← История

История · id 30060

المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور - ط مدبولي

ابن إياس

Полный текст (1 734 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ثم وردت الأخبار إلى حلب بأن سليم شاه بن عثمان قبض على قاصد السلطان الذي كان أرسله إلى ابن عثمان، وهو الأمير مغلباي أحد الدوادارية ووضعه في الحديد. وكان السلطان جهز الأمير كرتباي الأشرفي أحد الأمراء المقدمين الذي كان والي القاهرة إلى ابن عثمان وصحبته هدية حافلة بنحو عشرة آلاف دينار، وخلع على قاضي عسكر ابن عثمان ووزير قراجا باشا الذي تقدم ذكرهما خلعة سنية بطرز يلبغاوي عريض، وأذن لهما بالعود إلى بلادهما. وكان هذا هو عين الغلط من السلطان الغوري، حيث أطلق قصاد ابن عثمان قبل أن يحضر مغلباي ويظهر له من أمر ابن عثمان ما يعتمد عليه. ثم لما وصل الأمير كرتباي إلى عنتاب بلغه أن السلطان ابن عثمان أبي الصلح وقبض على الأمير مغلباي ووضعه في الحديد بعد أن قصد شنقه، فشفع فيه بعض وزرائه وقصد حلق لحيته. وقد قاسى منه من البهدلة ما لا يمكن شرحه. فلما تحقق الأمير كرتباي ذلك رجع إلى حلب وأعلم السلطان بما فعله سليم شاه ابن عثمان بالأمير مغلباي، وأن طوالع عسكره قد وصلت إلى عنتاب وملكت قلعة ملطية وبهنسا وكركر وغير ذلك من القلاع. ولما وصل الأمير كرتباي بهذه الأخبار الردية إلى السلطان اضطربت أحواله وأحوال الناس وأحوال العسكر قاطبة. ثم أن السلطان أنعم على الأمير عبد الرزاق وولاه على إقليم أولاد ذو الغادر، فخرج من حلب وصحبته ملك الأمراء خاير بك في موكب حافل. فخرج نائب حلب وأمراؤها وعساكرها ونزلوا عن حلب بيوم، وصحبتهم من المشاة خمسة آلاف ماش، وأنفق عليهم السلطان جامكية شهر واحد. ثم خرج بعدهم ملك الأمراء سيباي نائب الشام، وتمراز نائب طرابلس، وطراباي نائب صفد ونائب حمص ونائب غزة، فخرجوا من حلب يوم السابع عشر من شهر رجب. وقد أشيع أن ابن عثمان ماش من جهة وابن سوار ماش من جهة. ثم أن السلطان نادى للعسكر بالرحيل من حلب والنزول على جيلان لقتال الباغي ابن عثمان، وأن السلطان والأمراء عن قريب يخرجون إلى القتال، والذي يريده الله هو الذي يكون … وهذا ما نقل من شرح كتاب أمير المؤمنين إلى ولده أمير المؤمنين يعقوب. ثم ذكر فيه عن أمر الأسعار في حلب، فقال: الشعير كل أردب بسبعة وعشرين نصفا، والخبز كل رطل بثلاثة دراهم، والجبن بنصفين الرطل، واللحم بتسعة دراهم كل رطل مصري، والدبس بنصف فضة الرطل المصري، وتناهى سعر القمح إلى أشرفيين كل أردب، والكرسنة عليق الجمال بمائة وأربعة وعشرين درهما الأردب. ثم أن السلطان أرسل مثالا شريفا إلى الأمير الدوادار يتضمن الوصية بالرعية، وأن المماليك الجلبان الذين بالطباق يكفون الأذى عن الناس ولا شوشون على أحد من

стр. 1402

المتسببين، وأن الأمير الدوادار يعرض جميع من في الحبوس قاطبة من رجال ونساء، ويطلق المديونين وغيرهم، ولا يترك بالحبوس غير أصحاب الجرائم ممن عليه دم. وأرسل أيضا يقول له: إن كان درب الحجاز آمنا من العربان فجهز الحاج من القاهرة، وإن كان مخوفا فلا يسافر أحد من الحجاج في هذه السنة. وأرسل أيضا مثالا شريفا إلى المماليك الجلبان الذين بالطباق بأنهم لا ينزلون من الطياق إلى المدينة، ولا يشوشون على أحد من الناس قاطبة، ومن يفعل ذلك بشنق من غير معاودة، فقرئ عليهم هذا المثال بالقلعة بين يدي الأمير طقطباي نائب القلعة، وأرسل بالسلام على الأمراء والعسكر قاطبة. ***** وفي شهر شعبان - وكان مستهله يوم الجمعة - ووافق ذلك يوم النوروز من السنة القبطي ة فعد ذلك من النوادر، وقد دخلت سنة قبطية في أول يوم من الشهور العربية، ولا سيما يوم الجمعة وهو يوم فيه ساعة الإجابة. وفي يوم السبت خلع الأمير الدوادار على شخص من الخاصكية يقال له: جاني بك القصير وهو من مماليك السلطان وقرره في كشف منفلوط عوضا عن أينال بن جاني بك الذي كان بها، وقد ضعف بصره. وفي يوم الأحد ثالثه عرض الأمير الدوادار المحابيس الذين بالسجون وعرض النساء اللاتي بالحجرة فأطلق منهم جماعة ممن عليهم دين، وصالح أرباب الديون من ماله وأرضاهم، واستتاب جماعة من الحرامية وأطلقهم، ورسم بتوسيط جماعة ممن عليهم الدم، وأبقى منهم جماعة في السجون إلى أن يحضر السلطان. ثم أن الأمير الدوادار تصدق على الفقراء بمبلغ له صورة، ورسم بقراءة ختمات في جميع مساجد القاهرة، وقال: ادعوا للسلطان بالنصر. وفي يوم الاثنين رابعه خلع الأمير الدوادار على يوسف البدري وأعاده إلى الوزارة كما كان، وهذه رابع ولاته له بالوزارة. وفي ذلك اليوم نودي في القاهرة بسفر الحاج على العادة، وكان أشيع عدم خروج الحاج في هذه السنة. وفي يوم الثلاثاء خامسه مع ليلة الأربعاء توفي قاضي الحنفية كان برهان الدين إبراهيم بن الكركي وهو إبراهيم بن الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الكركي الحنفي وكان عالما فاضلا رئيسا حشما من أعيان الحنيفة، سمع على الشيخ محيي الدين

стр. 1403

الكافيجي، والشيخ سيف الدين وآخرين من علماء الحنفية. وكان إمام الأشرف قايتباي، ورأى في أيامه غاية العز والعظمة، وولي عدة وظائف سنية منها أنه ولى مشيخة أم السلطان التي في التبانة، ومنها استفاء الصحبة، ثم ولي قاضي قضاة الحنفية مرتين، ثم ولي مشيخة المدرسة الأشرفية وقاسى محنا وشدائد من الأشرف. وكان بشوش الوجه عنده رقة حاشية ولطافة، غير كثيف الطبع ومات وهو في عشر الثمانين، وعاش سعيدا ومات شهيدا، وكان في أرغد عيش من المال والجاه. وكان سبب موته أنه كان ساكنا على بركة الفيل فنزل يتوضأ على سلم القيطون وفي رجله قبقاب، فزلقت رجله بالقبقاب، فوقع في البركة وكانت في قوة ملئها أيام النيل، ولما وقع ثقلت عليه الثياب فمات من وقته رحمة الله عليه ومات شهيدا. وفيه خلع الأمير الدوادار على شخص من الخاصكية يقال له: قجماس وقرره في كشف المنوفية عوضا عن قانصوه الذي كان بها. وفيه جاءت الأخبار من حلب بوفاة شمس الدين محمد بن ناشي شيخ سوق الكتبيين، وكان مقربا عند السلطان، وقد حاز عدة وظائف سنية. وفيه جاءت الأخبار بوفاة الأمير يوسف الشهير بالمقطش الذي كان نائب صفد وعزل عنها ثم توفي بحلب. وأشيع وفاة أبرك الذي كان كاشف إقليم الجيزة وكان من الأمراء العشراوات. وأشيع وفاة جماعة كثيرة كانوا صحبة السلطان بسبب وخم حصل لهم. فمات في غزة وفي الشام وفي حلب من الأمراء العشراوات والخاصكية والغلمان وغير ذلك ما لا يحصى عدده ماتوا من كثرة الأوخام التي كانت معهم بطول الطريق. وفيه جاءت الأخبار بصحة ما تقدم ذكره. وأن السلطان لما كان بحلب أنعم بتقادم ألوف على جماعة من الأمراء منهم الأمير يوسف الناصري شاد الشرابخاناه، ومنهم طراباي بن يشبك نائب صفد، ومنهم قانصوه أستادار الصحبة، ومنهم قانصوه الأشرفي نائب قلعة حلب، ومنهم تمراز نائب طرابلس، وآخرون. والذي يظهر من أمر السلطان أنه كان يريد إبطال جماعة من الأمراء المقدمين العواجز ويجعل هؤلاء عوضا عنهم. وفي يوم الجمعة خامس عشر شعبان، توفي الحاج علي البرماوي بزددار السلطان والمتحدث على جهات الديوان المفرد، وقد رأى من العز والعظمة ما لم يره غيره من البزددارية، وساعدته الأقدار حتى وصل إلى ما لم يصل إليه غيره في هذه الوظيفة، وكان سبب موته أنه طلع له شقفة في ظهره فانقطع اثني عشر يوما ومات. وكان أصله من فلاحين برمة يبيع الخام والطرح في الأسواق وهو راكب على حمال إلى أن فتح الله عليه، وكان لا بأس به، وعنده لين جانب مع تواضع زائد، وظهر له من

стр. 1404

الموجود بعد موته من الذهب العين خمسمائة ألف دينار وستمائة دينار. ووجد له في مكان اثنا عشر ألف دينار ذهب عين برسبيهية، ووجد له من الحجورة والمهارة نحو خمسة وأربعين رأسا، ومن الجاموس مائة رأس، ومن الغنم الضأن ألف رأس، ووجد له بالدواليب أربعمائ ثور، وضاع له عند الفلاحين بالبلاد أكثر مما تقدم ذكره، فقوم ذلك الموجود بمائة ألف دينار. وفي يوم السبت سادس عشر شعبان أشيع خبر هذه الكائنة العظيمة التي طمت وعمت وزلزلت لها الأقطار … وما ذلك إلا أن أخبار السلطان والعسكر انقطعت مدة طويلة، ثم حضر كتاب على يد ساع مجرد مطرد من عند الأمير علان دوادار ثاني أحد الأمراء المقدمين وضمنه أن السلطان كان يكذب في أمر سليم شاه بن عثمان تارة ويصدق أخرى، إلى أن حضر الأمير مغلباي دوادار سكين من عنده وهو في حال نحس، بزنط أقرع على رأسه، وعلى بدنه كبر عتيق دنس، وهو راكب على إكديش هزيل، وقد نهب جميع بركه، وأخذت خيو - له وقماشه. وأخبر أن ابن عثمان أبي الصلح وقال له: "قل لأستاذنك يلاقينا على مرج دابق". وأخبره أنه وضعه في الحديد، وقصد أن يحلق لحيته، وقدمه إلى الشنق ثلاث مرات فشفع فيه بعض وزرائه، وحمله الزبل من تحت خيله في قفة على رأسه، وقاسى منه من الهوان والأهوال ما لا خير فيه. فلما سمع السلطان هذه الحكاية تحقق وقوع الفتنة بينه وبين ابن عثمان. فقيل: إنه أنعم على مغلباي بألف دينار وخيول وقماش في نظير ما ذهب له. والذي استفاض بين الناس من أخبار السلطان أنه صلى الظهر وركب، وخرج من ميدان حلب يوم الثلاثاء في العشرين من رجب وصحبته أمير المؤمنين المتوكل على الله، والقضاة الأربعة، وكان قد تقدمه نائب الشام ونائب حلب وجماعة من النواب، فخرجوا بأطلاب حربية وطبول وزمور ونفوط حتى رجت لهم حلب. فلما خرج السلطان من حلب توجه إلى جيلان فبات بها، فلما أصبح يوم الأربعاء حادي عشري رجب رحل السلطان من جيلان وتوجه إلى مرج دابق، فأقام إلى يوم الأحد خامس عشري رجب - وهو يوم نحس مستمر - فما يشعر إلا وقد دهمته عساكر سليم شاه ابن عثمان، فصلى السلطان صلاة الصبح، ثم ركب وتوجه إلى زغزغين وتل الفار، قيل: إن هناك مشهد نبي الله داود ﵇. فركب السلطان وهو بتخفيفة صغيرة وملوطة وعلى كتفه طبر وصار يرتب العسكر بنفسه. وكان أمير المؤمنين على الميمنة وهو بتخفيفة وملوطة وعلى كتفه طبر مثل السلطان، وعلى رأسه الصنجق الخليفتي. وكان حول السلطان أربعون مصحفا في أكياس

стр. 1405

حرير أصفر وعلى رؤوس جماعة أشراف وفيها مصحف بخط الإمام عثمان بن عفان ﵁. وكان حول السلطان جماعة من الفقراء وهم خليفة سيدي أحمد البدوي ومعه أعلام، والسادة الأشراف القادرية ومعهم أعلام خضر، وخليفة سيدي أحمد بن الرفاعي ومعه أعلام، والشيخ عفيف الدين خادم السيدة نفيسة ﵂ بأعلام سود، وكان الصبي قاسم بك ابن أحمد بك بن عثمان المقدم ذكره واقفا بإزاء الخليفة وعلى رأسه صنجق حرير أصفر وقيل: أحمر، وكان الصنجق السلطاني خلف ظهر السلطان بنحو عشرين ذراعا، وتحته مقدم المماليك سنبل العثماني والسادة القضاة الأربعة والأمير تمر الزردكاش أحد المقدمين، وكان على ميمنة العسكر الأمير سيباي نائب الشام، وعلى الميسرة خاير بك نائب حلب، فقيل: أول من برز إلى القتال في الميدان الأتابكي سودون العجمي وملك الأمراء سيباي نائب الشام والمماليك القرانصة دون المماليك الجلبان، فقاتلوا قتالا شديدا هم وجماعة من النواب فهزموا عسكر ابن عثمان وكسروهم كسرة مهولة منكرة، وأخذوا منهم سبع صناجق وأخذوا المكاحل التي كانت على العجل ورماة البندق. فهم ابن عثمان بالهروب أو بطلب الأمان، وقد قتل من عسكره فوق العشر آلاف إنسان، وكانت النصرة لعسكر مصر أولا ويا ليته تم ذلك. لكنه قد بلغ المماليك القرانصة أن السلطان قال للماليك الجلبان: "لا تقاتلوا أبدا، وخلوا المماليك القرانصة يقاتلون وحدهم". .. فلما بلغهم ذلك ثنوا عزمهم عن القتال، فبينماهم على ذلك وإذا بالأتابكي سودون العجمي قتل في المعركة، وقتل ملك الأمراء سيباي نائب الشام، فانهزم في الميمنة من العسكر جانب كبير. ثم أن خاير بك نائب حلب انهزم وهرب، فكسر الميسرة. وأسر الأمير قانصوه بن سلطان جركس، وقيل: قتل. وقيل: إن خاير بك كان موالسا على السلطان الغوري في الباطن، وهو مع ابن عثمان على السلطان، وقد ظهر مصداق ذلك فيما بعد، فكان هو أول من هرب قبل العسكر قاطبة وأظهر الهزيمة، وكان ذلك من الله تعالى خذلانا لعسكر مصر حتى نفذ القضاء والقدر. وصار السلطان واقفا تحت الصنجق في نفر قليل من المماليك، فشرع ينادي: "يا أغوات هذا وقت المروءة، هذا وقت النجدة" فلم يسمع له أحد قولا وصاروا يتسحبون من حوله، وهو يقول للفقراء: "ادعوا الله ﵎ بالنصر فهذا وقت دعائكم" وصار لا يجد له معينا ولا ناصرا، فانطلقت في قلبه جمرة نار لا تطفأ، وكان ذلك اليوم شديد الحر، وانعقد بين العسكرين غبار حتى صاروا لا يرى بعضهم بعضا، وكان نهار غضب من الله تعالى قد انصب على عسكر مصر، وغلت أيديهم عن القتال، وشخصت منهم الأبصار. وقد قلت في هذه الواقعة هذه الأبيات:

стр. 1406

لما التقى الجيشان مع سلطاننا … في مرج دابق قال هل من مسعفي فله أجاب لسان حال قائلا … عرضت نفسك للبلا فاستهدف واشتد بالجلبان رعب قلوبهم … وغدوا يقولوا أي أرض نختفي والنهب أطمعهم لذل نفوسهم … حتى أتاهم بالقضاء المتلف فلما اضطربت الأحوال، وتزايدت الأهوال، خاف الأمير تمر الزردكاش على الصنجق السلطاني فأنز - له وطواه وأخفاه. ثم تقدم إلى السلطان وقال له: "يا مولانا السلطان إن عسكر ابن عثمان قد أدركنا فانج بنفسك وادخل إلى حلب". فلما تحقق السلطان ذلك غلبه في الحال خلط فالج، أبطل شقه وأرخى حنكه، فطلب ماء فأتوه بماء في طاسة من ذهب فشرب منه قليلا، وألفت فرسه على أنه يهرب فمشى خطوتين وانقلب عن الفرس إلى الأرض، فأقام نحو درجة وخرجت روحه ومات من شدة قهره، وقيل: فقئت مرارته وطلع من حلقه دم أحمر. فلما أشيع موته زحف عسكر ابن عثمان على من كان حول السلطان فقتلوا الأمير بيبرس أحد المقدمين وقتلوا جماعة من الخاصكية وغلمان السلطان ممن كان حوله، وأما السلطان من حين مات فلم يعلم له خبر، ولا وقف له على أثر، ولا ظهرت جثته بين القتلى، فكأن الأرض قد ابتلعته في الحال، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر. فداس العثمانية وطاق الغوري بما فيه من الأمتعة والأزراق التي كان حوله بأرجل الخيول، وفقد المصحف العثماني، وداسوا أعلام الفقراء وصناجق الأمراء، ووقع النهب في أرزاق عسكر مصر وبرقهم، وزال ملك الأشرف الغوري في لمح البصر، فكأنه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغير. فاضمحل أمره وزال ملكه، بعد ما تصرف في ملك مصر وأعمالها، والبلاد الشامية وأعمالها، وكانت مدة سلطنته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما … فإنه ولي ملك مصر في مستهل شوال سنة ست وتسعمائة، وتوفي في الخامس والعشرين من رجب سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وكانت الناس معه في هذه المدة في غاية الضنك وقد قلت في المعنى: اعجبوا للأشرف الغوري الذي … مذ تناهى ظلمه في القاهرة

стр. 1407

زال عنه ملكه في ساعة … خسر الدنيا إذن والآخره وقد أقامت هذه الواقعة من طلوع الشمس إلى ما بعد الظهر، وانتهى الحال إلى الأمر الذي قد قدره الله تعالى، فقتل في تلك الواقعة من عسكر السلطان ابن عثمان ومن عسكر السلطان الغوري ما لا يحصى عدده، فقتل من الأمراء المقدمين ثلاثة وهم: الأتابكي سودون العجمي، وبيبرس قريب السلطان، وأقباي الطويل، وأسروا قانصوه بن سلطان جركس، وقتل سيباي نائب الشام وتمراز نائب طرابلس وطراباي نائب صفد وأصلان نائب حمص وغير ذلك جماعة كثيرة من أمراء دمشق وأمراء حلب وطرابلس، وقتل من أمراء مصر جماعة كثيرة من أمراء الطبلخانات والعشراوات والخاصكية وأكثر من قتل من عسكر مصر المماليك القرانصة. ولم يقتل من المماليك الجلبان إلا القليل فإنهم لم يقاتلوا في هذه الواقعة ولا ظهر لهم فروسية ولا جذبوا سيفا ولا هزوا رمحا فكأنهم خشب مسندة. وقتل من عسكر ابن عثمان ما لا يحصى ضبطه، وقتل من أمراء مصر ومن دمشق وحلب فوق الأربعين أميرا، وقتل في ذلك اليوم القاضي ناظر الجيش عبد القادر القصروي وجماعة كثيرة من الجند يأتي الكلام على ذلك في موضعه، فكانت ساعة يشيب منها الوليد، ويذوب لسطوتها الحديد. فكان برج دابق فيه جثث مرمية وأبدان بلا رؤوس ووجوه معفرة بالتراب قد تغيرت محاسنها، وصار في ذلك المكان خيول مرمية موتى، وسروج مفرقة وسيوف مسقطة بذهب وبركستوانات فولاذ بذهب وخوذ وزرديات وبقح قماش فلم يلتفت إليها أحد، وكل من العسكرين قد اشتغل بما هو أهم من ذلك، وقال بعض المواليا في المعنى: صفق جوادي وقد جسيت يوم الحرب … عودي فغنت صوارم شرقها والغرب ضربت عادة تنقط في سماع الضرب … رؤوس الأعادي وترفض داخله في الحرب ثم أن ابن عثمان زحف بعسكره وأتى إلى وطاق السلطان، ونزل في خيامه وجلس في المدورة، واحتوى على الطشتخاناه وما فيها من الأواني الفاخرة، وعلى الزردخاناه وما فيها من السلاح، وعلى خزائن المال والتحف، ونزل كل أمير من أمرائه في وطاق أمير من أمراء الغوري واحتوى على ما فيها، فاحتوى على وطاق خمسة عشر أميرا مقدمي ألوف خارجا عن أمراء الطبلخانات والعشراوات، واحتوى العسكر على خيام العسكر المصري والشامي والحلبي وغير ذلك كما يقال: "مصائب قوم عند قوم فوائد".

стр. 1408

ولم يقع قط لملوك ابن عثمان مثل هذه النصرة على أحد من الملوك قاطبة، بل إن تمرلنك زحف على بلاد ابن عثمان وحارب أحد أجداده وهو شخص يقال له: يلدرم. فلما حاربه انكسر فأسره تيمور ووضعه في قفص حديد وصار يعجب عليه في بلاد العجم، فما طاق ابن عثمان ذلك فابتلع فص الماس فمات وهو في ذلك القفص الحديد. ولم يقع قط لأحد من سلاطين مصر مثل هذه الكائنة، ومات تحت صنجقه في يوم واحد وانكسر على هذا الوجه أبدا، ولا سمع بمثل ذلك ونهب مالك وبركه بيد عدوه غير قانصوه الغوري، وكان ذلك في الكتاب مسطورا، وكان السلطان والأمراء ما منهم أحد ينظر في مصالح المسلمين بعين العدل والإنصاف، فردت عليهم أعمالهم ونياتهم وسلط عليهم ابن عثمان حتى جرى لهم ما جرى كما قيل في المعنى: أين الملوك الأولى في الأرض قد ظلموا … والله منهم لقد أخلى أماكنهم ثم أن السلطان ابن عثمان تحول من مرج دابق فدخل إلى حلب فملكها من غير مانع ونزل بالميدان الذي بها في المكان الذي كان به السلطان الغوري وهذا ما انتهى إلينا من ملخص هذه الواقعة ما فيها من زيادة ونقصان، فهذا ما كان من أمر السلطان الغوري وابن عثمان. وأما ما كان من أمر الأمراء والعسكر بعد الكسرة فإنهم توجهوا إلى حلب وأرادوا الدخول بها، فوثب عليهم أهل حلب قاطبة، وقتلوا جماعة من العسكر ونهبوا سلاحهم وخيولهم وبرقهم، ووضعوا أيديهم على ودائعهم التي كانت بحلب، وجرى عليهم من أهل حلب ما لم يجر عليهم من عسكر ابن عثمان. وكان أهل حلب بينهم وبين المماليك السلطانية حظ نفس من حين توجهوا قبل خروج السلطان من القاهرة إلى حلب صحبة قاني باي أمير آخور كبير. فنزلوا في بيوت أهل حلب غصبا وفسقوا في نسائهم وأولادهم وحصل منهم غاية الضرر والأذية لأهل حلب، فما صدق أهل حلب أن وقعت لهم هذه الكسرة فأخذوا بثأرهم منهم … فلما رأى الأمراء وبقية العسكر ذلك خرجوا من حلب على حمية وتوجهوا إلى دمشق ودخلوها وهم في أفحش حال، لا برك ولا قماش ولا خيول، ودخل غالب العسكر إلى الشام وبعضهم راكب على حمار وبعضهم راكب على جمل وبعضهم عريان وعليه عباءة أو بشت. ولم يقع لعسكر مصر مثل هذه الكائنة، فأقام الأمراء والمباشرون والعسكر في الشام حتى تتكامل البقية ويظهر السالم من العاطب … قيل: إن الأمراء لما دخلوا إلى الشام وصاروا في حر الشمس لم يجدوا ما يستظلون به حتى صنع لهم الغلمان عرايش من فروع الشجر يستظلون بها.

стр. 1409

وأما ما كان من أمر سليم شاه بن عثمان فإنه أقام بالميدان الذي في حلب فتوجه إليه أمير المؤمنين المتوكل على الله والقضاة الثلاثة وهم قاضي القضاة الشافعي كمال الدين الطويل وقاضي القضاة محيي الدين الدميري المالكي وقاضي القضاة شهاب الدين الفتوحي الحنبلي. وأما قاضي القضاة محمود بن الشحنة فإنه هرب مع العسكر إلى الشام ونهب جميع بركه وقماشه، ودخل إلى الشام في أنحس حال. قيل: لما دخل أمير المأمني على ابن عثمان وهو بالميدان عظمه وأجلسه وجلس بين يديه فأشيع أنه قال له: أصلكم من أين؟ فقال له: من بغداد، فقال له ابن عثمان: نعيدكم إلى بغداد كما كنتم. والأقوال في ذلك كثيرة … فلما أراد الخليفة الانصراف خلع عليه خلعة سنية من ملابسه، وأنعم عليه بمال له صورة ورده إلى حلب ووكل به ألا يهرب. وقيل: لما دخل عليه القضاة الثلاثة المذكورون وبخهم بالكلام، وقال لهم: أنتم تأخذون الرشوة على الأحكام الشرعية، وتسعون بالمال حتى تتولوا القضاء، وما منكم من أحد يرشد إلى الخير، لأنكم لم تمنعوا سلطانكم عن المظالم التي كان يفعلها بالناس، وأنتم ترون ذلك منه ولا تنكرونه. وأشاعوا من هذه الأخبار العجائب والغرائب، والمعول في ذلك على الصحة. وأخبرني من رأى سليم شاه بن عثمان أنه مربوع القامة واسع الصدر أقنص العنق مكرفس الأكتاف مترك الوجنتين واسع العينين دري اللون وافر الأنف مليء الجسد حليق اللحية ليس له غير الشوارب، كبير الرأس عمامته صغيرة دون عمائم أمرائه. فلما جاء إلى حلب سلمه أهلها المدينة من غير نزاع، وهرب قانصوه الأشرفي نائب القلعة، وتوجه إلى الشام مع العسكر وترك أبواب قلعة حلب مفتحة … فلما بلغ ابن عثمان ذلك أرسل إليها شخصا من جماعته أعرج أجرود وفي يده دبوس خشب، فطلع إلى قلعة حلب فلم يجد بها مانعا يرده. فختم على الحواصل التي بها واحتوى على ما فيها من مال وسلاح وتحف وغير ذلك، وقد فعل ابن عثمان ذلك ليقال أنه أخذ قلعة حلب بشخص أعرج وفي يده دبوس خشب وهو أضعف من في عسكره وقد قيل في المعنى: لا تحرقن صغيرا في مخاصمة … إن الذبابة تدمي مقلة الأسد وأشيع أن ابن عثمان من حين استولى على مدينة حلب لم يدخلها غير ثلاث مرات: المرة الأولى دخلها وطلع إلى القلعة بسبب عرض حواصلها، فلما عرضت عليه رأى ما أدهشه من مال وسلاح وتحف، وكان فيها من المال نحو مائة ألف ألف دينار، ورأى من

стр. 1410

الكنابيش الزركش والرقاب الزركش والطبر والسروج الذهب والبلور وطبول البازات واللجم المرصعة والفصوص المثمنة والبركتسوانات الفلاوذ الملون والسيوف المسقطة بالذهب والزرديات والخوذ الفاخرة وغير ذلك من السلاح ما لم يره قط، ولا فرح به أحد من أجداده، ولا أحد من ملوك الروم، لأن الذي جمعه الغوري من الأموال من وجوه الظلم والجور، والتحف التي أخرجها من الخزائن من ذخائر الملوك السالفة من عهد ملوك الترك الجراكسة، احتى عليه جميعه السلطان سليم شاه بن عثمان من غير تعب ولا مشقة. هذا خارج عما كان لأمراء المقدمين والأمراء الطبلخانات والعشراوات والمباشرين والعسكر قاطبة من الودائع بحلب من مالك وسلاح وقماش وبرك وغير ذلك، فاحتى ابن عثمان على ذلك جميعه. وقيل: إنه ملك ثلاث عشرة قلعة من بلاد السلطان، واحتوى على ما فيها من مال وسلاح وغير ذلك، فكان الذي ظفر به سليم بن عثمان في هذه الواقعة من الأموال والسلاح والتحف وغير ذلك لا ينحصر ولا يضبط، وقد قسم له ذلك من القدم واحتوى على خيول وبغال وجمال لا يحصى عددها، واحتوى على خيام وبرك ولا سيما ما كان مع السلطان وأمراء العسكر، كما يقال في المعنى: ألا إنما الأقسام تحرم ساهرا … وآخر يأتي رزقه وهو نائم ودخل المرة الثانية فصلى صلاة الجمعة في جامع الأطروش الذي بحلب وخطب باسمه ودعى له على المنابر في مدينة حلب وأعمالها، وزينت له مدينة حلب وأوقدت له الشموع على الدكاكين، وارتفعت له الأصوات بالدعاء وهو مار عند عوده من الجامع، وفرح الناس به فرحا شديدا، وانتمى إليه الخواجا إبراهيم السمرقندي والخواجا يونس العادلي والعجمي الشنقجي. وكان هؤلاء من أخصاء الغوري، وكانوا مع ابن عثمان في الباطن ويكاتبونه بأحوال السلطان وما يقع من أخبار المملكة. فلما فقد السلطان الغوري أظهروا عين المحبة بن عثمان وصاروا يحطون على الغوري ويذكرون أخباره الشنيعة لابن عثمان، وصاروا من جماعته ونسوا إحسان الغوري إليهم كما يقال في المعنى: لقاء أكثر من يلقاك أوزار … فلا تبالي أصدوا عنك أو زاروا أخلاقهم حين تبلوهن أو عار … وفعلهم منكر للمرء أو عار

стр. 1411

لهم لديك إذا جاؤوك أوطار … إذا قضوها تنحوا عنك أو طاروا وممن كان موالسا على السلطان في الباطن خاير بك نائب حلب، فإنه أول من كسر عسكر السلطان، وانهزم عن ميسرته، وتوجه إلى حماة. ولما ملك ابن عثمان حلب أرسل خلفه، فلما حضر إليه خلع عليه وصار من جملة أمرائه ولبس زي التراكمة - العمامة المدورة والدلامة - وقص ذقنه وسماه السلطان "خاين بك" لكونه خان سلطانه وطاع ابن عثمان. فلما جرى ذلك تسحبت مماليك خاير بك، وتوجهوا صحبة العسكر إلى مصر، ودخل هو تحت طاعة ابن عثمان. وهذه الواقعة تقرب من واقعة ابن العلقمي وزير بغداد لما والس على الخليفة المعتصم بالله وملك هولاكو بغداد وقتل الخليفة، فصار ابن العلقمي مقربا عند هولاكو ثم انقلب عليه وقتله، وقال: "أنت ما فيك خير لأستأذك فما يكون فيك الخير لي". وربما يقع لخاير بك مثل ذلك. ثم أن ابن عثمان دخل إلى مدينة حلب ثالث مرة بسبب أنه دخل بها الحمام وأنعم على المعلم بمبلغ له صورة … واستمر الخليفة والقضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنبلي في الترسيم بحلب لا يخرجون منها إلى أن يأذن لهم ابن عثمان، وأقام بحلب جماعة كثيرة من أعيان الناس بعد الكسرة منهم: القاضي عبد الكريم بن الجيعان كاتب الخزائن الشريفة، وعبد الكريم بن فخيرة أحد كتاب المماليك، وعبد الكريم بن الأدمي مستوفي الزردخانة، والرئيس محمد بن القيسوني إمام السلطان الغوري، والسمديسي الذي كان قاضي القضاة الحنفية وإمام السلطان، والخواص مؤذن السلطان ورفيقه رصاص المؤذن، ويحيى بن بكير ورفيقه، وجماعة آخرون لم تحضرني أسماؤهم الآن … فهؤلاء تخلفوا بحلب بعد الكسرة حتى يؤذن لهم. وقيل: لما دخل ابن عثمان إلى مدينة حلب نادى فيها بالأمان والاطمئنان والبيع والشراء، ولك من كان عنده للأمراء والعسكر شيء من خيول أو سلاح أو قماش يحضر ما عنده، وإن لم يحضر ما عنده وغمز عليه شنق من غير معاودة. وأما من قتل في هذه المعركة من الأمراء وأعيان الناس، فالذي يحضرني من ذلك وتحققته: الأتابكي سودون العجمي، وملك الأمراء سيباي نائب الشام، والأمير قانصوه بن سلطان جركس، وقيل: لم يقتل وأسر الأمير بيبرس قريب السلطان وهو صاحب المدرسة

стр. 1412

التي بالقرب من الجودرية، والأمير أقباي الأشرفي الطويل أحد المقدمين أمير آخور ثاني، فهؤلاء الذين قتلوا من الأمراء المقدمين في هذه الواقعة. وأما من قتل من النواب: فتمراز الأشرفي نائب طرابلس، ونائب صفد، وأصلان نائب حمص، وجماعة كثيرة من نواب الشام وحلب. وأما من قتل من الأمراء الطبلخانات فجماعة كثيرة: منهم طومان باي ابن قرا حاجب ثاني وجاني بك العادلي شاد الشرابخاناه كان، وقانصوه حبانية، وبرد بك رأس نوبة عصاه، ونوروز رأس نوبة عصاه، وقانصوه الذي كان أستادار الصحبة، وبخشباي قرا شاد الشون، وقيت الأحوال، وقرقماش المقري توفي بالشام، ويوسف المفتش الذي كان نائب صفد. ومن الأمراء العشراوات جانم المحمدي، وجان بردي الذي كان كاشف الرميلة، وبرسباي أحد الأمراء العشراوات، وتوفي أقباي الطويل الذي كان كاشف الشرقية، وملاج الذي كان نائب القدس، وجان بردي وطراباي أخو الأتابكي قيت الرحبي، وخدا بردي، وقانم الأعرج، وجانم الطويل، وقايتباي أخو اصطمر. وتوفي مسايد، وتوفي طراباي قرا، وأقطوه الطويل خادم السادة، وجان بلاط الذي كان والي قطيا، وبرسباي أحد الأمراء العشراوات وصهره، وتوفي لاجين ناظر مقام سيدي أحمد البدوي بغزة، وقانصوه الناصري، وطراباي الأشرفي، وتوفي الأمير أينال خازندار الأمير قاني باي أمير آخور كبير وكان من أمراء الطبلخانات، وغير ذلك ممن يأتي ذكره، حتى قيل: إنه مات في هذه الواقعة من أمراء مصر والشام وحلب وغير ذلك نحو أربعين أميرا لم تحضرني أسماؤهم الآن. وقتل أزبك العجمي أمير طبلخانات، وقتل جان بلاط الساقي أمير طبلخانات، وتوفي شاد بك نائب المهمندار، وتوفي الأمير إياس المشطوب رأس نوبة عصاه من العشراوات. وأما من توفي من المباشرين فالقاضي ناظر الجيش عبد القادر القصروي، وقتل بوطاق السلطان وقتل محمد العفيف رئيس الكحالين، وتوفي جلال الدين أحد كتاب المماليك بغزة عند العود، وخليفة سيدي أحمد البدوي ﵁، وغير ذلك ممن لا تحضرني أسماؤهم، وأما القاضي جمال الدين عبد الله مباشر وقف قاني باي الجركسي فقد قيل: إنه قتل في الواقعة. وأما من توفي من أولاد الناس فالشرفي يونس ابن قانصوه أحد أولاد بنت قرقماس الطبردارية يقال له: محمد بن قرقماس الجمالي أحد الطبردارية أيضا، وقتل إبراهيم قريب الشرفي يونس نقيب الجيوش المنصور، وآخرون من الأعيان ممن لا تحضرني أسماؤهم

стр. 1413

الآن. وقتل بعد الواقعة بحلب عبد الكريم الأدمي مستوفي الزردخاناه، وقتل ابن على الزردي. ومن هنا نرجع إلى أخبار القاهرة بعد هذه الواقعة، فإنه لما ورد كتاب الأمير علان الدوادار الثاني بما وقع من هذه الأمور المهولة في تلك الواقعة وقتل الأمراء والأعيان والقضاة، قام العزاء والصراخ في بيت الأتابكي سودون العجمي وكان أميرا دينا خيرا لين الجانب، وكان يعرف بسودون بن جاني بك وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباي وولي عدة وظائف سنية منها إمرية مجلس، وإمرية سلاح، والأتابكية، واصطلى الحرب وأظهر الفروسية في هذه الواقعة، واستمر يقاتل حتى قتل على ظهر فرسه رحمة الله عليه. وقام نعي السلطان في ذلك اليوم، ونعي الأمراء والأعيان الذين قتلوا وصار في كل حارة وزقاق وشارع من القاهرة صراح وبكاء بسبب من قتل من العسكر وغيرهم، ورجت القاهرة وضجت الناس واضطربت الأحوال وكثر القال والقيل. وفي يوم الأحد سابع عشر شعبان وردت الأخبار على الأمير الدوادار بأن عربان بني عطية والنعائم نهبوا ضياع الشرقية وأخذوا منها نحو أربعمائة رأس غنم من غنم السلطان والدوادار ودخلوا وادي العباسة، ولما بلغ الأمير الدوادار ذلك صلى الظهر ثم ركب وخرج إليهم وصحبته خمسمائة مملوك، فكبس عليهم، فهربوا من وجهه وغنموا ما نهبوه من الأموال والمواشي والغلال وغير ذلك، فرجع الأمير الدوادار إلى داره. وفيه خلع الأمير الدوادار علي الزيني بركات ابن موسى، فشق القاهرة وأشهر النداء بالأمان والاطمئنان وأن المشاهرة والمجامعة بطالة، وجميع المظالم الحادثة بطالة، وأن الزيني بركات بن موسى على عادته ولا يحتمي عليه أحد، وقد تضاعفت حرمته، ونفذت كلمته فوق ما كان، واجتمع معه عدة وظائف سنية، وصار هو المتصرف في جميع أمور المملكة ليس على يده يد. وفي يوم الاثنين ثامن عشره أنفق الأمير الدوادار الجامكية على العسكر الذين في القاهرة، فجلس الأمير طقطباي نائب القلعة عند سلم المدرج، وأنفق الجامكية هناك، والإشاعات فاشية بموت السلطان، والأحوال مضطربة. وفيه رسم الدوادار بعرض من في السجون حتى النساء اللاتي بالحجرة، فلما عرضوا عليه أفرج على جماعة كثيرة منهم جان بك دوادار الأمير طراباي، وكان له مدة وهو في السجن بالمقشرة بسبب المال الذي تبقى عليه من حين كان متحدثا في نظر الديوان المفرد، وأفرج عن القاضي بدر الدين بن ثعلب قاضي أسيوط، وكان له مدة في المقشرة على بقايا

стр. 1414

من مال المصادرة، وأفرج عن ولده شمس الدين وأخيه نجم الدين، وأفرج عن صلاح الدين ابن كاتب غريب ابن أخي أبي الفضل، وأفرج عن المعلم شنشو اليهودي الذي كان يهوديا وأسلم وقد تقدم سجنه، وأفرج عن المعلم يعقوب الصائغ معلم دار الضرب، وأفرج عن جماعة كثيرة من العمال والفلاحين وغيرهم، حتى أفرج عن النساء اللاتي كن بالحجرة، وعمن كانوا في السجون من الأعيان. ولم يبق في السجون غير أصحاب الجرائم ومن عليه دم قديم. وقطع أيدي جماعة وأطلقهم، ثم وسط جماعة من المجرمين منهم شخص يقال له: عبد القادر أبو دية وآخرون منهم، وقطع أيدي جماعة من الحرامية، وأفرج عن القاضي صلاح الدين بن أبي السعود ابن القاضي إبراهيم بن ظهيرة قاضي قضاة مكة، وكان له مدة وهو في الحديد في بيت الزيني بركات بن موسى في الترسيم، وأقام على ذلك مدة طويلة حتى أفرج الله عنه، وكان سبب ذلك شخص يقال له: إبراهيم السمرقندي ترافع معه عند السلطان حتى قال: إنه لقي خبيئة بمكة فيها مالك ثير، وأرسل السلطان أحضره على غير صورة مرضية من مكة، ولما حضر قال له: "المال الذي لقيته أحضره لي" فأنكر ذلك فوضعه السلطان في الحديد وسلمه إلى الزيني بركات، فأقام عنده في الترسيم في الحديد مدة طويلة بغير ذنب. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره خلع الأمير الدوادار على الشهابي أحمد بن المنذري حسن بن الطولوني وأعاده إلى وظيفته معلم المعلمين، وكان السلطان أخرجها عنه وجعل جمال الدين الألواحي بواب الدهيشة متكلما في المعلمية عوضة عن ابن الطولوني. وفيه رسم الأمير الدوادار نائب الغيبة بإشهار المناداة في القاهرة بأن جميع المكوس الحادثة بطالة، وتجري على ما كانت عليه أيام الأشرف قايتباي من غير زيادة على ذلك، فارتفعت له الأصوات بالدعاء. وفي ذلك اليوم شق الزيني بركات بن موسى القاهرة، وسعر جميع الأسعار، حتى الكنافة سعرها بدرهمين الرطل، وكانت بأربعة دراهم كل رطل، وسعر الأجبان واللحوم. وفي أثناء ذلك الشهر فتح سد أبي المنجا، وكان النيل يومئذ في عشرين ذراعا، ووافق ذلك ثاني عشري توت أول الشهور القبطية. وكان الأمير الدوادار في مدة غيبة السلطان يركب في كل يوم ويسير نحو المطرية، فإذا رجع يدخل من باب النصر ويشق من القاهرة وقدامه الأمراء المقدمون الذين تخلفوا بمصر، والجم الكثير من العسكر. فيشق القاهرة وقدامه السعادة والعبيد النفطية ومماليكه متقلدون بالسيوف وبأيديهم رماح بسطفات

стр. 1415

حرير ملون، فترتج له القاهرة وترتفع له الأصوات بالدعاء من الناس، فكانت نفسه تحدثه بالسلطنة قبل وقوعها، وقد عظم أمره جدا وهابه الناس هيبة عظيمة. وفي يوم الجمعة ثاني عشريه لما تحقق موت السلطان لم تدع الخطباء في ذلك اليوم على المنابر باسم السلطان، بل دعوا باسم الخليفة فقط ولم يذكروا اسم السلطان، وبعضهم قال: "اللهم ول علينا خيارنا ولا تول علينا شرارنا". واستمر الحال على ذلك مدة طويلة ومصر بلا سلطان، وكذلك البلاد الشامية. وفي تلك الأيام وقع الفساد من العربان في الشرقية وغيرها من البلاد، فنهبوا عدة بلاد من المنزلة وغيرها من ضواحي الشرقية، ولم يبقوا لهم مواشي ولا بقرا ولا غنما، حتى أخذوا صيغة النساء، وقتل من الفلاحين في هذه الحركة ما لا يحصى عددهم، وكذلك من القصاد وغيرهم. وانقطعت جميع الطرقات من المسافرين ولا سيما لما تحققوا موت السلطان، وصارت مصر في اضطراب والإشاعات قائمة بالأخبار الرديئة عما جرى للسلطان والعسكر. وكان أكثر من شن هذه الغارات أولاد شيخ العرب الأمير أحمد بن بقر وجماعة من العشير، وفعلوا ما عظم خبره في العساكر والتجار الذين دخلوا صحبة القفل الشامية، فقتلوا من العساكر والتجار ما لا يحصى عددهم، وأخذوا أموالهم وجمالهم، والذي سلم من القتل عروه، وجرى على العسكر من هؤلاء العربان ما لم يجر عليهم من عسكر ابن عثمان، ووقع لهم ذلك بين قطيا والصالحية عند ما وصلوا إلى الأمان. وفي هذا الشهر أشيع أن المماليك الجلبان قصدوا أنهم ينزلون من الطباق، وينهبون خان الخليلي ثم يحرقونه، ويقتلون من به من تجار الأروام، وقالوا: هؤلاء التجار من جهة ابن عثمان وقد شمتوا بأستاذنا لما مات … فلما بلغ الأمير الدوادار ذلك أحضر أغوات الطباق وقال لهم: "لا أطلب خمود هذه الفتنة إلا منكم". فمنعوهم من النزول من الطباق، ولولا أن الأمير الدوادار قام في هذا الحركة حتى خمدت هذه الفتنة لخربت مصر عن آخرها من المماليك الجلبان. وفيه اهتم الأمير الدوادار بعمل طوارق خشب وكفيات ونبدقيات وغير ذلك من آلات الحرب … وأشيع أنه يتسلطن قبل مجيء العسكر، وكان القائم في ذلك الأمير طقطباي نائب القلعة والأمير علان الدوادار الثاني. وفي يوم الجمعة الثانية لم تذكر الخطباء اسم سلطان في الدعاء كما فعلوا في الجمعة الماضية، ومن حين ورد كتاب الأمير علان بما جرى للعسكر من أمر الكسرة وأمر

стр. 1416

السلطان لم ترد من بعد ذلك أخبار صحيحة، وانقطعت الأخبار عن مصر نحو أربعين يوما، وكثر القال والقيل في ذلك على أنواع شتى. ومن جملة ما أشيع أن جان بردي الغزالي نائب الشام منع أن يصل إلى مصر أحد، وعوق العسكر بالشام. وفيه وردت أخبار من عند الأمير حسين نائب جدة، والرئيس سلمان العثماني، أنهما لما توجها إلى الهند صحبة العسكر المقدم ذكرهم، ووصلا إلى كمران، وهي ضيعة من ضياع الهند، أنشئوا هناك قلعة ذات أبراج، فكمل بناؤها في نحو خمسة أشهر. ثم أن الأمير حسين أرسل طائفة من العسكر نحو مكان يسمى اللحية، وأرسل طائفة من العسكر إلى مكان يسمى مورا، وأقام الأمير حسين هو وبقية العسكر في مكان يسمى "بيت الفتية" فأقاموا بها نحو شهر. ثم أن الأمير حسين والأمير سلمان والعسكر توجهوا إلى نحو زبيد، وحاصروا صاحبها عبد الملك أخا الشيخ عامر فملكوا منه زبيد وذلك صبيحة يوم الجمعة في العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، فوجدوا بها من الأمم ما لا يحصى عددهم، ثم ذكروا في الكتاب أن الأمير حسين لما أن فتح زبيد توجه إلى حصار مدينة عدن، وأنه أشرف على أخذها، ولما ملكوا زبيد أقاموا بها شخصا من مماليك الأشرف الغوري وهو من أمراء العشراوات يسمى برسباي، ومعه بعض جماعة من المماليك وأولاد الناس الذين كانوا صحبتهم، والتف عليهم جماعة من العربان نحو عشرة آلاف إنسان. ولما ملك برسباي زبيد تسلطن بها ورتب له دوادار وخازندارا وأرباب وطائف كعادة السلاطين، وغنم منها أموالا جزيلة هو ومن معه من العسكر. ولما توجه إلى حصار عدن أيضا ملكها كما قيل. وفي هذا الشهر عرض الأمير الدوادار العسكر الذين في القاهرة وكان ذلك العرض في بيته وكان سبب هذا العرض أنه بلغ الأمير الدوادار أن عدة مراكب وصلت إلى ثغر إسكندرية ورشيد، فخشي أن تكون من عند ابن عثمان، فبادر إلى عرض العسكر وقال لهم: كونوا على يقظة وعبوا برقكم حتى يتضح هذا الخبر، وانفصل المجلس على ذلك فانصرف العسكر في هرج. ***** وفي شهر رمضان، وكان مستهله يوم السبت، توجه لبيت الأمير الدوادار جماعة من نواب القضاة وهنأوه بالشهر وكانت القضاة الثلاثة والخليفة في أسر سليم شاه بن عثمان بحلب لا يمكنهم العود إلى مصر.

стр. 1417

وفي يوم الأحد ثانيه كان أول بابه من الشهور القبطية، فثبت فيه النيل المبارك على عشرين ذراعا، وكان في العام الماضي أرجح من ذلك، واستمر في ثبات إلى أول هاتور، ثم وردت الأخبار على يد ساع بأن الأمراء والعسكر دخلوا إلى الشام وهم في أنحس حال، وقد نهب بركهم وخيولهم وجمالهم وجميع ما يملكونه … وأخبر ذلك الساعي أن أهل الشام لما تحققوا موت السلطان وثب بعضهم على بعض، ونهبوا زروع الشام، وأخذوا أموالهم، وقتلوا منهم جماعة، واضطربت أحوال البلاد الشامية غاية الاضطراب. وفيه دخل قاضي القضاة محمود بن الشحنة وقد نهب جميع بركه وكل ما يملكه، وأخبر أن ابن عثمان ملك ثلاث عشرة قلعة، وخطب باسمه فيها ومشى حكمه من الفرات إلى حلب. وأخبر أن الخليفة والقضاة الثلاثة في أسر ابن عثمان بحلب، ولولا أنه هرب مع العسكر وإلا كان أسر معهم. وأخبر أن إبراهيم السمرقندي ويونس العادلي والعجمي الشنقجي - الذين كانوا من أخصاء السلطان - لما مات الغوري التفوا على سليم شاه ابن عثمان، وصاروا من جماعته، وصاروا يتقربون إليه بذكر مساوي أستاذهم الغوري وأمرائه، ويظهرون له معائبهم وقبائحهم، ولم يذكروا شيئا من إحسان الغوري لهم لا جليلا ولا حقيرا، وكأنه لم يكن سلطانا لهم ولا أستاذا، ونسوا جميع إنعامه وإحسانه إليهم، ولا سيما ما أحسن به إلى العجمي الشنقجي من سلاريات وشقق حرير وسمور ومال وإنعامات جزيلة، فلم يثمر ذلك فيهم. فلما بلغ الأمير الدوادار ذلك رسم للوالي أن يكبس على بيت السمرقندي ويونس العادلي، فتوجه إليهم الوالي وقبض على عيال السمرقندي ويونس العادلي وحريمها وحاشيتهما، ووضع عبد السمرقندي في الحديد، وختم على حواصل السمرقندي ويونس العادلي، وظهر أنهم كانوا موالسين على السلطان، وكانوا يكاتبون سليم شاه ابن عثمان في الباطن بأحوال السلطان وأمور المملكة … وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. ***** وفي يوم الجمعة سابعه صلى الأمير الدوادار صلاة الجمعة، وخرج إلى ملاقاة الأمراء المقدمين الذين حضروا من الشام، وقد بلغه وصولهم إلى بلبيس، فدخل القاضي محمود بن أجا كاتب السر وهو في محفة وصحبته الشهابي أحمد بن الجيعان، ودخل الأمير أركماس أمير سلاح وهو في محفة عليل، ودخل الأمير أنص باي حاجب الحجاب وتمر الزردكاش والأمير علان الدوادار الثاني وآخرون، ثم دخل بقية العسكر وهم في أسوأ حال من

стр. 1418

العري والجوع والضعف، ودخلوا وأطواقهم مفككة، وأظهروا الحزن على السلطان، وصار الأمراء والعسكر يدخلون شيئا فشيئا. وفي يوم الخميس ثالث عشره دخل الأمير سودون الدواداري رأس نوبة النوب، والأمير كرت قانصوه والأمير جان بردي الغزالي نائب حماة، ودخل المقر الناصري محمد نجل السلطان الغوري، والأمير جان بلاط الموتر والأمير أبرك الأشرفي والأمير تاني بك الخازندار والأمير كرتباي. وفيه تكامل دخول الأمراء فسلم عليهم الأمير الدوادار ورجع إلى منزله، ودخل صحبته الأمير قانصوه الأشرفي الذي كان نائب قلعة حلب، وهو الذي سلم القلعة بما فيها من المال والسلاح والقماش والكنابيش الزركش والسروج الذهب وغير ذلك من التحف، فتسلمها ابن عثمان من غير أن يحاصر القلعة، فخرج قانصوه هذا والأمراء الذي معه فارين إلى جهة الشام، مع أن قلعة حلب حصينة مانعة … فلما قابله الأمير الدوادار وبخه بالكلام، ورسم بسجنه في البرج الذي بالقلعة، واستوعده بكل سوء. فلما دخل الأمراء إلى القاهرة اجتمع رأي الجميع على سطنة طومان باي الدوادار. وترشح أمره لأن يلي السلطنة، فصار يمتنع من ذلك غاية الامتناع، والأمراء كلهم يقولون: "ما عندنا من نسلطنه إلا أنت، ولا محيد لك عنها طوعا أو كرها". ثم أن الأمير الدوادار ركب وصحبته جماعة من الأمراء المقدمين، منهم الأمير علان والأمير أنسباي حاجب الحجاب والأمير تمر والأمير طقطباي نائب القلعة وآخرون من الأمراء وتوجهوا إلى العارف بالله تعالى الشيخ أبي السعود الذي في كوم الجارح، فلما تكامل المجلس عنده ذكروا له أمر سلطنة الدوادار وأنه امتنع من ذلك، فأحضر لهم الشيخ مصحفا شريفا، وحلف الأمراء الذين حضروا صحبة الدوادار بأنهم إذا سلطنوه لا يخونونه ولا يغدرونه ولا يخامرون عليه ويرضون بقوله وفعله … فحلف الجميع على ذلك. ثم أن الشيخ حلفهم ألا يعودوا إلى ما كانوا عليه من ظلم الرعايا، وألا يشوشوا على أحد بغير طريق شرعي، ولا يجددوا مظلمة، وأن يبطلوا جميع ما أحدثه الغوري من المظالم، ويبطلوا ما كان على الدكاكين من المشاهرة والمجامعة، وأن يجروا الأمور على ما كانت عليه في أيام الأشرف قايتباي، ويمشوا الحسبة على طريقة يشبك الجمالي لما كان محتسبا … فحلفوا على ذلك. ثم أن الشيخ ذكر للأمراء أن الله تعالى ما كسركم وذلكم، وسلط عليكم ابن عثمان، إلا بدعاء الخلق عليكم في البر والبحر، فقالوا: "تبنا إلى الله تعالى من اليوم عن الظلم". ثم انفض المجلس على ذلك وخرجوا من عند الشيخ أبي السعود على أن يسلطنوا الأمير

стр. 1419

الدوادار، وأخذ الشيخ عليهم العهد بجميع ما حلفهم عليه بحضرته كما تقدم. وترشح أمر الأمير الدوادار إلى السلطنة، وتسلطن كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه. ومن هنا نرجع إلى أخبار الأشرف الغوري، فإنه خرج من القاهرة خامس عشر ربيع الآخر من هذه السنة، واستمر نافذا الكلمة وافر الحرمة إلى أن دخل إلى حلب وأقام بها، وأرسل إليه ابن عثمان عدة قصاد بالخلع السنية، وأنعم عليهم بالعطايا الجزيلة إلى أن حضر مغلباي دوادار سكين الذين كان أرسله إلى ابن عثمان، فلما رجع من عنده وهو في غاية التحقير كما تقدم، وكان السلطان أرسل مغلباي هذا إلى ابن عثمان في هيئة تشعر بالشدة والقوة، لابس آلة الحرب باللبس الكامل. فشق ذلك على ابن عثمان وبهدله. فلما حضر إلى الغوري أعلمه أن ابن عثمان قد أبى من الصلح. فلما تحقق السلطان أن ابن عثمان يريد الشر معه نادى للعسكر بالرحيل والخروج من حلب، فخرج العسكر قاطبة وهم كالنجوم الزاهرة، من آلة السلاح والخيول الفاخرة، وكل فارس مقوم بألف فارس من عسكر ابن عثمان، ولكن الله تعالى يعطي النصر من يشاء فتوجهوا إلى مرج دابق يوم الأحد خامس عشري رجب من هذه السنة، فلما بلغه أن عسكر ابن عثمان قد وصل إلى تل الفار، ركب صبيحة يوم الأحد المذكور وهو يوم نحس مستمر، فبرز فيه إلى قتال ابن عثمان، وكانت الكسرة أولا على عسكر ابن عثمان، ثم بدل الله هذا الأمر، وعادت الكسرة على عسكر مصر. ولما رأى السلطان عين الغلب من عسكره أراد أن يلفت فرسه ليهرب وينجو بنفسه، فاعترته سارقة من الرجفة فأغمي عليه فسقط عن ظهر فرسه إلى الأرض فطلعت روحه في تلك الساعة، وصار ملقى على الأرض، فزحفت عساكر ابن عثمان، ففر من كان حو - له من الغلمان، والسلحدارية والمماليك الجلبان، وتركوا جثته على الأرض فكان آخر العهد به ولم نر له جثة ولا عرف له مكان قبر، فكأنما ابتلعته الأرض، ولم يقف له أحد من الناس على خبر. ومن العجائب أنه لم يدفن في مدرسته التي صرف عليها نحو مائة ألف دينار، وظن أنه يدفن بها على عزة وحفظ مقام، فكان المقدور خلاف ذلك، وصار مرميا في البراري تنهشه الذئاب والنمور، ومات له من العمر نحو ثمانية وسبعين سنة. وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما. وكانت هذه المدة على الناس كل يوم كألف سنة مما يعدون. وكانت صفته أنه طويل القامة، غليظ الجسد ذو كرش كبير، أبيض اللون، مدور الوجه، مشحم العينين، جهوري الصوت، مستدير اللحية، ولم يظهر بلحيته الشيب إلا

стр. 1420

قليلا. وكان ملكا مهيبا جليلا مبجلا في المواكب، تملأ العيون منه في المنظر، ولولا ظلمه وكثرة مصاداراته للرعية لكان خيار ملوك الجراكسة، بل وخيار ملوك مصر قاطبة. وكان في يومي الاثنين والخميس ينزل إلى الحوش السلطاني، ويومي السبت والثلاثاء بالميدان. فينزل من السبع حدرات وقدامه طوالتين خيل بسروج ذهب وكنابيش زركش. وكان يكثر في الأسفار من ركوب الحجورة بالسروج البداوي والركب العراض، وكان يشد في وسطه حياصة ذهب عوضا عن الشد البعلبكي، وكان يلبس في أصابعه الخواتم الياقوتت والفيروزج والزمرد والألماس وعين الهر، وكان مولعاف بشم الرائحة الطيبة من المسك والعود والعنبر، وكان ترفا في ملبسه ويحب رؤية الأزهار والفواكه، ويمل إلى أبناء العجم وربما كان يميل إلى مذهب النسيمية من ميله إلى معاشرة الأعاجم، وكان مولعا بغرس الأشجار وحب الرياضيات وسماع الأطيار المغردة، ونشق الأزهار العطرة. وكان يستعمل الطاسات الذهب يشرب فيها، وكان يستعمل الأشياء المفرحة، وكان نهما في الأكل والشرب، وكان يغوي طيور المسموع. وكان يعرف بقانصوه بن بيبردي الغوري، واستمر يرتع في ملك مصر على ما ذكرناه من التنعم والرفاهية وهو نافذ الكلمة وافر الحرمة، والأمراء والنواب والعسكر في قبضة يده لم يختلف عليه اثنان في كلمة، إلى أن وقعت الواقعة بينه وبين سليم شاه بن عثمان ملك الروم، فخرج إليه كما ذكرنا وجرت له هذه الكائنة التي لم تقع لملك من ملوك مصر ولا غيرها من الملوك، وكان ذلك في الكتاب مسطورا. وقد قلت في معنى ذلك: طالعت تاريخ الملوك فلم أرى … فيما سمعت حوادثا مما جرى لا زالت الأيام يبدو فعلها … بعجائب وغرائب بين الورى لكن هذي وقعة ما مثلها … سبقت لسلطان ولا متأمرا والأشرف الغوري كان مليكنا … لكنه قد جار فينا وافترى والموت أوجب هزمه مع جيشه … قد كان ذلك في الكتاب مسطرا أعماله ردت عليه بما جنى … والدهر جازاه بأمر قدرا

стр. 1421

وكان للغوري محاسن ومساوي، لكن مساويه أكثر من محاسنه فأما ما عد من محاسن الغوري فإنه كان رضي الخلق، يملك نفسه عند الغضب، وليس له زيادة حدة عند قوة خلقه. ومنها أنه كان له اعتقاد زائد يف الفقراء والصالحين. ومنها أنه كان يعرف مقادير الناس على قدر طبقاتهم. ومنها أنه كان ماسك اللسان عن سب الناس في شدة غضبه. ومنها أنه كان يفهم الشعر ويحب سماع الآلات والغناء، وليس له هرج. وكان مغرما بقراءة التواريخ والسير ودواوين الأشعار، وكان قريبا من الناس، يحب المزح والمجون في مجلسه، غير أنه كثيف من حيث النظر إلى ذاته. وكان عنده لين جانب ورياضة بخلاف طبع الأتراك، ولم يكن عنده شمم ولا كبر نفس ولا رقاعة زائدة بخلاف عادة الملوك في أفعالها. وأما ما عد من مساويه فإنها كثيرة لا تحصى: منها أنه أحدث في أيام دولته من أنواع المظالم ما لم يحدث في سائر الدول من قبله. ومنها أن معاملته في الذهب والفضة والفلوس الجدد أنحس المعاملات جميعها: زغل ونحاس وغش، لا يحل بها بيع ولا شراء، ولا معاملة في ملة من الملل. ومنها ما قرره على الحسبة في كل شهر وهو مبلغ ألفين وسبعمائة دينار. وكانت السوقة تبيع البضائع بما يختارونه من الأثمان، ولا يقدر أحد أن يكلمهم، فإن كلمهم أحد يقولون علينا مال السلطان، فكانت سائر البضائع في أيامه غالية بسبب ذلك. وقرر على دار الضرب مالا له صورة في كل شهر، فكانوا يضيفون في الذهب والفضة والنحاس والرصاص جهارا. فكان الأشرفي الذهبي إذا صفى يظهر فيه ذهب يساوي اثني عشر نصفا. وقد سلم السلطان دار الضرب إلى شخص يسمى جمال الدين، فلعب في أموال المسلمين، وأتلف المعاملة، وسبك ذهب السلاطين المتقدمة حتى صار لا يلوح لأحد من الناس منها لا دينار ولا درهم. فلما شنق جمال الدين قرر في دار الضرب المعلم يعقوب اليهودي، فمشى على طريق جمال الدين. وقد استباح أموال المسلمين فكان النصف الفضة ينكشف في ليلته ويصير من جملة الفلوس الحمر. فاستمر الغش في معاملته في مدة دولته إلى أن مات. وقد ورد الحديث الشريف "من غشنا فليس منا". ومنها أنه كان يولي الكشاف ومشايخ العربان على بلاد المقطعين والأوقاف فيأخذ كل منهم المثل أمثالا، فضعف أمر الجند من يومئذ وتلاشى حال البلاد الشامية والحلبية. وكان يفرد عليهم الأموال الجزيلة في كل سنة فيأخذونها من الرعية وزيادة بالظلم والعسف فكان كل واحد من الرعية أصحاب الأقطاع والأوقاف يتمنى الرحيل من بلاد إلى غيرها من عظم الظلم الذي يصيبهم من النواب، ولا سيما ما حصل لعربان جبل نابلس بسبب

стр. 1422

المال الذي أفرده عليهم لأجل المشاة عند خروج التجريدة، فما حصل لأهل البلاد الشامية بسبب ذلك خير. وكان حسين نائب جدة بأخذ العشر من تجار الهند المثل عشرة أمثال، فامتنعت التجار من دخول بندر جدة، وآل أمره إلى الحراب. وعز وجود الشاشات بمصر، وعز وجود الأصناف التي كانت تجلب من بلاد الإفرنج، والإرز والأنطاع، وخرب البندر، وكذلك بندر الإسكندرية، وبندر دمياط، فامتنعت تجار الفرنج من الدخول إلى تلك البنادر من كثرة الظلم. وكان كل أحد من أراذل الناس يتقرب إلى خاطر السلطان بنوع من أنواع المظالم، فقرر على بيع الغلال قدرا معلوما يؤخذ على كل أردب ثلاثة أنصاف من البائع والمشتري، وكذلك على البطيخ والرمان، حتى حرج على بيع الملح، وجدد في أيامه عدة مكوس من هذا النمط لم يفعلها هناد في زمانه، ولم يفته من أعيان التجار أحد حتى صادره. وصادر أمير المؤمنين المستمسك بالله يعقوب، وأخذ منه مالا له صورة، ودخل في جملة ديون حتى أورد ما قرر عليه. وأما من مات تحت عقوبته بسبب المال، فمنهم القاضي بدر الدين بن مزهر كاتب السر، ومنهم شمس الدين بن عوض، ومعين الدين بن شمس الدين، وعلم الدين كاتب الخزانة، وغير ذلك جماعة كثيرة من المباشرين والعمال ماتوا في سجنه بسبب المال والمصادرات. ومن أفعاله الشنيعة ما فعله مع أولاد الناس من خروج أقاطيعهم ورزقهم من غير سبب، وإعطاء ذلك إلى مماليكه الجلبان. ومنها قطع جوامك الضعفاء والأيتام من الرجال والنساء والصغار، وحصل لهم الضرر الشامل بسبب ذلك. ومنها أنه أرسل فك الرخام الذي بقاعة ناظر الخاص يوسف التي تسمى نصف الدنيا، فوضع ذلك الرخام في قاعة البيسرية التي بالقلعة. ومنها أنه قطع معتاد الناس من الديوان المقرر من قديم الزمان، وجدد أخذ الحمايات من المقطعين من قبل أن يزيد النيل وتزرع الأراضي، وكانت المقطعين تقاسي من الهوان والذل ما لا خير فيه. ثم تزايد حرصه على جمع الدنيا وشحه حتى صار يحاسب السواقين الذين في سواقي القلعة، والخولة الذين في سواقي الميدان، على الجلة وروث الأبقار وما يتحصل في كل يوم مما يبيعونه، وقرر عليهم مبلغا يؤدونه للذخيرة الشريفة. وكانت أرباب الوظائف من المباشرين والعمال معه في غاية الضيق، لا يغفل عنهم من

стр. 1423

المصادرات يوما واحدا. وكان من حين توفي الأمير خاير بك الخازندار يباشر ضبط أمر الخزانة بنفسه، ما يدخل إليها وما يخرج منها وما يعرضون عليه من الأمور في ذلك جميعه من الوصولات، وما يصرف من الخزائن في كل يوم. وكانت هذه الأموال العظيمة التي تدخل له يصرفها في عمائر ليس بها نفع للمسلمين، ويزخرف الحيطان والسقوف بالذهب، وهذا عين الإسراف لبيت مال المسلمين … وكان يهرب من المحاكمات كما يهرب الصغير من المكتب، وما كانت له محاكمة تخرج على وجه مرضي، بل على أمور مستقبحة. وكان يتغافل عن أمر القتلى ويدفعهم إلى الشرع، ويضيع حقوق الناس عليها. وكان يكسل عن علامة المراسيم، فلا يعلم على المراسيم إلا قليلا، فتتعطل أشغال الناس بسبب ذلك، حتى كانت تشتري العلامة العتيقة بأشرفي حتى تلصق على المرسوم لأجل قضاء الحوائج. ولو شرحنا مساويه كلها لطال الشرح في ذلك. وأما من تولى الخلافة في أيامه فأمير المؤمنين محمد المتوكل على الله، نجل أمين المؤمنين المستمسك بالله يعقوب. وأما قضاة الشافعية فأولهم شيخ الإسلام قاضي القضاة زكريا، وقاضي القضاة محيي الدين عبد القادر النقيب، تولى وظيفة القضاء في أيامه خمس مرات، وقاضي القضاة برهان الدين بن أبي شريف المقدسي، وقاضي القضاة ابن فرفور المقدسي، وقاضي القضاة جمال الدين القلقشندي، تولى القضاء في أيامه مرتين، وقاضي القضاة كمال الدين بن محمد بن علي الشهير بالطويل القادري، وقاضي القضاة بدر الدين المكيني، وقاضي القضاة علاء الدين بن النقيب، ثم أعيد قاضي القضاة كمال الدين الطويل، وقد ولي القضاء في دولته أربع مرات. وأما قضاة الحنفية فالقاضي سري الدين عبد البر ابن الشحنة، ثم القاضي برهان الدين بن الكركي، ثم القاضي شمس الدين محمد السمديسي، ثم القاضي حسام الدين محمود بن الشحنة. وأما قضاة المالكية فالقاضي عبد الغني بن تقي الدين، ثم القاضي برهان الدين الدميري، ثم ولده محيي الدين يحيى، ثم جلال الدين بن قاسم، ثم أعيد محيي الدين بن الدميري ثانيا. وأما قضاة الحنابلة فالقاضي شهاب الدين أحمد الششيني، ثم ولده عز الدين محمد، ثم شهاب الدين الفتوحي. وأما كتاب سره فالقاضي محب الدين الحلبي. وأما نظار جيشه فالقاضي شهاب الدين أحمد بن الجمالي يوسف ناظر الخاص، والقاضي عبد القادر القصروي. وأما نظار

стр. 1424

خواصة فالقاضي علاء الدين ابن الصابوني أولا، ثم علاء الدين ابن الإمام، ثم ناصر الدين الصفدي، ثم أعيد ابن الإمام ثانيا. وأما وزراؤه فالأمير طقطباي بن ولي الدين، وجمع بين الوزارة والأستادارية، ثم الأمير تعري برمش، ثم الأمير يوسف البدري. وأما استادارياته، فالأمير تعري بردي بن بلباي القادري، ثم الأمير تمرباي خازندار الملك العادل طومان باي. ثم الشرفي يونس النابلسي. ثم قرر الأمير طومان باي الدوادار في الأستادارية مضافا لما بيده من الدوادارية الكبرى، واستمر بها إلى أن تسلطن. وأما من ولي الحسبة في إيامه فالأمير قرقماس المفري، والأمير جان بردي الغزالي. ثم أعيد قرقماس المقري، ثم الزيني بركات بن موسى، ثم الأمير ماماي الصغير. وأما أتابكيته فأولهم قيت الرحبي، وقرقماس ابن ولي الدين، ودولات باي بن أركماس، وسودون العجمي. وأما دوادارياته فأولهم مصرباي، ثم أزدمر بن علي باي، ثم طومان باي الذي تسلطن بعده. وأما حجابه فالأمير خاير بك بن باي الذي قرر في نيابة حلب، والأمير أنص باي بن مصطفى وأما بقية الأمراء وأرباب الوظائف فعلى حكم ما تقدم من أخبارهم. وأما نوابه بالشام: فالأمير دولات باي بن أركماس، ثم قانصوه المحمدي الشهير بالبرجي وسيباي بن بخت خجا. وأما نوابه بحلب: فأركماس بن طراباي، وبخشباي بن عبد الكريم، وسودون بن يشبك، وجانم ويشبك وأبرك الأشرفي، وتمراز الأشرفي. وأما نوابه بصفد: فقانصوه بن قرا، وتاني باي العثماني، وسودون الدوادار. وأما نوابه بغزة: فالأمير صلاح الدين الذي كان نائب القدس، وأزبك الصوفي الذي كان نائب القدس أيضا، وأقباي الذي كان كاشف الشرقية. وآخر من ولي بها في أيامه دولات باي الأعمش، وقد جمع له بين نيابة القدس والكرك ونيابة غزة، وولي بها آخرين غير هؤلاء. وأما ما أنشأه بالقاهرة: فمن ذلك الجامع والمدرسة اللذان أنشأهما عند الشرابشيين، والوكالة والحواصل والربوع التي أنشأها خلف المدرسة عند المصبغة … ومن إنشائه المئذنة التي عمرها بالجامع الأزهر وهي برأسين، وأنشأ هناك الربع والحوانيت التي بالسوق خلف الجامع، وأنشأ الربوع التي خان الخليلي، وجدد عمارة خان الخليلي، وأنشأ به الحواصل والدكاكين … وأنشأ في باب القنطرة ربعين ودكاكين، وكذلك الربعين اللذين بين السورين والطاحون عند المصبغة … وأنشأ البيت الذي في البندقانيين لولده، وتناهى في زخرفته. وأنشأ هناك ربعا ووكالة.

стр. 1425

وأنشأ الميدان الذي كان تحت القلعة، ونقل إليه الأشجار من البلاد الشامية، وأجري إليه ماء النيل من سواق نقالة، وأنشأ به المناظر والبحرة والمقعد والمبيت برسم المحاكمات وأنشأ جامعا خلف الميدان عند حوش العرب بخطبة ومئذنة، وجدد عمارة بالقلعة منها الدهيشة، وقاعة البيسرية، وقاعة العواميد، وقاعة البحرة. وأنشأ المقعد القبطي الذي بالحوش، وجدد عمارة المطبخ الذي بالقلعة، وجدد عمارة سبيل المؤمنين، وجعل سقفه معقودا بالحجر. وأنشأ الربع والدكاكين التي بسويقة عبد المنعم. وأنشأ الربع والوكالة التي في الجسر الأعظم. وجدد عمارة ميدان المهارة الذي بالقرب من قناطر السباع، وبناه بالحجر الفص المشهر بعد ما كان بالطوب اللبن. وأنشأ المجراة ونقلها من درب الخولي إلى موردة الحلفاء. وجدد عمارة المقياس، وأنشأ به القصر على تلك البسطة التي كانت هناك. وأنشأ بها المقعد المطل على البحر … وجدد عمارة قنطرة بني وائل، والقنطرة الجديدة وقنطرة الحاجب، وقنطرة الخرنوبي وأعلاها، حتى صارت تدخل المراكب من تحتها. وجدد عمارة قناطر السباع. وأنشأ المساطب وعليها الدعائم عند قبة الأمير يشبك التي بالمطرية. وأنشأ بالطينة على ساحل البحر المالح قلعة لطيفة بها أبراج وجامع بخطبة. وأنشأ بثغر رشيد سورا وأبراجا لحفظ الثغر، وجدد عمارة الأبراج بالإسكندرية، وأصلح طريق العقبة، ودوار حقن. وأنشأ هناك خانا وأبراجا على بابه، وجعل فيه حواصل لأجل ودائعت الحجاج. وأنشأ في الأزلم خانا وجعل فيه حواصل مثل الخان الذي في العقبة، وحفر هناك الآبار في عدة مواضع من مناهل الحجاج. وأنشأ بمكة المشرفة مدرسة ورباطا للمجاورين والمنقطعين هناك، وأجرى عين بازان بعد ما كانت انقطعت من سنين، وأنشأ بجدة سورا على ساحل البحر المالح، وفيه عدة أبراج بسبب حفظ بندر جدة من الفرنج، وجاء هذا السور من أحسن المباني هناك. وله غير ذلك من الآثار الحسنة عدة مبان بها نفع للمسلمين. وبالجملة أن السلطان الغوري كان خيار ملوك الجراكسة على عوج فيه، ولم يجئ من بعده أحد من الملوك يشابهه في أفعاله وعلو همته وعزمه في الأمور. وكان كفؤا تاما للسلطنة، مبجلا في المواكب، تملأ منه العيون. وأما من توفي في أيامه من أعيان العلماء، ومشايخ الإسلام، وقضاة القضاة، فمنهم: الشيخ بدر الدين ابن عبد الرحمن الديري رحمة الله عليه، وكان من أعيان علماء الحنفية مفتيا مدرسا عريقا ولي مشيخة الجامع المؤيدي، وكان من خيار أبناء الديري. وتوفي

стр. 1426

الشيخ شهاب الدين، خليفة سيدي أحمد البدوي رحمة الله عليه، وكان من أعيان مشايخ الحقيقة. وجاءت الأخبار بوفاة قاضي القضاة الحنبلي بهاء الدين بن قدامة، توفي بدمشق وولي قضاء الحنابلة بمصر والشام. وتوفي الشيخ إبراهيم المواهبي الشاذلي رحمة الله عليه، وكان من أعيان مشايخ الصوفية. وتوفي العلامة تقي الدين الأوجاقي شيخ الحديث، رحمة الله عليه. وتوفي الحافظ العلامة جلال الدين عبد الرحمن الأسيوطي، وكان من أعيان علماء الشافعية، بلغت مصنفاته ستمائة مؤلف، وكان بارعا في علم الحديث، توفي في جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وتسعمائة. وتوفي قاضي قضاة المالكية برهان الدين الدميري سنة ثلاث عشرة وتسعمائة. وتوفي القاضي ناصر الدين محمد بن جرياش، وكان من أعيان علماء الحنفية. وتوفي الشيخ علاء الدين العجمي الشافعي شيخ تربة جاني بك نائب جدة، وكان من أعيان علماء الشافعية، وتوفي قاضي قضاة الحنابلة شهاب الدين أحمد الششيني، وكان علامة في مذهبه، توفي سنة تسع عشرة وتسعمائة. وتوفي الشيخ عبد الباسط بن خليل المؤرخ، وكان من أعيان الحنفية، وكانت وفاته في ربيع سنة عشرين وتسعمائة. وتوفي الشيخ العارف بالله تعالى، محمد ابن عنان رحمة الله عليه، وكان من أعيان مشايخ الصوفية. وتوفي قاضي قضاة الشافعية كان، محيي الدين عبد القادر بن النقيب، وكانت وفاته سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة. وتوفي قاضي القضاة كان، جمال الدين إبراهيم بن علاء الدين القلقشندي الشافعي، وكان من أعيان علماء الشافعية. وتوفي الشيخ نور الدين على المحلي وكان يعرف بقريبه، وكان من أعيان علماء الشافعية. وتوفي الشيخ تاج الدين الذاكر، وكان من أعيان الصوفية. وتوفي قاضي قضاة الحنيفة، وكان يسمى برهان الدين بن الكركي، وكان من أعيان علماء الحنفية، مات غريقا في أيام دولته. ومات غير هؤلاء جماعة كثيرة من الأعيان لم نذكرهم هنا خشية الإطالة. ولا بأس بإيراد هذا الرجل الذي عمله الشيخ بدر الدين أبقاه الله تعالى، يرثى به الملك الأشرف قانصوه الغوري عند وقوع تلك الفتنة المقدم ذكرها وما جرى له، وهو قوله: غربت شمس دولة الغوري … وابن عثمان نجمو طلع ساير وبهذا رب السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير ابن عثمان باداه بأخذ القلع … ويمنع التاجر مع الجلاب أن يجيبوا إلى مصر مملوك … ولا فروة سمور ولا سنجاب ولا وشق ولا ثعلب يجلبوا … ومن الصوف ما عاد يجينا ثياب على الصوف ياما قعدنا سنين … ما يجي من عندو ولا تاجر والأمارة جو للملك قالوا … ابن عثمان باغي عليك جاير

стр. 1427

الأمير الكبير سمى سودون … للعجم نسبتو خلاف القياس والمقر الأشرفي العالي … هو أمير سلاح سمى أركماس ويودون رأس نوبة النواب … لو رياضة مع سائر الأجناس وأنص باي هو حاجب الحجاب … لو شجاعة في الحرب بالباتر ومحمد يدعى أمير آخور … نجل سلطان أشرف عزيز ناصر والدوادار تاني أمير علان … وإن أردت المقدمين تذكر ابن جركس مقدم كبير … وتمر بالزردكاش يشهر وكذا جنبلاط معو كرتباي … وأربعين في ذي العدد وأكثر وتبعهم من الإمارة كثير … طبلخاناه بالنصر تتباشر والعساكر معهم كثير فرسان … عشراوات من ترك تتكاثر ضرب الكل بينهم مشورة … قالوا ملت منا القلوب والنفوس نحن نخرج جميع لأجل القتال … بالجنائب والسلاح واللبوس ونجرد لنصرة السلطان … نكسر الروم والأراضي ندوس راهنوا بالنفوس وهم أقمار … كل واحد بمهجتو قامر ولا يدرى ما قد خبى في الغيب … من تقادير القادر القاهر خامس العشر من ربيع آخر … لستعماية اثنين وعشرين عام ورخوها من هجرة الهادي … شافع الخلق في نهار الزحام كان خروج السلطان بتجريدة … لابن عثمان طالب بلاد الشام والأمارة في خدمتو موكبين … بالمماليك والطلب تتفاخر وخروج الجميع من القاهرة … كان بتقدير الواحد القاهر في محفة خرج معو القاضي … كاتب السر المنتخب محمود والخليفة المتوكل ولد يعقوب … وهو محمد فعلو الجميل محمود وقضاة القضاة ومن معهم … كل نائب قد أبذل المجهود خرج معو لأجل الخلع … ناظر الخاص الناهي الآمر هو المباشر للخاص وهو العامل … وكذا القصروي للجيش ناظر دخلوا الشام أوكب بهم موكب … ما سمعنا موكب رئى مثله ولا نالوا ملك ولا سلطان … في المواكب ولا أحد قبله ومن الشام خرج دخل في حلب … وقطع من وعره إلى سهله

стр. 1428

وسليم شاه لما سمع أظهر … أن طبعوا منها بقي حاير طلب الصلح أرسل لهم قاصد … بالهدايا والملبس الفاخر قالوا دا الصلح سيد الأحكام … من يخالف يرجع هداه في ضلال والأمانة في محمل الإنسان … وأبى حملها عوالي الجبال وقضى ربنا بحقن الدما … ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ جو جواسيس الأشرف الغوري … أعلموه أنو عليه ماكر قالوا احذر تركن إلى صلحو … واعلم أنه خاين عليك غادر حقق القول ومن حلب برز … والعساكر معو لأجل القتال وجد الروم مجهزين بالسلاح … والتراكيش معمره بالنبال ووقع بين العسكرين وقعة … للفريقين شابت لها الأطفال نصر الله المصري على الرومي … وبخيلو أضحى عليه غاير ولا يدرى ما قد خبى في الغيب … ولا يدرى ما هو إليه صاير ابن عثمان كان لو من العسكر … خلق كانوا على الشمال كامنين في اشتغال العسكر بنهب الروم … خرجوا في القتال لأجل اليمين فاستغاث الملك وبو سارقه … ارتمى على الأرض عن جوادوينين جا ابن عمو بيبرس واقباي الطويل … كل واحد لنصرته بادر والشجاعة ما تغلب الكثرة … قطعوهم بالصارم الباتر جل ربي محرك الحركات … جعل الله لكل قتله سبب والعجب كان في قتلة الغوري … في التواريخ تكتب بماء الذهب تسعمائة اثنين وعشرين عام … ما جرى لو خامس وعشرين رجب نسأل الله أن نحسن العاقبة … وبعيد الرابح هو الحاسر يكشف العار عنا بأخذ التار … ويرد الكره على الكافر أشهى التار لقتلة الغوري … ولعلى أن أبلغ الأوطار والتهاني ذاك النهار عندي … ويعموا على وسر أو طار بعد هذا ما أخشى غراب البين … إن زعق في دارنا أوطار والعجائب في قتلة الغوري … راح برجلو لقتلتو خاطر وحسبنا كل الحساب إلا … ما جرى لو ما مس بالخاطر دمعة العين مني على الغوري … من دماها تجري لحزني عين

стр. 1429

أرتجي عين في الناس تساعدني … من صباحي حتى تغيب العين كان عليه ترقب زمان ملكو … والسعادة حتى أصابو عين الجواد غاب بين العدا أرماه … مات ودمعو من العيون غاير كل من غار منو بقي فرحان … بعد ما كان غاير على الغاير ذي العساكر شبهتها روضة … فيها أغصان فرسان عليها زهور والنسيم في النهر فصل زرد … وإذا هو كالسيف ظهر مشهور واللبوس من فوق الحديد تحكي … ورد أحمر بين الرياض منثور ومن البان شطفات غصون مذهبه … وحماها صناجق الباتر وحكى الياسمين بدن مجروح … وشقيق النعمان عليه داير في سما حرب عسكر السلطان … تطلع أنجم فرسان تزين اللبوس والأسنة تحكى شهب ثاقبه … وخودهم مثل النجوم في الشموس والملك بينهم قمر مخسوف … وحكى الرعد ضربهم في التروس خلت أسهم من قوس قزح ترمي … للعساكر في ليل غبار عاكر السحاب صار يمطر سهام خارقه … للأعادي ولم يزل ماطر ذي العساكر بستان وفيه فاكهة … ودماهم خمر العنب مدفوق واحد أصفر لونو حكى مشمش … وذا لون العناب وذا معشوق ما رأى حد مثل ذي الوقعة … لا تقل لي الناصر ولا برقوق والأمارة تحكي شجر مثمر … في رياض نشروا غدا عاطر والمدافع ترمي سفرجل كبار … ول رمان يحكي من الفحول فاخر كم أسلي قلب على الغوري … وأقلو يا قلب اتفكر أين سليمان وأبن هو النمرود … وأين هو فرعون وأين هوا قيصر وأين ملوك الزمان وذو القرنين … واللي يسمى إن صح الإسكندر وأين كسرى أنوشروان وأيوانه … مات والإيوان بعدو بقي داثر كل حادث بأمر القديم راحل … والإقامة للأول الآخر لو يكن في هذا البلد حمال … ويراهن في واجب الملعوب نحن عصبه نحزن على غلبه … لما يبقى دستو عليه مقلوب فايش تقل سلطاننا الغوري … لما جرد قتل ومات مكروب بعد ملكو خمسه وعشر سنين … تسعة أشهر بالكاتب الحاصر

стр. 1430

ويليها خمسة وعشرون يوم … عز كاتب حاسب أمين ذاكر العجب كان في قتلة الغوري … كل مقدور لا يمنعه المحذور ويوم خروجو من البلد أوكب … ولا يدرى ما في الجبين مسطور بالمقدر قال لو لسان الحال … قد بقي من عمرك ثلاث شهور انتبه من رقدة الغفلة … واحمل الطول من الأمل قاصر بعد الأشهر عدة تسعة أيام … والمنية تكون في العاشر ذي الملك كان رئيس وهو مقدام … وابن عثمان مؤخر ولاح كسره خندس الريح عليهن وحل مركبو … وابن عثمان عوم وبان نصره غرق السفن واخرب السفان … وبسيفو رمى الجميع بحره من جثثهم ومن دماهم صار … بحرهم بر بالجتت صادر وتركهم لما رجع مقلع … برهم بحر بالدما حادر قد جلا لو عروس جمال ملكو … خالق الخلق ربنا ذو الجلال وحبنا لوانو يقع ميت … عن جواد ويوم الحروب والقتال وزوى لوانو يموت مقهور … ولا يعرف قبره ليوم الزوال كم تطير بالرمل والرمال … طاير الله هو أعظم الطاير طار حسابو وكل ما أمل … وبهذا ما طار عليه طاير ابتداي في النظم والخاتم … بمديحي في المصطفى المختار كلمو الضب والذراع والبعير … وسعت لو في خدمتو الأشجار والغزالة حديثها مشهور … ونطق لو في راحتو الأحجار والقمر انشق له نصفين … بعد ما كان كامل صحيح ناير وأشبع الجيش كلو ببعض الزاد … وجرى الما من اصبعو فاير أن يقولوا أبو النجا العوفي … في نظامو ما في البلد مثلو يا الذي جا يسمع عقود نظمه … خذ وحرر عنو بديع نقلوا وإن أتا لك من يطلب التاريخ … والوقايع عن الملوك قلو غربت شمس دولة الغوري … وابن عثمان نجمو طلع ساير وبهذا رب السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير

стр. 1431

وهذا آخر ما انتهى إلينا من أخبار دولة الملك الأشرف أبي النصر قانصوه الغوري رحمة الله عليه. وقد افتتح أوائل دولته بمصادرات وظلم، وأخذ أموال بغير حق، واختتمت أواخر دولته بفتن وضرب سيف وذهاب أموال وأرواح، وأمور مهولة وحوادث غريبة، وفتن عظيمة ليس لها آخر. والأمر إلى الله تعالى من قبل ومن بعد، يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل. واستمر سليم شاه بن عثمان مستوليا على البلاد الشامية والحلبية وملك قلاعها وأعمالها، وحكم من الفرات إلى الشام ثلاثة شهور، وملك ثلاث عشرة قلعة بالأمان من غير حرب ولا قتال، وملك قبل ذلك عدة قلاع من أعمال شاه إسماعيل الصفوي. والذي وقع لسليم شاه ابن عثمان من السعد والنصرة على الصفوي وسلطان مصر، وأخذ أموالهم وبركهم وخيولهم واحتوائه على بلادهم، وخزائن أموال الأمراء وأموال السلطان الغوري وناهيك بها - ما وقع قط لأحد من ملوك الروم قبله ولا بعده، وهذا الأمر من الله تعالى، وقد وعده بذلك من القدم، إن وعد الله حق وهو لا يخلف الميعاد. - الأشرف أبو النصر طومان باي وهو السابع والأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الحادي والعشرون من ملوك الجراكسة وأولادهم في العدد. وكان أصله من كتابية الأشرف قايباي، اشتراه الملك الأشرف قانصوه الغوري، وكان يعود له بقرابة. فلما اشتراه قدمه إلى الأشرف قايتباي، ولهذا يدعى طومان باي بن قانصوه. فصار من جملة مماليكه الكتابية، واستمر على ذلك حتى تسلطن الملك الناصر محمد ابن قايتباي، فأخرج له جيلا وقماشا وغلمانا وصار من مستخرجات الناصر ومعاتيقه. وبقي جمدارا ثم بقي خاصكيا، واستمر على ذلك حتى تسلطن قريبه قانصوه الغوري، فأنعم عليه بامرية عشرة، واستمر على ذلك إلى سنة عشر وتسعمائة … فلما توفي ابن السلطان المقر الناصري في الفصل الذي جاء بها أنعم عليه السلطان بامرية طبلخاناه وجعله شاد الشرابخاناه عوضا عن ولده بحكم وفاته، واستمر على ذلك إلى سنة ثلاث عشرة وتسعمائة. فلما توفي الأمير أزدمر بن علي باي الدوادار الكبير في جمادى الأولى وهو مسافر بجبل نابلس، خلع عليه السلطان وقرره في الدوادارية الكبرى عوضا عن الأمير أزدمر بحكم وفاته، فاستمر في الدوادارية الكبرى إلى أن خرج السلطان إلى التجريدة بسبب ابن عثمان … فجعله نائب الغيبة عوضا عن نفسه إلى أن يحضر من السفر، فساس الناس في غيبة السلطان أحسن سياسة، وكانت الناس عنه راضية، وأطاعة العسكر الذين تحلفوا

стр. 1432

بمصر قاطبة. وقد جمع بين الدوادارية الكبرى والاستادارية العالية وكاشف الكشاف ونائب الغيبة. وكان يركب في كل يوم اثنين وخميس ويسير نحو المطرية، ويدخل من باب النصر، ويشق القاهرة وقدامه الجم الكثير من العسكر والأمراء المقدمين، وقدامه سعاة وعبيدة نفطية يرمون بالنفط من المكاحل فترج له القاهرة كلما شق منها وفتح السد في غيبة السلطان، وكان له يوم مشهود. ولم يزل على ذلك حتى نبت موت السلطان الغوري، ورجعت الأمراء من التجريدة، فوقع الاختيار منهم على سلطنته، فامتنع من ذلك غاية الامتناع، والأمراء تقول ما عندنا سلطان إلا أنت، وهو يمتنع من ذلك. ثم ركب هو والأمير علان وجماعة من الأمراء المقدمين. وتوجهوا إلى كوم الجارح عند الشيخ أبي السعود، فلما جلسوا بين يديه وذكروا له ذلك تعلل الأمير طومان باي على السلطنة بأنواع من العلل: منها إن خزائن بيت مال المسلمين ليس فيها درهم ولا دينار، فإذا تسلطنت ما أنفق على العسكر شيئا. ومنها أن ابن عثمان ملك البلاد الشامية وهو زاحف على مصر، وأن الأمراء لا يطاوعوني على الرجوع إلى السفر ثانيا. ومنها أنه إذا تسلطن يغدرون به، ويركبون عليه، ويخلعونه من السلطنة، ويرسلونه إلى السجن بثغر الإسكندرية، ولا يبقونه في السلطنة إلا مدة يسيرة. ثم إن الشيخ أبا السعود حصر بين يدي الأمراء مصحفا شريفا وخلف عليه الأمراء الذين جاءوا بصحبته بأنهم إذا سلطنوه لا يحامرون عليه ولا يعدرونه، ولا يثيرون فتنا … وأنهم ينتهون عن مظالم المسلمين قاطبة فحلفوا كلهم على المصحف الشريف بمعنى ذلك. فلما تحالفوا ترشح أمير طومان باي إلى السلطنة، وانفض المجلس على ذلك، وتوجه الأمراء إلى بيوتهم. فلما كان يوم الجمعة رابع عشر شهر رمضان من هذه السنة صلى الأمير الدوادار صلاة الفجر، وركب ومعه الأمراء المقدمون وقدامه الفوانيس والمشاعل، فطلع إلى باب السلسلة وجلس به. فلما ركب من بيته الذي في درب البابا شق من الصليبة، وهو بتخفيفة صغيرة وملوطة بيضاء، وكذلك الأمراء الذين طلعوا صحبته. فارتفعت له الأصوات بالدعاء، وانطلقت النساء له بالزغاريت من الطيقان. فلما استقر بباب السلسلة أرسل خلف أمير المؤمنين يعقوب والد أمير المؤمنين المتوكل على الله، فحضر وصحبته سيدي هرون ولد الخليفة محمد المتوكل على الله وأولاد ابن عمهم خليل، وحضر قاضي القضاة الحنفي حسام الدين محمود بن الشحنة، والقاضي شرف الدين يحيى بن البرديني أحد نواب الشافعية، وجماعة نواب القضاة الذين بالقاهرة، فلما تكامل المجلس واجتمع سائر الأمراء المقدمين وغيرهم من الأكابر والأصاغر

стр. 1433

والعسكر أظهر أمير المؤمنين يعقوب وكالة مطلقة عن ولده محمد المتوكل على الله بأنه وكله في جميع أموره، وما يتعلق به من أمور الخلافة وغيرها، وكالة مفوضة، وثبت ذلك على يد القاضي شمس الدين بن وحيش، فاكتفوا بذلك … وكان أشيع أن يولوا الخلافة إلى أحد من أولاد سيدي الكبير خليل، فإن الخليفة المتوكل على الله كان في أسر ابن عثمان، ووالده يعقوب عزل نفسه من الخلافة، فلما أحضر هذه الوكالة عن ولده اكتفوا بذلك وكان قاضي قضاة الشافعية كمال الدين الطويل في أسر ابن عثمان وكذلك قاضي قضاة المالكية محيي الدين الدميري وقاضي القضاة الحنبلي الشهابي الفتوحي. فلم يحضر هذه المبايعة من أعيان نواب الشافعية إلا الشرفي يحيى بن البرديني. فبايع السلطان الخليفة أمير المؤمنين يعقوب، وشهد عليه بذلك الشرفي يحيى بن البرديني وجماعة من نواب القضاة نيابة عن محمد المتوكل، وحضر في آخر المجلس قاضي القضاة الحنفي محمود بن الشحنة. فلما تمت له البيعة أحضروا له خلعة السلطنة، وهي الجبة السوداء والعمامة السوداء والسيف البداوي، فأفيض عليه شعار الملك، وتلقب بالملك الأشرف، مثل قريبه الغوري. ثم قدموا له فرس النوبة بغير كنبوش ولا سرج ذهب، ولا وجدوا له في الزردخانات لا قبة ولا طيرا، ولا الغواشي الذهب. فركب من سلم الحراقة التي بباب السلسلة، والخليفة قدامه. فطلع من باب سر القصر الكبير، وجلس على كرسي المملكة، وقبل له الأمراء الأرض، ودقت له البشائر بالقلعة، ونودي باسمه في القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وفرح كل أحد من الناس بسلطنته. وكان محببا للعوام، فإنه كان لين الجانب، قليل الأذى، غير منكبر ولا متجبر. فلما انتهى أمر المبايعة خلع السلطان على أمير المؤمنين ونزل إلى داره في موكب حفل. وزالت دولة الغوري كأنها لم تكن. فسبحان من لا يزول ملكه ولا يغير على طول المدى. وقد قال محمد بن قاصنوه: قد ذهب الغوري إلى ربه … وذا الذي قدره الله الملك لله فمن شاء من … عباده للملك ولاه فلما كان وقت صلاة الجمعة في ذلك اليوم خرج السلطان وصلى صلاة الجمعة، وخطب به الشرقي يحيى بن البرديني، غ واستمر يخطب به في كل يوم جمعة. ثم إن الخطباء خطبوا باسمه في ذلك اليوم على منابر مصر في القاهرة بعد ما كان الخطباء لم

стр. 1434

يذكروا في الخطبة اسم سلطان، ولم يدعوا نحو خمسين يوما، بل كانوا يدعون للحليفة فقط. وفي هذا اليوم قبض السلطان علي قانصوه الأشرفي نائب قلعة حلب الذي يسلم القلعة إلى ابن عثمان من غير حرب ولا محاصرة، فلما حضر قانصوه هذا صحبة العسكر تغير خاطر السلطان عليه بسبب ذلك، فقبض عليه وأودعه في البرج بالقلعة، حتى يكون من أمره ما يكون. وفي يوم السبت خامس عشر رمضان حضر جماعة من الأمراء من تحلف بعد العسكر بدمشق، فحضر الأمير جان بردي الغزالي نائب حماة وقد ترشح أمره أن يلي نيابة الشام، والأمير سودون الدوادار رأس نوبة النوب، والأمير قانصوه كرت أحد المقدمين وكان مريضا. فلما حضروا وحدوا الدوادار قد تسلطن فعز ذلك على الأمير سودون الدوادار. وكان قد ركن إلى السلطنة وهو بالشام فلم يتم له ذلك. فلما حضروا طلعوا إلى القلعة وقبلوا الأرض للسلطان، ونزلوا إلى دورهم. ثم جاءت الأخبار من بعد ذلك بأن أمير عربان حماة - الأمير ناصر الدين بن الحنش - بلغه أن ابن عثمان أرسل جاليش عسكره وصحبته ابن سوار - الذي كان تعصب له - فلما وصلوا إلى قابون بالقرب من دمشق، لقيهم ابن الحنش، وحصل بينه وبين عسكر ابن عثمان مقتلة عظيمة مهولة، وقتل منهم جماعة. وأطلق عليهم الماء من أنهر دمشق، حتى صار كل من دخل في تلك المياه بفرسه يوحل، فلا تقدر على الخلاص فهلك من عسكر ابن عثمان جماعة كثيرة حسبما أشيعت بذلك الأخبار. وقد قلت في المعنى: قل لابن عثمان إذا قابلته … اقبل نصيحة ناصح ودع الطيش واحذر تعارض شاميا بجهالة … نخشى عليك اللدغ من ابن الحنش فلما دخلت الأمراء دخل صحبتهم جماعة كثيرة من أعيان أهل دمشق وأولادهم وعيالهم، وسبب ذلك أنه لما حصل لعسكر مصر هذه الكسرة، وقتل سيباي نائب الشام، واضطربت الأحوال، وثب أهل الشام بعضهم على بعض، ونهبوا حارة السمرة، وقتلوا جماعة وأخذوا أموالهم. وكذلك فعلوا بتجار الفرنج الذين هناك، ونهبوا أموالهم، وكانت فتنة مهولة. ونهبوا بيوت أعيان الناس بدمشق من القضاة والتجار، فخرج غالب أعيان دمشق منها بسبب ذلك، وبسبب فتنة ابن عثمان وفساد الأحوال بمصر والبلاد الشامية. فلما بلغ السلطان ما فعله ناصر الدين بن الحنش مع عسكر ابن عثمان رسم له بنيابة

стр. 1435

حمص، وقيل برزت له المراسيم الشريفة أنه إذا كسر عسكر ابن عثمان قرره السلطان في الأتابكية بدمشق، فإن ابن الحنش أرسل يقول للسلطان: "مدني ببعض عسكر وأنا أجمع العربان وضمان كسرة عسكر ابن عثمان علي". وكان في قديم الزمان بعض أجداد الحنش متوليا على نيابة حمص. وفيه حضر شخص يقال له اينال الأعور وكان جان بردي الغزالي قرره في نيابة صفد، فلما بعث إليها دواداره ومباشريه وثب عليهم أهل صفد، ولم يمكنوهم من الدخول إلى المدينة، وربما قتلوا منهم جماعة. فحضر إلى مصر ليلبس خلعة ويمضي إلى صفد، ليقتص من أهلها. وفي يوم الاثنين سابع عشرة أنفق السلطان الجامكية على العسكر في الحوش، وحصل في ذلك اليوم بين الأمراء خلف بسبب الوظائف، وحصل بين الأمير علان الدوادار الثاني وبين جان بردي الغزالي تشاجر حتى خرجا فيه عن الحد. وفي ذلك اليوم نادى السلطان للعسكر بالعرض وهم الذين كانوا مقيمين بمصر ولم يخرجوا في التجريدة صحبة السلطان. ونادى أيضا أن كل من أخذ شيئا من نهب سلاح العسكر أو قماشهم يرده، ومن لم يرد شيئا وغمز عليه شنق من غير معاودة. وقد بلغه أن جماعة من الغلمان والعبيد ممن كان في التجريدة نهب أشياء كثيرة من مال وسلاح وقماش وغير ذلك. ومن الوقائع اللطيفة أن السلطان لما تسلطن أمر بهدم المسطبة التي كان أنشأها السلطان الغوري بالحوش أيضا عوضا عن الدكة التي كان يجلس عليها الأشرف قايتباي، فهدم السلطان المسطبة وأعاد الدكة كما كانت في أول الأمر وجلس عليها، وكانت قد تكسرت فأصلحوها وجعل لها غشاء من الجوخ الأصفر وصار يجلس عليها للمحاكمات كما كان يجلس الأشرف قايتباي، وقد قلت في المعنى: قد عادت الدكة للحكم … وانهدمت مسطبة الظلم وصار طومان باي بين الورى … يمشي به الذيب مع الغنم فياله من ملك عدله … قد شاع بين العرب والعجم وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرة، جلس السلطان على الدكة وعرض العسكر بالحوش، وكتب منهم نحو ألفي مملوك، وعين من الأمراء المقدمين الذين كانوا بمصر نحو ستة

стр. 1436

مقدمين. وعين الأمير جان بردي الغزالي باشا على العسكر، وقد ترشح أمره بأن يلي نيابة الشام. وفيه قبض السلطان على المهتار محمد الفجولي، وعلى أخيه علي مهتار الطشطخاناه بخدمة السلطان الغوري، وقبض على جمال الدين الألواحي بواب الدهيشة، وهذا كان أول حكم للسلطان طومان باي. وسبب ذلك أن السلطان لما تسلطن عرض الخزائن فوجدها فارغة ليس فيها درهم ولا دينار. وكان محمد المهتار وجمال الدين البواب من حين توفي الأمير خاير بك الخازندار جعلهما السلطان الغوري متحدثين في أمور الخزائن الشريفة، فصارا يتصرفان فيها كيف يختاران، فطاشا وركبا في غير سرجيهما، وما كانا يظنان أن السلطان الغوري يموت في هذا الزمان. فكان ذلك من أكبر أسباب الفساد في حقهما كما يقال في المعنى: أمور تضحك السفهاء منها … ويبكي من عواقبها اللبيب وفي يوم الخميس عشري شهر رمضان، عمل السلطان الموكب بالشاش والقماش، وجلس على الدكة بالحوش، وخلع على من يذكر من الأمراء، وهم المقر السيفي سودون الشهابي الدوادار، وقرره أتابكي العساكر عوضا عن سودون العجمي بحكم قتله في واقعة ابن عثمان. وخلع على المقر السيفي جان بردي الغزالي، وقرره في نيابة الشام عوضا عن سيباي بن بخت خجا بحكم قتله في واقعة ابن عثمان. وخلع على المقر السيفي أركماس بن طراباي، وقرره في امرية سلاح على عادته. وخلع على المقر السيفي بخشباي بن عبد الكريم وقرره أمير مجلس عوضا عن أركماس بحكم ولايته في امرية سلاح. وخلع على المقر السيفي أنص باي ابن مصطفى وقرره أير آخور كبير عوضا عن نجل المقام الشريف الغوري بحكم انفصاله عنها. وخلع على تمر الحسني وقرره رأس نوبة النوب عوضا عن سودون الدواداري بحكم انتقاله إلى الأتابكية. وخلع على طقطباي العلائي نائب القلعة وقرره حاجب الحجاب عوضا عن أنص باي بحكم انتقاله إلى امرية آخور الكبرى. وخلع على الأمير علان ابن قراجا وقرره أمير دوادار كبير عوضا عن المقام الشريف بحكم انتقاله إلى السلطنة. وخلع على الأمير أبرك الأشرفي وقرره وزيرا واستادارا وكاشف الكشاف عوضا عن المقام الشريف. وخلع على كرتباي الأشرفي أحد الأمراء المقدمين وقرره دوادارا ثانيا مقدم ألف كما كان علان. وخلع على ماماي دوادار قاني باي قرا أمير آخور كبير كان، وقرره أمير آخور ثانيا عوضا عن أقباس الطويل بحكم قتله في واقعة ابن عثمان. وخلع على شخص من الأتراك يقال له تنم

стр. 1437

السيفي مغلباي الساقي، وقرره في نيابة الإسكندرية عوضا عن خدا بردي الأشرفي، بحكم أنه بقي مقدم ألف. وخلع على شخص يقال له بخشباي الذي كان كاشف البهسنا وقرره في نيابة صفد. وخلع على شخص آخر من الأتراك وقرره في نيابة طرابلس. وخلع على شخص يقال له تاني بك الأشرفي وقرره في نيابة القلعة عوضا عن طقطباي بحكم انتقاله إلى الحجوبية الكبرى. وخلع على أقطوه وقرره كاشف الشرقية ثم أبطل ذلك فيما بعد. وخلع على الأمير يشبك الفقيه وقرره خازندارا كبيراف عوضا عن خاير بك الذي توفي. وخلع على جنتمر وقرره خازندارا ثانيا. وخلع على ماماي الصغير وأقره في الحسبة على حاله. وخلع في ذلك اليوم على جماعة كثيرة وقررهم في وظائف معلومة. وأما أرباب الوظائف من المباشرين، فخلع على القاضي محمود كاتب السر ابن أجا وأقره على حاله. وأقر الشهابي أحمد ناظر الخاص ابن يوسف متحدثا في نظارة الجيش عوضا عن القصروي بحكم قتله هناك. وخلع على سائر المباشرين من أرباب الوظائف باستمرارهم على وظائفهم. وخلع على نقيب الجيش، وأزدمر المهمندار، وألماس والي الشرطة، وسنبل مقدم المماليك، باستمرارهم على عادتهم. وفي يوم الثلاثاء خامس عشرية خلع السلطان علي شيخ العرب الأمير أحمد بن بقر باستمراره على عادته. وقد حصل من أولاد أحمد بن بقر في هذه السنة من الفساد ما لا يحصل من بلاد الفرنج، من قتل النفوس ونهب الأموال، ولا سيما ما فعله ابن الجذامى بالعسكر لما رجع وهو مكسور، وما فعله أولاد عبد الدائم بالشرقية من نهب الأموال وقتل النفوس، ولم تنتطح فيها شاتان. وخلع عليه وراحت على من راح. وفي يوم الخميس سابع عشرية، وخلع السلطان على مصرباي الأقرع أحد أمراء الطبلخانات وقرره في الحجوبية الثانية عوضا عن طومان باي قرا بحكم قتله في واقعة عثمان. وخلع على تمرباي العادلي وقرره تاجر المماليك عوضاف من توروز بحكم وفاته. وخلع على شاد بك وقرره شاد الشرابخاناه عوضا عن يوسف الناصري بحكم انتقاله إلى التقدمة. وخلع على علي بك وقرره على نظر الجوالي عوضا عن القصروي. وخلع على فخر الدين بن عوض واستقر به ثالث قلم في كتابة المماليك عوضا عن جلال الدين بحكم وفاته. وخلع علي حاجب الحجاب بدمشق باستمراره على عادته. وفي أواخر هذا الشهر قرئ عهد السلطان بحضرة أمير المؤمنين يعقوب وقاضي القضاة الحنفي، وجماعة من النواب، وحضرت جماعة من المقدمين على العادة. ثم إن

стр. 1438

السلطان أنعم علي أمير المؤمنين يعقوب لما بايعه بالسلطنة بحصة ونصف وثلث في منشية دهشور، فأنعم عليه في ذلك اليوم بما ذكرناه. وفي يوم السبت تاسع عشرية طلع ناظر الخاص بخلع العيد وعرضها على السلطان وهي مزفوفة على رءوس الحمالين. وفي يوم الأحد سلخ هذا الشهر حضر الناصري محمد ابن بلباي المؤيدي حاجب ميسرة بدمشق وأخبر بأن سليم شاه بن عثمان قد ملك مدينة دمشق وملك قلعتها، وقتل علي باي الأشرفي نائب القلعة، وقتل ستة وثلاثين أميرا من أمراء دمشق غير من وجده من الرعية بالشام. وحضر ابن بلباي هذا وهو في زي العرب ببشب وزنط على رأسه. فلما أشيعت الأخبار في القاهرة بأن ابن عثمان ملك الشام صارت الناس في أمر مريب بسبب ذلك، وقالوا ما بقي بعد أخذ الشام إلا مصر، وجزموا بهذا الأمر. وعول بعض الناس على الهروب إلى جهة الصعيد … فتنكد السلطان والأمراء والناس قاطبة لها الخبر، ولا سيما أنها ليلة عيد الفطر، والناس جرحهم طري بسبب موت السلطان وكسرة العسكر، والأشلة قائمة بسبب من قتل من العسكر، وقد قلت: يا ابن عثمان كف عن أخذ مصر … بلد شرفت بخير أمام حبرنا الشافعي قطب ولي … نجل إدريس عمدة الإسلام هي تدعى كنانة من غزاها … قصم الله ظهره بالحسام ***** وفي شوال، وكان مستهله يوم الاثنين، صلى السلطان صلاة العيد، وخلع على الأمراء ومن له عادة فخطب بالسلطان في ذلك اليوم الشرقي يحيى ابن البرديني، وكان موكب العيد حفلا. وفي يوم الجمعة خامسه، الموافق لرابع هاتور القبطي، قلع السلطان البياض ولبس الصوف، وقد عجل بلبس الصوف. وفيه توفي الأمير جانم الإبراهيمي أحد الأمراء الطبلخانات.

стр. 1439

وفي يوم السبت سادسه طلع إلى السلطان شخص يقال له علي الشعباني نقيب المحتسب، وشخص آخر يقال له ابن خبيز السمسار في الغلال، فلما وقفا بين يدي السلطان تكلما معه بأن يجعل على الحسبة مالا معينا، وعلى الغلال أيضا، ولا يحصل من ذلك ضرر للمسلمين … فلم يلتفت السلطان إلى كلامهما وضرب على الشعباني بالمقارع وابن خبيز، وأشهر الشعباني في القاهرة وهو ماش مكشوف الرأس، وقد ضرب بالمقارع ونودي عليه: هذا جزاء من يتعاون في إنشاء المظالم في الدولة العادلة بعد ما بطلت، وأمر السلطان بعزل الشعباني من التحدث في أمر الحسبة، فأقام الشعباني بعد ذلك أياما يسيرة، وأشيع موته من الضرب الذي حصل له كما تقدم. وفي يوم الاثنين ثامنه، حضر دوادار نائب غزة المسمى بعلي بك الأحدب، وأخبر بأن ابن عثمان من حين دخل الشام تلاشى أمره ووقع الوخم في عسكره، فصار يموت منهم في كل يوم جماعة، وعز عندهم وجود الأقوات من الغلال والعلف. وقد ضيقت عليه العربان ومنعوا عنه ما يجلب من الشعير والقمح والتين، وكل من خرج من عسكره إلى الضياع قتله العرب، وقد تجون بدخوله فما بقي يمكنه الخروج منها، وسارت خيول عسكره سائبة تأكل من ورق الأشجار وهي في غاية الحصر. وفيه حضر خدا بردي نائب الإسكندرية وخرج إليها تنم الذي قرر بها، وحضر الأمير خاير بك المعماري الذي كان توجه إلى ثغر رشيد بسبب عمارة السور والأبراج التي هناك كما تقدم. وفيه خلع السلطان على شخص من الأتراك يقال له ملباي المشرف وقرره في استادارية الصحبة عوضا عن قانصوه الأشرفي بحكم قتله في واقعة ابن عثمان. وفي يوم الثلاثاء تاسعه كانت كائنة الزيني بركات ابن موسى مع الشيخ أبي السعود. وسبب ذلك أن شخصا مدابغيا يبيع الجلود، يقال له الدمراوي - مكاسا على بيع الجلود - فجار عليه ابن موسى، فوقع بينه وبين ابن موسى حظ نفس، فقصد ابن موسى أن يقبض عليه فتوجه الدمراوي إلى الشيخ أبي السعود واحتمى به، فأرسل الشيخ أبو السعود رسالة إلى ابن موسى بسبب ذلك، وقد شنع فيها، فتوقف ابن موسى في أمره ولم يلتفت إلى رسالة الشيخ وطاوله في أمر الدمراوي. فأرسل الشيخ لابن موسى فأحضره، فما حضر عنده في كوم الجارح وبخه الشيخ بالكلام، وقال له: "يا كلب كم تظلم المسلمين" فحنق منه ابن موسى وقام من عنده على غير رضا، فأمر الشيخ بكشف رأس ابن موسى وضربه بالنعال. فصفعوه بالنعال على رأسه حتى كاد أن يهلك، ثم وضعه في مكان وأرسل خلف

стр. 1440

الأمير علان الدوادار الكبير … فلما حضر قال له ضعه في الحديد، واطلع وشاور السلطان عليه وأعلمه بأنه يؤذي المسلمين. فلما طلع الأمير علان وشاوره في أمر ابن موسى وما جرى له مع الشيخ أبي السعود، أرسل السلطان يقول للشيخ أبي السعود: مهما اقتضاه رأيك فيه فافعله. فلما ورد الجواب على الشيخ بذلك أمر باشهار ابن موسى في القاهرة ثم يشنقونه على باب زويلة. فأخرجوا ابن موسى من زاوية الشيخ التي في كوم الجارح وهو ماش مكشوف الرأس بكبر طاق وهو في الحديد ينادي عليه: "هذا جزاء من يؤذي المسلمين". فتوجهوا من كوم الجارح إلى ساحل مصر العتيقة وهم ينادون عليه إلى أن وصل إلى بيت الأمير علان الدوادار الذي بالناصرية … فأراد أن يوقع فيه بشنق أو تغريق. ثم عاودوا الشيخ في أمره بأن عليه مالا للسلطان ومتى شنق ضاع على السلطان ماله، فعفا الشيخ عنه من القتل، واستمر ابن موسى عند الأمير علان وهو في الحديد حتى يكون من أمره ما يكون. وكانت واقعة مهولة بين ابن موسى والشيخ أبي السعود، وقد أشرف ابن موسى في هذه الكائنة على الهلاك. وقد قلت في هذه الواقعة: تعجبوا مما جرى في الوجود … بين ابن موسى كان وأبي السعود تشاجر قد طال ما بينهما … واشتعلت نيرانه بالوفود فصرح الشيخ بعزلانه … وأكد القول بألا يعود ويغلب الله على أمره … ويرغم القاهر أنف الحسود ليت شعري ذا الهبوط الذي … نال ابن موسى بعده من صعود ولما جرى لابن موسى ما جرى، ظهر غريمه شهاب الدين بن الصائغ، وكان يسعى عليه في أيام الغوري. فلما وقعت هذه الكائنة لابن موسى انتدب إلى مرافعته ابن الصائغ وقال: أنا أثبت في جهة ابن موسى للسلطان مائة ألف دينار. ثم إن ابن الصائغ توجه إلى بيت ابن موسى وصحبته طواشية وقواسة وجماعة كثيرة، وكبس على نساء ابن موسى، وقبض عليهن ونهب ما في بيوتهن من قماش وأمتعة. وقبض على عبيده وغلمانه وحاشيته.
следующие страницы →