← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

كريم الدين بن مكانس؛ فلما أحيط على موجوده، وجد له أشياء كثيرة من مال وقماش وأملاك وضياع وغير ذلك، ووجد عنده فى حاصل فوق الألفى بدن فرو، صمّور وسنجاب. وفيه أعيد المقدّم سيف إلى تقدمة الدولة، وقبض على الحاج محمد بن يوسف، وتسلّمه المقدّم سيف، واستمرّ يعاقبه حتى مات تحت العقوبة. وفيه خلع على الصاحب كريم الدين بن مكانس، واستقرّ فى نظر الخاص والوزارة، عوضا عن شمس الدين المقسى، مضافا لما معه من نظر ديوان الأمير برقوق والأمير بركة. وفيه استقرّ الأمير بركة الجوبانى، ناظرا على جميع الأوقاف قاطبة، فلم يبق وقف حكمىّ ولا أهلىّ إلا وطلب مباشريه والمتحدّثين عليه، وحاسبهم على ما يصرف منه، وعلى متحصّله فى كل سنة؛ فاستناب الأمير بركة فى التحدّث عنه جمال الدين محمود العجمى، ففتك فى الناس فتكا ذريعا بسبب الأوقاف. وفى شهر جمادى الآخرة، فيه خرج البريد بالقبض على الأمير بيدمر الخوارزمى، نائب الشام، وإحضاره إلى القاهرة. - وفيه خلع على الأمير موسى بن قرمان، واستقرّ والى الجيزة، وعزل عنها من يومه، واستقر أمير طبر. وفيه انتهت زيادة ماء النيل المبارك إلى تسعة عشر ذراعا وستّ أصابع. - وفيه عزل الأمير تغرى برمش عن حجوبية الحجّاب، وأخرج إلى حلب منفيّا؛ واستقرّ عوضه فى الحجوبية الكبرى الأمير مأمور، المعروف بالقلماوى. وفيه قدم الأمير بيدمر الخوارزمى، نائب الشام، من دمشق، فلما قابل السلطان، قيّده وأرسله إلى السجن بالإسكندرية، فسجن بها؛ ثم أخلع السلطان على الأمير كمشبغا الحموى، واستقرّ به فى نيابة الشام، عوضا عن الأمير بيدمر الخوارزمى؛ وأخلع على الأمير تمرباى الدمرداشى، واستقرّ فى نيابة حماة، عوضا عن الأمير كمشبغا الحموى. - وفيه أنعم على الأمير أزدمر الصفوى بإمرة عشرة. وفيه قدم الخبر من دمشق، بأنّ رجلا من العامّة مات بدمشق فى المارستان، فغسّل وكفّن وصلّى عليه، وأرخى فى قبره بمقبرة باب الفراديس بالشام، فعند ما

стр. 842

اضطجع بالقبر عطس وردّت فيه الروح، فحلّوا أكفانه وأخرج من القبر، وصار يحدّث الناس بما جرى له؛ ثم عاش بعد ذلك ثلاث سنين، حتى مات ثانيا، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة. وفيه أخرج الأمير قراكسك على خيل البريد، لإحضار الأمير منكلى بغا البلدى، نائب حلب؛ وأخرج الأمير بورى الأحمدى إلى القدس منفيّا، وأنعم عليه بنظر مسجد القدس والخليل ﵇. وفى شهر رجب، فيه خلع على الشيخ شمس الدين محمد النيسابورى ابن أخى جار الله، واستقرّ فى مشيخة خانقاة سعيد السعداء، عوضا عن الشيخ برهان الدين الأبناسى، بحكم وفاته بمكّة. وفيه قدم البريد بسيف الأمير منكلى بغا البلدى، نائب حلب، وأنّه سجن بقلعة حلب؛ ثم أرسل السلطان تشريفا عظيما إلى الأمير تمرباى الدمرداشى، بأن يستقرّ فى نيابة حلب، عوضا عن الأمير منكلى بغا البلدى؛ وأرسل تشريفا آخر أيضا إلى الأمير جنتمر، أخى طاز، بأن يستقرّ فى نيابة حماة، وكان بطّالا بدمشق. وفيه قدم الأمير قرط، متولّى أسوان، بأحد عشر رأسا من رءوس أمراء أولاد الكنز، فعلّقت تلك الرءوس على باب زويلة، ولم يعهد بمثل هذا قبل ذلك؛ وأحضر من رجال الكنز مائتى رجل فى الحديد، فسجنوا فى خزانه شمايل. وفيه رسم باستقرار الأمير تغرى برمش، حاجب الحجّاب، فى نيابة غزّة، وكان ذلك مقتا من الأتابكى برقوق فى حقّه. وفيه قدم الخبر بأنّ طائفة من عربان البحيرة، وأنّ كبيرهم يقال له بدر بن سلام، توجّهوا إلى الصعيد، فلقيهم الأمير مراد، كاشف الوجه القبلى، فتحارب معهم، وقتل فى المعركة جماعة من العربان. وفيه قدم الشيخ أمين الدين محمد بن محمد بن محمد النسفى الخوارزمى، قدم من بلاد خوارزم فى طائفة من الفقراء، فأنزله الشيخ نظام الدين إسحق الأصفهانى، شيخ خانكاة سرياقوس، بمدرسته التى على طارف الجبل، تحت دار الضيافة، فأقبل إليه

стр. 843

الأمراء، وبالغوا فى إكرامه، وبعثوا إليه بالصلات السنيّة، والضيافات الكثيرة. وفى شهر شعبان، فيه خلع على الأمير شرف الدين موسى بن قرمان، واستقرّ نائب الوجه القبلى، ورسم بأن يكاتب بملك الأمراء، وأنعم عليه بتقدمة ألف؛ وهو أول من ولى من كشّاف الصعيد، واستمرّ الحال كذلك فيما بعد. وخلع على الأمير على خان، واستقرّ والى البحيرة، عوضا عن أيدمر الشمسى؛ ثم عزل عنها وأعيد أيدمر المعروف بالشمسى، وكانت عربان البحيرة قاطبة داخلة تحت طاعته. وفيه قدم الأمير منكلى بغا البلدى إلى دمشق، وقد أفرج عنه، وكان مسجونا بقلعة حلب، فتوجّه إلى دمشق يقيم بها بطّالا، إلى أن يفعل الله تعالى ما يريد. وفى شهر رمضان، فيه قبض على الطواشى سابق الدين مثقال الجمالى، زمام الدور، وصودر، وأخذ منه ثلاثة آلاف دينار، فأقام أيّاما فى الترسيم، ثم أفرج عنه، ونزل إلى داره. وفيه قبض على الأمير شهاب الدين أحمد بن همز (١) التركمانى، وقد خشوا منه أن يفرّ إلى بلاد التركمان، ويخرج عن الطاعة، فبادروا بالقبض عليه، وسجن بالقلعة. وفيه قبض على الأمير جمال الدين عبد الله بن بكتمر الحاجب، وقبض على ولده الأمير ناصر الدين محمد، وأخرجوا إلى الشام، ليقيموا (٢) بها فى السجن فى قلعة دمشق؛ ثم شفع فيهما فردّوا بعد ثلاثة أيام، وقرّر عليهما عشرة آلاف دينار؛ ثم أنعم على الأمير جمال الدين عبد الله بإمرة طبلخاناة؛ وكان الأمير بركة تغيّر خاطره على الأمير جمال الدين عبد الله، فأمر بنفيه إلى الشام، حتى شفع فيه بعض الأمراء. وفى شهر شوّال، خرج الحاج من القاهرة صحبة المحمل الشريف، وكان أمير الركب الأمير بهادر الجمالى. وفيه قبض على الصاحب كريم الدين بن مكانس، وعلى أخيه فخر الدين، وعذّبا

стр. 844

عذابا شديدا، وكان ابن مكانس وأخيه أحدثا عدّة مظالم بالديار المصرية، حتى ضجّت منهما الناس. منها أنّ الأمير يلبغا الخاصكى، لما أبطل المكس من مكّة، عوّض الشريف أمير مكّة عن ذلك، فى كل سنة مائة وسبعين ألف درهم تحمل إليه، فكان ابن مكانس يوزّع ذلك على مباشرين الدولة (١) والخاص؛ وكان الصاحب شمس الدين المقسى، وهو ناظر الخاص، يقوم عن مباشرى الخاص فى كل سنة بستة عشر ألف درهم. ومنها أنّه ختم على قيسارية جهركس فى آخر شهر رمضان، وزعم أنّ التجّار لم يردّوا له ما عليهم من المكوس، فتعطّل بيع الناس وشراهم على عيد الفطر، حتى التزموا له التجّار بمال جزيل يحملوه (٢) له، حتى فكّ الختم عن باب القيسارية بعد ثمانية أيام. ومنها أنّه صار يخرج إلى بركة الحاجّ عند خروج الحجّاج، ويلزم المقوّمين بإحضار أوراق مشترى جمالهم من سوق الجمال، فمن لم يحضر ورقة مشترى جمله من سوق الجمال، رسم عليه وغرّمه مبلغا له صورة، فأضرّ ذلك بالحجّاج وتعطّل حالهم، فرجع من الحجّاج جماعة كثيرة من البركة إلى القاهرة؛ وفعل من أنواع المظالم من هذا النمط أشياء كثيرة، لم يفعلها هناد فى أيامه. وفيه أخلع السلطان على الصاحب تاج الدين النشو الملكى، وأعيد إلى الوزارة؛ وأخلع على الصاحب شمس الدين أبى الفرج المقسى، وأعيد إلى نظر الخاص؛ وأخلع على علم الدين يحيى طباهجة بن رزق الله بن إبراهيم بن الفخر بن شاكر، واستقرّ فى نظر الدولة، عوضا عن فخر الدين بن مكانس، أخى كريم الدين بن مكانس؛ وأخلع على عبد الله بن الصاحب كريم الدين بن الغنّام، واستقرّ فى نظر الأسواق. وفى شهر ذى القعدة، فيه قبض على سلام بن التركيّة، أمير عرب البحيرة، وسجن بخزانة شمايل. - وفيه خلع على القاضى ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عطا الله التنسى المالكى، واستقرّ فى قضاء مدينة الإسكندرية، عوضا عن القاضى عزّ الدين

стр. 845

الربعى. - وفيه نقل الأمير كرجى الشمسى من ولاية قليوب، إلى ولاية الغربية. وقد قدمت الأخبار بأنّ عربان البحيرة خرجوا عن الطاعة، ونهبوا الجرون، فلما تحقّق الأتابكى برقوق ذلك، أخرج لهم تجريدة، فكان بها من الأمراء أحد عشر (١) أميرا، وكان الباش عليهم الأمير أينال اليوسفى، أمير سلاح؛ فلما وصل العسكر إلى البحيرة، فرّوا منهم العرب، فتبعوهم إلى نحو الفيوم، وغنموا منهم أغناما كثيرة، وعادوا الأمراء بعد مدّة يسيرة. وفى أواخر هذا الشهر، توفّى الشيخ ضياء الدين بن سعد الله القرمى، وكان فاضلا فى علم الطبّ والمعقولات، وكان ذو هيئة غريبة، له لحية طويلة جدّا بحيث أنّها تصل إلى رجليه، فكان إذا نام يجعلها فى كيس، وكان إذا ركب انفرقت حول وجهه فرقتين؛ وقد قال فيه بعض الشعراء هجوا لطيفا، وهو قوله: ما أحد طالت له لحية … فزادت اللحية فى هيئته إلا وما ينقص من عقله … أكثر مما زاد فى لحيته وفى شهر ذى الحجّة، فيه مما وقع من الحوادث، أنّ الأتابكى برقوق، فى يوم الاثنين سادس عشره، استدعى القضاة الأربعة، ومشايخ العلم، والأمراء المقدّمين؛ فلما تكامل المجلس، تحدّث مع القضاة وشيوخ العلم فى حلّ الأراضى الأوقاف قاطبة، التى (٢) على الجوامع والمساجد والمدارس والزوايا والربط، والتى على أولاد الملوك، وأولاد الأمراء وغيرهم، حتى تعرّض إلى الرزق الأحباسية. ثم قال للقضاة: «هل يجوز بيع الأراضى، وأن تشترى من بيت المال»؟، وأحضر قوائم بما وقف من البلاد بمصر والشام، وبما تملّك منها، فلما قرئت تلك القوائم على القضاة، قال لهم الأتابكى برقوق: «إنّ جيوش المسلمين قد ضعف أمرهم من ضيق أرزاقهم، ولا يجدون بأيديهم ما يدفعون به العدو إذا طرق البلاد». فأخذ الشيخ أكمل الدين الحنفى فى الكلام مع الأتابكى برقوق، والأمير بركة،

стр. 846

بسبب ذلك، باللغة التركية، فتزايد الكلام بين الأتابكى برقوق، والأمير بركة، والشيخ أكمل الدين، فحنقا من الشيخ أكمل الدين ووبّخاه بالكلام الفجّ، وكادا أن يبطشا به. ثم إنّ الأتابكى برقوق، والأمير بركة، قالا لشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى: «لم لا تتكلّم أنت»؟ فقال كلاما مطوّلا، فكان من ملخّصه: «أنّ أوقاف الجوامع والمدارس والمساجد التى وقفت على علماء الشريعة، وفقهاء الإسلام، وعلى الشعائر، من المؤذّنين وأئمّة الصلوات والخطباء، ووقيد القناديل، ونحو ذلك، فلا يحلّ لأحد من الناس أن يتعرّض لحلّها بوجه من الوجوه؛ وأما [ما] (١) وقف على عويشة وفطيمة، الذى اشتروا من بيت المال، فينظر فى أمرهم، فإن كان أخذوا بطريق شرعى، فلا سبيل إلى نقض ذلك، وإن كان غير ذلك ينقض». ثم قال قاضى القضاة الشافعى ابن أبى البقا السبكى: «يا أمراء، أنتم أصحاب الشوكة والأمر لكم»، فقال له شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى: «اسكت ما أنت وهذا الكلام». ثم سأل الأتابكى برقوق، والأمير بركة، قاضى القضاة ابن أبى البقا: «من أيش يشترى السلطان هذا»؟ فقال: «الأرض كلها للسلطان»، فقال له الشيخ بدر الدين محمد بن شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى: «كيف تقول الأرض كلّها للسلطان، ومن أين للسلطان ذلك؟ وإنّما هو كآحاد الناس فى أمر الأرض». ثم قال الشيخ سراج الدين البلقينى: «يا أمراء، أنتم تأمرون القضاة بشئ، فإن يفعلوه لكم، وإلا تعزلوهم، كما جرى لشرف الدين بن منصور مع الأشرف شعبان، لمالم يفعل له ما أراد، عزله عن القضاء، وغضب عليه»؛ ثم انفضّ المجلس على ذلك، وقامت القضاة. ثم إنّ الأتابكى برقوق أخرج عدّة أوقاف وجعلها إقطاعات، وفرّقها على المماليك، ولم يلتفت إلى كلام القضاة، ولا إلى قول شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى.

стр. 847

وهذا كان أول مساوئ برقوق، وأفعاله الشنيعة بالديار المصرية، وصار ظلمه يتزايد فيما بعد، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه - أورد ذلك المقريزى فى السلوك (١). وفيه خلع على شهاب الدين أحمد الدفرى المالكى، واستقرّ مفتى دار العدل. - وفيه أخرج الأمير سودون العلاى، والأمير بهادر الأشقتمرى الناصرى، منفيّين إلى صفد. - وفيه استقرّ الأمير منكلى بغا البلدى فى نيابة صفد، عوضا عن آقبغا الجوهرى؛ واستقرّ الأمير طقطاى (٢) فى ولاية منفلوط. وفيه خلع على القاضى أوحد الدين عبد الواحد بن إسمعيل بن ياسين، موقّع الأتابكى برقوق، واستقرّ فى نظر الخزانة، عوضا عن علاء الدين على بن عرب. وفيه وجد برقوق ورقة فى فراشه مكتوب فيها: «أنّ غلام الله يريد أن يكبس عليك فى صلاة الجمعة، ويقتلك»؛ فلما صلّى الجمعة (٣)، أمر الخطيب أن يعجّل فى الخطبة، فلما انقضت الصلاة، قبض على غلام الله وسجنه بخزانة شمايل، وقبض على جماعة من العبيد ممن كان من جهة غلام الله. وفيه قدم البريد بأنّ الأمير تمرباى الدمرداشى، نائب حلب، خرج بالعساكر الحلبية إلى نحو سيس، وقد كثر فساد التركمان بها، فلما قرب من مدينة إيّاس، أتى إليه بعض أمراء التركمان، وأهدى له هديّة حفلة، وسأله الأمان لأصحابه من التركمان، والتزم له بالدرك على العادة، فقبض عليه وقيّده. فلما بلغ التركمان ذلك، جمعوا عدّة وافرة من التركمان، وأكمنوا للعسكر الحلبى فى مكان مضيق، يقال له باب الملك، فلما دخل عسكر حلب إلى مدينة إيّاس، نهب ما فيها من الأموال والمواشى، وسبوا النساء، وقتلوا الرجال، وارتكبوا فيهم (٤) كل قبيح، فلما عادوا خرج عليهم ذلك الكمين فى المكان المضيق، فلعبوا بالسيف فى عسكر حلب ودمشق وحماة، فلم ينج منهم إلا من طال عمره.

стр. 848

وحاز التركمان ما كان معهم من الخيول والجمال والأسلحة، فقيل غنموا منهم التركمان ثلاثين (١) ألف جمل بأحمالها، وثلاثة عشر ألف رأس من الخيل، غالبها مسرجة ملجمة، وغير ذلك مما كان مع العسكر، من قماش وخيام وسلاح، فكان هذا من الوهن فى الدولة، وسوء تدبير نائب حلب، وشدّة جهله، فما شكره على ذلك أحد من الناس. وفيه حضر إلى القاهرة مبشّر الحاجّ، وأخبر أنّ الحجّاج، لما وصلوا مكّة، بلغهم قدوم عسكر من اليمن، وصحبتهم محمل وكسوة للكعبة، فمنعهم من الدخول إلى مكّة أمير الحاج الأمير قرا دمرداش؛ فلم يزل الشريف أحمد بن عجلان يتلطّف بالأمير قرا دمرداش، حتى أذن لهم فى الدخول إلى مكّة بمحملهم، فدخلوا ووقفوا بعرفة (٢)؛ ثم إنّ أمير الحاج كسى الكعبة، وخرج من مكّة فى يوم عيد النحر، وخشى (٣) من وقوع فتنة بينه وبين صاحب اليمن. وأخبر المبشّر أن قد حصل للحجّاج مشقّة زائدة، من موت الجمال، وتزايد الأسعار، فى الفول والشعير والبقسماط؛ فلما وصلوا إلى الأزنم، وجدوا العربان قد تعرّضت للإقامات ونهبوها، فاشتدّ الأمر عليهم، وانقطع من الحجّاج جماعة كثيرة فى الطرقات، فماتوا عطشا وجوعا. وقد بلغت الويبة الشعير إلى خمسين درهما فضّة، ثم تزايدت حتى أبيعت كل ويبة بمائة درهم، ولا توجد، فحصل لهم الضرر الشامل إلى الغاية، ومات فى هذه السنة نحو نصف الحجّاج. وفيه أعيد القاضى برهان الدين الصنهاجى إلى قضاء المالكية بدمشق، عوضا عن علم الدين القفصى؛ وأعيد القاضى فتح الدين أبو بكر بن إبراهيم بن أبى الكرم محمد ابن الشهيد، إلى كتابة السرّ بدمشق، عوضا عن بدر الدين محمد بن مزهر؛ وأعيد القاضى جلال الدين محمد بن محمد بن عثمان إلى قضاء الشافعية بحلب، عوضا عن كمال الدين بن عثمان المعرى؛ وأعيد شمس الدين محمد بن أحمد بن مهاجر إلى كتابة

стр. 849

السرّ بحلب، عوضا عن ابن أبى الطيب، بحكم وفاته، انتهى ذلك. وأما من توفّى فى هذه السنة من الأعيان، وهم: الشيخ أحمد بادار العجمى، نزيل القاهرة، توفّى بالقدس، وكان له كرامات خارقة. - وتوفّى الأمير أطلمش، الدوادار، أحد الأمراء الألوف، توفّى بدمشق. - وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد سيدى صالح بن نجم بن صالح، نزيل منية السيرج، توفّى يوم الأربعاء خامس عشر رمضان. وتوفّى الشيخ ضياء الدين عبيد الله بن سعد الله العفيفى القزوينى، المعروف بقاضى قر، شيخ الخانقاة البيبرسية، وتوفّى يوم الاثنين ثالث عشر ذى القعدة (١). وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد عبد الله الجبرتى الزيلعى، وتوفّى ليلة الجمعة سادس عشر المحرّم، ودفن فى القرافة. - وتوفّى جمال الدين عبد الله بن مختار. وتوفّى القاضى علاء الدين على بن عبد الوهاب بن عثمان بن محمد بن هبة الله بن عرب، محتسب القاهرة، توفّى بمكّة. - وتوفّى الأمير علاء الدين على بن كلفت، شاد الدواوين، توفّى بدمشق. وتوفّى الشيخ أبو العبّاس أحمد بن على بن جابر الهوارى الأندلسى، وكان شاعرا ماهرا، نحويّا، ومن شعره: وقفت للوداع زينب لما … رحل الركب والمدامع تسلب مسحت بالبنان دمعى وحلو … سكب دمعى على أصابع زينب وتوفّى المسند صلاح الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله المقدسى، وكان آخر من بقى من أصحاب البخارى. - وتوفّى الأمير شرف الدين موسى بن محمد بن شهرى، نائب سيس، وكان عالما فاضلا، أذن له فى الفتيا. وتوفّى الأمير شرف الدين بن الأزكشى، أمير أستادار، وكان توفّى بالمحلة. - وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد سيدى نهار المغربى، توفّى بالإسكندرية. وتوفّى شيخ القراء محمد بن تاج الدين إبراهيم بن سنبكى بن أيوب بن قراجا، وكان ولى قضاء العسكر بحلب، ثم بدمشق، وكان قد برع فى القراءات؛ انتهى ذلك.

стр. 850

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وسبعمائة فيها فى المحرّم، قبض على غلام الله، مهتار الطستخاناة (١) السلطانية، وسجن بخزانة شمايل، وقد تقدّم سبب ذلك بما وقع له مع الأتابكى برقوق. ومما وقع فى أوائل هذا الشهر من الحوادث، أنّ الأمير بركة الجوبانى حصل له من العوام حنق زائد، فرسم لمماليكه أن يلبسوا السلاح، وأن يضعوا السيف فى العوام، ويقتلوا كل من يلوح لهم منهم، فاضطربت أحوال القاهرة فى ذلك اليوم إلى الغاية، وأغلقوا السوقة حوانيتهم، وصار والى القاهرة يقبض على الزعر والعبيد، فازداد خوف العامة من ذلك، واختفوا فى البيوت، وكادت القاهرة أن تخرب فى ذلك اليوم. فلما بلغ الأتابكى برقوق ذلك، نادى فى القاهرة للناس بالأمان والاطمان، والبيع والشرّى، وأنّ السوقة تفتح دكاكينهم على العادة، فسكن ذلك الاضطراب قليلا، وكان الأتابكى برقوق يحنّ على العوام، ويتعصّب لهم، وينظر لهم بعين الشفقة. وفيه خلع على الأمير قرط، واستقرّ نائب الوجه القبلى؛ وأخلع على ولده حسين، واستقرّ فى ولاية قوص، فصاروا يحكموا (٢) فى بلاد الصعيد بأسرها، من الجيزة إلى بلاد النوبة. - وفيه خلع على الأمير بلوط الصرغتمشى، واستقرّ نائب الإسكندرية، عوضا عن بزلار الناصرى، ونفى بزلار إلى الشام. وفيه استقرّ الشيخ عزّ الدين يوسف بن محمود بن محمد الرازى، فى مشيخة خانقة بيبرس الركنى، عوضا عن الشيخ ضياء الدين القرمى؛ وقرّر فى دروس الحديث بالمنصورية، فافتضح بين الناس لجهله بالحديث. - وفيه أفرج عن المهتار غلام الله، وأخرج من خزانة شمايل. وفى شهر صفر، فى رابعه، عزل قاضى القضاة بدر الدين محمد بن أبى البقا السبكى الشافعى، عن منصب القضاء. - وخرج فى ذلك اليوم الأمير إيّاس، أمير آخور ثالث، على خيل البريد، لإحضار قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن جماعة من القدس.

стр. 851

وفيه قبض على الطواشى مثقال الجمالى، الزمام، وضرب ضربا مبرحا بسبب إظهار ذخائر الأشرف شعبان، فأظهر فى مكان بالقلعة، من دور الحرم، عدّة صناديق، وجد فى بعضها ثلاثين ألف دينار ذهب عين، ووجد فى بعضها خمسة عشر ألف دينار فضّة، ووجد برنيّة ضمنها فصوص ياقوت أحمر، وماس، وعين الهرّ، وبلخش، وفيروز، وحبّات لؤلؤ كبار؛ ووجدت له أوراق عند بعض جواريه، بخطّ يده، تتضمّن أماكن أودع فيها الأموال، فلم يجدوا بها شيئا، وقد أخذ ذلك بعد موته. وفيه، فى يوم الأربعاء ثانى عشرينه، قدم من القدس قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن جماعة، فخرج الأمير بركة إلى لقائه، وسار صحبته حتى مطلع إلى الأتابكى برقوق، فقام له وأجلّه. - ثم فى يوم الخميس ثالث عشرينه أخلع عليه، واستقرّ فى قضاة القضاة على عادته، فلما أفيض عليه التشريف، ونزل من القلعة، ركب قدّامه ثلاثة عشر أميرا، منهم الدوادار الكبير، وركب قدّامه أعيان الناس من المباشرين، وغير ذلك، وزيّنت له فى ذلك اليوم القاهرة، وأشعلت له الشموع والقناديل على الدكاكين، وكان يوما مشهودا إلى الغاية. وفيه رسم الأمير بركة بقتل الكلاب، وكانت قد كثرت فى الشوارع والأزقّة، فقرّر الأمير بركة على كل أمير بالقاهرة عددا من الكلاب، وألزم أهل الضواحى بمثل ذلك، وألزم أرباب الحوانيت بأن يحضر كل صاحب حانوت كلبا، فجمعوا منهم (١) نحو ثلاثين ألف كلب، فقتل منهم جانبا، ونفى (٢) منهم جانبا إلى برّ الجيزة؛ فلما فعل ذلك لم يفلح وأخذ فى سنته، ونفى، وقتل عقيب ذلك بثغر الإسكندرية، كما سيأتى الكلام (٣) على ذلك فى موضعه. وفيه توفّى الشيخ الصالح المعتقد سيدى صالح الحريرى، ودفن بجزيرة أروى. وفى شهر ربيع الأول، فى رابعه، أخذ قاع النيل فكان ستة أذرع وعشرين

стр. 852

أصبعا. - وفيه خلع على الأمير محمد بن قرطاى الكركى، واستقرّ نقيب الجيوش المنصورة، عوضا عن على خان بن قرمان. وفيه قدم البريد بأنّ الأمير آقبغا عبد الله، والأمير قطلو بغا جركس، والأمير ألطنبغا شادى، والأمير أسنبغا الألجاوى، ثاروا، فى جماعة من المماليك، على نائب حلب، يريدون قتله، فلما فطن نائب حلب بهم، ركب لحربهم وقاتلهم، فانكسروا، وفرّوا إلى عند الأمير نعير بن حيار بن مهنا، فأجارهم من نائب حلب. وفيه ركب الأمير آقبغا صيوان، البريد، لإحضار الأمير محمد بن ألجبغا المظفرى؛ فلما حضر أخلع عليه، واستقرّ فى نيابة غزّة، عوضا عن الأمير تغرى برمش؛ واستقرّ الأمير تغرى برمش، أمير مائة مقدّم ألف بدمشق؛ واستقرّ زامل بن موسى، ومعيقل بن فضل، ولدا عيسى بن مهنا بن مانع، فى إمرة العرب، عوضا عن الأمير قار بن مهنا بعد موته. وفيه استقرّ الشيخ شمس الدين محمد الركراكى، فى تدريس المالكية بخانقة شيخو، عوضا عن ابن مرزوق؛ واستقرّ الشيخ أبو البركات، فى تدريس المدرسة القمحية. وفى شهر ربيع الآخر، فيه وقع من الحوادث، أنّ شخصا من الصالحين، يقال له الشيخ محمد الصائم، وكان صائم الدهر، أتى إلى الأمير بركة، وقال له: «قد كثر الفسق والمعاصى فى الخلجان، وبركة الرطلى، وقد خرجوا فى ذلك عن الحدّ». فأمر الأمير بركة أن يصنع على أفواه القناطر سلاسل من حديد، حتى لا تدخل المراكب إلى الخلجان، ولا إلى بركة الرطلى؛ فركّبوا على فمّ قنطرة الخور سلسلة، وعلى فمّ قنطرة موردة الجبس سلسلة، وعلى فمّ قنطرة السدّ سلسلة؛ فشقّ ذلك على الناس جدّا، ومنعت المراكب من الدخول إلى الخلخان، وإلى بركة الرطلى. وقد قالت الشعراء فى هذه الواقعة عدّة مقاطيع لطيفة، فمن ذلك قول الشهاب بن العطّار: أطلقت دمعى على خلج … مذ سلسلوه فصار مقفل من رام ينظر إلى عجيب … فلينظر المطلق المسلسل

стр. 853

وقوله أيضا فى المعنى: حديث فمّ الخور المسلسل ماؤه … بقنطرة المقسى فى سائر الخلق ألا فاعجبوا من مطلق ومسلسل … يقول لقد أوقفتموا الماء فى حلقى وقال البدر البشتكى: لئن سلسلوا من مصر رأس خليجها … فما ذاك من نقص يلوح لفاضل وما قصدوا إلاّ ليصدق أنّه … يقاد إلى جنّاتها بالسلاسل وقوله أيضا فى المعنى: قد سلسلوا الخلجان فى … مصر فعنها نكبوا ما تمّ ماء مطلق … ولا صعيد طيّب وفيه توجّه الأمير سودون باشاه، دوادار الأمير بركة، إلى مكّة، لعمارة الحرم، وإجراء العين التى بعرفة (١). - وفيه رسم الأمير بركة بكبس بيوت اليهود والنصارى، بسبب إراقة الخمور، فأراق من الخمور نحو خمسة عشر ألف جرّة. وفيه أوفى (٢) النيل المبارك، وفتح السدّ على يدى الأمير بركة، وكان نيلا عظيما، فاض منه الخليج الناصرى، حتى أغرق البساتين، وقطع الطرق على من يمرّ إلى شبرا والمنية، ووصل الماء إلى أطراف دور الحسينة، وأغرق كوم الريش، وحصل للناس غاية الضرر، وقد انخنق (٣) الماء فى الخليج الناصرى، بسبب تلك السلاسل التى صنعوها على القناطر، ولم يحصل بها نفع. وفيه ورد الخبر بأنّ عربان الصعيد كبسوا على الأمير قرط، وقتلوا من عسكره نحو سبعين فارسا، وهرب الباقون؛ وكان الأمير قرط، كاشف الوجه القبلى، مهابا عند العربان، فانتهكت حرمته. وفى أواخر هذا الشهر، قدمت الأخبار من مكّة المشرّفة بوفاة الشيخ برهان الدين القيراطى، شاعر الديار المصرية، وكان مجاورا بمكّة فتوفّى بها؛ وأما ترجمته فهى:

стр. 854

إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عسكر بن مظفر بن نجم بن شادى بن هلال الطائى؛ ولد فى صفر سنة ست وعشرين، وقيل سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وكان من فحول الشعراء، وله شعر جيّد؛ وفيه يقول الصلاح الصفدى مديحا: وزنت أهل النظم فى عصرنا … من غير إجحاف ولا إسقاط فأهل مصر عند وزنى لهم … زادوا على الناس بقيراط ومن تغزّلات القيراطى، وهو قوله: انظر إلى سطر عذار بدت … من فوقه الشامات مثل النقط صحّت به نسخة حسن لمن … قد راحت الأرواح فيه غلط وقوله أيضا: إنّ السيوف لم تزل … قواطعا إذا انجلت وذا سيوف لحظه … إذا تصدّت قتلت وفى شهر جمادى الأولى، قدم الأمير أشقتمر (١) الماردينى من القدس، وكان قد نفى إلى هناك؛ فلما حضر أخلع عليه، واستقرّ فى نيابة حلب، وخرج من يومه وركب البريد، وتوجّه إلى حلب؛ وخرجت المراسيم فى ذلك اليوم بإحضار الأمير تمرباى، الذى كان نائب حلب، ورسم له بأن يتوجّه إلى القدس بطّالا. وفيه خلع على قاضى القضاة جلال الدين جار الله الحنفى، ورسم له أن يلبس الطرحة، كما يلبسها قاضى القضاة الشافعى، وأن يستنيب عنه فى أعمال مصر، من قبليها وبحريها، قضاة حفيّة؛ فشقّ ذلك على قاضى القضاة الشافعى برهان الدين [بن] (٢) جماعة، وتحدّث مع الأتابكى برقوق فى إبطال ذلك. وفيه استقرّ الأمير حطط فى نيابة حماة؛ وأخلع على قراجا العلاى، واستقرّ فى ولاية الحيزة وفى شهر جمادى الآخرة، أفرج عن الأمير بيدمر الخوارزمى، نائب الشام، وكان

стр. 855

فى السجن بثغر الإسكندرية، ورسم له أن يتوجّه إلى القدس بطّالا، ويقيم به. - وفيه قدم الأمير آقبغا عبد الله، طائعا، فخلع عليه، واستقرّ نائب غزّة، عوضا عن محمد ابن ألجبغا، بحكم وفاته. وفيه خلع على محمد بن إياز (١) التركى، واستقرّ فى نيابة الوجه القبلى، عوضا عن قرط؛ وخلع على أحمد بن غرلو، واستقرّ فى ولاية البهنسى. - وفيه انتهت زيادة النيل إلى أصبعين من عشرين ذراعا، وقد أغرق الأراضى، حتى صارت لجّة ماء. وفيه رسم الأتابكى برقوق لقاضى القضاة جلال الدين جار الله الحنفى، بأن يعزل نائبين من نوّابه، وهما: جمال الدين عبد الرحيم بن الورّاق، وزين الدين السكندرى. فأما ابن الورّاق، فإنّه اعترفت عنده امرأة بانقضاء عدّتها، وأنّها سقطت، فحكم به، ثم ادّعت ثانيا أنّها حامل من مطلّقها، فقرّر عليه فرض الحمل، وهذا غير مذهبه. وأما السكندرى، فإنّ رجلا احتمى به وتمسّك بالشرع، خوفا من الأمير مأمور حاجب الحجّاب، فشكا الأمير مأمور ذلك القاضى إلى الأتابكى برقوق، فرسم بعزله، وضرب ذلك الرجل الذى احتمى على الأمير مأمور بالمقارع، وأشهره فى القاهرة، ونودى عليه: «هذا جزاء من يحتمى على الأمراء»، فكان هذا غاية الضعف لأمر الشرع لمن احتمى به. وفى شهر رجب، فيه وقعت حادثة مستغربة، وهى أنّ بعض الشهود كان يقال له أحمد بن الفيشى، وكان يجلس فى دكّان عند رحبة باب العيد، فاتّفق له أنّه خاصم زوجته يوما، ثم دخل إلى منزله، فسمع صوتا من خلف جدار حائطه، الذى يجلس إليه فى بيته، وهو يقول له: «اتّق الله تعالى، وعاشر زوجتك بالمعروف»، فظنّ أنّ هذا الصوت (٢) من أحد من الجان، ولم ير شيئا قدّامه. فحدّث بعض أصحابه بذلك، فأتوا إلى بيته، فسمعوا الكلام من خلف الحائط، فسألوا عمّا بدا لهم، فأجابهم المتكلّم من غير أن يروا شخصا، فغلب على ظنّهم أنّ

стр. 856

هذا من الجان؛ فاشتاع (١) أمر ذلك بين الناس، فارتجت القاهرة بسبب ذلك، وأتوا إلى بيت ابن الفيشى لسماع كلام الحائط، فصار الناس يقولون فى الطرقات: «يا سلام سلّم، الحائط يتكلّم». وكاد أكثر الناس أن يفتتنوا بهذا الحائط، ولا سيما النساء، وصاروا يجلبون (٢) إلى ذلك الحائط أشياء كثيرة، من الطّيب والماورد ومن الزغفران، كل يوم على وجه النذر. فلما سمع بذلك القاضى جمال الدين محمود العجمى، محتسب القاهرة، ركب وأتى إلى بيت ابن الفيشى، وطلع إلى الحائط، وحدّثه، فأجابه عن حديثه (٣) بما ضمر؛ فأمر المحتسب بهدم ذلك الحائط، فلما هدم لم ير خلفه شيئا، فتعجّب من ذلك غاية العجب. ثم بعد هدم الحائط أرسل يكشف عن أمره، هل انقطع الكلام بعد هدم الحائط أم لا؟ فردّ عليه الخبر أنّ الكلام باقى على حكمه، فتحيّر المحتسب من ذلك؛ ثم ركب ثانيا، وأتى إلى بيت ابن الفيشى، وجلس عند ذلك الحائط، وقرأ شيئا (٤) من القرآن، ثم أحضر صاحب البيت، وقال له: «قل لهذا المتكلّم، القاضى جمال الدين، المحتسب، يسلّم عليك»، فقال له صاحب البيت: «يا سيدى الشيخ، القاضى المحتسب يسلّم عليك»، فقال الحائط: «وعليه السلام ورحمة الله وبركاته»، فقال المحتسب: «قل له إنّ هذا فتنة للناس منك، وما هو جيّد»، فقال الحائط: «ما بقى بعد هذا كلام»، ثم سكت، فلم يتكلّم. فصار الزوّار يقولون: «يا سيدى الشيخ تكلّم»، فلم يتكلّم بعد ذلك، وكان فى صوته غلظ يوهم أنّه ليس بكلام إنسىّ؛ فلما أيس (٥) من معرفة ذلك، قام وخرج من البيت، وقد اشتدّت فتنة الناس بالحائط، حتى كادوا أن يعبدوه من عظم

стр. 857

ما افتتنوا به، ويتّخذوه معبدا لهم؛ فلما شاع أمر ذلك الحائط، جاء إليه جماعة من الأمراء المقدّمين، والأعيان من الناس، وحملوا إليه أشياء كثيرة من المأكل والمشارب وغير ذلك. وفى شهر شعبان، صار القاضى جمال الدين، المحتسب، يفحص عن حقيقة أمر ذلك الحائط، عنها يصدر منه من الكلام، فكان يرسل العجائز إلى بيت ابن الفيشى، وتأتيه بالأخبار فى كل يوم، فأتت إليه فى بعض الأيام وأخبرته أنّ هذا الكلام حيلة مصنوعة من زوجة أحمد بن الفيشى، فأرسل قبض على ابن الفيشى، وعلى زوجته، وعلى شخص من الفقراء كان عندهم، وللناس فيه اعتقاد، يعرف بعمر بن الركن، فلما حضروا بين يديه، حزق على زوجة ابن الفيشى، وعيّن لها الضرب، فخافت منه فاعترفت أنّ زوجها كان يسئ عشرتها، فاحتالت عليه بهذه الحيلة، توهمه بأنّ الجان توصيه بها، فتمّت حيلتها عليه. فلما سمع المحتسب بذلك، ركب وطلع إلى الأتابكى برقوق، وأخذ ابن الفيشى وزوجته والشيخ عمر بن الركن، فضرب برقوق الرجلين بالمقارع، وضرب المرأة بالعصى نحو ستمائة ضربة، وأمر بهم فسمّروا الثلاثة على جمال، وشهروا بالقاهرة، فكان يوما شنيعا عليهم، حتى بكى الناس على المرأة، فإنّها أركبت على جمل ويداها مسمّرة على الخشب، وهى بإزارها ونقابها، ولم يعهد هذا قط أنّ امرأة سمّرت على جمل (١)؛ واتّفق نزول جمال الدين المحتسب بخلعة خلفهم، فكادت العوام أن ترجمه، وكثر دعاء الناس عليه بسبب ذلك. وكان قبل ذلك طلع ابن الفيشى إلى الأتابكى برقوق، وعلى رأسه طيلسان صوف أبيض، وقدّم إليه شيئا من الكعك، وقال له: «الشيخ محمد، شيخ الحائط، أرسل لك هذا، وهو يقول لك اتّق الله، واعدل فى الرعيّة، يحصل لك الخير»؛ فانصاغ إلى كلامه، وظنّ أنّه صدق. وأما الشيخ عمر بن الركن، فإنّ برقوق كان له فيه اعتقاد عظيم، فلما عاشر

стр. 858

ابن الفيشى، وصار عنده فى بيته مقيما، ويعلم بحيلة الحائط، ويتغفّل عن ذلك؛ فلما طلع به المحتسب صحبة ابن الفيشى، اشتدّ غضبه على الشيخ عمر بن الركن، وقال له: «أنت لك نحو ثلاثين سنة فى جامع عمرو بن العاص، والناس يلتمسون بركة دعاك، فكيف صحبت (١) أحمد بن الفيشى، وصرت مقيما عنده فى داره، وأنت تعلم بخبر الحائط أنّها حيلة، وتسكت عن ذلك»؟ فضربه بالمقارع بسبب ذلك. ومن غريب الاتّفاق أنّ زوجة أحمد بن الفيشى رأت قبل ذلك فى منامها بأيام، أنّها تخطب بالناس على منبر، فعبّره لها بعض المعبّرين، بأنّها يحصل لها شهرة قبيحة، فإنّ المرأة ليس من شأنها ركوب المنابر، وتعاطى الخطب، فكان كذلك، وركّبت الجمل، وسمّرت، واشتهرت بين الناس؛ أورد ذلك المقريزى فى كتاب السلوك (٢). وفيه قبض الأتابكى برقوق على سبط الخواجا نور الدين على الخروبى، التاجر الكارمى، فلما قبض عليه ضربه بالمقارع، وأشهره فى القاهرة على جمل؛ وكان سبب ذلك أنّ الأتابكى برقوق، بلغه أنّ كمال الدين سبط الخروبى هذا، قد سعى فى الوزارة من عند الأمير بركة، وقد ترشّح أمره بأن يلى الوزارة، فكتب قوائم بمصادرة جماعة من المباشرين، وأعيان التجّار؛ فلما بلغ برقوق ذلك شقّ عليه، وأحضر كمال الدين وضربه بالمقارع، وأشهره على جمل، ونودى عليه: «هذا جزاء من يتكلّم فيما لا يعنيه»، فاعتبرت الناس عن المرافعة فى بعضهم، ورجعوا عن ذلك. وفيه خلع على الأمير كرجى، واستقرّ فى ولاية الشرقية، عوضا عن على القرمى. - وفيه قبض على الأمير جمق، أحد الأمراء العشرات، وقبض [على] (٣) الأمير أزبك، وعلى الأمير قطلوبغا الكوكاى، وأخرجوا إلى الشام، فسجنوا بها. وفى شهر رمضان، أنعم السلطان على جماعة من الأمراء بإمريات طبلخانات، وهم: الأمير قرط بن عمر التركمانى، والأمير شاهين الصرغتمشى، والأمير بجاس النوروزى، والأمير طوحى العلاى، والأمير قردم الحسنى.

стр. 859

وفيه أنعم السلطان أيضا عل آخرين من الأمراء بإمريات عشرة، وهم: آقبغا الناصرى، رأس نوبة الأتابكى برقوق، وكمشبغا، وبكبلاط الصالحى، وطوجى. وفيه أرسل السلطان خلعة وتقليدا إلى الأمير منكلى بغا البلدى، بأن يستقرّ فى نيابة طرابلس، عوضا عن الأمير يلبغا الناصرى؛ ورسم بإحضار يلبغا الناصرى إلى مصر. - وفيه قدم الأمير يلبغا الناصرى من طرابلس، فلما قدم أنعم عليه بإقطاع الأمير أينال اليوسفى، واستقرّ أمير سلاح، عوضا عن الأمير أينال اليوسفى. وفيه خلع على محمد بن طاجار، واستقرّ فى ولاية الغربية، عوضا عن أيدمر السيفى؛ وخلع على على خان (١)، وقرّر فى ولاية قوص. وفى شهر شوّال، فيه خلع على محمد بن الحنبلى، واستقرّ فى ولاية منفلوط، عوضا عن بيرم. وفيه، فى يوم الثلاثاء خامس عشره، قبض على رجل ادّعى النبوّة، وزعم أنّ حروف القرآن تنطق له، وأنّ الوحى يأتيه على لسان جبرائيل تارة، وعلى لسان ميكائيل تارة، وزعم أنّه من أهل مضر، وأنّه قد أرسل بقتل الكفرة، وزعم أنّه أنزل عليه قرآن يختصّ به، فضرب بالمقارع، وسجن عند المجانين بالمارستان، وأقام مدّة طويلة (٢) فى السّجن، ثم رجع عن قوله وأفرج عنه. وفيه خرج الأمير تمربغا، الحاجب، على البريد، بتقليد إلى الأمير نعير بن حيار بن مهنا، عوضا عن زامل بن معيقل. وفيه قبض على الدادة سرّ النديم، دادة السلطان، وعوقبت، فأظهرت أشياء كثيرة من التحف، منها قبّع السلطان، الذى كان أبوه الملك الأشرف شعبان عمله له عند ختانه، وأظهرت طراز ذهب، وطست ذهب، وهذه الثلاثة مرصعة بأنواع الجواهر والفصوص النفيسة، وأظهرت أشياء كثيرة غير ذلك من الأموال والتحف.

стр. 860

وفيه تزايد ظلم الأمير بركة الجوبانى، فوضع يده على تركة شخص من التجّار بدمنهور، يقال له شمس الدين محمد بن سلام، وكان شيئا كثيرا من المال، وكان له أولاد ذكور وإناث، فركب قاضى القضاة الشافعى برهان الدين بن جماعة، وأتى إليه، ووعظه، ونهاه عن ذلك، ولا زال به حتى رجع عن ذلك. وفيه رسم السلطان بضرب أعناق جماعة من بنى النصارى، ما بين رجال ونساء، وسبب ذلك أنّهم أسلموا، ثم ارتدّوا إلى دين النصرانية؛ فأمر قاضى القضاة المالكى تاج الدين الأخناى بضرب أعناقهم، فضربوا تحت شباك المدرسة الصالحية؛ فأنكر الناس على قاضى القضاة المالكى ذلك، كونه ضرب أعناق النساء بين الرجال، فما شكره على ذلك أحد من الناس. وفى شهر ذى القعدة، فيه طلب الأمير بركة الوزراء المعزولين، وهم: كريم الدين عبد الكريم بن الرويهب، وكريم الدين شاكر بن الغنّام، وكريم الدين بن مكانس؛ فلما حضروا بين يديه، ضرب ابن الرويهب وابن مكانس بالمقارع، نحو عشرين شيبا، كل واحد؛ وأما شاكر بن الغنّام فإنّه التزم بمال يورده، وكتب خطّ يده بذلك، فأفرج عنه بشفاعة الأمير يلبغا الناصرى، أمير سلاح؛ وقيل إنّ الوزير ابن الملكى هو الذى كان سببا لمصادرة هؤلاء (١) الوزراء، والقبض عليهم. وفيه قدم البريد من حلب، بأنّ التركمان (٢) أخذوا ملطية، فخرج الأمير طاش على خيل البريد لكشف الخبر عن صحّة ذلك. وفيه خلع على محمد بن سليمان، من مقدّمى الحلقة (٣)، واستقرّ فى ولاية الأشمونين؛ وخلع على أسنبغا المنجكى، واستقرّ فى ولاية الفيوم، عوضا عن الركن، وقبض على الركن وسلم إلى المقدّم سيف، ليستخلص منه المال، ويعاقبه بسبب ذلك. وفيه خلع على بهاء الدين بادى الكردى، أحد الطبردارية، واستقرّ فى ولاية

стр. 861

القاهرة، عوضا عن الأمير حسين بن الكورانى؛ وقبض على الأمير حسين بن الكورانى، وسلّم إلى حسين، شاد الدواوين، ليستخلص منه الأموال. وفيه استعفى الأمير أيتمش البجاسى من نظر خانكاة سرياقوس، فأعفى عنه؛ وأخلع على الأمير مأمور القلعطاوى، واستقرّ عوضه فى نظر الخانكاة (١)، وكان الأمير مأمور يومئذ حاجب الحجّاب. وفيه خلع على معين الدين محمد بن عبد الله بن ابى بكر، المعروف بالدمامينى، واستقرّ فى نظر الأسواق عوضا عن علم الدين بن الغنّام. وفى شهر ذى الحجّة، فيه خلع على بيرم، واستقرّ فى ولاية الغربية، عوضا عن محمد بن طاجار؛ وخلع على الأمير قادوس، واستقرّ فى ولاية الأشمونين، عوضا عن محمد بن العادلى؛ وخلع على محمد بن العادلى، واستقرّ فى ولاية منوف، عوضا عن أبى بكر بن خطاب. وكان هؤلاء (٢) الولاة يجورون (٣) على الفلاحين، فيرتّبون (٤) عليهم شيئا يسمّونه القدوم، فيقرّرون (٥) على كل بلد قدرا من المال معلوم، فبينما يغلقون (٦) ذلك يستقرّ غير هؤلاء (٢) الولاة فى الأعمال، فيأخذون من الفلاحين قدوما ثانيا، هذا غير ما يحدثونه من المظالم على الفلاحين، فمن يومئذ اختلّ إقليم مصر غاية ما يكون من الاختلال بسبب ذلك. وفيه جاءت الأخبار من مكّة المشرّفة، بأن جرت العين المستمدّة من عرفة (٧) إلى باب السلام، وجدّد الأتابكى برقوق ميضاة عند باب بنى شيبة، وربع وحوانيت، وأصلح بئر زمزم، وحجر إسمعيل، والميزاب، وسطح الكعبة، وكل ذلك على يد الأمير باشاه، دوادار الأمير بركة الجوبانى. وفيه قطع الوزير الملكى رواتب الناس قاطبة، الذين (٨) كانوا على الديوان المفرد،

стр. 862

ومنع مباشرى الجهات من المباشرة، وظنّ أنّ أحواله تستقيم بذلك، فكان تدبيره فى تدميره؛ فلما بلغ الأتابكى برقوق ذلك، سأله عن مقدار ما وفّره من ذلك، فأخبره عن ذلك، فأخرج عنه عدّة من البلاد التى كانت الوزراء يستعينون بها لما أن ينشحت الديوان، فكثر الدعاء عليه من الناس، وعزل عن قريب، ومقتته الناس قاطبة بسبب ذلك. وأما من توفّى فى هذه السّنة من الأعيان، وهم: الشيخ شرف الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عسكر البغدادى المالكى، وكان كفّ قريب موته، ومولده (١) فى سنة تسع وستين وستمائة، وولى قضاء المالكية بدمشق، وكان عالما فاضلا، وولى بالقاهرة نظر خزانة الخاص، ثم صرف عنها بابن عرب، فلزم بيته، حتى مات. وتوفّى الأمير حطط اليلبغاوى، نائب حماة. - وتوفّى الأمير حاجى بك، أحد أمراء الطبلخانات. - وتوفّى الشيخ المعتقد حسن الصبان المغربى، وكان مقعدا. وتوفّى الفقير المعتقد الشيخ صالح الجزيرى، ودفن بالجزيرة الوسطى. - وتوفّى شيخ القراءات (٢) تقىّ الدين عبد الرحمن بن أحمد بن على، المعروف بابن البغدادى الوسطى. وتوفّى الأمير قازان بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة بن عضية بن فضل بن ربيعة، أمير آل فضل. - وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد بن ألجبغا العادلى، نائب غزّة، مات بدمشق. وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن مرزوق التلسانى المغربى المالكى، وزير المغرب، كان، واستقرّ فى تدريس الفقه بالخانقاة الشيخونية، والمدرسة القمحية. وتوفّى بهاء الدين محمد بن يوسف بن عبد الله بن قريش، شاهد ديوان أولاد السلطان حسن. - وتوفّى الشيخ ناصر الدين محمد بن يوسف بن على الحراوى الكردى، الطبردار. وتوفّى الأمير ماماق، أحد أمراء الطبلخانات، ودفن بتربته التى أنشأها تحت

стр. 863

دار الضيافة. - وتوفّى الطواشى افتخار الدين ياقوت الرسولى، خادم الحجرة النبوية (١). وتوفّى الأمير ساطلمش الجلالى، بدمشق. - وتوفّى القاضى شمس الدين محمد بن أحمد بن مزهر، أحد موقّعى دمشق، وهو أخو القاضى بدر الدين، كاتب السرّ بها، وكانت وفاته فى شوال؛ انتهى ذلك. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة فيها فى المحرّم، خلع على الركن، متولّى الفيوم، واستقرّ فى نيابة الوجه القبلى، عوضا عن محمد بن إياز (٢)؛ وخلع على الأمير بيدمر الخوارزمى، وأعيد إلى نيابة الشام، وسار إليها، وكان المتسفّر عليه الأمير خضر بك. وفيه خلع على الأمير آقبغا صيوان، وأعيد إلى الأستادارية، وعزل عنها الأمير خليل بن عرام. وفى يوم عاشوراء، توفّى السيد الشريف شرف الدين بن عاصم، نقيب الأشراف؛ فلما توفّى أخلع على الشريف على، وأعيد إلى نقابة الأشراف، عوضا عن الشريف ابن عاصم وفيه خلع على محمد بن طاجار، واستقرّ فى ولاية البهنسى، عوضا عن أحمد بن غرلو. - وفيه خلع على أبى بكر بن خطاب، واستقرّ فى ولاية منوف. وفيه حمل جهاز خوند ابنة الأمير طشتمر إلى الأتابكى برقوق، ودخل عليها ليلة الجمعة ثانى عشره. وفيه قبض الأمير بركة الجوبانى على الوزير تاج الدين بن الملكى، وضربه نحو سبعين عصاة (٣)، ورسم علمه، فلما أرضاه بالمال، أخلع عليه، وأعاده إلى الوزارة، ونودى فى القاهرة بأنّ أحدا لا يتجاهى (٤) على الوزير، ولا يحتمى عليه.

стр. 864

وفيه قبض على امرأة ظهر عليها بأنّها قد تزوّجت برجلين فى وقت واحد، فشهرت على جمل، وطيف بها فى القاهرة، وعلى رأسها طرطور (١) أحمر، ونودى عليها: «هذا جزاء من تتزوّج برجلين فى الإسلام». وفيه قدمت الأخبار من حلب، بأنّ شخصا قام يصلّى فى الجامع، فعبث به شخص وهو فى الصلاة، فلم يتماد فى صلاته، ولم يقطعها حتى فرغ من الصلاة، فحوّل الله تعالى وجه ذلك الشخص العابث بالمصلّى، فصار وجهه وجه خنزير فى الحال، فصارت الناس ينظرون إليه ويتعجّبون منه؛ ثم فرّ (٢) على وجهه هاربا إلى غابة هناك، فاختفى بها، فكتب بذلك محضر (٣)، وثبت على قاضى حلب، وأرسل إلى السلطان، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة. - أورد ذلك المقريزى فى كتاب السلوك (٤). وفى شهر صفر، أرسل الأمير بيدمر، نائب الشام، تقدمة حفلة إلى السلطان على يد الأمير خضر بك، الذى كان متسفّرا عليه، منها: مبلغ خمسة عشر ألف مثقال من الذهب الهرجة، وعشرة رءوس (٥) من الخيل، بسروج ذهب، وكنابيش ذهب، وسلاسل ذهب، وعشرة رءوس خيل بقماش دون ذلك، وثمانون إكديشا عريا، ومائة ناقة، وخمسون جملا، وعشرون مملوكا مردا صغارا، وعشرون جارية جركسية، وخمسون بقجة فيها ثياب صوف ملوّن، وأنواع الفرو من السمور (٦) والوشق والقاقم والسنجاب والقرض، وثياب حرير ملوّن من كل لون، وأثواب بعلبكى عال، وعشرون حملا ما بين فاكهة وحلوى وسواقة وغير ذلك. وفيه وقعت الوحشة بين الأمير أيتمش والأمير بركة الجوبانى، وأشاع الوثوب على بعضهما، فطلع الأمير أيتمش إلى عند الأتابكى برقوق خوفا من إقامة الفتنة،

стр. 865

فركب الشيخ أكمل الدين الحنفى، والشيخ أمين الدين الخلوى، ونزلا بالأمير أيتمش إلى عند الأمير بركة، وقرّروا بينهما الصلح؛ فأخلع الأمير بركة على الأمير أيتمش كامليّة مخمل بسمور (١)، وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش، وتوجّه إلى داره، وكان هذا الصلح على فساد، كما سيحدث ما يأتى ذكره بعد ذلك بينهما. وفيه وقعت حادثة غريبة، وهو أنّ شخصا من الفرنج خاصم شخصا من المسلمين، وادّعى عليه بمال بين يدى الأمير بركة، فلم يثبت له عليه حقّ، فغضب ذلك الإفرنجى على الرجل المسلم، وأخرج سكينا كانت معه، وضرب بها الترجمان الذى كان بينهما، فقتله فى موقوف الدعوى، بين يدى الأمير بركة، بحضرة الملأ العظيم من الناس؛ فلما جرى ذلك قبض الأمير بركة على ذلك الإفرنجى، وسمّره على جمل، بعد أن قطعت يداه ورجلاه، وطيف به فى القاهرة، ثم أحرق بالنار خارج القاهرة. وفيه، فى ليلة الجمعة تاسع عشره، لبس الأمير بركة آلة السلاح، هو ومماليكه، ولبس معه جماعة من الأمراء، ممن كان من عصبته؛ فلما أصبح نهار الجمعة، طلب الأتابكى برقوق قضاة القضاة، ومشايخ العلم، وأمرهم بأن يتوجّهوا إلى عند الأمير بركة، ويمشوا فى أمر الصلح بينه وبين الأتابكى برقوق، وكانت هذه مكيدة من برقوق، فما زالوا يتردّدون بينهما عدّة مرار، حتى وقع الصلح وحلف كل منهم لصاحبه، وخمدت تلك الفتنة، ونزعوا عنهم السلاح. ثم إنّ الأتابكى برقوق بعث بالأمير أيتمش إلى الأمير بركة، وكان الأمير أيتمش من أعظم أخصّاء برقوق، بحيث أنّه كان عنده بمنزلة القرابة، فتوجّه إلى عند الأمير بركة، وفى عنقه منديل، وقد خضع له خضوعا زائدا، فلما مثل بين يدى بركة، فما وسعه إلا العفو عنه، ثم ألبسه كامليّة مخمل بسمور (١)، وأعاده إلى برقوق، وفى القلوب ما فيها من الحنق بينهما؛ ثم نودى فى القاهرة بالأمان والاطمان، وفتحت الأسواق والحوانيت، وسكن ذلك الاضطراب قليلا.

стр. 866

ثم إنّ الأتابكى برقوق أخلع على قاضى القضاة الشافعى برهان الدين بن جماعة، وعلى القاضى الحنفى جلال الدين جار الله، وعلى القاضى الحنبلى ناصر الدين نصر الله، وأما القاضى علم الدين البساطى المالكى، فإنّه لم يحضر صحبتهم، وأخلع على الشيخ أكمل الدين الحنفى، ونزلوا إلى دورهم؛ وسبب هذه الخلع كونهم مشوا فى أمر الصلح بين الأمراء. وفيه أنعم على الأمير بزلار الناصرى بإمرة طبلخاناة؛ وأنعم على الأمير محمد بن قرطاى الكركى بإمرة عشرة. وفى شهر ربيع الأول، فيه فى يوم السبت خامسه، ولد للأتابكى برقوق ولد ذكر، من جارية روميّة، سمّاه محمد، ثم إنّه أخذ فى أسباب عمل مهمّ لولادته، فعمل مهمّا عظيما، وصنع أسمطة حفلة، واستدعى سائر الأمراء، من كبير وصغير، وكل ذلك حيلة من برقوق على القبض على الأمير بركة. وسبب ذلك أنّه لما كانت فتنة الأمير أينال اليوسفى مع الأمير برقوق، وقبض عليه، فعتبه على ما كان منه، فاعتذر عن ذلك بأنّ الأمير أيتمش اتّفق معه، هو وجماعة من الأمراء على ذلك، فجمع بينه وبين الأمير أيتمش لثقة الأمير برقوق به فى ذلك، فظهر أنّ ذلك الاتّفاق إنما كان بينهما، على أن يقبضوا على الأمير بركة وحواشيه. فلما بلغ الأمير بركة ذلك فأسرّها فى نفسه، وأراد غير ما مرّة القبض على الأمير أيتمش، وعلى الأمير برقوق، فوقعت الوحشة بينهما من يومئذ. وكان الأمير بركة والأمير برقوق متحابيّن، أعظم من الإخوة الأشقّة (١)، فدخل بينهما التحاسد، وطمع كل أحد منهما بتدبير الملك على انفراده؛ ثم إنّ الأمير برقوق والأمير بركة ركبا مع عامّة من الأمراء وسيّرا إلى نحو قبّة النصر، خارج القاهرة ثم عاد كل منهما إلى منزله. فلما طلع الأتابكى برقوق إلى باب السلسلة، شرع فى مدّ سماط المهمّ، بسبب ولادة ولده محمد، فطلع إليه الأمير صراى تمر الطويل الرجبي، أخو الأمير بركة،

стр. 867

وأسرّ إليه فيما قيل، بأنّ الأمير بركة قد اتّفق مع جماعة من الأمراء بأن يقبضوا على الأمير أيتمش، وغيره من الأمراء، إذا طلعوا يحضروا السماط. فلما تكامل طلوع الأمراء، لم يطلع الأمير بركة، وتأخّر عن الحضور، وبعث من إخوته الأمير قرا دمرداش الأحمدى، أمير مجلس، والأمير طبج المحمدى، والأمير آقتمر، الدوادار، فلما جلسوا على السماط وأكلوا، وانقضى أمر السماط، أشار الأتابكى برقوق بغلق باب السلسلة، ورسم للأمير جركس الخليلى، والأمير يونس النوروزى، دواداره (١)، بالقبض على إخوة الأمير بركة، وهم: الأمير صراى تمر الطويل، والأمير قرا دمرداش الأحمدى، والأمير طبج المحمدى، والأمير آقتمر العثمانى، الدوادار. فلما قبض على هؤلاء الأمراء، رسم لمماليكه بأن يلبسوا آلة السلاح، وأرسل خلف الأمير بزلار الناصرى، ورسم له بأن يملك مدرسة السلطان حسن، ويقيم بها فى عدّة معه من المماليك؛ فلما ملك المدرسة، صعد إلى سطحها، وأرمى بالنشاب على الأمير بركة، وهو جالس فى مقعده؛ وكان قد بلغه أنّ برقوق قد قبض على إخوته، فلما جرى ذلك رسم الأمير بركة لمماليكه بأن يلبسوا آلة الحرب. ثم إنّ الأتابكى برقوق نادى للعامّة، بأن ينهبوا بيت الأمير بركة، الذى عند حدرة البقر، فجاءت إليه العامّة مثل الجراد المنتشر، فوجدوا الباب قد أغلق، فأضرموا فيه النار، حتى احترق. ثم هجموا عليه من الباب الذى بالرملة، تجاه باب السلسلة، فلم يثبت لهم، وخرج بمن معه من مماليكه من باب سرّه، ومرّ من على باب زويلة، وشقّ من القاهرة، وخرج من باب الفتوح فى عسكر عظيم، وتوجّه إلى قبّة النصر. فلما دخلت العامّة إلى بيت بركة، نهبوا كل ما فيه من قماش وأثاث، حتى أخذوا الرخام من الحيطان، وأخذوا الأبواب، وما أبقوا ممكنا (٢) فى أمر النهب.

стр. 868

فلما بلغ الأتابكى برقوق أنّ الأمير بركة توجّه إلى قبّة النصر، فأرسل إليه طائفة من العسكر، فكان بين عسكر برقوق، وبين عسكر بركة وقعة (١) مهولة عند قبّة النصر، وقتل فيها من الفريقين جماعة كثيرة، من مماليك وغلمان ومتفرّجين. ثم إنّ برقوق أخلع على الأمير حسين بن الكورانى، واستقرّ به والى القاهرة، عوضا عن الوالى، الذى توجّه مع الأمير بركة إلى قبّة النصر؛ فلما استقرّ ابن الكورانى والى القاهرة، أغلق أبواب القاهرة، ومنع المماليك الذين (٢) توجّهوا مع بركة من الدخول إلى القاهرة. فلما كان الغد من يوم الثلاثاء، نادى الأتابكى برقوق فى القاهرة للعامّة بأنّ «من قبض على مملوك من مماليك بركة، فله لبسه وفرسه، ولنا روحه». ثم ركب الأمير آلان الشعبانى، والأمير أيتمش البجاسى، والأمير قرط التركمانى، وتوجّهوا لقتال الأمير بركة الجوبانى، فلما قربوا من قبّة النصر، برز إليهم جاليش الأمير بركة، وفيه الأمير يلبغا الناصرى، فقاتلهم، وكسرهم كسرة قبيحة، وقتل فيها جماعة من المماليك والغلمان. فلما أصبح نهار يوم الأربعاء، أمر الأتابكى برقوق للسلطان، بأن ينزل من القلعة، ويجلس بالمقعد المطلّ على الرملة، ودقّت الكوسات حربيّا، فطلع المماليك السلطانية إلى الرملة؛ ثم إنّ برقوق رسم بسدّ باب القلعة من جهة القرافة، فسدّ بالحجارة. ونودى للأجناد البطّالة، وأجناد الحلقة، بأن يطلعوا إلى القلعة، فطلع منهم جماعة كثيرة، ففرّق عليهم السلطان أسلحة، من لبوس، وسيوف، وأرماح، ومن نشّاب، وغير ذلك، وركّز كل طائفة منهم على تربة من الترب، فيما بين القلعة وقبّة النصر، فصاروا يمرّون بين الترب، ويقبضون على أصحاب الأمير بركة من طريق الترب. ثم إنّ حسين بن الكورانى، والى القاهرة، صار يقطع الطرقات على من يتوجّه

стр. 869

إلى عسكر الأمير بركة، بشئ من المأكولات، والأقوات، والعلوفات، وغير ذلك. ثم إنّ السلطان أرسل الأمير سودون الشيخونى إلى الأمير بركة، وعلى يده تشريف، بأن يستقرّ فى نيابة الشام، ويخمد هذه الفتنة؛ فلما توجّه إليه الأمير سودون بالتشريف أحرقه، وقصد الفتك بالأمير سودون، فرد من عنده على أقبح وجه. ثم إنّ خشداشين الأمير (١) بركة أشاروا عليه بأن يحطم على برقوق وقت القايلة، والرملة خالية من العسكر، فإنّهم يكونون (٢) فى بيوتهم وقت القايلة، وكان ذلك اليوم شديد الحرّ، فصلّى الأمير بركة صلاة الظهر، وركب من قبّة النصر فى قوّة الحرّ، وقسّم عسكره ثلاث فرق: فرقة تمضى معه، وفرقة تمضى من تحت الجبل الأحمر، وفرقة تمضى من الصليبة. فلما بلغ الأتابكى برقوق ذلك، أرسل فرقة من عسكره، صحبة الأمير أيتمش البجاسى، تلاقى الفرقة التى تأتى من تحت الجبل الأحمر؛ وأرسل فرقة من عسكره صحبة الأمير آلان، تلاقى الفرقة التى تأتى من الصليبة؛ وأرسل فرقة من عسكره صحبة الأمير أحمد بن همز (٣) التركمانى، تلاقى الأمير بركة، لما يأتى من بين الترب. فلما حطم الأمير بركة بمن معه من العسكر، وأتى إلى الرملة، لاقته العامّة بالحجارة فى المقاليع، والمماليك بالنشّاب، فتقنطر الأمير بركة عن فرسه فى الرملة، فأركبة بعض أصحابه فرسه، ونجا بنفسه، وهرب إلى مخيّمه بقبّة النصر، وهو مكسور. ثم اقتحم الأمير أيتمش البجاسى، على الأمير يلبغا الناصرى، وضربه بطبر على ظهره، فأغمى عليه، وأخذ صنجقه وطبلخاناته. ثم إنّ الأمير مبارك شاه فرّ إلى عند الأتابكى برقوق، وطلب منه الأمان؛ وصار عسكر الأمير بركة يتسحّب من عنده شيئا بعد شئ، ويأتى إلى الأتابكى برقوق، وقد لاحت عليه لوائح (٤) النصر، هذا بعد أن كسره عسكر الأمير بركة فوق العشرين

стр. 870

كسرة، وهو فى كل مرّة يردّ عسكره أقبح ردّ، حتى انتصر عليه فى هذه المرّة. ثم إنّ الأتابكى برقوق قبض على جمال الدين محمود، محتسب القاهرة، وسجنه بالاصطبل، من أجل أنّه بلغه عنه أنّه كان يبعث إلى الأمير بركة، بشئ من الأكل، ومن العليق، والمشرب، وهو بقبّة النصر. فلما تحقّق الأمير بركة أنّ الكسرة عليه، اختفى فى بستان بالمطرية، حتى دخل الليل، فمشى (١) على أقدامه، وصحبته شخص من الأمراء العشرات، يقال له آقبغا صيوان، وكان من خواصّ أصحابه، فتوجّها مشاة إلى المطرية، إلى جامع المقسى، الذى بباب البحر، وكان به شخص من الصالحين يقال له الشيخ محمد القدسى، وكان للناس فيه اعتقاد، فاختفى عنده الأمير بركة، هو وآقبغا صيوان. فلما طلع النهار، أرسل الأمير بركة يعرّف الأتابكى برقوق، بأنّه فى جامع المقسى، عند الشيخ محمد القدسى، وكان الأمير بركة يظنّ أنّ الأتابكى برقوق ما يقسو (٢) فى حقّه، وأن يولّيه نيابة الشام. فجاء الأمر بحلاف ذلك، فإنّه كان خشداشه، وكلاهما من مماليك الأتابكى يلبغا العمرى، وكان برقوق ينام مع بركة على مخدّة واحدة، وكانا يسكنان (٣) فى اصطبل واحد، وهما أعظم من الأحوة الأشقّة (٤)؛ فلما أقبلت عليهما الدنيا، أفتنت (٥) بينهما، وأوقعت العداوة، كما قيل: «سئل بعض الحكماء كيف يمكن أنّ الصداقة تستحيل عداوة، ولا يمكن أنّ العداوة تستحيل صداقة؟ فقال: لأنّ خراب العامر أسهل من عمارة الخراب، وتكسير الزجاج أسهل من تصحيحه إذا تكسّر»؛ ولكن أفتنت (٥) الدنيا بين برقوق وبين بركة، كما يقال: إذا امتحن الدنيا لعيب تكشّفت … له عن عدوّ فى ثياب صديق

стр. 871

فلما أرسل الأمير بركة يعلم الأتابكى برقوق، بأنّه فى جامع المقسى، عند الشيخ محمد القدسى، بعث إليه الأمير ألطنبغا الجوبانى، والأمير يونس، دواداره، وجماعة من المماليك، فتوجّهوا إلى الأمير بركة وقبضوا عليه، وأركبوه على فرس، وطلعوا به إلى القلعة، فرسم الأتابكى برقوق بأن يقيّدوه، فقيّدوه هو وآقبغا صيوان، ثم أنزلوه من باب الدرفيل، بعد العشاء، وتوجّهوا به إلى بولاق، وأنزلوه فى الحرّاقة، وتوجّهوا به إلى الإسكندرية، فسجن بها، ومضى خبره، بعد ما قتل فى فتنته جماعة كثيرة من المماليك، والغلمان، وبعض أمراء عشرات، وخاصكية، وآخر الأمر انكسر وسجن ونفى؛ وفى هذه الواقعة يقول شهاب الدين أحمد بن العطّار، وهو قوله: يا ويحها من فتنة … وشومها من حركة وقبحها من زلّة … ما صار فيها بركة وقال القيم خلف الغبارى من زجل له فى هذه الواقعة، وهو قوله: مصر صارت بعد انقباض فى انشراح … وقلعها مزخرفة والقصور يا إله احفظ لنا برقوق … واحرس الجند وانصر المنصور جعل الله لكل وقعا سبب … ونقول لك سبب هذى الوقعه بركا راد يعمل على أيتمش … والى الشام يسيروا بسرعه طلب الصلح بينهم برقوق … فارسلوا لو اخلع عليه خلعه وبقا بعض ما بقا فى النفوس … والغليل ما اشتفى بغلّ الصدور وقد أمسوا على حذر بايتين … وإيش يفيد الحذر مع المقدور أصلحوا بينهم نهار جمعه … وصفا ودّهم وطابو الجميع جا أيتمش عصبة الأمير برقوق … وبقا كل حدّ لأمروا مطيع فمسك فى نهار الاثنين طبج … ودمرداش الدويدار سريع بركا حين سمع بذلك طلب … قبّة النصر خوف من المقدور كان حذور حتى وقع فى الشرك … والمثل قال ما يوقع إلا الحذور

стр. 872

فلما جرى ذلك أقامت أبواب القاهرة، والأسواق، مغلقة ثلاثة أيام متوالية، لم تفتح، وكذلك أبواب القلعة، ولم يصلّ (١) بها أحد من الأمراء. ثم إنّ الأتابكى برقوق شرع فى القبض على الأمراء الذين (٢) كانوا من عصبة الأمير بركة، فقبض على الأمير قراكسك، والأمير أيدمر الخطاى، والأمير يلبغا الناصرى، والأمير سودون الطغيتمرى، والأمير يلبغا المنجكى، والأمير قرا بلاط الأحمدى، والأمير قرابغا الأبوبكرى، والأمير تمر بغا الشمسى، والأمير كزل القرمى، والأمير قطلوبك النظامى، والأمير آقبغا المعروف بصيوان الصالحى، والأمير طولوتمر الأحمدى، والأمير تنكز العثمانى، والأمير غريب الأشرفى، والأمير ألطنبغا الأرغونى، والأمير قرا دمرداش الأحمدى، والأمير أمير حاج بن مغلطاى، والأمير طوجى الحسنى، والأمير يوسف بن شادى، والأمير أحمد بن همز (٣) التركمانى، والأمير خضر، والأمير سودون باشاه، والأمير إلياس الماجارى. وكان هؤلاء (٤) الأمراء، منهم أمراء مقدّمين ألوف (٥)، وأمراء طبلخانات، وأمراء عشرات؛ ثم قبضوا على مماليك الأمير بركة، وعلى أصحابه وألزامه، وحاشيته، فانقرضت دولة الأتراك بأسرها، وانتشت (٦) بعدها دولة الجراكسة من يومئذ. فلما أن قبضوا على هؤلاء (٤) الأمراء، قيّدوهم وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وأرسلوا طائفة منهم إلى دمياط، وأرسلوا طائفة منهم إلى البلاد الشامية، وطائفة منهم إلى جهة بلاد الصعيد. فكادت القاهرة أن تخرب فى ذلك اليوم، حتى نادى الأتابكى برقوق للناس بالأمان والاطمان، والبيع والشراء، وأنّ الأسواق والحوانيت تفتح على العادة؛ ثم أخلع على الأمير أحمد بن الطرخانى، واستقرّ فى ولاية الجيزة.

стр. 873

ولما نفى الأمير بركة الجوبانى، احتاط الأتابكى برقوق على موجوده (١)، فظهر له أشياء كثيرة، فمن ذلك قيل: ظهر له فى مصطبة صغيرة فى اصطبله، كان يجلس عليها أحيانا، سبعين قنطارا من الذهب الهرجة، ووجد له عند محمود العجمى، المحتسب، ثلاثة وعشرين ألف دينار، هذا خارجا عن القماش، والسلاح، والبرك، والخيام، والخيول، والبغال، والجمال، والمماليك، والعبيد، والجوار، والضياع، والأملاك، والمراكب، والغلال، وغير ذلك. - أورد ذلك المقريزى فى كتاب السلوك (٢). وفيه بدا للأتابكى برقوق أن يفرج عن جماعة من الأمراء الذين (٣) قبض عليهم، فأفرج عن الأمير قرا كسك، والأمير طولوتمر الأحمدى، والأمير تنكز العثمانى، والأمير أيدمر الخطاى، وأمير حاج بن مغلطاى، ويوسف بن شادى. ثم إنّ الأتابكى برقوق عرض مماليك الأمير بركة، ومماليك الأمير يلبغا الناصرى، فاختار منهم جماعة، فجعلهم مماليك سلطانية. - ثم قبض على أرسلان، دوادار الأمير بركة، وسلّمه، هو وخضر باشاه، إلى مقدّم الدولة سيف، ليعاقبهما ويستخرج منهما الأموال. وفيه خلع على الأمير مبارك شاه، واستقرّ فى ولاية بلبيس؛ وخلع على الشريف على، نقيب الأشراف، واستقرّ فى حسبة القاهرة، عوضا عن محمود العجمى؛ وخلع على محمد بن العادلى، واستقرّ فى ولاية الأشمونين. وفيه أفرج عن أرسلان، وخضر باشاه، ومسافر، أستادار الصحبة للأمير بركة، وقد قرّر عليهم مال يردّونه للخزائن السلطانية. ثم أفرج عن آقبغا صيوان، وتوجّه إلى الشام منفيّا، بعد ما كان توجّه إلى السجن بالإسكندرية. - ثم إنّ الأتابكى برقوق، رسم بالإفراج عن الأمير أينال اليوسفى، فلما حضر أخلع عليه، واستقرّ به فى نيابة طرابلس.

стр. 874

وفى يوم الاثنين خامس عشره، عمل السلطان الموكب بالقصر الكبير، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير آلان الشعبانى، واستقرّ فى إمرة السلاح، عوضا عن الأمير يلبغا الناصرى؛ وأخلع على الأمير ألطنبغا الجوبانى، واستقرّ فى إمرة مجلس، عوضا عن الأمير بركة الجوبانى؛ وأخلع على الأمير أيتمش البجاسى، واستقرّ رأس نوبة النوب، عوضا عن الأمير بركة الجوبانى، فإنّه كان أمير مجلس ورأس نوبة النوب؛ وأخلع على الأمير آلان بغا العثمانى، واستقرّ دوادار كبير؛ وأخلع على الأمير جركس الخليلى، واستقرّ أمير آخور كبير؛ وأخلع على الأمير قطلوبغا الكوكاى، واستقرّ حاجب الحجّاب؛ وأنعم على ولده الأمير محمد بتقدمة ألف، وهو الذى تقدّم ذكر ولادته عن قريب؛ وأنعم على ولده الأمير بزلار الناصرى بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير ألطنبغا المعلّم بتقدمة ألف، واستقرّ به رأس نوبة ثان (١)؛ وأخلع على الأمير كمشبغا الأشرفى، الخاصكى، واستقرّ به شاد الشربخاناة؛ وأخلع على الأمير خليل بن عرام، واستقرّ على عادته فى نيابة الإسكندرية. ثم أنعم على جماعة من الأمراء بإمريات طبلخانات، منهم: الأمير تنكز بغا السيفى، والأمير آقبغا الناصرى، والأمير طوجى العلاى، والأمير فارس الصرغتمشى؛ وأخلع على الأمير بهادر الشاطر، واستقرّ به شاد الدواوين، عوضا عن آقبغا الفيل. ثم أنعم على جماعة من الأمراء بإمريات عشرة، منهم: الأمير بيبرس التمان تمرى، والأمير طنا الكريمى، وسودون بلق، وآقبغا الناصرى المعروف بالقندسى الناصرى، وقوصون المحمدى، وبيرم العلاى، وآقبغا اللاجينى، وقوصون الأشرفى، وغير ذلك من الأمراء. وقد صار غالب الأمراء جراكسة من أتباع الأتابكى برقوق، وقد انتشت (٢) إظهار دولة الجراكسة من يومئذ، وانخفضت دولة الأتراك الخفاجة. وفى هذا الشهر، قدم البريد بسيف ملك الأمراء بيدمر الخوارزمى، نائب الشام،

стр. 875

وقد مات بها، ودفن هناك. - وفيه أرسل السلطان خلعة وتقليدا إلى الأمير أشقتمر (١) الماردينى، نائب حلب، بأن ينتقل إلى نيابة الشام، عوضا عن بيدمر الخوارزمى، بحكم وفاته؛ وأرسل خلعة وتقليدا إلى الأمير منكلى بغا البلدى، نائب طرابلس، بأن ينتقل إلى نيابة حلب، عوضا عن أشقتمر الماردينى (٢). ثم إنّ السلطان رسم بالإفراج عن الأمير أينال اليوسفى، وكان مسجونا بالإسكندرية، فرسم له بأن يتوجّه من هناك إلى طرابلس، ويستقرّ نائبا بها، عوضا عن منكلى بغا البلدى، بحكم انتقاله إلى نيابة حلب. وفيه أرسل الأتابكى برقوق قبض على جماعة من الأمراء الذين (٣) بالشام، وكانوا من عصبة الأمير بركة، فقبض على جماعة منهم وسجنوا بقلعة دمشق، وكان برقوق يمهّد لنفسه دائما للسلطنة. - وفيه خلع على دمرخان بن موسى، واستقرّ أمير طبر وكاشف الجيزة. وفيه أخلع على الصاحب شمس الدين أبى الفرج المقسى، واستقرّ ناظر ديوان الأمير أيتمش البجاسى، رأس نوبة النوب، فعدّ ذلك من النوادر التى (٤) لم يعهد بمثلها، أنّ وزير السلطان يعمل ناظر ديوان أمير، ولم يتّفق هذا قط لغيره من الوزراء. وفيه رسم الأتابكى برقوق للأمير ألطنبغا الجوبانى، أمير مجلس، بأن يجلس بالإيوان، فى وقت الخدمة فى المواكب، تحت أمير كبير. وفى شهر ربيع الآخر، رسم الأتابكى برقوق بأن يحدثوا فى أذان العشاء، عقيب الأذان: «السلام عليك يا رسول الله»، فاستمرّ ذلك من يومئذ عمّال. وفيه جلس الأتابكى برقوق بالاصطبل السلطانى للمحاكمات، وكان من يوم حركة الأمير بركة لم يتحرّك من موضعه، فلما جلس بالاصطبل، وقف إليه جماعة من أهل الرواتب المقرّرة على الدولة، واستغاثوا به على الوزير الملكى، بأنّه عوّق

стр. 876

رواتبهم؛ فلما عاد إلى الحرّاقة، التى بالاصطبل، طلب الوزير الملكى، والمقدّم سيف، مقدّم الدولة، وضربهما وسلّمهما إلى الأمير بهادر، شاد الدواوين، فباتوا عنده، حتى أصرفوا لأصحاب الرواتب جوامكهم، ثم أفرج عنهما من الغد. وفيه قدم الصاحب كريم الدين شاكر بن الغنّام، وكان قد نفى إلى القدس، فلما حضر أخلع عليه الأتابكى برقوق، وقرّره فى الوزارة، ونزل من القلعة فى موكب حفل، والأمراء وأعيان الناس قدّامه. وفيه خلع على الرّيس صدر الدين بديع بن نفيس الأسلمى التوريزى، واستقرّ فى رئاسة الأطباء، شريكا للرّيس علاء الدين بن صغير. - وفيه خلع على الأمير مأمور القلعطاوى، واستقرّ حاجب الحجّاب، عوضا عن الأمير قطلو بغا الكوكاى. وفيه خلع على ناصر الدين محمد بن الإسناى، واستقرّ فى نظر الأحباس، عوضا عن شمس الدين محمد الدميرى، المحتسب. وفيه أشيع أنّ الوزير تاج الدين الملكى، لما قبض عليه الأتابكى برقوق، وصادره، وضربه، فترك الدنيا ولبس له جبّة بيضاء، ومئزر أبيض على رأسه، وتبع طريقة الزهّاد من المشايخ، وتوجّه إلى جامع عمرو بن العاص؛ فلما بلغ الأتابكى برقوق ذلك، أرسل قبض عليه وصادره ثانيا، واستمرّ يعاقبه حتى مات تحت العقوبة، ودفن تحت الليل، ولم يشعر به أحد من الناس. وفى شهر جمادى الأولى، قدم الخبر من البحيرة بأنّ طائفة من العربان، نحو خمسة آلاف إنسان، هجموا على دمنهور، وكان كبيرهم يقال له بدر بن سلام، ففتك فتكا ذريعا فى دمنهور، ونهب أسواقها، وأخرب بيوتها، وقتل جماعة من أهلها. فلما قدم هذا الخبر على الأتابكى برقوق، اضطربت أحوال الديار المصرية، فعيّن الأتابكى برقوق فى ذلك اليوم تجريدة عظيمة، تخرج إلى العربان، وعيّن بها من الأمراء المقدّمين ثمانية، وهم: الأمير آلان الشعبانى، أمير سلاح، والأمير ألطنبغا الجوبانى، أمير مجلس، والأمير أيتمش البجاسى، رأس نوبة النوب، والأمير مأمور

стр. 877

القلمطاوى، حاجب الحجّاب، والأمير أحمد بن يلبغا العمرى، أحد المقدّمين الألوف (١)، والأمير بلاط الصرغتمشى، والأمير بزلار الناصرى، والأمير بهادر الجمالى. وعيّن بها من الأمراء الطبلخانات اثنى عشر أميرا، وهم: الأمير سوى كب (٢) الشيخونى، والأمير قرابغا الأبوبكرى، والأمير بجمان المحمدى، والأمير طغاى تمر (٣) القبلاوى، والأمير مازى السيفى، والأمير قرط بن عمر التركمانى، والأمير أيدكار السيفى، والأمير بجاس المعروف بالنوروزى، والأمير قرابغا السيفى. وعيّن من الأمراء العشرات اثنى عشر أميرا، وعيّن صحبتهم من المماليك السلطانية خمسمائة مملوك؛ فعيّنهم يوم الخميس، وخرجوا يوم الجمعة بعد الصلاة؛ فلما عدّوا من برّ مصر إلى برّ الجيزة، قاسى العسكر مشقّة زائدة عند التعدية، فلما تكامل العسكر فى برّ الجيزة، رحل وتوجّه إلى نحو البحيرة. فلما مضى ثلاثة أيام، قدمت الأخبار من هناك، بأنّ العسكر لما وصل إلى البحيرة، ضرب خيامه تحت الجبل، وبات هناك تلك الليلة، فأرادوا (٤) العرب أن يكبسوا عليهم، فجاء إلى الأمراء شخص من العرب، وأخبرهم بأنّ العرب يقصدون (٥) الكبس عليهم تحت الليل. فلما بلغ الأمراء ذلك، خرجوا من الخيام، وأكمنوا للعرب عدّة أكمنة بالقرب من الخيام، وكان الأمير خليل بن عرام، نائب الإسكندرية، لاقى (٦) العسكر من هناك، ومعه جماعة من المجاهدين بالإسكندرية، فأرسل ابن عرام إلى الأمير أيتمش البجاسى عبده، يعلمه بأنّ بدر بن سلام، كبير العربان، يقصد أن يكبس العسكر من جهة الجبل. فلما نصف الليل، هجم العرب على خيام العسكر جملة واحدة، فلم يجدوا بها أحدا (٧)

стр. 878

من العسكر، فاشتغلوا بالنهب، فردّت عليهم الأتراك من تلك (١) الأكمنة، وأحاطوا بهم، فلم ينج (٢) من العربان إلا من طال عمره؛ فقتلوا منهم ما لا يحصى عدده، وأسر من أولادهم، ونسائهم، ما لا يحصى، حتى قيل قتل من العربان فى تلك الليلة نحو ألفين إنسان (٣)، وقبض على أولاد بدر بن سلام، ونسائه، وبناته، وصاروا يقتلون (٤) من العربان من ظفروا به، ما بين مذنب وبرئ، ونهب منهم العسكر ما لا يحصى من أغنام، وجمال، وخيول، وسلاح، وغير ذلك من بنات ونساء، وهرب جماعة كثيرة من العربان إلى الأودية والجبال، وأسر منهم الباقون. فلما جاءت الأخبار إلى السلطان بهذه النصرة على العربان، زيّنت القاهرة بسبب هذه النصرة؛ ثم إنّ العسكر نهب تروجة وأخربها، كون أنّها محلّ سكن بدر بن سلام. ولما كانت هذه الوقعة (٥) بالليل، وقتل من العربان ما لا يحصى، هرب بدر بن سلام على فرسه تحت الليل، وفاز بنفسه، واختفى، ولم تظفر به الأمراء، وكان من أمره ما سنذكره فى موضعه. ثم إنّ الأتابكى برقوق أرسل مرسوم السلطان بالأمان إلى أهل دمنهور، وكانت قد خربت، وصارت لا أنيس بها، فلما وصل إليهم مرسوم السلطان، قرئ على منبر بدمنهور، ثم نودى بالأمان لأهل دمنهور، فتراجعوا إليها، وترشّح أمرها إلى العمارة بعد الخراب، بسبب بدر بن سلام. فلما انكسر بدر بن سلام، وهرب تحت الليل، وذهب إلى الأودية، فأرسل يطلب من الأمراء الأمان، فأرسلوا كاتبوا الأتابكى برقوق بذلك، فأرسل إليه خلعة، ومنديل الأمان، على يدى الأمير بهادر المنجكى، أستاداره، والشريف بكتمر، فأطاع بدر بن سلام، ولبس الخلعة، وتوجّه صحبتهما إلى قريب القاهرة، فتخيّل من برقوق

стр. 879

وهرب من هناك، ومضى إلى حال سبيله. فقوبت الإشاعة بأنّ الأمير خليل بن عرام هو الذى أرسل خيّله حتى هرب، ولم يقابل الأتابكى برقوق، فطلب ابن عرام إلى القاهرة، فحضر واعتذر إلى برقوق عما أشيع عنه، وقدّم للأتابكى برقوق تقدمة حفلة، فأخلع عليه وأعيد إلى الإسكندرية على حاله. فلما حصلت هذه النصرة للعسكر، قصدوا التوجّه إلى القاهرة، فعدّى (١) العسكر والأمراء من برّ الجيزة إلى برّ مصر، وطلعوا من على الصليبة، وقدّامهم الأسرى من العرب، وهم فى زناجير، والنساء فى حبال، وهم مشاة، وأولادهم (٢) الصغار على رقابهم، فكان يوم دخلوهم يوما مشهودا، فخرجت البنت فى خدرها بسبب الفرجة عليهم؛ فلما طلعوا إلى القلعة، وعرضوا على السلطان، فوسّط منهم جماعة، وسجن الباقون بالحبوس، والنساء بالحجرة. وكانت هذه الواقعة من أغرب الوقائع، وفيها يقول القيم خلف الأديب الغبارى، ﵀، هذا الرجل: باسم ربّ السما ابتدى … فارج الهمّ والكرب ونعيد للّذى حضر … قصّة الترك والعرب جا الخبر يوم الأربعا … بأنّ فى ليلة الأحد جا دمنهور عرب خدوا … سوقها وأخربوا البلد وابن سلام أميرهم … هو الذى للجميع حشد فبرز أيتمش سريع … بمماليك وروس نوب وعدد مالها عدد … وبطلبوا لهم طلب والأمرا المعيّنين … كل واحد بجيش بدا عدّ بعد الصلاه وراح … وغدا قصد للعدا

стр. 880

فى المعادى رأيت لهم … يوم زحام طايش نقول غدا لتروجا تروّحوا … واستراحوا من التعب ونصب كل حد خيام … ولصيد العدا انتصب حضروا ما التقوا أحد … من جميع العرب حضر وابن عرّام أتا لهم … بعتوه يكشف الخبر ما عرف للعرب طريق … بعد وجا عبدو فى الأثر ولأيتمش حدّثو الصحيح … قام سريع أيتمش ركب ما ترك ترك فى الوطاق … والخيام حيل قد نصب راحت الترك من مكان … وأتا بدر من مكان واتفرعن وجا الوطاق … ولهم قال أنا فلان ولموسى بن خضر صاح … مات بطعنا من السّنان ورأى الترك داركوه … فى طلوع النّهار هرب شحتوا أيتمش سريع … ورقاب من معوا ضرب واقعة حرب ذى العرب … لا غنا مالها نبا بدر فى الليل بعاديات … جا البلد والنّسا سبا طلبوا النصر جالهم … مالهم فى القصص سبا فى القتال كان لهم نهار … لو تراه ساعة اقترب يوم قياما وكم عرب … جاثيه فيه على الركب جسّ ذى النوب بالسماع … قد فهمنا من الأصول ضرب موصول بمخ طار … هزّ عود دقّت الطبول فى الخروج تابت العرب … فازت الترك بالدخول والسهام شبّبت على … جسّ الأوتار بلا قصب غنّت البيض على الخوذ … رقّصوا الخيل من الطرب وابن سلام مع الأجل … فاز بنفسو على فرس
следующие страницы →