وفيه خلع على البرهان إبراهيم بن محمد بن على الصنهاجى، واستقرّ فى قضاء المالكية بحلب، عوضا عن ناصر الدين محمد بن السرى إسمعيل بن محمد بن محمد بن هانئ الأندلسى.
وفى شهر ذى الحجّة، أخلع السلطان على الأمير تمراز الناصرى، واستقرّ به فى نيابة القدس، وهو أول نائب كان بها من قبل السلطان، وكان قبل ذلك ولايتها من نائب الشام، فعظم أمرها من يومئذ.
وفيه توفّى العلاّمة الفلكى، وكان علاّمة فى علم الهيئة وعلم الحساب والهندسة، وكان أوحد زمانه فى هذا الفنّ، وكان اسمه على بن حسّان بن إبراهيم بن الهمام الدمشقى.
وفى هذا الشهر، وقع بالقاهرة أوخام عظيمة، وحمّية ونافض، وسعال. - وقدمت الأخبار من دمشق بأن قد وقع بها حريق عظيم، واستمرّ على ذلك نحو عشرين يوما، فاحترق بالشام فوق الخمسمائة دار، وأعيى (١) الناس إطفاء هذه النار.
وفيه جاءت الأخبار من مكّة بأنّ العربان خرجت على الحجّاج بطريق المدينة النبوية، ونهبوا كل ما كان معهم من سنيح وجمال، وقتل من الحاجّ جماعة كثيرة، وكذلك الحاجّ الشامى، وحصل لهم بعد ذلك فى الحوراء عطشة شديدة، وغلاء وموت جمال وجوع، وما سلم منهم إلا كل طويل العمر، وقاسوا فى هذه السنة مشقّة عظيمة لم يسمع بمثلها.
انتهى ما أوردناه من حوادث هذه السنة، وقد خرجت عن الناس على خير وسلامة، ولم يقع فيها غير ما ذكرناه؛ وكانت الفلكيّة، وأرباب النجوم، تكلّموا على هذه السنة، أن يقع بها أمور شنيعة، وحوادث عظيمة، فأكذب الله تعالى أقوالهم، وخيّب آمالهم.
وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم ابن محمد بن أبى بكر بن عيسى بن بدران السعدى الهدبانى الأخناى المالكى، توفّى فى شهر رجب، وكانت مدّة ولايته فى قضاء قضاة المالكية خمس عشرة (٢) سنة.
стр. 772
وتوفّى التاجر المكارمى برهان الدين إبراهيم المحلى. - وتوفّى الفقير المجذوب الشيخ مسعود، وكان بخطّ المريس.
وتوفّى القاضى شهاب الدين أحمد بن علاء الدين على بن محيى الدين يحيى بن فضل الله العمرى، كاتب سرّ دمشق.
وتوفّى الأمير أرغون المحمدى الأنوكى، أحد الأمراء الطبلخانات. - وتوفّى الأمير أسنبغا بن بكتمر الأبوبكرى، أحد الأمراء الألوف، وهو صاحب المدرسة البوبكرية التى بالقاهرة.
وتوفّى الأمير جركتمر المنجكى، أمير مجلس، مات بقلعة المسلمين منفيّا. - وتوفّى الأمير طقبغا العمرى، أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى الشيخ عبد الله محمد بن أبى بكر بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن أبى عبد الله بن يحيى بن إبراهيم بن سعيد بن طلحة بن موسى بن إسحق بن عبد الله ابن محمد بن عبد الرحمن بن أبان بن الإمام عثمان بن عفان، ﵁، وكان له خلوة بسطح جامع الحاكم، يعتزل بها، وكان للناس فيه اعتقاد عظيم، ومولده سنة أربع وتسعين وستمائة، وكان فقيها شافعيا، قدم من مكّة المشرّفة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وأقام بالقاهرة إلى أن مات يوم الأحد ثالث جمادى الأولى (١)، بخلوته التى بسطح جامع الحاكم.
وتوفّى كمال الدين عمر بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم ابن حسن بن العجمى الحلبى الشافعى، المحدّث بحلب، وقدم إلى القاهرة. - وتوفّى الشريف عجلان بن رميثة.
وتوفّى قاضى القضاة بهاء الدين أبو البقاء محمد بن سديد الدين بن محمد بن عبد البرّ ابن صدر الدين زكريّا بن يحيى بن على بن تمام بن يوسف بن موسى الأنصارى السبكى الشافعى، توفّى يوم الخميس ثانى عشرين ربيع الآخر بدمشق، ومولده سنة سبع وسبعمائة.
стр. 773
وتوفّى شمس الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن خطيب بيرود (١) الدمشقى الشافعى، قدم إلى القاهرة، وولى قضاء المدينة النبوية.
وتوفّى كمال الدين محمد بن عمر بن حسن بن عمر بن حبيب الحلبى، [قدم] (٢) إلى القاهرة، وهو أخو الشيخ زين الدين بن طاهر. - وتوفّى تقىّ الدين محمد بن محمود، أحد موقّعى الدست بالقاهرة.
وتوفّى الشيخ محمد بن شرف بن عادى الكلاى بن عون الله الشافعى الفرضى النحوى المقرئ. - وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير قيران الحسامى، أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى صلاح الدين محمد بن صورة، مدرّس المدرسة المعزّيّة بمصر العتيقة، أحد نوّاب الحكم الشافعية. - وتوفّى قاضى الإسكندرية كمال الدين التنسى المالكى، أحد فقهاء المالكية.
وتوفّى ناصر الدين محمد بن محمد القرشى، موقّع الدست، وناظر الخزانة الشريفة، وناظر الأحباس. - وتوفّى التاجر ناصر الدين محمد بن سلام الإسكندرانى.
وتوفّى الشريف نجم الدين حمزة بن على بن محمد بن أبى بكر بن عمر، أحد نوّاب المالكية، مات بطريق الحجاز. - وتوفّى علم الدين صالح بن الإسنوى، موقّع الحكم.
وتوفّى تاج الدين أبو غالب الكلبشاوى، ناظر الذخيرة الشريفة، وإليه تنسب المدرسة المعروفة بمدرسة أبى غالب، تجاه باب الخوخة من ظاهر القاهرة.
وتوفّى الأمير خليل بن الأمير أرغون الكاملى. - وتوفّى شيخ الكتّاب المجوّدين بالقاهرة، شهاب الدين غازى بن قطلوبغا التركى، وقد تصدّى لتعليم الناس. - وتوفّى الطواشى افتخار الدين ياقوت الشيخى، مقدّم المماليك.
وتوفّيت خوند ابنة الأمير منكلى بغا الشمسى، زوجة السلطان. - وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الأول بن على بن أبى الحسن، مفتى دار العدل؛ انتهى ذلك.
стр. 774
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وسبعمائة
ففيها فى المحرّم، فى أوله، وقف صوفية خانقة سعيد السعداء إلى السلطان، وشكوا له من شيخهم جلال الدين جار الله، فرسم بعزله عنهم؛ وعيّن لمشيختها الشيخ علاء الدين على السرانى، وكان بالحجاز.
وفيه تغيّر خاطر السلطان على الصاحب تاج الدين الملكى، فرسم بنفيه إلى نحو الكرك، فطلع بعض الأمراء وشفع فيه من النفى.
ثم إنّ الصاحب شمس الدين المقسى تقلّق من الوزارة واستعفى منها، فأرسل السلطان خلف الصاحب تاج الدين بن الغنّام، وكان مجاورا بمكّة، فخرج إليه هجّان وجدّ فى السير إلى مكّة.
وفيه خلع على الأمير بكتمر الشريف، واستقرّ فى كشف الوجه البحرى، عوضا عن الأمير على خان. - وفيه خلع على الأمير بكتمر السيفى، واستقرّ فى ولاية القاهرة، عوضا عن حسين الكورانى. - وفيه أنعم على الأمير أروس بإمرة عشرة فى حلب.
وفى شهر صفر، قدمت الأخبار بوفاة صاحب اليمن، الملك الأفضل بن الملك المجاهد ابن الملك المؤيّد، وكان من ذوى العقول، عالما فاضلا، ألّف كتابا سمّاه «نزهة العيون»، وبنى مدرسة بمكّة، وهو الذى قام فى إزالة المغلبين من بنى شكال (١)، حتى استقلّ بالملك مدّة طويلة.
وفى يوم السبت ثامن عشرين صفر، كسفت الشمس كسوفا فاحشا، وذلك بعد الظهر، واستمرّت فى الكسوف نحو أربعين درجة.
وفى شهر ربيع الأول، فى ثانية خسف جرم القمر أيضا، فكان بين كسوف [الشمس] (٢) وخسوف القمر أربعة أيام. فعدّ ذلك من النوادر الغريبة، والانفاق العجيب.
وفيه جاءت (٣) الأخبار بوفاة صاحب ماردين، وهو الملك المظفر داود بن الملك الصالح،
стр. 775
وقد أقام على ولاية ماردين نحو أربعين سنة، وكان خيار ملوك الشرق.
وفيه جاءت الأخبار من دمشق بوفاة الشيخ زين الدين عمر بن أميلة الدمشقى، وكان عالما فاضلا، ديّنا خيّرا، ومولده سنة اثنتين (١) وثمانين وستمائة، وعاش من العمر مائة سنة وأشهر، وكان علاّمة فى كل فنّ، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
ولى عصى من جريد النخل أحملها … فما أقدّم فى نقل الخطى قدمى
ولى مآرب أخرى أن أهشّ بها … على ثمانين عاما لا على غنمى
وفيه قدمت الأخبار من المدينة النبوية بوفاة العقيلى، خطيب المسجد الشريف، وكان من أعيان علماء الشافعية، وله شهرة طائلة بين الناس.
وفيه طلب قاضى القضاة برهان الدين بن جماعة، دوادار الأمير آقتمر الحنبلى، نائب السلطنة، وأنكر عليه ونهره فى مجلس حكمه؛ وسبب ذلك أنّه بلغه أنّ دوادار الأمير آقتمر، ضرب مديونا بحضور خصمه، فوبّخه بالكلام وقصد تعزيره، وحطّه إلى الأرض؛ فلما بلغ ذلك الأمير آقتمر النائب، ركب وأتى إلى عند القاضى، وتلطّف به فى الكلام حتى عفا عنه القاضى، وخلّصه من التعزير.
وأين هذا من أفعال قضاتنا فى هذا الزمان، وخضوعهم للأمراء وطلب الجاه، وحبّهم للمناصب أوجب خفض الأمور الشرعية، والقيام لحرمة الشرع الشريف.
وفيه أعيد الأمير حسين بن الكورانى إلى ولاية القاهرة؛ وقد توفّى الأمير بكتمر السيفى، ولم يقم فى ولاية القاهرة غير مدّة يسيرة.
وفى شهر [ربيع] (٢) الآخر، فيه انقطع من الجسر، الذى عند قناطر الأوز، مقطعا، وسبب ذلك أنّ الأمير أحمد بن قايماز، أستادار الأمير آقبغا آص، عمل بركة بجوار الخليج من شرقيه، ليجتمع فيها السمك أيام النيل، وفتح لها من جانب الخليج مجراة يدخل منها الماء، فقوى الماء واتّسع الخرق، حتى فاض الماء وأغرق دور الحسينية، وساح عليها الماء، فانهدم منها نحو ألف دار.
стр. 776
وكان ذلك يوم الجمعة تاسع الشهر، فتعب الأمير حسين بن الكورانى، والى القاهرة، فى سدّه، وأعياه سدّ ذلك المقطع، وساح الماء إلى سبيل ابن قايماز، فأصرف عليه الأمير حسين مبلغا (١) له صورة، فى ثمن أخشاب لأجل سدّه، وقد طغى عليهم الماء.
واستمرّت دور الحسينية من يومئذ خرابا إلى يومنا هذا، وعمل موضع تلك الدور بساتين ومقاطع للماء، وهذا كان سبب تلاشى أمر الحسينية فى خراب دورها؛ نقل ذلك المقريزى فى السلوك (٢).
وفيه قدم الصاحب كريم الدين شاكر بن الغنّام من الحجاز، وقد تقدّم القول على أنّ السلطان أرسل خلفه ليلى الوزارة.
وفيه استجدّ السلطان عدّة خاصكية من مماليكه، وأسكنهم فى بيت الأمير أنوك، بجوار باب الدار من القلعة، وجعل المقدّم عليهم الطواشى شرف الدين مختصّ الأشرفى، وأمره أن يوقفهم بين يديه، ولا يدع أحدا منهم يجلس بحضرته؛ وكان منهم فيما بعد الأمير بشتاك عبد الكريم الخاصكى.
وفى شهر جمادى الأولى، رسم السلطان الأشرف شعبان بن الأمجد حسين بن محمد ابن قلاون، بإبطال ضمان المغانى، ووردت المراسيم بإبطال ذلك إلى ضواحى مصر وأعمالها، من أسوان إلى العريش.
وكان قد بطل ذلك فى الزمن القديم، وأعاده وزراء السوء، لكثرة ما يتحصّل منه من المال الجزيل، وهو عبارة عن مال كبير، مقرّر على المغانى، من رجال ونساء، يردّونه فى كل سنة إلى الديوان المفرد، فكان لا تقدر امرأة من المغانى تضرب بدفّ فى عرس أو ختان، أو نحو ذلك، إلا بإطلاق، وعلى كل إطلاق فريضة مقرّرة من مال، تردّ إلى الديوان المفرد، وكان على كل مغنّية مال مقرّر تحمله إلى الضامنة، وكان فى كل ليلة يدور على بيوت المغانى جماعة من جهة الضامنة، لمعرفة من بات منهن خارج عن بيتها.
стр. 777
وكان مقرّرا على النساء البغايات (١) ضرائب مقرّرة، وكان ببلاد الصعيد والوجه البحرى حارات للمغانى والبغايات (١)، وكان هناك يظهر التجاهر بالزنا، وشرب الخمر، ما يشنع ذكره، حتى لو مرّ على تلك الحارات رجل (٢) من الغرباء من غير أن يقصد الزنا، فتنقضّ (٣) عليه بغايا، من تلك البغايات (١) التى فى الحارة، وتلزمه بالزنا غصبا، أو يفتدى نفسه بمبلغ، حتى يخلص من يدها من الفعل القبيح، إن فعل أو لم يفعل، وتقوم بما تأخذه منه من المبلغ، مما عليها من الضريبة المقرّرة عليها فى كل يوم، فبطل ذلك كلّه بعون الله تعالى؛ وقد قام فى إبطال ذلك، قاضى القضاة الشافعى برهان الدين بن جماعة، رحمة الله عليه.
ومما أبطله الأشرف شعبان من المظالم أيضا، وهو ضمان القراريط، من مصر وأعمالها قاطبة، وكان الشخص إذا أباع ملكا يؤخذ منه لبيت المال عن كل ألف درهم عشرين درهما، وكان أحدث ذلك وزراء السوء، فاستمرّت حتى أبطلها الأشرف شعبان.
وكان يؤخذ من البائع عن كل ألف درهم من ثمن داره عشرون درهما، وكان لا يقدر أحد أن يشترى دارا حتى يطبع له على مكتوب بطبع أحمر يشبه الدائرة، ويعلّم حولها مباشرون هذا الديوان (٤) بعلامة تشهد له، مكتوبه بالبيع (٥)، ومتى لم يكن هذا فى مكتوبه، وإلا يحلّ عنه المشترى، خوفا من أن ينكّل به النكال العظيم، فأبطل ذلك جميعه الأشرف شعبان، وسطّر أجور ذلك فى صحيفته إلى يوم القيامة.
وفيه كان وفاء النيل المبارك؛ وقد أوفى (٦) خامس عشر مسرى، وبلغت زيادته إلى ثمانية أصابع من عشرين ذراعا، وثبت إلى أواخر بابه، وانتفع الناس به.
وفيه خرج البريد بطلب الأمير آقتمر عبد الغنى، نائب صفد، فلما قدم أنعم عليه السلطان بتقدمة ألف بالقاهرة.
стр. 778
وفى شهر جمادى الآخرة، فيه خلع على الأمير ملكتمر من بركة، واستقرّ فى نيابة الكرك، عوضا عن الأمير تمرباى الدمرداشى، ونقل تمرباى الدمرداشى إلى نيابة صفد، عوضا عن الأمير آقتمر عبد الغنى.
وفيه قبض السلطان على الأمير ناصر الدين محمد بن آقبغا آص، الأستادار، واحتاط على موجوده من صامت وناطق، وأمر بنفيه هو وولده إلى طرسوس، فشفع فيه بعض الأمراء بأن يستقرّ بالقدس بطّالا، فسار إلى القدس من يومه، هو وولده؛ وكان له اختصاصة زائدة بالسلطان، وقد أخذ من الجانب الذى يأمن إليه.
وقد لقّاه الله تعالى فى سنته، فإنّه قصد أن يعيد ما أبطله السلطان من ضمان المغانى، وضمان القراريط، التى تقدّم ذكر إبطالها، فلما بلغ ذلك قاضى القضاة الشافعى، برهان الدين بن جماعة المقدسى، امتنع من الحكم والحضور بدار العدل، فأرسل السلطان خلفه، وسأله عن سبب امتناعه من الحكم، فقال: «بلغنى إعادة ضمان المغانى والقراريط، وهذا يوجب الفسق»، فخلف له السلطان أنّه ما أمر بإعادته، ولا عنده من ذلك علم (١).
ثم رسم السلطان بكتابة مراسيم، تسير إلى الضواحى، من الشرقية إلى الغربية؛ فأبطل ذلك جميعه قاطبة من يومئذ، ولله الحمد، وتغيّر خاطر السلطان على محمد بن آقبغا آص، وجرى منه ما جرى.
وفيه أخلع السلطان على الصاحب تاج الدين الملكى، وأعاده إلى الوزارة، وهذه ثالث ولاية وقعت له. - وقبض على ناظر الدولة أمين الدين مين، وعوّق بالقلعة أياما، ثم أفرج عنه ونزل إلى داره.
وفيه أخرج الأمير ناصر الدين محمد بن أيبك الفافا، أمير آخور ثانى، منفيّا إلى الشام، وأنعم بإقطاعه على الأمير قرابغا.
وفى هذا الشهر فشت بالقاهرة أمراض حدّة بالناس، وأوخام وحميّات، فمات من الناس ما لا يحصى عددها، من كبار وصغار.
стр. 779
وفيه حصل للسلطان توعّك فى جسده، حتى أشرف على الموت، وصار ينصل (١) ثم ينتكس، فأرجفت القاهرة بموته غير ما مرّة، وكان قد جهّز يرقه على أنّه يحجّ فى هذه السنة.
وكان قاضى القضاة جلال الدين جار الله الحنفى، له يد طائلة فى الطبّ، فعالج السلطان فى هذا العارض، حتى برئ.
فلما شفى ودخل الحمّام، وصلّى الجمعة وهو راكب، دقّت له البشائر بالقلعة، ونثر على رأسه خفائف من الذهب والفضّة، ولاقاه المغانى من باب الستارة، ونودى له فى القاهرة بالزينة سبعة أيام.
ثم إنّ السلطان انتكس بعد يومين، فأقام أياما ثم شفى، فلما شفى قوى عزمه على الحجّ فى هذه السنة، فأخذ فى أسباب عمل اليرق.
وفى شهر رجب، فيه كانت وفاة الشيخ الصالح الولى المعتقد على السدار، وكان له كرامات خارقة، ودفن بزاويته التى بالقرب من حارة الروم، عند خوخة أيدغمش.
وفيه خلع على السيد الشريف شرف الدين على بن السيد الشريف فخر الدين عثمان، واستقرّ فى نقابة الأشراف بعد وفاة أبيه، بسؤال من السادة الأشراف فى ولايته، وقد سأل فى ذلك عدّة منهم.
وفيه عزل نفسه من القضاء، باختياره، قاضى القضاة الحنفى صدر الدين بن منصور، وكان سبب ذلك أنّ بعض الأمراء سأله فى عمل استبدال دار بجوار بيته، فأبى (٢) من ذلك، وامتنع كل الامتناع، وعزل نفسه من القضاء، ولم يعمل ذلك الاستبدال.
فلما أيس (٣) السلطان من عوده إلى القضاء، أخلع على الشيخ جلال الدين جار الله محمد بن الشيخ قطب الدين محمد بن أبى البقا محمود النيسابورى الحنفى، واستقرّ به فى قضاء الحنفية، عوضا عن صدر الدين بن منصور، بحكم عزل نفسه من القضاء.
стр. 780
وفيه رسم السلطان بإخراج إخوته، وبنى أعمامه، ومن كان من ذريّة قلاون قاطبة، بأن يتوجّهوا (١) إلى مدينة الكرك، ويقيموا (٢) بها إلى أن يعود من الحجاز، فسافروا فى قوّة الشتاء، وحصل لهم الضرر الشامل، فأخرجوا أجمعين، وأولادهم ونساءهم، ومن كان من جماعتهم.
وفيه خلع على الطواشى ظهير الدين مختار الحسامى، واستقرّ فيه تقدمة المماليك، عوضا عن مختار شادروان (٣)، بحكم موته.
وفى شهر شعبان، فيه أنعم السلطان على جماعة من الأمراء بإمريات طبلخانات، وإمريات عشرات، منهم: الأمير يلبغا المنجكى، والأمير مغلطاى البدرى، والأمير قطلوبغا البزلارى، وطشتمر المحمدى اللفاف، والأمير ألطنبغا العلاى.
وفيه أخلع على الأمير فخر الدين إياس الصرغتمشى، واستقرّ به أستادار ثانيا. - وفيه أخلع على الأمير بلوط الصرغتمشى، أمير مشوى، واستقرّ شاد الشرابخاناة، وأنعم على الأمير علم دار، بتقدمة ألف.
وفيه كثر الاهتمام بحركة السلطان إلى السفر إلى الحجاز، وأرسل الإقامات من الشعير والفول والدقيق والبقسماط، إلى مواضع المنازل بطريق مكّة.
وفى شهر رمضان، فيه، فى يوم الخميس حادى عشره، عزل السلطان الأمير آقتمر الحنبلى، من نيابة السلطنة، وقرّره فى إمرة الكبرى فقط، ورسم له أن يجلس بالإيوان وقت الخدمة، وأبطل نيابة السلطنة من مصر. - وأخلع على الأمير آقتمر عبد الغنى، واستقرّ به حاجب الحجّاب.
وفيه، فى ليلة الاثنين خامس عشره، احترق للسلطان عدّة حواصل فى مدرسته، التى برأس الصوّة، وكان بها قماش وسلاح، فلما بلغ السلطان ذلك، نزل من القلعة نصف الليل لطفى النار، فتفاءل الناس بذلك على السلطان، وأن قد قرب زواله، وكان الأمر كذلك، وقتل عقيب ذلك بأربعين يوما، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه، وقد عملت النار فى المدرسة أياما وخرب غالبها.
стр. 781
وفيه خلع على الأمير مغلطاى الجمالى، واستقرّ كاشف الوجه البحرى، عوضا عن جرجى البالسى، بحكم وفاته. - وفيه خلع على الشريف عاصم، واستقرّ كاشف الوجه القبلى.
وفى شهر شوّال، اضطرب أحوال العسكر، بسبب خروج السلطان إلى سفر الحجاز، وقد تحقّقوا ذلك.
وفى هذا الشهر، أخذ السلطان فى أسباب ضبط أمور أحوال المملكة فى غيبته، فرسم للأمير آقتمر الحنبلى، أمير كبير، أن يخرج إلى بلاد الصعيد، ومعه عدّة من الأمراء والأجناد، ويقيم به، لحفظه فى مدّة غيبة السلطان.
وقرّر الأمير آقتمر عبد الغنى، أن يكون نائب الغيبة بمصر، إلى أن يحضر السلطان، وندب عدّة من الأمراء للمبيت كل ليلة فى قلعة الجبل، لحفظها.
ورسم للأمراء المقيمين بالقاهرة أن فى كل يوم اثنين وخميس يحضروا إلى الخدمة عند باب الستارة، ويعطوا الخدمة إلى ولد (١) السلطان سيدى على، ويقفوا ساعة لطيفة، ثم يقوم سيدى على بن السلطان من مجلسه ويشير للأمراء بيده «بسم الله» فينصرفوا بعد أن يسقيهم السكّر.
ثم إنّ السلطان عيّن جماعة من الأمراء إلى ثغر الإسكندرية، وإلى دمياط والبرلس، لحفظ الثغور. - ورسم للأمير أيدمر الشمسى، بأن يكون نائب الغيبة بالمدينة، يحكم بين الناس فى غيبة السلطان؛ وعيّن جماعة من الحجّاب، بأن يتوزّعوا فى الحارات والخطط، لحفظ القاهرة ومصر العتيقة.
وضبط أمور المملكة قبل خروجه إلى الحجاز، وأخذ معه من الأمراء من يخشى بأسه، وترك بالقاهرة من الأمراء من يركن إليه، وظنّ أنّ الأمور قد استقامت له، فجاء المقدور من الله تعالى بخلاف ذلك، فكان كما يقال فى المعنى:
إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول ما يجنى عليه اجتهاده
قيل إنّ جماعة من الصالحين، لما قوى عزم السلطان على السفر، نهوه عن ذلك،
стр. 782
وقالوا له: «مالك فى سفرك إلى الحجاز من خيرة»، فلم ينته (١)، وصمّم على التوجّه إلى الحجاز فى هذه السنة.
قال قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر: «أخبرنى الشيخ جمال الدين السلسونى المالكى، أنّه رأى النبى، ﷺ ، فى المنام، لما تجهّز السلطان إلى سفر الحجاز، فقال له: يا رسول الله إنّ الأشرف شعبان يريد أن يحجّ فى هذه السنة، فقال له النبى، ﷺ : إنّه لا يأتينا أبدا»، وكان الأمر كذلك.
فلما كان يوم السبت ثانى عشر شوّال، طلّب السلطان، وخرج من الميدان الذى تحت القلعة، فكان ما اشتمل عليه طلب السلطان: عشرين نوبة من الهجن بقماش زركش، وخمس وعشرين نوبة من الهجن بقماش مخمل ملوّن، ما بين تماسيح مذهّبة وغير ذلك، وكان فى الطّلب مائتا فرس ملبّسة ببر كستوانات فولاذ ومخمل ملوّن، وقطار رواحل بقماش أسود خليفتى، ومثلها بقماش أبيض برسم الإحرام، وستة خزائن بأغشية حرير ملوّن؛ وكان بالطّلب مائة فرس عليها سروج ذهب وكنابيش، وكان به كجاوتين (٢) زركش، وكان به تسع محفّات بأغشية زركش، وشئ مخمل، وخلفها أربعين حملا محائر مخمل ملوّن برسم السرارى والعيال.
وأما ما اشتمل عليه أمر السنيح، فكان به خمسمائة جمل محمّلة سكّر وحلوى وفاكهة وأشربة ومربيّات، قيل إنّه وضع فى السكّر والأشربة والحلوى أربعمائة مثقال من المسك، وقطارين عليهما بقولات، وقطارين محمّلة أشجار مزهرة فى طينها، ما بين ياسمين ونسرين وورد ومنثور ومرسين، وغير ذلك من الأزهار، وهى فى صناديق خشب مزفّتة مثل المراكب.
فلما انتهى أمر الطّلب خرج السلطان من الميدان، والخليفة المتوكّل على الله محمد عن يمينه، والقضاة الأربعة قدّامه، وهم: قاضى القضاة الشافعى برهان الدين بن جماعة، والقاضى الحنفى جلال الدين جار الله النيسابورى، والقاضى المالكى بدر الدين
стр. 783
عبد الوهاب الأخناى، والقاضى الحنبلى كان مريضا، تأخّر بالقاهرة، وهو القاضى ناصر الدين نصر الله؛ وكان صحبته شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، قاضى العسكر.
وخرج صحبته القاضى بدر الدين محمد بن فضل الله، كاتب السرّ، والقاضى تقىّ الدين عبد الرحمن، ناظر الجيش، وتأخّر ناظر الخاص بالقاهرة.
وأما من خرج صحبته من الأمراء المقدّمين الألوف (١)، وهم: الأمير أرغون شاه الأشرفى، والأمير بهادر الجمالى، أمير آخور كبير، والأمير صرغتمش الأشرفى، والأمير بيبغا السابقى، والأمير طراباى، وتمر المحمدى، والأمير طشتمر العلاى، ومبارك الطازى، والأمير قطلو آقتمر الطويل، والأمير بشتاك من عبد الكريم الأشرفى.
وأما الأمراء الطبلخانات، وهم: الأمير جمال الدين عبد الله بن بكتمر، الحاجب، والأمير أيدمر (٢) الخطاى، والأمير بورى الأحمدى، وبلوط الصرغتمشى، وأروس المحمودى، ويلبغا المحمدى، ويلبغا الناصرى، وأرغون العزّى الأفرم، وطغاى تمر الأشرفى، ويلبغا المنجكى، وكزل الأرغونى، وقطلوبغا الشعبانى، وأمير حاج بن مغلطاى، وعلى بن الأمير منجك، ومحمد بن الأمير تنكز بغا، وتمرباى الحسنى، وأسندمر (٣) العثمانى، وقرابغا الأحمدى، وأينال اليوسفى، وأحمد بن الأمير يلبغا الخاصكى، وموسى بن دندار، وابن قرمان، وابن قرطغا، وابن سيسون، وبكتمر العلمى، ومغلطاى البدرى.
وأما الأمراء العشرات، وهم: الأمير سنقر الجمالى، وأحمد بن محمد بن لاجين، وآقبغا بوز الشيخونى، وأسنبغا (٤) التلكى، ومحمد بن بكتمر الشمسى، ومحمد بن قطلوبغا المحمدى، وجوبان الطيدمرى، وألطنبغا عبد الملك، وقطلوبغا البزلارى، وطوغان
стр. 784
العمرى، وتلكتمر العيسوى، ومحمد بن سنقر المحمدى، وخضر بن عمر بن أحمد ابن بكتمر الساقى، ومنجك الأشرفى.
فكان لهذا الطلب يوم مشهود، وخرج السلطان فى موكب حفل، حتى رجّت له القاهرة؛ ولكن أنكر على السلطان بعض الناس، كون أنّه أخذ معه فى طريق الحجاز، جماعة من أرباب الملاهى، والمخايلين من صنّاع خيال الظلّ، ومغانى العرب؛ وأشيع أنّه حمل معه نبيذ غزّاوى فى قطارميز، فقال الناس: «الذى يقصد أن يحجّ إلى بيت الله تعالى يصحب معه ذلك»؟.
وكان السلطان قبل خروجه بيومين، أمر بسدّ باب الدرفيل، مما يلى القرافة، فسدّ من يومه.
فلما نزل السلطان من القلعة فى ذلك اليوم، توجّه إلى الخانكة فبات بها، وأخلع على الشيخ ضياء الدين عبيد الله القنوى، واستقرّ به فى مشيخة مدرسته التى أنشأها برأس الصوّة، ولقّبه بشيخ الشيوخ، فهو أول من تلقّب بشيخ الشيوخ، فسكن الشيخ ضياء الدين بمدرسة السلطان، ودرّس بها العلم، قبل أن تكمل عمارتها.
ولما توجّه السلطان إلى خانقة سرياقوس، كتب وصيّته هناك، وعهد إلى ولده أمير على من بعده بالسلطنة، ثم من بعده لأخيه.
فأقام السلطان بالخانكاة يوما وليلة، ثم سار من الخانكاة إلى بركة الحجّاج، فأقام بها إلى يوم الثلاثاء ثانى عشرينه، فرحل منها باكر النهار، ومعه الأمراء الذين (١) تقدّم ذكرهم.
وفى شهر ذى القعدة، فى يوم السبت ثالثه، فيه وثب جماعة من الأمراء، ولبسوا لامة الحرب، وطلعوا إلى الرملة؛ وكان القائم فى إثارة هذه الفتنة الأمير طشتمر المحمدى، المعروف باللفاف، أحد الأمراء العشرات، والتفّ عليه الأمير قرطاى الطازى، أحد (٢) رءوس النوب، والأمير أسندمر الصرغتمشى، والأمير أينبك البدرى؛ ولم
стр. 785
يكن فيهم أمير مقدّم ألف، ولا أمير طبلخاناة، والتفّ عليهم جماعة من مماليك الأسياد، ومن مماليك الأمراء المسافرين مع السلطان، ومن المماليك البطّالة، وأوعدوهم بأن ينفقوا عليهم، لكل واحد منهم عشرة آلاف درهم، فمالوا إليهم، وتحالفوا جميعا على ذلك الاتّفاق، وركبوا بآلة الحرب، ونزل إليهم المماليك السلطانية، الذين بالطباق، وصعد الذين كانوا أسفل إلى القلعة، وصاروا الجميع بباب الستارة.
فخرج إليهم الأمير الزمام (١) سابق الدين مثقال الجمالى، والأمير جلبان، لالا الأسياد، والأمير آقبغا جركس، لالا ثانى، فقالوا لهم: «وما الخبر»؟، قالوا: «سمعنا أنّ السلطان لما وصل إلى العقبة، وثبوا عليه المماليك هناك وقتلوه، فأخرجوا لنا ابن أستاذنا أمير على حتى نسلطنه»؛ ولم يكن لهذا الكلام صحّة بموت السلطان، فكان الفال بالمنطق كما يقال:
احفظ لسانك أن تقول فتبتلى … إنّ البلاء موكل بالمنطق
فلما أغلظوا فى القول على الأمير الزمام، وعيّنوا له القتل، وكذلك الأمير جلبان اللاّلا، وأمير آقبغا جركس لالا ثانى، فدخلوا باب الستارة، وأغلقوا الباب.
فكسروا المماليك شبّاك قاعة الزمام، ونزلوا إلى رحبة باب الستارة، ودخلوا قاعة الحريم، وأخرجوا سيدى أمير على، وأجلسوه بباب الستارة، وأحضروا الأمير أيدمر الشمسى، نائب الغيبة، وألزموه بتقبيل الأرض إلى أمير على بن السلطان.
ثم أركبوه من باب الستارة إلى الإيوان الكبير بالقلعة، المعروف بدار العدل، فأجلسوه على تخت الملك، وقبّلوا له الأرض المماليك أجمعين، ولقّبوه بالملك المنصور، ونادوا باسمه فى القاهرة، ودقّت له البشائر بالقلعة، ولم يلتفتوا إلى مبايعة الخليفة له.
ثم فى ذلك اليوم قبض الأمير طشتمر اللفاف، والأمير قرطاى، على جماعة من الأمراء ممن كان تخلّف بالقاهرة، منهم: الأمير طشتمر الصالحى أحد الأمراء العشرات، والأمير بلاط السيفى ألجاى، والأمير حطط اليلبغاوى، وغير ذلك من الأمراء العشرات، فلما قبضوا عليهم سجنوهم بالقلعة.
стр. 786
ثم إنّهم أخلعوا على شخص من المماليك واستقرّوا به والى القاهرة، فنادى بها بالأمان والاطمان، والبيع والشرى، والدعاء بالنصر للملك المنصور على، والترحّم على الملك الأشرف شعبان؛ ولم يصحّ عنه خبر بموته، ولا جاء من عنده بمن يخبر بشئ من ذلك.
ثم طلع إلى القلعة جماعة من المباشرين، منهم: أمين الدين، ناظر الدولة، والحاج يوسف، مقدّم الدولة. - ولم يطلع شمس الدين المقسى، ناظر الخاص، خوفا من المماليك أن يقتلوه، فإنّه قبل ذلك وقع بينه وبين المماليك، بسبب رواتبهم من الجوامك، وغير ذلك؛ ثم إنّ طائفة من المماليك توجّهوا إلى بيت شمس الدين المقسى ليقتلوه، فهرب منهم، ولم يظفروا به.
ثم إنّ الأمراء أحضروا الأمير آقتمر عبد الغنى، أمير كبير، وكان مسافرا بالصعيد فحضر؛ فلما اجتمع بالأمير أيدمر الشمسى، والأمير علم دار، وبقيّة الأمراء، فأتوا بهم تحت القلعة، وقد أبوا من طلوع القلعة، فأنزل إليهم المماليك بالأمير على الذى سلطنوه إلى الاصطبل، وطلعوا إليه بالأمراء، فقبّلوا له الأرض، وحلفوا له على العادة، إلا الأمير طشتمر الصلاحى، والأمير بلاط السيفى، والأمير حطط، رأس نوبة؛ والكل أمراء عشرات، فإنهم لم يوافقوا المماليك على ما فعلوه، فلما أبوا من ذلك، قبضوا عليهم.
وطلبوا الأمير ألطنبغا أبو قورة، أمير سلاح، وكان قد تأخّر عن السفر لمرض به، والأمير طاز، فاعتذرا عن الحضور بالضعف، وأرسلا مماليكهما إلى عند الأمير أينبك، والأمير طشتمر اللفاف، والأمير أسندمر الصرغتمشى، والأمير قرطاى، وقد صاروا أرباب الحلّ والعقد فى هذه الأيام.
ثم إنّ هؤلاء الأمراء تقاسموا (١) الإمريات التى كانت (٢) مع الأمراء للسافرين للحجاز، فأخذ الأمير طشتمر اللفاف، تقدمة الأمير أرغون شاه، رأس نوبة النوب، وأخذ الأمير قرطاى تقدمة الأمير صرغتمش، وأخذ الأمير أينبك البدرى تقدمة الأمير
стр. 787
بيبغا السابقى، وأخذ الأمير أسندمر الصرغتمشى تقدمة الأمير بلاط الصغير؛ ثم إنّهم عيّنوا الأتابكية إلى الأمير قرطاى.
ثم إنّهم نصّبوا لهم خليفة من بنى عمّ الخليفة محمد المتوكّل. - وأقاموا عزّ الدين حمزة بن علاء الدين على بن محيى الدين يحيى بن فضل الله فى كتابة السرّ، إلى أن يحضر أخوه بدر الدين.
ثم ظهر شمس الدين المقسى، فأقرّوه فى نظارة الخاص على عادته؛ فأحضر لهم التشاريف والمثمرات والخلع، ففرّقوها على الأمراء، ورتّبوا أحوال المملكة، ومدّوا السماط فى القصر الكبير على العادة.
هذا والعسكر والأمراء بالسلاح على ظهور خيولهم، تحت القلعة فى الرملة، يترقّبون ما يرد عليهم من الأخبار، فإنّهم كانوا قد واعدوا خشداشينهم، بأن يثيروا فتنة مع السلطان فى العقبة، إذا هم وصلوا إلى هناك.
ثم أشيع بين الناس، أنّ المماليك قد قبضوا على شخص من المماليك السلطانية، الذين (١) توجّهوا صحبة السلطان إلى الحجاز، يقال له قازان اليرقشى، وكان من جملة الأمراء الآخورية، فلما قبضوا عليه، أحضروه إلى بين يدى نائب الغيبة، فسأله عن سبب حضوره إلى القاهرة، فمغمغ (٢) عليه فى الكلام، وتلجلج لسانه، فأمر نائب الغيبة بتوسيطه، فعرّوه ومدّوه للتوسيط.
فلما رأى عين الجدّ قال: أنا أخبركم بما جرى هناك، وما ذاك إلا أنّنا لما وصل السلطان إلى العقبة، وقف له جماعة من المماليك السلطانية، وطلبوا منه علق، فقال لهم السلطان: «اصبروا إلى أن نصل إلى الأزنم»، ثم سألوه أن ينفق عليهم لكل مملوك عشرة دنانير، بسبب جوامك غلمانهم، الذين (١) سافروا معهم، فقال لهم: «ما عندى إلا العليق والبقسماط»، فراودوه فى ذلك مرارا وهو يأبى؛ فتوجّهوا المماليك إلى عند
стр. 788
الأمير أرغون شاه، رأس نوبة النوب، وشكوا له من السلطان، فوعدهم أنّه يتحدّث لهم مع السلطان؛ فانصرفوا من عنده وتوجّهوا إلى عند الأمير طشتمر، الدوادار، وقالوا له: «إن لم ينفق علينا السلطان وإلا وثبنا عليه الليلة وقتلناه».
فركب الأمير طشتمر، الدوادار، وجاء إلى عند السلطان، وذكر له ما قالوه المماليك، فغضب منه السلطان، وسبّه، وهدّده؛ فقام من عنده، وقد أحدق المماليك بخامه، ينتظرونه فى ردّ الجواب.
فلما أخبرهم بما قاله السلطان، فهاجت حفائظهم، وتحرّكت أحقادهم، فتواعدوا قاطبة على قتل السلطان، ولبسوا السلاح، وأتوا إلى عند الأمير طشتمر، وقالوا له:
«قم واركب معنا»، فلم يوافقهم على ذلك، فسلّوا عليه السيوف وأركبوه غصبا، هو والأمير مبارك الطازى، والأمير صراى تمر المحمدى، والأمير قطلو آقتمر العلاى، المعروف بالطويل.
فلما ركبوا، وقصدوا خام السلطان، وكان بعد العشاء، وهو جالس يتحدّث مع خاصكيته، وإذا بضجّة عظيمة قامت بين الخيام، فبعث من يكشف له الخبر، فقيل له: «قد ركب العسكر قاطبة»، فأمر من كان عنده من الخاصكية يلبس السلاح، فما تمّ كلامه حتى هجموا على خيمته التى هو فيها، وقطعوا أطنابها، فأمر السلطان بأن تطفأ الشموع التى قدّامه، وخرج هاربا من الخيمة على وجهه، لا يدرى إلى أين يتوجّه.
ثم ركب تحت الليل، هو وجماعة من الأمراء، وهم: الأمير بيبغا السابقى، والأمير بشتاك الكريمى، المعروف بالخاصكى، والأمير أرغون العزّى، والأمير يلبغا الناصرى، والأمير ألطنبغا فرفور، والأمير طشبغا؛ وكان ذلك فى ليلة الخميس ثامن شهر ذى القعدة، وليس مع كل أمير سوى مملوك واحد.
فلما قطعوا طريق العقبة؛ وإذا بمقدّم الهجّانة محمد بن عيسى، شيخ العايد، قد أتاهم وصحبته اثنى عشر هجينا، فنزل السلطان ومن معه من الأمراء، من على ظهور الخيول، وركبوا الهجن، وساروا قاصدين القاهرة.
فلما سمع الأمراء ذلك، خرجوا على حمية، حتى يلاقوا السلطان والأمراء، فتلاقوا
стр. 789
مع الأمراء، الذين (١) حضروا من العقبة، عند قبّة النصر، فقبضوا عليهم قبضا باليد.
فلما ظفروا بالأمراء قطعوا رءوس خمسة منهم، وهم: الأمير أرغون شاه، والأمير صرغتمش، والأمير بيبغا السابقى، والأمير بشتاك الكريمى، والأمير أرغون العزّى الأفرم.
فأتوا برءوسهم إلى تحت القلعة، وهم يقولون: «صلّى على محمد»؛ ثم علّقوا تلك الرءوس على باب القلعة، وأقاموا بقيّة ذلك اليوم، ثم دفعوا الرءوس إلى أهلها، فدفنوهم، وأحضروا جثثهم أيضا.
ولم يظفروا بالسلطان، فنادوا فى القاهرة: «كل من أخفى (٢) السلطان، ولم يقرّ به شنق على باب داره»؛ فاضطربت أحوال القاهرة، وأغلقوا الأسواق والحوانيت قاطبة، وقد عظمت الفتنة، واشتدّ الأمر.
وأما ما كان من أمر السلطان الأشرف شعبان، فإنّه لما هرب من العقبة تحت الليل، أتاه مقدّم الهجانة محمد بن عيسى، شيخ العاية، فقال له: «آخذك وأتوجّه بك إلى نحو البلاد الشامية، فيتسامع بك العسكر، فيلتفّوا عليك، وكذلك العربان، فتقوى شوكتك، وتلتفّ عليك النوّاب، وترجع إلى مصر، وتحارب الأمراء الذين (١) كانوا سببا لهذه الفتنة، وتأخذ مملكتك بالسيف».
فوافقه السلطان على ذلك، فتعرّض إليه الأمير أرغون شاه ومنعه من ذلك، فأتى إلى القاهرة، ودخلها تحت الليل، هو والأمير أرغون شاه؛ فبلغه ما جرى بمصر فى غيبته، وقد سلطنوا ابنه أمير على، وخلعه من الملك، وجرى ما جرى.
فبات وراء الجبل الأحمر على الرمل إلى آخر الليل، فانسلّ من عند الأمير أرغون شاه وحده بمفرده، ومشى على أقدامه من الجبل الأحمر، حتى أتى إلى حارة الجودرية (٣)، فاختفى (٤) بها عند امرأة، يقال لها آمنة، زوجة ابن المشتولى، وكانت من عيال أمّه
стр. 790
خوند بركة، وقيل إنّها مرضعة السلطان، فاختفى عندها.
ثم أشيع فى القاهرة أنّ السلطان قد دخل واختفى فى المدينة؛ فلما نادى نائب الغيبة «من كان يعرف مكانا فيه السلطان ولم يقرّ به يشنق على باب داره، ومن يدلّ نائب الغيبة على مكان فيه السلطان، فله خمسمائة دينار».
فأقام السلطان فى بيت آمنة، بالجودرية، أياما، ولم يشعر به أحد، وصارت القاهرة فى اضطراب، والوالى كل يوم يكبس عليه البيوت والحارات.
ثم إنّ آمنة المذكورة توجّهت إلى عند الأمير أينبك البدرى، واجتمعت به، وقالت له: «إنّ السلطان قد اختفى (١) عندى فى بيتى وأنا خائفة من تبعته، فتؤمّنونى على نفسى وبيتى»؟ فقال الأمير أينبك: «نعم تكونى آمنة على نفسك وبيتك».
ثم إنّ الأمير أينبك أرسل معها مائة مملوك من مماليكه، وهى ملبّسة آلة الحرب، ومعهم أمير يسمّى ألطنبغا السلطانى؛ فلما بلغ والى القاهرة ذلك تبعهم بمن معه من القوّاسة والجبلية، فتوجّهوا إلى حارة الجودرية، وكبسوا بيت آمنة، فهرب السلطان، وطلع إلى سطح الدار؛ فلما دخلوا لم يجدوا فى الدار أحدا (٢)، فصعدوا إلى السطح، فهرب السلطان منهم، واختفى فى البادهنج، وهو بطاق القميص، فقبضوا عليه؛ والذى كان خائفا منه وقع فيه، فكان كما يقال:
عرفت الليالى قبل ما صنعت بنا … فلما دهتنا لم تزدنا بها علما
ولما قبضوا على السلطان من بيت آمنة، نهبوا كل ما فى بيتها، حتى فكّوا الرخام، وأخذوه من البيت، ثم نهبوا بيوت الجيران ضميمة لبيتها (٣)، وذلك من جماعة الوالى.
فلما قبضوا على السلطان، ألبسوه سلاحا، وأركبوه على فرس، ثم ستروا وجهه بمنديل، وخرجوا به من باب سعادة، وصعدوا به إلى القلعة، فتسلّمه الأمير أينبك البدرى.
стр. 791
فلما دخل الليل خلا به، وبات يعاقبه أشدّ المعاقبة، ويقرّره على الأموال التى أخذها من الخزائن، والتحف التى كانت فيها، فصار ينكر ذلك، فأحضر له ناظر الخاص شمس الدين المقسى، فحاققه على التحف التى (١) أخذها من الخزائن، وذخائر الملوك السالفة، التى (١) كانت بها، فردّ منها بعض شئ، مما كان أعطاه لأولاده وبناته ونسائه وسراريه.
فلما كان ليلة الثلاثاء سادس ذى القعدة، دخل عليه، نصف الليل، شخص من مماليك الأتابكى ألجاى اليوسفى، يقال له جركس، وكان فى قلبه منه، كونه كان سببا لغرق أستاذه وخراب دياره، فأحضره بين يديه، وخنقه بوتر، حتى مات بعد عذاب أليم، ثم وضعه فى قفّة وأثنى (٢) ظهره نصفين حتى كسره، وخيّط على القفّة بلاس شعر أسود، ونزل من القلعة تحت الليل على حمار، وأرماه فى بئر عند باب الزغلة.
وكانت قتلته فى ليلة الثلاثاء سادس ذى القعدة، من سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، ومات وله من العمر نحو أربع وعشرين سنة؛ وكان مولده سنة أربع وخمسين وسبعمائة؛ وولى الملك وله من العمر نحو إحدى عشرة سنة.
ومات والده سيدى حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاون قبل أن يلى ولده السلطنة، ولم يتسلطن سيدى حسين دون إخوته، وإنما تسلطن ولده شعبان هذا.
فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، والبلاد الشامية، أربع عشرة (٣) سنة وشهرين وواحد وعشرين (٤) يوما، وزال ملكه كأنّه لم يكن (٥)، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغيّر، فكان كما يقال فى المعنى:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض … على الماء خانته فروج الأصابع
ولما رمى السلطان فى البئر، أقام بها أياما، فظهرت له نتنة عظيمة من البئر، فأخرجه بعض جيران تلك الناحية، ودفنوه بالكيمان التى بجانب مشهد السيدة نفيسة.
стр. 792
فلما بلغ ذلك إلى خادم من خدّام أمّ السلطان خوند بركة، أحضر له بتابوت تحت الليل وحمله فيه، وتوجّه به إلى مدرسة أمّه التى فى التبّانة، فغسّلوه هناك وكفّنوه، وصلّوا عليه، ودفنه فى القبة التى تجاه المدرسة، بجوار بيت الأمير قرقماس الجلب، ومضى أمره.
وكان الأشرف شعبان حسن الشكل، جميل الوجه، كامل الهيئة، ليّن الجانب، يحبّ العدل فى الرعيّة، منقادا إلى الشريعة، ويحبّ العلماء، ويعظّمهم ويوقّرهم، وكان كثير البرّ لهم، وكان محسنا لأقاربه، وأبناء أعمامه، بخلاف من تقدّمه من بنى قلاون؛ وكان كثير البرّ والصدقات على الفقراء والمساكين، وأصحاب السجون.
وأبطل عدّة مكوس شنيعة، وكان يتحصّل منها مال عظيم، وهى ضمان المغانى، والقراريط، وغير ذلك؛ وساس الناس فى أيامه أحسن سياسة، ومات والناس عنه راضية؛ وكانت الدنيا فى أيامه هادئة من الفتن والتجاريد، وعصيان النوّاب، وفساد العربان، وكان محبّبا للرعيّة.
وهو أول من جدّد الأقبية البيض البعلبكى، بالطرز الذهب، التى (١) تلبسها الأمراء والعسكر فى أيام المواكب، وكذلك الأقبية الصوف التى بالوجهين؛ وهو أول من جدّد الأشرفيّات البعلبكى الأبيض، التى تلبس فوق الكبورا البيض؛ وكان له محاسن كثيرة من هذا النمط، وفيه يقول القائل:
للملك الأشرف السلطان سيدنا … مناقب بعضها يبدو به العجب
له خلائق بيض لا يغيّرها … صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
ولما مات خلّف من الأولاد ستة ذكور، وسبع (٢) بنات، فالذكور: سيدى أمير على الذى تسلطن بعده، وسيدى أمير حاج، وقد تسلطن أيضا بعد أخيه، وسيدى قاسم، وسيدى محمد، وسيدى إسمعيل، وسيدى أبو بكر، وولد له بعد موته سيدى أحمد، الذى من خوند سمرا.
стр. 793
وأما ما فتحه من البلاد فى أيامه، وهى: مدينة سيس، وسنجار، ودوركى، وغير ذلك من البلاد.
وأما ما أنشأه من العمائر فى أيامه، وهى: المدرسة التى كانت عند رأس الصوّة، تجاه الطبلخاناة؛ ومن إنشائه قاعة الأشرفية التى بالقلعة، داخل دور الحرم؛ ومن إنشائه الخرجاة التى بالقصر، المطلّة على الرملة، التى تنصب عليها السحابة ليالى المواكب؛ وله غير ذلك أشياء كثيرة من الإنشاءات (١) الحسنة.
وكان ناظرا إلى أولاد الناس، فأنعم على جماعة منهم بإمريات طبلخاناة، منهم:
الأمير على بن منجك اليوسفى، والأمير أحمد بن الأتابكى يلبغا العمرى، والأمير عبد الله ابن بكتمر، الحاجب، والأمير موسى بن دندار، وأمير حاج بن مغلطاى، والأمير محمد بن تنكز بغا، والأمير قرطقاى بن صوصون.
وأما من كان منهم من الأمراء العشرات، وهم: أبو بكر بن سنقر الجمالى، ومحمد ابن لاجين، ومحمد بن بكتمر الشمسى، ومحمد بن قطلوبغا المحمدى، ومحمد بن سنقر المحمدى، وخضر بن عمر بن أحمد بن الأتابكى بكتمر الساقى؛ وكان منهم جماعة كثيرة نوّابا بالبلاد الشامية والحلبية؛ وفى الجملة كان الأشرف شعبان من خيار بنى قلاون، وكان كفوا للسلطنة، انتهى ذلك.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الحجّاج، لما وصلوا إلى العقبة صحبة السلطان، وقد تقدّم القول على ذلك؛ فلما انكسر السلطان، وهرب تحت الليل، فوقع الاضطراب فى العسكر، ونهبوا وطاق السلطان عن آخره، بكل ما فيه من مال، وسلاح، وخيول، وجمال، وزاد، وغير ذلك؛ حتى قيل كان معه عشرين جملا من البخاتى، محمّلة ذهبا، برسم النفقة على العسكر، فنهبوا المماليك ذلك جميعه.
ثم إنّ الأمراء لما هرب السلطان، دخلوا على الخليفة المتوكّل على الله، وقالوا له:
«أنت أحقّ بالسلطنة من كل أحد»؛ فامتنع من ذلك غاية الامتناع، وأقسم على الأمراء بالله أن يقيلوه من هذا القول، فطال بينه وبين الأمراء الجدال.
стр. 794
ثم إنّ الحجّاج قصدوا العود إلى القاهرة، فما وافقوا جماعة من الأمراء على ذلك، وعيّنوا الأمير بهادر الجمالى، أمير آخور كبير، بأن يتوجّه صحبة الحجّاج بركب المحمل، وساروا ركبا واحدا كلهم.
ثم إنّ قضاة القضاة، الذين (١) توجّهوا مع السلطان، استأذنوا الأمراء بأن يتوجّهوا من العقبة إلى زيارة بيت المقدس، فأذنوا لهم فى ذلك.
ثم إنّ الأمراء قصدوا العود إلى الديار المصرية، فرجعوا، ورجع الخليفة صحبتهم؛ ورجع حريم السلطان الذى كانوا توجّهوا إلى الحجاز، وقد بدّلت أفراحهم بهموم وأحزان.
فلما وصلوا إلى عجرود، قدمت عليهم الأخيار بقتل السلطان، وسلطنة ولده أمير على، وما جرى مما تقدّم ذكره، وقتل الأمراء الذين (١) قدموا مع السلطان، وهم:
الأمير أرغون شاه الأشرفى، أحد الأمراء المقدّمين، والأمير صرغتمش الأشرفى، أمير سلاح، والأمير بيبغا السابقى، أمير مجلس، والأمير بشتاك الكريمى، والأمير أرغون العزّى الأفرم، أحد الأمراء الألوف.
وكان الذى توجّه مع السلطان من الأمراء المقدّمين تسعة، فقتل منهم هذه الخمسة عند قدوم السلطان، لما انكسر فى العقبة.
ومن غرائب الاتّفاق، أنّ اليوم الذى وثبوا فيه المماليك بمصر، وسلطنوا أمير على، وخلعوا أباه الأشرف (٢) شعبان من السلطنة، كان هو اليوم الذى وثبوا فيه المماليك على السلطان بالعقبة، وانكسر وهرب، وكان يوم نحس مستمرّ، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة.
فلما وصل الخليفة المتوكّل إلى القاهرة، وصحبته بقيّة الأمراء الذين (١) كانوا مع السلطان بالعقبة، فقبضوا على جماعة منهم، وقيّدوهم وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ولما وقعت هذه الحادثة الغريبة، قال فيها القيم خلف الغبارى هذه القطعة الزجل، وذكر فيها جميع ما وقع فى هذه الحركة، وهو قوله:
стр. 795
عن منازل طالع القلعة … كوكب السعد اختفى (١) حين بان
اقتران زحل مع المريخ … وكسوف شمس انتقال شعبان
صار محرم نومنا لما … صفر المنزل من الأشرف
وادّحر منا ربيعين عيش … وجمادين فتكهم أسرف
ورجب فيه الملك شعبان … دوّر المحمل ولما أشرف
رمضان صاموا وفى شوّال … شال وذى القعدة بدا الحرمان
فيه جرت سيرة لذى الحجّة … ما جرت فى سالف الأزمان
قد فهمنا أصل ذى النوبة … بسماع ما جا من الأخبار
فى حصار شعبان وفى ضربو … نوبتين والخنق بالأوتار
ولذا صار قلبنا موصول … بالهموم والعقل منّا طار
وخروج السهم لو تشيب … فى القصب من داخل الأبدان
والسيوف غنّت لرقص الخيل … والأنامل هزّت العيدان
للحجاز لما نوى الأشرف … ورحل مع جملة العشّاق
خامرت مائة من العسكر … ولرصد الغدر جوا أجواق
قتلوه شركة وتاريخو … للعراق والأصبهان انساق
وقد أضحى فى الرمل مدفون … والذى بيه فى طرب فرحان
صار محيّر والحمام فى الدوح … ناح لفقدو باختلاف ألحان
الدّخاير ذاهبة حين صار … واسطة عقد الجيوش غايب
والذهب كنّوا الحزين صفّر … صورتو وأما اللجين شايب
والعفيق كنّو قد اتخضّب … بالدّما حين كهربو كارب
وسلوك الدرّ والياقوت … عقدها اتفرّط من التيجان
وأصبح الجوهر يتيم بعدو … ودموع العين عليه مرجان
ذى الذى كان الملك إيدو … وإيدهم فى فرد زبديّة
стр. 796
جوه بعملة غدر مدفونة … وحيل فى السرّ مخفيّة
وقلوب بالغمّ مغمومة … وكبود بالغبن مشويّة
وأمور مزوّرة لكن … قبل ما سقوه الهوان ألوان
طبخوا القدرة وقد صارو … حولها مستجمعين إخوان
فى أتابك مصر كنت أعهد … قوم عزيزين جبر للمكسور
منهم أرغون شاه وصرغتمش … والشهير بالسابقى المنصور
والأمير بشتاك مع الأفرم … بأمر من لو الحكم والمقدور
جا القضا عاجل خد الخمسة … وقد أضحا عزّهم منهان
هكذا الدنيا وقد قالوا … فى المثل ما عز إلاّ هان
جال بنفسو ذا الملك لمّا … جا يصيب دستو عليه مقلوب
وأخذ فيلو سريع شامات … وانكسر رخّو وصار مغلوب
هكذا فى رفعة الدنيا … دست هذى المملكة المنصوب
ذا يكن راكب فرس عزّ و… عاليه فرحان يعود فى أحزان
والذى فى الحاشية بيدق … ينتقل حتى يصير فرزان
مصر وادى تيه وصارت غاب … وسكن وأبراج حوت رفعة
وأمارتها الذى كانوا … فى هنا من قبل ذى الوقعة
للملك خلاّن وهم غزلان … وأسود وأقمار لهم طالعة
خفت الأقمار من الأبراج … وخلا المسكن من الخلاّن
وعن الغاب غابت الآساد … وأقفر الوادى من الغزلان
ضمّ الأشرف قبر ليت شعرى … هو لقنديل نور ضياه جامع
أو صدف فيه خالص الجوهر … أو فلك فيه غاب قمر طالع
أو نقول غاب فيه أسد ضارى … أو جفير جوّاه حسام قاطع
أو كناس فيه أحسن الغزلان … أو حما فيه أفرس الفرسان
أو جسد فيه روح من الأرواح … أو سواد مقلة وفيها إنسان
стр. 797
نسألك يا الله بجاه موسى … وبعيسى وأحمد المحبوب
غيث الأشرف واوهبو رحمة … وعليه افرغ صبر أيّوب
فارق أذكرنا فراق يوسف … مثل ما أورثنا حزن يعقوب
والخليل منا غدا قايل … لخليلو حين يراه لهفان
فى سفين الحزن بعد نوح … واجر دمعك فى الخدود طوفان
نصر شعبان تمّ بالكامل … لعلى والحكم للقادر
نسألك يا حق يا عادل … كن لجيش المسلمين ناصر
وارزق العالم عمل صالح … واصلح الباطن مع الظاهر
واخمد الفتنة وطمّنّا … لا تشتّتنا من الأوطان
وانصر المنصور على واعفو … عن أبيه الأشرف السلطان
يا من أمسا مثل ما صبح فى … فرح بالجاه وكثر المال
قطّ لا تركن لذى الدنيا … واحذر احذر حالها إن حال
كم عزيز ذلّته صار يطلب … جاه يجيه ما جاه ومالو مال
فالبس البس حلّة التقوى … قبل لبسك شقّة الأكفان
لا تغرّك زينة الدنيا … كل ما تنظر عليها فان
آخر الثامن مع السبعين … بعد تاريخ سبعمائة عام
يا غبارى قلت فى الأشرف … نظم شاع فى إقليم مصر والشام
وأنت فى فنّ الزجل قيّم … بدروج تشهد بها الحكام
وبنظم النثر من فكرك … كم وكم صنّفت من ديوان
والبديع لك صارت الفرسان … فيه رجال والقيمة أدوان
انتهى ذلك.
стр. 798
ذكر سلطنة الملك المنصور نور الدين على بن الأشرف شعبان ابن الأمجد حسين بن محمد بن المنصور قلاون الألفى
وهو الثالث والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، بويع بالسلطنة عند ما حضر أمير المؤمنين محمد المتوكّل على الله من العقبة، فبايعه بالسلطنة، وكان له من العمر يومئذ نحو سبع سنين وأشهر، فلبس شعار السلطنة من باب الستارة، وحضر الأمير آقتمر الحنبلى، نائب السلطنة، وبقيّة الأمراء المقدّمين، القائمون بأمور الدولة؛ فالتزم الأمير آقتمر، نائب السلطنة، بتدبير المملكة؛ وحضر قاضى القضاة ناصر الدين نصر الله الحنبلى، ونوّاب القضاة.
وقد تقدّم القول على أنّ قضاة القضاة الثلاثة، لما توجّهوا صحبة السلطان إلى العقبة، وجرى ما تقدّم ذكره، استأذنوا الأمراء الذين (١) [كانوا] (٢) هناك بأن يزوروا بيت المقدس من هناك، فأذنوا لهم فى ذلك، فتوجّهوا إلى بيت المقدس.
وكان القاضى الحنبلى تأخّر بالقاهرة كون أنّه كان مريضا، فحضر مبايعة السلطان، وحضر القاضى بدر الدين بن فضل الله، كاتب السرّ، وناظر الجيش محبّ الدين الحلبى؛ فقبل له البيعة الأمير آقتمر الحنبلى، نائب السلطنة.
ثم أفيضت عليه الخلعة الخليفتية، وهى جبّة حرير بنفسجى، بطرازين ذهب، ودائرها تركيبة ذهب، وتحتانية حرير أزرق خطاى، وعمامة من حرير أسود على قبّع حرير أسود، وأرخى لها عذبة حرير مزركش.
وركب من باب الستارة، ومشت الأمراء بالشاش والقماش بين يديه، حتى دخل إلى القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، وحملت على رأسه القبّة والطير، من باب الستارة إلى القصر الكبير.
ومدّ بالقصر السماط على العادة، وجلس على السماط وهو بشعار الملك، وكانت
стр. 799
هذه عادة أول يوم يتسلطن فيه السلطان، يمدّ بالقصر سماطا عظيما، ويجلس على رأس السماط، وهو بخلعة السلطنة.
ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، ولقّبوه بالملك المنصور؛ وكانت سلطنته عند ما حضر أمير (١) المؤمنين محمد المتوكّل على الله فى يوم الأربعاء، وقيل يوم الخميس، ثامن ذى القعدة من هذه السنة.
وفى ذلك اليوم خلع على الأمير آقتمر الحنبلى، واستقرّ فى نيابة السلطنة، على عادته، كما كان فى أيام الأشرف شعبان.
فلما مضى ذلك اليوم، خرجت الأمراء الذين كانوا بالقاهرة، إلى ملاقاة الأمراء الذين (٢) كانوا صحبة السلطان بالعقبة، ورجعوا مع الخليفة، فلاقوهم من بركة الحجّاج، واتّقعوا معهم، فكان بين الفريقين واقعة عظيمة، فانكسر الأمراء الذين حضروا من العقبة، واستمرّ القتال عمّالا (٣) بين الفريقين، من أول النهار حتى غابت الشمس.
فانكسر الأمير طشتمر، وهرب إلى نحو الكيمان، فى نفر يسير من المماليك الذين (٢) من عصبته، فأدركه بعض الأمراء ممن يثق به، وما زال يتلطّف به حتى قرّر معه بأن يجعلوه نائب الشام، وحلف له بذلك، فاطمأنّ وأتى إلى داره فقبضوا عليه، وسجنوه بالقلعة، ثم قبضوا على الأمير سراى تمر (٤)، وقبضوا على الأمير بلوط الصرغتمشى، أمير مشوى، وعلى جماعة كثيرة من الأمراء ممن أتى من العقبة، فسجنوهم بالقلعة إلى أن يتوجّهوا (٥) بهم إلى السجون، إلى ثغر الإسكندرية، وغير ذلك من الأماكن العسرة
وفى يوم الاثنين ثانى عشره (٦)، عمل السلطان الموكب بالإيوان الكبير، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير طشتمر المحمدى الشهير باللفاف، واستقرّ
стр. 800
أتابك العساكر أمير كبير؛ ومن العجائب أنّه كان أمير عشرة، فصار أمير كبير فى يوم واحد، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة، وأنعم عليه بجميع موجود الأمير أرغون شاه الأشرفى، من مال، وسلاح، وخيول، وبغال، وجمال، وبرك، وخيام، وغلال، ومماليك، وطواشية، وغير ذلك، فأتته السعادة جملة واحدة فى ليلة واحدة «وإذا أعطى ما منع».
وأخلع على الأمير أسندمر الدبّاح الصرغتمشى، أحد المماليك الخاصكية المفاردة، واستقرّ أمير سلاح، ورسم له بأن يجلس بالإيوان رأس الميسرة، وطشتمر المحمدى اللفاف رأس الميمنة، وأنعم عليه بجميع موجود الأمير صرغتمش، من صامت وناطق.
وأخلع على الأمير قطلوبغا البدرى، واستقرّ أمير مجلس؛ وأخلع على الأمير قرطاى الطازى، أحد المماليك الخاصكية، واستقرّ رأس نوبة النوب، وأنعم عليه بجميع موجود الأمير بشتاك الكريمى، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة.
وأخلع على الأمير إيّاس الصرغتمشى، واستقر دوادار كبير، وأنعم عليه بجميع موجود الأمير بيبغا السابقى؛ وأخلع على الأمير طشتمر العلاى، الدوادار، واستقرّ فى نيابة الشام، ورسم له أن يخرج إلى الشام من يومه، فخرج من غير طلب ولا برك.
وأخلع على الأمير أينبك البدرى، وهو صاحب الدرب المنسوب إليه، واستقرّ أمير آخور كبير، عوضا عن الأمير بهادر الجمالى، وأنعم عليه بجميع موجوده من صامت وناطق.
وأنعم على جركس السيفى ألجاى، بتقدمة ألف، كون أنّه تولّى قتل الأشرف شعبان، وخنقه بوتر حتى مات، فأنعم عليه بموجود الأمير قطلقتمر (١) الطويل.
وأخلع على الأمير سودون الشيخونى، واستقرّ حاجب الحجّاب، وأنعم عليه بجميع موجود الأمير مبارك شاه الطازى؛ وأنعم على دمرداش اليوسفى، أحد المماليك، بتقدمة ألف، واستقرّ رأس نوبة ثان.
وأنعم على بلاط الصغير، أحد المماليك، بتقدمة ألف؛ وأنعم على ألطنبغا النظامى
стр. 801
بتقدمة ألف؛ وأنعم على يلبغا النظامى (١) بتقدمة ألف، وكلهم من جملة المماليك المفاردة.
وأنعم على جماعة من المماليك الأجلاب بإمريات طبلخانات، منهم: بيقجا الكمالى، وقطلوبغا البشيرى، وطغاى تمر الناصرى، وصربغا الناصرى، وطولوا الصرغتمشى، وألجبغا السيفى، وقطلو بك النظامى (١)، وأحمد بن همز (٢) التركمانى، وقطلوخجا، أخو أينبك البدرى، وتمربغا البدرى، وألطنبغا المعلّم، وتلكتمر (٣) عبد الله المنصورى، وأسنبغا الصارمى، وأطلمش الطازى، وأربغا السيفى، وإبراهيم ابن قطلو آقتمر العلاى، وعلى بن آقتمر عبد الغنى، وأسنبغا النظامى، ومقبل الرومى، ومأمور القلمطاوى، وأطلمش الأرغونى.
ثم أنعم على جماعة من المماليك وأولاد الناس بإمريات عشرة، منهم: محمد ابن قرطاى الطازى، وخضر بن ألطنبغا السلطانى، وتكا (٤) الشمسى، ومحمد بن شعبان ابن الأتابكى يلبغا العمرى، وأسنبغا المحمودى، وطبج المحمدى، وملكتمر المنجكى، وآقبغا السيفى، وجركس، وطغتمش السيفى، وطوغان العمرى، وبكلمش الإبراهيمى، ويلبغا العلاى، ويوسف بن شادى البريدى، وخضر الرسولى، وأسندمر الشرفى، ومغلطاى الشرفى، وخليل بن أسندمر العلاى، ورمضان بن صرغتمش، وأخيه حسن بن صرغتمش، وقطلوبغا حاجى، أمير علم، ومنكلى بغا الشمسى، وألطنبغا شادى، وسودون العثمانى.
ثم إنّ آقتمر الحنبلى، نائب السلطنة، فرّق الإقطاعات على الجند، ووظائف من قتل من العسكر فى هذه الحركة، وأنعم عليهم ببيوتهم، وقماشهم، وبركهم، حتى رسم لهم بتزوّج نسائهم وبناتهم.
فاتّفق فى هذه الدولة من ارتفاع الأسافل، ما فيه عبرة لمن اعتبر، وصارت المماليك
стр. 802
الأجلاب فى هذه الأيّام يتحكّمون فى المملكة بما تهوى نفوسهم، ومن يومئذ تغيّرت أحوال الدّيار المصرية، وإلى هلمّ، وفى ذلك يقول القائل:
ذى دولة حواضر تسوّقه معتر … أقفاصى وشامى والخيار مقعبر
ولما وصل حريم السلطان، الذى أتوا من العقبة، إلى بركة الحجّاج، ما قاسوا خيرا من المماليك الأجلاب، فنهبوا قماشهم، ونهموا خزائن المال، التى (١) كانت صحبة السلطان، والبرك والسنيح جميعه، فصعد حريم السلطان إلى القلعة من باب السرّ، وهم فى غاية الذلّ مما قاسوا.
وفيه توجّه على خيل البريد، الأمير قطلوبغا جركس، وجدّ فى السير إلى دمشق، ليقبض على الأمير بيدمر الخوارزمى، نائب الشام، ويحبسه بقلعة صفد.
وفيه رسم نائب السلطنة بالإفراج عن جماعة من الأمراء، ممن كان قد سجن بالقلعة، فأفرج عن جماعة منهم، وجماعة قيّدهم وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
وفيه، فى يوم الاثنين ثانى عشره، قرئ تقليد السلطان بالإيوان، وعلّم عليه الخليفة، وشهد عليه فيه القضاة على العادة.
ثم خلع على الخليفة وأنعم عليه بألف دينار؛ وخلع على القضاة وأرباب المناصب؛ واستدعى الوزير تاج الدين النشو الملكى، وخلع عليه، واستقرّ فى الوزارة.
وخلع على الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن الرويهب، واستقرّ فى نظر الدولة، عوضا عن أمين الدين مين؛ وخلع على الأمير طيدمر البالسى، واستقرّ حاجب الحجّاب، عوضا عن الأمير سودون الشيخونى؛ وخلع على أمير على بن قشتمر، واستقرّ حاجبا ثانيا، عوضا عن علم دار.
ومن الحوادث المهولة، أنّ جماعة من المماليك الأجلاب، وقفوا للأمراء، وطالبوهم بالنفقة التى (١) أوعدوهم بها، وهى مبلغ خمسمائة دينار لكلّ واحد من المماليك، فرسموا لهم بمائة دينار لكل مملوك، فأبوا من ذلك.
стр. 803
ثم فى يوم الثلاثاء ثالث عشره، قبضوا على أمير كبير طشتمر اللفاف فى الرملة، ثم أحاطوا به، وهمّوا بضرب عنقه، فقام الأمير قرطاى وضمن لهم أن ينفق عليهم ما وعدوا به، وهى الخمسمائة دينار.
ثم إنّ الأمراء، لما رأوا المماليك قد صمّموا فى أمر النفقة، وأنّهم ما يأخذوا (١) إلا خمسمائة دينار كل مملوك، فأخذوا فى أسباب جمع (٢) الأموال لأجل النفقة.
فطلبوا أمين الحكم، وقالوا له: «أقرضنا من مال الأيتام مائتى ألف دينار»؛ فامتنع أمين الحكم من ذلك، فقالوا له الأمراء: «إن لم تعطى (٣) بالطيّب، وإلا نسلّط المماليك عليك، ينهبوا (٤) ما فى المودع جميعه»، وكان فيه يومئذ من الأموال ما لا تنحصر، فأخذوا منها ما اختاروه، وضاع على الأيتام أموالهم، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلىّ العظيم.
ثم إنّ الأمراء قبضوا على الصاحب شمس الدين المقسى، وعلى سعد الدين نصر الله بن التقوى، وعلى تاج الدين موسى بن كاتب السعدى وولده سعد الدين، وعلى أمين الدين مين، وعلى علاء الدين على بن السايس، وعلى معلّم المعلّمين شهاب الدين أحمد بن الطولونى، وعلى مباشرين الدّولة (٥)، ومباشرين الخاص، وألزموا بنفقة عدّة مماليك، ورسّموا على المباشرين، وأودعوهم بقاعة الصاحب بالقلعة، وألزموا بأموال جزيلة بسبب النفقة على المماليك.
ثم قبضوا على محتسب القاهرة شمس الدين محمد الدميرى، وكان مريضا، فحمل على قفص حمّال إلى القلعة، وألزم بالنفقة على عشرة مماليك، ونهب بيت أخيه.
ثم قبضوا على أعيان التجّار وألزموا بمال جزيل. - ثم قبضوا على جماعة من
стр. 804
الطواشيّة، منهم: مختص الأشرفى، وجوهر السكندرى، وسنبل، رأس نوبة السقاة، وسابق الدين مثقال الجمالى، وألزموا بمال جزيل.
ثم طلب الأمير خليل بن عرام من ثغر الإسكندرية، فلما حضر، قرّر عليه مال جزيل، فلما أورد ذلك خلع عليه، واستقرّ على عادته فى نيابة الإسكندرية.
ثم قبضوا على جماعة آخرين من الطواشيّة، وهم: دينار اللاّلا، وشاهين دست، وسنبل اللفاف، وأدخلوهم قاعة الصاحب بالقلعة، على مال قرّر عليهم.
وفيه خلع على جمال الدين محمود القصيرى العجمى، خطيب مدرسة ألجاى، واستقرّ فى حسبة القاهرة، عوضا عن شمس الدين الدميرى، فصارت العوام تستهزوا (١) به، وكان يبيع التمر عند باب المارستان، فما صار له حرمة على السوقة.
وفيه أفرج عن الصاحب شمس الدين المقسى، بعد ما أورد مالا عظيما، ثم خلع عليه واستقرّ فى نظر الخاص، ووكالة بيت المال، على عادته.
وفيه طلع الأمير أسندمر الصرغتمشى، والأمير دمرداش اليوسفى إلى القلعة، وجلسا على باب الستارة، وعرض عليهما جوارى الملك الأشرف شعبان، [ففرّقوهم على الأمراء، وهم] (٢) مستولدات الأشرف شعبان.
وفيه تزايدت عظمة الأمير آقتمر الحنبلى، نائب السلطنة، وأذن له أن يخرج الإقطاعات للأمراء والأجناد والنوّاب، وأن ينفرد وحده بالتحدّث فى المملكة، كما كان من تقدّمه من النوّاب بمصر.
وفى شهر ذى الحجّة، فى يوم الاثنين سادسه، قدم قاضى القضاة الشافعى برهان الدين إبراهيم بن جماعة، وقاضى القضاة الحنفى جلال الدين جار الله، وقاضى القضاة المالكى بدر الدين الأخناى، وقد تقدّم القول إنّهم توجّهوا من العقبة إلى زيارة بيت المقدس، وعافاهم الله تعالى من أمر هذه الفتن المهولة، ومن شرورها.
وفيه عزل قاضى القضاة المالكى بدر الدين عبد الوهاب الأخناى؛ وأخلع على
стр. 805
القاضى علم الدين سليمان بن خالد بن نعيم البساطى، أحد نوّاب الحكم، واستقرّ قاضى قضاة المالكية بمصر، عوضا عن الأخناى، وكان الساعى له برهان الدين بن اللبّان، بواسطة الأمير قرطاى، فإنّه كان شاهد ديوانه.
وفيه قدمت الأخبار بسلطنة الملك الظاهر، صاحب ماردين، وهو مجد الدين عيسى بن المظفّر فخر الدين داود بن الصالح صالح بن المنصور غازى بن المظفّر قرا أرسلان بن أرتق أرسلان بن إيلغازى بن ألبى بن تمرتاش بن إيلغازى بن أرتق الأرتقى، ولى ملك ماردين بعد موت أبيه، فكتب إلى سلطان مصر يعلمه بذلك؛ فأجابه السلطان بمراسيم تتضمّن تعزيته (١) لموت أبيه، وتهنئته لولايته على ملك ماردين.
وفيه خلع على الأمير أرغون الأسعردى، واستقرّ فى نيابة طرابلس، عوضا عن الأمير منكلى بغا الأحمدى.
وفيه استقرّ برهان الدين أبو سالم إبراهيم بن محمد بن على الصنهاجى، فى قضاء المالكية بحلب، عوضا عن زين الدين أبى بكر المازنى.
وفيه خلع على جلال الدين أبو المعالى محمد قاضى القضاة نجم الدين محمد الزرعى، واستقرّ فى قضاء الشافعية بحلب، بعد وفاة ابن عمّه فخر الدين عثمان الزرعى.
وخلع على محبّ الدين محمد بن الشيخ كمال الدين محمد بن الشيخ شمس الدين محمد ابن الشحنة، واستقرّ فى قضاء الحنفية بحلب، عوضا عن جمال الدين بن العديم، فأقام مدّة يسيرة وعزل، وأعيد ابن العديم.
وخلع على القاضى ناصر الدين محمد بن عمر بن أبى الطيّب، واستقرّ فى كتابة السرّ بحلب، عوضا عن شمس الدين محمد بن أحمد بن مهاجر الحنفى.
وفيه قدمت الأخبار من اليمن بسلطنة الملك الأشرف إسمعيل بن الأفضل عبّاس، بعد وفاة أبيه. - وفيه خلع على القاضى تقىّ الدين عبد الرحمن بن محبّ الدين محمد، وقرّر فى نظارة الجيش، عوضا عن أبيه، بحكم وفاته.
وفيه عزل قاضى القضاة شرف الدين محمد بن منصور الحنفى، نفسه، من منصب القضاء، باختياره، وتوجّه إلى دمشق على حين غفلة.
стр. 806
وفيه ابتدأ السلطان بتفرقة النفقة على المماليك السلطانيّة، فنفق على كل مملوك خمسمائة دينار، كما وعدهم بذلك الأمير طشتمر اللّفاف؛ فكان عدّتهم نحو ثلاثة آلاف مملوك ممن كان بالقاهرة، ولم يسافر مع السلطان، وهم الذين أثاروا الفتنة المقدّم ذكرها فى غيبة السلطان؛ فبلغ قدر تلك (١) النفقة ألف ألف وخمسمائة ألف دينار.
ولم يسمع بمثل هذه النفقة قطّ فى الدولة التركية، ولا ما قبلها من الدول المتقدّمة، ولكن صودر فيها جماعة كثيرة من أعيان المباشرين، وأعيان التجّار، وأعيان الطواشية، وطرح فيها عدّة بضائع من أصناف الخاص على التجّار، وألزموا بثمنها من المال إلى الخزائن الشريفة، وقاست الناس بسبب ذلك [أهوالا شديدة، وأمورا] (٢) شنيعة؛ نقل ذلك المقريزى فى كتاب السلوك (٣).
وقد وقع فى هذه السنة من الفتن والحروب، والمصادرات لأعيان الناس، ما لا يسمع بمثله؛ وكانت الفتن قائمة أيضا ببلاد المغرب، بتلمسان، بين ابن أبى زيادة، وأبى حمّود؛ وكانت الفتن قائمة أيضا بالموصل بين بيرم خجا التركمانى، وملوك الشرق، وقتل بها ما لا يحصى من الخلائق؛ ووقع فيها (٤) كسوف الشمس، وخسوف القمر، فى شهر واحد، وهذا من غرائب الوقائع.
ووقع فيها (٤) قتل الأشرف شعبان بن حسين، وقتل جماعة من الأمراء، وفى ذلك عبرة لمن اعتبر؛ ووقع فيها أمور شتّى من فتن وقتل ونهب أموال، وغير ذلك من أمور شنيعة؛ انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك الأشرف شعبان بن الأمجد حسين ابن محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار منها.
وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم. السيّد الشريف، نقيب الأشراف بحلب، شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن على بن محمد الحلبى، وفيه يقول بدر الدين حسن بن حبيب الحلبى:
стр. 807
مضى إلى الله جميل الثّنا … لما قضى العمر مدى حدّه
فلا حرمنا منه أجرا وقد … كان لنا أسوة فى جدّه
وقوله فيه أيضا:
جرّت أعين الشهباء بعد شهابها … سليل الكرام السيّد الشّامخ الذّرا
فقل لبنيه الطاهرين تثبّتوا … لكم أسوة فى جدّكم سيّد الورا
وكان قد أناف على سبعين سنة من العمر. - وتوفّى المحدّث شهاب الدين أحمد بن على بن محمد بن قاسم العريانى الشافعى، شيخ خانقة الأمير طيبغا الطويل. - وتوفّى الأمير شهاب الدين أحمد بن الأمير لاجين، أحد الأمراء الطبلخانات.
وتوفّى الأمير أسنبغا العزّى، أحد الأمراء الطبلخانات. - وتوفّى الأمير أسنبغا عبد الغنى، أحد الأمراء العشرات. - وتوفّى الأمير ألطنبغا الإبراهيمى، أحد الأمراء العشرات. - وتوفّى الأمير إيّاس الماردينى، أحد العشرات.
وتوفّى الأمير جركتمر الخاصكى، أحد أمراء الألوف. - وتوفّى الأمير صلاح الدين خليل بن الأتابكى قوصون، أحد أمراء الألوف.
وتوفّى الأمير طاز العثمانى، أحد أمراء الألوف. - وتوفّى الأمير طيدمر البالسى، أحد أمراء الألوف. - وتوفّى الأمير طغيتمر العثمانى، أحد أمراء الطبلخانات. - وتوفّى الأمير جرجى البالسى، أمير جاندار - وتوفّى الأمير شاهين، أمير علم، أحد العشرات.
وتوفّى جمال الدين محمد عبد الله بن كمال الدين محمد بن عماد الدين إسمعيل بن الأثير الحلبى، ثم المصرى، وكان ولى كتابة السرّ بدمشق، وكان من الفضلاء. - وتوفّى تاج الدين عبد الله بن مشكور، ناظر الجيش بحلب.
وتوفّى مسند الشام الشيخ زين الدين عمر بن حسن بن مزيد بن أميلة المراغى، وقد عاش من العمر ما ينيف عن مائة سنة.
وتوفّى قاضى القضاة الشّافعى بحلب فخر الدين عثمان بن أحمد الزرعى. - وتوفّى خطيب حلب علاء الدين على بن محمد بن عشائر الحلبى. - وتوفّى الخواجا علاء الدين على بن ذى النون الأسعردى.
стр. 808
وتوفّى مفتى بيت المقدس الشيخ تقىّ الدين إسمعيل بن على القلقشندى الشافعى المصرى. - وتوفّى الشيخ عماد الدين بن خليفة بن عبد العال بن خليفة الحسبانى الشافعى.
وتوفّى الأديب البارع جمال الدين سليمان بن داود بن يعقوب المصرى، ومن شعره قوله:
بعدت ولم تقنع بذاك وإنما … بخلت على الإخوان بالكتب والرسل
وإنّا لنجرى فى ودادك جهذنا … وإن كنت تمشى فى الوداد على رسل
وتوفّى الأمير قبلاى، نائب حمص، وحاجب دمشق أيضا. - وتوفّى القاضى محبّ الدين محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدايم التيمى الحلبى، ناظر الجيش بالديار المصرية.
وتوفّى القاضى شمس الدين محمد، المعروف بابن رقيبة، محتسب القاهرة. - وتوفّى الأمير موسى بن الأمير قبلاى، أحد أمراء الطبلخانات.
وتوفّى قاضى القضاة الحنبلى بحلب شرف الدين موسى بن فيّاض للقدسى الصالحى، وهو أول من ولى قضاء الحنابلة بحلب.
وتوفّى الأمير الطواشى مختار الدمنهورى، مقدّم المماليك. - وتوفّى الشيخ أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم التونسى، النحوى المالكى. - وتوفّى الأمير قطلوبغا المنصورى، حاجب الحجّاب.
وتوفّى محتسب القاهرة بهاء الدين محمد بن محمد بن المفسّر. - وتوفّى السيّد الشريف نقيب الأشراف، وموقّع الدست، فخر الدين أحمد بن على بن حسين بن حسن [بن] (١) محمد.
وتوفّى الشيخ المعتقد على السدّار، صاحب الزاوية التى تجاه حارة الروم، وكانت وفاته سابع عشرين رجب. - وتوفّى شمس الدين محمد بن براق الدمشقى، أحد موقّعى الدست.
وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن الأتابكى طاز. - وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن قمارى. - وتوفّى الأمير بكتمر السيفى، والى القاهرة. - وتوفّى الطواشى مختصّ المعروف بشادروان (٢).
стр. 809
وتوفّى بدر الدين حسن المليكشى المالكى. - وتوفّى خطيب المدينة النبويّة، شهاب الدين أحمد بن سليمان الصقيلى الشافعى. - وتوفّى قاضى المالكية بدمشق، زين الدين أبو بكر بن على المازرنى.
وتوفّى الأمير يونس العمرى، أحد الطبلخانات. - وتوفّى الأمير يعقوب شاه، أحد أمراء الألوف. - وتوفّى الشيخ المعتقد على العقيدى، [فى] (١) رابع رجب. - وتوفّى التاجر زكى الدين أبو بكر بن الحمامية، فى رابع رجب، وترك مالا جزيلا.
وتوفّى الفقير المعتقد جمال الدين الإصفهانى، وكان مقيما بسطح جامع الأزهر، وللناس فيه اعتقاد. - وتوفّى المسند جمال الدين يوسف بن عبد الله بن حاتم بن الحبّال البعلبكى، حدّث عن جماعة من المحدّثين.
وقدمت الأخبار بوفاة سلطان بنى مرين، صاحب فاس وبلاد المغرب، السلطان أبو العبّاس أحمد بن سالم بن إبراهيم بن الحسن، فلما مات ملك بعده السلطان الواثق بالله محمد بن أبى الفضل أبى الحسن.
وقدمت الأخبار بوفاة صاحب اليمن، الملك الأفضل بن الملك المجاهد عبّاس بن الملك المؤيّد، وكان من ذوى العقول.
وقدمت الأخبار بوفاة صاحب ماردين، الملك المظفّر داود بن الملك الصالح صالح ابن المنصور غازى، وقد أقام على ولاية ماردين نحو أربعين سنة.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وسبعمائة
أهلّ المحرّم، والأمراض فى الناس فاشية، وتزايد أمر الوباء فى هذا الشهر، ومات جماعة كثيرة من الناس بالطاعون، ووقع فيه أمور شتّى من ولاية وعزل، وإفراج وسجن، ووقع فيه حوادث كثيرة يأتى الكلام عليها فى مواضعه.
فلما كان يوم خامسه، وقع الاتّفاق من الأمراء على القبض على الأمير طشتمر المحمّدى اللّفاف، الذى كان استقرّ أمير كبير (٢)، فإنّه طاش فى تلك الأيام، واستخفّ
стр. 810
بالأمراء؛ فلما قبضوا عليه، قيّدوه وأرسلوه إلى ثغر الإسكندرية.
ثم عملوا الموكب، وأخلعوا على الأمير قرطاى الطازى، واستقرّ أتابك العساكر، عوضا عن طشتمر اللّفاف؛ وخلع على الأمير مبارك الطّازى، واستقرّ رأس نوبة النوب؛ وخلع على الأمير سودون جركس، واستقرّ أستادار العالية؛ وخلع على الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير قرابغا الأناقى، أحد أمراء العشرات، واستقرّ فى ولاية القاهرة.
وفيه أفرج عن الأمير قطلو آقتمر الطويل العلاى، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناة. - وفيه قبض على الأمير طولوا الصرغتمشى، ونفى إلى الشام.
وفيه وصل أولاد قلاون من الكرك، وقد تقدّم القول إنّ الأشرف شعبان، لما أراد التوجّه إلى الحجاز، أرسل بنى قلاون إلى الكرك، وخشى من أمرهم.
فكان من أولاد المنصور قلاون: محمد بن حاجى بن محمد بن قلاون؛ ومن أولاد الملك الناصر حسن، وهم: أحمد، وقاسم، وعلى، وإسكندر، وموسى، وإسمعيل، ويوسف، ويحيى، وشعبان، ومحمد؛ ومن أولاد الأمجد حسين بن محمد بن قلاون، وهم: أنوك، وأحمد، وإبراهيم، وجان بك، ومحمد بن الملك الصالح بن محمد بن قلاون، وقاسم بن أمير على بن يوسف؛ فلما حضروا ليلا، أدخلوهم إلى دور الحرم بقلعة الجبل، كما كانوا أولا.
وفيه قبض على الأمير يلبغا النظامى، أحد الأمراء الألوف، وعلى الأمير أسنبغا النظامى، أحد الأمراء الطبلخانات. - وفيه خلع على الأمير سودون الشيخونى، وعلى الأمير بلوط الصرغتمشى، واستقرّا حاجبين كبار، يحكمان بين الناس فى القاهرة.
وفيه عزل الأمير منكلى بغا البلدى، من نيابة طرابلس؛ وعزل أيضا الأمير تمرباى، من نيابة صفد. - وفيه قدم الأمير بهادر الجمالى، أمير ركب المحمل، فدخل وصحبته الحجّاج، الذين (١) توجّهوا إلى الحجاز بعد قتل السلطان، كما تقدّم.
وفى شهر صفر، فى عاشره، أخذ قاع النيل، فكان خمسة أذرع وأربعا وعشرين