← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

على القضاة ومشايخ العلم، وكان ختما حافلا بالمقعد الذى بالحوش السلطانى. - وفى أثناء هذا الشهر جاءت الأخبار من المدينة الشريفة بوفاة الأمير شاهين الجمالى شيخ الحرم النبوى، وكان أصله من مماليك الجمالى يوسف ناظر الخاص، وكان لا بأس به. - وفى يوم الخميس تاسع عشرينه عرض ناظر الخاص علاى الدين بن الإمام خلع العيد على السلطان وهى مزفوفة على رؤوس الحمالين، وكان ذلك اليوم مشهودا. - وفى يوم الخميس المذكور حضر قاصد من عند السلطان سليم شاه بن عثمان ملك الروم وعلى يده مطالعة للسلطان تتضمن (١) أخبار هذه النصرة التى وقعت له على إسمعيل شاه الصوفى، وذلك أن فى يوم الأربعاء سادس رجب الفرد سنة عشرين وتسعمائة تلاقى عسكر سليم شاه ابن عثمان مع عسكر إسمعيل شاه الصوفى على مكان بالقرب من تبريز يقال له إسكندران، فكان بينهما هناك وقعة مهولة تشيب منها النواصى، وتذهل العقول عند سماعها من كل دان وقاصى، فصيّرت الرؤوس عن الأجساد طائرة، وطفشت العساكر بالخيول الغائرة، ووقع القتل بالسيف حتى أجرى الدماء منهم كالسيل، واستمر الحرب ثائرا حتى حال بينهما الليل، فسكر القوم من خمر ذلك الحرب، وتراقصت الخيول على وقع السيوف الداخلة فى الضرب، فقتل من العسكرين ما لا يحصى عددا، وانهزم الباقون وتبدّد شملهم بددا، فيالها من ساعة مهولة، لا ترضى الله ولا رسوله، فوقعت الكسرة على عساكر ابن عثمان أولا وقتل من عسكره ما لا يحصى عددهم، حتى قيل قتل من أمرائه (٢) سبعة عشر أميرا أصحاب (٣) صناجق، وقتل من عسكره نحو النصف، فلما عاين ابن عثمان ما وقع له من هذه الكسرة كادت روحه أن تزهق من شدة قهره، ثم قام على عسكره وحضّهم على القتال فقوى عزم عساكر الروم على القتال وأتوا بالصارم البتار، وقال لسان حالهم الموت فى طلب الثار، خير من الحياة فى العار، فوثبوا على عساكر الصوفى وثوب الليث الهمام، وبايعوا أنفسهم فى بلوغ المرام، وقيل إن ابن

стр. 2802

عثمان كان فى جاليش عسكره اثنى عشر ألف رام بالبندق الرصاص، فلما زحفوا على عسكر (١) الصوفى عمّتهم الدهوة، ولم يحملوا معهم غلوة، فانكسر الصوفى وولّى مهزوما وقتل من عسكره أضعاف ما قتل من عساكر الروم، فيقال إن الصوفى جرح وهرب فى نفر قليل من عسكره ولم يثبت أنه قد قتل فى المعركة كما أشيع عنه فيما تقدّم، وقيل قتل من أمرائه جماعة كثيرة منهم صاحب ديار بكر ويسمى سيحلى محمد وأولاده، وغير ذلك من أعيان عسكره وأمرائه ما لا يحصى عددهم، وكانت النصرة لسليم شاه بن عثمان على الصوفى من النوادر الغريبة، كما يقال: فيوم علينا ويوم لنا … ويوم نساء ويوم نسرّ (٢) ثم إن ابن عثمان حزّ رقاب من قتل من أمراء الصوفى وأرسلهم إلى بلاده، فطافوا بها هناك وعلّقوا على أبواب مدائن الروم، ولم تقع مثل هذه النصرة لأحد من أجداد سليم شاه بن عثمان، ولا لوالده السلطان أبى يزيد (٣) المعروف بيلدرم ابن أورخان (٤)، لما زحف تمرلنك كسره وأسره ووضعه فى قفص من الحديد وصار يدخل به البلاد ويعجب عليه، فما طاق يلدرم ذلك فبلع له فصّا من الماس فمات وهو فى القفص الحديد وأمره مشهور، ووقع لوالده السلطان أبى يزيد لما زحف على البلاد السلطانية فى أيام الأشرف قايتباى، فكسر الأشرف قايتباى عسكره ثلاث مرات وقتل من عسكره ما لا يحصى عددهم ودخل بجماعة (٥) من عسكره أسراء إلى مصر فى الحديد وصناجق أمرائه منكوسة وحصل على عساكر الروم ما لا خير فيه، فكان لسليم شاه سعد خارق بهذه النصرة على الصوفى ووقع له ما لا وقع لأبيه ولا لأجداده وهذا أمر إلهى، فلما وقع لسليم شاه ذلك رجع إلى بلاده ليشتّى بها وبعد الشتاء ما يعلم ما يكون بينه وبين الصوفى من الحروب المهولة، فلما رحل ابن عثمان جعل على تبريز نائبا من أمرائه وكذلك على البلاد التى ملكها من أيدى الصوفى فاستناب له بها نوابا من أمرائه ثم رحل

стр. 2803

عن بلاد الصوفى، فلما حضر قاصد سليم شاه بن عثمان بين يدى السلطان وقرئت مكاتبته بحضرة الأمراء أخلع على القاصد الذى حضر بأخبار هذه النصرة كاملية مخمل أحمر كفوى بصمور عال من ملابيسه، ثم نزل القاصد من القلعة ولم يرسم السلطان بدقّ الكوسات بالقلعة، ولم يناد فى القاهرة بالزينة لأجل هذه النصرة، ولم يعلم ما سبب ذلك. - وأشيع عن قرقماس المقرى بأنه فى قيد الحياة، ولم يثبت موته كما أشاعوا عنه بما تقدم من الإشاعات الفاسدة. وفى شوال كان مستهل الشهر يوم السبت، وكان ذلك اليوم عيد الفطر فخرج السلطان إلى صلاة العيد، فصلّى ثم أخلع على الأمراء ومن له عادة بالخلع السنية، وكان موكب العيد حافلا كما جرت به العادة. - وفى يوم الاثنين عاشره أخلع السلطان على الأمير أينال باى دوادار سكين، وأذن له بأن يتوجه إلى حلب بسبب ردّ الجواب على الأمراء والعسكر السلطانى فيما أرسلوا يسألون فيه من أمر النفقة، وهى الخمسون دينارا التى أثاروا الفتنة بحلب بسببها، وبهدلوا الباش قانى باى قرا أمير آخور كبير وعيّنوا له القتل المماليك القرانصة والجلبان، [وقالوا]: نفق فى السنة الخالية على مماليكه الجلبان لكل واحد منهم خمسون دينارا ولم يعط المماليك القرانصة شيئا فمثل ما نفق على مماليكه ينفق علينا نحن أيضا وإلا ننهب أسواق حلب، فأرسل لهم السلطان الجواب عن ذلك بما تقتضيه الآراء الشريفة، فتوجه أينال باى بمراسيم شريفة تقرأ على الأمراء والعسكر بحلب عن الجواب فى ذلك، ثم إن السلطان بعد أن أخلع على الأمير أينال باى ورسم له بالسفر فعوّقه عن السفر من بعد ذلك أياما لأمر أوجب ذلك مما عنّ له، ثم سافر بعد ذلك فى العشرين من هذا الشهر، وكذلك قاصد ابن عثمان المقدم ذكره. - وفى اليوم المذكور أخلع السلطان على قاصد ابن عثمان الذى حضر بأخبار النصرة على الصوفى فأخلع عليه وأذن له بالعود إلى بلاده وكتب له الجواب بالتهنئة عن أمر هذه النصرة [التى] تمّت. - ومن الحوادث أن السلطان أنشأ سوقا بالقرب من خان

стр. 2804

الخليلى يباع فيه الرقيق، وأبطل السوق القديم الذى كان يباع فيه الرقيق، وصار العمل على هذا السوق من يومئذ. - ومن النوادر الغريبة أن الأمير خاير بيك الخازندار لما توفى رسم السلطان للأمير طومان باى الدوادار والزينى بركات ابن موسى المحتسب بأن يتوليا ضبط موجود الأمير خاير بيك الخازندار، فلما شرعا فى ذلك ظهر له موجود يقرب من موجود سلار الناصرى نائب السلطنة كان، فظهر له فى أول يوم من الذهب العين ثلاثة وثمانين ألف دينار، وزعم السلطان أنه لما حصل له التوعّك فى عينه أودع عنده خمسمائة ألف دينار فلم يظهر للسلطان منها شئ وخفيت تحت الأرض ولم يعلم مكانها، ومات خاير بيك عن غير وصيّة ولم يخلص ذمته فيما عليه من حقوق الناس الذى كان يقطع مصانعتهم ويأكل حقوقهم، فلما ضاعت على السلطان تلك الوديعة صار يقلّ الرحمة على الأمير خاير بيك ولم يقرأ له ختمة على قبره ولا صنع له مأتما ولا تصدّق عليه برغيف خبز، ثم ظهر له من بعد ذلك من المعادن والجواهر والفصوص الماس والياقوت الأحمر واللؤلؤ الكبار والتحف الفاخرة ما قوّم بمائة ألف دينار، ثم ظهر له ألف ثوب بعلبكى ومن الأثواب الصوف والأبدان الصمور والوشق والسنجاب والقطع الجوخ وثياب البدن من سلاريات وجنينيات جوخ وغير ذلك ما قوّم بخمسين ألف دينار، وظهر عنده بشاخين زركش وأشياء من ثياب النساء تركة وحليّهن ما لا يحصى، وسبب ذلك أنه استولى على ستة عشر من تركات الخوندات والستات وأعيان الرؤساء من الملوك وغير ذلك ممن توفى فى دولة السلطان قانصوه الغورى، وظهر له من الخيول والبغال والجمال ما لا يحصى، فدخل ذلك إلى الحواصل السلطانية، وظهر له من الرزق والأملاك والبيوت والربوع والحوانيت وغير ذلك ما عنهم من الخراج وكرا أماكن فى كل سنة فوق العشرة آلاف دينار، واستمرّ الحال على ذلك إلى يوم تاريخه يظهر له فى كل يوم من الموجود أشياء جديدة ولم ينته ضبطه إلى الآن وضاع له تحت

стр. 2805

الأرض وعند الناس أضعاف ذلك، فكان موجوده إذا قوّم جميعه يقارب أربعمائة ألف دينار، ومع هذا المال الجزيل لم يلهم الله تعالى الأمير خاير بيك عند موته أن يبرّ ابن أستاذه الظاهر خشقدم بشئ من المال فى الباطن حتى يستعين (١) بذلك على فقره ووفاء دينه، فعدّ ذلك من مساوئ خاير بيك ولم يثن عليه أحد بعد موته بخير قط، فذهبت عنه الدنيا وفاتته الآخرة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ولما توفى الأمير خاير بيك أشيع أن السلطان عيّن تقدمة الأمير خاير بيك إلى أقباى الطويل أمير آخور ثانى، وأنعم على ولده المقر الناصرى محمد بأمرة طبلخاناه وقرّره فى الخازندارية الكبرى عوضا عن خاير بيك بحكم وفاته، فتزايدت عظمة سيدى ابن السلطان وكان له من العمر يومئذ نحو ثلاث عشرة سنة، وقد تقدم القول على أن السلطان أرسل يخطب بنت ملك الأمراء سيباى نائب الشام إلى ولده المذكور أعلاه، فتعلل نائب [الشام] على أن ابنته صغيرة، وكان اسمها فاطمة وتدعى أيضا شقرا، وقيل إنها جميلة عمرها ثمان سنين ولم تستحق للزواج، فأرسل السلطان يقول له: لا بدّ من ذلك، وأرسل له عشرة آلاف دينار مهرها، فلما رأى السلطان قد صمم على ذلك قبلّ المهر وأجاب بالسمع والطاعة وأذن فى تزويج ابنته إلى ابن السلطان، وسيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. - وفى يوم الأربعاء ثانى عشره جلس السلطان على المصطبة التى بالحوش وفرّق على المماليك الذين أخرج لهم الخيل والقماش، ففرّق عليهم فى ذلك اليوم السيوف والزرديات والتراكيش، وكانوا نحو مائة وستين مملوكا من جلبانه. - وفى يوم الجمعة رابع عشر شوال فيه كان عقد المقرّ الناصرى محمد بن السلطان على ابنة (٢) ملك الأمراء سيباى نائب الشام، فكان الوكيل عن ابن السلطان الأتابكى سودون العجمى، والوكيل عن سيباى نائب الشام الأمير طومان باى الدوادار الكبير، وكان جملة الصداق نحو عشرين ألف دينار، من ذلك عشرة آلاف دينار معجّلا وعشرة

стр. 2806

آلاف دينار حال، وكان العقد بجامع القلعة وحضر القضاة الأربعة وهم: علاى الدين الإخميمى الشافعى والقاضى شمس الدين السمديسى الحنفى والقاضى جلال الدين ابن قاسم المالكى والقاضى شهاب الدين الفتوحى الحنبلى، وحضر سائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وحضر القاضى كاتب السرّ محمود بن أجا وأعيان المباشرين قاطبة، فلما فرغ السلطان من صلاة الجمعة فرشت له مرتبة على باب المقصورة فجلس عليها، وجلست الأمراء حوله بالشاش والقماش والقضاة الأربعة، وجلس نوّاب القضاة عند المحراب، ثم خطب قاضى القضاة الشافعى خطبة النكاح، وطافوا على الحاضرين من الأعيان بنحو عشرين سلطانية صينى فيها سكر، ثم إن السلطان أخلع على القضاة الأربعة كوامل صوف أبيض بصمور، وأخلع على الأتابكى سودون العجمى والأمير طومان باى الدوادار كوامل مخمل أحمر (١) بصمور كونهما وكلاء فى العقد، وأخلع على محبّ الدين الحلبى إمام السلطان كاملية صوف بصمور، ثم قام السلطان وانفضّ المجلس فى نحو خمس درج، وقد قال القائل فى المعنى: على أيمن الساعات عقد مبارك … بهىّ كما شاء الإله (٢) وأظهرا سنىّ المعالى يسّرت حركاته … إذا الله سنّى أمر عقد تيسّرا ولم يقع فى هذا العقد ما هو كبير أمر من الأفعال الملوكية، وأين هذا مما وقع للخليفة المأمون بن هرون الرشيد لما أن عقد له على بوران بنت الحسن بن سهل وزيره، قال صاحب كتاب «الاكتفاء فى تواريخ الخلفاء» أن الحسن بن سهل الوزير لما عقد المأمون على ابنته بوران ببغداد اجتمع أعيان بغداد من العلماء والأمراء والحجّاب بالجامع الكبير، فلما انفضّ ذلك الجمع نثر الوزير الحسن بن سهل على رؤوس الأعيان من الناس رقاعا مكتوب فيها أسماء ضياع (٣) وأملاك فمن وقعت بيده رقعة مكتوب فيها اسم ضيعة أو ملك بعث إلى صاحب الرقعة بتسليم ما فى الرقعة (٤) من ضيعة أو ملك، وهذا من غرائب الأخبار، وكان ذلك فى سنة عشر ومائتين من الهجرة. - ومما يحكى أن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى

стр. 2807

زوّج (١) ابنه الملك السعيد ببنت الأتابكى قلاون الألفى، وكان الملك الظاهر يظنّ أنه إذا زوّج (١) ابنه ببنت الأتابكى قلاوون يكون له من بعده عونا لولده على تقلّب الزمان، فجاء الأمر بخلاف ذلك وأخذ قلاوون الملك من أولاده ونفاهم إلى الكرك ولم يفده من تلك الصهارة شئ ولا راعاهم من بعده، وكان ذلك فى سنة ثلاث وسبعين وستمائة، فكان كما يقال فى المعنى: ربّما يرجو الفتى نفع فتى … خوفه أولى به من أمله ربّ من ترجو به دفع الأذى … سوف يأتيك الأذى من قبله وفى ذلك اليوم سافر ماماى الغورى الخاصكى، الذى عيّنه السلطان للتوجّه إلى جبل نابلس وغيرها من الجهات، بسبب أمر المشاة الذين أفرد السلطان الأموال على البلاد بسببهم، لأجل التجريدة المقدم ذكرها، فخرج ماماى هذا ليجبى الأموال التى قرّرت على البلاد، حتى قيل قرّر على أهل جبل نابلس من الأموال مائة ألف دينار وأربعة وعشرين ألف دينار بسبب المشاة، ولم يتفق قط هذا لأهل جبل نابلس بل كان الأشرف قايتباى فى التجاريد التى كان يرسلها ينفق على الرجال المشاة من حاصله لكل واحد منهم قدرا معلوما، فلم يوافق السلطان على شئ من ذلك وأفرد على مشايخ جبل نابلس ما تقدم القول عليه من المال، ومشايخ جبل نابلس يفردون ما قرّر عليهم من المال على عربان جهة نابلس، ولم يقدروا على بعض ذلك وسوف يخلون أهل جبل نابلس منه عن قريب، وقرّر على أهل الشام مال له صورة بسبب المشاة. وكذلك أهل غزّة، وكذلك على أهل صفد وطرابلس، وكتب بمعنى ذلك مراسيم على يد أمير آخور باش العسكر بأن (٢) يفرد على أهل حلب مال بسبب المشاة، وكذلك على أهل حماة، فقيل قرّر على كل إنسان من هذه الجهات عشرون دينارا بسبب المشاة، وهذا كله يؤول أمره إلى خراب البلاد وفساد الأحوال وضعف أحوال الجند وعدم عمارة البلاد، والأمر فى ذلك إلى الله تعالى ما شاء يفعل، فأطلق النار

стр. 2808

فى تلك البلاد بسبب أمر المشاة. - وفى يوم السبت خامس عشره خرجت المدوّرة إلى بركة الحجاج. - وفى [ذلك] اليوم نزل السلطان إلى قبة يشبك التى بالمطرية وبات بها، ثم ركب يوم الأحد وتوجه إلى بركة الحجاج ورتب كيف ينصب الوطاق للأمراء الحاج، وكان ممن حجّ فى هذه السنة من الأعيان وهم المقرّ الناصرى محمد بن السلطان وخوند زوجة السلطان والقاضى كاتب السر محمود بن أجا والأمير نانق الخازن، وكان هو المتسفر على السنيح وكان من أخصّاء السلطان. - وأما أمراء الحاجّ الأمير طقطباى نائب القلعة أحد المقدمين أمير ركب المحمل، والركنى سيدى عمر بن الملك المنصور بن الملك الظاهر جقمق أمير الركب (١) الأول، والأمير جانى بيك قرا أحد الأمراء الطبلخاناه باش المجاورين، فجعل السلطان وطاق ابنه بين وطاق كاتب السرّ وبين وطاق طقطباى أمير ركب المحمل، ثم إن السلطان عاد إلى القلعة من يومه. - وفى يوم الاثنين سابع عشر شوال فيه خرج المحمل الشريف وكان لخروجه يوم مشهود، لم يقع قط مثله فيما تقدم من السنين الماضية وذلك قد انسحب فيه أربعة أطلاب حافلة: طلب جانى بيك قراباش المجاورين وكان حافلا، ثم انسحب طلب سيدى عمر بن المنصور أمير الركب (١) الأول وكان حافلا وظهر له من السنيح العظيم أشياء كثيرة يعجز عنها الأمراء المقدمون، ثم انسحب طلب المقر الناصرى سيدى ابن السلطان فخرج بطلب حربى وقدامه طبلين وزمرين وصناجق سلطانية وفيه نوبتين هجن بأكوار زركش من ذهب بنادقة وبقيّة الأكوار مخمل ملوّن، وانسحب فى طلبه [عدة خيول] بكنابيش زركش بغواشى حرير أصفر وعدة خيول نحو طوالتين ملبّسة ببركستوانات فولاذ مكفّتة، وانسحب فى طلبه نحو عشرين جملا (٢) مزيّنة بآلات الشراب خاناه من الأوانى (٣) الصينى واللازورد والزجاج البلورى وغير ذلك، وأيضا أحمال مزيّنة بآلات الطشتخاناه (٤) من الأباريق الكفت والطسوت الكفت

стр. 2809

والشماعد (١) وغير ذلك مما يحيّر الأبصار، ومحفّة جوخ أصفر مزهر فى آخر الطلب، ثم بعد ذلك انسحبت محفّة خوند زوجة السلطان فكانت غاية فى الحسن منتهى ما يعمل من المحفّات، فكانت مخمل أحمر كفوى وهى مرقومة بالذهب، طرازها وأرضية الثوب عروق لاعبة زركش من الذهب الخالص البنادقة، وفوقها خمس رصافيات لؤلؤ وفيها رصعات ذهب بفصوص بلخش وفيروز، وحول ثوب المحفّة بهرجان ذهب وفضة شقاق، وقدام المحفة أربعة مشاعل بفوط زركش بشراريب مثلّث، [وقيل صنعوا لخوند حمّام من نحاس صفايح وداخلها أحواض نحاس، فعدّ ذلك من النوادر، غلايات يصبّ منها ماء سخنة] (٢)، قيل إن مصروف هذه المحفّة فوق العشرين ألف دينار، وأما الرصافيات اللؤلؤ زعموا أنهم رصافيات خوند زوجة الأشرف قايتباى صنعتهم لما حجّت فوجدوا فى تركتها، وكان خلف المحفّة أربعة جمال غير الذى تحت المحفة، وعليها كنابيش زركش على مخمل أحمر، وحولها مرتعش ذهب وفضة وقدّام المحفة حاديين، ونحو عشرين نفرا من الخدّام حول المحفة، ثم بعد المحفة انسحب نحو عشرين محارة مخمل ملوّن برسم عيال خوند وغيرها ممن يلوذ بها، فلما شقّت من الرملة ارتجت لها، ولا سيما اجتمع بالرملة الجمّ الغفير من الأمراء والعسكر والخلائق الذين لا يحصوا لكثرتهم، ثم طلعت المحفّة من الصوة ونزلت من على باب الوزير وشقّت من القاهرة، فارتجّت لها القاهرة فى ذلك اليوم رجّا، ولم يكن من العادة القديمة أن محفة حريم السلطان تشق من القاهرة، وقد تقدم أن خوند زينب زوجة الأشرف أينال لما حجّت لم تشقّ محفتها من القاهرة بل طلعت من بين الترب، وكذلك خوند الأحمدية زوجة الظاهر خشقدم لم تشقّ محفتها من القاهرة، ولا خوند زوجة الأشرف قايتباى لما حجّت لم تشقّ محفتها من القاهرة، ولكن أشيع أن خوند زوجة السلطان لم تخرج فى ذلك اليوم ولم تنزل من القلعة فشقّوا بالمحفة من القاهرة ثم أعادوها من [بين] الترب إلى القلعة حتى تنزل خوند، ويأتى الكلام على ذلك فى موضعة، ثم

стр. 2810

انسحب سنيح خوند وابن السلطان فكان فيه ألف جمل (١) ما بين زاد وقرب ماء وغير ذلك من اليرق الحافل؛ ثم انسحب طلب الأمير طقطباى أمير ركب المحمل فكان غاية فى الحسن، وهو منتهى ما يعمل فى الأطلاب الملوكية، فانسحب فيه (٢) نحو مائتى فرس ما بين خيول ملبّسة بركستوانات فولاذ مكفّت وغير ذلك من المخمل الملوّن، وخيول بكنابيش زركش، وغير ذلك من المحفات والأحمال المزينة، فارتجّت لهذه الأطلاب الرملة، ثم انسحب المحمل وقدامه ابن السلطان والأمراء الحاج والخاصكية المسافرون إلى الحجاز فطلعوا وكان السلطان فى ذلك اليوم فى شباك القصر ينظر إليهم من القلعة (٣)، فأخلع السلطان على ولده مثمّرة وفوقانى حرير أخضر بطرز يلبغاوى عريض، وأخلع على أمراء الحاج مثمّرات، وأخلع على باش المجاورين كاملية صوف بصمور، وكان بالقاهرة شخص من قضاة مكة فألبسه السلطان تشريفا وطرحاة هو وقاضى المحمل، ثم نزل ابن السلطان من القلعة وأمراء الحاج وصحبتهم الأتابكى سودون العجمى وبقية الأمراء المقدمين وسائر أعيان المباشرين، وكان قاصد ابن عثمان حاضرا لهذا الموكب العظيم، فشقوا من القاهرة فى موكب حفل لم يقع مثله فى خروج الحجاج فيما تقدم من المواكب، فلهج الناس بأن ذلك نهاية سعد السلطان مما وقع له من الأمور الخوارق فيما تقدم ذكره. - وفى ذلك اليوم أشيع بأن قاصدا ثانيا واصلا من عند ابن عثمان ملك الروم، فلما سمع السلطان بمجئ القاصد عوّق أينال باى دوادار سكين عن السفر إلى حلب حتى يسمع ما جاء فيه القاصد من الأخبار، وقد تقدم القول على أنه أخلع على أينال باى وأذن له بالسفر ثم عوّقه عن السفر لأمر بدا له فى ذلك. - وفى يوم الثلاثاء ثامن عشره نزلت خوند (٤) من القلعة بعد صلاة الفجر فجلست فى المحفة من باب الستار، ثم نزلوا بها من دار البقر إلى خلف القلعة وقدامها المشاعل والفوانيس، وركب قدامها سائر المباشرين

стр. 2811

ومقدم المماليك وسائر الخدام من الطواشية، وركب خلف محفتها من الخوندات والستات نحو ألف مكارى، فاستمرت فى هذا الموكب الحافل إلى بركة الحجاج. - وفى ذلك اليوم خرج القاضى كاتب السر محمود بن أجا فى محفة على بغال (١) وتوجه إلى بركة الحجاج وكان عليلا وله مدّة على ذلك، وكان الحاج فى هذه السنة لا يحصون عددا لكثرتهم، وكان فى الركبين فوق العشر محفات للأعيان والأمراء والستات. - وفى يوم الخميس عشرينه أشاعوا أن أينال باى دوادار سكين قد خرج وسافر إلى حلب بسبب ما تقدم ذكره من أمر النفقة التى أرسل بطلبها العسكر، فمضى إليهم الجواب عن ذلك. - وفى يوم الجمعة حادى عشرينه رحل أمير أول من بركة الحجاج، وكذلك باش المجاورين، ثم فى ليلة السبت طلوع القمر رحل ابن السلطان وخوند زوجة السلطان والقاضى كاتب السر، ونادوا فى البركة أن أحدا من الحجاج لا يسافر صحبة خوند فى ركبها، ثم فى اليوم السبت ثانى عشرينه رحل المحمل من البركة وقد ضجّ الناس من كثرة الحجاج فى هذه السنة، وربما يخشى عليهم من موت الجمال وشدة البرد، تمّ والأمر لله. - وفى يوم الثلاثاء خامس عشرينه جلس السلطان بالميدان وعرض مماليكه الجلبان وهم باللبس الكامل من آلة السلاح الآدمية والخيول، فعرض فى ذلك اليوم أربع طباق فعيّن منهم نحو مائة وخمسين مملوكا، وسبب ذلك أن السلطان كان له مدة طويلة وهو يلهج بالسفر إلى الإسكندرية فقوى عزمه فى هذه السنة على السفر إلى ثغر الإسكندرية كما فعل الأشرف قايتباى، ثم فى ذلك اليوم عرض آلة الطلب وهم الخيول الملبّسة بالجواغين الفولاذ المكفت، وعرض خيول النوبة وهم بالكنابيش الزركش والسروج والأرقاب الزركش الذهب والغواشى الذهب، وعرض التختنين (٢) وهما بغواشى حرير أصفر، ثم طلع إلى الدهيشة وعرض الصناجق السلطانية والقبة والطير، وقد غيّر الطير الذهب الذى كان فوق القبة وجعل مكانه هلالا ذهبا مخرّما، وعرض ستة خزائن التى يكونوا فى الطلب بالأغشية

стр. 2812

الحرير الأصفر، وعرض الجوشنين وهما من آلة الطلب، وعرض محفة على بغال (١) وهى بغشاء من حرير أصفر. - ثم فى يوم الأربعاء سادس عشرينه ركب السلطان ونزل إلى الميدان ليعرض مماليكه الخاصكية الذين يسافرون صحبته، فوجد الميدان فيه وحل من المطر، فخرج إلى الرملة ووقف على باب الميدان وهو راكب وعرض مماليكه الجلبان من الخاصكية فعيّن منهم فى ذلك اليوم مائة وعشرة من الخاصكية ممن يسافر معه إلى الإسكندرية، فصار كاتب المماليك ماشى على أقدامه فى وسط الرملة وهو يستدعى أسماء المماليك، فرجّت الرملة فى ذلك اليوم وتحقّق سفر السلطان، واضطربت (٢) أحوال العسكر بسبب سفر السلطان فى قلب الشتاء وشدّة البرد، فلما طلع السلطان إلى القلعة فتح حواصل الذخيرة وأخرج منها زرديات وخوذا وأتراسا ورماحا بسنّ فولاذ وسيوفا وجواغين، ففرّق منها على خاصكيته أشياء كثيرة مما يحتاجون إليه من آلة السلاح. - وفى يوم السبت تاسع عشرينه نزل السلطان إلى الميدان وعرض جماعة من مماليكه الخاصكية وهم باللبس الكامل من آلة السلاح، فعيّن منهم جماعة يسافرون معه إلى الإسكندريّة وقد أشيع بأنه يعيّن معه نحو خمسمائة خاصكى من مماليكه، وفى ذلك اليوم برّز السلطان خامه وتوجه به إلى بولاق ثم عدّوا به إلى برّ إنبابه ورسم بأن ينصب فى المنصورية ذلك الوطاق، انتهى ذلك. وفى ذى القعدة كان مستهل الشهر يوم الاثنين فطلع الخليفة والقضاة الأربعة للتهنئة بالشهر على العادة، فجلس السلطان بالميدان وكان فى همّة الخروج إلى سفر الإسكندرية، فلما قام الخليفة والقضاة الأربعة طلب العلامة وعلّم على بعض مراسيم، ثم ركب من الميدان وانسحب قدّامه الطلب فكان طلبا حربيا فيه طبلين وزمرين والنفير البرغشى، ثم انسحب فيه خمس وأربعون فرسا عليهم أجلال شعر وفى أرقابهم مقاود، ثم انسحب فيه ثلاث عشرة نوبة هجن بأكوار زركش ومخمل ملوّن، ثم انسحب فيه نحو خمسين فرسا بسروج ذهب وكنابيش

стр. 2813

وغواشى حرير أصفر وتختنين (١) بغواشى حرير أصفر، فكان عدّة الخيول به نحو مائة وعشرين فرسا، ثم تقدمت الخاصكية وبعدهم المباشرون قاطبة، وبعدهم الأمراء المقدمون وهم: أمير كبير سودون العجمى والأمير أركماس أمير مجلس والأمير الدوادار الكبير والأمير أنصباى حاجب الحجاب وبقية الأمراء المقدّمين، ثم جاء من بعدهم السلطان وهو راكب على فرس بوز، وعليه سلارى جوخ بنفسجى مفرى وشق، وعلى رأسه تخفيفة صغيرة مدوّرة بغير قرون؛ فشقّ من الصليبة فى ذلك الموكب الحفل فارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس، فقيل إنه توجّه فى ذلك اليوم إلى المقياس هو والأمراء ومدّ لهم هناك مدة (٢) حافلة وأقام بالمقياس ذلك اليوم، وأشيع غير ذلك أن السلطان لما نزل من القلعة توجه إلى بولاق ونرل فى مكان يسمى السبكيّة فبات بها، وقيل بل بات فى المنية بإزاء إنبابة، والأقاويل فى ذلك مختلفة، وكان بها الوطاق، ثم إن السلطان رسم للأمير طومان باى الدوادار بأن يكون نائب الغيبة عنه إلى أن يحضر من السفر، فتحوّل من يومه وطلع إلى باب السلسلة وأقام به إلى أن يعود السلطان إلى القلعة. - وفى يوم السبت سادسه رحل السلطان من الوطاق الذى ببرّ إنبابة وقصد التوجّه إلى ثغر الإسكندرية، ورجع جماعة كثيرة من هناك من الأمراء والعسكر، ولم يسافر مع السلطان إلا جماعة من الأمراء المقدمين والأمراء الطبلخانات والأمراء العشرات، فمن الأمراء المقدّمين: الأتابكى سودون العجمى والأمير أركماس من ولى الدين أمير مجلس والأمير أنصباى من مصطفى حاجب الحجاب والأمير تمر الحسنى المعروف بالزردكاش أحد المقدّمين والأمير قانصوه ابن سلطان جركس والأمير خاير بيك كاشف الغربية أحد المقدمين والأمير علاّن من قراجا أحد المقدمين دوادار ثانى والأمير يخشباى أحد المقدمين والأمير أقباى الطويل أمير آخور ثانى أحد المقدمين، وقد قرّر فى تقدمة الأمير خاير بيك الخازندار عن قريب، فكان عدة الأمراء المقدمين الذين توجّهوا

стр. 2814

مع السلطان إلى ثغر الإسكندرية عشرة من المقدمين، وأما من توجه معه من الأمراء الطبلخانات فجماعة كثيرة منهم: الأمير قنبك الشريفى رأس نوبة ثانى والأمير مغلباى الشريفى الزردكاش، وآخرون منهم ما يحضرنى اسماؤهم، وأما من توجه صحبته من الأمراء العشرات فجماعة كثيرة نحو عشرين أميرا، وقيل كان مع السلطان من خاصكيته نحو خمسمائة خاصكى وقيل أكثر من ذلك، وأما من توجه معه من المباشرين فالقاضى محيى الدين عبد القادر القصروى ناظر الجيش والقاضى شهاب الدين بن الجيعان نائب كاتب السر وأخوه كريم الدين كاتب الخزائن الشريفة (١) والقاضى شرف الدين الصغير كاتب المماليك وأولاد الملكى وأبو البقا ناظر الاصطبل والقاضى علاى الدين ناظر الخاص وجماعة من كتّاب المماليك، وآخرون من أعيان جماعة المباشرين، وكان صحبته الشرفى يونس نقيب الجيوش المنصورة، وغير هؤلاى جماعة كثيرة من الأعيان ما يحضرنى اسماؤهم الآن. - وقيل كان صحبة السلطان جماعة من المغانى وأرباب الآلات من دواخل البلد فى المغناء، وخرج السلطان بسنيح عظيم وبرك حافل فى أرغد عيش من التنزّه والفرجة حتى رحل، فنصب له الوطاق بالمنصورية وتوجه إليها على ما نقل من أخباره الصحيحة عن ذلك، وأشيع أن السلطان أقام فى الوطاق الذى بالمنية ستة أيام، وسبب ذلك أنه كان ينتظر كتب العقبة حتى يعلم أخبار ولده الذى توجه إلى الحجاز وأخبار زوجته خوند، فلما ورد عليه كتب العقبة بالأمن والسلامة فسرّ لذلك وانشرح ورحل من المنية وتوجه إلى المنصورية ونصب بها المخيّم الشريف ونزل هناك، ثم يتوجه من بعد ذلك من مرحلة إلى مرحلة حتى يدخل إلى ثغر الإسكندرية. - وفى يوم الاثنين ثامنه رسم الأمير طومان باى الدوادار نائب الغيبة بأن ينادى فى القاهرة بالأمان والاطمان والبيع والشراء (٢)، وأن يعلّقوا على كل دكان قنديلا من المغرب وأن لا مملوكا ولا غلاما ولا عبدا يخرج من بعد العشاء ومعه سلاح، وأن لا مملوكا يغطّى وجهه إذا خرج

стр. 2815

إلى السوق ومن فعل ذلك شنق من غير معاودة، فضجّ الناس له بالدعاء. - وفى يوم الثلاثاء تاسعه توفى الحاج ياقوت فرّاش الخزانة، وكان أصله من عبيد المقرّ السيفى برقوق نائب الشام وأعتقه، وساعدته الأقدار حتى صار فى سعة من المال وصار أمين السلطان على الخزائن الشريفة، فلما مات فى غيبة السلطان جاء الزينى بركات بن موسى وختم على حواصله ورسّم على ولده وعلى عياله إلى أن يحضر السلطان، وكان ياقوت متّهما بالمال الجزيل، وكان هو والأمير خاير بيك الخازندار يتصرفان فى الخزائن الشريفة كيف شاؤوا منها، فكان كما يقال فى المعنى: وقائلة أرى الأيام تعطى … لئام الناس من رزق خبيث وتمنع من له شرف وفضل … فقلت لها خذى أصل الحديث رأت حلّ المكاسب من حرام … فجادت بالخبيث على الخبيث وفى يوم الخميس حادى عشره وسّط الوالى شخصا من الغلمان قيل عنه إنه كان يخطف العمائم فى الأسواق بعد العشاء، فلما قبضوا عليه وسّطوه فى وسط الصليبة قدّام حمام شيخوا، وقيل وسّطوا آخر من الغلمان عند الكبش؛ وفى هذه الأيام كثر (١) هجم المناسر فى الحارات والأماكن من القاهرة وغيرها حتى ضجّ الناس من ذلك، ولا سيما كان السلطان غائبا فى السفر إلى الإسكندرية فماجت القاهرة لذلك. - وفى يوم الاثنين خامس عشره فرّقت الجامكية فى غيبة السلطان وحضر تفرقتها القاضى جلال الدين نائب كاتب المماليك وحضر الأمير سنبل مقدّم المماليك ونائبه والزينى بركات بن موسى المحتسب وغير هؤلاى، وفرّقت الجامكية عند سلّم المدرّج، وكانت فى غاية الانشحات. - وفى يوم الجمعة سادس عشرينه نودى فى القاهرة بالزينة بسبب عود السلطان من ثغر الإسكندرية. - وفى يوم السبت سابع عشرينه سبق المخيّم الشريف ونصب الوطاق فى الريدانية إلى أن يحضر السلطان، ثم إن السلطان عدّى من برّ إنبابة باكر النهار وطلع إلى المكان المسمّى بالسبكيّة ببولاق فتغدّى هناك وأقام إلى الظهر، ثم ركب من هناك

стр. 2816

وشقّ من بين الغيطان وطلع من على قنطرة الفخر، وطلع من هناك من على كوم الريش حتى وصل إلى قناطر الأوز، فطلع من عليها إلى أن خرج إلى الوطاق بالريدانية فأقام به، فلما تسامع به الأمراء أتوا إليه وسلّموا عليه، ثم جاء إليه الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة فسلّموا عليه ثم عادوا إلى دورهم، وكان السلطان أرسل بأن ينادى فى القاهرة بأن لا أحدا من الأمراء والعسكر يلاقى السلطان إلا من الوطاق الذى بالريدانية فامتثلوا ذلك. - وفى يوم الأحد ثامن عشرينه نادى الأمير الدوادار فى القاهرة بأن يقوّوا الزينة، فزيّنت القاهرة زينة حافلة، حتى زيّنوا داخل الأسواق مثل سوق الشرب والجملون والجواهرة وسوق الورّاقين والباسطية وسوق الحاجب وخان الخليلى وسوق جامع ابن طولون ومرجوش وغير ذلك من أسواق القاهرة، حتى مصر العتيقة وبولاق وغير ذلك من الأماكن. - وفى يوم الاثنين سلخ ذو القعدة رسم السلطان بعمل إحراقة نفط تحرق فى الوطاق فحرقت ليلة الثلاثاء بالوطاق، فحصل للناس فى تلك الليلة غاية الضرر وسرق من الوطاق فى تلك الليلة من عدة خيام، وأخذ منها بعض قماش وسيوف وبقج، حتى أشيع بين الناس أن الرصافيات الأربعة التى فى محفة السلطان قد سرقت (١) تلك الليلة لكثرة الرهج والاضطراب. وفى يوم الثلاثاء كان مستهل ذى الحجّة الحرام، فتوجّه الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة للتهنئة بالشهر، وكان السلطان قد أخذ فى أسباب الدخول إلى القاهرة وصار يرتّب الطلب بنفسه وهو راكب على فرسه، فكان من ملخّص أخبار الطلب أنه جرّبه نحوا من مائة وثمانين فرسا، منها ببركستوانات مخمل ملوّن وجواغين فولاذ مكفت بذهب وفضة نحو ستين فرسا، ومنها خيول بسروج ذهب وكنابيش نحو عشرين فرسا، وكان من جملة السروج ما هو بلور مزيك (٢) بذهب وسروج عقيق مزيكة بذهب وسروج مرصّعة بفصوص مثمنة وطبول بازات فضة مينة وشئ (٣) بلور، ومنها خيول بعراقى وسروج بغواشى حرير أصفر وطبول بازات نحو خمسين فرسا، وجوشنان أحدهما

стр. 2817

حرير أصفر والآخر مخمل مزهر، وتختنان بأغشية حرير أصفر، وستة خزائن بأغشية حرير أحمر وأصفر، ومحفة بغشى حرير أصفر وهى على بغلين، وكان به حجورة بسروج بداوى وركب بداوى بعراقى نسيج مغربى نحو عشرين حجرة، وكان قدّام الطلب ستّ عشرة نوبة هجن، منهم ثمان نوب هجن بأكوار زركش وكنابيش زركش، والبقيّة بأكوار مخمل ملوّن، وكان قدّام الطلب أربعة طبول وأربعة زمور ووراء الطلب اثنى عشر حمل كوسات، وكان به الأفيال الكبار وهى مزيّنة بالصناجق والبركستوانات الحرير الأحمر، وكان مع الكوسات العصائب السلطانية، وكان قدّام السلطان أربع أرؤس خيل بسروج ذهب وكنابيش ذهب وريش وعليها أرقاب ذهب وريش وفوقها غواشى ذهب بطيور ذهب عليها، فلما انتهى ترتيب (١) الطلب ركب السلطان من الوطاق الذى بالريدانية، فركب على فرس بوز قرطاسى، وكان عليه الشاش والقماش وكاملية مخمل أحمر بصمور، وركب، وسرج ذهب وكنبوش ذهب وريش، وعلى الفرس رقبة زركش، فلما تسامعت الأمراء بركوب السلطان ركبوا وهم بالشاش والقماش، وجميع الأمراء المقدمين والأربعينات والعشرات، والرؤوس النوب بالعصىّ، ثم إن الأتابكى سودون العجمى تسلم القبة والجلالة ورفعها على رأس السلطان، ومشى عن يساره، وركب الخليفة محمد المتوكل على الله عن يمينه وهو لابس العمامة البغدادية وعليه قبا صوف أبيض بمقلب صوف أخضر، وركب قدامه القضاة الأربعة وهم: علاى الدين الإخميمى الشافعى وشمس الدين السمديسى (٢) الحنفى وجلال الدين بن قاسم المالكى وشهاب الدين الفتوحى الحنبلى، وقد تقدم القول على أنهم أتوا يهنّون السلطان بالشهر وهو فى الوطاق فصادف ذلك اليوم طلوع السلطان إلى القلعة فركبوا صحبته، ولم يكن يحزر (٣) ركوب الخليفة والقضاة الأربعة مع السلطان حين جاء من هذه السفرة ولكن قصدوا بذلك التوجّه إلى السلطان ليحظوا عنده بذلك، وقد اتفق أن الأشرف قايتباى توجّه إلى ثغر الإسكندرية مرّتين، فكان يجئ من السفر

стр. 2818

ويطلع الصبح إلى القلعة من بين الترب ولم يشعر به أحد من الناس، ولكن كل أحد له اختيار بذاته، فلما ركب السلطان من الريدانية رسم للخاصكية الذين كانوا معه فى ثغر الإسكندرية بأن يدخلوا إلى القاهرة وهم لابسون آلة السلاح كما دخلوا بثغر الإسكندرية وهم لابسون، فلبسوا آلة السلاح الزرديات والخوذ، وألبسوا الخيول البركستوانات المخمل، وأخذوا الرماح بالشطفات بأيديهم وركبوا وراء السلطان فى الطلب، وكانوا نحو أربعمائة خاصكى من جلبان السلطان من أعيانهم فعدّ ذلك من النوادر، وركب مع السلطان سائر المباشرين من أرباب الوظائف من المتولّيين والمنفصلين، فلما تكامل الموكب مشى السلطان وكان الصنجق السلطانى فى كيس حرير أصفر فلم ينشر على رأس السلطان، فلما وصل إلى قبة الأمير يشبك التى فى رأس الحسنية لاقاه الشعراء بالشبابة السلطانية والمزاهر، ولاقاه الطبردارية وفى أيديهم الأطبار فمشوا قدامه، ثم لاقاه طائفة اليهود والنصارى وفى أيديهم الشموع موقودة. - ومن الحوادث فى ذلك اليوم أن السلطان لما وصل إلى رأس سوق الدريس فكان هناك حمل معلق فيه قناديل معمّرة بالزيت، فصدم به الأتابكى سودون العجمى هلال القبة الذى هو عوضا عن الطير الذهب، فسقطت تلك القناديل على القبة وكلفتة السلطان والكاملية المخمل الأحمر التى عليه فانطرشوا بالزيت الطيّب تطرطشا فاحشا، فلم بتفاءلوا الناس بذلك على السلطان، ووقع له أنه لما دخل لمدينة الإسكندرية سقط هلال القبة الذى على رأسه إلى الأرض وانكسر نصفين فى وسط سوق الإسكندرية، وكذلك رصافية المحفة سقطت إلى الأرض فبادروا إليها ووضعوها على المحفة، فلم يتفاءلوا الناس بهذا أيضا على السلطان، لكن وقع للأشرف قايتباى أنه لما دخل إلى ثغر الإسكندرية وشقّ من سوقها سقط الطائر الذهب الذى على القبة إلى الأرض، فبادر الأمير يشبك الدوادار الكبير ونزل عن فرسه وركّب الطائر على القبة وثبّته عليها بيده وأعاده كما كان، ثم ركب على فرسه ومشى السلطان إلى أن خرج من باب البحر، فتفاءلوا الناس بزوال السلطان بعد ذلك،

стр. 2819

فلم يؤثّر فيه هذا التطيّر ومكث من بعد ذلك دهرا طويلا، ثم إن السلطان لما جرى ذلك كظم فى الباطن وأعاب على الأتابكى سودون العجمى حمل القبة والطير، وقد حملها على رأس السلطان بغير معرفة وكان لها طريقة فى حملها غير ذلك، فاستمر السلطان فى هذا الموكب على ما ذكرناه حتى دخل من باب النصر وشقّ من القاهرة، فانسحب الطلب على ما ذكرناه أولا، فكان النفير السلطانى المسمى بالبرغشى قدام الطلب ووراءه الطبول والزمور، ثم انسحبت النوب الهجن وانسحب بعدها الجنائب الملبّسة بالبركستوانات المخمل الملوّن ثم انسحب من بعد ذلك الخيول التى بالكنابيش والسروج الذهب والبلور والعقيق المزيكة بالذهب، وكان فى السروج ما (١) هو مرصّع بالفصوص المثمنة، وكان على الخيول طبول بازات بلور مزيك بذهب وشئ فضة مينة، فكان من هذه الأصناف نحو عشر طبول، ثم انسحب جوشنان حرير ملوّن وخزائن المال وعدّتهم ست بأغشية حرير أصفر وأحمر، ثم انسحب المحفة بغشى حرير أصفر مزهّر عليه بالتقاصيص الحرير ملوّن، ثم وراء ذلك جاءت المباشرون ثم الأمراء الطبلخانات والعشرات، ثم جاءت الأمراء المقدمون وهم بالشاش والقماش، ثم جاءت القضاة الأربعة، ثم مشت الشعراء والشبابة السلطانية، ثم مشت من بعد ذلك الأمراء الرؤوس النوب وبأيديهم العصىّ، وكان الأمير كرتباى الوالى ماشيا بالشاش والقماش، ونقيب الجيش وغير ذلك من الخاصكية، ثم جاء السلطان وعليه الشاش والقماش وقد تقدم القول على ترتيب الطلب فى الريدانية أولا، وهذا كان صفته لما شقّ من القاهرة بالموكب السلطانى وهو لابس كاملية مخمل أحمر بصمور، والخليفة عن يمينه وهو بالعمامة البغدادية وعليه قبا صوف أبيض، وكان أمير كبير سودون العجمى عن يساره رافع القبة على رأسه، والجمّ الغفير من الخاصكية خلفه وهم بالخوذ والزرديات وبأيديهم الرماح بالشطفات (٢) الحرير الملوّن، وكان الصنجق السلطانى مطويا فى كيس حرير أصفر، فلما شقّ من القاهرة كانت مزيّنة بالزينة الحافلة، واصطفت له الناس على الدكاكين

стр. 2820

بسبب الفرجة، وتركّزت له الطبول والزمور على الدكاكين من باب النصر إلى رأس الرملة، فرجّت له القاهرة فى ذلك اليوم رجّا [وابتهجت الناس وأى بهجة] (١)، ثم ارتفعت له الأصوات بالدعاء من الخاص والعام، وكان هذا الموكب من الوقائع الغريبة (٢) فى هذا العام، وكان من المواكب المعدودة والأيام المشهودة، قلّ أن بقى يقع لأحد من ملوك مصر مثل هذا الموكب فيما يأتى من الزمان، ولم يقع للأشرف الغورى من حين تسلطن وإلى اليوم أنه أوكب وشقّ من القاهرة هو والأمراء بالشاش والقماش غير هذا الموكب، فاستمر فى هذا الموكب حتى طلع من على جامع الماردينى، من على مدرسة السلطان حسن فشقّ من الرملة، وقد ماجت له الرملة فى ذلك اليوم من العسكر وكثرة الخلائق، فاستمر على ذلك حتى دخل من باب الميدان، فوقف له الخليفة هناك والقضاة الأربعة، فطوّبوا له ورجعوا إلى دورهم، ودخل السلطان إلى الميدان هو والأمراء، وكان الأمير طومان باى الدوادار الكبير نصب له بالميدان الخيمة الكبيرة التى تنصب فى المولد، ومدّ بها مدّة حافلة قيل كان مصروف تلك المدّة فوق الألف (٣) دينار، وفرش تحت حافر فرس السلطان الشقق الحرير من باب الميدان إلى الخيمة، وقيل نثر على رأسه خفائف الذهب والفضة، ثم إن السلطان جلس فى الخيمة وأكل من المدّة هو والأمراء، فلما انقضى أمر المدّة أحضر كوامل مخمل أحمر بصمور فأخلعها على الأمراء العشرة الذين كانوا صحبته بثغر الإسكندرية، وأخلع على الأتابكى سودون العجمى كاملية مخمل أخضر بصمور، وقيل أخلع عليهم الكوامل بالريدانية، وأخلع على الأمير طومان باى الدوادار كاملية مخمل أحمر بصمور بسبب تلك المدّة التى مدّها، وأخلع على بعض خاصكية من السقاة من أرباب الوظائف، ثم إن الأمراء نزلوا من الصليبة فى موكب حافل وتوجّهوا إلى بيوتهم، وانقضى ذلك اليوم على خير، وهذه الواقعة من معظم

стр. 2821

قائع سنة عشرين وتسعمائة قلّ أن يقع فى التواريخ مثلها من الوقائع الغريبة فى اخبار السلاطين، وقد نظمت فى ذلك هذه القصيدة التى لم ينسج مثلها على منوال، هى هذه القصيدة: سرّ الأنام لمقدم السلطان … وتباشروا منه بكلّ أمان وتغرّدت أطيار أزهار الريا … فوق الغصون بأطيب الألحان والروض أضحى زهره متبسّما … كتبسّم الحسناء بضوء جمان وتهلّلت من مصر دوحة روضها … عند القدوم تهلّل الفرحان وتضاحك الميدان مذ غنّت به … أطياره سحرا على العيدان عاينته لما بدا فى موكب … يزهو على كسرى أنوشروان لما ارتقى عند الصعود لقلعة … رفعت عليه قبة السلطان (١) طلع الخليفة والقضاة أمامه … فى الموكب المحفوف بالفرسان قالت مراتب عزّه لما أتى … لا تعجبوا فالسرّ فى السكّان لسكندرية كان يوم دخوله … قدعد ذلك اليوم بالسلطان ما زال أهل الثغر من فرح به … بتباشر فى السرّ والإعلان لو كان ذو القرنين حيّا فى الورى … لاقاه بالإكرام والإحسان واختاره ملكا يلى من بعده … فى سائر الأقطار والبلدان فاق الملوك بمصر ممن قد مضى … أخباره فى سالف الأزمان قد عاد للأوطان فى بشر وفى … نصر وتأييد وصفو زمان فلله يكفيه مؤنة حاسد … ويطيل أياما له بتهان ما ماس غصن فى الرياض وكلّلت … أيدى الغمام شقائق النعمان قد ضاء لابن إياس شعر قاله … فى الأشرف الغورى العظيم الشان

стр. 2822

ثم الصلاة على النبى المصطفى … خير البرية من بنى عدنان والآل والأصحاب ما طرد الدجا … ضوء الصباح وعمّ للأكوان انتهى ذلك. وأما ما كان من ملخّص أخباره عند توجّهه إلى ثغر الإسكندرية، فإنه نزل من القلعة وسافر فى يوم الاثنين مستهلّ ذى القعدة، فنزل أولا فى المكان المسمّى بالسبكية فى بولاق، فتغدّى هناك ثم عدّى إلى برّ إنبابة ونزل بالوطاق الذى بالمنية، فأقام به خمسة أيام، قيل إنه كان منتظرا لكتب العقبة حتى يعلم أخبار ولده وزوجته خوند، فلما ورد عليه كتب العقبة أطمأن ورحل من المنية، وقد قاسى العسكر فى التعدية ما لا خير فيه، وجرح شخص من الخاصكية بالسيف فى وجهه من جماعة من المماليك عند التعدية بسبب ازدحام العسكر، ثم إن السلطان توجه من المنية إلى المنصورية وأقام بها يوما وليلة، ثم توجه من هناك إلى البحيرة فأقام بها يوما وليلة، واستمر يرحل من مكان إلى مكان إلى أن نزل بالنجيلة فأقام بها يومين وليلتين، وأحضروا له الصيّادون هناك تمساحا فأمر بتوسيطه بين يديه، فلما كان يوم السبت ثالث عشره دخل السلطان ثغر رشيد فأقام به إلى يوم الأحد، ثم أوكب من هناك ودخل إلى مدينة الإسكندرية فى يوم الاثنين خامس عشره، فدخل العسكر وهو لابس آلة الحرب باللبس الكامل، وانسحب الطلب والجنائب كما تقدم القول على ذلك، ثم دخلت الأمراء وهم بالشاش والقماش، ولم يلبس السلطان الكلفتة بل لبس تخفيفة صغيرة مدوّرة، وعليه كاملية مخمل أحمر بصمور، وحمل الأتابكى سودون العجمى القبة والجلالة على رأسه، وكان السلطان اقترح على القبة هيئة جلالة ذهب عوضا عن الطير الذى كان يعمل على القبة، فشقّ من المدينة فى موكب حافل، فنثر بعض تجّار الفرنج البنادقة على رأسه بعض ذهب وفضة، فلما شقّ من المدينة زينت له

стр. 2823

زينة فشروية، وكان ثغر الإسكندرية يومئذ فى غاية التزحّل والخراب، ومن الحوادث أنه لما شقّ من المدينة صدم الأتابكى سودون بالجلالة التى على القبة بعض السقائف التى هناك، فانكسرت تلك الجلالة نصفين وسقطت إلى الأرض. وكذلك لما مرّت المحفّة من هناك انكسرت الرصافية التى كانت [عليها، ثم إنّ السلطان خرج من] باب البحر الملح وجلس بالمخيّم الشريف، فأرسل إليه مملوكه خدا بردى نائب الإسكندرية تقدمة حافلة ما بين ذهب عين ومماليك وقماش على حمالين وخيول وغير ذلك، ثم قدّم إليه الخواجا ابن أبى بكر تاجر السلطان تقدمة حافلة، ولم يكن بثغر الإسكندرية يومئذ أحد من أعيان التجّار لا من المسلمين ولا من الفرنج، وكانت المدينة فى غاية الخراب بسبب ظلم النائب وجور (١) القبّاض، فإنهم صاروا يأخذون من التجّار العشر عشرة أمثال، فامتنع تجّار الفرنج والمغاربة من الدخول إلى الثغر، فتلاشى أمر المدينة وآل أمرها إلى الخراب، حتى قيل طلب الخبز بها فلم يوجد ولا الأكل، ووجد بها بعض دكاكين مفتّحة والبقية خراب لم تفتح، وكانت الإسكندرية من أجلّ مدائن الدنيا حتى قيل كان بها لما فتحها عمرو بن العاص ﵁ أربعة آلاف دار محكمة (٢) البناء مفروشة بالرخام الملوّن، وفى كلّ دار منها حمام تختص بها، وكان بها اثنا عشر ألف بقال يبيعون البقولات من بعد العصر إلى العشاء، وكان بها أربعون ألف يهودى ممن وجب عليه الجزية، وكان بها من الروم والقبط ستمائة ألف إنسان، وكان بها مائة ألف مركب من مراكب الروم الكبار، وشتان ما بين هذه الأخبار من هذه الأخبار التى هى بها الآن، ثم [إن] السلطان ألبس الأتابكى سودون العجمى الكاملية المخمل الأحمر التى كانت عليه، وأخلع على نائب الإسكندرية والخواجا ابن أبى بكر. - وفى ذلك اليوم تارت مماليك السلطان الخاصكية على خدا بردى نائب الإسكندرية، وقالوا له: انفق علينا لكل مملوك عشرين أشرفيا كما فعل قجماس نائب الإسكندرية لما دخل الأشرف قايتباى إلى الإسكندرية، فلم يعطهم

стр. 2824

شيئا فكادوا أن يخرقوا به وما سلم من القتل إلا بعد جهد كبير، ثم حضرت التقادم الحافلة للسلطان من الكشاف ومشايخ العربان بالغربية وهى ما بين ذهب عين وخيول وأبقار وأغنام وغير ذلك، ففرّق منها على الأمراء ممن كان صحبته أشياء كثيرة من الخيول والأبقار والأغنام، فلما بات بالمخيم تلك الليلة وقدوا له موادن (١) المدينة، وعلّقوا على شراريف الصور كل واحدة قنديل، فلما أصبح السلطان ركب وضرب الكرة على ساحل البحر الملح هو والأمراء الذين كانوا صحبته، ثم توجّه وزار الصالحين الذين هناك، ثم توجّه إلى البرج الذى أنشأه الأشرف قايتباى فطلع فى البرج هو والأمراء، وأرموا قدّامه فى ذلك اليوم بالمكاحل والمنجنيق، ثم توجّه من هناك وكشف على الأبراج التى بثغر الإسكندرية وعرض ما فيها من السلاح والمكاحل. - وفى ذلك اليوم أنعم السلطان على مملوكه يوسف الزردكاش الثانى بأمرة طبلخاناه. - ثم فى ليلة الأربعاء سابع عشره أحرق السلطان فى الوطاق إحراقة نفط حافلة على شاطئ البحر الملح. - ثم فى يوم الأربعاء سابع عشره رحل السلطان عن ثغر الإسكندرية، فكان مدّة إقامته بها يومين وليلتين. - ففى ذلك اليوم الذى رحل فيه أرسل محمد مهتار الطشتخاناه إلى الظاهر قانصوه الذى فى البرج وإلى قيت الرجبى الذى فى البرج ورسم له بأن يكسر قيودهما، وأرسل على يده لكل واحد منهما ألف دينار وبدنين صمور وبدنين سنجاب وثوبين بعلبكى وغير ذلك من القماش الفاخر، وأرسل يقول لهما: لا تجتمعوا على أحد من خلق الله ولا تكاتبوا أحدا من الأمراء فما يحصل لكما من السلطان خير، فباسوا له الأرض فى البرج وأجابوا بالسمع والطاعة واستمرّوا فى البرج بغير قيود، ثم رحل السلطان عن ثغر الإسكندرية بعد إقامته فيها يومين وليلتين، ثم توجه إلى دمنهور فأقام بها يوما وليلة، ثم توجّه من بعد ذلك إلى النجيلة عند عوده أيضا. - ومن الحوادث أنه لما أقام فى النجيلة غرق بها شخص من الخاصكيّة فى البحر

стр. 2825

فمات هناك. - ثم توجّه منها إلى الطرانة (١) فأقام بها يوما وليلة، ثم نزل بالمنصورية وأرسل يقول للأمير طومان باى الدوادار بأن ينادى فى القاهرة بأن لا أحدا من العسكر يلاقى السلطان إلا إذا نزل بالريدانية فى الوطاق، فامتثلوا ذلك، ثم إن السلطان رحل من المنصورية إلى المنية وعدّى من هناك وحضر إلى الوطاق بالريدانية، وهذا كان من ملخص أخباره فى هذه السرحة. - أقول وكان أول من دخل إلى ثغر الإسكندرية من السلاطين الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون وذلك فى سنة سبع وستين وسبعمائة وكان سبب (٢) دخوله إلى ثغر الإسكندرية أن الفرنج طرقوا الثغر على حين غفلة وملكوا المدينة، فلما جاءت الأخبار بذلك خرج السلطان على جرائد الخيل وصحبته الأتابكى يلبغا العمرى وجماعة من الأمراء، فلما بلغ الفرنج مجئ السلطان رحلوا عن الثغر بعد ما نهبوا المدينة وقتلوا من أهلها ما لا يحصى، فدخل السلطان وردّ الناس إلى المدينة وطمّنهم ورجع بسرعة إلى مصر، ثم دخلها ثانى مرّة فى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ففى هذه المرة أوكب بها وحملت القبة والطير على رأسه، وكان خليل بن عرّام نائب الإسكندرية ففرش له الشقق الحرير من باب رشيد إلى باب البحر الملح، ونثر على رأسه خفائف الذهب والفضّة وكان له يوم مشهود بالإسكندرية، ثم دخلها من بعد ذلك الملك الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق فى سنة أربع عشرة وثمانمائة فأوكب بها موكبا حافلا وحملت القبّة والطير على رأسه، ومما وقع له أنه لما شق من مدينة الإسكندرية وقف له بعض تجّار المغاربة بقصّة يشكو فيها من جور القبّاض، فلما قرأ تلك القصّة رسم بإبطال ما كان يؤخذ منهم من المكوس المحدثة وكتب لهم بذلك مرسوما شريفا فارتفعت له الأصوات بالدعاء، ثم دخلها من بعد ذلك الأشرف قايتباى فى سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة وأوكب بها وحملت القبّة والطير على رأسه، فلما شقّ المدينة نثر عليه بعض تجار الفرنج البنادقة ألف بندقى ذهب فتزاحمت الناس عليه يلتقطون الذهب

стр. 2826

فكاد السلطان أن يسقط من على ظهر (١) الفرس حتى أدركه تمراز الشمسى رأس نوبة النوب فضرب الناس حتى فسحوا للسلطان ومشى، ثم دخلها مرّة أخرى فى جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وثمانمائة فلم يوكب بها مثل المرّة الأولى وكان سبب (٢) دخوله هذه المرّة لأجل انتهاء عمارة البرج الذى أنشأه هناك فكشف عليه لما كملت عمارته ورجع بسرعة، وسافر هذه المرّة من البحر وكان أيام النيل والأراضى مغمورة بالمياه فأقام بثغر الإسكندرية ثلاثة أيام وكذلك فى المرّة الأولى، ثم دخلها من بعد ذلك الملك الأشرف قانصوه الغورى فى سنة عشرين وتسعمائة كما تقدم القول على ذلك، انتهى. - وفى يوم الأربعاء ثانى الشهر نزل السلطان صبيحة يوم طلوعه وشقّ من الصليبة وهى مزيّنة، ثم توجّه إلى بولاق وكشف على عمارته التى هناك، ثم رجع من على باب البحر ودخل من باب القنطرة وتوجّه إلى البندقانيين وكشف على عمارته التى هناك وكان فى نفر قليل من المماليك، وأشيع عنه أنه قال للعوامّ: قوّوا الزينة ولا تفكّوها لبعد مضىّ عشرة أيام، وجعل يقول لهم ذلك بنفسه، فأعابوا عليه الناس ذلك. - وفى يوم الخميس ثالثه ثارت المماليك الجلبان على السلطان بالقلعة ورجموا الأمراء من الطباق، وقصدوا ينزلون ينهبون الزينة، فغلق عليهم السلطان أبواب القلعة وباب السلسلة وباب الميدان، فلما بلغ الناس ذلك ارتجّت القاهرة وفكّوا الزينة فى لمح البصر، ووزّعوا الناس الأمتعة فى الحواصل، وكثر القال والقيل بين الناس، وقعدت الأمراء المقدّمون فى بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، وكان الأتابكى سودون العجمى مسافرا نحو بلاده وقد سافر بعد حضوره مع السلطان، فلما جرى ذلك تنكّد السلطان لهذه الواقعة، وبلغه أن المماليك يرومون منه نفقة لكلّ واحد منهم مائة دينار حلاوة السلامة، وشرع المماليك القرانصة يوزّون (٣) المماليك الجلبان على ذلك، وكان العسكر جميعه غير راض من السلطان بسبب تعطّل اللحم، فإن العسكر قاطبة له نحو سبعة أشهر لم يصرف لهم

стр. 2827

فيها زبديّة لحم، وحصل لهم بسبب ذلك الضرر الشامل، وكاتب الدواوين فى غاية الانشحات لكثرة العسكر فى هذه الأيام، ولا سيما ما جدّده السلطان من العسكر فى الطبقة الخامسة، وكانت الإقطاعات خرابا والبلاد معطلة من جور الكشّاف ومشايخ العربان وهجاج فلاّحى المقطعين عن البلاد، فصارت المماليك القرانصة ينتظرون حركة مثل هذه الحركة فما صدّقوا بهذه الحركة، وفى بقية ذلك اليوم غلقت الأسواق والدكاكين وارتفعت البضائع منها، ثم فى بقية ذلك اليوم قرب المغرب نزل طائفة من المماليك إلى الصليبة ونهبوا بعض بضائع من الدكاكين، ثم إن المماليك قبضوا على شخص من العوامّ وقالوا له: نادى عن لسان السلطان أن النفقة مع الجامكية لكل مملوك من المماليك السلطانية مائة دينار، فما وسع ذلك الرجل إلا أنه نادى لهم كما قالوا له، ولم تكن هذه المناداة من قبل السلطان. - وفى يوم الجمعة رابعه أشيع أن شخصا من مماليك السلطان يسمى وردبش، وهو أمير عشرة تدلّى بحبل من طبقة الميدان لما ثارت المماليك فانقطع به الحبل، فسقط إلى الأرض فمات من يومه، وقد صارت المماليك فرقتين فرقة مع السلطان وفرقة عليه، فلما كان وقت صلاة الجمعة لم يخرج السلطان ولم يصلّ صلاة الجمعة، ولم يطلع من الأمراء غير ثلاثة أمراء مقدّمين، وقد اضطربت أحوال السلطان من بعد مجيئه من هذه السفرة وتكدّر عيشه، وطرقته عين عقيب ذلك الموكب العظيم الذى طلع فيه، فكان كما يقال فى أمثال الصادح والباغم: لا تغترر بالحفظ والسلامة … فإنما الحياة كالمدامة والعمر مثل الكاس والدهر والقدر … والصفو لا بدّ له من الكدر ومن أمثاله أيضا: فى لمحة العين بكاء وضحك … وناجد باد ودمع منسفك وفى يوم السبت خامسه ابتدأ فيه السلطان بتفرقة الأضحية على العسكر ومن له عادة. - وفى يوم الاثنين سابعه أشيع أن السلطان رسم للوالى بأن يتسلّم

стр. 2828

جانى بيك الأستادار ويعاقبة على بقية المال الذى قرّر عليه، فإنه كان قرّر عليه ثلاثة وثلاثين ألف دينار أورد منها ستة عشر ألف دينار، فباع بيته وخيوله وقماشه ولم يغلق ذلك القدر الذى قرّر عليه، فأظهر العجز فلم يقبل له السلطان عذر فى ذلك وسلّمه للوالى، فأشيع أنه قد عصر فى أكعابه وضرب كسارات على ركبه، واستمرّ تحت العقوبة إلى الآن، وكان جانى بيك هذا من الظلمة الكبار إذا أظفر بأحد من الناس لا يرحمه، ولا سيما ما فعله فى ولايته للأستادارية، وما جرى (١) على العسكر بسبب الحمايات وغيرها، فلما جرى له ذلك لم يرث له أحد من خلق الله تعالى. - وفيه توفى يونس سر آخورى السلطان، وكان قبل ذلك فى خدمة الأتابكى تمراز الشمسى، وكان حسن السيرة لا بأس به. - وفى يوم الثلاثاء ثامنه جلس السلطان بالميدان وفرّق بقية الأضحية، لكنه شحّ فى هذه السنة وضاقت عينه فقطع ضحايا الزوايا والمزارات التى بالقرافة وغيرها من زوايا الأعاجم، فحصل لهم كسر خاطر بسبب ذلك، ثم إنه رسم لبعض زوايا بالقرافة بصرر فيها دراهم يسيرة مثل مقام الإمام الشافعى والإمام الليث ﵄ وبعض مزارات بالقرافة، وتوقّف فى البقيّة، ثم قطع ضحايا الفقهاء والمباشرين الذين لهم ضحايا فى الديوان والذخيرة، فقطع أضحية الذخيرة وأبقى الذى فى الديوان، وكانت الأضحية فى هذه السنة فى غاية الغلوّ فى السعر وهى مشحوتة لم يظهر منها شئ بسبب تشويش المماليك على الفلاحين، فقلّ الجالب بسبب ذلك وكانت الأحوال فى هذه السنة غير صالحة. - وفى يوم الخميس عاشره كان عيد النحر، وكان السلطان فى غاية النكد من مماليكه، وكان الأتابكى سودون مسافرا فى إقطاعه وقد هرب من تفرقة الأضحية، وكذلك الأمير تمر الزردكاش، فخرج السلطان وصلّى صلاة العيد فى الجامع، ثم ركب من هناك ودخل الحوش ولم يضحّ فى الإيوان على العادة القديمة، فلما دخل الحوش لم يذبح بيده شيئا فى ذلك اليوم ورسم للأمير مغلباى الزردكاش ويوسف الزردكاش الثانى

стр. 2829

بأن يذبحا عنه، ثم جلس فى الحوش ساعة يسيرة وقام ودخل الدهيشة واحتجب عن الناس -. وفى يوم الاثنين خامسه أشيع بين الناس بأن الأمير طومان باى الدوادار ضمن للمماليك الجلبان بأن السلطان ينفق عليهم فى شهر صفر لكل مملوك مائة دينار، فرضيوا بذلك وخمدت هذه الفتنة قليلا، ثم إن السلطان نادى للناس فى ذلك اليوم بالأمان والاطمان والبيع والشرى، وأن أحدا لا يكثر كلاما فيما لا يعنيه وأن الأسواق تفتح على العادة، وأن لا أحدا يشوّش على أحد من المتسبّبين، وكانت الأسواق جميعها مقفلة من حين وقعت هذه الحركة بسبب المماليك، فلما أشهر المناداة بذلك ارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس وخمدت تلك الإشاعات بالركوب على السلطان. - وفى يوم الأربعاء سادس عشره نزل السلطان إلى الميدان وجلس به ونفق على المماليك الكتابية جامكية هذا الشهر، ثم أحضر أغوات الطباق الأعيان ووبخهم بالكلام وقال لهم: إن كان لكم قصد أن تسلطنوا أحدا غيرى فأنا أنزل له عن الملك وأرسلونى فى أىّ مكان تختاروه، فباسوا له الأرض وقالوا: ما لنا أستاذ إلا أنت وما نموت إلا تحت رجليك وما لنا حاجة بنفقة من السلطان وقد رضينا بلا نفقة إن شئت تعطى أو لا تعطى، فقال السلطان: خلّى المشاعلى ينادى بأن النفقة بطّالة، فلم يطلع الوالى ولا المشاعلى فى ذلك اليوم، فقام الزينى بركات بن موسى المحتسب ونادى بنفسه فى الميدان بين العسكر بأن معاشر الأمراء والعسكر المنصور حسبما رسم المقام الشريف بأن النفقة على العسكر بطّالة، ثم بعد ذلك طلع المشاعلى فقال له السلطان: نادى فى القاهرة بأن النفقة بطّالة، فنزل الزينى بركات بن موسى والمشاعلى قدّامه ينادى للعسكر بأن النفقة بطّالة، وقد طمعت آمال المماليك بالنفقة وما يعلم ما وراء ذلك إلا الله. - وفى يوم الخميس سابع عشره جلس السلطان فى الحوش على المصطبة ونفق الجامكية على العسكر، وأشيع أن فى تلك الليلة ثارت المماليك بالقلعة بعد العشاء، فثارت المماليك الذين فى طبقه الطازية على المماليك الذين فى طبقة الزمامية حتى اتقعوا بالدبابيس

стр. 2830

وقالوا: إنتوا عملتوا لكم وجه عند السلطان وقلتوا ما لنا حاجة بنفقة فتصيروا إنتوا أحبابه ونحن نصير أعدايه فأحقّ ما نكون ونحن وإنتوا على كلمة واحدة وما نرجع عن طلب النفقة لكل مملوك مائة دينار، وصمّموا على ذلك وصار طائفة من المماليك مع السلطان وطائفة عليه، فلما سمع الناس ذلك شرعوا يوزّعون قماشهم وأمتعتهم فى الحواصل، وكذلك السّوقة وزّعوا ما فى دكاكينهم من البضائع، ولهج الناس بإقامة فتنة كبيرة، والأمر فى ذلك لله تعالى. - وفى يوم الجمعة ثامن عشره ثارت المماليك الجلبان بالقلعة بعد صلاة الجمعة ونزل طائفة منهم إلى الصليبة فنهبوا منها [ما] وجدوه، واستمرّوا على ذلك مهما لاح لهم يخطفوه، فباتوا على أنهم يصبحوا ينهبوا المدينة وبيوت الأمراء، وكان أكثر الأمراء وزّع قماشهم. - فلما أصبحوا يوم السبت أشيع أن السلطان نادى للمماليك الجلبان بأن النفقة عمّالة لكل مملوك خمسون دينارا، وأن القرانصة ما يعطيهم شيئا، فمن المماليك الجلبان من رضى بالخمسين دينارا ومنهم من قال: ما نأخذ إلا مائة دينار، وأشيع بأن المماليك القرانصة والسيفية لم ينفق عليهم شيئا، واستمرّ القال والقيل عمّالا بين الناس وقد لهجوا بإقامة فتنة كبيرة. - وفى يوم الأحد عشرينه نزل السلطان وسيّر نحو المطريّة، ثم عاد من يومه إلى القلعة، وشقّ من القاهرة فى ذلك اليوم، وسكن أمر حركة المماليك قليلا من حين نادى لهم بأن النفقة فى شهر صفر مع الجامكية لكل مملوك خمسون دينارا. - وفى يوم الاثنين ثانى عشرينه رسم السلطان بسجن جانى بيك الأستادار الذى كان دوادار طراباى، فتوجّهوا به إلى المقشرة وهو راكب على بغلة، فبات بالمقشرة ليلة واحدة ثم أعادوه إلى بيت الوالى ثانيا ليعاقبه على المال الذى تأخّر عليه، وكان صحبته لما أدخلوه المقشرة ابن شمس الدين بن عوض، وقد تقدّم القول على أن والده ابن عوض مات وهو تحت العقوبة، وصار ابنه هذا تحت العقوبة حتى يقرّ بالمال الذى قرّر على أبيه، وكان صحبتهما شخص من أولاد ابن عمر مشايخ عربان الصعيد، فباتوا جميعا بالمقشرة ليلة واحدة

стр. 2831

ثم عادوا (١) بهم إلى بيت الوالى ليعاقبهم على المال الذى تأخّر عليهم. - وفى يوم الثلاثاء ثالث عشرينه نزل السلطان وسيّر إلى نحو بولاق وكشف على العمارة التى هناك، ثم عاد إلى القلعة من يومه وشقّ من الصليبة ذهابا وإيابا. - وفى يوم الأربعاء رابع عشرينه دخل جماعة من العسكر من المماليك السلطانية ممن كان مسافرا بحلب فى التجريدة، وقد أرسل لهم السلطان مراسيم بالمجئ فما صدقوا بذلك، وقد قاسوا فى هذه السفرة ما لا خير فيه من الغلاء الذى وقع بحلب فباعوا خيولهم وسلاحهم وقماشهم حتى أكلوا بهم، وما قاسوا منهم أهل حلب خيرا، نزلوا فى دورهم ونهبوا قماشهم وفسقوا فى حريمهم، وشوّشوا على سوقة حلب وأخذوا بضائعهم منهم غصبا، [حتى قيل أن بعض المماليك الجلبان أزال بكارة بنت صغيرة عمرها نحو ثلاث سنين وأشيع أنها ماتت ولم يصح موتها، وقيل كانوا يهجمون على النساء فى الحمامات ويخطفونهن منها غير ما مرّة] (٢)، وفعلوا أشياء فاحشة من هذا النمط ما فعلها من تقدّمهم من المماليك السلطانية، وثاروا على الباش قانى باى أمير آخور كبير وبهدلوه وأخرقوا به عدّة مرار وما سلم من القتل إلا سلامة (٣)، وأخربوا حلب عن آخرها من الظلم والجور، وكان ترك رواحهم إلى حلب أصوب وما فاد من رواحهم شيئا بل أفسدوا ما أصلحوا وما حصل برواحهم نفع قط. - وفى يوم الخميس رابع عشرينه حضر مبشّر الحاجّ، وقد جدّ فى السير فكانت مسافته فى الطريق اثنى عشر يوما، فأخبر بالأمن والسلامة وأن ابن السلطان طيّب وكذلك خوند وبقية الحجّاج طيبين، وكذلك القاضى كاتب السرّ محمود بن أجا طيب فى خير وسلامة، وكان أشيع موته فما صحّ ذلك ففرح أكثر الناس بسلامته وكان محبّبا للناس قاطبة، وأخبر المبشّر بأن عيد النحر كان هناك يوم الجمعة، ثم إن المبشّر طاف على الأمراء والمباشرين وأعيان الناس وأخبرهم بسلامة ابن السلطان فأفيضت عليه الخلع السنيّة من الأمراء وأعيان الناس قاطبة. - ومما أشيع

стр. 2832

من الأخبار فى كتب الحجاج أن ابن السلطان لما دخل إلى مكة لاقاه السيد الشريف بركات أمير مكة، فلما وصل ابن السلطان إلى باب المعلة دخل مكة فى موكب حافل، وأشيع أن الشريف بركات نزل عن فرسه ومسك بأزكة لجام ابن السلطان ومشى عن ميمنته، ومشى الأمير طقطباى أمير ركب المحمل عن يساره وهو ماسك بأزكة اللجام، ومشى أمير ركب الأول، ثم لاقاه قضاة مكة وأعيان التجار فمشوا قدّامه حتى وصل إلى باب السلام، فعدّ ذلك من النوادر، ثم إن الشريف بركات أرسل إلى ابن السلطان تقادم حافلة ما بين ذهب عين وقماش ورقيق وغير ذلك، وأرسل لخوند زوجة السلطان أضعاف ذلك، ثم قدم إليه قضاة مكة وأعيان التجار الذين بها التقادم الحافلة، وكذلك الأمير حسين نائب جدّة، فدخل على ابن السلطان وخوند من التقادم الحافلة ما لا يحصى، وأشيع أن الشريف بركات واصل صحبة ابن السلطان بركب المحمل، وقيل إن خوند زوجة السلطان لما دخلت إلى مكة حملت محفّتها على أكتاف جماعة الشريف بركات من باب المعلة إلى باب السلام، هكذا أشيع فعدّ ذلك من جملة سعد السلطان، وأشيع فى كتب الحجاج بأن الغلاء بمكة فى سائر البضائع، وأن الشاشات والأزر لم يوجدا بمكة لعدمهما جدا. - وفى يوم الجمعة خامس عشرينه توجّه الأمير طومان باى الدوادار إلى الخانكاه وقد بلغه أن مماليكا جراكسة وصلوا صحبة القفل، وأن له أقارب جراكسة صحبة المماليك، وأشيع أن السلطان واصل له أخ جركسى صحبة القفل، فخرج الأمير الدوادار بسبب ذلك. - انتهى ما أوردناه من أخبار سنة عشرين وتسعمائة، وقد خرجت هذه السنة عن الناس على خير وسلامة، وكانت سنة مباركة هادئة من الفتن وأخصب فيها الزرع ووقع فيها الرخاء فى سائر الغلال والبضائع، ولم يقع فيها الطاعون بمصر ولا أعمالها، وحصل فيها نصرة عظيمة لابن عثمان ملك الروم على إسمعيل الصوفى ملك العراقين، وخرجت من مصر تجريدة بسبب حفظ مدينة حلب ورجع العسكر وهم سالمون من تلك الفتنة، انتهى ذلك.

стр. 2833

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وتسعمائة فيها فى المحرم افتتاح العام كان يوم الخميس المبارك، وكان خليفة الوقت يومئذ المتوكل على الله محمد بن المستمسك بالله يعقوب، والسلطان يومئذ الملك الأشرف قانصوه الغورى عزّ نصره. - وأما القضاة الأربعة فكان يومئذ القاضى علاى الدين الإخميمى الشافعى والقاضى شمس الدين السمديسى الحنفى والقاضى جلال الدين بن قاسم المالكى والقاضى شهاب الدين الفتوحى الحنبلى. - وأما الأمراء المقدّمون فكان عدّتهم يومئذ سبعة وعشرون أميرا مقدّم ألف وهم: الأتابكى سودون العجمى أمير كبير، وكانت أمرية السلاح شاغرة، والأمير أركماس من طراباى أمير مجلس والأمير قانى باى قرا أمير آخور كبير والأمير سودون الدوادارى رأس نوبة كبير والأمير طومان باى دوادار كبير ابن أخى السلطان والأمير أنصباى من مصطفى حاجب كبير؛ وأما بقية الأمراء المقدّمين غير أرباب الوظائف فالأمير قانصوه بن سلطان جركس والأمير تمر الزردكاش والأمير أرزمك الناشف والأمير طقطباى نائب القلعة والأمير قانصوه الفاجر والأمير أزبك المكحل والأمير تانى بيك النجمى والأمير تانى بيك الخازندار والأمير نوروز أخو يشبك الدوادار والأمير جان بلاط الموتر والأمير علان الدوادار الثانى والأمير خاير بيك كاشف الغربية والأمير بيبرس قريب السلطان والأمير يخشباى والأمير قانصوه روح لو نائب قطيا والأمير قانصوه أبو سنّة الذى كان والى القاهرة والأمير أبرك مملوك السلطان والأمير خدا بردى نائب الإسكندرية مملوك السلطان والأمير خاير بيك العلاى الشهير بالمعمار وهو آخر من قرّر من المقدّمين والأمير أقباى الطويل أمير آخور ثانى؛ وأما الأمراء الطبلخانات والأمراء العشرات فازداد منهم جماعة وانتقص منهم جماعة ما يحضرنى اسماؤهم الآن. - وأما أرباب الوظائف من المباشرين فالقاضى كاتب السرّ محمود بن أجا صاحب ديوان الإنشاء الشريف ونائبه الشهابى أحمد بن الجيعان والقاضى محيى الدين عبد القادر

стр. 2834

القصروى ناظر الجيوش المنصورة وعلاى الدين بن الإمام ناظر الخواصّ الشريفة والجمالى يوسف البدرى وزير الديار المصرية وشرف الدين الصغير ناظر الدولة الشريفة وكاتب المماليك أيضا والأمير طومان باى الدوادار متكلّما فى الأستادارية وغير ذلك من الوظائف والقاضى أبو البقا بن المستوفى ناظر الاسطبل الشريف، وبقية المباشرين على حكم السنة الخالية، وكانت وظيفة الزمامية شاغرة من حين توفّى الأمير عبد اللطيف الزمام، وبقية أرباب الوظائف على حكم السنة الخالية. - فكان مستهلّ السنة يوم الخميس المبارك فطلع الخليفة والقضاة الأربعة للتهنئة بالعام الجديد، وكان السلطان فى الميدان، وكان قبل ذلك بأيام نادى للعسكر أصحاب الطبقة الخامسة بالعرض، وقد أشيع أنه يرسل تجريدة إلى بلاد الهند بسبب تعبّث الفرنج فى بحر الهند، فلما طلع العسكر وعرضهم فى ذلك اليوم فلم يقع فيه كتابة ولا تعيين بل قال لهم: اطلعوا يوم الأحد أيضا. - وفى ذلك اليوم حضر قاصد من عند سليم شاه بن عثمان ملك الروم وعلى يده مكاتبة من سليم شاه للسلطان، فكان من مضمون تلك المكاتبة أن شخصا من أولاد شاه سوار بن ذالغادر حصل بينه وبين عمّه على دولات تشاجر بسبب بلاد أبيه فحنق منه وتوجّه إلى ابن عثمان، فتعصّب له سليم شاه وأرسل يسأل السلطان فى أن يعطى ابن سوار بلاد أبيه التى بيد على دولات، فلم يوافق السلطان على ذلك، وتنكّد لهذا الخبر فى ذلك اليوم إلى الغاية، واشتور مع الأمراء فى هذا الأمر، وربما تتسع هذه الفتنة بين ابن عثمان والسلطان، والأمر فى ذلك إلى الله تعالى. - وفى ذلك اليوم أشيع من الأخبار بأن ابن عثمان أمدّ ابن سوار بعساكر وتوجّه على حين غفلة وكبس على عمّه على دولات وحصل بينهم مقتلة (١) مهولة قتل فيها ابن على دولات وابن ابنه وقتل جماعة كثيرة من عسكره فى المعركة، وأن على دولات اختفى فى قلعة زمنطوا، وأن ابن عثمان ما هو راجع عن على دولات، فشقّ على السلطان هذه الأخبار، وأشيع أن ابن عثمان أظهر

стр. 2835

فى مكاتبته التى أرسلها للسلطان غاية العظمة وقال فيها: إن مقامنا الشريف، وقال فى حقّ السلطان: مقامكم العالى، وهذا من نوع الاستخفاف بالسلطان، وكان سليم شاه بن عثمان هذا عنده جهل زائد ويحب إقامة الفتن، وكان سفّاكا للدماء فقتل إخوته وأولادهم وكان فيهم من هو مرضع عما قيل من جهله. - فلما كان يوم الجمعة ثانى الشهر صلّى السلطان صلاة الجمعة، ثم خلا هو والأمراء وضربوا مشورة فى أمر ابن عثمان وعلى دولات، وأشيع أن السلطان عيّن فى ذلك اليوم أربعة من الأمراء المقدّمين يتوجّهون إلى حلب، وأشيع أن السلطان أرسل يقول للأمراء الذين فى حلب: لا تجوا حتى ننظر ماذا يكون من أمر ابن عثمان وعلى دولات، ولكن غالب العسكر من المماليك السلطانية دخل إلى مصر، وكان السلطان قبل ذلك بعث إليهم مراسيم بالمجئ إلى مصر لما تقلّقوا من أمر الغلاء الذى بحلب، ثم بعد ذلك طرقه هذه الأخبار فندم على حضور العسكر، وكثر فى ذلك القيل والقال بين الناس أمر مجئ العسكر حتى أشيع عودهم إلى حلب والأحوال غير صالحة. - وفى يوم السبت ثالثه نفق السلطان على جماعة الأمراء الذين لهم مرتّبات على الذخيرة، وكان لهم من حين توفّى الأمير خاير بيك الخازندار لم يصرف لهم شئ، فغلّق لهم فى ذلك اليوم ما كان منكسرا لهم من المرتّبات. وفى يوم الأحد رابعه نزل السلطان إلى الميدان وعرض عسكر الطبقة الخامسة وقال لهم: اعملوا يرقكم إلى السفر فى أول ربيع الأول، وسافروا إلى الهند بسبب تعبّث الفرنج فى بحر الهند. - وقيل إنه وعد الذى له جامكيّة ألف وخمسمائة درهم بأن يكمّلها له ألفى درهم إذا بيّضوا وجوههم فى هذه السفرة ويصير جامكية الكل ألفى درهم، فارتفعت الأصوات له بالدعاء فى ذلك اليوم، وقيل إنه كتب عسكر الطبقة الخامسة جميعها وهم ما بين أولاد ناس ومماليك وتراكمة وغير ذلك. - وفى ذلك اليوم خرج القاضى شهاب الدين ابن الجيعان وتوجّه إلى العقبة لأجل ملاقاة ابن السلطان وخوند والقاضى كاتب

стр. 2836

السرّ، فخرج وصحبته جماعة من المماليك السلطانية وغير ذلك من الأعيان، وكان صحبته أشياء حافلة من مأكل ومشرب برسم المدّات التى تعمل هناك، وحلوى وفاكهة وبطّيخ صيفى وغير ذلك من الأشياء الملوكية. - وفى يوم الاثنين خامسه جلس السلطان بالميدان ونادى للعسكر الذى جاء من حلب بأن يطلع إلى القلعة ويقابل السلطان وعليه أمان الله تعالى، وكان العسكر من حين حضر من حلب وهو مختفيا فى البيوت لم يظهر منهم أحد. - وفيه حضر للسلطان شخص من بلاد جركس زعموا أنه ابن أخيه، فطلع فى ذلك اليوم وقابل السلطان وكان رجلا كاملا شابّا مستدير اللحية، وكان يقرب للأمير الدوادار أيضا. - وفى يوم الخميس ثامنه حضر إلى الأبواب الشريفة طراباى نائب صفد بطلب من السلطان، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى، وقيل كان أصله من مماليك يشبك من حيدر، وحضر عقيب ذلك قاصد من عند على دولات وعلى يده مكاتبة للسلطان يذكر فيها ما وقع له مع ابن أخيه سوار وأن ابن عثمان متعصب له وقائم معه والأمر على ما يراه السلطان، وكان سبب حضور نائب صفد قيل إنه وقع بينه وبين أمير كبير حتى يرى الظالم من المظلوم فيحكم بينهم بما تقتضيه الآراء الشريفة فى ذلك. - وأشيع أن الشهابى أحمد بن الجيعان لما خرج إلى ملاقاة ابن السلطان من العقبة أرسل صحبته السلطان خلعة سنيّة إلى السيد بركات أمير مكة، وقد بلغ السلطان حضوره (١) صحبة المحمل مع ابن السلطان وقد تقدّم القول على ذلك. - وفى يوم السبت عاشره طلع قاصد على دولات وقابل السلطان، فلما قرأ مكاتبته جمع الأمراء المقدّمين قاطبة والأمراء الطبلخانات والأمراء العشرات وقرأ عليهم مكاتبة على دولات، ولم ينشرح السلطان فى ذلك اليوم ولا الأمراء لهذه الأخبار التى وردت عليه من على دولات بسبب ابن عثمان، وأنه ما هو راجع عن على دولات وأظهر التعصّب لابن سوار، فأقامت الأمراء عند السلطان إلى قريب الظهر وهم فى ضرب مشورة بسبب ابن عثمان وعلى

стр. 2837

دولات، وأشيع أن السلطان عيّن أربعة من الأمراء المقدّمين يتوجّهون إلى حلب ويقيمون بها زيادة على ما هناك من الأمراء المقدّم ذكرهم، حتى يروا ما يكون من أمر ابن عثمان. - وفى هذا الشهر كانت وفاة صاحبنا كمال الدين بن قوسان، وكان عشير الناس بشوشا مستغرقا فى ملاذّ نفسه، وكان لا بأس به، فمات وقد قارب السبعين سنة من العمر. - وفى يوم الأحد حادى عشره نزل السلطان وعدّى إلى المقياس وبات به تلك الليلة وانشرح هناك، وقيل إنه لم يبت بل أقام به إلى بعد العصر وهو فى أرغد عيش من مأكل ومشرب، ثم عاد إلى القلعة من يومه. - وفى يوم الاثنين ثانى عشره عيّن السلطان خاصكيا يقال له جانم، وأصله من مماليك الأشرف قايتباى، وكان من ذوى العقول، بأن يتوجّه قاصدا إلى ابن عثمان، وكتب على يده مطالعة إلى ابن عثمان بالجواب عن مطالعته بما تقتضيه (١) الآراء الشريفة فى أمر على دولات وابن أخيه سوار، وقرّر معه إذا سافر يخرج على جرائد الخيل حتى يعود بسرعة الجواب عن ذلك. - وفى يوم الثلاثاء ثالث عشره أشيع وصول إبراهيم بن السكر والليمون إلى بندر الطور، وكان قد تغيّر خاطر السلطان عليه فنفاه إلى مكة فأقام هناك نحو ثلاث عشرة سنة، فلما حصل للسلطان ذلك التوعّك فى عينه كما تقدم ورسم بإطلاق من فى السجون فتكلم بعض المباشرين مع السلطان وشفع فى عود إبراهيم هذا إلى الديار المصرية، فأجاب السلطان إلى ذلك وكتب له مراسيم بالحضور إلى مصر، فلم يحضر إلاّ (٢) بعد أشهر، وقد جاء من البحر الملح فوصل إلى الطور عنما قيل، وقد قاسى شدائد ومحنا عند عوده وأشيع أن أولاده وعياله وجميع ما يملكه غرقوا فى البحر، وأمره إلى الله تعالى. - وفى يوم الثلاثاء عشرينه توفى القاضى ابن بيرم أحد نوّاب الحنابلة، وهو أحمد بن على بيرم، وكان بينه وبين وفاة أخيه شمس الدين دون السنة، وكان لا بأس به. - وفى يوم الأربعاء حادى عشرينه نزل الحاجّ بالبركة، فنزل سيدى عمر بن الملك المنصور أمير ركب

стр. 2838

الأول، ونزل الأمير طقطباى أمير ركب المحمل، ونزل سيدى ابن السلطان وخوند زوجه السلطان، وحضر صحبة (١) ابن السلطان السيّد الشريف بركات أمير مكة وولده وصهره عرعر، وحضر القاضى كاتب السرّ محمود بن أجا، وحضر شيخ العرب عبد الدائم بن بقر وأخوه بيبرس، وغير ذلك من أعيان الحجّاج، فخرجت الأمراء قاطبة إلى تلقّيهم وأعيان الناس، فكان لدخولهم إلى بركة الحاجّ يوم مشهود، ولاقاهم القضاة الأربعة فأقام ابن السلطان فى بركة الحاجّ إلى بعد العصر وركب من هناك ودخل إلى القاهرة فنزل فى مدرسة أبيه وبات بها، وكذلك أمراء الحاج؛ وأما خوند زوجة السلطان فإنها طلعت إلى القلعة فى المحفّة تحت الليل وحولها المشاعل والفوانيس، فطلعت من باب الدرفيل ولم يشعر بها أحد من الناس، ودخل القاضى كاتب السرّ إلى بيته تحت الليل وكان عليلا فدخل فى محفّة إلى داره. - فلما كان يوم الخميس ثانى عشرين المحرم جلس السلطان بالحوش وعمل الموكب بالشاش والقماش، وحضر الأتابكى سودون العجمى أمير كبير وسائر الأمراء المقدّمين وغيرهم وأرباب الدولة قاطبة، ثم إن ابن السلطان ركب من مدرسة أبيه التى بالشرابشيّين وركب قدّامه الشريف بركات أمير مكة وولده وصهره وهم بكوامل مخمل أحمر بصمور، وكان السلطان أرسل تلك الكوامل إلى الشريف صحبة (١) الشهابى أحمد بن الجيعان إلى العقبة لما خرج إلى ملاقاة سيدى ابن السلطان، فلبس الشريف بركات وولده وصهره تلك الكوامل عند طلوعهم إلى القلعة، ولبس سيدى ابن السلطان كاملية تماسيح على أحمر، فلاقاهم رؤوس النوب وهم بالشاش والقماش، واستمرّوا على ذلك حتى وصلوا إلى سلّم المدرج، وكان قدّامه الشريف بركات وأمراء الحاج، فلما وصلوا إلى سلّم المدرج نزل ابن السلطان من على الفرس، وكان تحته فرس بوز بسرج وكنبوش، وكذلك (٢) الشريف بركات وأمراء الحاج، من عند المكان الذى تنزل عنده الأمراء المقدّمون، ثم طلعوا بالفرس ثانيا إلى عند المصطبة [التى] يجلس عليها

стр. 2839

نائب القلعة، فركب ابن السلطان من هناك ثانيا، ومشى قدامه الشريف بركات ومسك بأزكة لجامه من على الميمنة ومسك بأزكة اللجام من على الميسرة الأمير طقطباى أمير ركب المحمل، وكان الأمير طقطباى يومئذ مقدّم ألف نائب القلعة، ومشى قدّامه الجم الغفير من الرؤوس النوب والخاصكية وهم بالشاش والقماش، ومشى قدّامه الشبابة السلطانية والشعراء والشاوشية، واستمرّ فى هذا الموكب الحافل حتى وصل إلى باب الحوش، فنزل على مصطبة مشدّ الحوش ودخل من باب الحوش والموكب عمّال، وكان ابن السلطان عمره يومئذ نحو عشر سنين؛ ولقد أدركت الملك المؤيّد أحمد بن الأشرف أينال لمّا أن حجّ وكان إذ ذاك (١) أتابك العساكر، فلما حضر من الحجاز وطلع إلى القلعة ما وقع له مثل ما وقع لابن الأشرف الغورى هذا من المواكب الحافلة بالحوش، فلما وصل إلى المصطبة التى جالس عليها السلطان تقدّم الشريف بركات إلى عند السلطان فقام له نصف قومة، وباس أمراء الحجّ له الأرض، ثم تقدّم ابن السلطان وباس الأرض لأبيه، فأحضر لهم الخلع، على الشريف بركات مثمر وأطلسين، وأخلع على ابن الشريف بركات وصهره كوامل مخمل أحمر بصمور، وأخلع على أمراء الحجّ لكلّ واحد منهما مثمر وأطلسين لكون أن سيّدى عمر ابن السلطان، ثم أحضروا لابن السلطان فوقانى حرير أخضر بطرز يلبغاوى عريض فوق الكامليّة المخمل التى بالصمور، ثم نزل الشريف بركات وولده وصهره من القلعة، ودخل ابن السلطان إلى دور الحرم، وانفضّ ذلك الموكب على خير (٢)، فلما نزل الشريف بركات وأمراء الحاج من القلعة نزل صحبتهم الأتابكى سودون العجمى وجماعة من الأمراء المقدّمين، فشقّوا من القاهرة وكان لهم يوم مشهود، فأوصلوا الشريف بركات إلى المكان الذى أنزله فيه السلطان، قيل أنزله السلطان فى بيت الأمير ج؟؟؟ م مصبغة الذى بالقرب من مدرسة السلطان، فأوصلوا الأمراء

стр. 2840

الشريف بركات إلى ذلك المكان ورجعوا إلى بيوتهم، وكذلك أمراء الحاج، وأما القاضى كاتب السر محمود بن أجا فإنه لما رجع من الحجاز كان متوعكا فى جسده فلم يطلع إلى القلعة ولا قابل السلطان، وقد هنّيته عند عوده من الحجاز بهذين البيتين وهما: عن كاتب السرّ شاع فضل … يستوجب الشكر والمحامد قد عمّ من برّه البرايا … وحجّ فى الناس وهو قاعد فكان لهذين البيتين موقع لما عرضوا عليه وقرأهما، فلما رجعت الحجّاج إلى القاهرة أثنوا بكل خير على سيّدى عمر بن الملك المنصور أمير ركب الأول (١) وشالوا له الرايات البيض فى وسط الرملة، بخلاف الأمير طقطباى أمير ركب المحمل، وأما خوند زوجة السلطان وولده فلم يثن عليهما أحد بخير ولا ظهر لخوند فى المناهل مكارم أخلاق كما كانت تفعل خوند الخاصبكية (٢) زوجة الأشرف قايتباى لما حجّت فلم ير لهم أحد من الحجّاج رأس سكر ولا مجمع حلوى وكل من كان معهم ردّ يشكى من الجوع، فكان كما يقال فى المعنى: وكم لله من رجل سمين … كثير المال مهزول البذال كذاك الطبل يسمع من بعيد … وداخله من الخيرات خال وكان سبب ذلك أن السلطان (٣) هذا أخسّ خلق الله وأبخلهم على الإطلاق، فلم يمكن أحد من الناس فى شئ من أمر السنيح، وكان ابن السلطان صغيرا لا يحكم على شئ من أمور السنيح، حتى قيل ردّوا بالأكل الذى فى السنيح لم ينقص منه إلا القليل، فكان كما يقال: لا تعجبوا إن سعى كريم … لحاجة فى يدى بخيل فإنه كالخلاء حتما … لا بدّ فيه من الدخول
следующие страницы →