وفيه جاءت الأخبار بوفاة القاضي بهاء الدين بن قدامة الحنبلي، وكانت تولى قضاء مصر، فأقام بها مدة يسيرة وعزل عنها، ثم قرر في قضاء الحنابلة بدمشق فخرج إليه ومات في أثناء الطريق.
وفيه قلع السلطان الصوف، ولبس البياض، وذلك في حادي عشرين بشنس القبطي، ثم ابتدأ بضرب الكرة.
وفيه دخلت خماسين النصارى والطعن عمال، وقد فتك في الناس فتكا ذريعا وأفنى من المماليك والعبيد والجوار والأطفال والغرباء ما لا يحصى، وفي هذه الواقعة يقول شيخنا جلال الدين الأسيوطي من أبيات:
يا رب بالهادي النبي المجتبى … أغمد عن الإسلام أسياف الوبا
يا رب لا نشكو إليم عذابه … إلا إليك فقد أخاف وأرعبا
كم حل في دار فبدد شمل من … فيها فلا يجدون منه مهربا
يا رب لطفا بالعباد فما لهم … رب سواك يقيهم المستصعبا
إنا اعترفنا بالذنوب فكلنا … عاص مسيء للعذاب استوجبا
لكن إذا قرنت عظيم ذنوبنا … بعظيم عفوك كان عفوك أغلبا
إن كان لا يرجوك إلا محسن … في العالمين فمن يجير المذنبا
وقد خرجت هذه السنة عن الناس وهم في أمر مريب بما وقع فيها من الفناء والغلاء وفساد العربان بالشرقية والغربية حتى بأرض الحجاز، والأمر إلى الله تعالى.
سنة إحدى عشرة وتسعمائة (١٥٠٥ - ١٥٠٦ م):
فيها، في المحرم، اهتم السلطان بإصلاح بناء الدهيشة، وسد البحرة التي كانت بها، وفرش أرضها بالرخام الملون، وصارت مدهشة للناظرين، ولكن حصل منه الضرر
стр. 1017
الشامل، وذلك أنه رسم بفك رخام قاعات كاتب السر أبو بكر بن مزهر ونقله إلى الدهيشة، وجددها من سقوفها وأبوابها وما بها من المعالم قاطبة.
وفيه في ثامنه، حضر هجان من الحجاز وأخبر أن المبشر معوق عند العرب، وأخبر بوفاة مختص الطواشي، وكان من أعيان الخدام رئيسا حشما جميل الهيئة، وهو الذي بنى أساس جامع السلطان الذي بالشرابشيين، وكان عمره أولا لنفسه، ثم أخذه منه السلطان، وزاد في اتساعه كما تقدم ذكر ذلك.
ومن الحوادث أنه في يوم عاشوراء سقط ربع من داخل المشهد الحسيني، فمات في ذلك اليوم تحت الردم نحو من عشرين إنسانا من رجال ونساء.
وفيه أنعم السلطان على تاني بك النجمي بتقدمة ألف وبقي من جملة الأمراء المقدمين.
وفيه خلع السلطان على تمرباي خازندار العادل طومان باي، وقرر في الأستادارية الكبرى، عوضا عن تغري بردي بن يلباي بحكم صرفه عنها.
وفيه أخذ قاع النيل وجاءت القاعدة سبع أذرع، وكانت الزيادة في أول يوم من المناداة خمس أصابع.
وفي الرابع والعشرين منه دخل الحاج إلى القاهرة وقد قاسى في هذه السنة مشقة زائدة من موت الجمال والعطش وفساد العربان.
*****
وفي صفر تغير خاطر السلطان على الأمير محسن الخازن الطواشي الحبشي، فرسم بنفيه إلى سواكن، ورسم بنفي جوهر الشمس شاد الحوش فنفاه إلى مكة، وكان سبب ذلك أنه غفل عن أرزمك الذي تسحب من العرقانة.
وفيه خلع السلطان على سرور الزيني، وقرره في شادية الحوش - عوضا عن جوهر الشمسي - بحكم نفيه إلى مكة.
وفيه خلع السلطان على شخص من الأمراء العشراوات يقال له: أزبك الصوفي، وقرره في نيابة القدس - عوضا عن ملاج - بحكم صرفه عنها.
وفيه أذن السلطان لحريمه أن يصعدن إلى القلعة، وكان في هذه المدة لم تصعد خوند زوجة السلطان إلى القلعة، وكانت مقيمة ببيت الأمير ماماي الذي بين القصرين. فكان يوم صعودها إلى القلعة يوما مشهودا فصعدت إلى القلعة في محفة زركش وكان لها موكب حافل. فلما صعدت إلى القلعة حملت على رأسها القبة والطير، ونثرت عليها خفائف الذهب والفضة، وفرشت لها الشقق الحرير من باب الستارة إلى قاعة العواميد، ومشت
стр. 1018
قدامها الخوندات حتى جلست على المرتبة، وكان السلطان في هذه المدة جدد عمارة قاعة العواميد وزخرفها بخلاف ما كانت عليه أولا.
*****
وفي ربيع الأول - في يوم السبت ثانيه - كان وفاء النيل المبارك، وقد وافق ذلك تاسع مسري، فتوجه الأتابكي قرقماس، وفتح السد على العادة، وكان يوما مشهودا، وقد أوفي وزاد عن الوفاء ثلاث أصابع، وكان نيلا عظيما كما يقال:
ذا النيل ما يبرح في سعده … وحاله الماشي حالا
يجري لنا ماض ومستقبلا … لا أوقف الله له حالا
وكان من مبتدأ زيادته إلى هبوطه لم يتوقف يوما واحدا.
وفي يوم الاثنين رابعه حضر إلى الأبواب الشريفة، سيباي نائب حلب، الذي كان قد أظهر العصيان بسبب واقعة قيت الرحبي، فلما جرى له ما جرى ونفي أرسل سيباي يطلب من السلطان الأمان، فأرسل له منديل الأمان، ورسم له بالحضور إلى القاهرة، فلما طلع بين يدي السلطان، حمل تحت إبطه ثوبا بعلبكيا، وفكك أزراره كما فعل قانصوه خمسمائة لما قابل الأشرف قايتباي، فلما قابل السلطان، خلع عليه كاملية مخمل أحمر بسمور، ونزل من القلعة في موكب حافل.
وفيه عمل السلطان المولد النبوي على العادة وكان حافلا.
وفيه خسف جرم القمر خسوفا فاحشا واستمر في الخسوف إلى آخر الليل.
وفي حادي عشرينه عمل السلطان الموكب، وخلع على سيباي نائب حلب، وقرره في أمرة السلاحة، عوضا عن قرقماس بن ولي الدين بحكم انتقاله إلى الأتابكية.
وفيه خلع السلطان على أيدكي والي قطيا، وقرره في نيابة القدس عوضا عن أزبك الصوفي، ونقل أزبك الصوفي إلى نيابة غزة عوضا عن ملاج الذي كان نائب القدس، وسجن ملاج.
وفي يوم الجمعة ثامن عشرينه توفي الأمير تغري بردي بن يلباي المعروف بالقادري أمير أستادار العالية، فلما مات دفن بجوار الإمام الشافعي ﵁ بتربته التي أنشأها هناك، وكان أميرا جليلا دينا خيرا رئيسا حشما، وكان من جملة الأمراء
стр. 1019
العشراوات، وولي الأستادارية الكبرى غير ما مرة، وأقام بها مدة طويلة، وكان ينتج بالسداد والناس عنه راضية، وكان أقل ظلما من غيره من الأستادارية وكان لا بأس به.
*****
وفي ربيع الآخر خلع السلطان على شخص من الأمراء العشراوات يقال له: قايتباي من طوبرزه، وقرره في نيابة الكرك فخرج إليها عن قريب.
وفيه عرض السلطان العسكر وعين ثلاث تجاريد، واحدة إلى مكة بسبب يحيى بن سبع أمير الينبع، وواحدة إلى الكرك بسبب فساد عربان بني لام، وواحدة إلى الهند بسبب تعبث الفرنج بسواحل الهند، فعين في ذلك اليوم جماعة كثيرة من العسكر وأخذوا في أسباب عمل اليرق.
وفيه خلع السلطان على القاضي إبراهيم الشرابيشي، المعروف بابن البابا، مباشر الأتابكي قيت الرحبي، وقرره متحدثا على أوقاف الزمامية وناظر الذخيرة، وغير ذلك من الجهات السلطانية، عوضا عن شهاب الدين المرقبي بحكم صرفه عنها.
وفيه استعفى الأمير تمر باي خازندار العادل من الأستادارية، فأعفاه السلطان منها ولم ينتج بالسداد فيها.
*****
وفي جمادى الأولى - في يوم مستهله - خلع السلطان على القاضي شرف الدين يونس النابلسي ناظر الديوان المفرد وقرره في الأستادارية الكبرى عوضا عن الأمير تمرباي بحكم انفصاله عنها، وهذه الوظيفة لم يلها متعمم من بعد القاضي تاج الدين بن المقسي، لما جمع بين نظارة الخاص والأستادارية في سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة في دولة الأشرف قايتباي، سوى شرف الدين يونس النابلسي ناظر الديوان المفرد.
وفيه ثبت النيل المبارك على إحدى عشرة أصبعا من عشرين ذراعا، واستمر في ثبات إلى آخر بابه وكان نيلا مباركا.
وفي يوم الخميس تاسع هذا الشهر كانت وفاة شيخنا الحافظ العلامة جلال الدين الأسيوطي. وهو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن الهمام الخيضري الأسيوطي الشافعي. وكان عالما فاضلا، بارعا في الحديث الشريف، وغير ذلك من العلوم. وكان كثير الاطلاع، نادرة في عصره، بقية السلف، وعمدة الخلف، وبلغت عدة مصنفاته نحوا من ستمائة تأليف، وكان في درجة المجتهدين في العلم والعمل، وكانت مدة حياته نحوا من اثنتين وستين سنة
стр. 1020
وأشهر، وكان مولده في جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وثمانمائة، ولما مات دفن بجوار خانقة قوصون، التي هي خارج باب القرافة، قيل لما غسل أخذ الغاسل قميصه، وقبعه، فاشترى بعض الناس قميصه من الغاسل بخمسة دنانير للتبرك به وابتاع قبعه الذي كان على رأسه بثلاثة دنانير للتبرك به، ولما مات رثاه شيخنا عبد الباسط بن خليل الحنفي بهذه الأبيات وهو قوله:
مات جلال الدين غوث الورى … مجتهد العصر إمام الوجود
وحافظ السنة مهدي المهدى … ومرشد الضال لنفع يعود
فيا عيون انهملي بعده … ويا قلوب انفطري بالوقود
واظلمي دنياي إذ حق ذا … بل حق أن ترعد فيك الرعود
وحق للضوء بأن ينطفي … وحق للقائم فيك القعود
وحق للنور بأن يختفي … ولليالي البيض أن تبق سود
وحق للناس بأن يحزنوا … بل حق أن كلا بنفس يجود
وحق للأجبال خرا وأن … تطوى السماء طبا كيوم الوعود
وأن يغور الماء والأرض أن … تميد إذ عم المصاب الوجود
مصيبة جلت فحلت بنا … وأورثت نار اشتعال الكبود
صبرنا الله عليها وأو … لاه نعيما حل دار الخلود
وعمه منه بوبل الرضا … والغيث بالرحمة بين اللحود
وفيه مالت مأذنة جامع السلطان الذي أنشأه بالشرابشيين. فلما تشققت وآلت إلى السقوط رسم بهدمها، وقد ثقلت من علوها كون أنها بأربعة رؤوس، فلما هدمت أعيدت على الصحة، وقد بنى علوها بالطوب وصنعوا عليه قاشاني أزرق. وقد تقدم مثل هذه الواقعة للمؤيد شيخ، فلما بنى جامعه الذي هو داخل باب زويلة مالت مأذنته الشرقية عند انتهاء العمل منها فأمر بهدمها، فهدمت وأعيدت على ما كانت عليه وذلك في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة.
*****
وفي جمادى الآخر - في يوم مستهله - أنفق السلطان على من تعين من العسكر صحبة التجريدة المعينة إلى بلاد الهند، فأعطى لكل مملوك عشرين دينارا وصرف لهم جامكية أربعة أشهر معجلا وكذلك العليق، فكان جملة ما صرف لهم نحوا من خمسين دينارا لكل شخص، وكان العسكر الذي خرج في هذه التجريدة ملفقا ما بين أولاد ناس،
стр. 1021
وبعض مماليك سلطانية، والغالب فيهم مغاربة وعبيد سود رماة وتراكمة وغير ذلك، وأرسل السلطان صحبتهم جماعة كثيرة من البنائين والنجارين والفعلاء، بسبب تلك الأبراج التي أنشأها السلطان في جدة وإنشاء السور.
وفي يوم الخميس ثانيه، كانت وفاة قاضي القضاة الشافعي شهاب الدين أحمد المعروف بابن فرفور الدمشقي، وكان عالما فاضلا، رئيسا حشما، في سعة من المال، ذا شهامة وعظمة، وقد جمع بين قضاء الشافعية بمصر والشام وهذا لم يتفق لأحد قبله من القضاة، ولما توفي الشهاب بن فرفور رسم السلطان لقاضي القضاة الحنفي سري الدين عبد البر بن الشحنة، بأن يخطب به ويصلي صلاة الجمعة بالقلعة إلى أن يلي قاض شافعي.
فلما كان يوم الجمعة خرج عبد البر وخطب بالسلطان وهو لابس السواد، فصعد المنبر وخطب خطبة مختصرة.
وفي يوم الاثنين سادسه، خرجت تلك التجريدة المعينة إلى بلاد الهند، وكان لها يوم مشهود، فكان باش المماليك الذين توجهوا في المراكب إلى جدة، والتركمان والعبيد الذين بها، حسين المشرف، وباش المغاربة الذين بها، الخواجا نور الدين علي المسلاتي المغربي، فلما خرجوا توجهوا إلى نحو السويس ونزلوا من هناك في مراكب إلى جدة، وقد جهز لهم السلطان عدة مراكب مشحونة بالزاد والسلاح وغير ذلك.
وفيه كانت وفاة الشيخ الصالح سيدي محمد المغربي الشاذلي رحمة الله عليه، وكان من مشاهير الأولياء.
وفي يوم الخميس تاسعه خلع السلطان على الشيخ ولي الدين محمد ولد قاضي القضاة شهاب الدين بن فرفور وقرره في قضاء الشافعية بدمشق عوضا عن أبيه بحكم وفاته، وكان شابا لم يلتح بعد.
وفي يوم الجمعة رسم السلطان لقاضي القضاة عبد البر بن الشحنة بأن يخطب به ويصلي الجمعة كما فعل في الجمعة الماضية.
وفيه قلع السلطان البياض، ولبس الصوف، ووافق ذلك حادي عشر هاتور القبطي.
وفي يوم الخميس سادس عشره خلع السلطان على الشيخ جمال الدين القلقشندي وقرره في قضاء الشافعية بمصر عوضا عن شهاب الدين بن فرفور بحكم وفاته.
ومن الحوادث في هذا الشهر، أن شخصا من الأمراء العشراوات، يقال له: مغلباي المقترع، قتله عبده تحت الليل، فلما بلغ السلطان ذلك، شنق العبد على باب سيده في مكان قتله به.
стр. 1022
وفي سلخ هذا الشخر خلع السلطان على أقباي كاشف الشرقية، وقرره في نيابة غزة، عوضا عن أزبك الصوفي الذي كان بها وصرف عنها.
*****
وفي رجب - في يوم مستهله - كانت وفاة الناصري محمد بن الأتابكي أزبك بن ططخ، وكان شابا رئيسا حشما، أصيلا عريقا، سبط الملك الظاهر جقمق، وأمه خوند بنت البارزي، ابنة الظاهر جقمق، وكان من جملة الأمراء العشراوات. وكان لا بأس به.
وفي يوم الخميس رابعه خلع السلطان على شخص يقال له: أقطوه، وقرره في كشف الشرقية، عوضا عن أقباي بحكم انتقاله إلى نيابة غزة.
وفي يوم الأحد سابعه جلس السلطان بالميدان وعرضوا عليه أبقار الجراريف وأبقار الدواليب، فلما عرضوا على السلطان، ورجعوا، نهب صبيان الخولة عدد دكاكين من باب النصر إلى باب زويلة. وكادت القاهرة أن تخرب في ذلك اليوم عن آخرها فضح أصحاب البضائع واستغاثوا وطلعوا إلى السلطان وقد نهب لهم بضائع وقماش، نحو من خمسمائة دينار، فلما بلغ السلطان ذلك تشوش إلى الغاية، ووبخ الجمالي يوسف بن أبي أصبع - وكان هو المتحدث على تلك الجهات - وألزمه بإحضار من فعل ذلك من صبيان المرابعين، فنزل الزيني بركات بن موسى ويوسف بن أبي أصبع ليحررا ما نهب للناس، ويرضياهم في بضائعهم حسبما رسم السلطان بذلك، فلما نزل ابن موسى ويوسف بن أبي أصبع قبضا على جماعة ممن فعل ذلك، فرسم السلطان بشنق أربعة أنفس منهم وضرب جماعة منهم بالمقارع، وكانت هذه الواقعة من أشنع الوقائع.
وفيه خرج الأمير قايتباي الرمضاني، الذي ولي نيابة الكرك، إلى محل ولايته وخرج صحبته العسكر المعين إلى الكرك بسبب فساد عربان بني لام.
*****
وفي شعبان جاءت الأخبار بوفاة نائب صفد الأمير قانصوه قرا، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباي، وكان لا بأس به.
وفيه عرض السلطان المحابيس فأطلق منهم جماعة، وأبقى أصحاب الجرائم والفلاحين.
وفيه خرج الأمير أقباي كاشف الشرقية الذي قرر في نيابة غزة إلى محل ولايته بها.
وفيه خلع السلطان على الأمير خاير بك كاشف الغربية أحد الأمراء المقدمين وقرره أمير حاج يركب المحمل، وقرر قنبك رأس نوبة ثاني بالركب الأول، ولم يتم ذلك وبطل.
стр. 1023
وفيه خلع السلطان على شخص من الأمراء الطبلخانات يقال له قاني باي العثماني، وقرره في نيابة صفد - عوضا عن قانصوه قرا - بحكم وفاته.
وفيه حضر شخص من فقراء الصعيد يقال له: مهدي، فلما مثل بين يدي السلطان قامت عليه البينة بأنه زنديق ساحر يتوضأ باللين ويستنجي به، وذكروا عنه أشياء كثيرة من هذا النمط تخالف الشريعة، فأرسله السلطان إلى قاضي القضاة المالكي، فحكم بكفره، بموجب ما قامت به عليه البينة، وضرب عنقه تحت شباك المدرسة الصالحية، بعد أن أشهروه على جمل وهو عريان.
وفيه كان دخول الأمير طراباي رأس نوبة النوب، على أخت خوند الخاصبكية وهي زوجة الأمير اقبردي الدوادار، فكان لهما مهم حافل. وفيه خرج قاني باي العثماني الذي قرر في نيابة صفد إلى محل ولايته بها.
وفيه وقعت نادرة لطيفة وهي أن الشيخ جمال الدين السلموني الشاعر، هجا القاضي معين الدين ابن شمس، وكيل بيت المال هجوا فاحشا، فمن جملة ذلك هذا البيت:
وحرفته فاقت على كل حرفة … يركب ياقوتا على فص خاتمه
فلما بلغ معين الدين ذلك، شكا السلموني إلى السلطان، فقال له إن وجب عليه شيء بالشرع أدبه، فنزل ووضع السلموني في الحديد، وأتى به إلى بيت قاضي القضاة الحنفي عبد البر بن الشحنة، وادعى عليه، فضربه عبد البر وعزره وأشهره على حمار وهو مكشوف الرأس. وقد ورد في بعض الأخبار أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أول من عاقب على الهجاء، وقد قال بعض شعراء العصر في واقعة السلموني بيتين هما:
وشاعر قد هجا شخصا فحل به … من حاكم الشرع توبيخ وتعزير
فأشهروه وجازوه بفعلته … تبا له شاعر بالهجو مشهور
فلما بلغ السلطان ما فعله معين الدين بن شمس بالسملوني، شق ذلك عليه ووكل به وأمر بقطع لسانه، فإنه قال السلطان رسم لي بأن أشهر السلموني، ولم يكن السلطان رسم بشيء من ذلك، واستمر ابن شمس في الترسيم مدة طويلة حتى تراضى السلطان بمال له صورة، حتى رضي عليه وألبسه خلعة.
*****
стр. 1024
وفي رمضان تغير خاطر السلطان على شخص من الأتراك، يقال له الشيخ سنطباي، وكان يدعي التصوف، وكان مقيما بالمدرسة السنقرية التي تجاه خانقة سعيد السعداء، فوشي به عند السلطان أنه يضرب الدراهم والدنانير الزغل، فأرسل قبض عليه، فوجد عنده عدة ضرب الزغل، وكان عنده جماعة يفعلون ذلك، فأمر السلطان بقطع أيديهم، وأما الشيخ سنطباي فشفع فيه الأتابكي قرقماس من قطع اليد، فرسم له السلطان بأن يتوجه إلى القدس ويقيم به بطالا. وكان الشيخ سنطباي أصله من مماليك الأشرف قايتباي، وكان يدعي الصلاح فانكشف رخه وظهر للناس أمره، وقد قال فيه القائل:
يا من بضرب الفلس صار مشتغل … وما رأيناه قط يضرب ذهب
إلا بطول الدهر ضراب فلوس … ولحد ضرب الفلس عقله ذهب
وفيه جاء شخص من بلاد جركس وهو صبي صغير زعموا أنه أخو السلطان، وكذلك حضر آخر زعموا أنه أخو الأمير أزدمر الدوادار فأنزلوهما بالطبقة.
وفيه كان ختم قراءة صحيح البخاري، وكان الختم بالحوش السلطاني، وقد نصبت هناك خيمة كبيرة، وكانت العادة القديمة بأن البخاري يقرأ بالقصر، ويختم بالقصر الكبير، ويكون له يوم مشهود، وتفرق هناك الخلع على القضاة ومشايخ العلم وكذلك الصرر، فبطل ذلك وصار البخاري يقرأ بجامع القلعة، ويختم بالحوش، فتكون ساعة يسيرة، ثم ينفض ذلك المجلس عن أمر هين.
*****
وفي شوال كان موكب العيد حافلا وفرقت الخلع على الأمراء ونزلوا إلى دورهم، وكان يوما مشهودا.
وفيه جاءت الأخبار من دمشق، بأن أهل المدينة ثاروا على نائبها أركماس بن طراباي، ورجموه وأخرجوه من المدينة، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل بالحضور إلى أركماس نائب الشام، وعين نيابة الشام إلى سيباي أمير سلاح. ثم أن السلطان قبل أن يخلع عليه، رسم له بأن يتوجه إلى بيت الأمير أزدمر الدوادار، وأن يحضر الخليفة المستمسك بالله يعقوب، والقضاة الأربعة، ويحلفوه بحضرتهم. فلما تكامل المجلس أحضروا سيباي وحلفوه على مصحف شريف، وكتبوا عليه صورة حلف بأنه لا يعصي على السلطان، ولا يخامر ولا يخون الأيمان، وشهد عليه الخليفة والقضاة الأربعة بذلك.
стр. 1025
ثم في يوم الخميس سابع عشره خلع السلطان على سيباي وقرره في نيابة الشام عوضا عن أركماس الذي كان بها، فنزل من القلعة في موكب حافل.
وفيه جاءت الأخبار من مكة بأن الأحوال فاسدة، وأن عربان بني إبراهيم قد التفوا على يحيى بن سبع أمير الينبع، ومالك بن رومي أمير خليص، وقد اشتد الأمر في ذلك جدا، فلما تحقق السلطان ذلك أمر بإبطال التوجه إلى الحجاز في هذه السنة من مصر والشام وسائر الأعمال قاطبة وكانت هذه الواقعة من أعظم المصائب والثلم في الدين. وقد حضر الركب التكروري والركب المغربي ولم يحج منهم أحد في تلك السنة، ثم أن السلطان أرسل كسوة الكعبة الشريفة، وصرر الحرمين، والزيت، من البحر المالح في مراكب من الطور، ويتوجهون من هناك إلى جدة.
ثم أن السلطان عزل يحيى بن سبع عن أمرة الينبع وولي بها شخصا من أولاد دراج الذي كان أمير الينبع قبل ذلك، ولم يسمع من مبتدأ دولة الأتراك والي الآن، بأن الحجاج امتنع خروجهم إلى مكة سوى هذه السنة، وهي سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وقد تقدم ما وقع من الجازاني في حق الحجاج بالركب الشامي والعراقي والمصري، وما صنع بالمجاورين بمكة في سنة ثمان وتسعمائة، وقد تقدم القول على ذلك.
وقد جرى على الناس من الحوادث القديمة ما هو أعظم من ذلك، وهو أن في سنة ثماني عشرة وثلثمائة، في دولة الخليفة القاهر بالله أبي منصور محمد بن الخليفة المعتضد بالله العباسي، خليفة بغداد، لما تغلبت على الخلفاء طائفة من العربان يقال لهم: القرامطة، وكان أميرهم شخصا يسمى أبو ظاهر القرمطي، وكان يدعي أنه علوي. من أولاد الإمام علي ﵁، وكان يقول: نحن أفضل من بني العباس، وكانت هذه القبيلة دون الألف إنسان، وكان أبو ظاهر القرمطي خارجيا سفاكا للدماء جاهلا، وكانت قبيلة هذه القرامطة يسكنون بهجر، فلما خرج ركب الحاج من بغداد، وكان أمير الركب يسمى منصور الديلمي، فلما وصل بالحاج إلى مكة، وأقام بها إلى يوم الصعود، هجم عليهم أبو ظاهر القرمطي بمن معه من العربان، فقتل محارب أمير مكة، وقتل منصور الديلمي أمير الركب، ونهب جميع الأموال التي بمكة، وقتل الحجاج عن آخرهم، وأسر النساء والصبيان الصغار، فكان عدة من قتل في هذه الحركة نحوا من خمسة وثلاثين ألف إنسان، وطرح غالب القتلاء ببئر زمزم حتى امتلأت بالقتلاء ثم دخل إلى البيت الشريف وأخذ ما كان فيه من القناديل الذهب والفضة، وقلع باب الكعبة الشريفة، وقلع الحجر الأسود وعرى الكعبة ونزع الكسوة عنها، وكانت هذه الحادثة من أجل المصائب وأعظمها.
стр. 1026
ثم أن أبا ظاهر القرمطي نقل ما نهبه من الأموال وغيرها إلى هجر، واستمر الحج منقطعا من بغداد وغيرها من البلاد نحوا من عشرين سنة لم يحج فيها إلى البيت أحد.
فلما كانت خلافة الراضي بالله أحمد بن المقتدر، مشى أبو علي بن يحيى العلوي بين طائفة هذه القرامطة وبين الخليفة بالصلح، حتى أذنوا للناس بالحج، وجعلوا على الحجاج في كل سنة نحوا من خمسين ألف دينار تعطى حتى يمكنوهم من الدخول إلى مكة، وهذا أول مكس أخذ على الحجاج من يومئذ، وكان ذلك في سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة. وقيل إن أبا علي بن يحيى العلوي تلطف بالقرامطة حتى ردوا الحجر الأسود وباب الكعبة إلى مكانهما بعد جهد كبير. أورد ذلك ابن الجوزي، انتهى ما أوردناه من هذه الواقعة، ومن هنا نرجع إلى أخبار دولة الغوري.
*****
وفي ذي القعدة، ركب القاضي كاتب السر محمود بن أجا، وطلع إلى القلعة، وكان له مدة طويلة وهو منقطع في داره بسبب توعك جسده حتى شفي، فلما طلع إلى القلعة، خلع عليه السلطان ونزل من القلعة في موكب حافل، وقدامه القضاة الأربعة وأعيان المباشرين قاطبة.
وفيه جاءت الأخبار بوصول الأمير جانم المصبغة، الذي كان حاجب الحجاب بمصر، وخرج مع الأمير أقبردي الدوادار لما انكسر، فلما مات أقبردي أقام جانم هذا بدمشق، وقد نسي أمره مدة طويلة، فشفع فيه بعض الأمراء، فرسم السلطان بإحضاره إلى القاهرة، فلما وصل إلى غزة مرض واستمر عليلا حتى دخل خانقة سرياقوس، فمات بها ولم يدخل إلى القاهرة، فلما مات هناك حملت جثته ودفن بالصحراء. وكان أميرا جليلا، رئيسا حشما، وولي عدة نيابات سنية ثم بقي حاجب الحجاب بمصر، وكان من حلف أقبردي الدوادار، وجرى عليه شدائد ومحن، وفاته القتل مرارا عديدة، وكان من خيار مماليك الأشرف قايتباي.
وفيه سافر تغري بردي الترجمان إلى نحو بلاد الفرنج، وأخذ معه كتاب البترك، وكان قد تزايد تعبث الفرنج بالسواحل وأخذ أموال التجار.
وفي يوم الخميس ثاني عشرينه، خلع السلطان على قاضي القضاة الشافعي، محيي الدين عبد القادر بن النقيب، وأعاده إلى قضاء الشافعية - عوضا عن جمال الدين القلقشندي - بحكم صرفه عنها، فكانت مدة جمال الدين القلقشندي في القضاء نحوا من ستة أشهر، وقد سعى فيها بثلاثة آلاف دينار، ثم سعى عليه ابن النقيب بخمسة آلاف
стр. 1027
دينار، وغرم نحوا من ألفي دينار للذي سعى له من الأمراء وغيرهم، وكان الساعي له الأمير أزدمر الدوادار وغيره من خواص السلطان، وهذه ثالث ولاية وقعت لابن النقيب بمصر، وقد نفد منه مال له صورة على ولاية القضاء، ولم يقم بها في الثلاث مرات إلا مددا يسيرة ويعزل عنها، فكان كما يقال في المعنى:
يفنى البخيل بجمع المال مدته … وللحوادث والأيام ما يدع
كدودة القز ما تبنيه تهدمه … وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
وكان غير مشكور السيرة، رث الهيئة، يجافي النفس، يزدريه كل من يراه، وقد قال فيه بعض شعراء العصر مداعبة لطيفة، وهو قوله:
قاض إذا انفصل الخصمان ردهما … إلى جدال بحكم غير منفصل
يبدي الزهادة في الدنيا وزخرفها … جهرا ويقبل سرا بعرة الجمل
وقال آخر وقد أفحش في حقه جدا، فلا حول ولا قوة إلا بالله وأنا أستغفر الله تعالى من ذلك:
يا أيها الناس قفوا واسمعوا … صفات قاضينا التي تطرب
يلوط. يزني. ينتشي. يرتشي … ينم. يقضي بالهوى. يكذب
وفي هذا الشهر كثر الحريق بالقاهرة، وصار في كل ليلة يحترق عدة أماكن، بسبب الدريس، الذي يكون ببيوت الأتراك، وكانت المماليك أكثرت من خزن الدريس في هذه السنة، وصارت المماليك يمسكون الناس من الطرقات غصبا، ويحبسونهم عندهم أياما بسبب نقل الدريس، وتعطلت أحوال الناس بسبب ذلك، حتى صنف العوام رقصة وهم يقولون:
اهرب يا تعيس … وإلا يحملوك الدريس
*****
وفي ذي الحجة - في يوم الخميس سابعه - خرج سيباي الذي قرر في نيابة الشام، فكان له يوم مشهود.
стр. 1028
وفيه، في ثامنه، حضر المقر السيفي أركماس الذي كان نائب الشام وانفصل عنها، فلما حضر وقابل السلطان أكرمه، وخلع عليه ورسم له بأن ينزل في الأزبكية، ويسكن في بيت الأتابكي أزبك.
وفيه بلغ السلطان أن طائفة من المماليك الذين توجهوا إلى الكرك، صحبة التجريدة، قد دخل منهم جماعة في الخفية إلى القاهرة من غير إذن السلطان، فصار يكبس عليهم، وحصل لهم الضرر الشامل من السلطان، ونادى لهم بأن يعودوا إلى الكرك، وإلا تقطع جوامكهم ويحصل عليهم ما لا خير فيه، فخرجوا من يومهم على وجوههم.
وفيه قلع السلطان الصوف، ولبس البياض، وذلك في ثالث عشر بشنس القبطي، ثم ابتدأ بضرب الكرة، وكانت الأمراء المقدمون جميعهم، حاضرة بمصر لم يكن منهم أحد غائبا في السفر، فكانت للسلطان في هذه السنة مواكب مشهودة حافلة، كما يقال في المعنى في ضرب الكرة:
يا حسنها كرة كالنجم سائرة … قد طال تردادها بين الجواكين
تفرق الهم إذا كانت مؤلفة … بين القلوب بآراء السلاطين
لجبرهم لقلوب الجند إذ لعبوا … مع الملوك وهم بعض المساكين
وفيها أنعم السلطان على قرابته الأمير طومان باي ابن أخيه بتقدمة ألف، مضافا لما بيده من شادية الشراب خاناه.
وفيه جاءت الأخبار من الشرقية بأنه وقعت هناك معركة مهولة بين شيخ العرب بيبرس بن بقر، وبين نجم شيخ العايد، فقتل في هذه المعركة جماعة كثيرة من العربان، واستمر الحرب ثائرا بين الفريقين. ودخل أقطوه الكاشف إلى القاهرة وهو مشحوت من العرب.
وفيه حضر شخص من أولاد علي دولات، أخي سوار، أمير التركمان وصحبته تقدمة حافلة للسلطان، فأكرمه وخلع عليه، ثم قرره في تقدمة ألف بحلب فيما بعد.
وقد وقع في هذا السنة الخصب والرخاء في سائر الغلال والبضائع … وكانت سنة هادئة من الفتن بين الأتراك، ولكن كان معظم الأمر فيها بطلان الحاج بسبب عصيان يحيى بن سبع أمير الينبع، ومالك بن رومي أمير خليص، ولم يبطل الحاج في هذه السنة كبير أمر أوجب ذلك، وإنما السلطان أهمل الأمور في أول الأمر حتى تزايدت الفتن بين
стр. 1029
قبيلة بني إبراهيم والتفوا على الجازاني، وجرى منهم ما تقدم ذكره، وغلب القضاء والقدر في هذا الأمر. والحكم لله فيما يريد.
سنة اثنتي عشرة وتسعمائة (١٥٠٦ - ١٥٠٧ م):
فيها - في المحرم - جاءت الأخبار من الكرك بأن أهل الكرك قد وثبوا على النائب الذي توجه إليها، فخرج منها هاربا وأتى إلى غزة، وسبب ذلك أن نائب الكرك لما تولى عليها أراد أن يظهر له حرمة، فشنق حاجب المدينة وأخاه وأولاده، فما طاق ذلك أهل الكرك ووثبوا عليه، فلما بلغ السلطان ذلك تغير خاطره على نائب الكرك، ورسم بنفيه إلى القدس بطالا.
وفيه كبا الفرس بالأمير طراباي رأس نوبة النوب وهو يضرب الكرة مع السلطان فانزعجت يده، ومات الفرس الذي كان تحته، فأنعم السلطان عليه بفرس غيرها.
وفيه، في يوم عاشوراء، أمر السلطان بأن تجمع الفقراء والحرافيش عند سلم المدرج، فاجتمع هناك الجم الغفير من الفقراء والحرافيش، ونزل السلطان بنفسه، ووقف وهو راكب على فرسه تحت سلم المدرج، وصار يعطي لكل إنسان من الفقراء من رجل وامرأة، وكبير وصغير، أشرفيا ذهبا، فوقع الازدحام بين الفقراء، حتى قتل منهم في ذلك اليوم ثلاثة أنفار، من شدة ازدحامهم، فكان كما يقال في المعنى:
فيا له من عمل صالح … يرفعه الله إلى أسفل
وقيل إنه فرق في ذلك اليوم نحوا من ثلاثة آلاف دينار، فارتفعت الأصوات له بالدعاء، فلما رأى ازدحام الفقراء، لم ينزل مرة أخرى، ولم يفرق شيئا، وكان قصده يفرق على الفقراء مرة أخرى.
وفيه خلع السلطان على ملاج وأعاده إلى نيابة القدس، كما كان أولا، وأضاف إليه نيابة الكرك والتحدث على مدينة لد والرملة، وكان ملاج غير مشكور السيرة سيئ التدبير في أفعاله.
وفيه حضر نجاب من مكة، وأخبر أن طائفة بني إبراهيم قد دخلوا تحت طاعة أمير مكة، وتلاشى أمر يحيى بن سبع، فلم يثق السلطان بذلك.
وفي ثامن عشرينه طلع ابن أبي الرداد ببشارة النيل، وجاءت القاعدة سبع أذرع وعشر أصابع أرجح من النيل الماضي بعشر أصابع.
стр. 1030
وفي يوم سلخه خرج ملاج إلى محل نيابته بالقدس، وخرج صحبته المماليك الذين كانوا حضروا من الكرك بغير إذن كما تقدم.
*****
وفي صفر كان ختام ضرب الكرة، فجمع السلطان الأمراء، ومد لهم مدة حافلة، وأقاموا بالقلعة إلى بعد العصر.
وفيه أخرج السلطان له خرجا من المماليك، نحوا من أربعمائة مملوك، وأخرج لهم خيلا وقماشا، ولم يخرج من بعد الفصل خرجا سوى هذا، وصاروا يسمون الأشرفية الغورية.
وفيه حضر القضاة الأربعة ببيت الأمير أزدمر الدوادار بسبب عقد مجلس، فوقع في ذلك المجلس بعض تشاجر بين قاضي القضاة الشافعي محيي الدين عبد القادر بن النقيب، وبين قاضي القضاة الحنفي عبد البر بن الشحنة، فتفاوضا في الكلام حتى خرجا في ذلك عن الحد، فدخل بينهما الأمير أزدمر الدوادار حتى سكن الأمر بينهما قليلا، وسبب ذلك لأجل خزانة الكتب التي بالمدرسة المحمودية، وأمر هذا الواقعة قد اشتهر بين الناس.
وفيه جاءت الأخبار من مكة بأن حضر إلى مكة بسبب الحج جماعة كثيرة من اليمن والعراق، وغير ذلك من البلاد ووقفوا بالجبل، فتنكد السلطان بسبب ذلك لعدم خروج المحمل من القاهرة، ورأى ذلك في حقه نقصا بين ملوك اليمن وغيرها.
وفيه جاءت الأخبار من الينبع بأن التجريدة التي خرجت إلى الهند، بسبب تعبث الفرنج، لما وصلوا إلى الينبع اتقعوا مع يحيى بن سبع أمير الينبع فهرب من وجههم، وكانت الكسرة عليه وقتل من عربانه جماعة كثيرة، وأحرقوا الدور التي على ساحل البحر الملح التي ببندر الينبع، وخربوا غالب دكاكينه، وشتتوا العربان التي به. ثم جاءت الأخبار بأن العسكر لما وصل إلى جدة، شرع حسين باش العسكر وسنقر أحد الزردكاشية، وعلى المسلاتي المغربي في بناء أبراج على ساحل بندر جدة، وكان هذا عين الصواب، ومن أحسن المباني.
ثم جاءت الأخبار بأن العسكر لما وصل إلى سواكن ملوكها بالأمان واحتاطوا على ما فيها من بهار وغيره وشتتوا أهلها عنها، فانشرح السلطان لهذه الأخبار.
وفيه خلع السلطان على ابن علي دولات وأذن له بالسفر إلى أبيه، وعين معه شاد بك نائب المهمندار، وأرسل صحبته تقدمة حافلة إلى علي دولات.
стр. 1031
وفيه وقعت فتنة كبيرة بين الزعر في الرملة تحت القلعة، فلما بلغ الوالي ذلك ركب ومعه جماعة من المماليك وهم لابسون آلة السلاح، فاتقعوا معهم في وسط الرملة فقتل من الزعر في ذلك اليوم سبعة أنفار وانهزم الباقون.
من الحوادث أن جارية سوداء قتلت ستها وابن ستها وأخا ستها، فلما عرضت على السلطان رسم بقطع يدها وشهرت في القاهرة، ثم كلبت وعلقت عند خوخة المغازليين في مكان قتلت فيه ستها.
وفيه خلع السلطان على قانصوه روح لو، وأعيد إلى كشوفية الشرقية كما كان أولا، وقد اضطربت أحوال الجهات الشرقية إلى الغاية فخرج قانصوه المذكور، وصحبته جماعة كثيرة من العسكر، وكان السلطان قرر قانصوه هذا من جملة الأمراء المقدمين فعظم أمره جدا.
*****
وفي ربيع الأول طلع القضاة الأربعة إلى القلعة لأجل التهنئة بالشهر، فلما تكامل المجلس أصلح السلطان بين القاضي الشافعي عبد القادر بن النقيب، وبين القاضي الحنفي عبد البر بن الشحنة، وكان بينهما وحشة كما تقدم، فلما اصطلحا خلع السلطان عليهما ونزلا إلى دورهما.
وفيه جاءت الأخبار من الشرقية بأن العرب العصاة قطعوا جسر سنيت والحلفاية على الجرون حتى غرقت، وكان النيل قد أشرف على الوفاء، وحصل بسبب ذلك الضرر الشامل، وتوقف النيل عن الزيادة لأجل المقاطع التي قطعت عليه.
وفيه عمل السلطان المولد النبوي وكان حافلا.
وفي العشرين منه كان وفاء النيل المبارك، وقد أوفي في العشرين من مسري وكبر في الحادي والعشرين منها، فلما أوفي توجه الأتابكي قرقماس، وفتح السد على العادة، وكان يوما مشهودا.
ومن الحوادث في ذلك اليوم أن الأتابكي قرقماس، لما أراد أن يطلع من الحراقة، عند المقياس نثر خازنداره على رأسه خفائف الذهب والفضة، فتكاثرت عليه الناس، فجفل الفرس به فقلبه في البحر، فلاقته النواتية وطلعوا به في المركب، وقد انبل شاشه وقماشه حتى غيرهما، وتوجه إلى نحو المقياس وهو ماش، وقيل إن الفرس غرق، وطلعوا به وهو يعرج. وحصل للأتابكي قرقماس في ذلك اليوم مشقة زائدة بسبب ذلك.
стр. 1032
ومن الحوادث في هذا الشهر كان انتهاء العمل من الجامع الذي أنشأه الشيخ عبد القادر الدشطوطي، بجوار بركة الرطلي، على أرض الطبالة، وبركة القرع. فلما كمل خطب به الشيخ علاء الدين الأخميمي النقيب، واجتمع به في ذلك اليوم قضاة القضاة وأعيان الناس، وكان يوما مشهودا. ثم أن الشيخ عبد القادر أشار بفتح فم بركة القرع، حتى تدخلها المراكب مثل بركة الرطلي، ففتح لها مسرب من الخليج الحاكمي، من عند ديل التمساح، فلما كان يوم الجمعة دخل فيها المراكب وانطلقت لها ألسن النساء بالزغاريت، وكان يوما مشهودا، وعد ذلك من النوادر، وصارت المراكب تدخلها في كل سنة من يومئذ.
*****
وفي ربيع الآخر تغير خاطر السلطان على أربعة من الأمراء الطبلخانات، فقبض عليهم، وهم جان بردي تاجر المماليك، وقلج أمير آخور ثاني، وبيبردي أخو جان بلاط الذي تسلطن، وتنم المقري. فلما قبض عليهم قيدهم. وسبب ذلك أنه بلغ السلطان أن هؤلاء الأمراء كانوا قد اتفقوا على قتله لما ينزل إلى الميدان وقت الظهر، وقد أقر بعضهم على نفسه بصحة ما نقل عنهم، فلما تحقق السلطان ذلك قبض عليهم ورسم بنفيهم.
وفيه توفي القاضي شمس الدين محمد بن مزاحم الطرابلسي ناظر الإسطبل، وكان رئيسا حشما، وولي عدة وظائف سنية، لكنه كان غير مشكور السيرة، وعنده ظلم وعسف.
وفيه خلع السلطان على الأمير ماماي جوشن، وقرره كاشف الغربية، عوضا عن الأمير خاير بك بن أينال الذي كان بها، وقد تعين باش التجريدة إلى الحجاز.
وفيه وقع أن شخصا من الأتراك، يسمى ماماي الداودي، أبا الأمير أبي يزيد أحد المقدمين، ضرب شخصا من تجار الأروام بسبب مشترى بغل، فلما ضربه سال دمه، فطلع التاجر شكاه إلى السلطان، فرسم لنقيب الجيش بالقبض عليه، وأن ينفيه إلى الواح.
فلما قبض عليه نقيب الجيش هرب من عنده تلك الليلة، فحصل على نقيب الجيش ما لا خير فيه بسببه … فلما هرب ماماي المذكور، اختفى الأمير أبو يزيد بسبب ذلك، ثم أن ماماي توجه إلى الأتابكي قرقماس ليشفع فيه عند السلطان، فطلع به وقابل السلطان، فحط عليه وقصد ضربه ثم رسم بنفيه إلى الواح. وكان ماماي هذا من شرار المماليك، وكان مشدا على جهات المكوس بقطيا.
وفي هذا الشهر وقع الاضطراب بين الأمراء، وأشيع أمر الوثوب على السلطان بسبب الأمراء الذين رسم بنفيهم كما تقدم، وقد صمم على نفيهم لأمر أوجب ذلك.
стр. 1033
وفيه تغير خاطر السلطان على الزيني فرج الحاجب، ورسم بتسليمه إلى بركات بن موسى، وقرر عليه عشرة آلاف دينار، ثم آل أمره إلى أن حط عنه خمسة آلاف دينار، ويرد خمسة آلاف، فباع جميع قماشه ورزقه وما يملكه، وأقام مدة طويلة وهو في التنكيل به، وقاسى شدائد ومحنا عظيمة. وسبب ذلك أن أنصباي حاجب الحجاب أمره أن يحرس بعض الجسور في أيام النيل، فامتنع من ذلك، فطلع أنصباي وشكاه إلى السلطان، فجرى عليه ما جرى، وموجب هذا كله خسة نفسه وشحه أوجب ذلك، كما يقال:
ورب جار لنا شحيح … ليس له بالجميل عاده
أعظم شيء تراه منه … مساكم الله بالسعاده
وفيه جلس السلطان بالحوش، وأحضر المصحف العثماني، وحلف عليه سائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وموجب ذلك كثرة الإشاعات بأمر الوثوب على السلطان.
وفي ذلك اليوم خلع على الأمير نوروز أغات أزدمر الدوادار وقرره تاجر المماليك عوضا عن الأمير جان بردي المغضوب عليه.
وفيه خلع على بيبرس قريب السلطان، وقرر أمير آخور ثاني، عوضا عن قلج المغضوب عليه.
وفيه خلع السلطان على شمس الدين محمد بن فخر الدين، كاتب المماليك، وقرره في نظر الإسطبل عوضا عن ابن مزاحم بحكم وفاته.
وفيه رسم السلطان بإخراج هؤلاء الأمراء الذين قبض عليهم، فنفى بيبردي أخا الأشرف جان بلاط وتنم المقري إلى البلاد الشامية، فتسلمهما الوالي وهما في قيود، وتوجه بهما إلى الخانكاه، فرسم لأحدهما بالتوجه إلى طرابلس، والآخر إلى حلب. وأما جان بردي وقلج فاستمرا في البرج، وهما في قيود وزناجير حتى يكون من أمرهما ما يكون.
وفيه جاءت الأخبار من الكرك بأن عربان بني لام كسروا ملاج نائب القدس، وقتلوا من المماليك السلطانية الذين خرجوا معه في التجريدة جانبا كبيرا، فلما بلغ السلطان ذلك تنكد إلى الغاية، وكتب عدة مراسيم إلى نائب الشام، ونائب طرابلس، ونائب صفد، بأن يجمعوا العساكر ويزحفوا على العربان من بني لام.
وفي هذا الشهر تزايد فساد العربان بالشرقية والغربية، حتى أعيا الكشاف أمرهم، واضطربت الأحوال جدا.
وفيه توفي الصارمي إبراهيم بن جكم، وكان من أعيان أولاد الناس وكان لا بأس به.
وفيه كانت الأسعار مشتطة في سائر البضائع والغلال.
*****
стр. 1034
وفي جمادي الأولى تغير خاطر السلطان على القاضي فخر الدين بن العفيف كاتب المماليك، ورسم عليه أربعة من الخاصكية، وأقام مدة وهو في الترسيم، وقرر عليه مالا حتى يرده لما تقتضيه الآراء الشريفة في أمره.
وفي يوم الاثنين عاشره أنفق السلطان على العسكر المعين إلى تجريدة الحجاز، فأنفق لكل مملوك مائة دينار وسبعة أشرفية ثمن جمل، وقرر معهم بأن يكون السفر أول رجب، فشرعوا في عمل اليرق.
وفيه خلع السلطان على القاضي فخر الدين كاتب المماليك، وأعاده إلى وظيفته، بعد أن أورد نحوا من ألفي دينار وكسور.
وفيه ثبت النيل المبارك على تسع عشرة ذراعا وأصبعين من عشرين ذراعا، وهبط قبل دخول بابه وكان نيلا متوسطا.
وفيه عقد للأمير طومان باي قريب السلطان، على ابنة الأمير أقبردي الدوادار، وكان العقد بالقلعة وحضر القضاة الأربعة وسائر الأمراء وأعيان الناس، وكان الأمير طومان باي يومئذ في غاية العظمة، وقد جمع بين شادية الشرابخاناه وتقدمة ألف.
وفيه رسم السلطان بشنق شخص يسمى عمر - وكان مباشرا بالواح - فشنق على باب زويلة، وشنق معه شخص آخر يسمى الشيخ حسن، من مباشري الواح أيضا.
وفي أواخر هذا الشهر رسم السلطان بعقد مجلس في الميدان، فاجتمع هناك القضاة الأربعة، وذلك بسبب شخص يسمى شمس الدين بن أبي عبيد، وقصته مشهورة بين الناس، فوقع في ذلك المجلس بسببه بين القضاة ما لا خير فيه، وآل أمره بأن السلطان رسم بعزله عزلا مؤبدا، وانفصل المجلس على ذلك.
*****
وفي جمادى الآخرة قلع السلطان البياض ولبس الصوف، وقد خالف العادة فلبس الصوف في سادس عشرين بابه قبل دخول هاتور بأربعة أيام، ولم يكن الحال يقتضي ذلك ولا أفرط البرد في تلك الأيام، فعد ذلك من النوادر، ولم يعلم ما سبب ذلك.
وفيه وقعت نادرة غريبة، وهي أن شخصا من أبناء التجار، يقال له عمر بن عبد اللطيف، وكان والده من أعيان التجار، فأشيع عنه أنه قد قتل زوجته في بتية خشب، وأحرقها بالنار لأمر وقع منها … وكانت هذه الواقعة برشيد. فلما بلغ السلطان ذلك، أحضره في الحديد، فلما حضر عاقبه على ذلك أشد العقوبة فلم يقر بشيء، فاحتاط على
стр. 1035
موجوده جميعا وسلب نعمته، وكان في سعة من المال، ثم سجنه وأقام به مدة طويلة، نحوا من أربع سنين، وقاسى شدائد ومحنا وأمره مشهور.
وفيه أنعم السلطان على أركماس بن طراباي الذي كان نائب الشام، وحضر إلى القاهرة بتقدمة ألف، وجعل له مرتبا على الذخيرة من غير إقطاع، ورتب في كل شهر له ألف دينار، وفي كل سنة ألف أردب قمح، ورسم له بأن يقف في المواكب فوق الأمير طراباي رأس نوبة النوب، وأحضر له تخفيفة من تخافيفه التي بالقرون الطوال فألبسها له، وقلع من عليه سلاري وشق وألبسه له، فحصل له في ذلك اليوم غاية الجبر من السلطان، واستمر ساكنا بالأزبكية.
وفيه توفي الركني عمر بن تغري بردي السيفي، سودون بقجة، الذي كان دوادار الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز، وكان رئيسا حشما كثير العشرة للناس، وكان لا بأس به في أولاد الناس.
وفيه سافر ناظر الخاص علاء الدين بن الإمام إلى جهة الطور، بسبب تجهيز العليق لأجل العسكر المعين إلى مكة، فخرج ومعه جماعة من المماليك السلطانية.
*****
وفي رجب خلع السلطان على شرف الدين النابلسي الأستادار، باستمراره في الأستادارية، وكان أشيع عزله.
وفي يوم الاثنين سابعه حضر دولات باي، قرابة العادل طومان باي الذي كان نائب الشام، وولي نيابة طرابلس أيضا، وكان أظهر العصيان والتف على سيباي نائب حلب، فلما حضر سيباي وقابل السلطان، فر دولات باي والتجأ إلى علي دولات وأقام عنده.
فأرسل علي دولات ولده إلى السلطان ليشفع في دولات باي، فأجابه السلطان إلى ذلك، وأرسل له أمانا على يد شاد بك نائب المهمندار. فلما وثق من ذلك حضر إلى القاهرة، وقد حدثت من دولات باي هذا أمور شتى، وتوجه إلى بلاد ابن عثمان، على أن يثير فتنة كبيرة، فما طلع من يده شيء، وآل أمره إلى أن حضر بالأمان، فلما قابل السلطان حمل تحت إبطه ثوبا بعلبكيا أي كفنه، كما فعل قانصوه خمسمائة فعفا عنه السلطان، وخلع عليه كاملية مخمل أحمر بسمور، ونزل من القلعة في موكب حافل.
وفي هذا الشهر خرج العسكر المعين إلى مكة، وكان باش العسكر خاير بك بن اينال كاشف الغربية، أحد المقدمين، وصحبته قنبك بن شاد بك رأس نوبة ثاني، وخرج صحبتهم جماعة من الأمراء العشراوات، ومن المماليك السلطانية نحو من خمسمائة مملوك، وخرج
стр. 1036
صحبتهم هجار بن دراج الذي قرر في أمرة الينبع، عوضا عن يحيى بن سبع، وخرج صحبتهم المحمل الشريف، فكان لهم يوم مشهود … لكن رسم السلطان بأن امرأة لا تخرج صحبة العسكر، ومنعوا من ذلك، وخرج صحبة الأمير خاير بك نحو من مائة قواس، فأقام المحمل لما خرج بالريدانية إلى يوم الأربعاء تاسعه، ثم رحل من هناك صحبة العسكر. ولما خرج الأمير خاير بك رسم السلطان لجان بردي، تاجر المماليك الذي كان غضب عليه وسجنه بالبرج، بأن يخرج صحبة العسكر منفيا إلى مكة ويقيم بها.
وفي ذلك اليوم رسم بإخراج قلج أمير آخور ثاني إلى حلب منفيا، وقد تقدم أنه غضب عليه.
وفي يوم الجمعة حادي عشره صلى السلطان بالجامع، وجلس على باب الستارة، وخلع على الأمير دولات باي المقدم ذكره، وقرره في أمرة السلاح عوضا عن سيباي بحكم انتقاله إلى نيابة الشام.
*****
وفي شعبان عرض السلطان المحابيس والنساء التي بالحجرة، وأطلق منهم جماعة وصالح عنهم من رباب الديون من ماله.
وفيه وصل إلى السلطان من البلاد الشامية صناديق خشب وفيها أشجار بطينها ما بين تفاح شامي وكمثري وسفرجل وقراصية وكروم عنب، وأشجار مزهرة ما بين ورد أبيض، وسبوسان، وزنبق، وغير ذلك من الأزهار الشامية، حتى أحضر إليه شجرة جوز هند بطينها … فغرس ذلك جميعه بالميدان الذي تحت القلعة، فكانوا نحوا من مائة وخمسين حملا، فعد ذلك من النوادر اللطيفة.
وقد تقدم أنه أنشأ به مناظر ومقاعد وأماكن للمحاكمات، ورمي بأرضه الأحمال الطين.
وكان السلطان مولعا بغرس الأشجار، وحب رؤية الأزهار، والرياضات. وهذه الأخبار تقرب من أخبار خماروية بن أحمد بن طولون، حيث أنشى بستانا بالقرب من جامع أبيه الذي أنشأه بأعلى الكبش، وقد تقدم ذكر ذلك. ولما كملت عمارة هذا الميدان صار من جملة متنزهات الديار المصرية، وصار السلطان ينزل إليه في كل يوم، ويعمل به المواكب في غالب الأيام، وكان أكثر إقامته به لأجل التنزه. وقد صار هذا الميدان مثل غوطة دمشق، ما بين أشجار ومياه جارية حتى عد ذلك من النوادر، وقد قلت في المعنى:
عاينت بالميدان بستانا زها … أشجار أومت لنا بسلام
стр. 1037
والزهر مختلف به ألوانه … ولقد يجل ثراه عن نمام
ولقد وقع للأشرف قانصوه الغوري أشياء كثيرة من الغرائب لم تقع لغيره من الملوك السالفة، وربما يأتي الكلام على ذلك في موضعه.
وفي هذا الشهر جاءت الأخبار من الطور، بأنه قد غرقت مراكب مسماري كبار، فيها قمح للدشيشة التي رتبها الأشرف قايتباي إلى المدينة الشريفة، وكان في تلك المراكب أصناف بضائع بنحو عشرة آلاف دينار للأتابكي قرقماس، فغرق جميعه، وغرق فيها ما لا يحصى من رجال ونساء وصغار عند بركة غرندل، فشق ذلك على الناس، ولا سيما أهل المدينة الشريفة فقد كان بها الغلاء الشديد.
*****
وفي رمضان في مستهله عرض القاضي شرف الدين الصغير، ناظر الدولة، اللحم والخبز والدقيق والسكر على السلطان وهو بالميدان، وطلع به مزفوفا على رؤوس الحمالين على جاري العادة، فخلع عليه وعلى الزيني بركات بن موسى المحتسب، وخلع في ذلك اليوم على شيخ العرب نجم، شيخ العايد، باستمراره على عادته، وطلع القضاة الأربعة والخليفة على الدكة بالحوش جلوسا عاما، وكان يوما مشهودا.
وفي ذلك اليوم حضر علاء الدين ناظر الخاص، وكان توجه إلى الطور بسبب إرسال عليق العسكر إلى المتوجه إلى التجريدة، فأرسله في مراكب من البحر الملح إلى جدة.
وفي يوم الاثنين خامسه طلع الأمراء إلى الخدمة، فلما تكامل المجلس أحضر السلطان المصحف العثماني بين العسكر، وحلف عليه الأمير دولات باي الذي قرر في أمرة السلاح، وحلف أيضا أركماس الذي كان نائب الشام، فحلفا للسلطان بأن يكونا تحت طاعته، فلما حلفا ألبس كلا منهما سلاري صوف بسمور، وانفض الموكب على ذلك.
وفي يوم الاثنين ثاني عشره، خلع السلطان على قاضي القضاة جمال الدين القلقشندي وأعاده إلى قضاء الشافعية، وهذه الولاية الثانية، وعزل عبد القادر بن النقيب، فكانت مدته في هذه الولاية تسعة أشهر، وعشرين يوما وهي الولاية الثالثة. وكان في هذه الولايات في غاية الضنك وكان غير محبب للناس.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشره توفي الأمير طقطباي قرابة أقبردي الدوادار، وكان أحد الأمراء العشراوات، وكان لا بأس به.
стр. 1038
وفي ثامن عشره حضر هجان من مكة، وأخبر بأن العسكر الذي توجه إلى مكة قد انتصر على عربان بني إبراهيم، وهرب يحيى بن سبع، وقتل من العربان ما لا يحصى … فلما تحقق السلطان ذلك أمر بدق الكوسات ثلاثة أيام، وسر الناس قاطبة لهذا الخبر.
وفي يوم الاثنين تاسع عشره عرضت كسوة الكعبة على السلطان، وهي مزفوفة على رؤوس الحمالين، وشقوا بها من القاهرة، وكان يوما مشهودا.
وفي يوم الخميس تاسع عشرينه عرض ناظر الخاص خلع العيد على السلطان وهي مزفوفة، فألبسه السلطان خلعة حافلة، لكونه سار في هذه السنة بالسداد.
*****
وفي شوال في يوم عيد الفطر خلع السلطان على من له عادة، وكانت الخلع في غاية الوحاشة من القماش القطني الملون، تساوي الخلعة من ذلك نحو ثلاثة دنانير، وكانت الخلع من قديم الزمان من المنسوجات الحرير الملون بفرو وسنجاب.
ومن جملة ما بطل من شعائر المملكة، موكب الوزير في يوم العيد … فكان ينزل من القلعة وهو راكب بغلة بزناري، وعلى رأسه طرحة بيضاء، وتحت عماته عرقية بذهب - وهي التي يسمونها الطاسة - ويتقلد بسبحة بأكر من عنبر، وتركب قدامه الأوجاقية وهي بالتتريات الحرير الأصفر قائدة الجنائب، وقدامه مبخرة السلطان بالبخور، ويستمر في هذا الموكب الحافل حتى يصل إلى داره. وآخر من أدركناه يفعل ذلك الصاحب علاء الدين علي بن الأهناسي، فصار الآن تغري برمش الوزير، إذا نزل من القلعة في يوم العيد، لم يشعر به أحد من الناس إذا شق من القاهرة.
وفيه نادى السلطان في القاهرة للمقطعين بأن كل من كان له حصة خراب ينزل يعمرها، ويجرف جسورها، ويرد فلاحيها المتسحبين حيث كانوا.
وفيه جاءت الأخبار بأن العربان بالشرقية قد قطعوا الطريق على القفل الذي جاء من المحلة ونهبوا كل ما فيه، وكان فيه حمل مال السلطان فأخذ مع جملة ما أخذ.
وفيه رسم السلطان بشنق ثلاثة أنفار، قيل إنهم من سياس الأمير أزدمر الدوادار، وسبب ذلك أنهم قتلوا قتيلا في بولاق فشنقوا هناك.
وفيه حضر أقباي نائب غزة، وقد حصل بينه وبين ملاج نائب القدس تشاجر فشكاه أقباي إلى السلطان، فأرسل بإحضار ملاج فلم يحضر، وأظهر العصيان، فتغير خاطر السلطان عليه.
стр. 1039
وفيه تغير خاطر السلطان على تغري برمش الوزير، وشرف الدين الصغير ناظر الدولة، وقد رافعهما بعض العمال على أنهما يأخذان الغلال من البلاد بالكيل الكبير، ويصرفانه من الشون بالكيل المصري، فقرر السلطان عليهما في نظير ذلك عشرة آلاف دينار يردانها للخزائن الشريفة.
وفيه أنعم السلطان على جماعة من الخاصكية بأمريات عشرة، فأمر في هذا الشهر نحوا من أربعين أميرا، زيادة على ما ذكرناه في أخبار سنة ثمان وتسعمائة.
وفي يوم الاثنين رابع عشرينه، حضر شخص من الأمراء العشراوات، يقال له خاير بك المعمار، وصحبته نحو من خمسين رأسا ممن قتل في الواقعة من العربان من بني إبراهيم، وهي الواقعة الأولى. فلما حضر خاير بك المعمار إلى القاهرة أنعم عليه السلطان بأمرة طبلخاناه بمصر، فلما حضروا زينت لهم القاهرة، ودقت الكؤوسات، ودخلت تلك الرؤوس وهي مشهورة على رماح، والمشاعلية تنادي عليهم: "هذا جزاء من يقطع الطريق على الحجاج، وينهب أموالهم". فلما عرضوا على السلطان خلع على خاير بك المعمار، ورسم بتعليق تلك الرؤوس على أبواب القاهرة. وقد قامت حرمة المملكة بعد ما كانت قد انتهكت، وتبهدلت الأتراك، وكاد الحاج أن ينقطع عن التوجه إلى مكة.
وفي يوم الأربعاء سادس عشرينه، توفي الشهابي أحمد بن الأمير تمرباي رأس نوبة النوب، وكان قد كبر وشاخ وقارب التسعين سنة من العمر. وكان لا بأس به رئيسا حشما من أعيان أولاد الناس.
وفي يوم الاثنين سلخ هذا الشهر رسم السلطان للأمير أزدمر الدوادار، بأن يخرج على حين غفلة، ويسافر إلى جهة الكرك ونابلس بسبب فساد العربان من بني لام، فخرج عن قريب، وعين معه نحوا من خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية.
*****
وفي ذي القعدة، في يوم مستهله، خلع السلطان على أقباي نائب غزة، وسافر إليها على عادته. وقد تقدم سبب حضوره إلى القاهرة.
وفي ذلك اليوم حضر عدة هجانة من مكة، وأخبروا بأن العسكر المتوجه إلى يحيى بن سبع، قد انتصر عليه نصرة ثانية، وكان من ملخص أخبار هذه النصرة، أن العسكر لما اتقع مع يحيى بن سبع، وانكسر أولا، توجه إلى طائفة من العربان يقال لهم العنزة، وهم من بني لام، فالتجأ إليهم واستمر مقيما في مكان بالقرب من اليبنع.
стр. 1040
فلما مضى شهر رمضان، ودخل شوال حضر الشريف بركات أمير مكة، وحضر أخوه الشريف قايتباي، وحضر معهما من العربان نحو من ألف إنسان … فركب الأمير خاير بك باش العسكر، ووزع تلك العربان، وأكمنهم في مواضع متفرقة، فلما وصل العسكر إلى مكان يسمى السويق، بالقرب من الينبع، أتى إليهم ابن سبع، وقد التف عليه مالك بن الرومي. أمير خليص، وأمير المدينة، وحميضة أخو الجازاني، فاتقعوا هناك وقعة مهولة، فقتل بها من العربان ما لا يحصى، ومن الأتراك أيضا، فلم تكن إلا ساعة يسيرة وقد انكسر يحيى بن سبع ومن كان صحبته من العربان. فلما انهزموا خرج عليهم الأكمنة التي أكمنها الأمير خاير بك فاحتاطوا بهم ولم ينج منهم إلا القليل، بعد ما قتل منهم نحو من ثمانائة إنسان، وأسر منهم قدر ذلك. وجرح في هذه الواقعة الشريف بركات أمير مكة في وجهه … فلما هرب يحيى بن سبع وقع النهب في نجع العرب فغنم منهم الأتراك أشياء كثيرة، من جمال وأغنام وقماش، مما نهبوه من ركب الحاج الشامي والعراقي كما تقدم. وقد تمت الكسرة على يحيى بن سبع، وأمير المدنية، وحميضة أخي الجازاني، فهربوا ولم يعلم لهم خبر.
فلما صحت هذه الأخبار زينت القاهرة سبعة أيام، واستمرت الكوسات عمالة، وصارت الأمراء تخلع على الهجانة الذين أتوا بهذه البشارة، كوامل وسلاريات، وكانت هذه النصرة على غير القياس. ثم في عقيب ذلك جاءت الأخبار بأن الشريف بركات وأخاه قايتباي، لما رجعوا من الينبع، وأتوا إلى خليص، اتقعوا مع مالك بن الرومي أمير خليص واقعة مهولة، فانكسر ابن الرومي وهرب، فلما هرب غنم منه عربان الشريف بركات أشياء كثيرة، من جمال وأغنام وقماش وسلاح، مما كان نهبه من الحجاج.
وفي هذا الشهر كان دخول الأمير طومان باي قريب السلطان على ابنة الأمير أقبردي الدوادار فكان لها مهم حافل، وزف لها الجهاز الحافل، حتى رجت له القاهرة. فلما كان ليلة الدخول مشى في زفة الأمير طومان باي الأتابكي قرقماس وسائر الأمراء قاطبة، وبأيديهم الموكبيات الشمع الموقدة. وكانت هذه الزفة تعادل زفة الأمير جانم قرابة الأشرف قايتباي لما تزوج بأخت خوند ابنة خاص بك.
وفيه حضر قاصد من عند ابن عثمان ملك الروم، فأكرمه السلطان وأحسن إليه.
وفي أثناء هذه السنة توفي الشيخ بدر الدين محمد المارديني، وكان من أهل العلم والفضل، وكانت له يد طائلة في علم الميقات، وغير ذلك من العلوم.
وفي هذه السنة توفي أيضا خشكلدي المعروف بنصف وجه، وكان أحد الحجاب بالديار المصرية، وكان مفردا في فئته، بعثوا عليه الناس حتى السلطان وكان قد كبر وشاخ.
стр. 1041
ومن الحوادث، أن شخصا من المماليك القرانصة في سن الشيخوخة، طلع إلى القلعة وقت صلاة الصبح، وكان يوم الجامكية، فبينما هو طالع برأس الصوة وإذا بثلاثة أنفار من المماليك الجلبان خرجوا عليه هناك، فقتلوه بخنجر في بطنه فمات لوقته، وقتلوا عبده أيضا وكان ماشيا معه حاملا قماشه التي يلبسها عند طلوعه إلى القلعة، فآل أمره بأن ذلك الجندي كان له إقطاع فمرض، فلما ثقل في المرض طلع هؤلاء المماليك يطلبون إقطاعه، فقال لهم السلطان: "حتى يموت خذوه". ثم أن الجندي عوفي من ذلك المرض، فلما طاب وطلع إلى القلعة، قتله هؤلاء المماليك من قهرهم منه. وأعجب من ذلك أن السلطان أخرج الإقطاع إلى غير هؤلاء المماليك الذين قتلوا الجندي، بسبب إقطاعه، فكان كما يقال:
فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ومن الحوادث في هذا الشهر، أن الأمير طراباي رأس نوبة النوب، كان له حاصل في درب الخازن، وفيه دريس فحرق بالنهار وقت الظهر، فذكر بعض الجيران أنه رأى شخصا في صفة فلاح، كان هناك في عمارة مع جملة الفعلاء، فرمى في ذلك الدريس نارا، وربما كان هذا الكلام كذبا عليه، فأرسل من قبض عليه وضربه بالمقارع، ثم قطع يده اليمين، وأشهره في القاهرة، ثم أراد حرقه بالنار فشفع فيه بعض الأمراء.
وفي سادس عشره، توفي القاضي بدر الدين محمد ابن القاضي شمس الدين بن محمد القرافي المالكي، وكان من أعيان نواب المالكية، وكان ينتسب إلى الشيخ عبد الله بن أبي جمرة رحمة الله عليه.
وفيه توفي شخص حريري، كان له دكان على رأس عطفة الماطيين، تجاه سوق اليوسفية، فوجد عنده في دكانه أربعة آلاف دينار ما بين ذهب وفضة وهي موزعة في براني في سقف الدكان، وكان رث الهيئة يدعي الفقر.
ويقرب من ذلك أن امرأة كانت تستعطي عند جامع ابن طولون، فلما ماتت وجد عندها سبعمائة دينار، ما بين ذهب وفضة، ووجد عندها أمطار فيها فلوس جدد، ووجد عندها ربع غزل، نحو من ثمانمائة ربعة، فتعجب الناس من ذلك.
*****
وفي ذي الحجة، في يوم سابعه، خرج الأمير أزدمر الدوادار مسافرا إلى جهة الكرك، ونابلس، بسبب فساد بني لام، وخرج صحبته الأمير قانصوه بن سلطان جركس، والأمير
стр. 1042
تاني بك النجمي، وجماعة كثيرة من الأمراء العشراوات، ومن المماليك السلطانية نحو من خمسمائة مملوك، فكان له يوم مشهود.
وفيه خلع السلطان على قانصوه كاشف الشرقية، وعلى ماماي جوشن كاشف الغربية، بأن يكونا على عادتهما، وكان أشيع عزلهما.
وفيه ركب القاضي كاتب السر محمود بن أجا، وكان عليلا منقطعا عن الركوب. فلما طلع إلى القلعة، خلع عليه السلطان كاملية ونزل من القلعة في موكب حافل.
وفيه قلع السلطان الصوف ولبس البياض، ووافق ذلك خامس بشنس القبطي، ثم ابتدأ يضرب الكرة، ففي أول يوم من ذلك تقنطر أمير كبير قرقماس، ووقع إلى الأرض ثم قام وركب.
وفيه هجم المنسر على شخص من الأمراء العشراوات، يقال له: خشكلدي الهواري، وكان دوادار الأتابكي قيت الرحبي، وكان ساكنا بالقرب من حدرة الكماجيين، فلما هجم عليه المنسر تحت الليل، ذبحوه وهو راقد في فراشه، وأخذوا كل ما في البيت ولا يعلم من فعل ذلك. وقد أشيع بين الناس أن زوجة خشكلدي المذكور كانت هي السبب في قتله، فأقامت مدة وهي في الترسيم ببيت بركات بن موسى.
وفيه حضر مبشر الحاج، وأخبر بأن العسكر لما انتضر على يحيى بن سبع، توجه إلى مكة ووقف بالجبل، وأخبر بأن العيد كان هناك يوم الجمعة، وأن مكة مغلية (١)، وأخبر أيضا أن الفرنج كثر تعبثهم ببحر الهند، وأن حسين باش العسكر المتوجه إلى هناك يشرع في بناء أبراج على ساحل جدة وصور، وقد جهزوا المراكب إلى الخروج إلى عدن، فسر السلطان لهذا الخبر … لكن تزايد الضرر من الفرنج فيما بعد وترادفت مراكب الفرنج ببحر الحجاز، حتى بلغوا فوق عشرين مركبا، وصاروا يعبثون على مراكب تجار الهند، ويقطعون عليهم الطريق في الأماكن المخيفة، ويأخذون ما معهم من البضائع، حتى عز وجود الشاشات والأرز من مصر وغيرها من البلاد.
وسبب هذه الحادثة أن الفرنج تحيلوا حتى فتحوا السد الذي صنعه الإسكندر بن فلبس الرومي. وكان هذا نقبا في جبل بين بحر الصين وبحر الروم، فلا زال الفرنج يعبثون في ذلك النقب مدة سنين حتى انفتح وصارت تدخل منه المراكب إلى بحر الحجاز، وكان هذا من أكبر أسباب الفساد (١).
стр. 1043
وفي أواخر هذه السنة ظهر الطاعون ببلاد الصعيد، ولم يقع بها في سنة عشر وتسعمائة لما ظهر بالقاهرة.
وفي هذه السنة طلع إلى السلطان شخص يسمى أبو الخير المرافع، وقال له: "أنا ألتزم لك بمائتين وخمسين ألف دينار، أستخلصها لك ممن أعرفه، ولا تنتطح في ذاك شاتان"! فمال السلطان إلى كلامه، وقصد أن يخلع عليه ويشرع في ذلك، فاجتمع بعض الأمراء بالسلطان ورجعه عن ذلك فرجع ولله الحمد.
وفي هذه السنة تزايد ظلم الأمير طراباي رأس نوبة النوب، وشرع يأخذ أوقاف الناس، من بلاد وبيوت وغير ذلك، فيحلها في ساعة واحدة، ويرسم عليهم، ويأخذ أماكنم بأبخس الأثمان، وكل من امتنع من ذلك يضربه ضربا مبرحا ويدعه في الترسيم حتى يعذر له، ولا سيما ما وقع ليونس ابن جانم الزردكاش، أخذ منه بيت أبيه الذي أنشأه بزقاق حلب، فامتنع يونس من ذلك، فضربه ضربا مؤلما حتى أعذر له، وهو تحت العقوبة، وفعل مثل هذه الواقعة بجماعة كثيرة يطول الشرح في ذكرهم.
ومن الحوادث اللطيفة ما وقع في أواخر هذه السنة، أن السلطان أبطل المجراة القديمة التي كانت عند درب الخولي بمصر العتيقة، وشرع في بناء مجراة جديدة، فجمع المهندسين فاختاروا أن يكون مبتدأها من عند موردة الخلفاء، بالقرب من الجامع الجديد، فأنشأ هناك بئرا، وجعل لها مسربا من بحر النيل، وصنع على هذه البئر عدة سواقي نقالة، وأنشى من هناك مجراة على قناطر معقودة على دعائم متصلة إلى باب الزغلة، ومن هناك تتصل إلى الميدان والقلعة، فجاءت هذه المجراة من العجائب والغرائب، لكن صرف على بنائها ما لا يحصر من الأموال، وغالبه من وجوه الظلم والمصادرات.
وقد وقع في زمن الشيخ زين الدين بن الوردي رحمة الله عليه ما يشبه ذلك، وهو أن بعض الملوك أجرى قناة بدمشق إلى بعض الجوامع، وكان ذلك المصروف من مال فيه شبهة، فأنشأ الشيخ زين الدين في هذه الواقعة وهو يقول:
كرهت وضوءا من قناة تساق من … دماء الرعاية أو بمال محرم
سيشرق في يوم الحساب ندامة … كما شرقت صدر القناة من الدم
وفي هذه السنة طلعة جزيرة ببولاق تجاه ربع قانم التاجر، فصارت هذه الجزيرة في كل سنة تزرع أمقتة ورياحين، فتوجهت إليها الناس، وخرجوا في القصف والفرجة هناك عن الحد، وضربوا الخيام الكثيرة، وتعمل هناك أخصاص للمتفرجين بها، وصاروا يبيتون
стр. 1044
هناك ليلا ونهارا، وصار الناس يخوضون في البحر إلى نصف الليل، وقد قال القائل في المعنى:
في جزيرة بولاق رأينا عجب … أسد ساروا معم ظبا شاردين
حين رأينا ذيك الوجوه الصباح … أذهلونا خضنا مع الخايضين
وقال آخر وأجاد:
امض لبولاق ترى بجزيرة … حور وولدان لها تأنيق
لي من تحابي وردها نشر زها … ولها بقلبي هزة وعلوق
وقد خرجت هذه السنة على الناس وهم في أمن وسلامة، وكانت سنة مباركة على الناس، أخصب فيها الزرع، ووقع بها الرخاء في سائر البضائع والغلال، وكانت سنة هادئة من الفتن بين الأتراك، وقد حصلت بها هذه النصرة العظيمة على عربان الحجاز، بعد ما كاد الحاج أن ينقطع من فساد الطرقات إلى مكة من عرب بني إبراهيم فلله الحمد.
سنة ثلاث عشرة وتسعمائة (١٥٠٧ - ١٥٠٨ م):
فيها - في المحرم - كان خليفة الوقت: الإمام المستمسك بالله أبو النصر يعقوب، الهاشمي الأبوين، ابن المتوكل على الله عبد العزيز.
والسلطان يومئذ: الملك الأشرف، أبو النصر قانصوه بن بيبردي الغوري عز نصره.
والقضاة الأربعة: جمال الدين إبراهيم القلقشندي الشافعي، وسري الدين عبد البر بن الشحنة الحنفي، وبرهان الدين إبراهيم الدميري المالكي، وشهاب الدين أحمد الشيشيني الحنبلي.
وأما الأمراء أرباب الوظائف من المقدمين فهم: الأتابكي قرقماس بن أركماس بن ولي الدين أمير كبير، ودولات باي قرابة العادلة أمير السلاح، وسودون العجمي أمير مجلس، وقاني باي قرا الرماح أمير آخور كبير، وطراباي الشريفي رأس نوبة النوب، وأزدمر بن علي باي دوادار كبير، وأنصباي بن مصطفى حاجب الحجاب.
وأما أرباب الوظائف من المباشرين: فالقاضي محب الدين محمود بن أجا الحلبي كاتب السر الشريف ناظر ديوان الإنشاء بالديار المصرية، والقاضي محيي الدين عبد القادر
стр. 1045
القصروي ناظر الجيش، والقاضي علاء الدين بن الإمام ناظر الخاص، والأمير تغري برمش متحدث مع القاضي شرف الدين الصغير في الوزارة، وشرف الدين يونس النابلسي متحدث على وظيفة الأستادارية الكبرى، وبقية المباشرين من أرباب الوظائف على حكم ما شرح في السنة الخالية.
وفي هذا الشهر وقع لقاضي القضاة الحنفي عبد البر بن الشحنة واقعة غريبة، وهي أن جمال الدين السلموني الشاعر هجا القاضي عبد البر بن الشحنة هجوا فاحشا. بقصيدة مطولة يأتي الكلام عليها. وسبب ذلك أن السلموني كان قد هجا معين الدين بن شمس وكيل بيت المال، وقد تقدم ذكر ذلك، فشكاه معين الدين إلى القاضي عبد البر، فأحضر السلموني بين يديه، وضربه وعزره وأشهره في القاهرة، وهو عريان مكشوف الرأس.
فلما بلغ السلطان ذلك، أرسل من خلصه من القاضي عبد البر. فلما خلص هجا عبد البر بهذه القصيدة الفاحشة، وقد دارت بين الناس، فلما بلغ القاضي عبد البر ذلك، شكا السلموني إلى السلطان لما طلع إلى القلعة في يوم التهنئة بالشهر، وعرض عليه تلك القصيدة التي هجاه بها … فأحضر السلطان السلموني بين يديه، ووبخه الكلام وقال له:
"أتهجو شيخ الإسلام بهذا الكلام الفاحش؟ "، فأنكر السلموني ذلك وقال: "أنا ما قلت فيه هذا كله"، فقامت عليه البينة بأن هذا نظمه، فرسم السلطان لقاضي القضاة عبد البر بأن يتوجه بالسلموني إلى المدرسة الصالحية، ويعمل معه ما يقتضيه الشرع الشريف، فنزل بالسلموني وهو في الحديد. وكان السلطان له عناية بالسلموني في الباطن. فلما أتوا به إلى الصالحية، تعصب عليه القضاة قاطبة وقصدوا ضربه بالسياط، وإشهاره في القاهرة
وهذه ثاني واقعة وقعت للسلموني بسبب الهجاء.
وقد ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه أول من عاقب على الهجاء … فلما أرادوا ضرب السلموني وتعزيره، تعصب له جماعة كثيرة من العوام، وقصدوا يرجمون قاضي القضاة عبد البر وهو في وسط إيوان المدرسة الصالحية، وجمعوا له الحجارة في أكمامهم، فما وسع القاضي عبد البر إلا أنه عفا عن السلموني من التعزير والإشهار في القاهرة. ثم أن القضاة أمروا بسجن السلموني، فسجن وأقام مدة طويلة في السجن، يأتي الكلام عليها. وأما القصيدة الموعود بذكرها فهي قصيدة مطولة فيها ألفاظ فاحشة إلى الغاية، وإساءة مفرطة لا ينبغي أن تذكر، ولكن نورد منها بعض أبياض مما نظمه جمال الدين السلموني، وهو قوله من أبيات:
فشا الزور في مصر وفي جنباتها … ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها
أينكر في الأحكام زور وباطل … وأحكامه فيها بمختلفاتها
стр. 1046
إذا جاءه الدينار من وجه رشوة … يرى أنه حل على شياتها
فإسلام عبد البر ليس يرى سوى … بعمته والكفر في سنماتها
أجاز أمورا لا تحل بملة … بحل وبرم مظهرا منكراتها
ألست ترى الأوقاف كيف تبدلت … وكانت على تقديرها وثباتها
وقد وثبت فيها قضاياه بالأذى … والبيع شبه الأسد في وثباتها
فإن كان في الأوقاف ثم بقية … تكذبني فيما أقول فهاتها
ولا بد من بيع الجوامع تارك … الجماعات منها مبطل جمعاتها
ولا بد أن يستبدل الناس أعبدا … بأحرارها بيعا لنفس ذواتها
ولو أمكنته كعبة الله باعها … وأبطل منها الحج مع عمراتها
ومصداق قولي أنه كان مغريا … ليحيى بن سبع في خراب جهاتها
وقد كان ذئبا لابن سبع وقومه … يطالع بالأخبار قبل رواتها
ولو يعط دينارا وطاوعه الورى … لأسقط عنها صومها وصلاتها
شكت ملة الإسلام مما ينالها … بأفعاله، يا هل تزيل شكاتها؟
فيبكي على الدين القويم وشرعه … وأحكامه فيها بمنعوجاتها
نعى مذهب النعمان من قبح فعله … على فتوات الزور لا عن ثقاتها
تعقب يعقوبا وخالف رأيه … فكم حل من وقف وأبدى شتاتها
وعن زفر قد زفر النقل كاذبا … بتزويج أرحام لحين براتها
وقد خان قاضي خان في فتواته … بتغييرها عن مقتضى موجباتها
فلا تخش إثما أن تخوض بعرضه … فغيبته للناس خير لغاتها
فماذا على الإسلام حل من الردى … بأيام عبد البر مع سنواتها
انتهى ذلك على سبيل الاختصار، وأنا أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
وفي رابع هذا الشهر، خرج الأتابكي قرقماس إلى نحو الشرقية والغربية، وقد سرح في البلاد وغاب فيها.
وفي حادث عشره كان ببولاق ليلة حافلة بسبب وقت مولد سيدي إسماعيل الأنبابي رحمة الله عليه، فضربت في تلك الجزيرة التي تجاه بولاق نحو خمسمائة خيمة، صنعوا سوقا بدكاكين، وخرج الناس في الفتك والفرجة عن الحد، وأقاموا هناك ليالي متوالية، وموجب ذلك أن كان الرخاء والأمن موجودين.
وفي عقيب ذلك عمل مولد الشيخ سويدان المجذوب، في مدرسة ابن الزمن التي ببولاق عند الرصيف، فكان له مولد حافل، وضربت هناك الخيام الكثيرة عند المدرسة،
стр. 1047
لكن حدث تلك الليلة حادثة مهولة، وهو أن امرأة طبخت على شاطئ البحر، فطارت منها شرارة فتعلقت بمركب هناك كان فيها كتان فعملت فيه النار، وكان تلك الليلة الريح عاصفا، فمشت النار إلى شونة تبن في معصرة هناك فعملت فيها النار فاحترقت المعصرة، ونهب ما فيها من قصب وسكر وعسل، وحصل للناس تلك الليلة غاية النكد، ولولا لطف الله تعالى، ثم بركة الشيخ سويدان، لاحترقت تلك الأماكن التي هناك عن آخرها.
وفيه تغير خاطر السلطان على أبي الخير المرافع، بعد أن قربه، وكان قد أخذ في أسباب مصادرات الناس، ولو دام لحصل للناس منه كل سوء، فتسلمه الزيني بركات بن موسى، فنزل به من القلعة وهو في الحديد، فلما شق من القاهرة كادت العوام أن ترجمه، وارتفعت الأصوات لابن موسى بالدعاء لأنه كان سببا لذلك. فلما أتى إلى داره ضرب أبا الخير المرافع بالمقارع، وبعث به منفيا إلى الواح.
ومن الحوادث أن مملوكا من المماليك الجلبان نزل إلى سوق الرقيق ليشتري عبدا أو يرد عبدا، فوقع بينه وبين الدلال تشاجر. فلما تزايد الأمير بينهما ضربه المملوك بقبقاب على رأسه في السوق بين الناس، فحمل إلى داره، فأقام نحو شهر ثم مات، فلم تنتطح في ذاك شاتان.
وفي عقيب ذلك، ضرب الأمير أرزمك الناشف، أحد الأمراء المقدمين، شخصا من النواتية فمات تحت الضرب. وسبب ذلك أن هذا النوتي حمل للأمير أرزمك مغلا فنقض، فضربه بسبب ذلك. فلما مات النوتي وقف أولاده للسلطان، فلما علم بهذه الواقعة تغافل عن ذلك وقال للأمير أرزمك: "ارض أولاد هذا المقتول"، وانفض المجلس على ذلك وراحت على من راح.
*****
وفي صفر كان ختام ضرب الكرة، ثم أن السلطان أضاف الأمراء بالبحرة، ومد لهم أسمطة حافلة، وأقاموا بالقلعة إلى بعد العصر.
وفيه طلع ابن أبي الرداد ببشارة النيل، وجاءت القاعدة سبع أذرع، وكانت الزيادة في أول يوم من المناداة خمس أصابع.
ومن الحوادث أنه في يوم الخميس ثالث عشره تسحب من سجن القلعة، وقت الظهر، نحو سبعين إنسانا من المحابيس، ما بين مشايخ عربان وفلاحين وغير ذلك فاضطربت القاهرة بسبب ذلك، فمضوا ولم تنتطح في ذاك شاتان.
стр. 1048
وفيه جاءت الأخبار أن عربان الشرقية هاجوا ونهبوا الضياع، فعين لهم السلطان في ذلك اليوم تجريدة، وعين بها من الأمراء سودون العجمي أمير مجلس، وأنصباي حاجب الحجاب، وتمر الزردكاش أحد المقدمين، ودولات باي قرموط، ومن المماليك السلطانية نحوا من خمسمائة مملوك، فخرجوا من يومهم … وقد تقدم القول بأن الأتابكي قرقماس خرج قبل ذلك إلى نحو الشرقية والغربية، فلما سمع بمجيء العسكر لاقاهم من هناك.
*****
وفي ربيع الأول رسم السلطان للقاضي علاء الدين ناظر الخاص بأن يتوجه إلى جدة.
وقد بلغ السلطان أنه وقع تشاجر بين حسين باش العسكر الذي هناك، وبين علي المسلاتي المغربي، فخرج ناظر الخاص ليكشف عن حقيقة ذلك، وعين معه السلطان نحوا من خمسين مملوكا تقوية للعسكر الذي هناك.
وفيه كان روجع الأمراء والعسكر الذين توجهوا للشرقية، بسبب فساد العربان، فرجعوا بغير طائل من ذلك.
وفيه رسم السلطان بشنق أحمد بن مهنا شيخ بني وائل، فسمروه هو وأقاربه، وطافوا بهم القاهرة، ثم شنقوا أحمد بن مهنا على باب النصر. وكان ذنبه أنه هرب من السجن، وقتل السجان وكسر القيد، وكان من شرار العربان، فلما ظفر به شنقه.
وفي يوم الثلاثاء عاشره، كان دخول العسكر المتوجه إلى الحجاز بسبب محاربة يحيى بن سبع، فدخل الأمير خاير بك باش العسكر، وقنبك رأس نوبة ثاني المتوجه صحبته، وبقية الأمراء والعسكر، فكان لهم يوم مشهود. ودخل المحمل صحبتهم، فزينت لهم القاهرة، ودقت لهم الكوسات بالقلعة، ودخل صحبتهم ثمانمائة رأس من رؤوس العربان، من بني إبراهيم الذين قتلوا في المعركة، فأشهروهم على رماح، والمشاعلية تنادي عليهم
فلما طلع الأمراء إلى القلعة خلع عليهم السلطان، ونزلوا إلى دورهم. فكانت مدة غيبتهم في هذه التجريدة ثمانية أشهر وأياما. وقد بيضوا وجههم بهذه النصرة التي وقعت لهم، وفتحوا درب الحجاز فتحا ثانيا في الإسلام، بعد أن كاد الحج ينقطع، فلله الحمد على ذلك
وقد شق على السلطان مجيء العسكر، وكان قصده أن يتبعوا يحيى بن سبع حيث توجه حتى يقطعوا جادرة بني إبراهيم عن آخرهم. وكان العليق هناك ما يوجد، والموت في الجمال كثيرا فتقلق العسكر، وطلب المجيء.
стр. 1049
وفي يوم الأربعاء حادي عشره عمل السلطان المولد النبوي، واجتمع القضاة الأربعة والأمراء المقدمون على العادة، ونصب الخيمة الكبيرة المدورة التي صنعها الأشرف قايتباي وصرف عليها نحوا من ثلاثين ألف دينار، وكان مولدا حافلا.
وفي رابع عشره جاءت الأخبار من عند الأمير أزدمر الدوادار أنه لما توجه إلى الكرك ونابلس، قاتل عربان بني لام الذين كانوا من عصبة يحيى من سبع، فانتصر عليهم وقتل منهم جماعة كثيرة، وأسر من كبارهم نحو عشرة أنفار، وملك منهم مدينة الكرك.
فلما تحقق السلطان ذلك أمر بدق الكوسات بالقلعة، وكانت القاهرة مزينة من حين دخل العسكر، فصارت الفرحة فرحتين.
وفي يوم الخميس تاسع عشره، خلع السلطان على الأمير طراباي رأس نوبة النوب، وقرره في أمرة ركب المحمل، وقرر قانصوه أبا سنة والي القاهرة بالركب الأول.
وفي ذلك اليوم نادى السلطان في القاهرة بأن الناس تحج في هذه السنة مطلقا من رجال ونساء على العادة، فارتفعت الأصوات له بالدعاء، وكان من أعظم فرحات الإسلام.
وفيه تغير خاطر السلطان على القاضي فخر الدين ابن العفيف كاتب المماليك، فعزله ورسم عليه، وقرر عليه ألفي دينار يوردها للخزائن الشريفة، وكان هذا آخر عزل القاضي فخر الدين وولاياته.
وفيه كان وفاء النيل المبارك، ووافق ذلك عاشر مسري، وفتح السد في اليوم الحادث عشر من مسري، ووقع في زيادة هذا النيل أمور غريبة، وهو أنه سلسل في أول الزيادة، فلما كان سادس مسري زاده الله ثلاثين أصبعا في يوم واحد، ثم في اليوم السابع منها زاد الله فيه عشرين أصبعا، ثم في اليوم الثامن منها زاد الله فيه أيضا عشرين أصبعا، وكانت زيادته سبعين أصبعا في ثلاثة أيام … واستمرت الزيادة عمالة مترادفة حتى أوفي الله
فتوجه الأتابكي قرقماس، وفتح السد على العادة، وكان له يوم مشهود، كما يقال في المعنى:
سد الخليج بكسره جبر الورى … طرا فكل قد غدا مسرورا
البحر سلطان فكيف تواترت … عنه الأشائر إذا غدا مكسورا
وفيه توفي شرف الدين بن أبي الخير كاتب الجرافة مباشر الأمير طراباي، وكان من وسائط السوء عنده.
*****
стр. 1050
وفي ربيع الآخر خلع السلطان على القاضي شرف الدين الصغير وقرر في كتابة المماليك عوضا عن فخر الدين بن العفيف بحكم صرفه عنها، فتضاعفت عظمة شرف الدين الصغير، وصار ناظر الدولة كاتب المماليك مستوفيا على الدواوين وغير ذلك من الوظائف.
وفيه جاءت الأخبار من عند نائب حلب بأن إسماعيل شاه بن حيدر الصوفي، المقدم ذكره، قد تحرك على بلاد السلطان، ووصل أوائل عسكره إلى ملطية، وحكوا عنه أمورا شنيعة في أفعاله … فلما بلغ السلطان ذلك تنكد إلى الغاية، وجمع الأمراء وضربوا مشورة في أمر الصوفي، فأشار الأمراء على السلطان بأن يرسل إليه تجريدة، فنادى للعسكر بالعرض، فطلع العسكر قاطبة إلى القلعة فعرضهم - وكان قاصد ابن عثمان حاضرا، وخليل بيك بن رمضان أمير التركمان - فكتب من العسكر نحوا من ألف وخمسمائة مملوك، وعين من الأمراء المقدمين في ذلك اليوم خمسة، وهم: قاني باي قرا أمير آخور كبير، وجعله باشا على العسكر، وصحبته أرزمك الناشف أحد المقدمين، ودولات باي قرموط، وقانصوه كرت، وتاني بك الخازندار. وعين من الأمراء الطبلخانات والعشراوات نحوا من عشرين أميرا. ثم عين بيبرس أمير آخور ثاني قرابته بأن يتوجه إلى حلب، ويعلم النواب بمجيء العسكر، وليجتهدوا في عمل اليرق، وأن نائب حلب يجمع عساكر حلب، ويخرج ليحرس أطراف البلاد ويكشف الأخبار، ثم بطل ذلك جميعه فيما بعد، كما يأتي الكلام على ذلك في موضعه.
*****
وفي جمادى الأولى - في ثامنه - حضر أبرك نائب قلعة حلب، وقد انفصل عنها ووقع بينه وبين نائب حلب تشاجر، وأصله من مماليك السلطان. فطاش وفتك بحلب، ولم يستشن لنائب حلب بشأن.
وفيه جاءت الأخبار بأن عساكر الصوفي عدت من الفرات، ووصل جاليشهم إلى أطراف بلاد السلطان، وأن علي دولات جمع التركمان، وخرج إليهم وتحارب معهم.
فلما جاءت هذه الأخبار، اضطربت القاهرة وماجت، ونادى السلطان للعسكر بأن أول النفقة يوم الاثنين. وكان قد أشيع بين الناس بأن التجريدة بطالة، فأهمل العسكر ذلك حتى طرقتهم هذه الأخبار، فعند ذلك شرع المماليك يكبسون على الطواحين والإسطبلات بسبب البغال والأكاديش، وكان السلطان أخر أمر النفقة إلى أن يحضر الأمير أزدمر الدوادار، وكان توجه إلى الكرك ونابلس بسب عربان بني لام. فلما جاءت هذه الأخبار أنفق
стр. 1051
السلطان على العسكر المعين للتجريدة، فأعطى لكل مملوك مائة دينار على العادة، وجامكية أربعة أشهر معجلا، وثمن جمل سبعة أشرفية … فكان ما خص كل مملوك نفقة وجامكية وثمن جمل مائة دينار وثلاثين دينارا. ثم شرعوا في عمل اليرق.
وفي يوم الأربعاء، رابع عشره، عزم السلطان على قاصد ابن عثمان في قاعة البحرة، فأظهر في ذلك اليوم غاية العظمة في الفرش وفي الأسمطة والفواكه والحلوى، وملأ صحن فرعون الذي تحت شباك قاعة البحرة سكرا بماء الليمون، برسم جماعة القاصد، وعند الانصراف خلع على القاصد كاملية مخملا أحمر بسمور فاخر، وكان يوما حافلا جدا.
وفي تاسع عشره حضر إلى الأبواب الشريفة، شخص يقال له كمال، من خواص جماعة ابن عثمان، وقد ترجموا كمال هذا بتراجم عظيمة، بأنه لا يكل ولا يمل من الجهاد في الفرنج ليلا ونهارا، حتى أعيا الفرنج أمره، وأنه رأس المجاهدين المرابطين في الإسلام. فلما حضر أكرمه السلطان وبالغ في إكرامه وخلع عليه، فأقام بمصر مدة يسيرة ورجع إلى بلاده.
وفي العشرين من هذا الشهر جاءت الأخبار من غزة، صحبة هجان، بوفاة الأمير أزدمر بن علي باي الأشرفي أمير دوادار كبير، توفي بغزة يوم الخميس خامس عشر هذا الشهر، وقد مرض مدة ثلاثة أيام ومات. فلما جاء هذا الخبر تأسف عليه الكثير من الأمراء ممن كان من عصبته، وكان موته بغتة على حين غفلة، وأشيع بين الناس أنه مات مشغولا، وكان أميرا جليلا رئيسا حشما، لين الجانب قليل الأذى، وكان في عنفوان شبوبيته، وكان مرموقا بالشجاعة والفروسية … وهو من مشتريات الأشرف قايتباي، وولي عدة وظائف سنية، منها شادية الشراب خاناه ثم بقي مقدم ألف، ثم ولي الدوادارية الكبرى بعد الأمير مصرباي في سنة سبع وتسعمائة، فكانت مدته في الدوادارية الكبرى نحوا من ست سنين وخمسة أشهر إلا أياما. فلما تحقق السلطان موته، ضرب الحوطة على موجوده، ورسم على جماعته وغلمانه ومباشريه وقرر عليهم مالا له صورة.
وفيه حضر تغري بردي الترجمان، وكان توجه إلى بلاد الفرنج، وأقام بها نحوا من سنتين، فلما حضر خلع عليه السلطان وأقره على وظيفته.
وفيه ثبت النيل المبارك على ثماني عشرة أصبعا من تسع عشرة ذراعا، وكان في العام الماضي أرجح من ذلك بثماني أصابع.
وفيه توفي القاضي جمال الدين الأتميدي أحد نواب الحكم الشافعي، وكان لا بأس به.
стр. 1052
ومن الحوادث في هذا الشهر، أن شخصا يقال له عمر بن علاء الدين النقيب الحنفي المحلي، وكان خطيبا ببعض الجوامع، فقيل عنه إنه وقع في حق سيدنا إبراهيم الخليل ﵇ بكلام فاحش لا ينبغي أن يذكر، فضبطوا عليه ذلك … ثم أن بعض القضاة استتوبه، وحكم شمس الدين الحليبي بحقن دمه. فلما بلغ السلطان ذلك تعصب لإبراهيم الخليل ﵇، وقال: "ما أرجع حتى أضرب عنق هذا القائل لهذا الكلام". فأمر بعقد مجلس بحضرته وجلس في الدهيشة وأرسل خلف القضاة الأربعة، فحضر جمال الدين القلقشندي الشافعي، وسري الدين عبد البر بن الشحنة الحنفي، وبرهان الدين الدميري المالكي، والشهاب أحمد بن الشيشيني الحنبلي، ثم أمر السلطان بإحضار القضاة المنفصلين، فحضر شيخ الإسلام زين الدين زكريا الشافعي، وحضر برهان الدين ابن أبي شريف الشافعي، وبرهان الدين بن الكركي الحنفي، وجماعة من مشايخ العلم، منهم الشيخ نور الدين المحلي، والشيخ عبد الحق السنباطي الشافعي وغير ذلك من المشايخ والعلماء.
فلما تكامل المجلس تباحثوا في هذه المسألة، فقال الشيخ زكريا: "مذهبنا أن هذا القائل إذا تاب إلى الله تعالى واستغفر تقبل توبته". ووافقه على ذلك ابن أبي شريف، فحصل في ذلك المجلس بعض تشاجر بين قاضي القضاة عبد البر بن الشحنة وبين الشيخ نور الدين المحلي، وأحضر كل من العلماء النقول في هذه المسألة … وانفصل المجلس مانعا على أن هذا القائل يسجن مدة طويلة حتى يتوب، ثم انفض المجلس على ذلك، والسلطان قد صمم على ضرب عنق هذا القائل، فتوجهوا به إلى السجن فسجن، وهذا ما كان من ملخص هذه الواقعة.
وفيه حضر الأمراء الذين كانوا توجهوا صحبة الأمير أزدمر الدوادار إلى نابلس، وأحضروا صحبتهم جثة الأمير أزدمر وهي في سحلية، فدفن في تربته التي أنشأها بالقرب من باب الزغلة، وانطوى أمره، وخلا منه المكان، ودخل في خبر كان.
*****
وفي جمادى الآخرة، في يوم السبت ثانيه، رسم السلطان بتوسيط شخص من العربان المفسدين، يسمى عبيد بن أبي الشوارب، فوسطه عند قنطرة الحاجب، ووسط معه أيضا شخصا يسمى قاسم الغريب، وكانا من كبار المفسدين بالشرقية.
وفي يوم الاثنين رابعه خلع السلطان على الأمير طومان باي ابن أخيه وقرر في الدوادارية الكبرى عوضا عن الأمير أزدمر بن علي باي بحكم وفاته، فنزل من القلعة في موكب حفل، وسكن في دار الأمير أزدمر فيما بعد، ورسم السلطان للأمير يشبك الفقيه،
стр. 1053
الذي كان دوادارا عند الأمير أزدمر، أن يستمر دوادارا عند الأمير طومان باي على عادته، فامتثل ذلك.
وفيه خلع السلطان على شيخ العرب عبد الدايم بن أبي الشوارب، وقرر في مشيخة العرب بالقليوبية.
وفيه خلع السلطان على مملوكه أبرك الذي كان نائب قلعة حلب وحضر إلى مصر، فقرره في شادية الشراب خاناه عوضا عن الأمير طومان باي بحكم انتقاله إلى الدوادارية الكبرى.
وفي يوم الثلاثاء سادسه حضر قاصد من عند علي دولات، وأخبر أنه لما توجه إلى عسكر الصوفي، تحارب معهم فكسرهم كسرة قوية، فانهزموا نحو بلادهم مكسورين، وقتل مهم جماعة كثيرة. وأرسل علي دولات عدة رؤوس ممن قتل من عسكر الصوفي، وفيهم شخص من أمرائه بالحياة وعلى رأسه طرطور أحمر … فلما عرضوا على السلطان سر بهذه الواقعة، وأمر بأن تعلق تلك الرؤوس على باب زويلة. فلما تحقق صحة هذه الواقعة بطل أمر تلك التجريدة التي كان عينها إلى الصوفي، ورسم بإعادة النفقة التي كان أنفقها على العسكر بسبب التجريدة، فتوجهت إليهم الطواشية واستعادوا منهم النفقة، فشق ذلك على المماليك، وكانوا قد تصرفوا في غالبها. فلما بلغ السلطان ذلك رسم بأن يترك لهم ثمن الجمل الذي كان أعطاه لهم، وقدره سبعة دنانير ويعيدوا الباقي، فامتثلوا ذلك وأعادوا ما أخذوه، والذي تأخر عليه من ذلك شيء قطع من جامكيته.
وفي يوم الاثنين حادي عشره، خلع السلطان على قاصد أبي يزيد بن عثمان خلعة سنية، وألبس جماعته سلاريات وشقا وسمورا وأذن لهم بالعود إلى بلادهم، فمضوا وهم شاكرون من السلطان.
وفي يوم الخميس رابع عشره، خلع السلطان على الأمير طومان باي الدوادار خلعة الأنظار، فنزل من القلعة في موكب حافل.
وفيه قلع السلطان البياض، ولبس الصوف، ووافق ذلك عاشر هاتور.
وفيه جاءت الأخبار من مكة بأن الشريف بركات أمير مكة، توجه إلى مالك بن الرومي أمير خليص، وكبس عليه على حين غفلة، فظفر به وحز رأسه وحز رؤوس جماعة من أقاربه، وأن ناظر الخاص علاء الدين واصل بذلك عن قريب … فسر السلطان لهذا الخبر.
ومن الحوادث في أواخر هذا الشهر، وقعت فتنة مهولة ببولاق حتى كادت تخرب عن آخرها. وسبب ذلك أن جماعة من الجوابر الذين ببولاق وقع بينهم وبين جماعة من النفر،
стр. 1054
بسبب ضائع ضاع لهم، فتعصب الجوابر على النفر وضربوهم وجرحوا منهم جماعة، واستخلصوا منهم الضائع. فلما بلغ ذلك طائفة النفر اجتمع منهم السواد الأعظم، وتوجهوا إلى بولاق، ووثبوا على الجوابر، ونهبوا ما في مراكبهم من الغلال، ونهبوا دكاكين بولاق، وخطفوا عمائم الناس … فلما تزايد الأمر من النفر ثار عليهم الجوابر والنواتية الذين ببولاق، وأتو إليه بالسيوف والمقاليع فسقط بينهم ساقط، فاتسعت الفتنة واستمرت على ما ذكرناه ثلاثة أيام متوالية. فلما بلغ السلطان ذلك تنكد، وكانت الجوابر في حماية الأتابكي قرقماس، والنفر في حماية قاني باي قرا، أمير آخور كبير، فتعصب كل منهما لجماعته فتحير بينهما السلطان، وراح على الناس ما نهب لهم في هذه الحركة.
*****
وفي رجب كان انتهاء العمل مما جدده السلطان من العمارة بالقصر الكبير، فلما تم ذلك صنع به وليمة حافلة، وعزم على القضاة الأربعة، والأمراء المقدمين وأرباب الوطائف من المباشرين، وأحضر قراء البلد قاطبة والوعاظ، ومد به أسمطة حافلة، وبات تلك الليلة هناك.
وفيه نزل السلطان إلى خلف القلعة عند قبة الهوا، وجربوا قدامه مكاحل نحاسية كان سبكها، فأقام هناك ساعة يسيرة ثم عاد إلى القلعة.
وفيه تغير خاطر السلطان على عبد العظيم الصيرفي فضربه، ووكل به ثلاثة من المماليك الخاصكية، وسبب ذلك أن المعسكر تضرر من كثرة الفضة النحاس التي يجدونها في الجامكية فشكوه إلى السلطان، فقبض عليه وقرر عليه مالا له صورة بسبب ذلك.
*****
وفي شعبان، حضر قاصد من عند إسماعيل شاه الصوفي، وعلى يده مكاتبة يذكر فيها أن الذي وقع من عسكره في دخولهم إلى أطراف بلاد السلطان، لم يكن ذلك عن إذنه ولا علم بذلك، فأكرم السلطان ذلك القاصد وأوكب له بالحوش موكبا حافلا، وكان هذا القاصد هو وجماعته في غاية الغلاسة، وعلى رؤوسهم طراطير حمر ليس عليهم رونق بخلاف قصاد ابن عثمان.
وفيه وقعت فتنة مهولة بين مماليك السلطان وبين مماليك الأمير خاير بك الخازندار بسبب حمير النقارة، فقتل من مماليك السلطان مملوك، فتعصب له خشداشينه، ونزلوا من الطباق مشاة وتوجهوا إلى بيت خاير بك ونهبوا ما فيه وأحرقوا بابه، فهرب منهم واختفى
стр. 1055
وطلع إلى السلطان. وقد اتسعت هذه الفتنة. فلما جرى ذلك أرسل السلطان قبض على مملوك خاير بك الذي فعل هذه الفعلة، فوسطه في الرملة، حتى خمدت هذه الفتنة قليلا.
وفي يوم الاثنين سادس عشره، دخل القاضي علاء الدين ناظر الخاص، وقد تقدم أنه توجه إلى جدة، بسبب تجهيز المراكب صحبة العسكر الذي توجه إلى عدن، بسبب تعبث الفرنج هناك. فلما تم أمره من جدة، وقصد الرجوع إلى مصر، أرسل صحبته الشريف بركات أمير مكة رأس مالك بن الرومي أمير خليص، وعدة رؤوس ممن قتل معه من العربان في المعركة كما تقدم، فكان عدتهم نحوا من تسعة وعشرين رأسا، فارتجت لهم القاهرة، وأشهروا على رماح، فلما عرضوا على السلطان وهو بالميدان، خلع على ناظر الخاص كاملية مخملا أحمر بسمور، وأركبه فرسا بسرج مغرق وكنبوش، وتوجه إلى داره في موكب حافل وصحبته قضاة السلطان، ورسم بأن تعلق تلك الرؤوس على أبواب القاهرة.
وفي يوم السبت سابع عشرينه نزل السلطان إلى الميدان وعزم على قاصد الصوفي هناك، وأحضر قدامه مماليك يرمون بالنشاب على الخيل، وهم بآلة السلاح، فأظهروا في فنون النشاب أشياء غريبة، وأحرق قدام القاصد إحراقة نفط بالنهار، ثم مد له أسمطة حافلة وخلع عليه وعلى جماعته، وأذن لهم بالعودة إلى بلادهم فسافروا فيما بعد.
وفيه كانت واقعة الناصري محمد ابن بنت جمال الدين الأستادار، مع الناصري محمد بن قجق نديم السلطان. وملخص هذه الواقعة أن محمد ابن بنت جمال الدين، كان له عبد حبشي، فأفسد جارية لمحمد بن قجق، فشكاه للسلطان، فطلب ابن بنت جمال الدين، وقصد الصلح بينه وبين ابن قجق، وأن يرضيه في جاريته، فتواحش ابن بنت جمال الدين في حق ابن قجق، وسبه في مجلس السلطان، وكان ابن بنت جمال الدين أهوج أحمق رهاجا.
فلما جرى ذلك تغير خاطر السلطان عليه، ورسم بتسلميه إلى نقيب الجيش، فاتسعت هذه الواقعة على ابن بنت جمال الدين، وقرر عليه السلطان عشرة آلاف دينار، فاستمر في الترسيم وضرب في بيت الوالي، وباع جميع موجوده ولم يف بهذا القدر، وآخر الأمر رسم السلطان بنفيه إلى الواح، فنفي وجرى عليه شدائد ومحن. وكان قليل الدربة، فلو سد هذه القضية بدون الخمسين دينارا كانت تستد، ولا كان يجري عليه هذا كله … وهذه الواقعة تقرب من واقعة الزيني فرج الحاجب، وقد تقدم ذكر ذلك فيما جرى عليه. ويقرب من هذه الكائنة، ما وقع لشخص من أبناء الناس، يقال له: محمد بن سودون السودوني، وقد تغير خاطر السلطان عليه، وحصل له منه ما لا خير فيه، وسجنه وقاسى شدائد ومحنا وأمره مشهور.