة السلطان حسن نهبوا العوامّ تلك الكفّارة عن آخرها، ثم نثروا على نعشه الفضّة فى عدّة أماكن، وكثر عليه الحزن والبكاء من الناس فإنّه كان ليّن الجانب وعنده تواضع، فلما وصل إلى سبيل المؤمنى خرج السلطان من الميدان وهو راكب وأتى إلى سبيل المؤمنى فنزل عن فرسه ودخل المصلاة، فلما وضعوا نعشه بين يديه قبّلة وهو فى النعش وبكى عليه بكاء كثيرا، فلما صلّوا عليه حمل نعشه ومشى به خطوات حتى أخذوه منه الأمراء وتوجّهوا به وهم قدّامه مشاة إلى تربته التى أنشأها بالصحراء بجوار

стр. 2597

تربة الأشرف أينال، فدفن بها داخل القبّة رحمة الله عليه، وقد رثيته وهو قولى: يا عين جودى بفيض دمع … وأكثرى فى البكا انتحابيك على قرقماس قد رزينا … واستوحشت مصر للأتابيك وكان الأتابكى قرقماس أميرا جليلا مبجّلا معظّما، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى وأعتقه فهو من معاتيقه، وولى من الوظائف أمرة آخورية الثانية ثم بقى مقدّم ألف ثم بقى رأس نوبه النوب وقرّر فى نيابة حلب فى دولة الأشرف جان بلاط ولم يتمّ ذلك، ثم سجّن بقلعة الشام لما توجّه مع الأمير طومان باى الدوادار فلما تسلطن هناك سجنه مع جملة من سجن (١) من الأمراء بقلعة دمشق، فلما تسلطن قانصوه الغورى أفرج عنه من سجن قلعة دمشق، فلما حضر قرّره فى أمرة السلاح ثم بقى أتابيك العساكر بمصر عوضا عن قيت الرجبى لما نفى إلى ثغر الإسكندرية سنة عشر وتسعمائة، فأقام فى الأتابكة ست سنين وشهرين إلاّ سبعة أيام ومات وهو فى عشر الستين وزيادة، وكان مدّة توعكه أربعة أيام، وخلف أولادا صغارا ما بين ذكور وإناث عدّتهم أربعة، وظهر له من الموجود نحو من سبعين ألف دينار خارجا عن بركه، وأعتق جميع من عنده من مماليك وعبيد وجوار، فلمّا مات استمرّت الأتابكية بعده شاغرة لم يليها أحد من الأمراء، ورسم السلطان للزينى بركات بن موسى أن يتحدّث فى جهات الأتابكية إلى أن يليها من يختاره السلطان. - وفيه فى ثامن عشرينه كان ختم البخارى بالقلعة على العادة وحضر القضاة الأربعة، ونصب السلطان خيمة كبيرة بالحوش وحضر بين القضاة فى ذلك اليوم، وأخلع على من له عادة من الفقهاء وفرقت الصّرر، وكان ختما حافلا. - وفى تاسع عشرينه عرض ناظر الخاصّ خلع العيد على السلطان، وطلع بها إلى القلعة وهى مزفوفة على رؤوس الحمّالين. - وفى ليالى العيد اشتدّ البرد وأمطرت السماء مطرا غزيرا حتى أو حلت منه الأسواق، وجاءت الأخبار من الشرقية والمنوفية بأن قد وقع فى تلك الأيام برد كل

стр. 2598

واحدة قدر أحد عشر رطلا فقتلت عدّة بهائم وتعطّب منها أولاد الفلاّحين، وأفسدت بعض الزروع، وكانت حادثة مهولة. وفى شوال فى يوم سابعه حضر الأمير أقباى الطويل أمير آخور ثانى الذى كان قد توجّه إلى القدس بسبب القيامة (١)، وأشيع بين الناس أنه احتاط على ما فى القيامة (١) من مال الفرنج، وربّ ما يحصل من هذه الحادثة مفسدة كبيرة [من] قبل الفرنج. - وفى يوم الخميس تاسعه حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفى خاير بيك من ملباى نائب حلب، وقد حضر ليرى وجه السلطان ويزوره، فلما طلع إلى القلعة أخلع عليه السلطان متمّر وفوقه فوقانى بطرز يلبغاوى عريض مثل خلعة الأتابكية، ونزل من القلعة فى موكب حافل وتوجّه إلى بيت الأمير قرقماس الجلب الذى بالتبانة فنزل به، وقد عظّمه السلطان إلى الغاية وأوكب بالقصر ولبس الأمراء الشاش والقماش بسببه. - وفى يوم السبت ثامن عشره خرج المحمل الشريف من القاهرة فى تجمّل زائد، وكان أمير ركب المحمل قانصوه بن سلطان جركس، وبالركب الأول نوروز تاجر المماليك أحد الأمراء الطبلخانات، وكان لهما بالقاهرة يوم مشهود. - وفيه تغيّر خاطر السلطان على جماعة من الزردكاشية فقبض على شخص يسمّى أحمد بن قراكز وعلى شخص يسمى محمود الأعور، وغيّب عبد الكريم بن اللاذنى مستوفى الزردخاناه، ورسّم على عبد الباسط بن تقى الدين الناظر، فسلّمهم السلطان إلى الأمير مغلباى الشريفى الزردكاش، ووضع (٢) أحمد بن قراكز فى الحديد ثم ضربه فيما بعد هو وابنه، وقد قرّر عليهم السلطان عشرة آلاف دينار، وكان أحمد بن قراكز هذا سببا لمصادرة مغلباى الزردكاش وعبد الباسط الناظر وغرموا مالا له صورة وقد تقدم ذكر ذلك، وكان أحمد بن قراكز ما أبقى ممكنا فى مرافعة مغلباى الزردكاش وعبد الباسط الناظر ومباشرى الزردخاناه ويحيى بن يونس أحد الزردكاشية، وكان حظى عند السلطان بسبب المرافعة وداخله فى أمور شتّى،

стр. 2599

فما عن قريب حتى تغيّر خاطر السلطان عليه ورافعوه جماعة وأثخنوا جراحاته عند السلطان، فغضب عليه وسلّمه إلى الأمير مغلباى الزردكاش فظفر به واشتفى منه، فكان كما يقال فى المعنى: قل للعذول يرعوى … وينتهى عن عتبه ولا يكون فى الهوى … يشمت بى أشمت به وفيه وقعت نادرة غريبة وهو أن شخصا من المماليك السلطانية يقال له شاهين، وهو فى سنّ الشيخوخة، قصد الحجّ فى هذه السنة، فخرج هو وزوجته إلى بركة الحاجّ، ثم عرض له حاجة فى بيته فرجع تحت الليل، فخرج عليه جماعة من العربان فقتلوه عند سبيل علان، فحملوه وأتوا به إلى داره حتى غسلوه وكفنوه ودفنوه، فرجعت زوجته من بركة الحاجّ ولم يقسم لهما الحج فى هذه السنة، حتى عدّ ذلك من النوادر. - وفيه طلعت إلى السلطان تقدمة حافلة من عند نائب حلب وهى أطباق فيها ذهب عين ومماليك جراكسة نحوا من ثلاثة وأربعين مملوكا، ومن الخيول خمسين فرسا منهم فرس بسرج بلور وكنبوش ذهب وأنعاله من الذهب قيل أن مشتراه ألف دينار، وعدّة حمّالين عليها زرديات وصوف وصمّور ووشق وسنجاب وغير ذلك من الأصناف الفاخرة. - وفيه نفق السلطان الجامكية على العسكر، وجعل للماليك الذين استجدّهم طبقة جامكية خامسة فى أواخر الجوامك تصرف لهم على انفرادهم. - وفيه غيّب المعلّم على الصغيّر، وكان السلطان قرّر عليه مالا لم يقدر عليه فهرب، وقرّر عوضه المعلّم خضر، وقد تعطّل اللحم فى هذه الأيام إلى الغاية. - وفيه توعّك جسد السلطان وأفصد واحتجب عن الناس ولم يخرج إلى صلاة الجمعة، فكثر القيل (١) والقال بسبب ذلك، واستمرّ منحجبا أيّاما فطلع إليه الخليفة المتوكل على الله وعاده، ثم طلع إليه القضاة الأربعة وعادوه، ثم بعد أيّام شفى وخرج إلى صلاة الجمعة وهو

стр. 2600

راكب، فخطب قاضى القضاة الشافعى خطبة بليغة مختصرة، ثم انقضى أمر الصلاة وعاد السلطان إلى القبّة التى أنشأها الأشرف جان بلاط بجوار الدهيشة فأقام بها. - وفيه توفى قاضى قضاة غزّة شمس الدين محمد بن النحّاس الشافعى، وكان من خواصّ السلطان، وكان لطيف الذات عشير الناس رئيسا حشما، وكان لا بأس به. - وفيه وصلت عدّة مراكب من عند ابن عثمان ملك الروم فيها زردخاناه للسلطان، فوصلت إلى بولاق عند الرصيف وشرعوا يحوّلون ما فيها إلى القلعة، فكان من جملة ذلك مكاحل سبقيات العدّة ثلاثمائة، ونشّاب ثلاثين ألف سهم، وبارود مطيّب أربعون قنطارا، ومقاذيف خشب العدّة ألفى مقذاف، وغير ذلك من نحاس وحديد وعجل وحبال وسلب ومراسى حديد وغير ذلك مما تحتاج إليه المراكب، فشكره السلطان على ذلك، وكان السلطان أرسل مالا على يد يونس العادلى إلى بلاد ابن عثمان ليشترى له بها أخشابا ونحاسا وحديدا، فلما بلغ ابن عثمان ذلك ردّ عليه المال وجهّز ما ذكرناه من عنده تقدمة للسلطان. وفى ذى القعدة جاءت الأخبار من بلاد الغرب بأن صاحب تلمسان تحارب مع الفرنج وقتل منهم نحوا من عشرين ألف إنسان، واستخلص منهم ما كان قد استولوا عليه من جهات الأندلس (١) وغيرها، فسرّوا الناس قاطبة لهذا الخبر. - وفيه فى يوم الاثنين حادى عشره نزل السلطان إلى الميدان وعزم على خاير بيك نائب حلب واجتمعوا الأمراء المقدّمون، وساقوا قدّامهم فى ذلك اليوم الرمّاحة وهم لابسون الأحمر وآلة السلاح كما يفعلون فى أيام دوران المحمل، وكان معلّم الرماحة الأمير تمر الحسنى أحد المقدّمين المعروف بالزردكاش ومعه أربعة باشات، فساقوا أحسن سوق ونزلوا عن خيولهم وباسوا الأرض للسلطان على جارى العادة، فأخلع على المعلّم وأركبه فرس بسرج ذهب وكنبوش، وأخلع على الأربعة باشات، ثم أخلع فى ذلك اليوم على الأمراء المقدّمين كوامل الشتاء، ثم

стр. 2601

تحوّل ودخل إلى البحرة التى بالميدان ومدّ إلى نائب حلب هناك أسمطة حافلة. - وفى ذلك اليوم رسم السلطان بشنق ثلاث جوار وغلام قد قتلوا سيّدتهم، وهى أم كسباى الذى كان دوادارا ثانيا وقتل فى معركة قانصوه خمسمائة كما تقدم ذكر ذلك، فشنقوا على باب سيّدتهم فى مكان قتلوها فيه. - وفيه نزل السلطان من القلعة وصحبته الأمراء المقدّمون قاطبة وعليهم كوامل الشتاء التى ألبسها لهم السلطان، وصحبته أيضا أعيان المباشرين، فشقّ من الصليبة وتوجّه من على قناطر السباع إلى الجزيرة الوسطى، ثم أتى إلى بولاق ومرّ من على الرصيف ووقف عند مدرسة ابن الزمن وزار سيّدى سويدان الذى هناك مقيما بالمدرسة، ثم عرّج من على جزيرة الفيل وأتى إلى شبرا، واستمرّ على ذلك حتى وصل إلى قناطر أبى المنجا حتى كشف على الأخشاب التى أرسلها ابن عثمان وكانت هناك فى حاصل، ثم رجع من على المنية وطلع من على قنطرة الحاجب ودخل من باب الشعرية، فزيّنوا له الخشابين وارتفعت له الأصوات بالدعاء وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، ثم خرج من باب القنطرة وعرّج من بين الصورين وطلع من باب الخرق وشقّ من سوق تحت الربع، ثم طلع من على البسطيين واستمرّ على ذلك حتى طلع إلى القلعة، وكان له يوم مشهود، ومن حين سلطنته إلى ذلك اليوم لم يقع له موكب مثل ذلك. -[وفى هذه السنة تعطّبت سائر الفواكه، حتى البطيخ والثوم والبصل وغير ذلك من الفواكه والخضر، حتى الرياحين والأزهار والغلال وكانت غالب الأراضى مجدبة] (١). - وفيه قبض السلطان على شرف الدين الصغيّر كاتب المماليك وعلى شرف الدين النابلسى الأستادار، وقرّر عليهما مالا له صورة ووضعهما فى الحديد وسجنهما بالعرقانة، واستمرّوا على ذلك حتى يكون من أمرهما ما يكون. - وفى يوم السبت سادس عشره حضر قاصد من عند ابن عثمان ملك الروم وعلى يده مكاتبة للسلطان، فلما ناولها له قبّلها السلطان ووضعها على عينيه، ثم ناولها إلى كاتب السرّ فقرأها بحضرة السلطان والأمراء،

стр. 2602

وكان ألفاظ هذه المكاتبة مرجّزة، صنعة البديع، وقد نعت فيها السلطان نعتا عظيما، وكان من مضمونها أنه أرسل للسلطان عدّة مراكب فيها زردخاناه فما يدرى هل وصلت إلى السلطان أم لا، وأخبر فيها أن الرئيس كمال المجاهد قد غرق ولا يعلم له خبر، فأقام القاصد بمصر أياما قلائل وكتب له الجواب عن مكاتبته وأذن له بالسفر إلى بلاده. - وفى هذا الشهر أنعم السلطان على الأمير خاير بيك الخازندار بتقدمة ألف، وصار من جملة الأمراء المقدّمين. - وفيه توفى شمس الدين محمد الصالحى وكيل الشرع الشريف، وكان علامة فى صنعة التوكيل عارفا بأمور الشرع، وكان لا بأس به. - ومن النوادر اللطيفة ما وقع فى هذا الشهر وهو أن السلطان رسم بشيل الدكّة التى كانت بالحوش يجلس فوقها السلاطين للمحاكمات، وقد جلس فوق هذه الدكّة جماعة كثيرة من الملوك ونفّذوا عليها الأحكام السلطانيّة وكانت عوضا عن كرسى المملكة، فعزّ على الناس تغييرها ولم يتفاءلوا بذلك، ثم إنه بنى مكان هذه الدكّة مصطبة بالحجر الفصّ وزخرفها بالرخام السماقى والزرزورى والمرسينى وغير ذلك من أصناف الرخام الملوّن الفاخر، ونقش بروزها وألبسها بالذهب وجعل لها (١) إفريزا من الرخام الأبيض وله رمانتان رخام أبيض، وكسى هذا الإفريز بالذهب ونقش عليه اسمه، وصنع فوق هذه المصطبة وزرة من الرخام الملوّن طولها أربعة أذرع، فجاءت هذه المصطبة غاية فى الحسن بحيث لم يعمل مثلها قط ولا سبقه أحد من الملوك إلى ذلك، وقد قلت فى هذه الواقعة هذه الأبيات وهو قولى: قد جدّد الأشرف سلطاننا … مصطبة أوصافها تحكه رخامها شبّهت ألوانه … جواهر فى عقد مشتبكه ألبسها الحسن لباس البها … حتى غدت تزهو على الدكّه يجلس للموكب من فوقها … يظهر فى أحكامه فتكه فاق ملوك الترك فيما مضى … ولم يضاه ملكهم ملكه

стр. 2603

بخدمة البيت وما حوله … وفارس البيداء فى العركه قد خصّه الرحمن بالملك فى … مصر ومن عاداه فى هلكه أيّده الله بطول البقا … ما طافت الحجّاج فى مكّه وقولى أيضا: بنى الأشرف الغورى فى الحوش بسطة … ليغنى بها عن دكّة الحكم بالأمس فجاءت من الآيات كرسى ملكه … وطلعته فاقت على البدر والشمس فحصّنته لما استوى بجلوسه … عليها بربّ الناس مع آية الكرسى انتهى ذلك. - وفيه جاء إلى السلطان شخص شريف وأخبره أنه وجد معدن البارود فى بلد خراب بالقرب من الكرك، وترابها كلّه من ذلك البارود، فطبخوه فوجدوه بارودا جيّدا، ففرح السلطان بذلك وأنعم على ذلك الرجل الذى أحضره بعشرة دنانير وأرسل يحضر منه أشياء كثيرة، وقبل ذلك بمدّة ظهر معدن الرخام السماقى والزرزورى فى جبل بالقرب من البدرشين، فأرسل السلطان وقطع منه فوجده رخاما جيّدا ففرح بذلك وعدّ من النوادر. - ومن الوقائع أن الأمير أركماس الذى كان نائب الشام طلع إلى السلطان بقطعة فولاذ هيئة الكرة وزعم أنها صاعقة نزلت ببعض الجبال وأن أعرابيا أهداها إليه، ففرح السلطان بذلك وجمع السبّاكين فقالوا إنها صاعقة لا محالة، فنظر إليها بعض الزردكاشية فأنكر ذلك وقال: هذه حجر مرقشيتة وهو حجر صلب، فلما سمع السلطان ذلك شقّ عليه ونزل إلى الميدان وجمع السبّاكين وحضر الأمير أركماس، ووضعوا ذلك الحجر الذى [على] هيئة الفولاذ فى النار، فمجرّد ما وضعوه فى النار صار مثل الخرنفش وتفتّت، فخجل الأمير أركماس من ذلك وانتصف عليه ذلك الزردكاش، وهو الجمالى يوسف أخو مؤلّفه، وعدّ ذلك من النوادر. ومما حكى عن أمر الصاعقة الحقيقة أن سنة ست وتسعين وثلاثمائة وقعت صاعقة عظيمة بجرجان، فرجّت لها الأرض وسقطت من هولها الحوامل، فخرج الناس إلى

стр. 2604

مكان سقطت فيه فوجدوها قد ساخت فى الأرض على قدر قامة، فنبشوا عليها فوجدوها قد بقيت قطعة حديد قدر مائة وخمسين منا، وهى أجزاء جاروشيّة صغار مستديرة قد التصق بعضها ببعض، فسمع بذلك السلطان محمود بن سبكتكين صاحب خراسان، وهو أول من تلقّب بالسلطان، فكتب إلى عامل جرجان ينقل هذه القطعة الحديد فتعذّر عليهم نقلها، فحاولوا كسر قطعة منها فلم تعمل فيها الآلات، فعولج كسر قطعة منها بعد جهد كبير فحملت إليه، فرام أن يصنع منها سيفا له فتعذّر عليه ذلك ولم يتمّ له ما أراد، انتهى ذلك. - وفى يوم السبت ثالث عشرينه نزل السلطان إلى الميدان وعرضوا عليه قناصلة الفرنج، منهم القنصل الذى بثغر الإسكندريّة، والقنصل الذى بدمشق، والقنصل الذى بطرابلس، فلما وقفوا بين يديه وبّخهم بالكلام ووعدهم بالشنق، وسبب ذلك أن نائب البيرة [قبض] على دواسيس من عند إسمعيل الصوفى وعلى أيديهم مكاتبات إلى القناصل بأن يكاتبوا ملوك الفرنج بأن يأتوا فى مراكب من البحر، وأن يزحف هو ومن معه من العساكر من البرّ على سلطان مصر وعلى ابن عثمان ملك الروم، فانكشف رخهم وافتضحوا فى هذه الواقعة، فرسم السلطان بتسليمهم إلى ناظر الخاصّ ليقرّرهم (١) عن حقيقة ذلك وإن لم يقرّوا يسلّمهم إلى الوالى، فانفضّوا على ذلك. - وفى ذلك اليوم عرض السلطان الدنوشرى مباشر الأتابكى قرقماس وقد غمز عليه بأن عنده مالا لأمير كبير، فلما عرضه لم يقرّ بشئ فرسم بتسليمه إلى نقيب الجيش فقبض عليه وعلى الخازندار أيضا، واستمرّوا فى الترسيم لما تقتضيه الآراء الشريفة فى أمرهما. - وفى ذلك اليوم توفيت خوند جان كلدى زوجة الملك الظاهر قانصوه المسجون بثغر الإسكندرية، [فأخرجت وعلى نعشها بشخانة زركش] (٢)، وكانت ذات عقل ودين لا بأس بها، ولكن قاست

стр. 2605

شدائد ومحنا، وعصرت فى أكعابها وأكتافها حتى أشرفت على الموت، وسبب ذلك أن زوجها الظاهر قانصوه لما وثبوا عليه وانكسر نزل من القلعة واختفى أيّاما فلم تقرّ بمكانه، فعوقبت بسبب ذلك. - وفى أواخر هذا الشهر نفق السلطان الجامكية الخامسة التى استجدّها بسبب المماليك الذين استجدّهم ما بين تراكمة وأعجام وأولاد ناس وغير ذلك من الطوائف، فجعل لهم جامكية خامسة تصرف لهم على انفرادهم دون جوامك العسكر، وقد تزايد أمر هذه المماليك الأراذل الذين صار يستكثر منهم فى الديوان، ففيهم من لا يعرف يجذب القوس ولا يمسك الرمح، وهذا أمر عجيب، يشحّ فيمن يستحقّ الجامكية، ويعطيها لغير مستحقّها، كما قيل: إنى أشحّ بدرهم متصدّقا … وأجود فى قدح بما ملكت يدى وفيه وصل إلى السلطان فيل صغير غير ذلك الفيل المقدم خبره لما وصل. - وفيه توفى تانى بيك النجمى المعروف بالأبح الذى كان شاد الشون وصرف عنها، وكان من الأمراء الطبلخانات، وكان لا بأس به. - وفى عقيب ذلك توفى أيضا شخص من الأمراء العشرات يسمّى تمراز الشهابى. وفى ذى الحجّة كان مستهلّ الشهر يوم السبت، فعمل السلطان الموكب بالشاش والقماش وجلس على المصطبة التى أنشأها بالحوش مكان الدكّة، وقد تقدم ذكر ذلك، وكان سبب هذا الموكب أن السلطان أخلع على خاير بيك نائب حلب وأذن له بالسفر إلى محلّ ولايته بحلب على عادته، وأخلع فى ذلك اليوم على الأمير طومان باى الدوادار وخرج إلى السفر نحو الشرقية والغربية، وقد غيّب لأجل أمر الأضحية ولعله يغيب فى هذه السفرة نحوا من شهرين. - وفى ذلك اليوم طلع الخليفة والقضاة الأربعة للتهنئة بالشهر، وكان موكبا حافلا، ولا سيّما كان أول جلوس السلطان على هذه المصطبة فكان لها موقع عظيم. - وفيه أمطرت السماء مطرا غزيرا حتى أوحلت منه الأسواق والشوارع، وكان ذلك ليلة الأحد ثانيه، ولم يقع فى هذه السنة من الأمطار أعظم من هذه المطرة. - وفيه عيّن

стр. 2606

السلطان شادية الشراب خاناه إلى ولده الصغير، عوضا عن أخيه المقدم ذكر وفاته. - وفيه فى يوم الثلاثاء رابعه فرّق السلطان الأضحية على العسكر ومن له عادة. وفيه كانت الأضحية غالية ومشحوتة بسبب تشويش (١) المماليك على المتسبّبين، وقد صاروا يخرجون إلى المطريّة ويقطعون الطريق على ضيافات الأمراء حتى صارت الأمراء يرسلون مماليكهم يلاقون ضيافاتهم، وقد خرجوا المماليك عن الحدّ فى الأذى الناس فى هذه السنة إلى الغاية، وحصل منهم غاية الضرر والفساد فى حقّ الناس، والأمر لله. - وفيه فى يوم الجمعة سابعه وقعت زلزلة خفيفة بعد العصر وارتجّت منها الأرض، ولم يشعر بها من الناس إلا القليل. - وفيه كان موكب العيد حافلا، وجلس السلطان بالحوش على المصطبة التى أنشأها وضحّى بالإيوان الكبير على العادة. - وفيه فى يوم عيد النحر وقعت حادثة مهولة، وهو أن شخصا من أبناء الأتراك صغير السنّ دخل إلى اسطبل أبيه فرفسه (٢) بغل على قلبه فمات فى ذلك اليوم، فحصل على أهله من الأنكاد ما لا خير فيه بسبب فقد ولدهم ولا سيما فى يوم العيد. - وفيه أخلع السلطان على شخص من الأمراء العشرات يقال له أزدمر، وهو أنّى الأمير قانى باى قرا أمير آخور كبير، وقرّره فى نيابة عينتاب. - وفيه جلس السلطان على المصطبة التى أنشأها مكان الدكّة ونفق الجامكية على العسكر، فقام له الأمراء المقدمون وقبّلوا له الأرض وهنّوه بجلوسه على تلك المصطبة حيث كملت، ومن العسكر من لم ينطل عليه ذلك وقال: الدكّة كانت أعظم حرمة من هذه المصطبة. - وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن الصوفى قد انتصر على أزبيك خان ملك التتر وقتله وقطع رأسه، فتنكّد السلطان لهذا الخبر وأقاموا عنده الأمراء إلى قريب الظهر وهم فى ضرب مشورة بسبب ذلك، وكان أزبك خان ضدّ الصوفى وكان مشغولا بمحاربته عن ابن عثمان وسلطان مصر، فلما أشيع قتل أزبك خان خشى السلطان من أمر الصوفى أن لا يزحف على البلاد.

стр. 2607

وفى أواخر هذه السنة توفى الشيخ أبو النجا القمنى، وكان شاعرا لطيف الذات عشير الناس، وقد ناف عن السبعين. - وفيه ترفى رضىّ الدين حسن بن عبد القادر بن حسين المقرئ، وكان لا بأس به. - وفى عقيب موت رضىّ الدين توفى أيضا الناصرى محمد بن عبد العزيز المقرئ، وكان علاّمة فى فن القراءات حسن الصوت عارفا بطريقة القراءات، وكان لا بأس به. - وفيه نادى السلطان بأن لا يمشى أحد من الناس من بعد العشاء فى الطرقات ومن وجدوه يمشى ومعه سلاح يشنق من غير معاودة، فسكن الأمر قليلا وكان قد فسدت الأحوال فى تلك الأيام إلى الغاية. - انتهى ما أوردناه (١) من أخبار سنة ست عشرة وتسعمائة، وقد خرجت هذه السنة عن الناس على خير وسلامة. ثم دخلت سنة سبع عشرة وتسعمائة فيها فى المحرم كان مستهلّ الشهر بالأحد: - ففيه فى يوم الجمعة سادسه كانت وفاة الأمير طراباى الشريفى رأس نوبة النوب وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى فهو من معاتيقه، وولى من الوظائف السنية الدوادارية الثانية، ثم بقى رأس نوبة النوب فى دولة الأشرف جان بلاط عوضا عن قرقماس من ولىّ الدين الذى ولى الأتابكية فيما بعد، وكانت وفاة الأمير طراباى فى ليلة الجمعة ودفن صبيحة يوم الجمعة، وكانت جنازته مشهودة، ونزل السلطان وصلّى عليه فى سبيل المؤمنى، وأخرجت قدّامه كفّارة ونهبت من على بابه، ودقّت عليه زوجته بالطارات فى العزاء، وكانت مدّة انقطاعه بهذا العارض نحو [شهر، وقد اعتراه ورم فى رجله وركبته] (٢)، وكان له بمصر حرمة وافرة وكلمة نافذة وسطوة زائدة لم تقع لأحد من الأمراء فى عصرنا غيره، فرجّت لموته القاهرة وفرح بذلك غالب الناس، فإنه كان صارما عسوفا شديد البأس زائد القسوة، وقع منه أشياء

стр. 2608

كثيرة من أنواع المظالم بالديار المصرية لم تقع من غيره من الأمراء فيما تقدم، وحصل منه الضرر الشامل لجماعة كثيرة من الناس من مصادرات وأخذ بيوت ورزق وحلّ أوقاف وغير ذلك من مفاسده، وقد قلت فيه هذه الأبيات: بموت طراباى أفرج الله كربة … عن الناس من خلق السموات والأرض فهذا فتوح عاد فى مصر ثانيا … وعمّت به الأقطار فى الطول والعرض وقد كان جبّارا عنيدا معاندا … فكم جار فى الأحكام بالبرم والنقض ويبطل حقّ الناس من كلّ واجب … ويقضى خلاف الشرع فى الندب والفرض ولما طغى ظلما وزاد تجبّرا … فعجّل عزرائيل للروح بالقبض وأسكنه ضيق اللحود معذّبا … وأخلى المنازل منه فى طرفة الغمض وقد جاء يسعى للجحيم برجله … وأجزم بعد الرفع بالنصب والخفض ومذ شاع بين الناس أخبار موته … فصار يهنّى بعض من سرّ للبعض فيا ربّ قابله بما يستحقّه … وأودعه فى الأغلال للبعث والعرض وكان الأمير طراباى من مبتدأ أمره وهو فى عزّ وشهامة لم ينتكب ولم ينف قط، واستمرّ فى سعده إلى أن مات، ومات وهو فى عشر السبعين، فلما كان يوم السبت صبيحة موته عرض على السلطان مماليكه فوزّعهم فى الطباق، وأشيع بين الناس بأن ظهر له من الموجود ما لا ينحصر من أموال وخيول وجمال وسلاح وبرك وغير ذلك، فكان موجوده أعظم من موجود الأتابكى قرقماس بأشياء كثيرة، وكان بين موت الأتابكى قرقماس وبين موت الأمير طراباى ثلاثة أشهر واثنى عشر يوما، حتى عدّ ذلك من جملة سعد السلطان قانصوه الغورى الذى ورث هذين الأميرين فى هذه المدّة اليسيرة واحتاط على موجودهما من صامت وناطق. - وفى يوم الاثنين تاسعه حضر الطواشى بشير الذى كان توجّه إلى بلاد اليمن قاصدا إلى بعض ملوكها، فلما حضر أخلع عليه السلطان خلعة سنيّة ونزل إلى داره، ثم بعد أيام أهدى إلى السلطان هدية حافلة. - وفى يوم

стр. 2609

الأربعاء حادى عشره قبض السلطان على تغرى بردى الترجمان ووضعه فى الحديد ووكّل به، وأرسل ختم على بيته واحتاط على موجوده ورسّم على عياله، وسبب ذلك قد بلغ السلطان أن تغرى بردى كاتب ملوك الفرنج بأحوال مملكة مصر، وأن السلطان ليس له همة إلى إرسال تجريدة، وأن السواحل خالية ليس بها مانع، [وقد] أحضروا (١) إلى السلطان مكاتبات بخط تغرى بردى بمعنى ذلك، فأحضر السلطان تغرى بردى وأوقفه على تلك المطالعات فأنكر ذلك، فغضب عليه وشكّه فى الحديد ووكّل به واحضر خيوله وقماشه، واستمرّ فى الترسيم إلى الآن. - وفى يوم الاثنين سادس عشره أخلع السلطان على شخص من الخاصكية يسمّى طومان باى، وهو خازندار كيس، ورسم له بأن يتوجّه إلى الشام ليصلح بين سيباى نائب الشام وبين جان بردى الغزالى نائب صفد، وكان قد بلغ السلطان بأن قد حصل بينهما تشاجر مفرط حتى خرجا فيه عن الحدّ، فرسم السلطان لطومان باى بأن يتوجّه ويصلح بينهما، ورسم له بخمسة آلاف دينار تسفيرا عليهما. - وفى يوم الثلاثاء سابع عشره توفيت الستّ زينب ابنة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبى العزّ عبد العزيز، وهى أخت أمير المؤمنين المستمسك بالله يعقوب وعمّة ولده المتوكل على الله محمد خليفة الوقت الآن، وكانت لا بأس بها - وفى يوم الاثنين ثالث عشرينه حضر الأمير طومان باى الدوادار الكبير، وكان مسافرا نحو الشرقية والغربية فأهلك الحرث والنسل وأفرد على سائر البلاد التى بالشرقية والغربية الأموال الجزيلة، حتى أفرد على بلاد الأوقاف التى على الجوامع والمدارس، فضجّ من ذلك المقطعين، وما حصل على الناس بنزوله إلى البلاد خيرا. - وفى يوم الخميس سادس عشرينه دخل الحاجّ إلى القاهرة، وكان أمير ركب المحمل قانصوه بن سلطان جركس، وبالركب الأول نوروز تاجر المماليك، وقد قاست الحجّاج فى هذه السنة مشقّة زائدة من الوخم وموت الجمال، وقد ضبط من مات

стр. 2610

من الحجّاج فى هذه السنة فكان جملة ذلك ألف وثمانمائة إنسان، وكانت سنة شديدة صعبة على الحجّاج والذين سلموا ردّوا ضعاف، حتى قانصوه أمير ركب المحمل ردّ وهو عليل. - وفيه نادى السلطان بأن أصحاب الأملاك التى على الخلجان يقطعون أراضى الخلجان قدر ثلاثة أذرع ونصف، فامتثلوا ذلك، ولكن حصل للناس غاية الضرر من الغرامة والبهدلة من جماعة حاجب الحجّاب بسبب شيل التراب، وكان السلطان نادى بأن الذى يعجز عن القطع يكون بيته للسلطان، فقاست أصحاب الأملاك التى بالجزيرة الوسطى ما لا خير فيه بسبب ذلك. - وفيه جاءت الأخبار صحبة الحجّاج بوفاة هجار أمير الينبع الذى كان السلطان ولاّه أمرة الينبع عوضا عن يحيى بن سبع، وحضر جماعة من أقاربه يسعون فى أمرة الينبع، فتمّ الأمر «مبنىّ على السكون». - وفى يوم الجمعة سابع عشرينه توفى شاهين معلم الدبّوس، وكان أحد الأمراء العشرات، وكان علاّمة فى فنّ الدبّوس. - وفيه توفى معين الدين بن شمس الذى كان وكيل بيت المال ونائب كاتب السرّ، مات بالمقشرة وقد قاسى شدائد ومحنا، وضرب بالمقارع غير ما مرّة وعصر فى أكعابه وأخذ منه جملة مال، وكان غير مشكور فما رثى له أحد من الناس فيما جرى عليه. - وفى يوم الاثنين سلخ المحرّم حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير يوسف الناصرى الذى كان نائب حماة وعزل عنها، فنقل السلطان نائب طرابلس إلى حماة عوضا عن يوسف الناصرى، وقرّر فى نيابة طرابلس أبرك مملوك السلطان الذى كان نائب قلعة حلب، وقرّر فى نيابة قلعة حلب شخص من مماليك السلطان، ولما حضر يوسف الناصرى أخلع عليه السلطان ونزل إلى داره واستمرّ طرخانا. وفى صفر صعد الخليفة إلى القلعة ليهنّئ بالشهر، وكذلك القضاة الأربعة، فحصل فى ذلك اليوم للقاضى شمس الدين الحليبى غاية المقت من السلطان وكاد يبطش به، وسبب ذلك أنه حكم فى بعض الوقائع بما اعترض عليه فى ذلك

стр. 2611

فتغير خاطر السلطان عليه ولم يقبل له فى ذلك عذرا، وحطّ على قاضى القضاة الشافعى كمال الدين الطويل بسببه، وكان مجلسا مهولا. - وفى يوم الخميس ثالثه نزل السلطان وشقّ من الصليبة وتوجّه إلى المنشية فكشف عن مراكب عمّرها هناك، ثم توجّه إلى الجزيرة الوسطى وكشف عن قطع الخليج، ودخل من تحت قنطرة قديدار، وشقّ من بطن الخليج وكشف على القطع واستحثّ الناس على ذلك، فبينما هو شاقق من بطن الخليج كبابه الفرس فى جورة من القطع التى هناك، فلم يتأثّر إلى ذلك واستمرّ شاققا من بطن الخليج حتى وصل إلى قناطر الأوز، فطلع من هناك وشقّ من الحسينية ثم دخل من باب النصر أو باب الفتوح وشقّ من القاهرة على حين غفلة، فوقدت له الشموع على الدكاكين، وانطلقت له الزغاريت من النساء فى الطيقان، ثم ارتفعت له الأصوات بالدعاء من العوام، وكان له موكب حافل وقدّامه جماعة من الأمراء والمباشرين، ولكن شقّ من القاهرة وهو لابس تخفيفة صغيرة مملّسة، وسبب ذلك كان قد طلع له دمّل فى رأسه فلم يستطع لبس التخفيفة الكبيرة التى بالقرون الطوال، واستمرّ فى هذا الموكب حتى خرج من باب زويلة وقد زيّنت له، ثم طلع من البسطيين وشقّ من على بيت الظاهر تمر بغا وطلع من هناك إلى الرملة ودخل الميدان، ولم يشق من القاهرة منذ تسلطن سوى فى ذلك اليوم فقط، ومما أحدثه عند دخوله من القاهرة فى ذلك اليوم أنه أمر المشاعلية تنادى قدّامه بالأمان والاطمان والبيع والشراء، وأن أحدا لا يشوّش على أحد، وكان ذلك غاية الخفّة منه وترك هذا كان أوجب. - وفى يوم الثلاثاء ثامنه نزل السلطان من القلعة أيضا وسيّر من على ساحل البحر حتى وصل إلى البهطلة، فقدّمت له الحراقة التى يكسر فيها السدّ، فنزل بها وعدّى إلى المقياس، فطلع من السلّم التى تجاه برّ الجيزة، وتمشّى ودخل إلى المقياس ونزل إلى الفسقية التى يقاس بها النيل فتوضأ منها وطلع وصلى هناك ركعتين، ثم تحوّل ودخل إلى قاعة المقياس فمدّ له هناك علاى الدين ناظر الخاص وبركات بن موسى المحتسب أسمطة حافلة ولم يبقوا فى ذلك ممكنا،

стр. 2612

وكان مع السلطان من الأمراء المقدّمين الأمير طومان باى الدوادار الكبير والأمير خاير بيك كاشف الغربية أحد المقدّمين والأمير خاير بيك الخازندار أحد المقدّمين، وجماعة من الأمراء العشرات، والجمّ الغفير من الخاصكية، وكان معه من المباشرين القاضى عبد القادر القصروى ناظر الجيش وعلاى الدين ناظر الخاصّ والشهابى أحمد بن الجيعان نائب كاتب السرّ وغير ذلك من الأعيان، فلما فرغ من الأكل أمر بإصلاح ما فسد من عمارة المقياس وأمر ببناء جامع بجوار المقياس تجاه دار النجاس (١) فأخذوا فى أسباب ذلك، ثم نزل فى الحراقة ونصب له سحابة (٢) حرير أصفر، وأحضرت حوله مراكب كثيرة برسم العسكر، وفيهم غراب قد زيّن بالصناجق والشطفات، ثم شقّ من على برّ الروضة فانطلقت له النساء بالزغاريت، واستمرّ على ذلك حتى طلع من عند قصر ابن العينى الذى بالمنشية، ثم شقّ من بطن الخليج، وطلع من الناصرية من على بيت قانصوه خمسمائة، وطلع من على قناطر السباع، وشقّ من الصليبة وقدّامه المشاعلية تنادى بالأمان والاطمان كما فعل لما شقّ من القاهرة. - وفى يوم الخميس عاشره عمل السلطان الموكب بالقصر الكبير وأمر الأمراء والعسكر بلبس الشاش والقماش، فلما تكامل الموكب اخلع على المقرّ السيفى دولات باى من أركماس المعروف بالساقى أمير سلاح فقرّره أتابيك العساكر بالديار المصرية عوضا عن الأتابكى قرقماس من ولىّ الدين بحكم وفاته، وكانت الأتابكيّة شاغرة نحو أربعة أشهر ونصف شهر من حين توفى الأتابكى قرقماس فى ثالث عشرين شهر رمضان سنة ست عشرة وتسعمائة، وأخلع فى ذلك اليوم على المقرّ السيفى سودون العجمى وقرّره فى أمرة السلاح عوضا عن دولات باى بحكم انتقاله إلى الأتابكية، وأخلع على المقرّ السيفى أركماس من طراباى، وهو الذى ولى نيابة الشام قبل ذلك، فقرّره فى أمرة مجلس عوضا عن سودون العجمى بحكم انتقاله إلى أمرة السلاح، وأخلع

стр. 2613

على المقرّ السيفى سودون الدوادارى الذى كان نائب طرابلس وقرّره رأس نوبة النوب عوضا عن طراباى الشريفى بحكم وفاته، فلبسوا هؤلاء الأربعة أمراء هذه الوظائف السنية فى يوم واحد، وكان لهم يوم مشهود وموكب حافل. - وفى ذلك اليوم توفى شخص من الأمراء العشرات يقال له بيسق اليوسفى، وأصله من مماليك الأشرف أينال فيما يقال، وكان لا بأس به. - وفى يوم الجمعة قلغ السلطان الصوف ولبس البياض، ووافق ذلك سابع بشنس القبطى. - وفى يوم الجمعه حادى عشره كانت ليلة سيّدى إسمعيل الإنبابى ببولاق، وكانت من الليالى المشهودة فى القصف (١) والفرجة وخرج الناس فيها عن الحدّ، وضربت نحو من خمسمائة خيمة فى الجزيرة التى طلعت تجاه بولاق، وصنعوا هناك سوقا بدكاكين مبنية ونقلوا إليه من سائر البضائع الفاخرة، وكانت ليلة هادئة من الفتن والشرور. - وفى يوم السبت ثانى عشره ابتدأ السلطان بضرب الكرة فى الميدان واجتمع سائر الأمراء المقدمين وهم بالشاش والقماش، والأوزان عمال والمغانى على جارى العادة. - وفى يوم الأحد ثالث عشره جاءت الأخبار من الغربية بقتل شيخ العرب عيسى بن يوسف المعروف بابن جميل، وكان من أعيان مشايخ الغربية وكان فى سعة من المال، فقتلوه أشرّ قتلة وقتلوا ولده معه وجماعة من حاشيته ونهبوا أمواله وأغنامه، ولم تنتطح فى ذاك شاتان، وكان فى تلك الأيّام الفتن قائمة بالشرقية والغربية وإقليم الصعيد، والامر لله. - وفى يوم الاثنين رابع عشره أخلع السلطان على شخص يقال له أجود بن مسقار وهو ابن عمّ هجار فقرّره فى أمرة الينبع عوضا عن هجار بحكم وفاته، وقد سعى يحيى بن سبع بأن يعاد إلى أمرة الينبع كما كان فلم يوافق السلطان على ذلك. - وفى يوم الأربعاء سادس عشره جاءت الأخبار من الغربية بأن الجويلى قبض على جماعة من العربان الذين قتلوا عيسى بن جميل، فحاشهم فى مكان مضيق وأرسل يعلم السلطان بذلك، فرسم السلطان للأمير طومان باى الدوادار بأن يخرج من

стр. 2614

يومه على جرائد الخيل ويتوجّه إلى الغربية، فخرج تحت الليل وصحبته خاير بيك الكاشف أحد المقدّمين وآخرين من الأمراء والعسكر. - وفى يوم الخميس سادس عشره نفق السلطان الجامكية على العسكر وشرع كل من أخذ جامكيته يقول له: عبئ يرقك للسفر، وأشيع بين الناس أنه يعيّن أربع تجاريد، وانفضّ الموكب على ذلك. - وفى هذا الشهر رسم السلطان بعمارة قنطرة الخروبى وعلاّها مقدار ثلاثة أذرع، وكذلك قناطر السباع، فإن قد كان حصل لهما تشعث وآل أمرها إلى السقوط. - وفى يوم الثلاثاء ثانى عشرينه ضرب السلطان الكرة بالميدان، ففى ذلك اليوم تقنطر من على الفرس بهادر الغورى أحد الأمراء الطبلخانات وكان من خواصّ السلطان، فلما تقنطر أغمى عليه فنزل إلى داره وهو محمول على بغل وقد انقطع نخاعه، فلما وصل إلى داره مات من وقته، وكان من المتكبرين وعنده الشمم الزائد فعدّ موته من الغرائب، فكان كما يقال فى المعنى: فكم من صحيح مات من غير علة … وكم من عليل عاش حينا من الدهر وكم من فتى يمسى ويصبح آمنا … وقد نسجت أكفانه وهو لا يدرى وفى يوم الأربعاء ثالث عشرينه نزل السلطان من القلعة وتوجّه إلى نحو طرا ونصب له هناك وطاقا عظيما، وكان معه بعض أمراء مقدّمين، فإن الأتابكى دولات باى كان مريضا على خطّة، وكذلك سودون العجمى أمير سلاح، وكان الأمير طومان باى الدوادار مسافرا نحو الغربية بسبب فساد العربان ممّا تقدّم ذكره من قتل عيسى بن جميل، وكان سبب نزول السلطان إلى هناك قيل إنه عرض المركب الكبير الغليون الذى عمّره فى بولاق عند الرصيف، فلما كمل زيّنوه بالصناجق والطوارق والمكاحل وتوجّهوا به إلى طرا وعرضوه على السلطان فى البحر، وأرموا قدّامه بالمدافع ذهابا وإيابا (١) كما فعل قبل ذلك لما عرض المراكب الأغربة، وقد تقدم ذكر ذلك فمدّ هناك أسمطة حافلة وابتهج

стр. 2615

فى ذلك اليوم، وكان يوما مشهودا، وأقام هناك إلى بعد العصر، فلما رجع من طرا رجع من البحر فأحضروا له الحراقة التى يكسر فيها السدّ فنزل بها، ونزل الأمراء والعسكر فى عدّة مراكب، واستمرّ حادرا فى البحر حتى طلع من رأس الجزيرة الوسطى من تحت قصر ابن العينى، ثم طلع من هناك إلى القلعة وشقّ من سوق جامع ابن طولون، وكان يوما بالسلطانى. - وفى يوم الجمعة خامس عشرينه كانت وفاة الأتابكى دولات باى من أركماس المعروف بالساقى، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى، وقد ساعدته الأيام حتى ولى عدة وظائف سنية منها نيابة حلب ونيابة الشام ونيابة طرابلس، ثم حضر إلى مصر وولى أمرة السلاح فى دولة الأشرف قانصوه الغورى وأقام بها مدّة طويلة، ثم بقى أتابيك العساكر بالديار المصرية بعد وفاة الأتابكى قرقماس من ولىّ الدين، فأقام فى الأتابكية خمسة عشرة يوما ومات، فإنه ولى يوم الخميس عاشر صفر ومات ليلة الجمعة خامس عشرينه، فكانت مدّته فى الأتابكية خمسة عشر يوما لا غير، وقد قلت فى معنى ذلك: إنّ دولات باى لما أن رقا … أمرة الكبراء ولّى مسرعا جاء للمنصب يحكى زائرا … ثمّ ما سلّم حتى ودّعا وكانت جنازته حافلة ونزل السلطان وصلى عليه، ثم توجّهوا به إلى تربة العادل طومان باى فدفن بها فإنه كان قرابته، وكان الأتابكى دولات باى أميرا جليلا جميل الصورة مليح الهيئة طويل القامة أبيض اللون مستدير اللحية أسود الشعر شابّا فى عنفوان شبابه، مات وله من العمر نحو من أربعين سنة، فكثر عليه الأسف والحزن من الناس فإنه كان ليّن الجانب قليل الأذى لا ينسب إليه خير ولا شرّ، وكان مشغولا بملاذّ نفسه، وكان مدّة توعّكه خمسة أيّام حتى أشيع بين الناس أنه [مات] مشغولا، وكان موته فجأة، وخلف من الأولاد صبيّين، قيل وبنات أيضا، وظهر له من الموجود أشياء كثيرة ما بين مال وقماش وبرك وغير ذلك مما لا ينحصر، فكان بينه وبين موت الأمير طراباى دون الشهرين، وقد توفى

стр. 2616

فى مدّة يسيرة من الأمراء المقدّمين ثلاثة كانوا نوابغ الأمراء وهم: الأتابكى قرقماس من ولىّ الدين وطراباى رأس نوبة النوب والأتابكى دولات باى، هذا غير ما توفى من الأمراء الطبلخانات والعشرات، انتهى ذلك. - وفى يوم السبت سادس عشرينه ظهر المعلّم على الصغير أحد معاملى اللحم، وكان له مدّة وهو مختفيا، فقابل السلطان فى ذلك اليوم وقيل أخلع عليه كامليّة بصمور. - وفى يوم الثلاثاء تاسع عشرينه حضر الأمير طومان باى الدوادار، وكان توجّه إلى نحو الغربية بسبب فساد العربان، وقد خرج إليهم على جرائد الخيل ثانيا، فلما وصل إلى هناك هربت العرب من وجهه فتبعهم إلى قريب السبّاح (١)، فلم يظفر بأحد منهم وقاسى من المشقّة ما لا خير فيه، فلما رجع وطلع إلى القلعة أخلع عليه السلطان خلعة حافلة ونزل إلى داره فى موكب عظيم. - وفى أثناء هذا الشهر وقع حريق مهول عند قنطرة الأمير حسين، وكانت ليلة شعث قام فيها ريح عاصف، فاحترق تلك الليلة نحو من أربعين دارا، وكان ذلك وقت المغرب، فلعبت النار فى البيوت وأعيى الناس طفيها، واستمرّت على ذلك أياما، وذهب للناس جملة أموال وقماش وبضائع وغير ذلك. - وفى أواخر هذا الشهر تشحّط القمح وارتفع سعره إلى أشرفى كل أردب بعد ما كان كل أردبين بأشرفى، وسبب ذلك أن النيل كان فى العام الماضى خسيسا وشرّق غالب البلاد، ثم حدث أمر الفأر تسلّط على الجرون وصار يقرض (٢) القمح والشعير وهو فى سنبله، وهذا الفأر أمر من الله تعالى لا يقدر أحد على ردّه ولا يطاق لكثرته. - ووقع فى هذا الشهر من الحوادث أشياء كثيرة، انتهى ذلك. وفى ربيع الأول فى يوم الاثنين سادسه أخلع السلطان على جانى بيك دوادار الأمير طراباى رأس نوبة النوب، وقرّره فى نظر الديوان الشريف

стр. 2617

المفرد لمشاركة الأمير طومان باى الدوادار الكبير فى الأستادارية، وهذه مصادرة لجانى بيك فى أخذ ماله بحسن عبارة وأقرب طريقة. - وفى يوم السبت حادى عشره عمل السلطان المولد النبوى وكان حافلا، واجتمع به القضاة الأربعة والأمراء، ولم يكن تقرّر أحد فى الأتابكية من بعد الأمير دولات باى إلى يوم تاريخه. - وفى ذلك اليوم توفى القاضى تاج الدين بن القاضى شمس الدين نصر الله المعروف بابن النجّار، وكان رئيسا حشما من ذوى البيوت، تولى والده القاضى شمس الدين الوزارة فى دولة الأشرف أينال سنة تسع وخمسين وثمانمائة فأقام بها مدّة يسيرة وعزل عنها، ومات القاضى تاج الدين وهو فى عشر السبعين، وكان لا بأس به. - وفى يوم الثلاثاء رابع عشره جاءت الأخبار من بلاد الغرب بأن صاحب جربة انتصر على الفرنج نصرة عظيمة، وغنم منهم غنائم كثيرة، وقتل منهم نحوا من سبعة آلاف إنسان، وأسر منهم جماعة كثيرة، ثم بعثوا للسلطان مكحلة نحاس كبيرة وأشياء كثيرة من أنواع الهديّة وشخصين من أسرى (١) الفرنج وعليهم آلة السلاح، فشكر لهم السلطان ذلك وسرّ بهذه النصرة التى وقعت لهم. - وفى يوم الأربعاء خامس عشره توفى الشهاب أحمد المحلاّوى مؤذّن السلطان، وكان حسن الصوت مطبوعا فى فنّه مقاتلا على الدخول، وكان لا بأس به، ومات وقد ناف عن الأربعين سنة من العمر، وقيل جاوز الخمسين، ومما يحكى عنه أنه كان عبيلا لا يطقنه النساء، وقد تزوّج نحوا من مائة امرأة، وقد قلت فى ذلك مداعبة لطيفة: قالت نساء المحلّى … (٢) مؤذّن لا يصلّى … كأنما هو ديك وفى يوم الجمعة سابع عشره فى ليله توفى الرئيس شمس الدين محمد القوصونى، وكان علاّمة فى فنّ الطب، فريد عصره فى ذلك، وكان رئيسا حشما فى سعة من المال، وكان لا بأس به. - وفى يوم السبت ثامن عشره دخل قاصد

стр. 2618

إسمعيل شاه الصوفى فأنزلوه فى بيت قانى باى سلق الذى فى رأس الرملة عند سوق الجلاّق، فاستقرّ هناك إلى أن يطلع إلى القلعة ويقابل السلطان، وفى ذلك اليوم رسم السلطان للأمراء والعسكر بأن يخرجوا إلى المطرية ويلاقوا القاصد ففعلوا ذلك، وخرج الجمّ الغفير من العسكر حتى ضاق بهم رحب الفضاء، ولكن وقع من السلطان فى ذلك اليوم غابة الخفّة وهو أنه نزل وسيّر إلى نحو المطرية فوقف عند تربة الملك العادل طومان باى ليرى القاصد والعسكر عن بعد، فانعقد هناك الغبار فلم يتمكن السلطان من رؤية القاصد والعسكر فرجع إلى القلعة، فعدّ هذا من النوادر الغريبة، فلما طلع إلى القلعة دخل إلى القصر الكبير ليرى القاصد من الرملة وهو داخل إلى بيت قانى باى سلق، وكان ذلك غاية الخفّة من السلطان. وفى يوم الاثنين عشرينه عمل السلطان الموكب بالحوش بغير شاش ولا قماش، وجلس على المصطبة الجديدة التى أنشأها بالحوش ونصب على رأسه السحابة الزركش، ورسم بتزيين باب الزردخاناه فزيّنوه بالصناجق السلطانية والشطفات وآلة السلاح من بركستوانات وزرديات وأطبار وسيوف وغير ذلك، فلما تكامل الموكب واجتمعت الأمراء أذن إلى قاصد إسمعيل شاه الصوفى بالطلوع إلى القلعة فطلع من بيت قانى باى سلق الذى بالرملة، وطلع صحبته المهمندار ووالى القاهرة، فلما مثل بين يدى السلطان قبّل الأرض وباس رجل السلطان، ثم قرئت مكاتبته بين يدى السلطان، ثم إن القاصد قدم للسلطان مصحفا شريفا وسجادة برسم الصلاة، فقبّل السلطان ذلك المصحف وأخذه، ثم أحضر القاصد صندوقا لطيفا ففتح بين يدى السلطان فوجد به رأس شخص من ملوك التتار يسمّى أزبك خان وهو الذى قتله الصوفى وأخذ بلاده، فرسم السلطان بدفن تلك الرأس، ثم أحضر القاصد صحبته قوسا عريضا عرضه نحو شبر، فندب السلطان شخصا من الزردكاشية، وهو الزردكاش الثانى، يقال له الأمير يوسف، فجذب القوس بحضرة السلطان فكسره وذلك بعد نزول

стр. 2619

القاصد، وكان ذلك الموكب حافلا من المواكب المشهودة. - وفى ذلك اليوم أخلع السلطان على المقرّ السيفى طومان باى الدوادار الكبير وقرّر أمير الحاجّ بركب المحمل، وأخلع على شخص من الأمراء العشرات يقال له بك باى وقرّر أمير الحاجّ بالركب الأول، وكان هذا بك باى أصله من مماليك الأتابكى أزبك وولى نيابة القدس وصار من الأمراء العشرات. - وفى يوم الجمعة رابع عشرينه طلع ابن أبى الرداد ببشارة النيل وجاءت القاعدة ستة أذرع سوى، وكانت فى العام الماضى أرجح من ذلك. - وفى يوم الاثنين سابع عشرينه عمل السلطان الموكب بالشاش والقماش، وأخلع على المقرّ السيفى سودون العجمى واستقرّ به أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن دولات باى من أركماس بحكم وفاته كما تقدم، فنزل من القلعة فى موكب حافل وكان له يوم مشهود، وكانت الأتابكية شاغرة من حين توفى دولات باى. [ولما قرّر سودون العجمى] (١) فى الأتابكيّة قلت فى ذلك: أميرنا الأكبر المشهور بالعجمى … وجوده فى الورى قد آل للعدم تقول مصر لأن ولّوه سلطنة … يا ضعة الناس بين العرب والعجمى وفى ذلك اليوم حضر الرئيس حامد المغربى وصحبته جماعة من الفرنج نحو من مائتى إنسان وجدهم يتعبّثون بسواحل البرلس فقبض عليهم وشكّهم فى زناجير، وشقّ بهم من القاهرة وطلع بهم إلى القلعة، فلما عرضوا على السلطان أمر بسجنهم حتى يحرّر أمرهم فيما يكون. - وفى يوم الثلاثاء ثامن عشرينه عزم السلطان على قاصد الصوفى فى الميدان وضرب الكرة هو والأمراء المقدّمين قدّامه، فلما انتهى ضرب الكرة دخل السلطان إلى البحرة التى أنشأها بالميدان، فلما جلس عليها طلب قاصد الصوفى وأضافه هناك ضيافة حافلة وألبسه سلارى صوف فستقى بصمور من ملابيسه، ثم عاد إلى المكان الذى انزلوه به. -

стр. 2620

وكان السلطان وكّل به جماعة من الخاصكية يمنعون من يدخل إليه من الناس قاطبة، ولا يمكنون أحدا من جماعة القاصد يخرج إلى الأسواق ولا يجتمع بأحد من الناس، ثم إنه فى هذه المدّة ركب مرّة وصحبته أزدمر المهمندار فزار الإمام الشافعى والإمام الليث ﵄ ثم عاد إلى المكان الذى عدّ له. - ومن النكت اللطيفة ما أشيع بين الناس أن القاصد لما قابل السلطان أول مرّة وصحبته رأس أزبك خان ملك التتار والقوس العريض المقدّم ذكر ذلك، فلما قرئت مطالعة الصوفى بين يدى السلطان وجدوها مكتوبة باللغات الأعجمية فأحضروا من قرأها وهو شخص شريف يقال له الشيخ حسين من ابناء العجم، ثم وجدوا ضمن تلك المطالعة هذين البيتين، الحمد لله، ولما أرسل الصوفى فى كتابه بهذين البيتين إلى السلطان أرسل إلى سليم شاه بن عثمان أيضا بهذين البيتين وهو يقول: نحن أناس قد غدا شأننا … حبّ علىّ بن أبى طالب يعيبنا الناس على حبّه … فلعنة الله على العائب فاجابه ابن عثمان عن ذلك: ما عيبكم هذا ولكنّه … بغض الذى لقّب بالصاحب كذبتموا عنه وعن ابنته … فلعنة الله على الكاذب وأرسل يهدّد أهل مصر لما قتل أزبك خان ملك التتار بهذين البيتين وهما: السيف والخنجر رمحاننا … أفّ على النرجس والآس مدامنا من دم أعدائنا … وكأسنا جمجمة الرأس وكان لما حزّ رأس أزبك خان ملك التتار جعل جمجمة رأسه كأسا يشرب فيها الخمر فى المقامات كما قيل عنه، انتهى ذلك (١).

стр. 2621

وقد أشيع فى بلاد الصوفى بأن السلطان قد اشتغل بما أنشأه فى الميدان من غرس الأشجار وشتول أنواع الأزهار والرياحين، فقصدوا ينكتوا عليه بذلك، وهذا من نوع التهكّم على السلطان، فأجبت عن ذلك بقولى: بالسيف والخنجر نفنى العدى … وكم لنا فى الحرب من بأس نسلب بالرعب عقول الورى … وعقلنا وافر فى الرأس وقد عمل فى ذلك جماعة كثيرة من الشعراء عدّة مقاطيع على أنواع مختلفة، وقد قلت أيضا: ندفع بالصديق كيد العدى … ونرفض الباغى الذى يأسى ومن نراه زاغ عن شرعنا … جوابه بالسيف فى الرأس وقيل أن السلطان لم يعجبه شيئا من هذه الأجوبة التى أجابت بها الشعراء وإنما أعجبه قول صفى الدين الحلّى فكتبه عن جواب الصوفى، وهو قوله: ولى فرس للخير بالخير ملجم … ولى فرس للشرّ بالشرّ مسرج فمن رام تقويمى فإنى مقوّم … ومن رام تعويجى فإنى معوج وقلت أيضا بخلاف ما تقدّم من المعنى من زيادة فيها: بالسيف والخنجر نفنى العدى … وكم لنا فى الحرب من بأس وليس شرب الدم فى شرعنا … بجائز والذمّ للأسى من يبغض الصدّيق أو صحبه … فذاك أشقى الخلق فى الناس إن كان قد ضلّت عقول لكم … فعقلنا الوافر فى الرأس ومن مخترعاتى قولى فى أشكال الشطرنج ملتزما القافية على المعنى بما تقدّم: عساكر الصوفى إن فرزنت … فرخّهم مكشوف للناس ونفسهم قد أوجزت خيفة … من عزمنا مع شدّة الباس

стр. 2622

وفيلهم قد صار ناموسة … مذ قابل الأسد بأفراس ودستهم نصبا على رقعة … إن ديدبوا مرمادهم خاسى فإن مشى من جيشنا بيدق … يموت شاه طايح الراس وقولى أيضا فى مديح السلطان: سلطان مصر لم يزل شأنه … على ملوك الأرض ذو باس أعيذه من شرّ أعدائه … بسورة الفتح وبالناس عسكره يوم الوغى طعنهم … فاق على طاعون عمواس وإن أتاه الخارج المعتدى … يجعله جسما بلا راس ينسى الورى طاعون عمواس (١) وقال الأشمونى: يراعنا الرمح وقرطاسنا … صدر عدو منكر الباس مدادنا من دمّه خطّنا … تاريخ طعن مذكر الناس وقال ابن الحجّار: يا قائلا أفّ على نرجس … أفّ على الباغى على الناس فإن خير الناس من لا يرى … شرب دم المسلم فى الكاس وللناصرى محمد بن قانصوه من صادق: العدل والحلم لنا حلّة … حيكت مع القوّة والباس وسنّة المختار طرز لها … وذكرنا تاج على الراس وقوله أيضا: نحن نجوم والسما ملكنا … يهدى بنا من ضلّ فى الناس

стр. 2623

كم من مريد صار من شهبنا … شبه مريد وهو ذو باس وقال الشربينى: مغارس السنّة بستاننا … نقطع منه هامة الراس والدم لا يشرب فى شرعنا … لكنّ فينا قوة الباس والعلم ثم الحلم من شأننا … كذا الحجى كالجبل الراس وفى ميادين الوغى عزمنا … يعجب منه سائر الناس وقوله أيضا: السبّ لا ينسب من شأننا … لكل سنى من الناس وجيشنا كالرمل تعداده … ولم يرعنا بعثة الراس وقال على الغزى: نحن أسود الحرب غاباتها … رماحنا للطعن والباس وخيلنا تسرع فى سوقها … شدّت لحرب المعتدى القاسى وسيفنا الهندى رقا للوغى … يمسح للكفّ مع الراس فدأبنا يوم لقتل العدى … ويوم للنرجس والآس والمجد لا ينسب إلاّ لنا … مقامنا الأشرف عباسى من خالف السنّة فى شرعنا … ردّ على أعقابه خاسى لابن العاقل: تلاوة القرآن ريحاننا … ننشق منه خير أنفاسى شرابنا الذكر به يرتوى … سناء قلب غافل قاسى والعدل والإنصاف من دأبنا … من أجل ذا سدنا على الناس

стр. 2624

ثناؤنا بين الورى نشره … أذكى من النرجس والآس والحمد لله على أنّنا … أهل العلا والأيد والباس من أظهر الغدر لنا فالجفا … منا له والسيف للراس ومن أتانا مخلصا ودّه … له لدينا كلّ إيناس وقال آخر: صحابة المختار ساداتنا … وما على المحسن من باسى نزهتنا وصل طراد العدى … وسيفنا يقطع للراس ومن أسى ييأس من عفونا … أفّ على الأيس والآسى وقال الشريف العباسى: وسنة المختار خير الورى … جنّتنا من كل وسواس العدل والإنصاف ريحاننا … خلّ شذى النرجس والآس وشربنا من صفو توجيدنا … ليس من الجرّة والكاس وشأننا الحلم على من جنى … وديننا صون دم الناس وقال شهاب الدين البحيرى المالكى: السيف والخنجر ريحان من … يخشى من الضراء والباس والعادل المنصف يا ذا الحجا … ريحانه الإحسان للناس شرابنا الذكر بكاس الهنا … أف على جمجمة الراس وقال الشيخ ناصر الدين بن الطحان: أسد الوغى فرساننا كم سقت … كأس المنايا باغيا آسى ومن يزغ عن أمرنا طاغيا … نذقه مرّ الباس والكاس

стр. 2625

وقوله أيضا: شجعان مصرهم أسود الوغى … بقوّة السطوة والباس وفخرهم بالسيف والرمح قد … خصّ بهم عن سائر الناس وقوله أيضا: شمّ الرياحين يزيد القوى … وشدّة البطشة والباس والفتك فى الحرب هو الفخر لا … لعق الدما كالكلب فى الراس وقال الفقيه موسى بن بقسماطة: إن كان جبد السيف ريحانكم … وكأسكم جمجمة الراس وشربكم من دمّ أعدائكم … أفّ عليكم أرذل الناس نحن تشرّفنا على غيرنا … بخدمة البيت فلا باسى أعداؤنا من تحت أقدامنا … وليس نخشى قطّ من خاسى وقال الشيخ جمال الدين السلمونى: أفّ على أفك يا خارجا … حجاك محتاج إلى الآس ما أنت إلاّ جعلىّ على … رفضك شمّ الورد والآس لنور الدين بن حشيش: إن كان ضرب السيف ريحانكم … وكأسكم جمجمة الراس وشربكم من دمّ أعدائكم … أفّ عليكم أرذل الناس وللناصرى محمد بن قانصوه من صادق: السمر والبيض غراس لنا … فى وسط النمام والآس وحلمنا ستر لمن قد جنى (١) … إن لم يكن فى الناس ذا باس

стр. 2626

محمود الحليلى: العزّ والسطوة ريحاننا … لا من شذى النرجس والآس شرابنا التوحيد لا من دم … يشرب من جمجمة الراس وقال إسمعيل: خدمة بيت الله والمصطفى … كلاهما لى نوره كاسى وملء ذاك الكاس توحيد من … شرّفنا بالملك فى الناس وصرت فى مصر عزيز بها … لا أختشى من كيد خنّاس كنانة الله فمن شأنها … أهلكه ذا الأيد والباس وقد نظم فى هذا المعنى جماعة كثيرة من فضلاء (١) العصر فوق المائتى إنسان، وقد جمعوا بين الغث والسمين، وهذا ما وقع عليه اختيارى من هذا المعنى بحسبما تيسّر لى من المقاطيع الرقيقة من هذه الأجوبة والخنجر المقدم ذكر ذلك فى أول المقاطيع من هذا المعنى، فمن ذلك قولى: من عاب للنرجس والآس … أفّ عليه فى الورى آسى ومن يكون السيف ريحانه … لا رأفة فى قلبه القاسى من كان شرب الدم من شأنه … وكأسه جمجمة الراس فذاك كالكلب العقور الذى … لا يختشى فى الناس من باس انتهى ما أوردناه من هذا المعنى ويقرب من واقعة هذين البيتين اللذين أرسلهما الصوفى فى معنى: السيف والخنجر ريحاننا، فقد تقدم أن هلاكو ملك التتار لما استولى على بغداد وأخربها وقتل الخليفة المستعصم بالله وقتل سائر أمرائه، فلما فعل ذلك ببغداد طمع فى أخذ مصر فأرسل كتابا إلى سلطان مصر

стр. 2627

وإلى أمرائه وذكر فيه ألفاظا فاحشة من وعد ووعيد وتهديد لهم بالقتل، وذكر فى ذيل كتابه هذين البيتين وهما: أين المفرّ ولا مفرّ لهارب … ولنا البسيطان الثرى والماء ذلّت لهيبتنا الأسود وأصبحت … فى يدنا الأمراء والخلفاء وقال بعد ذلك: ستعلم ليلى أىّ دين تداينت … وأىّ غريم بالتقاضى غريمها وكان سلطان مصر يومئذ المظفّر قطز المعزّى، فلما سمع ذلك جمع العساكر وخرج إلى هلاكو بعد أن وصل إلى أطراف البلاد الشاميّة فتحارب معه، فانكسر هلاكو كسرة مهولة وغنم منه عسكر مصر أشياء كثيرة من سلاح ودوابّ وغير ذلك، وقد أوضحنا ذلك فى أوائل ابتداء الدولة التركيّة فى الجزء الرابع من التاريخ انتهى ذلك، فالصوفى بالنسبة إلى هلاكو لا شئ، وقد قال القائل: لو كلّ من قال نارا أحرقت فمه … لما تفوّه باسم النار مخلوق انتهى ذلك. وفى ربيع الآخر أمر السلطان بحفر الخليج ثانى مرة ورسم للأمير أنصباى حاجب الحجاب بأن يتوجه إلى قناطر الأوز ويباشر حفر هذا الخليج بنفسه، فتوجه إلى هناك وأقام به وضرب له الخيام واهتمّ بحفر الخليج من القنطرة الجديدة إلى قناطر الأوز إلى سد الخشب الذى عند ناى وطنان، فاحتفل بحفره إلى أن كاد أن ينبع الماء من أرضه وأحضر الجراريف والأبقار، ولكن حصل من هذه الحركة غاية الضرر وهو أن السلطان رسم بأخذ خراج الحصص والرزق قاطبة التى تروى من هذا الخليج، فأخذوا منهم خراج سنة كاملة وتحصّل من هذه الجهة نحو من خمسين ألف دينار على ما قيل، فصرف منها البعض على حفر الخليج وحمل الباقى إلى الخزائن الشريفة وحصل للمقطعين الضرر الشامل. - وفيه أمر السلطان بعمل جسر فى خليج الزربيّة، فوضعوه عند قنطرة موردة الجبس،

стр. 2628

فامتنعت المراكب من الدخول إلى الزربيّة، وحصل لسكان الجزيرة الوسطى غاية الضرر ولم يسكن من بيوتها فى هذه السنة إلا القليل وبارت من الكرى الذى جرت به العادة، وكانت تتزاحم الناس على كراها ولا تلحق، وكان القائم فى عمل هذا الجسر ابن فرو شيخ جهات المطرية، وقد حسّن للسلطان بأن يسدّ خليج الزربيّة من جهة بولاق، ويصير الماء يدخل بعزم من تحت قصر ابن العينى الذى بالمنشية ويدخل إلى الخليج الناصرى ليمكث الماء فى الخليج حتى تروى منه أراضى المطرية والبلاد التى تحتها. - وفى يوم الثلاثاء خامسه كان ختام ضرب الكرة بالميدان، فلما انتهى ذلك أحضر السلطان ثيران وكباش يتناطحون قدّامه، ووقع فى ذلك اليوم خصمانية بين المماليك فى لعب الرمح وكان قاصد الصوفى حاضرا، فلما انقضى أمر الكرة طلع السلطان من الميدان إلى الحوش وجلس بالمقعد الذى أنشأه هناك ومدّ به أسمطة حافلة، وكانت الأمراء حاضرين، وانشرح السلطان فى ذلك اليوم، وكان يوما مشهودا. - وفى يوم الأربعاء ثالث عشره نزل السلطان وتوجّه إلى نحو خليج الزعفران وكشف على حفر الخليج الذى رسم به، وكان معه جماعة من الأمراء المقدّمين وبعض خاصكية، فلما نظر إلى ما حفروه من الخليج لم يعجبه ومقت الأمير أنصباى حاجب الحجّاب فيما صنعه، ثم توجّه من هناك إلى تربة العادل التى بالريدانية فأقام بها إلى بعد العصر، وجرّب هناك مكاحل، ومدّ له بركات بن موسى المحتسب هناك مدّة حافلة، ثم ركب بعد العصر وطلع إلى القلعة. - وفى يوم الخميس رابع عشره قبض نائب الغيبة بالشرقية على شخص من العربان العصاة يقال له أحمد بن شكر وكان من شرار المفسدين، فلما قبض عليه سلخ جلده وحشاه تبنا وأرسله إلى السلطان، فسرّوا الناس لذلك فإنه كان من كبار المؤذيين وكان يشوش على المسافرين ففرح به كلّ أحد من الناس، فكان كما يقال: مصائب قوم عند قوم فوائد. وفى يوم الأحد سابع عشره نزل السلطان أيضا وتوجّه إلى تربة العادل

стр. 2629

وجرّبوا قدّامه مكاحل غير تلك المقدّم ذكرها (١). - وفى ذلك اليوم توفى أيدكى دوادار سكين، وقد بقى من الأمراء العشرات، وكان لين الجانب قليل الأذى وكان لا بأس به. - وفى يوم الثلاثاء تاسع عشره جلس السلطان فى المقعد الذى بالميدان وساقت الرّماحة قدّامه وهم لابسون الأحمر والخوذ كما يفعلون عند دوران المحمل فى رجب، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام متوالية، وكان المعلّم تمر الحسنى أحد المقدّمين الألوف فساقوا أحسن سوق، وكان قاصد الصوفى حاضرا فتعجّب من ذلك غاية العجب. - وفى هذا الشهر أمر السلطان بهدم خان الخليلى وقد ملكه بطريق شرعى، فلما هدمه أنشأه (٢) إنشاء جديدا وجعل به الحواصل والدكاكين، وزاد فى تزخرفه جدّا. - وفى أواخر هذا الشهر توفيت الريّسة إنعام ريّسة خوند الخاصبكيّة، وكانت من أعيان مغانى البلد، وكانت لا بأس بها، انتهى ذلك. وفى جمادى الأولى فى يوم الاثنين ثانيه كان ختام سوق الرمّاحة، وأخلع السلطان على المعلّم والأربعة باشات على جارى العادة، وكان يوما مشهودا. - وفى يوم الجمعة سادسه أخلع السلطان على قاصد الصوفى وأذن له بالعود إلى بلاده، فسافر فى باكر النهار، ولم يعلم ما أجابه به السلطان عن جواب تلك البيتين التى تقدم ذكرهما فى معنى: السيف والخنجر ريحاننا، ولم يكتب له شيئا مما أجابوا به الشعراء، وفى مدّة إقامته بمصر وكّل به السلطان جماعة من الخاصكيّة ومنعوه من الاجتماع بالناس قاطبة. - وفيه قبض السلطان على المعلم على الصغير وأخيه المعلّم أحمد والمعلّم خضر المعاملين فى اللحم، فلما قبض عليهم وضعوهم فى الحديد وسجنهم بالعرقانة، وسبب ذلك أن ديوان الدولة كان فى غاية الانشحات واللحوم معطلة وانكسر للعسكر نحو من ثلاثة أشهر لم يصرف فيها لهم لحوم، وقد جرى بسبب ذلك ما لا خير فيه، وسيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. - وفى يوم

стр. 2630

الأربعاء حادى عشره تسلسل النيل فى الزيادة بعد ما كان قد أشرف على الوفاء، فرسم السلطان لحاجب الحجّاب والوالى بأن يتوجّها ويكبسا على المتفرّجين الذين فى الخيام بالروضة، فتوجّها إلى الروضة أنسباى حاجب الحجّاب ووالى القاهرة، فلم يشوّشوا على أحد من المتفرجين ونادوا بالأمان والاطمان وأنّ أحدا لا يتجاهر بالمعاصى، وخرقوا بعض خيام، وكان يوما مهولا، وسبب ذلك أن النيل كان قد أشرف على الوفاء وبقى عليه من الوفاء خمسة أصابع فزاد فى تلك الليلة أصبعين وتأخّر عن الوفاء ثلاثة أصابع، ثم زاد من بعد ذلك أصبعين وتأخّر عن الوفاء يومئذ أصبعا واحدا فضجّ الناس من ذلك، وأشيع بين الناس أن الروضة كثر فيها الفسق والمعاصى، فعند ذلك رسم السلطان لحاجب الحجّاب والوالى بكبس الروضة، فتوجهوا إلى هناك وكبسوا على الناس الذين بالخيام ولم يفحشوا كل الإفحاش فى ذلك، وكان السلطان قبل ذلك توجّه إلى المقياس وصلى هناك ودعا إلى الله تعالى بالوفاء، ثم إنه رسم للقضاة الأربعة بأن يتوجّهوا إلى المقياس ويباتوا به، وقرؤوا هناك ختمة، ومدّ أسمطة حافلة، واجتمع هناك أعيان الناس من العلماء والفقهاء وغير ذلك من مشاهير الناس. - ثم فى يوم الخميس ثانى عشره نزل السلطان إلى المقياس، فقدّموا له الحراقة المعدة لكسر السدّ فنزل بها وتوجّه إلى المقياس، فطلع من على القصر الذى أنشأه على بسطة المقياس، فأقام هناك إلى بعد الظهر ومدّ هناك مدّة حافلة، ثم نزل من المقياس فى الحراقة وشقّ من برّ الروضة، فارتفعت الأصوات له بالدعاء وانطلقت له النساء من الطيقان بالزغاريت، ولا سيما كانت ليلة وفاء النيل وكانت الروضة فى غاية البهجة وهى محتبكة بالخيام، فكان له يوم مشهود، فاستمرّ شاققا فى البحر حتى طلع من عند قصر ابن العينى، فلما طلع إلى القلعة أوفى النيل فى تلك الليلة، وكسر فى يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى الموافق لخامس عشر مسرى، فاستبشر الناس بنزول السلطان إلى المقياس وكونه أوفى النيل تلك الليلة بقدومه إلى
следующие страницы →