← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

يملك مصر، والله تعالى غالب على أمره، فمن حين توجّه خشقدم إلى ابن عثمان وهو يظهر المشى على بلاد السلطان، ولا سيما قتل علىّ دولات وملك بلاده وولى فيها ابن سوار وجعله نائبه وصار يكاتب السلطان فى مطالعاته بألفاظ (١) يابسة، وكلّ ذلك مما أوحاه إليه خشقدم عن أحوال الديار المصرية، فلما حضر جانم الخاصكى وأخبر السلطان بما قاله ابن عثمان فى حقه من هذه الأخبار المقدّم ذكرها، اضطربت أحوال السلطان وتنكّد لذلك، واستمرّت الوحشة بينه وبين ابن عثمان عمّالة. - وهذه الواقعة تقرب مما وقع للملك الناصر محمد بن قلاوون مع قبجق نائب الشام، فإنه أظهر العصيان على السلطان فأرسل بالقبض عليه، فلما تحقق ذلك فرّ من الشام وتوجّه إلى غازان ملك التتار وقوّى عزمه وحسّن إليه بأن يمشى على بلاد السلطان فيملكها من غير مانع، وكذا جرى فمشى غازان على بلاد السلطان وملك حلب والشام، فخرج إليه الملك الناصر محمد بن قلاوون وتحارب مع غازان فكسر غازان الملك الناصر كسرة مهولة، فرجع الملك الناصر إلى مصر وهو مهزوم، ثم تحايا عسكر مصر ورجع الملك الناصر وتحارب مع غازان ثانيا فكسره [كسرة] مهولة وغنم منه أشياء كثيرة من خيول وسلاح وغير ذلك، وكان هذا كلّه من فتنة قبجق لما توجه إليه وحسّن له ذلك، ونعوذ بالله أن يكون فتنة ابن عثمان مثل ذلك، والأمر إلى الله تعالى. - وفى يوم الأربعاء ثامن عشره جاءت الأخبار من السويس بأن المراكب التى جهّزها السلطان إلى الهند غرق منهم مركب وقد انصدمت فى شعب فانكسرت وغرق جميع ما كان فيها، وفقد من العسكر الذى كان فيها جماعة، فلم تتفاءل الناس بذلك. - وفى يوم الخميس تاسع عشره أخلع السلطان على الأمير أينال باى دوادار سكين وعيّنه بأن يسافر إلى البلاد الشامية بسبب أمور تتعلّق بأشغال السلطنة، فتوجّه إليها. - وفى يوم الجمعة عشرينه فتح سدّ بحر أبى المنجا، وكان النيل يومئذ فى ستة عشر أصبع من إحدى وعشرين ذراعا، وكان فتحه فى أول

стр. 2872

يوم من بابه من الشهور القبطية، وقد تأخّر فتحه عن العادة إلى ذلك اليوم، وكان النيل فى قوّة عزمه من الزيادة، فلما فتح سدّ أبى المنجا نقص النيل فى ذلك اليوم ولم يزد من بعد ذلك شيئا وقد (١) ثبت على ستة عشر أصبعا من إحدى وعشرين ذراعا، وحصل به غاية النفع وأروى سائر البلاد التى قط ما رويت، واستمرّ ثابتا إلى أوائل هاتور فعدّ ذلك من النوادر، ومن العجائب أن مع وجود علوّ (٢) النيل وثباته لم يسكن فى الجزيرة الوسطى ولا بيت واحد ولم يفتح (٣) فيها دكّان ولم يعمل بها مقصف للمتفرّجين، ولم يعلم ما سبب ذلك ولكن أشاعوا أنه (٤) سكن بالجزيرة عدّة مناخات جمال لابن السلطان والأمراء، فخشى الناس أن يسكنوا الجزيرة من النفر الذى هناك، فهذا كان السبب فى منع الناس فى سكنى الجزيرة. - وفى يوم الاثنين ثالث عشرينه نادى السلطان فى الحوش للعسكر بأن يعملوا يرقهم وأن يكونوا على يقظة فإن السلطان ينفق ويخرج فى جمعته، وصار فى كلّ جامكيّة ينادى للعسكر بذلك فى الحوش، وأشيع أن السلطان هو الذى يسافر بنفسه بسبب ابن عثمان، واستمرّت الإشاعات قائمة بسفر السلطان ثم خمدت تلك [الإشاعات] قليلا. - وفى ذلك اليوم كانت وفاة القاضى جلال الدين محمد الزفتاوى أحد نوّاب الشافعية، وكان لا بأس به، ومات وهو فى عشر الثمانين سنة. - وفى يوم الثلاثاء رابع عشرينه نزل السلطان إلى بولاق وتوجّه إلى ضيافة القاضى كاتب السرّ محمود بن أجا بالبرابخية التى هناك فأقام عنده إلى يوم الأربعاء وهو فى أرغد عيش، فما أبقى القاضى كاتب السر فى ضيافته ممكنا وأحضر من كلّ شئ أحسنه، حتى قيل إنه تكلّف على أسمطة وطوارى حافلة وتقدمة عظيمة قدّمها للسلطان فوق آلاف دينار، وكان ابن السلطان معه وجماعة من الخاصكية، وانشرح السلطان هناك إلى الغاية وأحضر بين يديه مغانى وأرباب الآلات، وأظهر القاضى كاتب السر أنواع العظمة من الفرش الفاخرة والأوانى الصينى والنحاس المكفّت وغير ذلك من كل صنف،

стр. 2873

ثم إن السلطان صلّى العصر يوم الأربعاء وطلع إلى القلعة وكانت ليلة جامكية، فلما ركب من هناك أخلع على القاضى كاتب السرّ كاملية حافلة من ملابيسه مخمل أحمر بصمور فاخر، وتشكّر منه لما (١) تكلفه له من الأسمطة الحافلة وغير ذلك من المأكل والمشرب والتقادم الحافلة. - وفى يوم الخميس سادس عشرينه نفق السلطان الجامكية، وهى آخر الجوامك، ثم نادى للعسكر بأن يعملوا يرقهم وأن يكونوا على يقظة فإن التجريدة إلى حلب عمّالة، فلما تحققوا المماليك ذلك نزلوا من القلعة وأطلقوا فى الناس النار، وأخذوا بغال (٢) القضاة والعلماء والتجّار وهجموا عليهم الحارات والبيوت، ونزّلوا الفقهاء من على بغالهم فى وسط الأسواق وأخذوهم من تحتهم، وأخذوا بغلة الشيخ برهان الدين ابن الكركى وهو فى الحضور فى المدرسة الأشرفية فبرطل عليها بمبلغ له صورة حتى خلّصها، ثم صارت المماليك تسافر إلى نحو بلبيس والصالحية ويأخذون بغال (٢) المسافرين وأكاديشهم، حتى ضجّ منهم جميع الناس وتزايد منهم الضرر الشامل فى حقّ الناس جدّا، وصاروا يبهدلون القضاة والعلماء بالضرب وينزلونهم من على بغالهم، وفعلوا من هذا النمط أشياء كثيرة. وفى رمضان كان مستهلّ الشهر يوم الثلاثاء، فجلس السلطان فى الميدان، وطلع الخليفة والقضاة الأربعة وهنّوا السلطان بالشهر، ثم طلع الوزير يوسف البدرى والزينى بركات بن موسى المحتسب، وطلعوا بالخبز والسكر والدقيق وهو على رؤوس الحمّالين مزفوف، وطلعوا بأغنام وأبقار كما جرت به العادة فأخلع السلطان على الوزير وناظر الدولة شرف الدين الصغير والمحتسب، وكان يوما مشهودا. - وفى يوم الأربعاء ثانى شهر رمضان قوى عزم السلطان بأن يسافر إلى ثغر الإسكندرية ورشيد بسبب تفقّد أحوال الأبراج التى هناك، وأشيع أنه شرع فى بناء سور (٣) برشيد على شاطئ البحر الملح فأرسل عدة بنائين وحجارين

стр. 2874

بسبب ذلك، وقد بلغه عن ابن عثمان أنه يقصد يطرق ثغر الإسكندرية ودمياط على حين غفلة، فلما صلى السلطان الصبح يوم الأربعاء نزل من القلعة وتوجّه إلى بولاق وعدّى إلى برّ إنبابة ونصب له خيمة هناك حتى يتكامل خروج العسكر، فكان صحبته من الأمراء المقدّمين الأتابكى سودون العجمى والأمير أركماس أمير مجلس والأمير سودون الدوادارى رأس نوبة النوب والأمير أنسباى حاجب الحجّاب والأمير تانى بيك الخازندار أحد الأمراء المقدّمين، وجماعة من الأمراء الطبلخانات والعشرات منهم الأمير خاير بيك المعمار، وكان صحبته من المباشرين الشهابى أحمد ابن الجيعان نائب كاتب السرّ والقاضى أبو البقا ناظر الاسطبل، وآخرون من المباشرين من أرباب الوظائف، وعيّن معه نحو خمسين خاصكيا من أرباب الوظائف وألزمهم بأن يصحبوا معهم كلّ واحد فرسا وبغلا جنيبا، فقاسوا فى المراكب بسبب الخيول ما لا خير فيه، وكان النيل فى عشرين ذراعا والطرق مقطوعة من كثرة الماء، فحصل للأمراء والعسكر مشقّة زائدة ولا سيما فى رمضان والصيام عمّال كل يوم، فأقام السلطان فى برّ إنبابة إلى يوم الخميس ثالث الشهر فنزل فى مركب ورحل من إنبابة هو والأمراء فى عدّة مراكب كثيرة، وكانت هذه السفرة على حين غفلة. - وفى ليلة الجمعة رابع الشهر سقط سقف زاوية الشيخ أبى العباس البصير رحمة الله عليه، وهى التى عند باب الخرق المطلّة على الخليج، فقتل تحت الردم رجل وصبىّ صغير وهرب من كان بها من المصلّيين وقت العشاء فسلموا، ولم يقتل غير اثنين كما تقدم. - ومن الحوادث فى غيبة السلطان أن المماليك الجلبان ربطوا كلاّب حديد فى حبل وشلقوه، فتعلّق فى شباك الطبقة التى على باب الزردخاناه، وتسلّقوا عليه وهم من داخل الحوش السلطانى، فلما وصلوا إلى الشباك وجدوا بالقرب منهم أربع طقزيات بأسقاط فضّة فسحبوهم وأخذوهم، فلما طلع النهار حضر الأمير مغلباى الشريفى الزردكاش الكبير، فأعلموه بذلك ورأى الحبل معلقا فى الشباك

стр. 2875

فكتب بذلك محضرا، ولم يفد من ذلك شئ وراحت على من راح. - وفى يوم الأحد ثالث عشره أشيع بين الناس أن الوالى عاقب جانى بيك دوادار طراباى على بقيّة المال الذى تأخر عليه، فطالبوه بأن يورد مما عليه شيئا على الجامكية فقال: ما بقى معى شئ من المال غير روحى خذوها، فضربوه كسارات على ركبه، وقيل عصروه فى أصداغه، وهو يقول ما بقى معى شئ من المال، فاستمرّ يعاقبه الوالى حتى أشرف على الموت، وأشيع بين الناس موته، ولكن ما صحّ ذلك، وهذا انتقام من الله تعالى فإن جانى بيك هذا كان من وسائط السوء مستحقّا لكل الأذى. - وفى يوم الثلاثاء خامس عشر هذا الشهر حضر السلطان من ثغر الإسكندرية، وهذه السفرة الثانية، فكانت مدّة غيبته فى هذه السفرة ثلاثة عشر يوما لا غير، بخلاف السفرة الأولى، وكان سبب توجّهه إلى ثغر الإسكندرية فى هذه المرة فإنه لما بلغه عن سليم شاه ابن عثمان بأنه قد جهّز نحو أربعمائة مركب وهو قاصد إلى ثغر الإسكندرية ودمياط الشهير، فتوجّه السلطان إلى هناك لتفقّد أحوال الأبراج التى هناك وترميم بنائها، وتوجّه إلى رشيد وأيضا رسم بأن يبنى عليها سور من جهة البحر الملح، وأشيع أن السلطان أنعم هناك على خاير بيك العلاى الشهير بالمعمار بتقدمة ألف وجعله متحدثا فى باشية برج الأشرف قايتباى، وأشيع أيضا أن السلطان حصل له هناك توعّك فى جسده وأفطر يوما من شهر رمضان عند ما حصل [له] دوخة وأغمى عليه، فعند ذلك بادر بسرعة المجئ إلى مصر، فأتى فى مركب لبرّ مصر عند السواقى التى أنشأها هناك فطلع من عند السواقى هو والأمراء الذين كانوا صحبته، فأخلع عليهم هناك كوامل مخمل بصمور، فلما طلع لاقاه من هناك الخليفة والقضاة الأربعة وبقية الأمراء الذين كانوا بمصر، فشقّ من السبع سقايات إلى قناطر السباع، ورسم لأمير كبير سودون العجمى بأن يتوجّه إلى بيته من هناك، فلما وصل إلى المدرسة الصرغتمشية رسم للخليفة بأن يتوجّه إلى بيته من هناك، وكان الأمير أركماس أمير مجلس حصل له رمد فى عينه فلم يركب مع السلطان، فشقّ السلطان من الصليبة

стр. 2876

وطلع إلى الرملة ودخل إلى الميدان، فطوّب إلى القضاة وانصرفوا إلى بيوتهم، وكان موكب للسلطان هيّنا بخلاف مواكبه المقدّمة. وفى يوم الخميس رابع عشره فرّق السلطان الكسوة على العسكر مع الجامكية. - وفى ذلك اليوم أخلع السلطان على حسام الدين محمود بن قاضى القضاة سرىّ الدين عبد البرّ بن الشحنة وقرّره فى قضاء الحنفية، عوضا عن القاضى شمس الدين السمديسى الحنفى بحكم انفصاله عن القضاء، فكانت مدّته فى القضاء سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام، وكان من أخصّاء السلطان وإمامه ولكن سعى عليه الحسامى محمود بن الشحنة بثلاثة آلاف دينار حتى ولى وظيفة القضاء، وكان الحسامى محمود شابّا قليل الرأسمال (١) من العلم ولم يكن فى طبقة علماء الحنفية ممن ولى وظيفة قضاء الحنفية، ولكن السلطان ما عنده أعزّ ممن يورد له مال ويكون مهما كان، وقد استكثر غالب الناس على محمود وظيفة القضاء، وفيه يقول القائل: لا واخذ (٢) الرحمن سلطاننا … أفعاله بالطبع رهّاجة ولّى علينا للورى قاضيا … ما كان للدهر به حاجة وفى ذلك اليوم أخلع السلطان على محيى الدين يحيى بن قاضى القضاة برهان الدين الدميرى وأعاده إلى قضاء المالكية، عوضا عن جلال الدين بن قاسم بحكم انفصاله عن القضاء، وقد سعى عليه محيى الدين يحيى الدميرى بألفى دينار، وهذه ثانى ولاية وقعت لمحيى الدين بن الدميرى بمصر، فكان مدّة جلال الدين بن قاسم فى قضاء المالكية سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام مثل مدة السمديسى الحنفى فإنهما وليا فى يوم واحد، وقد تولّى الحسامى محمود ومحيى الدين يحيى بن الدميرى فى يوم واحد، وشقّا من القاهرة وعليهما التشاريف، وكان لهما يوم مشهود. - وفى هذا الشهر كملت عمارة مدرسة الأمير بيبرس قريب السلطان التى أنشأها بقرب خط الجودرية، وجاءت فى غاية الحسن والظرف، فخطب بها فى ذلك الشهر. - وفى يوم الاثنين حادى عشرينه كان أول هاتور الشهر القبطى، ومن العجائب

стр. 2877

أن النيل استمرّ فى ثبات لم ينهبط حتى دخل هاتور، وكان يومئذ فى تسعة عشر ذراعا ونصف ذراع، حتى عدّ ذلك من النوادر، ولكن حصل بذلك الضرر الشامل على المزارعين بمكث الماء على الأراضى، ومن العجائب مع وجود ثبات النيل هذه المدّة لم تسكن الجزيرة الوسطى فى هذه السنة ولا كرى فيها بيت ولا دكّان. - وفى ذلك اليوم توفّى الأمير أقبردى الحسنى أحد الأمراء العشرات من طبقة الزمامية، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى. - وفى يوم الأحد سابع عشرينه كان ختم صحيح البخارى بالقلعة، وأخلع السلطان على القضاة الأربعة وأعيان العلماء ومن له عادة، وفرّقت الصرر على جارى العادة، وكان ختما حافلا. - وفى يوم الاثنين ثامن عشرينه عرض ناظر الخاص خلع العيد على السلطان، وألبسه كاملية مخمل أحمر بصمور، ونزل من القلعة فى موكب حافل، وكانت الخلع فى هذه السنة فى غاية الوحاشة من انشحات ناظر الخاص بخلاف كل سنة. وفى شوال كان مستهل الشهر يوم الأربعاء، وهو يوم عيد الفطر (١)، فخرج السلطان وصلى صلاة العيد، ثم دخل إلى الحوش الكبير وجلس على الدكّة وأخلع على القضاة الأربعة ثم على أمير كبير وبقية الأمراء المقدّمين. - وفى ذلك اليوم أخلع السلطان على الأمير خاير بيك المعمار وألبسه مثمر وأطلسين لكونه بقى مقدّم ألف، ثم أخلع على المباشرين ومن له عادة، وكان موكب العيد حافلا، وكان الأمير طوماى باى الدوادار مسافرا فى جبل نابلس، وكانت الخلع فى هذا العيد فى غاية الوحاشة، وأبطل ناظر الخاص الطرز النخ الذى كان يعمل فى الخلع، وكانت الخلع من القماش القطنى الذى مثل القشّ، ثم نزل ابن السلطان إلى باب السلسلة وعليه فوقانى بطرز يلبغاوى عريض، ونزل فى موكب حافل وقدّامه الشعراء والشبابة السلطانية، فمدّ بباب السلسلة مدّة حافلة وأخلع على غلمانه أرباب الوظائف، ثم أخلع الفوقانى الذى كان عليه على الأمير أقباى الطويل

стр. 2878

أمير آخور ثانى أحد المقدّمين، فلما انقضى أمر المدّة بباب السلسلة نزل المقر الناصرى ولد السلطان من باب السلسلة وعليه تخفيفة صغيرة وسلارى بعلبكى أبيض، وقدّامه القاضى محيى الدين عبد القادر القصروى ناظر الجيش والقاضى أبو البقا ناظر الاسطبل وبعض جماعة من الخاصكية، وقدّامه ثلاث طوائل خيل بغواشى حرير أصفر، فلما شقّ من القاهرة ارتفعت له الأصوات بالدعاء، وأوقدوا له أحمال وتنانير بالنهار من الورّاقين إلى آخر البندقانيين، وزيّنوا له عند بيته زينة حافلة بالخيام والسحائب، وصنعوا له ردك على بابه وفيه أشجار وأحواض جلد بفواوير ماء عمّالة، واصطفّت له الناس على الدكاكين بسبب الفرجة، ودقّت له الكوسات على بابه، وزفّته المعانى بالطارات على الدكاكين، ولاقته طائفة اليهود بالشموع موقودة قدّامه، فاستمرّ فى هذا الموكب حتى دخل إلى بيته الذى فى خط البندقانيين، ومدّ له هناك مدّة ثانية، واستمرّ هناك فى بيته إلى أواخر النهار، ثم ركب من هناك وطلع إلى القلعة. - وفى يوم الخميس ثانيه تغيّر خاطر السلطان على عبد العظيم الصيرفى وأودعه (١) فى الحديد، وأرسله إلى بيت الأمير الدوادار حتى عمل حساب الشعير الذى هو متحدّث عليه، فاستمرّ فى الترسيم حتى يكون من أمره ما يكون. - وفى يوم الثلاثاء سابعه عرض السلطان جماعة من المماليك القرانصة، وعيّن منهم جماعة إلى العقبة وجماعة إلى الأزنم وجماعة إلى الإسكندرية وإلى رشيد وجماعة إلى دمياط يقيمون بها، فغالب المماليك اختار دمياط ورشيد دون تلك المواضع، وشرعوا يتشكون من ذلك فقال لهم السلطان: أنا ما أشرطت عليكم كل من أخذ منكم الخمسين دينار النفقة يسافر إلى العقبة والأزنم وغير ذلك من الأماكن وقلتوا نعم نسافر إلى أى مكان أرسلنا فيه السلطان، فحصل فى ذلك اليوم بين السلطان وبين المماليك بعض تشاجر، وانفضّ المجلس مانعا، وحنق السلطان من المماليك القرانصة فى ذلك اليوم إلى الغاية. - وفى يوم الخميس تاسعه أخلع السلطان على الأمير قانصوه العادلى

стр. 2879

كاشف الشرقية على عادته. - وفى يوم الجمعة عاشره، الموافق لتاسع عشر هاتور القبطى، فيه لبس السلطان الصوف وقلع البياض، وقد أخّر لبس الصوف عن عادته أياما. - وفى يوم السبت حادى عشره قبض السلطان على المعلّم خضر معامل اللحم وشكّه فى الحديد وقيده وسجنه بالعرقانة حتى يغلق ما عليه من اللحوم المكسورة للعسكر، وفى ذلك اليوم أورد عبد العظيم الصيرفى مما قرّر عليه بسبب الشعير المنكسر ألفى دينار، واستمرّ فى الترسيم حتى يغلق ما بقى عليه وهو فى الحديد. - وفى يوم السبت المذكور توفى الأمير نوروز أخو الأمير يشبك الدوادار أحد الأمراء المقدّمين الألوف، وكان له مدّة وهو منقطع فى بيته عليل حتى مات فى ذلك اليوم. - وفى يوم الخميس سادس عشره نفق السلطان الجامكية على العسكر، ووقع فى ذلك اليوم بعض اضطراب، وسبب ذلك أن السلطان كان عيّن من المماليك القرانصة خمسين مملوكا يتوجّهون إلى مكة صحبة باش المجاورين على جارى العادة، وكان قد عيّنهم فى ربيع الأول وأخذوا فى أسباب عمل يرقهم، فلما كان يوم الخميس المقدّم ذكره بدا للسلطان فى ذلك اليوم بأن يبطل هؤلاء الخمسين مملوكا الذين كان عيّنهم صحبة باش المجاورين وعيّن غيرهم فى ذلك اليوم وأبطل الذين كان عيّنهم قبل ذلك، وكان قد بقى لخروج المحمل يومين، فحصل الضرر الشامل إلى المماليك الذين بطلوا بعد أن باعوا خيولهم وقماشهم وأكروا لنسائهم على أنهم يقيمون فى مكة سنة، فتنكّدوا إلى الغاية بسبب ذلك، وحصل غاية الضرر للمماليك الذين تعيّنوا إلى مكة فى ذلك اليوم، وقد بقى لخروج الحجّاج يومين فخرجوا على وجوههم، وفيهم من سافر فى شقدف، وما حصل عليهم خير، فما شكر السلطان أحد على ذلك وأعابوا عليه هذه الفعلة، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة. - وفى ذلك اليوم عرض السلطان كسوة الكعبة الشريفة ومقام إبراهيم ﵇، وعرض المحمل الشريف، وكان السلطان فى الحوش جالسا به، وكان ذلك اليوم مشهودا. - وفى يوم السبت ثامن عشره

стр. 2880

خرج المحمل الشريف من القاهرة فى تجمّل زائد، وكان له يوم مشهود، وكان أمير ركب المحمل الأمير علان الدوادار الثانى أحد الأمراء المقدّمين، وأمير الركب الأول المقرّ العلاى على بن الملك المؤيّد أحمد بن الملك الأشرف أينال، وكان باش المجاورين فى تلك السنة الأمير بيبردى من كسباى أحد الأمراء العشرات، ومحتسب مكة الأمير قراكز الجكمى رأس نوبة عصاة، فارتجّت لهم القاهرة فى ذلك اليوم. - وفى يوم الثلاثاء ثامن عشره وقعت فيه نادرة غريبه وهو أن السلطان نزل إلى الميدان وجلس به وأحضر بين يديه شخصا يهوديا يقال له يوسف شنشوا، وكان أصله تاجرا من تجّار الفرنج، وكان يعرف باللغة التركية، ثم بقى معلما فى دار الضرب، فقيل إنه تأخّر عليه مال من بقايا المصادرات وحساب قديم وهو مبلغ اثنا عشر ألف دينار فتكاسل عن وزن ذلك، فأرسله السلطان إلى المقشرة فأقام بها أياما ولم يردّ شيئا مما عليه من المال، فأحضره السلطان بين يديه وأحضر له المعاصير وعصره فى أكعابه فى وسط الميدان بين يديه، فلما تزايد به أمر الوجع من عصر أكعابه أسلم وقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمدا رسول الله برأت عن كل دين بخلاف دين الإسلام، فكبّر الحاضرون من العسكر والناس أجمعين، فلم يلتفت السلطان إلى إسلامه وأبقاه بالعمامة الصفراء ورسم ليحيى بن نكار دوادار الوالى بأن يتسلّمه ويعاقبه ويستخلص منه المال جميعه، وقال: المسلمون كثير والإسلام ما له حاجة بهذا، فشكّه ابن نكار فى الحديد ونزل به ليعاقبه ويستخلص منه المال، فكان كما يقال: إذا تسلّط على اليهودى يسلم. - وفى هذا الشهر أشيع بين الناس أن العجمى الشنقجى الذى كان نديم السلطان يضحك عليه، وقد تقدّم القول على أن السلطان كان أرسله فى أواخر شهر رمضان إلى نائب الشام وإلى نائب حلب، وعلى يده فيلين تقدمة من عند السلطان أحدهما إلى نائب الشام والآخر إلى نائب حلب، فأشيع بين الناس أن الشنقجى العجمى قد مات على غير وجه مرضى، وقد اختلف القول فى سبب

стр. 2881

موته وإلى الآن لم يثبت عنه خبر صحيح فى كيفية موته والأقوال فى ذلك كثيرة، وكان هذا العجمى مشعوثا مضحكا يلعب بالصحون النحاس على جريدة فى الحلق، فلما قرّبه السلطان وأحسن إليه صار من جملة أعيان المملكة ويركب وقدّامه الساعى ويشقّ من القاهرة وتعظمه الأمراء وتقوم إليه إذا دخل عليها، وكذلك أرباب الدولة من المباشرين وغيرها، وقيل إنه لما دخل إلى الشام كان فى موكب حافل وزيّنت له مدينة دمشق لما شقّ فيها بالأفيال الذى أرسلهما السلطان، ويقال إن نائب الشام أنعم عليه بنحو ألف دينار وكذلك نائب حلب، وكسب من السلطان أموالا جزيلة وسلاريات صمور ووشق وغير ذلك أشياء كثيرة، ومن الأمراء وأعيان الناس، وكان الناس يسألونه فى قضاء حوائجهم عند السلطان، ورأى من العزّ والعظمة بالديار المصرية ما لا رآه أحد قبله من المقرّبين عند الملوك، وكانت رياسة هذا العجمى من غلطات الزمان كما قيل: ما طاب فرع أصله خبيث ولا زكى من مجده حديث، ولم يصحّ موته. - وفى يوم الأربعاء سادس عشرينه حضر مبشر الحاج وقد أبطأ عن ميعاده أياما، وسبب ذلك أن العربان خرجوا عليه وعرّوه وأخذوا جميع ما معه حتى الراحلة التى تحته وجميع كتب الحجاج، فلم يصل لأحد من الناس من حجاجه كتاب فى هذه السنة، وقيل إن المبشّر مشى على أقدامه يومين وهو لابس بشت، فلما سمع السلطان ذلك تنكّد والناس قاطبة لهذه الأخبار المهولة، فلما حضر المبشّر أشيع بين الناس وفاة القاضى زين الدين النابلسى أخى الشرفى يونس النابلسى الذى كان أستادار، وكان القاضى زين الدين مجاورا بمكة فمات هناك. - وفى هذا الشهر أشيع سفر السلطان إلى جهة الفيوم ليكشف عن الجسر الذى انهدم من الماء وشرّق غالب بلاد الفيوم، فلما تسامعت المماليك الجلبان بسفر السلطان إلى الفيوم تنكّدوا لذلك وقالوا: كيف يسافر السلطان فى قوّة الشتاء وخيولنا فى الربيع، فشقّ عليهم ذلك وربما أشاعوا وقوع فتنة كبيرة. - وفى يوم الخميس سابع عشرينه حضر إلى الأبواب

стр. 2882

الشريفة ابن على دولات الكبير وقد اجتمع أولاد على دولات وأخيه عبد الرزاق الكل بمصر، ولما حضر ابن على دولات حضر صحبته حاجب ثانى بحلب وهو شخص يقال له قانصوه من نفيس، وكان نائب حلب أرسله إلى ابن عثمان قاصدا بسبب القلاع التى أخذها من بلاد على دولات، فلما حضر قانصوه هذا من عند سليم شاه بن عثمان فأخبر عنه بأخبار غير صالحة بأنه قال: أنا ما أخذت هذه القلاع إلا بالسيف وما أردّهم إلا بالسيف، وأنه ما هو راجع عن التوجّه إلى حلب والشام وحدثته نفسه بأخذ مصر، وهو فى عمل يرق عظيم وجهّز مراكب فى البحر ليجئ على إسكندرية ودمياط، فلما سمع السلطان ذلك تنكّد واجتمع هو والأمراء فى ضرب مشورة بسبب ذلك، وأخبر هذا القاصد أنه أراد أن يعوّقه عنده أو يقتله فما مكّنوه أمراؤه من ذلك، وقالوا: القاصد ما يقتل. - وفى ذلك اليوم كان آخر تفرقة الجامكية فأشيع فى ذلك اليوم بإقامة فتنة كبيرة من المماليك الجلبان، فلما كان ليلة الجمعة أثاروا المماليك فتنة بالقلعة ورجموا من الطباق، فلما طلع النهار يوم الجمعة نزل السلطان إلى الميدان وجلس به وتردّدت الرسل بينه وبين المماليك وقد أرسل لهم جماعة من الأمراء والخاصكية فقالوا لهم: نحن ما [نطلب] منه نفقة وإنما نطلب أن يبطل المجامعة والمشاهرة التى قرّرها على السوقة فى الدكاكين وعلى (١) سائر البضائع حتى ما نلتقى شئ نأكله ويصرف هذه اللحوم المنكسرة للعسكر ففيهم من له عشرة أشهر مكسورة وفيهم من له ستة أشهر وأربعة أشهر مكسورة وأن يبطل هذا الظلم الزائد والمصادرات للناس وأن يمشى على طريقة الملوك السالفة وأن يعزل ابن موسى من الحسبة ويعزل الوزير يوسف البدرى من الوزارة ويعزل كرتباى الوالى فإنه قتل من خشداشينا مملوكا وما بقى لنا حرمة بين العوام، وذكروا أشياء كثيرة من هذا النمط، وفى رواية أخرى أن المماليك قالوا: ويسلّمنا علم الدين الحلبى

стр. 2883

وجمال الدين بوّاب الدهيشة، فإن جمال الدين كان متحدثا فى الخزائن الشريفة من بعد موت الأمير خاير بيك الخازندار، فصار جمال الدين يعارض المماليك فيما رسم لهم به السلطان من إنعام لهم، فلما طال المجلس على السلطان وأعيت الرسل المترددة بالرسائل بين السلطان وبين المماليك قام السلطان من الميدان وقد أدركته صلاة الجمعة، فلما طلع أغلقت المماليك فى وجهه باب السبع حدرات ثم رجموه من الطباق ولم يمكنوه من الدخول إلى الحوش، وقيل جاءته رجمة فى تخفيفته وسبّوه من الطباق سبّا فاحشا بعبارة قبيحة، فلما عاين السلطان ذلك خاف على نفسه من البهدلة فرجع إلى الميدان وخرج من باب الميدان الذى عند حوش العرب وخرج من بين الكيمان وتوجّه إلى الروضة وعدّى إلى المقياس وأقام به ذلك اليوم، ثم نادى لأصحاب المراكب أن لا يعدّى أحد من النواتية بأمير ولا مملوك إلا بمشورة السلطان، فلما قرب وقت صلاة الجمعة طلع جماعة من الأمراء المقدّمين إلى صلاة الجمعة فلما بلغهم توجّه السلطان إلى المقياس صلوا الجمعة بالقلعة، ثم نزل ستة عشر أميرا مقدّم ألف وتوجّهوا إلى عند السلطان فى المقياس لكى يرضوا خاطره على مماليكه مما وقع من المماليك فى حقّه، فلما اجتمعوا بالسلطان قال لهم: أنا ما بقيت أعمل سلطانا ولّوا عليكم من تختاروه غيرى، فبات تلك الليلة بالمقياس وباتت عنده الأمراء المقدّمون، فلما كان وقت المغرب نزل من القلعة الجمّ الغفير من المماليك الجلبان وقصدوا أن ينهبوا بيوت الأمراء، فمنعوا بعضهم بعضا من ذلك، فنهبوا بعض دكاكين من الصليبة مثل الشمع والحلوى والخبز وغير ذلك، واستمرّ الحال على ذلك بطول الليل وهم يشوّشون على الناس ويخطفون العمائم والشدود، وحصل منهم فى تلك الليلة الضرر الشامل من اذى المماليك، وكان السلطان لما توجّه إلى المقياس أخذ ولده معه خوفا عليه من المماليك أن لا ينكدوا عليه. - فلما كان يوم السبت تاسع عشرينه توجهت الأمراء المقدّمون قاطبة إلى عند السلطان، وكذلك الأمراء

стр. 2884

الطبلخانات والعشرات من أرباب الوظائف، فوقف الأتابكى سودون العجمى وبقيّة الأمراء المقدّمين وباسوا الأرض للسلطان على أنه يقوم ويطلع إلى القلعة ويرضى عن مماليكه، فشقّ السلطان ملوطته وبكى حتى أغمى عليه ورشّوا على وجهه الماء وهو يقول: ما بقى لى حاجة بسلطنة فأرسلونى أى مكان تختارونه وولّوا أمير كبير، فخاف أمير كبير وصار يرعب من كلام السلطان وحصل له وهم. - وقد وقع عروض ذلك للملك الأشرف قايتباى لما طلبوا منه المماليك نفقة عند حضورهم من تجريدة ابن عثمان، فجمع الأمراء قاطبة والخليفة والقضاة الأربعة وأحضر القبّة والطير وفرس النوبة وقال: سلطنوا أمير كبير أزبيك، وفكك أزرار ملوطته على أنه يدخل إلى البحرة، وقال للقضاة: اشهدوا علىّ أنى قد خلعت نفسى من السلطنة، وقد تقدم ذلك فى أوّل التاريخ من أخباره، فلما خلع نفسه من السلطنة أعاده الخليفة إلى السلطنة ثانيا، وكان سبب ذلك المماليك أيضا. - تم إن السلطان أرسل خلف أغوات الطباق وهو فى المقياس، فلما حضروا بين يديه صاروا يشكون له أن إقطاعاتهم لم يصل لهم منها شئ، وأن الحماية يأخذونها من المقطعين معجّلا قبل أوان النيل بمدّة، وأن لحوم العسكر مكسورة بالأشهر، وأن جميع البضائع غالية بسبب المشاهرة والمجامعة التى قرّرت على السوقة، وأن كلّ شئ غال حتى الخام والبعلبكى والتبن ما يوجد، وصارت الجامكية ما فيها بركة كونها من مال المصادرات وأغلظوا عليه فى القول، وقالوا له: ليش ما تمشى على طريقة الملوك السالفة وتقلّ من هذا الظلم، ثم قرّروا معه بأن يصرف للعسكر اللحوم المكسورة وأن يبطل المشاهرة والمجامعة، ويعزل المحتسب ويولى غيره، ويعزل الوزير والوالى ويولى غيرهما، فقال السلطان: نعم أفعل لكم ذلك جميعه، وصاروا يشرطون عليه شروطا كثيرة من هذا النمط، وهو يقول: نعم، وكان ألماس دوادار سكين هو الذى يتردّد بالرسائل بين السلطان وبين المماليك، فلما طلب خاطر المماليك على ذلك أحضر لهم السلطان مصحفا شريفا وحلّف

стр. 2885

عليه أغوات الطباق من الخاصكية، وكلّ واحد منهم على انفراده، بأن يرجّعوا بقية المماليك ويخمدوا هذه الفتنة ويكونوا تحت طاعة أستاذهم، فحلفوا على ذلك ودخلوا على السلطان وباسوا له الأرض، وحمدت تلك الفتنة على خير، ولولا لطف الله تعالى فى إخماد هذه الفتنة عن قريب، وإلا كان قصد المماليك الجلبان أن ينهبوا المدينة وأسواق القماش وبيوت الأمراء وأعيان الناس ويقتلوا من الأمراء من أرادوا قتله، ولو فعلوا ذلك لطلع من يدهم، وكل مفعول جائز فى هذه الأيام، ولكن الله سلّم ولله الحمد على ذلك. أقول: عوّل على كتب التاريخ واغن بها … فكم تهزّ لها الأعطاف من طرب ولا تعوّل على من قال من سفه … السيف أصدق أنباء من الكتب وكان الفراغ من كتابة هذا الجزؤ وتحريره، على يد كاتبه ومؤلفه فقير رحمة ربّه محمد بن احمد بن إياس الحنفى عامله الله تعالى بلطفه الخفى، فى يوم الاثنين مستهلّ المحرم افتتاح عام سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة المبارك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ورضى الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ذكر أرجوزة لطيفة تتضمن أسماء السلاطين هم وأولادهم (١) على الترتيب، ومن ولى منهم من مبتدأ دولة الأتراك وإلى يومنا هذا، فكان أول ملوك الترك بالديار المصريّة الملك المعزّ أيبك التركمانى، تولى الملك سنة ثمان وأربعين وستمائة، فهو أول ملوك الترك بالديار المصرية. وهذه الأرجوزة الموعود بذكرها: فأول الترك أتى المعزّ … ثم ابنه ووافقته الغزّ

стр. 2886

فهو علىّ لا على فى القدر … أيامه مغدوقة بالشرّ ثم أتانا الملك المظفّر … وحظّه من نصره موفّر ثم حوى الأمر الملك الظاهر … لا زال للأعداء وهو قاهر ثم أتانا الملك السعيد … وكل يوم فى ذراه عيد ثم أقيم بعده سلامش … أخ له طفل صغير طائش (١) مدّته قصيرة يسيرة … ولى قلاوون بها تدبيره ثم أتانا الملك المنصور … فهو قلاوون أبو الذكور ثم تولاّها المليك الأشرف … ومن غدا بكل جود يعرف ثم تولاّها المليك الناصر … وما له فى نصره مؤازر ثم أتانا كتبغاء العادل … وما جرى أيامه فسائلوا وبعده لاجين هو المنصور … وروكه بلادنا مشهور ثم أعيد الناصر الكبير … نجل قلاوون هو المنصور فصار أمر الملك للبرجيّة … فى مدّة نالوا بها الأمنية فضاق ذرعا بالذى قد حازوا … وامتاز غيظا وهم ما مازوا ثم حوى الأمر بها المظفر (٢) … ليقضى أمر ربّنا المقدّر فصار ملك مصر للمظفر … ولم يقم فى الملك غير أشهر ثم أتى السلطان أعنى الناصرا … إلى سرير ملكه مبادرا ثم له بهذه ثلاثة … وسنّه إذ ذاك فى الحداثة أقام فيها مدّة طويلة … وسار فيها سيرة جميلة ثم أبو بكر سليل الناصر … تلا أباه فى الزمان الحاضر ولقّب المنصور مثل جدّه … وليس جدّه كمثل جدّه

стр. 2887

وبعده طفل صغير هو كجك … خمس سنين ما مضت حتى هلك لا بارك الرحمن فى من قتله … لقد أتى خزيا بما قد فعله قوصون ساس الملك فى ذى المدّة … وكان فيها فى أذى وشدّة ثم أتى الناصر بن الناصر … وبعده الصالح ذو المآثر والناصر المذكور عاد راجعا … لحصنه والملك صار ضائعا أقام فينا الصالح الجليلا … طائره أضحى به جميلا وبعده شعبان وهو الكامل … وبعده المظفّر المماطل وبعد الناصر أعنى عن حسن … وبعده الصالح فى البرج سجن وعا للملك إلينا حسننا (١) … وبعده المنصور ثار الفتنا ثم أقيم بعده شعبان … فابتهجت بملكه الأكوان ولقّبوه أشرفا مثل كجك … والده الحسين قطّ ما ملك ثم أقيم بعده المنصور … وهو على بخله الكبير وبعده حاجى أخوه الصالح … بيعته السعد عليها لائح وبه انتهت دولة بنى قلاوون وابتدأت دولة الجراكسة، فكان أول ملوك الجراكسة الملك الظاهر برقوق، فابتدأت دولة الجراكسة من سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وذلك فى شهر رمضان المعظم قدره: ثم ولى الملك المليك الظاهر … برقوق سهم للأعادى قاهر وبايعوا حاجى أيضا بعده … ولقّب المنصور مثل جدّه ثم ولى برقوق ثانى مرة … للملك واستقام أمره ثم ابنه بعده الناصر فرج … فنال من سلطانه أعلا الدرج

стр. 2888

ثم أقاموا الملك المنصورا … عبد العزيز فاعتلا السريرا ثم أعيد الملك ثانى مرة … لفرج الناصر بعد حسرة وبعد هذا بويع الخليفة … ذو الرتبة العالية المنيفة المستعين الأعظم العبّاس … فاستوثق (١) الأمر وسرّ الناس ثم أتانا الملك المؤيّد … شيخ أبو النصر الشجاع الأمجد ثم أقاموا ابنه الرضيعا … أحمد المظفّر الرفيعا وبعده قد فاز بالملك ططر … ولقّب الظاهر أياما ومر ثم أقاموا نجله محمدا … ولقّبوه الصالح الممجّدا ثم ولى من بالرعايا يرؤف … وهو برسباى المليك الأشرف كنى أبو النصير وذاك فال … لجيشه بالرعب حيث مالوا قد خصّه الله بفتح قبرسى … وكان أمر الفتح شيئا قد نسى ثم ابنه وهو العزيز يوسف … وأمره فى ملكه مستضعف ثم أتى الظاهر أعنى جقمقا … من بعده وكان بالجود أرتقا ونال من مولاه فخرا كاملا … ببرّه الأيتام والأراملا ثم أقاموا نجله عثمانا … بالعهد فى حياته سلطانا ملقّبا بالملك المنصور … ورافلا فى البشر والسرور فما استقام أمره زمانا … بل زال ما كأنه قد كانا ثم أقاموا بعده أينالا … ولقّبوه أشرفا فنالا ولم يزل فى ملك مصر يرتع … حتى أتاه حادث لا يدفع فاستخلفوا ابن الكبير أحمدا … ولقّبوه الملك المؤيّدا

стр. 2889

فلم تطل مدّته من بعده … ولم يجد مساعدا من جنده ثم ولى خشقدم (١) الهمام … من بعده على العدا حسام ولقّب الظاهر فألا فظهر … ثم إلى ضدوا حقيقا قد قهر ثم ولى الظاهر يلباى بعده … وبايعوه أجمعين جنده فلم يقم إلا قليلا وخلع … وملك مصر من يديه قد قلع ثم أتى من بعده تمربغا … فكان سيفا قاطعا لمن بغى ملقبا يدعونه بالظاهر … أيضا بتقدير الإله القاهر فلم يقم إلا كمثل الأول … وزال عنه ملكه بالعجل ثم لقايتبيه آل الملك … قول صحيح ليس فيه شك ملقّبا من بعده بالأشرف … عامله الله بلطفه الخفى أقام فى الملك ثلاثين سوى … سبع شهور وحوى ما قد حوى وبعده قد سلطنوا محمدا … نجل له حقا على رغم العدا ولقبوه بالمليك الناصرى … فلم يكن بين الورى بشاكرى وخمسمائة قد تولى بعده … أيامه كالحلم يبدى فقده ثلاث أيام سوى دولته … وانقطعت منها بها حجّته ثم أعيد الناصر الصبور … وجاءه نصر له سرور

стр. 2890

فعاجلوه بعد ذا بالباتر … وقد أتى لرمسه مبادر فسلطنوا خال له من بعده … وليس يدرى عيّه من رشده فلقّبوه بالمليك الظاهر … وساعدته نصرة من قادر فجاء فى الملك على الوجه الرضى … وكل إنسان بفعلوا قد رضى ثم أتى الدهر بجان بلاط … فأظهرت أيامه الإفراط ثم نهى العادل فينا وأمر … دولته كانت كلمح بالبصر وبعده قد جاءنا ذا الغورى … فسلطنوه سرعة بالفور أقام فى الملك سنين عدّة … والناس فى ضنك وقاسوا شدّة فعدّهم لسلطنة ذا الغورى … سبعة وأربعون جدّ السيرى فعدّة الأتراك ممن قد ولّى … سبعة وأربعون فاسمع يا خلّى فهم وأولادهم فى العدّ … تذكرة لمن يجى من بعدى فإن عدّ الأشرف قانصوه خمسمائة من جملة السلاطين فيكونوا به ثمانية وأربعون سلطانا، هم وأولادهم، والله أعلم بمن يجئ من بعد ذلك. وجاء طومان باى يسعى الملك … من بعده وليس فيه شك يقرب فى أنسابه للغورى … لا فى المظالم وارتكاب الجور ثم سليم شاه ولى من بعده … وضك فى أيامه عن رشده وبالهنا جاء سليمان ابنه … تملك الملك حقيقا ذريته ثم ولى الباشا المسمّى أحمدا … فثار نارا فى الورى ما أخمدا تمت الكلام فى شهر رجب سنة ١١٢٧.

стр. 2891

الجزء الخامس (٩٢٢ - ٩٢٨ هـ)

стр. 2892

تصدير فى كلمة التصدير للجزء الرابع من بدائع الزهور فى وقائع الدهور، وهو الجزء الذى يشمل تاريخ الفترة من سنة ٩٠٦ إلى سنة ٩٢١ هـ (١٥٠١ - ١٥١٦)، التى تسبق الفتح العثمانى لسوريا ومصر، ذكرت أننى بدأت بنشر الجزء الرابع نظرا إلى أن متن تاريخ الفترة التى يتضمنها ينقص تماما فى طبعة بولاق، إذ لم يرد فيها ذكر أى شئ عن هذه الفترة الهامة من التاريخ. وذكرت أيضا أننى سوف أنشر الجزء الخامس بعد الجزء الرابع من تاريخ ابن إياس، ثم أعود إلى نشر الأجزاء الثلاثة الأولى منه، مع مقدمة وافية عن الكتاب ومؤلفه، وأننى سوف أخصص جزءا سادسا لفهارس الكتاب، يكون أحدها للمصطلحات اللغوية التى وردت فيه. وقد عمدت إلى هذا الترتيب فى نشر أجزاء الكتاب اعتبارا لأهمية ما يرويه ابن إياس فى كل منها. والجزء الخامس، الذى أقدمه هنا، يحوى ما كتبه ابن إياس عن المدة من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨ هـ (١٥١٦ - ١٥٢٢)، وهى فترة جاسمة من التاريخ، تتضمن أخبار الفتح العثمانى لسوريا ومصر، وما تبع ذلك من تبديل وتغيير فى شئون الإدارة والقضاء والسكة والموازين والمقاييس والعادات والتقاليد والزىّ والملابس وغير ذلك. هذا إلى جانب أن ابن إياس - فى خلال الفترة التى يتضمنها متن الجزء الخامس - كان المؤرخ الوحيد المعروف لنا الذى عاش طوال هذه المدة فى القاهرة، وعاصر وشاهد بنفسه ما يرويه من أحداث وأخبار، فيقول عن نفسه وهو يصف موكبا

стр. 2893

لملك الأمراء خاير بك: «وقد شاهدت هذا الموكب بالمعاينة، وكان من المواكب المشهودة الجليلة» (انظر هنا فيما يلى ص ٤٣٤ س ١١). وقد اعتمدت فى نشر الجزء الخامس على المخطوط رقم ٤١٩٩ المحفوظ فى مكتبة جامع الفاتح بإستانبول، وهو بخط المؤلف. ونقرأ فى صفحة العنوان: «الجزء الحادى عشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور، تأليف كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى، عامله الله تعالى بلطفه الخفى، وغفر له وللمسلمين أجمعين». واختتم المؤلف هذا الجزء بقوله: «يتلوه الجزء الثانى عشر من بدائع الأمور (كذا!) فى وقائع الدهور، وكان الفراغ من هذا الجزء فى يوم الأربعاء سلخ ذى الحجة الحرام سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، وذلك على يد كاتبه ومؤلفه، فقير رحمة ربّه تعالى، محمد بن أحمد بن إياس الحنفى، عامله الله بلطفه الخفى. وإن تجد عيبا فسدّ الخللا … جلّ من لا عيب فيه وعلا «و ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، ورضى الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين. تمّ ذلك بعون الله تعالى وتوفيقه». ومما تقدم يتبيّن أن الجزء الخامس هذا هو الجزء الحادى عشر فى التقسيم الذى أراده ابن إياس لكتابه (١)، وأن إبن إياس أتم كتابة هذا الجزء «فى يوم الأربعاء سلخ ذى الحجة سنة ٩٢٨»، وقد كتب ذلك بخط يده فى ذيل ما دوّنه _________ (١) انظر: صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور، ص ٢٢ - ٢٥ من المقدمة.

стр. 2894

من أخبار اليوم ذاته. وكان المؤلف، فى هذه الفترة من حياته، يدوّن يوما بعد يوم الأخبار والوقائع التى يسمعها أو يشاهدها. ومما لا شك فيه أنه قد استمرّ فى اليوم التالى، أى فى أول المحرم سنة ٩٢٩، فى كتابة مذكراته، وتأليف الجزء الثانى عشر من كتابه، وفقا للتقسيم الذى رسمه له. غير أننا لم نعثر على أى قسم من مسودات هذا الجزء، ويغلب على الظن أنها فقدت، وكان ابن إياس فى نهاية سنة ٩٢٨ ما زال يعرف تماما ما يقول وما يكتب، ولم يكن بعد قد بلغ من الهرم أشدّه، فإنه ولد فى ٦ من ربيع الآخر سنة ٨٥٢ (٨ من يونيه سنة ١٤٤٨)، هذا إذا لم تكن قد عاجلته المنية فجأة قبل أن يبدأ فى تحرير الجزء الثانى عشر من كتابه. وقد بينت فى كلمة الفاتحة التى كتبتها لكتاب «صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور» (ص ١٠)، أن المتن المنشور فى الجزء الثانى من تاريخ ابن إياس فى طبعة بولاق، يعتمد فى طبعه على نسخة اختصر فيها المتن إلى حدّ أنه صار بعيدا كل البعد عن متن الأصل الذى كتبه ابن إياس بخطه. وأعود فأقول إن المتن فى الجزء الثالث من طبعة بولاق، الذى يتضمن الفترة ذاتها المنشورة هنا فى الجزء الخامس، قد اعتمد فيه على نسخة حاول ناسخها أن يصحح الأسلوب اللغوى للمؤلف وأخطاء الإملاء، فنتج عن ذلك تحريف فى المتن فى كثير من المواضع، وتغيير فى الأسماء، ونقص فى العبارات. ومن أمثلة ذلك قوله فى الجزء الثالث من طبعة بولاق ص ٢٠٤ س ١٣ «دكاكين الحشاشين» بدلا من «دكاكين الخشابين» (هنا ص ٣١٥ س ١٤)، وقوله ص ٢٢٣ س ٦ «وكان يجلس عند شخص بسوق … » بدلا من «وكان يجلس على قفص عند سوق … » (هنا ص ٣٤٤ س ١ - ٢)، وقوله

стр. 2895

ص ٢٣٨ س ٢٠ «قفطان حرير صارى» بدلا من «قفطان حرير برصاوى» (هنا ص ٣٦٦ س ٢٠) وبرصاوى نسبة إلى مدينة برصا، وقوله ص ٣٠٦ س ١٢ «صفقت النساء ورقصت وقلن فى كلامهن» بدلا من «صنّفت النساء رقصة فقالوا» (هنا ص ٤٦٩ س ٥). والواقع أن ابن إياس - مثل غيره من المؤرخين فى القرن التاسع الهجرى (١٦ م) - له أسلوب لغوى خاص، ولغة سهلة بسيطة أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى، لا يعبأ كثيرا بقواعد الإملاء، يخلط بين الجمع والمفرد، والمذكر والمؤنث، والرفع والجر والنصب، مع أنه يعرف القواعد الصحيحة للإملاء، ويكتب بمقتضاها فى أغلب مواضع الكتاب، ولكنه يتحمس أحيانا لخبر يورده، فيكتب كما ينطق لا كما يجب أن تكون عليه قواعد اللغة. وقد حاولت جهدى أن أحافظ على لغة الكتاب، فلم أصحح من الهنات سوى ما ثبت لى أنه وقع سهوا من المؤلف، وأشرت إلى ذلك فى الحواشى. أما فى غير ذلك فإننى تركت لغة الكتاب، وما فيها من كلمات وقواعد عامية، كما هى دون أى تغيير فيها أو تصحيح، لتكون مثالا يبحثه المشتغلون باللغة وتطور أساليبها، ولعلهم يثبتون أن الكثير من كلمات اللغة العامية وقواعدها فى عصرنا الحاضر ترجع إلى عصر ابن إياس ومعاصريه من المؤرخين، أو إلى ما قبل ذلك. وسوف تكون لنا عودة فى هذا الشأن فى مقدمة الكتاب. ولا يفوتنى هنا أيضا أن أكرر أخلص الشكر لأستاذى الدكتور باول كاله، الذى تفضل متطوعا فقدم لى جميع مالديه من الصور الفوتوغرافية المأخوذة عن نسخة الأصل، فكان لجهوده أكبر الفضل فى نشر هذا الكتاب. وأشكر السيد الدكتور هانس إرنست، مندوب جمعية المستشرقين الألمانية بالقاهرة، لمعاونته الصادقة فى شئون

стр. 2896

طبع هذا الجزء من الكتاب. وإنه ليشرفنى فى هذه المناسبة أيضا أن أكرر الشكر للهيئات المختلفة فى شتى الأقطار، التى أسهمت فى إخراج هذا الجزء من الكتاب، مما يبرزه فى مظهر تعاونى علمى، له الصفة الدولية. ولا يفوتنى أن أنوه بأن وزارة الثقافة والإرشاد القومى ووزارة التربية والتعليم بالإقليم الجنوبى من الجمهورية العربية المتحدة، وكذلك الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالقاهرة، قد قبلت كلها الاشتراك فى جميع ما يصدر من أجزاء هذا الكتاب، فأكدت بذلك أمر صدوره. القاهرة فى ٩ من يونيه سنة ١٩٦١ محمد مصطفى

стр. 2897

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر وأعن أقول: مناقب الأشرف الغورىّ قد شرفت … على جميع ملوك الأرض فى الخبر لأنّه العقد فى جيد الملوك ولا … يقاس قطّ عقود الجذع بالدّرر ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة المباركة وكان مستهلّ المحرّم يوم الاثنين، فكان يومئذ خليفة الوقت أمير المؤمنين المتوكّل على الله محمد بن أمير المؤمنين المستمسك بالله يعقوب عزّ شرفهما؛ وسلطان مصر يومئذ الملك الأشرف أبو النصر قانصوه من بيبردى الغورى عزّ نصره؛ وأما السادة القضاة الأربعة: فالقاضى الشافعى قاضى القضاة كمال الدين الطويل، والقاضى الحنفى قاضى القضاة حسام الدين محمود بن قاضى القضاة سرىّ الدين عبد البرّ ابن الشحنة الحلبى، والقاضى المالكى قاضى القضاة محيى الدين يحيى بن قاضى القضاة برهان الدين الدميرى، والقاضى الحنبلى قاضى القضاة شهاب الدين الفتوحى، أيّد الله بهم الإسلام. وأما عدّة الأمراء المقدّمين فكان عدّتهم يومئذ ستّة وعشرين أميرا مقدّم ألف، منهم أرباب الوظائف ستّة وهم: الأتابكى سودون من جانى بك العجمى أمير كبير، وكانت يومئذ أمرية السلاح شاغرة، والأمير أركماس من طراباى أمير مجلس، والمقرّ الناصرى محمد نجل المقام الشريف أمير آخور كبير، والأمير سودون من يشبك الدوادارى رأس نوبة النوب، والأمير أنصباى من مصطفى حاجب الحجاب، والأمير طومان باى من قانصوه بن أخى السلطان أمير دوادار كبير، وقد جمع بين الدوادارية الكبرى والأستادارية العالية وكاشف الكشّاف. وأما الأمراء المقدّمون غير أرباب الوظائف وهم: الأمير يخشباى من

стр. 2898

عبد الكريم وقيل من قانم نائب طرابلس كان، والأمير قانصوه من كسباى بن سلطان جركس المعروف بابن اللوقه، [والأمير قانصوه الفاجر، والأمير قانصوه السيفى يشبك أبو سنّة الوالى كان، وقيل إن السلطان عيّن تقدمة إلى الأمير حسين نائب جدّة وتوجّهت إليه البشائر بذلك عن ما (١) قيل] (٢)، والأمير تمر الحسنى المعروف بالزردكاش، والأمير طقطباى العلاى نائب القلعة، والأمير قانصوه كرت من تمر باى، والأمير جان بلاط المحمدى المعروف بالموتر، والأمير تانى بك النجمى، والأمير أرزمك الشريفى المعروف بالناشف، والأمير تانى بك من يشبك المعروف بالخازندار، والأمير قانصوه من يشبك المعروف بروح لو نائب قطيا، والأمير خاير بك السيفى أينال، والأمير أزبك من طراباى المعروف بالمكحل، والأمير بيبرس من عبد الكريم، والأمير أبرك الأشرفى، والأمير علان من قراجا وقد جمع بين التقدمة والدوادارية الثانية، والأمير خدا بردى الأشرفى نائب الإسكندرية، والأمير أقباى من قانصوه وقد جمع بين أمرية آخورية الثانية والتقدمة، والأمير خاير بك العلاى المعروف بالمعمار. وأما نواب البلاد الشامية والحلبية: فالمقرّ السيفى سيباى من بختجا نائب الشام، والمقرّ السيفى خاير بك من ملباى نائب حلب، وتمراز الأشرفى نائب طرابلس، وجان بردى الغزالى نائب حماة، ويوسف الذى كان نائب القدس انتقل إلى نيابة صفد، ونائب غزّة دولات باى وقد أضيف إليه نيابة القدس والكرك مع نيابة غزّة. وأما الأمراء الطبلخانات من أرباب الوظائف: فالأمير يوسف الناصرى الذى كان نائب حماة شاد الشراب خاناه الشريفة، والأمير مغلباى الشريفى الزردكاش الكبير، والأمير نوروز تاجر المماليك، والأمير قانصوه من دولات بردى أستادار الصحبة، والأمير قنبك من يخشباى رأس نوبة ثانى، والأمير طومان باى قرا حاجب ثانى، والأمير كرتباى الأشرفى والى الشرطة، والأمير أزدمر المهمندار،

стр. 2899

والشرفى يونس نقيب الجيوش المنصورة، والأمير يخشباى قرا شاد الشون، والأمير يونس الترجمان، ومعلم المعلمين البدرى حسن بن الطولونى، ولكن الوظيفة بيد ولده أحمد من حين كفّ بصره وانقطع. وأما الأمراء الرءوس نوب فكثير لم نوردهم هنا خشية من الإطالة. وأما أرباب الوظائف من أعيان المباشرين المتعمّمين: فالمقرّ القضوى المحبى محمود ابن أجا الحلبى كاتب السرّ الشريف ناظر ديوان الإنشاء أعزّه الله تعالى، ونائبه المقرّ الشهابى أحمد بن الجيعان، والمقرّ القضوى محيى الدين عبد القادر الشهير بالقصروى ناظر الجيش الشريف، والزينى عبد القادر وأخوه أبو بكر أولاد الملكى مستوفيان ديوان الجيش الشريف، والمقرّ العلاى على بن الإمام ناظر الخاصّ الشريف وناظر الأوقاف، وكانت الوزارة يومئذ شاغرة من حين عزل عنها يوسف البدرى، فكان القاضى شرف الدين الصغير ناظر الدولة ومتكلّما فى ديوان الوزارة وقد جمع بين نظارة الدولة وكتابة المماليك، وكانت وظيفة الأستادارية يومئذ بيد الأمير طومان باى الدوادار، والقاضى أبو البقا ناظر الاسطبل الشريف ومستوفى ديوان الخاصّ، والقاضى عبد الباسط بن تقى الدين ناظر الزردخاناه، والقاضى عبد الكريم بن اللادنى مستوفى الزردخاناه، والقاضى زين الدين بركات بن موسى ناظر الحسبة الشريفة وغير ذلك من الوظائف، [وناظر الأحباس بدر الدين بن العبسى، ونقيب الأشراف السيّد الشريف أفضل الدين محمد] (١)، والأمير شرف الدين يونس النابلسى أستادار العالية كان والآن صار متحدّثا فى استيفاء ديوان جيش الشام، والقاضى كريم الدين أخو القاضى شهاب الدين أحمد بن الجيعان والشمسى محمد بن القاضى صلاح الدين بن الجيعان متحدّثان فى الخزائن الشريفة، والشمسى محمد بن إبراهيم الشرابيشى متحدّث فى وظيفة الزماميّة، والعلاى على البرماوى متحدّث فى جهات الديوان المفرد وبرددارية (٢) السلطان، وعبد العظيم الصيرفى متحدّث فى

стр. 2900

الشون السلطانية وأمر العليق، وغير ذلك من المباشرين وأعيان الدولة. وأما الأعيان من الخدّام الطواشية: فإن وظيفة الزّماميّة لها مدة وهى شاغرة من حين توفى الأمير عبد اللطيف الزّمام، والآن الأمير بشير من مصطفى رأس نوبة السّقاة، والأمير مرهف من قانصوه ساقى خوند، والأمير سنبل العثمانى مقدّم المماليك، ونائبه جوهر الرومى، والأمير سرور الحسنى شاد الحوش الشريف، وغير ذلك من أعيان الخدّام. وفى هذه السنة تكاملت خاصكية السلطان نحو ألف ومائتى (١) خاصكى من مشتراواته، فقرّر منهم جماعة كثيرة أرباب وظائف: ما بين دوادارية سكين وسلحدارية وزردكاشية وأمير آخورية وسقاة، وغير ذلك من الوظائف. وقد تكامل فى هذه السنة من الأمراء الطبلخانات والعشرات فوق الثلاثمائة أمير، وقد كثر العسكر وقلّ الرزق، انتهى ذلك. ولما كان مستهلّ الشهر يوم الاثنين جلس السلطان فى الميدان، وطلع إليه الخليفة والقضاة الأربعة فهنّوا السلطان بالعام الجديد، ثم رجعوا إلى دورهم. - ثم فى ذلك اليوم نزل الزينى بركات بن موسى المحتسب وصحبته الأمير كرتباى والى القاهرة وأشهروا المناداة فى القاهرة بالأمان والاطمان والبيع والشرى، وأن أحدا من الناس لا يكثر كلاما، وأن كل شئ على حكمه، يعنى فى أمر المشاهرة والمجامعة التى قرّرت على الحسبة، وأن أحدا لا يخرج من بعد العشاء ولا يمشى بسلاح ولا يتزايا بزىّ المماليك ولا يغّطى وجهه فى الأسواق ومن فعل ذلك شنق من غير معاودة، وأن لا أحد يحتمى على المحتسب. وقد تقدم القول فى الجزء (٢) التاسع على أن المماليك الجلبان أثاروا فتنة كبيرة حتى حنق منهم السلطان وتوجّه إلى المقياس وأقام به ثلاثة أيام، فمشت الأمراء بينه وبين مماليكه بالصلح على أنه يعزل الوزير يوسف البدرى من الوزارة والأمير كرتباى من الولاية والزينى بركات بن موسى من الحسبة، ويبطل المشاهرة والمجامعة التى قرّرت على السوقة أرباب البضائع، وتقدّم القول بما كان

стр. 2901

سبب ذلك، فلما أن طلع السلطان إلى القلعة وبات بها، فلما أصبح نادى فى القاهرة بما تقدم ذكره ولم يفعل شيئا مما وقع الاتفاق عليه مع المماليك الجلبان، فشقّ عليهم هذه المناداة، وأشيع إثارة فتنة ثانية وكثر القال والقيل بين الناس، وكانت الناس قد استبشروا بأن السلطان ينادى بإبطال المشاعرة والمجامعة، فلما نادى كل شئ على حكمه نزل على الناس خمدة بسبب ذلك. - وفى يوم الثلاثاء ثانى الشهر جلس السلطان فى الحوش وعرض أغاوات الطباق، فلما وقفوا بين يديه وبّخهم بالكلام وقال لهم: لا تسمعوا للماليك القرانصة [الذين يرمون بينى وبينكم الفتن وتشمتون] (١) العدو فينا وابن عثمان متحرّك علينا ولا بدّ من خروج تجريدة عن قريب، حصّلوا معكم ذهب ينفعكم إذا سافرتم، والذى هو منكم متزوج يطلق زوجته، ما يبقى وراكم التفاتة إذا سافرتم فى التجريدة. فلما سمعوا ذلك شقّ عليهم وقصدوا يثيرون فتنة فى ذلك اليوم، وتزايد الاضطراب ولهج الناس بوقوع فتنة عظيمة، وقد استوعدوا المماليك ابن موسى المحتسب بالقتل لأنه لما نزل فى ذلك اليوم ونادى بأن كل شئ على حكمه، فتخلّقت جماعته بالزعفران فى عمائمهم (٢) وشقّ من القاهرة، فتنكّد المماليك الجلبان لذلك وقالوا: قد شمت فينا، وقال المماليك ولم (٣) يطلع من أيديهم شئ: وقد تخلّق جماعته بالزعفران جكارة فينا والله ما نرجع حتى نقتله. وقد تقدّم القول بأن المماليك قالوا للسلطان: سلّمنا ابن موسى المحتسب نقتله بسبب غلوّ البضائع من كل شئ فى الأسواق. وفى يوم الأحد سابعه توفى الشرفى يحيى بن القاضى صلاح الدين بن الجيعان، وكان شابا حسن الشكل ضخم الجسد، ومات وله من العمر نحو عشرين سنة، وكانت جنازته حفلة. - وفى أثناء ذلك اليوم ركب الزينى بركات بن موسى وشقّ القاهرة، وقبض على جماعة من السوقة أرباب البضائع وضربهم ضربا مبرحا وأشهرهم فى القاهرة، وأشهر المناداة فى ذلك اليوم وسعّر اللحم والدقيق والخبز

стр. 2902

والأجبان وسائر البضائع، وكلّ ذلك من خوفه من المماليك الجلبان. وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة قاصد من عند ابن سوار الذى تعصّب له ابن عثمان عوضا عن علىّ دولات، فأحضر صحبته تقدمة فشرويّة للسلطان وجودها وعدمها سواء (١)، وهى خمسة عشر جملا بخاتيا وثمانية أكاديش وستة أبغال من غير زيادة على ذلك، وأرسل يترقّق للسلطان فى مطالعته، فاستشار السلطان الأمراء بأن يقبل منه تلك التقدمة أم يردّها عليه، فأقامت الأمراء عند السلطان إلى قريب الظهر، ولم يعلم ما وقع الاتّفاق عليه فى ذلك اليوم. - وفيه خرج الأمير طومان باى الدوادار وصحبته الأمير أرزمك الناشف أحد الأمراء المقدمين، فتوجها إلى جهة الفيوم ليكشفا على الجسر الذى هناك، وقد قيل إنه لما كان النيل عاليا فى هذه السنة انقلب، وكان السلطان قبل وقوع فتنة المماليك المقدم ذكرها قصد أن يسافر إلى هناك بنفسه ويكشف عن أمر هذا الجسر فما تمّ له ذلك، فرسم إلى الأمير الدوادار بأن يتوجه إلى هناك ويكشف عن أمر هذا الجسر. - وفيه نادى السلطان للعسكر بأن يطلعوا إلى القلعة بسبب اللحوم المنكسرة لهم، فطلع الجمّ الغفير من العسكر، فالذى معه وصول باللحم المكسور نزّلوه قدامهم، والذى ما معه وصول قالوا له: حتى نكشف لك من الدفتر، وكان أكثر المماليك ما معه وصول باللحم المنكسر، وقد تجمّد للعسكر من اللحوم المكسورة فى ديوان الوزارة فوق الأربعين ألف دينار، فثقل أمر هذا على السلطان جدّا. - وفيه نادى السلطان بأن الوزير يوسف البدرى يظهر وعليه أمان الله تعالى، وكان مختفيا من حين استوعدته المماليك الجلبان بالقتل، فظهر فى يوم الثلاثاء تاسعه، فلما قابل السلطان أخلع عليه كاملية بسمّور (٢) ونزل إلى داره. وفى يوم السبت ثالث عشره رسم السلطان بتوسيط خمسة أنفار من المنسر الذى شاع أمره فى القاهرة، وقد قبض عليهم شيخ العرب ابن أبى الشوارب، فرسم السلطان بتوسيطهم فى ذلك اليوم، وكان فيهم شخص يسمى أبو عزراييل وهو

стр. 2903

كبيرهم، فوسّطهم أجمعين. -[وفى هذا الشهر أو فى الشهر الذى قبله كانت وفاة الشيخ العارف بالله الولى المعتقد سيدى محمد بن عنان رحمة الله عليه، وكان من أعيان مشايخ الصوفيّة، وله شهرة بالصلاح والاعتقاد بين الناس] (١). وفى يوم الاثنين خامس عشره حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير قانصوه حبّانيّة، وكان قد توجّه إلى طرابلس بسبب جمع الأموال التى أفردها السلطان على أهل طرابلس بسبب المشاة من العربان الذين يخرجون (٢) أمام العسكر فى التجريدة، فأحضر الأموال صحبته ودخلت إلى الخزائن الشريفة. - وفى يوم الثلاثاء سادس عشره فيه ابتدأ السلطان بتفرقة ثمن اللحوم التى كانت مكسورة للعسكر، فصار يستدعيهم واحدا بعد واحد مثل تفرقة الجامكية، وكان فيهم من له عشرة أشهر مكسورة وفيهم من له ستة أشهر وفيهم من له أربعة أشهر. - وفى يوم الخميس ثامن عشره كان دخول الأمير قايتباى أحد الأمراء الطبلخاناه، وهو قريب زوجة الأتابكى قانم التاجر، على ابنة الأمير طقطباى نائب القلعة أحد المقدمين، فكان هذا العرس من الأعراس الحافلة، قيل اجتمع فيه من المغانى خمسة وعشرون ريّسة، ومدّوا فيه أسمطة حفلة من الأطعمة الفاخرة، وصنعوا فيه شموعا مزهرة ما بين قصور وشمامات، وكان من المهمّات المشهورة. وفى يوم الاثنين ثانى عشرينه دخل أمير حاج الركب الأوّل، وهو المقرّ العلاى على بن الملك المؤيّد أحمد، فأخلع عليه السلطان ونزل إلى داره فى موكب حفل. - وفى يوم الثلاثاء ثالث عشرينه دخل الأمير علان أمير حاج، ودخل صحبته المحمل الشريف، وكان يوما مشهودا، فطلع الأمير علان إلى القلعة وأخلع عليه السلطان خلعة سنية ونزل إلى داره فى موكب حافل، وقد أثنوا عليه الحجاج خيرا مما فعله فى طريق الحجاز من وجوه البرّ، وقد حصل فى هذه السنة للحاج مشقّة عظيمة فى مغارة شعب بسبب السيل الذى نزل عليهم هناك، وهلك من الحجاج فى هذه

стр. 2904

السنة جماعة كثيرة، وكان معهم الغلاء موجودا، وكانت العربان طافشة فى درب الحجاز، ولا سيما ما وقع للمبشّر فى هذه السنة، وقد تقدّم القول على أن العرب عرّوه وأخذوا كلّ ما (١) معه، حتى كتب الحجّاج فلم يصل لأحد من حجّاجه فى هذه السنة كتاب ولا علم لهم خبر. - ولما حضر الأمير علان أشيع أنه قبض فى مكّة على شخص يقال له المعلّم أحمد الشامى، وكان أصله من عتّالين (٢) الزردخاناه، فوجدوا معه مالا يفتك فيه فى مكّة، فلما بلغ أمره للأمير علان قبض عليه، وكان له رفيق فهرب من هناك، فلما دخل أحمد الشامى هذا إلى القاهرة أسفرت القضيّة على أن أحمد الشامى كان اتّفق مع جماعة من معلّمين (٣) دار الضرب التى كانت بالقلعة وسرقوا من مال السلطان اثنى عشر ألف دينار، وقد تقدّم القول على ذلك، وغرّمها السلطان للمعلّم يعقوب اليهودى معلّم دار الضرب، فلما حضر أحمد الشامى بين يدى السلطان اعترف بذلك، فسلّمه السلطان للوالى يعاقبه حتى يستخلص منه المال الذى أخذه، ثمّ إن أحمد الشامى أقرّ على شخص كان معهم لما أخذوا المال وهو كان بالقاهرة مقيما، فلما أقرّ عليه أحمد الشامى خاف على نفسه من الضرب فأحضر للسلطان أربعة آلاف دينار وقال: هذا هو القدر الذى نابنى من المال ولم يخصّنى شئ غير ذلك، فلم يكتف (٤) منه السلطان بذلك ورسّم عليه وشكّه فى الحديد حتى يحضر بقية المال، وكان هذا الشخص من معلّمين (٣) دار الضرب أيضا ممن فعل معهم ذلك، وقد ظهر هذا المال الذى سرق من دار الضرب بعد مدّة طويلة فعدّ ذلك من جملة سعد السلطان. وفى يوم الخميس خامس عشرينه حضر قاصد من عند ملك الحبشة، أقول أن قصّاد ملوك الحبشة لها مدة طويلة لم يدخل منهم أحد إلى مصر، وقد دخل قاصد من عند ملك الحبشة فى دولة الملك الأشرف قايتباى وذلك فى سنة ست وثمانين وثمانمائة، وفى هذه المدّة لم يدخل إلى مصر قاصد من عند ملوك الحبشة سوى هذا القاصد لأن

стр. 2905

بلادهم بعيدة ومالهم شغل فى مصر؛ فلما حضر هذا القاصد عمل له السلطان موكبا بالحوش من غير شاش ولا قماش كما تقدّم للأشرف قايتباى، فجلس السلطان على المصطبة التى أنشأها بالحوش ونصب على رأسه السحابة الزركش، واصطفت الأمراء عن يمينه وعن شماله وكل واحد منهم فى منزلته، ثم طلع القاصد من الصليبة وصحبته الأمير أزدمر المهمندار وجماعة من الرءوس النوب والمماليك السلطانية وغير ذلك، وكان القاصد معه من أعيان أمراء الحبشة نحو خمسة أنفار والبقية لبط، وفيهم من هو عريان مكشوف الرأس وعلى رأسه شوشة بشعر، وفيهم من فى أذنه حلق ذهب قدر القرصة وفى أيديهم أساور ذهب، وأما القاصد الكبير ذكروا على أنه ابن أمير كبير الحبشة، وقيل إن أباه هو الذى حضر فى دولة الأشرف قايتباى، فكان على رأسه خوذة مخمل أحمر وفيها صفائح ذهب وفيهم بعض فصوص، وعلى رأس الخوذة درّة كبيرة مثمّنة، وعليه شاياه حرير ملون، وعلى بقية أعيان أمراء الحبشة شايات حرير ملون وعلى رءوسهم شدود حرير، وذكروا أن فيهم شخصا شريفا، فكان مجموع ذلك الحبشة الذين حضروا إلى مصر نحو ستمائة إنسان، وأوساطهم مشدودة بحوايص كهيئة الزنانير، وكان معه لماشقوا من الصليبة طبلين على جمل يضربون عليها، وكان صحبتهم البترك الكبير وعليه برنس حرير أزرق وخلفه طراز ذهب، واصطفت جميع النصارى الذين فى مصر للفرجة عليهم، وكان أعيانهم راكبة على خيول والبقية مشاة، فطلعوا إلى القلعة من سلمّ المدرّج، والبترك ماش (١) قدامهم، فلما وصلوا إلى باب الحوش كان صحبتهم كراسى حديد عالية وقصدوا يجلسون عليها بحضرة السلطان فما مكّنوهم الرءوس نوب من ذلك ووقع فى أيام الأشرف قايتباى مثل ذلك وطلعوا معهم بكراسى فما مكّنوهم من الجلوس عليها بحضرة السلطان. فلما وصل هذا القاصد إلى باب الحوش قبّل الأرض، فلما وصل إلى أوائل البساط قبّل الأرض هو ومن معه من أعيان الحبشة، ولم يدخل قدّام السلطان غير سبعة أنفس والبقية لم يدخلوا، فلما قربوا من السلطان قبّلوا الأرض بين يديه ثالث مرّة،

стр. 2906

ثم قدّموا كتاب ملك الحبشة، قيل إنه فى ضمن غلاف من الفضة وقيل من الذهب، فلما قرئ على السلطان وجد فيه ألفاظا حسنة ونعتا عظيما للسلطان، وأن قصّادنا أتوا إلى مصر ليزوروا القيامة (١) التى بالقدس فلا تمنعوهم من ذلك. فاستمرّوا على أقدامهم واقفين نحو خمس درج حتى قرأوا كتابهم ثم انصرفوا ونزلوا من القلعة، فرسم لهم السلطان بأن يقيموا فى ميدان المهارة الذى بالقرب من قناطر السباع إلى أن يسافروا، وأرسل لهم خياما ضربت لهم من داخل الميدان، ووكّل بباب الميدان جماعة من المماليك يمنعون من يدخل إليهم من العوام، فلما نزلوا من القلعة نزل معهم الوالى والمهمندار وجماعة من الرءوس النوب فوصّلوهم إلى الميدان خوفا عليهم من العوام أن يرجموهم (٢)، فكان لهم يوم مشهود. فإن قصّاد ملوك الحبشة لا يدخلون إلى مصر إلا قليلا، فإن بلادهم بعيدة، حتى قيل إن هذا القاصد له تسعة أشهر مسافر حتى دخل إلى مصر. ثم إن القاصد أرسل إلى السلطان تقدمة لم تكن كبيرة أمر، قيل قوّمت بنحو خمسة آلاف دينار أو دون ذلك، فلما عاينها وبّخ الذى طلع بها وأحضر له قوائم بهدايا ملوك الحبشة إلى الملوك السالفة مثل الأشرف برسباى والظاهر جقمق والأشرف قايتباى وغير ذلك من الملوك، وأحضر له عدّة تواريخ بذكر هدايا ملوك الحبشة إلى ملوك مصر فقرئت عليه، ولكن ضعف أمر ملوك الحبشة بالنسبة إلى ما كانوا عليه من قديم الزمان، حتى نقل بعض المؤرّخين أن كان لملوك الحبشة على النيل ستّين مملكة لا ينازع بعضها بعضا فيما بأيديهم من الأراضى التى هناك، والآن قد ضعف أمرهم بالنسبة لما كانوا عليه من قبل ذلك. وقد أرسل بعض ملوك الحبشة تقدمة للملك الناصر محمد بن قلاون فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، فقوّمت تلك التقدمة بمائة ألف دينار أو أكثر من ذلك حتى عدّت من النوادر. ثم إن قاصد الحبشة أقام فى الميدان ثلاثة أيام وسافر هو ومن معه من الحبشة إلى القدس ليزوروا القيامة (١). وفيه حضر الأمير طومان باى الدوادار، وقد تقدّم القول على أنه سافر إلى جهة

стр. 2907

الفيوم هو والأمير أرزمك الناشف ليكشفا على الجسر الذى هناك وقد انقلب من الماء، وكان السلطان قصد أن يتوجّه إلى هناك بنفسه فما تمّ ذلك له، فلما توجّه الأمير الدوادار إلى هناك قدّروا على عمارة هذا الجسر نحو ثلاثين ألف دينار، فلما رجعا أخبرا السلطان بذلك. - وفيه أخلع السلطان على شخص يقال له شمس الدين السكندرى وقرّره إماما، عوضا عن الشيخ محبّ الدين الشاذلى الإمام بحكم وفاته، وقيل إن شمس الدين السكندرى سعى فى هذه الوظيفة بألف ومائتى دينار حتى قرّر بها. - وفيه أكمل السلطان تفرقة ثمن اللحوم التى كانت مكسورة للعسكر، وقيل إن السلطان أخرج من الخزائن الشريفة خمسة عشر ألف دينار وسلّمها للقاضى شرف الدين الصّغير ناظر الدولة ليشترى بها أغناما بسبب تفرقة لحوم المماليك، وقال: ما بقيت أكسر للعسكر لحوما. وقد ثقل عليه ما أصرفه للعسكر بسبب اللحوم التى كانت منكسرة لهم، حتى قيل إنه أصرف فى حركة تفرقة ثمن اللحوم فوق الأربعين ألف دينار عنما قيل، واستمرّت الوزارة شاغر من حين عزل عنها يوسف البدرى وقد استعفى من ذلك. - وفيه نادى السلطان للعسكر بأن كل من كان له فرس أو أكثر فى الديوان يطلع يقبض ثمنه، ومن حين تحقّق السلطان أن ابن عثمان زاحف على البلاد السلطانية وهو يأخذ بخواطر المماليك القرانصة ويرضيهم بكل ما يمكن، وأصرف لهم اللحوم التى كانت منكسرة، وأعطاهم ثمن الخيول التى كانت لهم فى الديوان. - وفيه أخرج السلطان خرجا من مماليكه الغوريّة ففرّق عليهم فى ذلك اليوم زرديات وسيوفا وتراكيش وقسيّا ونشابا، وكانوا نحو ثلثمائة مملوك. - وفيه توفى الأمير قنبك من تبوك أحد الأمراء الطبلخانات، وهو ابن عمّ الأتابكى أزبك من ططخ، وكان قد شاخ وكبر سنّه وعجز عن الحركة. وفيه أرسل السلطان إلى عبد الرزاق أخى على دولات، وإلى أولاد على دولات الكبار والصّغار، ثمانية آلاف دينار، فقسمت بينهم، وأرسل يقول لهم: اعملوا بهذه النفقة يرقكم واخرجوا سافروا قبل خروج التجريدة فاجمعوا عساكركم

стр. 2908

من التركمان إلى أن أحضر أنا والعسكر. - وفيه أرسل السلطان مكاحل حديد ومدافع صوان إلى ثغر الإسكندرية وتمضى فى مراكب إلى هناك، فكانوا نحو مائتى مكحلة، وقد بلغه بأن ابن عثمان جهّز عدّة مراكب تجئ على السواحل للديار المصرية. - وفيه نادى السلطان فى القاهرة بأن أصحاب الدكاكين والأملاك يقطعون الأراضى من الأسواق والشوارع (١)، فامتثلوا ذلك وشرعوا فى العمل، لكن حصل للناس مشقّة زائدة فى المصرف على ذلك لجماعة الوالى والترّابة فى شيل التراب، وقد وقع له مثل ذلك فى أوائل سلطنته فى سنة تسع وتسعمائة وقطع الطرقات قاطبة وادّعى أن الأراضى (٢) قد علّيت، وقد تقدّم لى أنّى قلت فى ذلك: فى دولة الغورى رأينا العجب … وقد حملنا فوق ما لا نطيق وقد كفى فى عامنا ما جرى … من قلّة الأمن وقطع الطريق وفى يوم الخميس خامس عشرينه أظهر السلطان العدل وأشهر المناداة عن لسان السلطان فى سواحل مصر العتيقة وبولاق بأن المكوس التى (٣) كانت تؤخذ على الغلال بطّالة، وكانت مظلمة عظيمة من البدع المنكرة وهو أنه كان يؤخذ على كلّ أردب قمح أو شعير أو فول يباع أو يشترى نصف فضة، وكان الأشرف قايتباى أبطل ذلك، فلما تسلطن ابنه الناصر أعاد هذه المظلمة، فلما تسلطن الأشرف قانصوه الغورى تزايد الأمر حتى صار يؤخذ على كل أردب غلال ثلاثة أنصاف من البائع والمشترى وصار يسمى الموجّب، ثم انتقلوا من الغلال إلى أن جعلوا على البطيخ مكسا أيضا، فاستمرّ ذلك مدّة طويلة إلى أن ألهم الله تعالى السلطان إلى إبطال ذلك جميعه. - وفى يوم السبت سابع عشرينه كان دخول الأمير ألماس أحد الأمراء العشرات على ابنة الأمير قانى باى قرا أمير آخور كبير كان، فكان ذلك المهمّ من المهمّات المشهورة، وحضر فى المدّة الأتابكى سودون العجمى والمقرّ الناصرى

стр. 2909

محمد نجل المقام الشريف، وسائر الأمراء من كبير وصغير، وكان يوما مشهودا. - وفى يوم الاثنين تاسع عشرينه أكمل السلطان تفرقة ثمن الخيول التى (١) كانت للعسكر فى الديوان، وكذلك أكمل تفرقة اللحوم التى كانت مكسورة للعسكر، وعوّق بعض لحوم كانت مكسورة لجماعة من مباشرى (٢) الزردخاناه. - وفى ذلك اليوم طرق السلطان أخبار رديّة بسبب ابن عثمان، فتنكّد لذلك وخلا هو والأمراء يضربون (٣) مشورة فى أمر ابن عثمان. - وفى يوم الثلاثاء سلخ هذا الشهر أشهر السلطان المناداة فى القاهرة للعسكر بالعرض يوم الخميس ثانى صفر، وأن لا يتأخّر عن العرض أحد من العسكر من كبير ولا صغير، فاضطربت لذلك أحوال العسكر قاطبة. وفى صفر كان مستهلّ الشهر يوم الأربعاء، فطلع الخليفة والقضاة الأربعة للتهنئة (٤) بالشهر، فقال السلطان للخليفة لما جلس: اعمل يرقك إلى السفر وكن على يقظة فإنى مسافر إلى حلب بسبب ابن عثمان. وقال للقضاة الأربعة مثل ذلك: اعملوا يرقكم وكونوا على يقظة حتى تخرجوا صحبتى. فقالوا: المرسوم مرسومك. - وفى ذلك اليوم أخلع السلطان على شخص من القرّاء يقال له شهاب الدين بن الرومى وقرّره إمامه، عوضا عن عبد الرزّاق الإمام بحكم وفاته، وقيل إنه سمى فى هذه الوظيفة بألف دينار حتى قرّر بها. - وفى يوم الخميس ثانيه جلس السلطان بالميدان وعرض العسكر من كبير وصغير وكتب الجميع، فعرض فى ذلك اليوم أربع طباق ولم يعف (٥) من العسكر أحدا. - وفى ذلك اليوم كانت وفاة الأمير خاير بك من أينال أحد الأمراء المقدّمين، ويعرف بكاشف الغربية، وأصله من مماليك الأمير أينال الأشقر أمير السلاح كان، وقد ساعدته الأفدار حتى بقى كاشف الغربية، ثم أنعم عليه السلطان بتقدمة ألف، وسافر إلى الحجاز باش العسكر فى التجريدة التى خرجت بسبب الجازانى وانتصر على العربان من قبيلة بنى إبراهيم فحزّ رءوسهم

стр. 2910

وأرسلها إلى القاهرة، وكان مسعود الحركات، فلما مات نزل السلطان وصلى عليه وكانت جنازته مشهودة، وكان فى سعة من المال فخلّف من الموجود ما لا يحصى. - وفى يوم السبت رابعه عرض السلطان مماليك الأمير خاير بك المتوفى وأخذ منهم ما اختاره وأرسلهم إلى الطباق، ثم رستم على دوادار الأمير خاير بك وعلى مباشريه (١) وشكّهم فى الحديد، وكان الأمير خاير بك كتب وصيّة وبرّأ جماعته، فلم يلتفت السلطان إلى وصيّته. -[وفى أثناء هذا الشهر كانت وفاة الشيخ نور الدين على المحلّى رحمة الله عليه، وكان يعرف بقريبة، وكان من أعيان علماء الشافعية وله شهرة زائدة بين الناس] (٢). ومن الحوادث فى ذلك اليوم ما وقع لعلم الدين جلبى السلطان وهو أنه كان ساكنا فى الحسينية، وكان السلطان رسم للوالى بأن يباشر قطع أراضى الأسواق بنفسه، فلما انتهوا فى القطع إلى الحسينية جاءوا مماليك الوالى إلى الحسينية وأخذوا حميرا من حمام الحبّالين [الذى هناك حتى يشيلوا عليها التراب الذى يقطعونه] (٣)، فمنعوهم من ذلك جماعة علم الدين لأن الحسينية كانت فى حمايته، فاتقع جماعة علم الدين مع مماليك الوالى، فجاء عبد علم الدين وقال لأستاذه عن ذلك، وكان علم الدين فى الحمام، فقال علم الدين: اضربوا مماليك الوالى، فاتّكّوا فيهم وضربوهم ضربا مبرحا حتى فجّوا بعضهم وكسّروا أيدى بعضهم. فلما سمع الوالى بذلك ركب وأتى إلى علم الدين، فأغلظ عليه علم الدين فى القول وربما سفه على الوالى، فقبض الوالى على عبد علم الدين الذى ضرب مماليك الوالى فوضعه فى الحديد، ثم طلع الوالى إلى السلطان وأحضر مماليكه الذين (٤) ضربوا بين يدى السلطان، فلما عاين السلطان ذلك شق عليه ما فعله علم الدين فى حق الوالى، فلما طلع علم الدين إلى عند السلطان وظن أن السلطان يقوم فى ناصره، فلما عاين السلطان علم الدين رسم لنقيب الجيش بأن يقبض على علم الدين ويمضى به إلى الوالى يوسّطه وصمّم السلطان على توسيطه، فقبض نقيب الجيش على
следующие страницы →