وقد أشرفوا على أخذ الديار المصرية.
وكانت قتلة الملك المظفر قطز، يوم السبت خامس عشر ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، ودفن بالقرين، وقيل نقل بعد ذلك إلى مدرسته التى بالقرب من حدرة البقر، فدفن بها؛ وكانت مدّة سلطنته بمصر سنة إلا أياما.
قال الإمام أبو شامة: ما جلس سلطان (١) على كرسّى مملكة مصر، وكان متقلّدا بغير مذهب الإمام الشافعى، ﵁، إلا عزل سريعا، أو قتل، وقد جرّب ذلك فى الملك المظفر قطز، فإنّه كان حنفيّا، فلم يمكث إلا يسيرا وقتل، وهذا سرّ فى الإمام الشافعى، ﵁، لأنّه صاحب مصر؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك المظفر قطز، وذلك على سبيل الاختصار.
ذكر سلطنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلاى البندقدارى الصالحى النجمى
وهو الرابع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد قتل الملك المظفر قطز بالقرين، كما تقدّم، وقد أخذ المملكة باليد من غير حرب ولا قتال، تسلطن يوم السبت خامس عشر ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة.
وكان تلقّب أولا بالملك القاهر أبى الفتوحات، فنهاه بعض العلماء عن هذا اللقب، وقال له: «ما تلقّب أحد من الملوك بهذا اللقب وأفلح»؛ وقد تلقّب به جماعة من الخلفاء العباسية، فلم تطل أيامهم، وفيهم من قتل، فلما سمع ذلك، ترك هذا اللقب، وتلقّب بالملك الظاهر أبى الفتوحات.
قلت: وكان أصله تركىّ الجنس، أخذ من بلاده وهو صغير، وكان مولده ببلاد قبجاق، فى سنة عشرين وستمائة، فأخذ من بلاده وأبيع بدمشق، فابتاع لشخص
стр. 317
يسمى العماد الصايغ.
ثم بعد مدّة اشتراه منه الأمير علاء الدين أيدكين، المعروف بالبندقدارى، ومن العجائب أنّ أيدكين البندقدارى، أستاذ الملك الظاهر بيبرس، عاش حتى أدرك أيام سلطنته، وصار من جملة أمرائه بمصر.
فلما قبض عليه (١) الملك الصالح نجم الدين أيوب، احتاط على موجوده، فأخذ بيبرس مع جملة الموجود؛ فأقام مدّة، ثم أعتقه، وأخرج له خيلا وقماشا، وجعله من جملة المماليك البحرية.
وكان شجاعا بطلا، فأظهر يوم واقعة الفرنج التى كانت على المنصورة، أيام الملك المعظم توران شاه، الشجاعة التى لم يسمع بمثلها؛ ولا زالت الأقدار تساعده، حتى بقى أتابك العساكر بمصر، فى دولة الملك المظفر قطز.
فلما قتل الملك المظفر، أخذ المملكة باليد، وجلس على مرتبة السلطنة، وباس له الأمراء الأرض، وذلك بمنزلة القرين؛ ثم حلّف سائر الأمراء لنفسه، فحلفوا له على مصحف شريف.
فلما جرى ذلك، قصد الدخول إلى القاهرة، فدخلها تحت الليل، وطلع إلى القلعة، وكانت القاهرة قد زيّنت للملك المظفر بسبب هذه النصرة.
فلما طلع النهار، نادى المنادى فى القاهرة: «ترحّموا على الملك المظفر قطز، وادعوا بالنصر للملك الظاهر بيبرس».
فمن الناس من فرح بسلطنة الملك الظاهر بيبرس، ومن الناس من تأسّف على قتل الملك المظفر قطز، فإنّه قتل من غير ذنب، وله الراية البيضاء فى دفع التتار، وقتالهم، ومنعهم عن دخول مصر، كما قيل:
ومن سوء حظّ المرء فى الدهر أنّه … يلام على أفعاله وهو محسن
ثم إنّ الملك الظاهر عمل الموكب بالقلعة، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير فارس الدين آقطاى المستعرب، واستقرّ به أتابك العساكر، عوضا عن
стр. 318
نفسه؛ وأخلع على الأمير لاجين الدرفيل، واستقرّ به دوادار كبير؛ وأخلع على الأمير بلبان الرشيدى، واستقرّ به دوادارا ثانيا؛ وأخلع على الأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزورى، واستقرّ به أمير آخور كبير؛ وأخلع على الأمير أيبك الأفرم، واستقرّ به أمير جاندار.
وأنعم على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير سيف الدين قلاون الألفى، بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير بكتوت الجوكندار، بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير بيدغان المعروف بسمّ الموت، بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير أنص الأصفهانى، بتقدمة ألف؛ وأخلع على الأمير ركن الدين أياجى، والأمير سيف الدين بكجرى، واستقرّ بهما حجابا: حاجب كبير وحاجب ثانى.
ثم أفصل (١) القاضى تاج الدين بن بنت الأعزّ من الوزارة، وأبقاه فى قضاء الشافعية؛ ثم أخلع على القاضى زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع بن الزبير، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن ابن بنت الأعزّ؛ وأخلع على القاضى فخر الدين بن لقمان، واستقرّ به كاتب الإنشاء الشريف.
ولما تمّ أمره فى السلطنة، وقويت شوكته، أخلع على مملوكه الأمير بيليك، واستقرّ به نائب السلطنة، فعظم أمره، واجتمعت فيه الكلمة، وصار صاحب الحلّ والعقد بالديار المصرية، وصار ينفّذ الأمور من غير مشورة السلطان؛ وكان نائب السلطنة يفرّق الإقطاعات الخفيفة، ويعيّن الوظائف، ويتصرّف فى أمور المملكة، التصرّف المطلق.
ثم أخلع السلطان على الأمير آقوش النجيبى، واستقرّ به أستادارا؛ قيل، إنّ هذه الوظيفة حادثة من أيام بنى أيوب، وهى فرع من الوزارة، تولّى بها شخص يسمّى المظفر بن جهير، وهو أول من أطلق عليه الأستادار، وأفرد إليه جوامك الجند والعليق، ومصالح أمر بيوتات السلطان كلها، فاستمرّت من يومئذ هذه الوظيفة
стр. 319
عمّالة إلى الآن.
قال الصلاح الصفدى فى «تذكرته»: إنّ التاجر الذى أباع الأمير بيليك إلى الملك الظاهر بيبرس، كان من أغنياء التجّار، فى سعة من المال، فدارت عليه الدوائر حتى افتقر، وصار من جملة الحرافيش.
فلما ضاق الأمر عليه، دخل القاهرة، فقال له بعض التجّار: «إنّ مملوكك بيليك، الذى بعته للملك الظاهر، قد صار صاحب الحلّ والعقد بمصر، فلو أنك تدخل إليه، وتشكو له حالك، فعسى ينعم عليك بشئ تستعين به على ما أصابك».
فكتب قصّة، ومن مضمونها هذان البيتان:
كنا جميعا (١) فى بؤس نكابده … والقلب والطرف منا فى أذى وقذى
والآن أقبلت الدنيا عليك كما … ترضى فلا تنسنى إنّ الكرام إذا
فلما قرأ هذه الأبيات، وتحقّق أنّه التاجر الذى أباعه للملك الظاهر، وقد افتقر وصار فى هذه الحالة، أنعم عليه بعشرة آلاف دينار، انتهى ذلك.
ثم إنّ الملك الظاهر أفصل الصاحب زين الدين بن الزبير، واستقرّ بالصاحب بهاء الدين بن حنّا فى الوزارة، عوضا عن ابن الزبير.
ثم إنّ الملك الظاهر أراد استجلاب خواطر الرعيّة، بالأفعال المرضيّة، فأبطل ما كان أحدثه الملك المظفر قطز، من أبواب المظالم، عند توجّهه إلى التجريدة، فأبطل ذلك جميعه، وكتب بذلك مساميح، وقرئت على المنابر بعد صلاة الجمعة، فضجّ الناس له بالدعاء، ومالت إليه قلوب الرعيّة، وفى ذلك يقول القائل:
لم يبق للجور فى أيامكم أثر … إلا الذى فى عيون الغيد من حور
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وستمائة
فيها جاءت الأخبار بأنّ سنجر الحلبى، نائب الشام، قد خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، وتسلطن بدمشق، وتلقّب بالملك الأمجد، وخطب باسمه على منابر دمشق، وباس له الأمراء الأرض، وصار يركب بشعار الملك؛ وكان قد تولّى
стр. 320
نيابة دمشق من أيام الملك المنصور على بن أيبك.
فلما بلغ الملك الظاهر ذلك، أرسل إليه بعض الخاصكية، وعلى يده مثال شريف، وهو يوبّخه فيه بقبيح فعله، وأمره بالرجوع عن ذلك، فعادت الأجوبة بالمخالفة، وعدم الطاعة، وقد وافقه على العصيان جماعة من النوّاب، واضطربت أحوال البلاد الشامية.
وحصل للملك الظاهر فى أوائل دولته غاية الاضطراب، منها: عصيان النوّاب، ووثوب المماليك المعزّية عليه، وخراب البلاد الشامية مما فعله هولاكو؛ ثم إنّ الملك الظاهر قبض على جماعة من المماليك المعزّية، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، فصفا له من بعد ذلك الوقت.
ومن الوقائع: قال الإمام أبو شامة: رفعت قصّة إلى القاضى تاج الدين بن بنت الأعزّ فى الملك الظاهر بيبرس، أن لشخص من الأمراء عليه دعوة بسبب بئر، فطلبه القاضى برسول إلى المدرسة الصالحية، فنزل الملك الظاهر إلى الصالحية، ووقف هو وغريمه بين يدى القاضى، وادّعى عليه ذلك الأمير، وكان الحقّ بيد الملك الظاهر، وله بيّنة عادلة، فحكم القاضى بالبئر للملك الظاهر، ونزع البئر من يدى غريمه، وأسلمها له.
وفى هذه السنة، أمر الملك الظاهر بتجديد الخطبة فى جامع الأزهر، وجامع الحاكم، وجامع ابن طولون، وكانوا مهجورين (١) من أيام الخلفاء الفاطميّين.
وفى هذه السنة ابتدأ السلطان الملك الظاهر بعمارة مدرسته، التى بجوار المدرسة الصالحية، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ستين وستمائة
فيها، فى تاسع صفر، جاءت الأخبار بأنّ شخصا من بنى العبّاس يسمّى الإمام أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، وهو عمّ الخليفة المستعصم بالله، وأخو الخليفة المستنصر بالله، وكان معتقلا ببغداد عند جماعة من عربان العراق، من حين قتل
стр. 321
الخليفة المستعصم بالله، سنة ست وخمسين وستمائة، ثم حضر إلى مصر مع جماعة من العربان.
فلما بلغ الملك الظاهر وصوله إلى العكرشا، خرج إلى تلقّيه، فلما وقعت عين الملك الظاهر على الإمام أحمد، نزل عن فرسه، ونزل الإمام أحمد عن فرسه، وتعانقا.
وكان الإمام أحمد أسمر اللون، أمّه حبشية، فحضر معه جماعة من عربان العراق، وفيهم الأمير ناصر الدين بن مهنا، شيخ العرب، وحضر صحبتهم طواشى بغدادى.
ثم إنّ الملك الظاهر ركب، وصحبته الإمام أحمد، فدخلا من باب النصر، وشقّا القاهرة، وكان ذلك اليوم يوما مشهودا، وجاءت الناس قاطبة ينظرون إلى خلفاء بنى العبّاس، وكان الناس يظنّون أنّ الخلافة قد انقطعت من الوجود، فإنّ الخلافة أقامت شاغرة (١) نحو ثلاث سنين ونصف، والدنيا بلا خليفة من بنى العبّاس.
فلما حضر الإمام أحمد، فرح الناس به، وحمدوا الله الذى بقى من نسل العبّاس بقيّة، فإنّ هولاكو قصد أن يقطع جادرة بنى العبّاس عن آخرها.
وقد ورد فى بعض الأخبار، أنّ الخلافة العبّاسية تستمرّ فى الدنيا حتى ينزل عيسى بن مريم، ﵇، ثم تنقطع من بعد ذلك.
فلما شقّ الإمام أحمد القاهرة، طلع مع السلطان إلى القلعة، فأنزله بقاعة الأعمدة، فأقام بها أياما.
ثم إنّ الملك الظاهر قصد أن يثبت نسب الإمام أحمد، فأمر بعقد مجلس، وجمع القضاة ومشايخ العلم، ومشايخ الصوفية، وأعيان الصلحاء والزهّاد، وسائر الأمراء، وأرباب الوظائف، وكان هذا الموكب فى قاعة الأعمدة.
فلما تكامل المجلس، جلس الملك الظاهر بين يدى الإمام أحمد، على ركبه، من غير مرتبة.
وكان المشار إليه فى ذلك المجلس شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السّلام، ﵁، وحضر قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعزّ الشافعى، والشيخ جمال الدين
стр. 322
ابن الحرانى، والشيخ صدر الدين الجزرى، والشيخ سديد الدين التزمنتى، وغير ذلك من أعيان العلماء والمشايخ.
ثم حضر الإمام أحمد، والعربان الذين (١) حضروا معه، والطواشى، وابن مهنا أمير العرب، وشهدوا بين يدى القضاة ومشايخ العلم، أنّ هذا الإمام أحمد، هو ابن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، وعمّ أمير المؤمنين المستعصم بالله؛ فلما قامت البيّنة بذلك، ثبت على قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعزّ، وسجّله على نفسه، وحكم بصحّته.
فلما ثبت نسب الإمام أحمد، بويع بالخلافة، وتلقّب بالمستنصر بالله، على لقب أخيه خليفة بغداد.
فلما بويع بالخلافة، فوّض للناس على قدر طبقاتهم، فأول من فوّض إليه الشيخ عزّ الدين بن عبد السّلام.
ثم بايع الملك الظاهر بالسلطنة، وفوّض إليه أمر البلاد الشامية والمصرية، وما سيفتح على يديه من البلاد الكفرية.
ثم بايع قاضى القضاة ابن بنت الأعزّ، بالتصرّف فى الأحكام الشرعية، وأنّه يولّى من القضاة من يختار، ويعزل من يختار؛ ثم بايع الوزراء، والأمراء، وأرباب الوظائف، على قدر طبقاتهم.
فلما انتهى المجلس، أحضر السلطان القاضى فخر الدين بن لقمان، كاتب السرّ، وأمره بكتابة (٢) مراسيم إلى سائر أعمال المملكة، بأخذ البيعة الصحيحة من الخليفة المستنصر بالله؛ وهو أول من تلقّب بقسيم أمير المؤمنين، وكان من تقدّمه من ملوك بنى أيوب، يلقّب بولىّ أمير المؤمنين، أو حاجب أمير المؤمنين، وقد قال القائل:
يا أسد الترك ويا ركنهم … ويا آخذ الثار بعد المخافة
كسرت الطغاة جبرت العفاة … قطعت الفرات وصلت الخلافة
стр. 323
فلما كان يوم الجمعة، رسم السلطان للخليفة أن يخطب بنفسه على المنبر بجامع القلعة، فاجتمع القضاة والعلماء فركب الخليفة من قاعة الأعمدة وهو فى أبّهة السواد، حتى جاء إلى الجامع، وصعد المنبر، وخطب خطبة بليغة، فكان معناها:
«الحمد لله الذى أقام لآل العبّاس ركنا وظهيرا، وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا، أحمده على السرّاء والضرّاء، وأستعينه على شكر ما أسبغ من النعماء، وأستنصره على الأعداء، وأشهد أنّ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، ﷺ ، وعلى آله وصحبه نجوم الاهتدا، وأئمة الاقتداء، الأربعة الخلفاء، وارض عن العبّاس عمّه، وكاشف غمّه، وارض عن السادة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديّين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين».
«أيها الناس، اعلموا أنّ الإمامة فرض من فروض الإسلام، والجهاد محتوم على جميع الأنام، ولا يقوم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد، فما سبيت الحرم، إلا بانتهاك المحارم، ولا سفكت الدماء، إلا بارتكاب المآثم، فلو شاهدتم أهل بغداد، حين دخلوا التتار دار السّلام، واستباحوا الدماء والأموال، وقتلوا النساء والأطفال والرجال، وهتكوا حرم الخلافة والحريم، وأذاقوهم العذاب الأليم، فارتفعت الأصوات بالبكاء والعويل، وعلت الضجّات من هول ذلك اليوم الطويل، فكم من شيخ خضّبت شيبته بدمائه، وكم من طفل بكى فلم يرحم لبكائه، فشمّروا عن ساعد الاجتهاد فى إحياء فرض الجهاد، ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون، فلم يبق معذرة فى القعود عن أعداء الدين، والمحاماة عن المسلمين».
«وأما السلطان الظاهر بيبرس ركن الدنيا والدين، قد أقام بنصرة الإمامة، عند قلّة الأنصار، وشرد جيوش الكفر، بعد أن جاسوا خلال الديار، فأصبحت البيعة باهتمامه منتظمة العقود، والدولة العبّاسية متكاثرة من الجنود، فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة، وأخلصوا نيّاتكم تنصروا، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، ولا يرد عنّكم ما جرى لنا، فالحرب سجال، والعاقبة للمتّقين، جمع الله على التقوى أمركم، وأعزّ بالإيمان نصركم، وأنا أستغفر الله العظيم، لى ولكم،
стр. 324
ولسائر المسلمين، إنّه هو الغفور الرحيم».
ثم نزل عن المنبر، وصلّى بالناس صلاة الجمعة، وانفضّ ذلك الجمع.
فلما كان يوم الاثنين، رابع ربيع الأول من تلك السنة، خرج السلطان إلى نحو المطرية، وضرب هناك خيمة كبيرة، وجلس على كرسىّ، وحوله الأمراء؛ ثم إنّ القاضى فخر الدين بن لقمان، كاتب السرّ، نصب هناك منبرا، وصعد عليه، وقرأ على الأمراء تقليد الخليفة للسلطان، وهو أول من بايعه الخليفة من ملوك الترك بمصر، وهى البيعة الصحيحة له بالسلطنة.
فلما فرغ من ذلك، لبس خلعة السلطان، وهى جبّة سوداء، وعمامة سوداء، وطوق ذهب فى عنقه، وقيد ذهب فى رجليه، وسيف بداوى مقلّد به، وهذه كانت صفة هيئة السلطنة قديما، لما يتولّى السلطان - ذكر ذلك الحافظ أبو شامة.
ثم ركب على فرس يوز أبيض قرطاسى، ودخل القاهرة من باب النصر، وشقّ المدينة وهو لابس شعار السلطنة؛ فزيّنت له المدينة زينة حفلة، ومشت قدّامه الأمراء من باب النصر إلى القلعة، والصاحب بهاء الدين بن حنّا، شايل التقليد على رأسه، حتى طلع إلى القلعة، وكان يوما مشهودا.
ثم إنّ السلطان أخذ فى أسباب تجهيز الإمام أحمد وعوده إلى بغداد، فأقام له بركا (١)، وعيّن معه عسكرا.
وكان هولاكو لما استولى على بغداد، وجرى منه ما جرى، رحل عنها، واستناب على مدينة بغداد شخصا من أمرائه، يقال له قرابغا، ومعه جماعة من التتار.
فظنّ الإمام أحمد أنّه إذا أمدّه سلطان مصر بعسكر، ورجع إلى بغداد، يطرد عنها قرا بغا، ويملكها كما كانوا، ويقيم بها، فجاء الأمر بخلاف ذلك.
فلما أقام له السلطان بركا (١)، جعل له طشت خاناه، وشر بخاناه، وفرشخاناه، وركب خاناه، ومطبخا، وجعل له إماما، ومؤذّنا، وقاضيا، وجعل له وزيرا، وأستادارا؛ فأما القاضى فالشيخ نجم الدين الطرابلسى؛ وأما الوزير فالصاحب كمال الدين
стр. 325
السخاوى؛ وأما الأستادار فالشريف شهاب الدين الدمشقى؛ وجعل له دوادارا، وحاجبا، فأما الدوادار فالأمير بلبان الرشيدى؛ وأما الحاجب فالأمير سنقر الرومى.
ثم عيّن معه خمسمائة مملوك (١)، وعشرة طواشية، وأفرد له خيم، وقماش بدن، وآلة مطبخ، وآلة طشت خاناه، وأعطاه ذهب عين، مائة ألف دينار؛ فكان جملة ما أنفقه الملك الظاهر على تجهيز الخليفة المستنصر بالله، مائة ألف دينار وستين ألف دينار.
ثم إنّ الإمام أحمد قصد التوجّه إلى بغداد، فنزل من القلعة فى موكب عظيم، ومعه السلطان، وسائر الأمراء، إلى المطرية، فودّعه ورجعوا، وتوجّه الإمام أحمد إلى بغداد، انتهى ذلك.
وقيل إنّ الملك الظاهر كان يقصد التوجّه إلى دمشق، فلما خرج الإمام أحمد من مصر، خرج السلطان صحبته، واستمرّ معه إلى دمشق، فأقام بها، ومضى الإمام أحمد إلى الفرات، كما تقدّم.
وفى هذه السنة، أعنى سنة ستين وستمائة، فيها، فى عاشر جمادى الأولى، توفّى شيخ الإسلام سلطان العلماء، الشيخ عزّ الدين عبد العزيز أبو محمد بن عبد السّلام بن أبى القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمى، ﵁؛ ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، وقدم مصر وأقام بها عشرين سنة، وهو ناشر للعلم، آمر بالمعروف، ناه (٢) عن المنكر، تغلّظ على الملوك والأمراء، وتفقّه على الشيخ فخر الدين بن عساكر، وأخذ الأصول عن السيد الشريف الأموى، وسمع الحديث من الشيخ سراج الدين عمر بن طبرزد، وبرع فى الفقه والأصول والعربية.
قال الذهبى فى «العبر»: انتهت إليه معرفة المذهب مع الزهد والورع، وبلغ رتبة الاجتهاد، ولما دخل مصر بالغ الشيخ زكى الدين المنذرى فى الأدب معه، وامتنع من الفتيا لأجله، وقال: «كنا نفتى قبل حضور الشيخ عزّ الدين، وأما مع وجوده فلا نفتى».
стр. 326
وهو أول من ألقى التفسير بمصر دروسا، وله من المصنّفات: تفسير القرآن، ومجاز القرآن، والفتاوى الموصلية، ومختصر النهاية، وشجر المعارف، والقواعد الكبرى والصغرى، وبيان أحوال يوم القيامة.
وكان له كرامات خارقة، ولبس خرقة التصوّف من الشهاب السهروردى، وكان يحضر عند الشيخ أبو الحسن الشاذلى، ويسمع كلامه فى علم الحقيقة، ويحضر السماع، وربما تواجد، وكان ينظم الشعر؛ ومن شعره قوله فى إمام:
وبارد النيّة عنينها … يكرّر الرعدة والهزّة
مكبّر سبعين فى وقفة … كأنما صلّى على حمزة
قال ابن كثير: كان الشيخ عزّ الدين فى آخر أمره لا يتقيّد بالمذهب، ويفتى بما أدّى إليه اجتهاده.
وقال الشيخ جمال الدين بن الحاجب المالكى: ابن عبد السّلام أفقه من الإمام أبى حامد الغزالى.
قيل، فلما بلغ الملك الظاهر بيبرس وفاة (١) الشيخ عزّ الدين، قال: «ما استقرّ ملكى إلا الآن»، وكان الشيخ عزّ الدين يزجرد عن المظالم، وينهاه عن ذلك، انتهى.
ثم دخلت سنة إحدى وستين وستمائة
فيها، فى ثامن المحرم، اهتمّ السلطان بحفر خليج أشموم، وباشر ذلك بنفسه، وأصرف على حفره ما لا له صورة.
وفيها جاءت الأخبار بأنّ الإمام أحمد المستنصر بالله، لما وصل إلى الفرات، بلغ ذلك فرابغا، أمير التتار، الذى استنابه هولاكو على بغداد، بأنّ الإمام أحمد أتى ومعه عساكر من مصر، فخرج إليه قرابغا فى عسكر كثيف، فالتقت العساكر المصرية، والبغدادية، على مكان يسمّى الأنبار، فحملوا عساكر مصر على عساكر التتار، فكسروهم كسرة قويّة؛ فلما دخل الليل هجم التتار على عساكر مصر، واحتاطوا بهم
стр. 327
فلم ينج (١) منهم أحد، ونهبوا ما معهم من قماش وسلاح وغير ذلك.
وأما الإمام أحمد، فلم يعلم له خبر، ولا وقف له على أثر، فمن الناس من يقول إنّه نجا بنفسه، وهو مجروح، مع طائفة من العرب، فأقام عندهم أياما ومات؛ ومن الناس من يقول إنّه قتل تحت الليل فى المعركة، والله أعلم.
فلما تحقّق الملك الظاهر ذلك، تأسّف على قتل الإمام أحمد، وتأسّف على ما أنفقه عليه من المال، ولم يفد من ذلك شيئا، فكان كما قيل فى المعنى:
أنفقت كنز مدائحى فى ثغره … وجمعت فيه كل معنى شارد
وطلبت منه جزاء ذلك قبلة … فأبى وراح تغزّلى فى البارد
وفى هذه السنة، رتّب السلطان لعب القبق.
وفيها وقع الغلاء بالديار المصرية، وشحّ النيل، وعدمت الأقوات، فأمر السلطان بجمع الحرافيش كلهم، فكانوا نحو ألفين وخمسمائة إنسان، ففرّقهم على الأمراء، وأخذ لنفسه منهم جانبا، وأضاف لولده الملك السعيد جانبا، وأضاف للأمير بيليك، نائب السلطنة، جانبا، ورسم لهم برطل خبز، ورطل لحم فى كل يوم، ورسم لهم أن لا يسألوا بعد ذلك أحدا من الناس.
وفيها توفّى الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصارى الحموى، شيخ الشيوخ بحماة، وكان مولده سنة ست وثمانين وخمسمائة، وتوفّى سنة إحدى وستين وستمائة، وعاش من العمر نحو خمس وسبعين سنة؛ وكان من أعيان الشعراء، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
هزم الهمّ عن ندامى راح … حظيت من سماعهم باللحون
لم تكد فى الكؤوس تظهر لطفا … فبدت من خدودهم فى الصحون
وفيها توفّى الشيخ كمال الدين الضرير، شيخ القراء، صاحب الشاطبى، ﵁.
وفى هذه السنة جاءت الأخبار بوفاة (٢) هولاكو، ملك التتار، الذى جرى منه
стр. 328
ما جرى فى خراب بغداد، وقتل الخليفة المستعصم بالله.
وفيها جاءت الأخبار بوصول شخص من بنى العبّاس، يقال له الإمام أحمد أيضا، غير الذى قتل، وكان مستخفيا عند جماعة من العرب فى بعض أعمال بغداد، فسبقه الإمام أحمد المقدّم ذكره، وكان الإمام أحمد الذى قدم أولا، من أولاد الخليفة الظاهر بأمر الله، وهذا من أولاد الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر بن المقتدى بن محمد الذخيرة؛ فلما وصل إلى المطرية، خرج السلطان والأمراء إلى تلقّيه، فطلع مع السلطان إلى القلعة، وأنزله بالبرج الكبير الذى بالقلعة، وحضر معه طواشى من بغداد، وهو رومى الجنس، وجماعة من العربان.
فأقام أياما، ثم عقد السلطان مجلسا ثانيا، وأثبت نسبه كما فعل بالإمام أحمد الأول، فجمع القضاة ومشايخ العلم، وأثبت نسبه بشهادة (١) ذلك الطواشى والعربان الذين (٢) حضروا معه.
فلما ثبت نسبه، ولّوه الخلافة، ولقّبوه بالحاكم بأمر الله، وكان أسمر اللون ابن مولّدة؛ فلما تولّى الخلافة، بايع السلطان والقضاة وأرباب الدولة، كما فعل الإمام أحمد المستنصر بالله.
ثم رسم له السلطان أن يسكن فى مناظر الكبش، التى أنشأها أحمد بن طولون، وكانت مطلة على بحر النيل، ورتّب له ما يكفيه فى كل شهر.
ورسم بأن ينقش اسمه مع اسم السلطان على الدنانير والدراهم، وأن يخطب باسمه مع اسم السلطان فى كل جمعة، ويدعا لهما على المنابر، وأن يقدّم اسم الخليفة على اسم السلطان فى الدعاء، ورسم السلطان للخليفة أن يطلع إلى القلعة عند مستهلّ كل شهر، ويهنّئ السلطان بالشهر.
وقيل: لما أقام الإمام أحمد بمصر، نزل الملك الظاهر، وتوجّه إلى القصر الذى كان بقلعة الروضة، وأرسل خلف الإمام أحمد إلى هناك، وأضافه ضيافة حافلة، ولعبوا قدّامه بالشوانى فى البحر، ذهابا وإيابا، والطبول والبوقات والنفوط عمّالة، وكان يوما مشهودا جدّا.
стр. 329
والإمام أحمد هذا، هو أول خلفاء بنى العبّاس بمصر، وإليه تنسب الخلفاء إلى يومنا هذا، فهو جدّهم كلهم على الإطلاق؛ وهذا سبب نقل الخلافة من بغداد إلى مصر، على يد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، رحمة الله عليه.
قال الحافظ أبو شامة: لما نقلت الخلافة من بغداد إلى مصر، فعظم أمر مصر على سائر البلاد، وتشرّف قدر سلطانها على سواه من العباد، وصارت مصر مسكن العلماء والفضلاء والزهّاد، وعلا فيها قدر السنّة، وعفّت منها البدعة، وهذا سرّ فى بنى العبّاس، إذا حلّوا بأرض تشرّفت بهم على غيرها من البقاع، ألم تر إلى السرّ الذى كان فى بغداد، كيف انتقل إلى مصر وصارت كدار السّلام؟ وهذا من أسرار الله تعالى فى الخلافة النبوية، حيثما (١) كانت يكون فيها، انتهى ذلك.
فلما صار الخليفة يطلع ويهنّئ السلطان فى مستهلّ كل شهر، فعنّ للسلطان أن يجعل من كل مذهب قاضيا كبيرا (٢)، ويولّى من تحت يده نوّابا، وكان بمصر لا يحكم بها غير قاض (٣) شافعى فقط، وهو الذى يولّى من تحت يده عن الثلاثة مذاهب، وآخر من كان يفعل ذلك، القاضى تاج الدين بن بنت الأعزّ.
فكان أول قضاة الحنفية بمصر؛ القاضى صدر الدين بن سليمان بن أبى العزّ؛ وأول قضاة المالكية، القاضى شرف الدين عمر بن السبكى؛ وكان أول قضاة الحنابلة، القاضى شمس الدين محمد بن العماد الجمعتلى؛ وكان ذلك فى أوائل سنة ثلاث وستين وستمائة، وفى هذه الواقعة يقول القائل:
لقد سرّنا أن القضاة ثلاثة … وأنك تاج الدين للقوم رابع
فلا عجب أن وسّع الله فى الهدى … مذاهبنا بالعلم فالشرع واسع
تفرقت الآراء والدين واحد … وكل إلى رأى من الحقّ راجع
стр. 330
فهذا اختلاف صار للناس رحمة … كما اختلفت فى الراحتين الأصابع
فكم رخص أبدوا لنا وعزائم … هدينا بها فهى النحوم الطوالع
بهم بنية الإسلام صحّت وكيف لا … تصحّ وهم أركانها والطبايع
قيل لما فعل الملك الظاهر ذلك، رأى الإمام الشافعى، ﵁، فى المنام، وهو يقول له: «بهدلت مذهبى بمصر، وفرّقت كلمة المسلمين، والله لأعزلنّك أنت وأولادك إلى يوم القيامة»؛ فلما تولّى ابنه الملك السعيد، فلم يقم إلا مدّة يسيرة، وعزل، وكذلك ابنه سلامش، عزل ونفى إلى بلاد الفرنج، وأقام بها إلى أن مات؛ وقيل متى تولّى سلطان (١) على غير مذهب الشافعى، زالت دولته سريعا، وقد جرّب ذلك وصحّ.
قال ابن المتوّج: إنّ القاضى سراج الدين الهندى، لما ولى قاضى قضاة الحنفية، أراد أن يساوى القاضى الشافعى فى مودع الأيتام، وغير ذلك من أمور الشافعية، فأجابه السلطان إلى ذلك، فاتّفق أنّه توعّك عقيب ذلك، وطال مرضه إلى أن مات، ولم يتمّ له ما أراد من ذلك.
وكذلك الأتابكى يلبغا العمرى، تعصّب للحنفية على الشافعية، فقتل فى سنته، وذلك ببركة الإمام الشافعى، ﵁.
وقد خصّ الله تعالى الإمام الشافعى، [﵁] (٢)، بمصر، كما جعل لأبى حنيفة من العراق إلى ما وراء النهر، وجعل لمالك بلاد الغرب، وجعل لأحمد بن حنبل بغداد وما شاكلها، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وستمائة
فيها ختن السلطان ولده الملك السعيد محمد، ورسم للأمراء والجند والرعيّة، أنّ كل من كان له ولد (٣) يطلع به إلى القلعة، يختنه مع ابن السلطان، فطلع
стр. 331
الناس بأولادهم إلى القلعة، فبلغ عدّتهم ألف وستمائة وخمسة وأربعين ولدا، خارجا عن أولاد الأمراء، وأعيان الناس؛ فرسم لكل واحد منهم بكسوة على قدر مقام أبيه؛ وأما أولاد العوام، فرسم لكل واحد منهم بكسوة، وخروف ومائة درهم.
واستمرّ المهمّ عمّالا بالقلعة، سبعة أيام، فركب ابن السلطان من الحوش إلى دور الحرم، ولعبت قدّامه الغلمان بالغواشى الذهب، ومشت بين يديه الأمراء المقدّمون (١) قاطبة.
وفيها حضر إلى الأبواب الشريفة غالب ملوك الشرق، [لينظروا وجه السلطان، ويهنّئوه] (٢) بالسلطنة؛ فحضر منهم الملك الصالح إسمعيل بن بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل؛ وأخوه الملك المحاهد سيف الدين إسحق، صاحب الجزيرة؛ وأخوه الملك المظفر، صاحب ماردين.
فلما حضروا، أكرمهم السلطان، وأقرّهم على ما بأيديهم من الممالك التى بالشرق، وأتوا وصحبتهم تقادم حفلة للسلطان، فأقاموا بمصر مدّة، ثم توجّهوا إلى بلادهم، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وستمائة
فيها أراد الملك الظاهر أن يسلك فى مملكته طريقة ملوك التتار، فى شعائر المملكة، من أرباب الوظائف، ففعل ما أمكنه من ذلك، ورتّب أشياء كثيرة لم تكن قبل ذلك بمصر.
منها: أنّه أحدث إمرية السلاح، ولم تكن تعرف قبل ذلك بمصر، وموضوع أمير سلاح، أنّه يتحدّث على السلاح، ويناول السلطان آلة السلاح فى الحرب، ويوم عيد الأضحى.
وأحدث أمير مجلس، وموضوع أمير مجلس، أنّه يحرس مجلس قعود السلطان، وفرشه، ويتحدّث على الأطبّاء والكحّالين ونحو ذلك، وكانت وظيفة جليلة، أكبر قدرا من أمير سلاح.
стр. 332
وأحدث رأس نوبة النوب، وهى وظيفة عظيمة، أكبر من أمير سلاح، وأمير مجلس، وكان يسمّى رأس نوبة الأمراء، وكان يجلس عن ميسرة السلطان، فوق أمير مجلس.
وأحدث أمير آخور، وموضوع أمير آخور، النظر فى الاصطبل السلطانى، ومعالف الخيول، وآخور بالعجمى هو مذود الفرس الذى يأكل فيه.
وأحدث وظيفة أمير جاندار، وكان موضوع هذه الوظيفة، إذا أراد السلطان أن يقتل أحدا من الأمراء، فيتولّى ذلك أمير جاندار.
وأحدث وظيفة نقابة الجيوش، وموضوع هذه الوظيفة، إذا أراد السلطان بالقبض على أحد من الأمراء، يترسّم عليه، ويدور على الأمراء والجند، فى عرضهم للمهمّات الشريفة.
وأحدث وظيفة أمير علم، وموضوع هذه الوظيفة، أن يحكم أمير علم على الطبّال والزمّار، قيل: والملك الظاهر هو أول من أحدث البوقات والطبول.
وأما وظيفة الولاية، فهى وظيفة قديمة، وهو صاحب الشرطة، ويطوف فى الليل، ويقبض على أصحاب الجرائم، ولكن عظم أمر هذه الوظيفة فى أيام الظاهر بيبرس، حتى صار الوالى يقتل من يستحق القتل، من غير مشورة السلطان.
وكذلك الحسبة، عظم أمرها فى أيامه أيضا.
قال الإمام أبو شامة: إنّ الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، هو أول من توجّه إلى فتح السدّ فى يوم وفاء النيل، ولم يفعل ذلك أحد قبله من ملوك الترك؛ ثم تبعه من بعد ذلك الظاهر برقوق، ثم ابنه الناصر فرج، ثم المؤيّد شيخ، ثم الأشرف برسباى، ثم الظاهر خشقدم، وبطل ذلك بعده.
ومن الحوادث فى هذه السنة، كثر الحريق بالقاهرة، وأشيع بين الناس أنّ هذا من فعل بعض النصارى، فرسم السلطان بجمع سائر النصارى، من مصر والقاهرة، فلما جمعوا أمر بحرقهم، فجمعت لهم الأحطاب والحلفاء.
فعند ذلك طلع الأتابكى فارس آقطاى المستعرب، إلى القلعة، واجتمع بالسلطان،
стр. 333
وشفع فى النصارى، فرسم السلطان بأن يوردوا إلى الخزائن الشريفة، خمسين ألف دينار، وأن يصلحوا ما قد فسد من الدور التى احترقت، فتخلصوا من الحرق على ذلك الشرط الذى قرر عليهم، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وستين وستمائة
[وفى سنة أربع وستين وستمائة، نشف البحر قاطبة ما بين الروضة وبرّ الجيزة، حتى نزل السلطان بنفسه، والعسكر، حتى حفروه، وجرى فيه بعض ماء] (١).
وفيها خرج السلطان إلى نحو البلاد الشامية، ووصل إلى صفد، وحاصر أهلها، حتى افتتحها، وعمر بها عدّة أبراج، ثم رجع إلى الديار المصرية، فأقام بها مدّة يسيرة.
ثم عيّن تجريدة إلى نحو سيس، وكان باش العسكر، الأمير عزّ الدين بيدغان المعروف بسمّ الموت، والأمير قلاون الألفى، وجماعة من الأمراء والمماليك، فخرجوا من القاهرة فى موكب عظيم.
فلما وصلوا إلى مدينة سيس، حاصروا أهلها، فلما رأوا عين الغلب، سلّموا المدينة بالأمان؛ ثم توجّهوا إلى قلعة إيّاس، ففتحوها أيضا بالأمان؛ وفتحوا فى هذه السنة عدّة قلاع كانوا بيد الأرمن، ثم رجعوا إلى مصر، وهم فى غاية النصر.
وقد هنّى (٢) الأمير بيدغان بعض الشعراء بهذين البيتين.
بقيت مدى الدنيا جمالا لدولة … لها منك سهم فى اللقاء رسيس
تسوق لها عزّ الفتوح جنائبا … وأوّل هاتيك الجنائب سيس
ثم دخلت سنة خمس وستين وستمائة
فيها، فى سابع عشر (٣) رجب، توفّى قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعزّ الشافعى، وكان من أعيان الرؤساء بمصر، جمع بين القضاء والوزارة، وتولّى من الوظائف السنيّة أربع عشرة وظيفة، وكان من القضاة العدول.
стр. 334
فلما مات أخلع السلطان على القاضى محيى الدين عبد الله بن عزّ الدولة، واستقرّ به قاضى القضاة الشافعية، عوضا عن ابن بنت الأعزّ.
وفى هذه السنة، فى النصف من شعبان، أمر السلطان بإبطال ضمان الحشيش، وإحراقها؛ وأخرب بيوت المسكرات، وكسر ما فيها من الخمور، وأراقها؛ ومنع الحانات من الخواطئ؛ واستتوب العلوق واللواطى؛ وعمّ هذا الأمر سائر جهات الديار المصرية، وبرزت المراسيم الشريفة بمنع ذلك من سائر الجهات بالبلاد الشامية؛ فطهرت فى أيامه سائر البقاع وامتنع الناس من ذلك غاية الامتناع.
ثم فى أثناء ذلك ظفر والى الشرطة بشخص يسمّى ابن الكازرونى، وهو سكران، فأشهره فى القاهرة، وعلّق الجرّة والقدح فى عنقه، [ثم صلبوه على باب النصر] (١).
فلما عاينوا أرباب الخلاعة ما جرى على ابن الكازرونى، أذعنوا بالسمع والطاعة؛ وفى ذلك يقول ابن دانيال:
لقد كان حدّ السكر من قبل صلبه خفيف الأذى، … إذ كان فى شرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبى ألا تب فإن … الحدّ قد جاوز الحدّ
ثم إنّ الشيخ شمس الدين بن دانيال عمل فى هذه الواقعة مقامة لطيفة، فقال:
لما قدمت من الموصل إلى الديار المصرية فى الدولة الظاهرية، سقى الله من سحب الإنعام عهدها، وأعذب مشارب وردها، فوجدت تلك الرسوم دارسة، ومواطن الأنس بها غير آنسة، وأرباب المجون والخلاعة عابسة، وقد هزم أمر السلطان جيش الشيطان، وتولّى الحرّانى والى القاهرة، إهراق الخمور، وحرق الحشيش، وتبديد المزور، واستتوب العلوق واللواطى، وحجّر على البغايات (٢) والخواطى، وتأذّى الخلاّع غاية الأذيّة، وصلب ابن الكازرونى وفى عنقه نباذية، ثم شاعت الأخبار، ووقع الإنكار،
стр. 335
وانعكف المسطول فى الدار، وأقيمت الحدود، وعطلت البدود، فعند ذلك دعانى بعض أصدقائى إلى محله، وأنزلنى بين عياله وأهله، واعتذر إلى تقصّره فى إكرامى، وانحصاره إذ لم يأتنى بمرامى، وقال: قد غلب على ظنّى أنّ أبا مرّة قد مات، وعدّ من الرفات، فقم بنا نبكيه، ونصف الحالة، ونرثيه، فابتدأت، وقلت فى المعنى:
مات يا قوم شيخنا إبليس … وخلا منه ربعه المأنوس
ونعانى حدسى به إذ توفّى … ولعمرى مماته محدوس
هو لو لم يكن كما قلت ميّتا … لم يغيّر لأمره ناموس
أين عيناه تنظر الخمرة إذ … عطل منها الراووق والمحريس
ومواعينها تكسّر والخمّار … من بعد كسرها محبوس
وذوو القصف ذاهلون وقد … كادت على سيلها تسيل النفوس
كم خليع يقول ذا اليوم يوم … مثل ما قيل قمطريرا عبوس
وفتى قائلا لقد هان عندى … بعد هذا فى شربها التّجريس
أين عيناه تنظر المزر وقد … أوحش منه الماجور والقادوس
وعجين البقول قد بدّدوه … وهو بالترب خلطه مبسوس
والقنانى مكسّرات كما قد … كسرت فى دجى الليالى الكؤوس
أين عيناه والحشائش تحرقن … بنار تراع منها المجوس
قلعوها من البساتين إذ ذاك … صغارا خضراء وهى عروس
والحرافيش حولها يتباكون … وهذا يطفى لهذا الوطيس
ذا ينادى رفيقه يا عنيكر … بل وهذا يصيح يا بغنوس
أسمر الكرك بين الأكواس يسعى … وهو كزكى بكل حسّ يموس
أين عيناه تنظر المقاصف والحانة … قد هدّمت دراها الفوس
وترى زنكلون يزعق زيتون … وناتوا يصيح يا جاموس
أين شكشاكتى وطاجنة الغار … وأين المزراق والدبوس
стр. 336
نهبوا الحصن والطراطير والطار … وضاعت خريطتى والفلوس
ارحلوا هذه بلاد عفاف … وسعود الخلاع فيها نحوس
وقضيب ونرجس وسعاد … باكيات وزينب وعروس
وذى تنادى حريفها لوداع … لا عناق لا ضمّ لا تبويس
وينادى قوّادهم شه علينا … نجم ستّى قد عكسته العكوس
عكس الله نجم ستّى ففى سابع … ضرب تخت رملها إنكيس
أين تمشى حزنا بجور زمان … لا قحاب فيه ولا خندريس
من لنا بعد ذلك الشيخ إلف … وسمير ومؤنس وأنيس
لم تر (١) بعده فتى ضاحك الس … ن وكل يبدو له تعبيس
فسأبكيه أرمد العين حتى … لشقائى يعيش جالينوس
قال إبراهيم المعمار، لما وقفت على قصيدة الشيخ شمس الدين بن دانيال، فقلت لو أنى أدركت ذلك الزمان، لرثيت الخلاعة والمجون، بهذا الرجل المصون، وهو قولى فى المعنى:
منعونا ماء العنب يا أسين … رب سلم لا يمنعونا التين
هاك قل لى إذا منعنا الراح … وحرمنا من الوجوه الصباح
بيش نبقا نستجلب الأفراح … والخليع كيف نراه يعيش، مسكين
على موت العنب بكا الراووق … والشمع صار بعبرتو مخنوق
والوتر بات من الغروب للشروق … من أتينو (٢) تسمع لو فى الليل حنين
ولقد هان حضرة المحضر … وتلوّن ذا الزهر وتغيّر
وبغيطو ريحاننا اتنّصر … وعلى وجهو صلّب اليسمين
والندامى جميعهم فى شتات … حزنو كنّ مات لهم أموات
هذا قاعد يبكى على ما فات … وذا يندب، وذاك الآخر حزين
стр. 337
ولى صاحب زمان معو كان نطيب … جانى قال لى مشتاق أنا يا أديب
لجريره لو إنها من زبيب … أرى قلبى يرتاح لها ذا الحين
فقصدنا المنية إلى شبرا … ما لقينا، رحنا طنان الأخرا
وفى قليوب قالوا ولا قطرا … درنا من مرصفا إلى شبين
وصعدنا قبلى ذا البلدان … ونبشنا طموه لدير شعران
ما أمرّ الطريق إلى حلوان … أخرب الله طرا على التّبّين
قد تعبنا مما نجدّ السير … ولا صبنا فى ذا السفر من خير
جينا عند المسا لواحد دير … صرنا نزعق للشيخ أبو مرتين
ونقول لو يا بونا قد جيناك … عسى جرّة بحياة رهابيناك
ويميتك ربّى على ديناك … وأنا نذرى بانّو أحسن الدين
لانّا نضحك عليه ونهزّر … حتى لا ينكح وينخنزر
ووهبناه من بيننا مئزر … ووقفنا نخاطبو باللين
فدخل غاب زمان ونحن وقوف … وانتو تدرو إيش وقفتو الملهوف
وأنّا ندعو ذاك الدعا الموصوف … إنّو يفتح وأخى يقول آمين
بعد ساعة إلاّ وهوّا قد ردّ … جا يقول بالله رآكم حدّ
ونصيب من وراه شويخ يرعد … ومعو جرّة وهو يصيح يا ألسين
كم ندوّر فما لقيت عندى … إلاّ هذى وأظنّها دردى
قمت نمدّد من الفرح يدى … ونصيح لو من الظما أروين
خدت نسكب منها قنينة … صبّتها مثل زفت مسكينة
سودا دردى ملآنه للطّينة … قلت: معمار دى نحسه للطّين
فرجعنا إيش رجعة المكسور … قلت: كيف العمل فقال لى: ندوّر
فى المقيلات ونقتنع بالمزور … ولا نرجع من ذا السفر خايبين
حين قطعنا الأياس من الخمّار … جينا نسعى لو أشنّ الأمزار
قال لى نشرب ما العجين فقلت فشّار … فماذا الكعك أصل من ذا العجين
стр. 338
ونا مالى غيّة سوى ابن الكروم … والشراب المعتق المعلوم
نتبعو لو يصير بأقصى الروم … ولو أنى ندخل لقسطنطين
ولا نهوى إلا الشراب القديم … ومعيشق جديد يكون لى نديم
ننفق المال على إيش نسمّى عديم … ونا ممكن فى غاية التمكين
ومرادى من الصغار أطفال … هم يقولوا غزلان ولاّ جمال
ولقد رأيت فى ذا الصغار احتمال … ابن سبعه يحمل ولد سبعين
إلا أنّى قد أثقلتنى الذنوب … ما بقيت تحمل لكتر العيوب
وما عاد لى أوفق سوى إنى أتوب … يا إلهى اكتبنى مع التايبين
وأرّخوا بالله توبة المعمار … واكتبوها بالتبر طول أعمار
قولوا من هجرة النبى المختار … سبعمائة سنة خمس وأربعين
انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ست وستين وستمائة
فيها توفّى الحافظ العلامة الإمام المحدث زين الدين أبو الفتح محمد بن محمد الأبيوردى، مات فى جمادى الأولى من تلك السنة.
وتوفّى الشيخ أبو الحسن بن عدلان. - وتوفّى الشيخ ناصر الدين الطوسى، واللورقى.
وفيها توجّه السلطان إلى نحو البلاد الشامية، وحاصر مدينة يافا والشقيف، ففتحهما؛ ثم توجّه إلى أنطاكية، ففتحها فى يوم الجمعة ثالث رمضان؛ ثم توجّه إلى بغراس، ففتحها؛ ثم رجع إلى الديار المصرية، فزّينت له القاهرة، وكان يوم دخوله يوما مشهودا.
ثم دخلت سنة سبع وستين [وستمائة] (١)
فيها حجّ السلطان إلى بيت الله الحرام، فخرج من القاهرة فى ثالث شوّال،
стр. 339
وتوجّه إلى غزّة، وأخذ الإقامات التى عبّأهم (١) له نائب غزّة؛ ثم توجّه من غزّة إلى الكرك، وتوجّه من الكرك إلى المدينة الشريفة، فزار النبىّ، ﷺ ؛ ثم توجّه إلى مكّة، فدخلها خامس ذى الحجّة، ثم وقف بالجبل، وكان تلك السنة الوقفة الجمعة؛ وكان ولد السلطان الملك السعيد، أمير المحمل.
فلما انقضى (٢) الحاج، توجّه السلطان من هناك إلى الشام، ورجع ابنه الملك السعيد، صحبة المحمل، مع الركب المصرى.
ثم دخلت سنة ثمان وستين [وستمائة] (٣)
فيها رجع السلطان إلى القاهرة، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، فأقام بالقلعة إلى شعبان، ثم توجّه لزيارة بيت المقدس، والخليل، ﵇، فزار القدس، والخليل، ثم رجع إلى القاهرة.
وفيها توفّى الشيخ مجد الدين، والد الشيخ تقىّ الدين بن دقيق العيد.
وفى هذه السنة عمر السلطان جامعه، الذى بالقرب من الحسنية، عند زقاق الكحل، وكان انتهاء العمل منه فى سنة ثمان وستين وستمائة، وأصرف عليه ما لا يحصى من المال، من وجه حلّ، من غنيمة الفرنج، من الفتوحات.
ثم دخلت سنة تسع وستين [وستمائة] (٣)
فيها أرسل صاحب طرابلس تقدمة حفلة للسلطان، ودخل تحت الطاعة، فأرسل له السلطان خلعة، وأقرّه على ما بيده من البلاد.
وفى سنة تسع وستين وستمائة، توفّى الصاحب يعقوب بن عبد الرفيع بن زيد ابن مالك الأسدى الزبيرى، وكان مولده سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وكان وزر لسلطانين.
وفيها رتّب السلطان خيل البريد، بسبب سرعة أخبار البلاد الشامية، فكانت
стр. 340
الأخبار ترد عليه فى الجمعة مرّتين، وقيل إنّه أصرف على ذلك جملة مال، حتى تمّ له ترتيب ذلك.
وكانت خيل البريد عبارة عن مراكز بين القاهرة ودمشق، وفيها عدّة خيول جيّدة، وعندها رجال يعرفون بالسوّاقين، ولا يقدر أحد يركب من خيل البريد، إلا بمرسوم سلطانى؛ وكان عند كل مركز ما يحتاج إليه المسافر من زاد، وعلف، وغير ذلك، وهذا كله كان لأجل سرعة مجئ أخبار البلاد الشامية.
وقيل، كان الملك الظاهر يعمل موكبا بمصر، وموكبا بالشام، فرتّب خيل البريد بسبب ذلك، وقد قال القائل فى المعنى:
يوما بمصر، ويوما بالشام، ويو … ما بالفرات، ويوما فى قرى حلب
واستمرّ هذا الأمر باقيا بعد الملك الظاهر مدّة طويلة، ثم تلاشى أمره قليلا، قليلا، حتى بطل فى دولة الناصر فرج بن برقوق، عند ما قدم تمر لنك إلى الشام، وأخرب البلاد الشامية، وذلك سنة ثلاث وثمانمائة، فعند ذلك بطل أمر خيل البريد، مع جملة ما بطل من شعائر المملكة القديمة، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة سبعين وستمائة
فيها جاءت الأخبار بأنّ أبغا بن هولاكو، ملك التتار، قد تحرّك على البلاد، وبأنّ التتار قد تحرّكوا على البلاد السلطانية، ووصلوا إلى الفرات، وملكوا البيرة، فخرج إليهم السلطان، ومعه سائر الأمراء، وكان جاليش العسكر الأمير قلاون الألفى، والأمير بيسرى؛ فتلاقى (١) العسكر المصرى، مع عسكر التتار، على الفرات، فكان بينهما واقعة عظيمة، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم.
فلما دخل السلطان إلى البيرة، أخلع على نائبها، وأقرّه على حاله، وفرّق على من بها من العساكر، لكل مقاتل مائة دينار، لأنّهم قاتلوا مع التتار قتال الموت، حتى كسروهم.
فأقام السلطان فى البيرة أياما، ثم رحل إلى حلب؛ ثم توجّه إلى الشام؛ ثم دخل
стр. 341
القاهرة، فكان له يوم مشهود، وحملت على رأسه القبّة والطير، وزيّنت له القاهرة، انتهى ذلك.
أعجوبة: نقل الحافظ أبو شامة، أنّ فى سنة سبعين وستمائة، ولدت زرافة، بالاصطبل السلطانى، عجيبة الخلقة، فأرضعت على بقرة، وهذا لم يعهد قط بمصر، فعدّ من العجائب.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين [وستمائة] (١)
فيها وقع الطاعون بالديار المصرية، ومات من الناس ما لا يحصى، من نساء، ورجال، وأطفال، وعبيد، وجوار، وأقام نحو ستة أشهر.
وفيها توفّى الشيخ عبد الهادى بن عبد الكريم القيسى، إمام جامع المقياس، شيخ القراء.
وفيها كان النيل شحيحا، وأبطأ عن ميجال الوفاء إلى سادس أيام النسئ، وبلغ منتهى الزيادة فى تلك السنة، ستة عشر ذراعا وسبعة عشر أصبعا، ثم انهبط فوقع الغلاء، وحصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك.
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين [وستمائة] (١)
فيها توفّى الإمام أبو عبد الله محمد بن سليمان الشاطبى المغافرى، صاحب نظم الشاطبية، ﵁، وعاش من العمر نحو ثمانين سنة، ودفن بالقرافة الصغرى، بجوار تربة الفاضل؛ قيل مات الشاطبى وهو كفيف، وله كرامات خارقة.
وفيها، فى شوّال، توفّى الأديب البارع العلامة جمال الدين يحيى بن عبد العظيم ابن يحيى بن محمد المصرى أبو الحسين المعروف بالجزّار، وكان من فحول الشعراء، مولده سنة إحدى وستمائة، وعاش من العمر نحو إحدى وسبعين سنة.
قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: رأيت أبا الحسين بمجلس الشيخ قطب الدين ابن القسطلانى، فقال لى الشيخ قطب الدين: «هذا الأديب أبو الحسين الجزّار»، فأنشدنى من لفظه لنفسه قوله:
стр. 342
من منصفى من معشر … كثروا علىّ وأكثروا
صادقتهم وأرى الخرو … ج من الصداقة يعسر
كالخط يسهل فى الطرو … س ومحوه يتعذّر
وإذا أردت كشطته … لكن ذاك يؤثر
ومن تغزّلاته:
أمولاى ما من طباعى الخروج … ولكن تعلّمته من خمولى
أتيت لبابك أرجو الغنا … فأخرجنى الضرب عند الدخول
ومن مجونه:
سقى الله أكناف الكنافة بالقطر … وجاد عليها سكّر دائم الذرّ
وتبّا لأوقات المخلّل إنها … تمرّ بلا نفع وتحسب من عمرى
أهيم غراما كلما ذكر الحمى … وليس الحمى إلاّ القطايف بالقطر
وأشتاق إن هبت نسيم قطايف ال … سحور سحيرا وهى عاطرة النشر
ولى زوجة إن تشتهى قاهرية … أقول لها ما القاهرية فى مصر
ولما مات رثاه السراج الوراق بهذين البيتين، وهما:
يا عيدنا الأضحى سقى … صوب الغمام أبا الحسين
لو عاش فيك لقد غدا … يشكو (١) بوار الصنعتين
انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين [وستمائة] (٢)
فيها توفى الإمام الحافظ وجيه الدين أبو المظفر منصور بن العمادية، توفّى فى شوّال من تلك السنة.
وفى سنة ثلاث وسبعين وستمائة، كانت وفاة الشيخ جمال الدين يوسف بن أحمد محمود بن أحمد الحافظ اليغمورى الدمشقى، وكان له شعر جيّد إلى الغاية
стр. 343
وفيها كان دخول الملك السعيد، ابن السلطان، على بنت الأمير قلاون الألفى، وكان المهمّ بالقلعة، فأقام سبعة أيام؛ وكان السلطان يظنّ أنّه إذا أزوج ابنه ببنت الأمير قلاون، يكون له من بعده عونا على تقلّب الزمان، فجاء الأمر بخلاف ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين [وستمائة] (١)
فيها أرسل السلطان تجريدة إلى نحو بلاد النوبة، وسبب ذلك، أنّ ملك النوبة دخل إلى أسوان، ونهب ما فيها وأحرقها؛ فلما بلغ السلطان ذلك، أرسل الأمير شمس الدين سنقر الفارقانى، الأستادار، والأمير عزّ الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار، وجماعة من الأمراء العشراوات، وأرسل معهم خمسمائة مملوك (٢).
فلما وصلوا إلى النوبة، تقاتلوا مع ملكها، على أسوان، فانكسر ملك النوبة أشدّ كسرة، وهرب، وقتل من عسكره ما لا يحصى، وأسر أخوه وأولاده وأقاربه، وغنموا منهم عسكر السلطان، غنائم كثيرة، من عبيد وجوار وخيول وغير ذلك؛ ثم رجعوا إلى مصر وهم فى غاية النصر، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وستمائة
فيها، فى ثانى عشرين ربيع الأول، توفّى سيدى أحمد البدوى، ﵁، [وهو] (٣) أبو العبّاس أحمد بن على بن إبراهيم بن محمد بن أبى بكر القرشى أبو الفتيان، ولد سنة ست وتسعين وخمسمائة، وأمّه تسمّى فاطمة بنت محمد بن أحمد، وتوفّى أبوه بمكّة سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
وإنما عرف بالبدوى لملازمته اللثام، وكان له لثامان لا يفارقهما؛ وعرض عليه التزويج فامتنع من ذلك، وأقبل على العبادة؛ وكان يحفظ القرآن، وشيئا من الفقه على مذهب الشافعى، ﵁؛ وكان يعطب من يؤذيه من الأوباش؛ ثم إنّه لازم الصمت، حتى أنّه صار لا يتكلم إلا بالإشارة، واعتزل عن الناس قاطبة.
стр. 344
فلما كان المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، رأى فى النوم من بشّره أن سيكون له حالة حسنة بمصر؛ وكان له أخ (١) يسمّى حسن، سافر إلى العراق؛ فلما دخل سيدى أحمد إلى مصر لازم الصيام، فكان يطوى أربعين يوما، لا يتناول طعاما ولا شرابا ولا ينام، وهو رافع بصره إلى السماء، وعيناه كالجمرتين.
ثم توجّه إلى طندتا (٢) سنة أربع وثلاثين وستمائة، فأقام بها على سطح دار يصيح ليلا ونهارا؛ وكان طويل القامة، كبير الوجه، ولونه بين البياض والسمرة، واستمرّ على ذلك مدّة طويلة.
وظهر له كرامات خارقة، منها أنّ امرأة شكت له، أنّ ولدها أسر ببلاد الفرنج، فأحضره إليها فى قيوده؛ فاشتهرت كراماته فى الآفاق، ونمت بركته على الإطلاق، إلى أن مات فى تلك السنة كما تقدّم، انتهى ذلك.
وفى هذه السنة، طيف بالمحمل الشريف، وكسوة الكعبة، بالقاهرة، فى رجب، وكان يوما مشهودا؛ وهو أول من فعل ذلك من الملوك بمصر؛ وأذن للناس فى الحجّ رجبى، فسمّى الحجّ الرجبى من يومئذ، واستمرّ ذلك فى كل سنة، تارة يبطل، وتارة يعمل.
وفى هذه السنة، أعنى سنة خمس وسبعين وستمائة، فيها توفّى الشيخ رضى الدين، من أئمّة النحو، وهو صاحب كتاب «لسان العرب».
وفى هذه السنة، أعنى سنة خمس وسبعين وستمائة، فيها جاءت الأخبار، بأنّ التتار قد زحفوا على البلاد، ووصل أوائلهم إلى حلب، وكان ملك التتار شخصا، يقال [له] (٣) أبغا، وقد جمع من العساكر نحو ستمائة ألف.
فلما سمع السلطان بذلك، خرج من مصر على جرائد الخيل، هو والعسكر؛ فلما دخل الشام، أقام بها، وعقد مجلسا بأنّ التتار قد ملكوا البلاد، وأنّ الخزائن نفذ ما فيها
стр. 345
من المال، وأنّ القصد أن يأخذ من أموال الرعية، ما يستعان به على دفع التتار؛ فأفتوه علماء الشام بأنّه يجوز له أخذ أموال الرعية، فأخذ خطوطهم بذلك.
ثم قال: «هل بقى من أعيان العلماء أحد»؟ قالوا: «نعم، بقى الشيخ محيى الدين النواوى، رأس علماء الشافعية».
فأحضره، وقال له: «اكتب خطّك بذلك مع الفقهاء»، فامتنع من ذلك، فقال له: «ما سبب امتناعك»؟ قال: «أنا أعلم أنك كنت فى الرقّ للأمير أيدكين البندقدارى، وليس لك مال، ثم إنّ الله تعالى منّ عليك وجعلك ملكا؛ وبلغنى أنّ عندك سبعة آلاف مملوك، ولكل مملوك حياصة ذهب؛ وعندك مائتا جارية، لكل جارية حلىّ فاخرة، ما بين ذهب ولؤلؤ وفصوص مثمنة، فإذا بعت ذلك جميعه، وبقيت مماليكك بالبنود الصوف، بدلا عن الحوايص الذهب، وباعت جواريك الحلىّ التى عندها، أفتيتك بأخذ أموال الرعية».
فلما سمع ذلك الملك الظاهر، غضب منه، ورسم بأن يخرج من الشام، ولا يقيم بها، فقال الشيخ محيى الدين: «السمع والطاعة»؛ وخرج من الشام، وتوجّه إلى بلده نوى.
فوقف العلماء والفقهاء إلى السلطان، وقالوا: «إنّ هذا من كبار علمائنا وصلحائنا، وممن يقتدى به»؛ فرسم السلطان برجوعه إلى دمشق، فامتنع الشيخ من العود إلى دمشق، وقال: «لا أدخلها والظاهر فى قيد الحياة»؛ فلم يقم (١) الظاهر بعد ذلك إلا مدّة يسيرة ومات، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: «كان الملك الظاهر نعم الملك، لولا ما كان فيه من الظلم، وأخذ أموال الرعية بغير حق، انتهى ذلك.
فلما خرج السلطان من دمشق، توجّه إلى حلب، وتقاتل مع التتار فكسرهم، وقتل منهم نحو الثلث؛ وسرب أبغا؛ ملك التتار، فتبعه السلطان إلى الأبلستين،
стр. 346
فكان بينهما هناك واقعة أعظم من الأولى، فهرب أبغا، فتبعه السلطان إلى دربند.
ثم رجع من هناك إلى قيسارية، وحاصر أهلها، فأرسلوا يطلبوا (١) منه الأمان، فأرسل لهم أمانا على يد الأمير بيسرى، فسّلموا المدينة، فدخلها السلطان فى موكب عظيم، وكان يوما مشهودا؛ فنزل السلطان بدار المملكة، وصلّى بها ركعتين، وحكم بين الناس، وأقام بها أياما، ثم قصد التوجّه إلى دمشق، كل ذلك فى أواخر سنة خمس وسبعين وستمائة.
ثم دخلت سنة ست وسبعين [وستمائة] (٢)
فيها دخل السلطان إلى حلب، فتوعّك جسده، وأخذته الحمّى، فأسقوه الحكماء دواء مسهّلا (٣)، فأفرط فى لإسهال، وثقل فى المرض، فرحل من حلب فى محفّة على أنّه يدخل الشام، فمات فى بعض الضياع، قبل أن يدخل الشام بليلة، فكان ما قاله الشيخ محيى الدين النواوى كشفا منه.
ولما توفّى الظاهر بيبرس، دخل الشيخ محيى الدين النواوى إلى دمشق، فأقام بها ستة أشهر، ومات ليلة الأربعاء رابع عشرين رجب، من سنة ست وتسعين وستمائة؛ فكان بينه وبين وفاة (٤) الملك الظاهر بيبرس ستة أشهر لا غير، ومات بنوى، ودفن بها، رحمة الله عليه، انتهى ذلك.
فلما مات السلطان، كتم موته عن العسكر، واستمرّ فى المحفّة إلى أن دخل دمشق، فدفن بها ليلا، ولم يشعر بموته أحد من الناس؛ وكانت وفاته فى يوم الخميس ثامن عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، وعاش من العمر نحو اثنتين وستين سنة.
وكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، والبلاد الشامية، سبع عشرة سنة وشهرين ونصف.
стр. 347
وخلف من الأولاد عشرة، ثلاثة ذكور، وهم: الملك السعيد محمد، الذى تسلطن بعده، والملك العادل سلامش، وسيدى خضر، لكنه لمّ يتسلطن؛ وخلف من البنات سبع.
ولما مات الملك الظاهر، رثاه القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر بهذه الأبيات:
ما مثل هذا الرزء قلب يحمل … كلا ولا صبر جميل يجمل
الله أكبر إنها لمصيبة … منها الرواسى خيفة تتقاقل
لهفى على الملك الذى كانت به الد … نيا تطيب فكل قفر منزل
الظاهر السلطان من كانت له … منن على كل الورى وتطول
لهفى على آرائه تلك التى … مثل السهام إلى المصالح ترسل
لهفى على تلك العزائم كيف قد … غفلت وكانت قبل ذا لا تغفل
ما للرماح تخولتها رعدة … لكنها إذ ليس تعقل تعقل
سهم أصاب وما رئى (١) من قبله … سهم له فى كل قلب مقتل
أنا إن بكيت فإن عذرى واضح … ولئن صبرت فإننى أتمثّل
خلف الشهيد لنا السعيد فأدمع … منهلة فى أوجه تتهلّل
وأما فتوحاته التى افتتحها فى أيامه، وهى: قيسارية، وأرسوف، وصفد، وطبرية، ويافا، والشقيف، وأنطاكية، وبفراس، والقصير، وحصن الأكراد، والقرين، وحصن عكا، وصافيثا، والمرقبة، وحلباء، وبانياس، وطرسوس، وكانت هذه البلاد كلها بأيدى الفرنج.
وأما ما افتتحه من بلاد الشرق، وهى: مدينة سيس، أخذها من أهلها بالأمان، ودركوش، وتلميش، ورعيان، ومرزبان، وكينوك، وأدنة، والمصيصة.
وأما ما افتتحه بالحصار: فدمشق، وبعلبك، وقلعة الصبيبة، وقلعة شيزر، وعجلون، وبصرى من أعمال دمشق، وصرخد، وحمص، والصلت، وتدمر، والرحبة، وتلّ باشر، والخوابى، وصهيون، وقلعة الكهف، والقدموس، والكرك،
стр. 348
والشوبك، وبيت المقدس، ومدينة الخليل ﵇.
وأما ما افتتحه من بلاد السودان، وهى: النوبة وأعمالها، وقلعة العميدين من أعمال برقة، وافتتح عدّة جزائر من أعلا الجنادل.
وأما ما أنشأه من العمائر، فإنّه جدّد عمارة الحرم النبوى، وجدّد عمارة قبّة الصخرة (١) ببيت المقدس، وأوقف على سماط الخليل، ﵇، جهات كثيرة باقية إلى الآن.
وأما ما أنشأه بالديار المصرية، فمن ذلك: قناطر شبرامنت بالجيزة، وقناطر على بحر أبى المنجا (٢)، وقناطر السباع التى بالقرب من ميدان المهارة؛ وعمر سور مدينة الإسكندرية، وجدّد بناء المنار الذى بها؛ وأنشأ منارا بثغر رشيد؛ وجدّد عمارة ثغر دمياط بعد ما كان خاربا من أيام الملك الكامل، وردم فم بحر دمياط بالقرابيص، حتى لا تدخل إليه مراكب الفرنج.
وجدّد عمارة قلعة الروضة، التى أنشأها الملك الصالح أيوب، وأعاد الشوانى التى كانت بالصناعة، وحفر بحر أشموم طناح، وعمر القلاع التى ببلاد الشرق، التى أخربها هولاكو، وعمر مدرسة بدمشق، وأنشأ قرية على فمّ وادى العبّاسة، وسمّاها الظاهرية.
وأنشأ القصر الأبلق بدمشق، وعمر الخان الكبير بالقدس، وجدّد حفر خليج الإسكندرية، وباشر حفره بنفسه، وأنشأ البرج الكبير بقلعة الجبل، وعمر مدرسة تجاه البيمارستان، وعمر الجامع الكبير الذى بزقاق الكحل، وأنفق عليه جملة مال، قيل إنّه عمر من وجه حلّ، من الغنائم التى حصلت له من فتوحات بلاد الفرنج، وكان مكان هذا الجامع ساحة برسم القبق، يلعبون هناك المماليك.
وهو الذى جدّد عمارة جامع الأزهر، وأعاد فيه الخطبة، بعد ما أقام خرابا من أيام الحاكم بأمر الله، وجدّد عمارة جامع أحمد بن طولون، وكان خرابا، وجدّد عمارة
стр. 349
جامع عمرو بن العاص، وكذلك جامع الحاكم؛ وله آثار كثيرة بمصر والشام، وغير ذلك من البلاد الإسلامية، انتهى ذلك.
وفيه يقول الشيخ زين الدين بن الوردى، قوله:
الملك الظاهر أخباره … تشمل للراحل والقاطن
تأمّلوا أخباره وانظروا … ما فعل الظاهر بالباطن
قلت (١): وأخبار الملك الظاهر بيبرس كثيرة، فى عدّة مجلدات، والغالب فيها موضوع، ليس له حقيقة، والذى أوردناه هنا هى الأخبار الصحيحة، التى ذكرها العلماء من المؤرّخين.
وكان الملك الظاهر بيبرس ملكا عظيما، جليل القدر، مهابا، كفوا للسلطنة، وافر العقل، عارفا بأحوال المملكة، خضعت له ملوك الشرق، وملوك الفرنج؛ وكان خفيف الركاب، له موكب بالشام، وموكب بحلب؛ وكان كثير الغزوات، مشهورا بالفروسية، وله إقدام فى الحرب؛ وكان كثير الأسفار فى الصيف والشتاء؛ وكان يلقّب بأبى الفتوحات، لكثرة فتوحاته للبلاد والثغور.
وكان يصنع فى رنكه سبعا، إشارة لفروسيته، وشدّة بأسه؛ وكان يفرّق الغنائم التى تحصّل من الفتوحات على عسكره، حتى يرغّبهم فى القتال؛ وكان محبّا لجمع الأموال، كثير المصادرات لأرباب الأموال لأجل التجاريد.
وهو الذى رتّب خيل البريد، لأجل سرعة مجئ أخبار البلاد الشامية.
وكان حسن الشكل، طويل القامة، أبيض اللون، مستدير اللحية، الغايب فى لحيته الشعر الأبيض؛ وكان مبجّلا فى موكبه، منقادا إلى الشريعة، يحبّ العلماء والصلحاء، وفعل الخير.
ولو لم يكن من أفعاله الحسنة سوى ردّ الخلافة لبنى العبّاس، وإكرامه لهم، بعد ما كادت أن تنقطع عنهم الخلافة، وأنفق على ذلك جملة مال كما تقدّم.
وهو الذى جعل لكل مذهب قاضيا كبيرا (٢)، يعزل ويولّى.
стр. 350
وكان الملك الظاهر خيار ملوك الترك على الإطلاق، وقد قال القائل فى المعنى:
تاريخه فى الملوك أضحى … يحيّر العرب والأعاجم
فاكتبه بالتبر لا بحبر … واعجب لأخباره العظائم
اختاره الله من إمام … لقمع أهل الفساد صارم
قد أظهر العدل فى الرعايا … وأبطل الجور والمظالم
فالله يرحمه كل يوم … ما دام هذا الوجود قائم
ولما مات الملك الظاهر، تولّى بعده ابنه الملك السعيد؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وذلك على سبيل الاختصار من أخباره.
ذكر سلطنة الملك السعيد أبى المعالى محمد ابن الملك الظاهر بيبرس البندقدارى الصالحى
وهو الخامس من ملوك الترك وأولادهم بمصر؛ بويع بالسلطنة بعد موت أبيه الملك الظاهر؛ وكان مولده فى صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان يسمّى محمد بركة خان، على اسم جدّه لأبيه.
وكان القائم بتدبير دولته الأمير بدر الدين بيليك، نائب السلطنة، فحلف له الأمراء، وكان الأمير بيليك من ذوى العقول.
قيل: لما مات الملك الظاهر فى أثناء طريق الشام، كتم الأمير بيليك موته، خوفا من التتار أن لا يرجعوا على البلاد إذا بلغهم موت السلطان، فدفن السلطان بالشام تحت الليل، ولم يشعر به أحد من الناس.
ثم إنّ الأمير بيليك احتاط على خزائن المال والبرك السلطانى، وقصد التوجّه إلى الديار المصرية، فكانت المحفّة تمشى فى الموكب وقدّامها الجنائب، ويشيعوا (١) أنّ السلطان مريض (٢)، وكان لا يجسر أحد أن يقرب [من] (٣) المحفّة، وكانت الأطباء
стр. 351
تحضر على جارى العادة، وطبق المزاور يدخل كل يوم إلى المحفّة، واستمرّ الأمر على ذلك، حتى دخل إلى القاهرة، وطلع القلعة.
فعند ذلك أشيع موت السلطان، وتسلطن ولده عوضا عنه، فلما تمّ أمره فى ولايته، مشى فى السلطنة على نظام والده، وصار منقادا مع الأمير بيليك، فساس أمره أحسن سياسة، واستمرّ على ذلك مدّة يسيرة.
ثم إنّ الأمير بيليك مرض فى أثناء ذلك، وسلسل فى المرض، حتى مات فى أواخر سنة ست وسبعين [وستمائة] (١)، فكثر عليه الحزن والأسف، وكان أميرا دينا خيرا، كثير البرّ والصدقات، قليل الأذى فى حقّ الرعية، وكان الناس عنه راضية إلى أن مات.
فلما مات طاش الملك السعيد، واقتدى (٢) برأى الأوباش، فقبض على جماعة من الأمراء، منهم: الأمير سنقر الأشقر، والأمير بيسرى، وكانا جناحى والده الملك الظاهر، ثم قبض على جماعة من الأمراء العشراوات من مماليك والده.
ثم أخلع على الأمير آقسنقر الفارقانى، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا [عن] (٣) الأمير بيليك، فأقام فى نيابة السلطنة مدّة يسيرة، ثم قبض عليه، وسجنه بثغر الإسكندرية، ثم أرسل خنقه وهو فى السجن.
ثم أخلع على الأمير كوندك، واستقرّ به نائب السلطنة، عوضا عن الأمير آقسنقر الفارقانى.
واستمرّ الملك السعيد يفعل من هذه المساوئ، حتى نفرت عنه قلوب العسكر، وتمنّى كل أحد زواله.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وستمائة
فيها توفّى قاضى القضاة المالكى شرف الدين بن عمر بن السبكى، وهو أول قضاة
стр. 352
المالكية بمصر؛ فأخلع السلطان على القاضى نفيس الدين شكر، واستقرّ قاضى قضاة المالكية، عوضا عن شرف الدين عمر بن السبكى.
وفيها عزل قاضى قضاة الحنابلة، محمد بن العماد الجماعتلى، وهو أول قضاة الحنابلة؛ ثم تولّى من بعده القاضى فخر الدين عمر بن عبد الله بن عوض.
وفيها توفّى الصاحب بهاء الدين بن حنا، فأخلع الملك السعيد على القاضى برهان الدين السنجارى، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن بهاء الدين بن حنا؛ فأقام فى الوزارة مدّة يسيرة، وخلع الملك السعيد من السلطنة عقيب ذلك، فقال فيه ناصر الدين ابن النقيب مداعبة:
تطيّرت الوزارة من قريب … بصاحبها الجديد ومن بعيد
وقالت كعبه كعب مشوم … ولا سيما على الملك السعيد
وفيها جاءت الأخبار، بأنّ نائب الشام خامر وخرج عن الطاعة، فجرّد إليه الملك السعيد، وخرج بنفسه إلى الشام، فلما دخلها نزل بالقصر الأبلق، الذى أنشأه والده.
فلما أقام أياما بالشام، خامرت عليه جماعة من الأمراء، وقد عوّل الملك السعيد على قبض جماعة منهم؛ فلما تحقّقوا ذلك خرجوا من دمشق، وتوجّهوا إلى المرج الأصفر، وأقاموا به.
فلما بلغ الملك السعيد ذلك، أرسل إليهم بعض الأمراء، ليمشى بينهم وبين السلطان بالصلح؛ فلما توجّه إليهم، عاد الجواب إليه بأنّهم أبوا من الصلح قاطبة، وامتنعوا من الحضور.
فلما بلغ ذلك خوند أمّ الملك السعيد، وكانت توجّهت صحبة ابنها إلى الشام، فى محفّة، فركبت على فرس وتوجّهت إلى الأمراء فى المرج الأصفر، فلما اجتمعت بالأمراء، ومشت بينهم وبين ابنها بالصلح، فأبوا من ذلك، فرجعت من عندهم والمجلس مانع.
فلما تحقّق الملك السعيد ذلك، رحل من دمشق، وأخذ بقيّة الأمراء والعسكر،
стр. 353
وقصد التوجّه إلى القاهرة؛ فجمع معه عربان جبل نابلس، وعسكر دمشق، وعسكر صفد، وعسكر طرابلس.
فلما وصل إلى غزّة، نفق على ذلك العساكر؛ فأخذوا منه النفقة، ثم صاروا يتسحّبون من عنده قليلا، قليلا، حتى لم يبق معه سوى العسكر المصرى؛ فلما خرج من غزّة، جدّ فى السير حتى دخل سرياقوس.
فلما بلغ الأمراء الذين (١) بمصر مجئ السلطان، خرجوا على حمية ليقتلوه؛ وكان من لطف الله تعالى فى ذلك اليوم ضباب ثقيل فى الجوّ، فستر الله عليه حتى طلع إلى القلعة، ونجا بنفسه.
فلما بلغ الأمراء طلوع السلطان إلى القلعة، رجعوا من المطرية، وحاصروه بالقلعة سبعة أيام؛ فلما رأى من كان عنده فى القلعة أنّ حاله قد تلاشى، صاروا يتسحّبون من عنده، وينزلون إلى الأمراء فى الرملة.
فلما رأى الملك السعيد عين الغلب، أرسل خلف أمير المؤمنين أحمد الحاكم بأمر الله، ليمشى بينه وبين الأمراء، فيما يكون من المصلحة فى ذلك، فنزل إليهم الإمام أحمد، وقال لهم: «إيش آخر هذا الأمر، وما قصدكم»؟ قالوا:
«قصدنا يخلع نفسه من السلطنة، ويمضى إلى الكرك».
فرجع الإمام أحمد إلى الملك السعيد، وأخبره بما قالوه الأمراء، فأشهد على نفسه بالخلع من السلطنة، بحضرة أمير المؤمنين والقضاة، وأرسل الخلع إلى الأمراء، وخرج من يومه إلى الكرك، وكان الأمير بيدغان سمّ الموت متسفّرا عليه.
فكانت مدّة سلطنة الملك السعيد محمد بن الظاهر بيبرس بالديار المصرية، نحو سنتين وشهرا وأياما.
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ العرب خرجوا على الحجّاج فى أثناء الطريق، ونهبوا جميع أموالهم، وقتلوا منهم جماعة؛ وكان أمير المحمل فى تلك السنة، الأمير بورى، فلما جرى ذلك هرب، وفى ذلك يقول المعمار:
стр. 354
لقد أخذوا الحجّاج فى عام سبعة … وسبعين حقّا بعد نهب تمكّنا
وصار أمير الركب بورى هاربا … ولولا اختفاه صار بورى مكفّنا
قلت (١): والملك السعيد هو صاحب الحمّام الذى (٢) عند سوق القبو.
فلما توجّه إلى الكرك، أقام بها مدّة يسيرة، ومات؛ وكان سبب موته، قيل إنّه لعب بالأكرة فى ميدان قلعة الكرك، فتقنطر به الفرس، فانكسر ضلعه، ومات من وقته، ودفن بالكرك، ثم نقل من بعد ذلك، ودفن بالقرافة الصغرى، وقيل بل دفن بالشام على أبيه الملك الظاهر.
وكان الملك السعيد شابا جميل الصورة، حسن الهيئة؛ ولما خلع من السلطنة، تولّى من بعده أخوه (٣) سلامش؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك السعيد محمد بن الظاهر بيبرس، وذلك على سبيل الاختصار.
ذكر سلطنة الملك العادل سيف الدين سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس
وهو السادس من ملوك الترك وأولادهم بمصر؛ بويع بالسلطنة بعد خلع أخيه الملك السعيد، فى ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وستمائة؛ وكان له من العمر لما تولّى السلطنة، سبع سنين ونصف، وكان يعرف بابن البدوية؛ وكان حسن الشكل، أحسن من أخيه الملك السعيد.
وكان القائم بتدبير مملكته الأتابكى قلاون الألفى، فكان يخطب باسمهما على المنابر، وضربت السكة باسمهما على الدنانير والدراهم؛ وكان فى الحقيقة قلاون هو السلطان، وكان سلامش معه آلة، ليس له فى السلطنة إلا مجرّد الاسم فقط.
стр. 355
ثم إنّ قلاون رسم بالإفراج عن الأمير سنقر الأشقر (١)، والأمير بيسرى، اللذان (٢) كان الملك السعيد سجنهما بثغر الإسكندرية، فلما حضر الأمير بيسرى، سلّم أمور المملكة إلى قلاون، وكان مغرما بحبّ الصيد.
فلما خرج يتصيّد، قبض الأتابكى قلاون على جماعة من الأمراء، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، ثم أرسل بالقبض على جماعة من النوّاب، وولّى عوضهم من يختار، وكان فى الباطن يمهّد الأمور لنفسه، والأمراء فى غفلة عن ذلك.
فلما صفا له الوقت، خلع العادل سلامش من السلطنة، وأرسله إلى الكرك، هو وأخاه (٣) سيدى خضر، فأقاما بالكرك.
فكانت مدّة العادل سلامش بمصر، خمسة أشهر وأياما، وبه انقضت دولة الملك الظاهر بيبرس، كما بشّر الإمام الشافعى بذلك فى النوم، وقد تقدّم ذكر ذلك؛ ولما خلع سلامش من السلطنة، تولّى بعده قلاون؛ انتهى ما أوردناه من أخبار العادل سلامش، وذلك على سبيل الاختصار.
ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين أبى المعالى قلاون الألفى الصالحى النجمى
وهو السابع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ بويع بالسلطنة بعد خلع الملك العادل سلامش، يوم الأحد ثانى عشرين رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة، وتلقّب بالملك المنصور، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ الناس له بالدعاء، ودقت له البشائر بالقلعة.
وكان أصله من مماليك الأمير آقسنقر الكاملى، ثم قدّمه إلى الملك الصالح نجم