← История

История · id 30060

المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور - ط مدبولي

ابن إياس

Полный текст (1 734 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وفيه رسم ملك الأمراء بشنق شخص يقال له: الحاج ياقوت، وكان من جملة تجار الوراقين، وله شهرة، وهو في سعة من المال، فقتل من غير ذنب بوجب ذلك. وفيه نزل ملك الأمراء من القلعة وتوجه إلى بولاق، وكشف على المراكب التي عمرها هناك، فأنزلوها إلى البحر قدامه، ثم رجع وشق من القاهرة وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وكان يوما مشهودا. وفيه خرج الأمير جان بك أخو الأمير قايتباي الدوادار، فتوجه من البحر وسافر نحو البلاد الشامية ليكشف أخبار نائب الشام جانبردي الغزالي، وغير ذلك من الأشغال السلطانية. وفيه انقطعت الأخبار من البلاد الشامية، وامتنعت القوافل والمسافرون من الدرب السلطاني، وانكتمت الأخبار نائب الشام جان بردي الغزالي، واستمر على ذلك ثلاثة أشهر، وحصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك، ومنع القوافل وجلب البضائع من البلاد الشامية. ***** واستهل شهر ربيع الأول يوم السبت فطلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنأوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم. وفي يوم الثلاثاء رابعه، نزل ملك الأمراء من القلعة وتوجه إلى بركة الحبش والبريم، فأقام هناك إلى ما بعد الظهر، فأرسل القاضي بركات بن موسى المحتسب خمسة جمال، ما بين خرفان شوي، وحلوى وفاكهة، وغير ذلك من مجامع، ضمنها مأمونية، وسنبوسك بسكر، وغير ذلك أشياء فاخرة. ثم أن ملك الأمراء نزل من هناك في الحراقة، وتوجه إلى الروضة، وكشف على المراكب التي عمرها هناك، ثم شق من البحر وطلع من عند قصر ابن العيني، وتوجه من هناك إلى القلعة، فانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وانشرح في ذلك اليوم إلى الغاية. ومن الوقائع اللطيفة ما وقع في يوم الأحد تاسع الشهر، وذلك أنه وقع بين شخص من أرباب الفن يقال له: محمد الأوجاقي، ويعرف أيضا بالشرابي، وشخص يقال له: محمد بن سرية، فوقع بينهما رهان في فن المويسيقي، فقال محمد بن سرية: أنا أعرف قطعة من الفن ما سمعها أحد من أهل مصر قط. فقال محمد الأجاقي: إن كان حقا ما تدعيه، فنجمع مشايخ أرباب الفن، ونجمع مغاني البلد قاطبة، ويكون ذلك يوم الأحد في وسط بركة الرطلي، وكان ذلك في زمن الربيع فلما كان يوم الأحد يوم الميعاد، حضر جماعة من

стр. 1647

أرباب الفن، وحضر مغاني البلد قاطبة، وأتوا إلى بركة الرطلي، فجلسوا في وسطها، واجتمع هناك الجم الكثير من المتفرجين، وكان ذلك اليوم مشهودا، فغنى كل واحد من المغنين في ذلك اليوم بوبة من أحسن ما عنده من الغناء، وابتهج الناس في ذلك اليوم غاية البهجة. وأما محمد بن سرية فإنه احتج بأنه ضعيف، ولم يحضر، وقال الرهان باق إلى يوم الأحد الثاني فظهر عليه العجز، ولم يف بما ادعاه مما تقدم، فكان كما قيل: كل من يدعي بما ليس فيه … كذبته شواهد الامتحان فانفض ذلك الجمع، وعد ذلك اليوم من النوادر في الفرجة والقصف. وفي يوم الاثنين عاشره، أشيع أن قاصدا حضر من عند السلطان سليمان، وعلى يده خلعة الاستمرار إلى ملك الأمراء، فحضر القاصد وصحبته الأمير شيخ والأمير علي المحضر وبرسباي أستادار الصحبة مملوك ملك الأمراء الذي كان أرسله إلى السلطان سليمان بن عثمان يهنيه بالملك ويعزيه في موت أبيه السلطان سليم شاه، فلما حضر طلعوا إلى القلعة، ومعهم مرسوم مختوم من عند السلطان سليمان بن عثمان، فاجتمع بالقلعة الأمراء العثمانية والأمراء الجراكسة وقرئ عليهم مرسوم السلطان سليمان وهو مكتوب باللغة التركية، فكان من مضمونه أن السلطان أرسل يقول لملك الأمراء أنه فوض إليه نيابة مصر وما معها من الثغور والأعمال، يعزل من يعزل، ويولي من يولي، ولم يرسل إليه خلعة الاستمرار، فعز ذلك على ملك الأمراء، وكثر بسبب ذلك القيل والقال بين الناس. وفي يوم الثلاثاء حادي عشره كان المولد الشريف النبوي بالقلعة على حكم ما ذكرناه في السنة الماضية. وفي يوم الخميس ثالث عشره نودي في القاهرة عن لسان ملك الأمراء خاير بك بأن من كان له خاجة إلى الشام أو غزة يتوجه إلى هناك، فإن الدرب السلطاني قد انفتح، وكان الدرب السلطاني له نحو أربعة أشهر لم يسلك، ولم تجيء منه القوافل، حتى عزت البضائع التي كانت تجلب من هناك، وذلك بسبب عصيان نائب الشام جان بردي الغزالي. وأشيع أن جماعة من العربان أوقعوا مع جان بردي الغزالي، وانكسر منهم وهرب، فقصد ملك الأمراء أن يعلم الناس بأن الدرب قد انفتح وسلك. وفيه خلع ملك الأمراء على قرا موسى أحد أمراء ابن عثمان وقرره في نيابة غزة، فخرج إليها في يوم الخميس وسافر.

стр. 1648

وفيه قدمت الأخبار من الشام، بأن السلطان سليمان بن عثمان، أرسل إلى نائب الشام جان بردي الغزالي عساكر عظيمة، وصحبتهم ابن سوار، فأوقعوا مع الغزالي في ثاني عشري صفر، وكان بين الفريقين واقعة مهولة على حلب، فانكسر منهم وهرب إلى حماة، فتبعوه واقتتلوا معه، ففر منهم وهرب، وقصد التوجه إلى الشام، وقطع قناطر الرستني، فتبعوه فكان بين الفريقين واقعة عظيمة خارج مدينة دمشق، فقتل في تلك المعركة نحو عشرة آلاف إنسان، وقيل: أكثر من ذلك، ما بين عربان ومماليك، وجماعة من عوام الشام، وفيهم أطفال وصغار من أهل ضياع الشام، وغير ذلك ممن حضر تلك الواقعة، فكانت هذه الواقعة تقرب من واقعة تمرلنك لما ملك الشام، وجرى منه ما جرى من قتل ونهب وسبي وحرق ضياع، وما أبقوا في ذلك ممكنا، وليس الخبر كالعيان. والذي قتل تحت أرجل الخيل لا ينحصر، وآخر الأمر انكسر نائب الشام والغزالي كسرة مهولة، وقبض عليه وقتل، وحزت رأسه، وأرسلت إلى إسطنبول مع رأس جماعة من أصحاب الغزالي ممن كان من عصبته، ونهب وطاقه وبركه عن آخره، وكانت من الوقائع العظيمة التي لم يسمع بمثلها. وكانت مدة ولايته على نيابة الشام ثلاث سنين وأربعة أشهر إلا أياما، وزال كأنه لم يكن. وكان الغزالي عنده رهج وخفة زائدة، أهوج الطبع، ليس له رأي سديد، رهاج في الأمور ليس له تأمل، وكان ولي نيابة الشام وهو في غاية العظمة والحرمة الوافرة، والكلمة النافذة، وقد أصلح الجهات الشامية في أيامه حتى مشى الذئب والشاة سواء، كما يقال في المعنى: يا أيها الملك الذي سطواته … في البيد يخشى ذئبها من شاتها ولما كان بالشام التف عليه الجم الكثير من العساكر ما بين عربان جبل نابلس والكرك وغير ذلك، والتف عليه جماعة كثيرة من المماليك الجراكسة، وصاروا يخرجون من مصر في الخفية ويتوجهون إليه. والتف عليه طائفة من الأكراد والتركمان، حتى اجتمع علي اثنا عشر ألف مقاتل، وفيهم رماة بالبندق الرصاص نحو خمسمائة رام، وقيل أكثر من ذلك، فعند ذلك حدثته نفسه بالسلطنة، وثورته الجهلة فتسلطن وتلقب بالملك الأشرف، وقبلوا له الأرض هناك، وخطب باسمه على المنابر في جمعتين بدمشق، وكل ذلك عين الغلط منه، وكم من عجلة أعقبت ندامة، فكان كما قيل في المعنى:

стр. 1649

والنفس لا تنتهي عن نيل مرتبة … حتى تروم التي من دونها العطب ولما تحقق ملك الأمراء أن الغزالي قد تسلطن بالشام، وقبلوا له الأرض هناك، اضطربت أحواله، وسرت المماليك الجراكسة بذلك، واستبشروا بالفرج، ويا فرحة ما تمت. وكان أصل جان بردي الغزالي من مماليك الأشرف قايتباي، اشتراه وأعتقه، وأخرج له خيلاف وقماشا، وصار من جملة المماليك السلطانية. ثم أن الأمير تغري بردي الأستادار، قرره شادا في ضيعة بالشرقية يقال لها: منية غزال فنسب إليها، وقيل له: الغزالي مضافا لاسم تلك الضيعة. ثم أن الأشرف قايتباي جعله جمدارا وقرره في كشف الشرقية، ثم بقي أمير عشره في أواخر دولة الناصر محمد بن قايتباي، ثم بقي محتسب القاهرة في دولة السلطان الغوري، ثم قرره في حجوبية الحجاب بحلب، فخرج إليها من يومه، وذلك بعد واقعة مصرباي لما انكسر. ثم أن الغوري نقله من حجوبية الحجاب بحلب إلى نيابة صفد، وذلك في سنة سبع عشرة وتسعمائة. ثم نقله من نيابة صفد إلى نيابة حماة، إلى أن توجه السلطان الغوري إلى حلب، وانكسر وجرى له ما جرى، فرجع الغزالي صحبة العسكر إلى مصر، فوجد الأشرف طومان باي قد تسلطن عوضا عن الغوري، فاستقر بالغزالي نائب الشام وقد تقدم القول على ذلك. فلما ملك السلطان سليم شاه ابن عثمان مصر أقره على عادته في نيابة الشام، وجعل له التحدث على الشام وحماة وحمص وصيدا وبيروت وبيت المقدس والرملة والكرك وغير ذلك من الأعمال الشامية والطرابلسية، فلو قنع بذلك لكان خيرا له، فكان كما يقال في الأمثال السائرة: "من شرب بكأس الطمع شرق به". وفي يوم الأحد ثالث عشريه قدمت الأخبار بأنه وصل قاصد من عند السلطان سليمان بن عثمان، فلما تحقق ملك الأمراء ذلك، نزل من القلعة وتوجه إلى تربة العادلي، وبات بها لأجل ملاقاة القاصد الذي حضر. وكان ملك الأمراء أرسل القاضي بركات بن موسى المحتسب إلى الخانكاه، ليمد له مدة هناك. فلما كان يوم الاثنين رابع عشريه، نادى ملك الأمراء في القاهرة بالزينة بسبب دخول القاصد، فزينت زينة حافلة، فلما دخل القاصد لاقاه ملك الأمراء من هناك، ودخل هو وأباه من باب النصر، وشق من القاهرة في موكب حافل، وقدامه العسكر قاطبة من الجراكسة والعثمانية، وقدامه جماعة كثيرة من الانكشارية وهم يرمون بالنفوط ودخل قدامه عشرة

стр. 1650

رؤوس على رماح، زعموا أنها رؤوس مشايخ عربان ممن كان من عصبة نائب الشام جان بردي الغازلي، فشق من القاهرة هو والقاصد، وكان يوما مشهودا. وفي يوم السبت سلخ الشهر قدم قاصد آخر من عند السلطان سليمان بن عثمان، وأشيع أنه أتى إلى ملك الأمراء بخلعة الاستمرار، فلما وصل إلى تربة العادلي نزل إليه ملك الأمراء ولاقاه من هناك، فجلس على المصطبة التي هناك، فألبسه القاصد الخلعة وهي قفطان مخمل أحمر بتماسيح مذهب، ثم قام من هناك هو والقاصد ودخل من باب النصر، وشق من القاهرة في موكب حافل أعظم من الموكب المقدم ذكره، وركب قدامه قضاة القضاة الأربعة، وهم: كمال الدين الطويل الشافعي، وعلاء الدين علي الطرابلسي الحنفي، ومحيي الدين يحيى الدميري المالكي، والشهابي أحمد الفتوحي الحنبلي. وركب قدامه الأمراء الجراكسة قاطبة، والأمراء العثمانية، ومشت قدامه الانكشارية والكملية وهم يرمون بالنفوط، ومشت قدامه طائفة النصارى بالشموع الموقدة، واصطف الناس له على الدكاكين بسبب الفرجة، وكانت القاهرة مزينة في قوة الزينة، وعلقوا له أحمالا وثريات معمرة بالقناديل الموقدة بطول المدينة، وأوقدوا له الشموع على الدكاكين، ولا سيما ما فعله تجار الوراقين من الشموع الموكبيات الكبار، وأطلقوا له المجامر بالعود القماري، ومرشات الماورد المسك. ثم أن جماعة من التجار نثروا على رأسه الفضة في عدة أماكن من المدينة، وارتفعت له الأصوات من الناس بالدعاء، وانطلقت له النساء بالزغاريت من لك جانب من البيوت والدكاكين، وفرشت له الشقق الحرير تحت حافر فرسه من عند خان مسرور، واستمر في هذا الموكب الحفل، حتى طلع إلى القلعة وعليه خلعة الاستمرار من عند السلطان سليمان بن عثمان، وهي بتماسيح مذهب على مخمل أحمر، وكان ذلك اليوم مشهودا في الفرجة والقصف. فلما طلع إلى القلعة، خلع على الأمير قايتباي الدوادار قفطانا مخملا، ونزل إلى منزله، ثم نادى للناس بفك الزينة. وقد أقامت الناس مزينة نحو عشرة أيام، وتكلف الناس بسبب ذلك كلفة عظيمة، من وقيد وقناديل، ومشترى زينت، وحصل في هذه الزينة من التركمان غاية الفساد من خطف النساء والصبيان المرد، والتجاهر بالمعاصي ليلا ونهارا، حتى خرجوا في ذلك عن الحد، ولا سيما ما كان يفعل في خان الخليلي من الفسق. وقد ابتهج الناس بهذه الزينة غاية البهجة، وفي هذه الواقعة يقول صاحبنا الناصري محمد بن قانصوه بن صادق يمدح السلطان سليمان بن سليم شا بن عثمان عز نصره وأجاد حيث قال:

стр. 1651

الحمد لله أضحى الملك مبتسما … من بعد ما كان أبدى وجهه كظما وكيف لايك يبدي وجهه كظما … على سليم وقد أضحى يرى رمما وصار بعد سليم لابنه، وغدا … من السرور به بالبشر مبتسما وافتر عن شنب الفتح المبين فم ال … نصر العزيز له بالسعد فيه لما قد قطعت أرؤس الأعداء مخزية … وسيفه ملئت منه البطاح دما وكيف لا وسليمان مدبره … بخاتم الملك منه مذ به اختتما وصار من كعبه فينا الغلاء رخا … والخوف أمنا بنا والنور زال عمى والنيل قد زاد في هاتور من فرح … به وروى أراضي مصر بعد ظمأ وكان أبطأ لتوت بالوفا حزنا … على سليم وما روى البلاد بما ومصر من فرح في زينة رقصت … لما رأت لرخاها كعبه علما وأصبحت جنة من سعد خير بك … بعد الجحيم ونادى العدل من ظلما وكيف لا وهو خير قد أحل بها … لو لم يكن هو خير قط ما حكما يا أيها الملك الممدوح دم فرحا … وانظر لقصد عبيد يشتكي ألما فأنت بالطب أدرى من سواك به … ومن سواك يرى في حكمه حكما لا زلت من ابن قانصوه الوفي ترى … مشنفا بمديح مبدع حكما والجود كالجود يهمي منك من خلع … نيابة عن سليمان له حكما وموكب الملك يبديه وأنت بها … كما رأينا بمصر والسرور نما وأنت في فرج تبدو وفي فرح … والملك مبتسم منه ترى نعما وكوكب السعد يسري في سما شرف … عليك في سائر الأوقات محتكما وقائلا حامدا مذ صار مبتسما … الحمد لله أضحى الملك مبتسما وقد مضى هذا الشهر عن الناس على خير، وكان كثير الحوادث، ووقع فيه أمور غريبة، وأحوال عجيبة، ولا سيما ما وقع بالبلاد الشامية من الفتن العظيمة، من القتل والنهب وحرق الضياع، وذهاب الغلال، وسبب ذلك عصيان نائب الشام جان بردي الغزالي، وإظهاره للسلطنة. ووقع مثل ذلك بحماة وحمص وغير ذلك من البلاد الشامية. ***** واستهل شهر ربيع الآخر بيوم الأحد، ففي ذلك اليوم بلغ ملك الأمراء قدوم قاصد، وهو الثاني من عند السلطان سليمان بن عثمان، قد وصل وعلى يده خلعة ثانية لملك

стр. 1652

الأمراء، وهذا القاصد يقال له: الأمير علي، فلما تحقق ملك الأمراء وصوله، نزل إليه من القلعة ولاقاه من عند تربة العادلي، ولبس الخلعة هناك، ودخل من باب النصر، وشق من القاهرة في موكب حافل، وصحبته الأمير علي الذي حضر، ولم يكن صحبته من القضاة سوى قاضي القضاة المالكي محيي الدين يحيى بن الدميري. وكان هذا الموكب على حكم الموكب الذي تقدم ذكره. ومن العجائب أن ملك الأمراء أوكب ثلاثة مواكب حافلة، وشق من القاهرة ثلاث مرات، في مدة سبعة أيام، فعد ذلك من النوادر الغريبة. وفي يوم الاثنين ثاني هذا الشهر، خرج الأمير قرا موسى العثماني الذي قرر في نيابة غزة، فخرج صحبته الجم الكثير من الأصباهية، ومن التجار فإن الدرب السلطاني كان له مدة طويلة وهو منقطع من السالك، من حين جرى من الغزالي ما جرى، إلى أن أشيع قتله. وفي يوم الاثنين تاسعه، كانت وفاة صاحبنا القاضي محب الدين بن أصيل، وكان رئيسا حشما من ذوي البيوت، وكان قد كف بصره قبل وفاته بمدة طويلة، وحصل له شدائد ومحن، ومات وهو في غاية القهر بسبب خروج مشيخة المدرسة الجمالية عنه إلى الشيخ زكريا، وقد تقدم القول على ذلك. وفي يوم الأربعاء حادي عشره، توجه ملك الأمراء إلى قبة الأمير يشبك الدوادار التي بالمطرية على سبيل التنزه، فصنع لهه المقر الشهابي أحمد بن الجيعان هناك مدة حافلة، وكذلك الخواجا هاشم ناظر المارستان، وما أبقى في ذلك ممكنا. ومن الحوادث الشنيعة أن ملك الأمراء في يوم السبت رابع عشره، رسم بقطع ثلاث رؤوس من أعيان المماليك الجراكسة، فقطع رؤوسهم في ذلك اليوم تحت شباك الدهيشة، وأشهر تلك الرؤوس على الرماح، ثم علقها على باب زويلة، فمنهم شخص يسمى ماماي الساقي، وشخص يسمى قان بك الأشقر، وهم من مماليك السلطان الغوري. وكان سبب ذلك أن هؤلاء المماليك كانوا بالقاهرة، وكان ملك الأمراء يحسن إليهم غاية الإحسان، فلما أشيع عن جان بردي الغزالي نائب الشام أنه تسلطن هناك، وتلقب بالملك الأشرف، تسحب هؤلاء المماليك من مصر، وتوجهوا إلى الشام، ودخلوا تحت طاعة الغزالي، فلما انكسر الغزالي وقتل وجرى له ما جرى، حصر هؤلاء المماليك واختفوا في القاهرة، فغمز عليهم. فلما بلغ ملك الأمراء بذلك أرسل الوالي فقبض عليهم، وأحضرهم بين يديه، فلما مثلوا بين يديه، وبخهم بالكلام، فأغلظ عليه في القول ماماي الساقي، فحنق منه فرسم بقطع

стр. 1653

رقابهم بين يدين، ورسم للوالي بأن كل من كان عند الغزالي من المماليك وحضر إلى مصر، يوسطه من غير إذن، ولو كان من الأمراء. واشتد غضب ملك الأمراء في ذلك اليوم بحيث أنه حم جسده في ذلك اليوم ولزم الفراش، وانقطع عن المحاكمات ثلاثة أيام، وأشيع أنه قد طلع له تساليك في مشعره، واشتد الألم عليه، وانقطع عن الخروج، وصار يتصدق على الزواية والمزارات بمال له صورة، وصار يذبح الذبائح من الأبقار على أبواب الجوامع الكبار، ويتصدق بلحومها على المجاورين بالجوامع والزوايا. وفي يوم الثلاثاء سابع عشره، نودي بالقاهرة عن لسان ملك الأمراء: "معاشر كافة الناس، إن كل من كان عنده مملوك من المماليك الجراكسة، ممن كان عند الغزالي نائب الشام، وأخفاه ولم يقر به، يشنق على باب داره من غير معاودة". وصارت هذه المنادة تتكرر في كل يوم ثلاث مرات، نحو ثلاثة أيام على لسان أربعة مشاعلية، اثنان بالتركي واثنان بالعربي. وقد اضطربت الأحوال في هذه الأيام إلى الغاية بسبب جان بردي الغزالي نائب الشام. فمن الناس من يقول: إنه باق في قيد الحياة، وأن الرأس التي قطعت غير رأسه، ومن الناس من يقول: إنه قتل في الواقعة التي كانت على القابون، وحزت رأسه وأرسلت إلى إسطنبول، والأصح أنه قتل على القابون، وهي ضيعة من الشام. وهذه الواقعة تقرب من واقعة قانصوه خمسمائة لما شك الناس في قتله. وفي يوم الخميس تاسع عشر ربيع الآخر، كانت وفاة أمير المؤمنين المستمسك بالله يعقوب، ابن أمير المؤمنين عبد العزيز المتوكل على الله، وكان مولده سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، وأمه تسمى آمنة، وهي ابنة أمير المؤمنين أبي الربيع سليمان بن محمد المتوكل على الله فهو هاشمي الأبوين. وكان رئيسا حشما دينا خيرا صالحا لين الجانب متواضعا، ولي الخلافة في دولة الملك الناصر محمد بن قايتباي الأشرف، وأقام فيها إحدى عشرة سنة ونصفا، وبايع أربعة من السلاطين ثم صرف عن الخلافة في دولة الأشرف الغوري، وعهد إلى ولده محمد المتوكل على الله، وقاسى شدائد ومحنا، وقد تقدم ذكر ذلك. وحصل له ضعف في بصره، وكان لا يقرأ ولا يكتب، وكان رجلا مباركا لم تعهد له صبوة قط، ومات وله من العمر نحو ثمانين سنة أو دون ذلك، وكان ولده غائبا بإسطنبول من حين نفاه السلطان سليم شاه بن عثمان، ولما مات رثاه الأديب البارع ناصر الدين محمد بن قانصوه بن صادق بهذه المرثية فقال: رشق الموت في مرامي القلوب … من قسى الجوى سهام الكروب يا لها من سهام كرب عظيم … في مرامي الحشا برمي مصيب

стр. 1654

صيرت دورنا خرابا وصرنا … بعد عز أذلة للخطوب يا لها من مذلة بعد عز … صيرتنا من عظمها في لغوب أين خير الأنام والآل والصح … ب وأين الملوك أهل الحروب قد قضى الله بالممات عليهم … مثل ما قد قضى على يعقوب الذي كف عن فراق مناه … وتلقى البلاء عن أيوب غاب عنه ابنه فمات بحزن … كمدا .. من يطيق فقد الحبيب؟ ابن عبد العزيز أعنى أمير ال … مؤمنين النجيب وابن النجيب صاحب العهد والخلافة والعق … دمع الحل واللوا والقضيب قلت صبرا على الذي حل لما … قد أشان في ذا الزمان العجيب هاشمي أبا وأما وهذا … غاية المجد للحسيب النسيب الذي كان للأرامل والأي … تام كفؤا وكان مأوى الغريب يا يتامى ويا أرامل ضجوا … واهطلوا عينكم بدمع سكوب واسألوا الله أن يسكنه الفر … دوس فضلا فالله خير مجيب والي مصر أن يجيء قريبا … ابنه في هنا وعيش خصيب صير الله روح والده في … خير روح بنشر بشر وطيب وكذا روح من رثاه بهذا … إن يمت مثله بأوفى نصيب وكذا قانصوه أبوه امتنانا … منه ما صاح ذو بكا ونحيب قائلا والعيون تجري عيونا … رشق الموت في مرامي القلوب ولما توفي الخليفة يعقوب لم يستطع ملك الأمراء أن ينزل من القلعة ويصلي عليه، فإنه كان في غاية الضرر من تلك التساليك التي طلعت له في مشعره، فحضر مشهد الخليفة يعقوب قضاة القضاة، وبعض الأمراء فصلوا عليه ودفن عند أقاربه بالمشهد النفيسي رحمة الله عليه، ودفن يوم الجمعة عشريه. توفي بزدداره الحاج علي في ذلك اليوم، ودفن عقيب دفن أستاذه يعقوب. وفي يوم السبت حادي عشريه خرج الأمير قاسم العثماني كزك بك الذي حضر صحبة الأصباهية، فرجع إلى إسطنبول وصحبته جماعة من العساكر العثمانية الذين كانوا بمصر، فاختاروا عودهم إلى بلادهم بإسطنبول هم وهؤلاء الذين حضروا صحبة الخلعة التي جاءت إلى ملك الأمراء من عند السلطان سليمان بن عثمان. وفيه حضر إلى الديار المصرية القاضي بدر الدين محمد المسعودي ابن الوقاد، وكان توجه إلى إسطنبول مع جملة من توجه من الأساري، فأقام في إسطنبول مدة طويلة إلى أن

стр. 1655

مات السلطان سليم شاه وولي ابنه سليمان، فاستأذن الوزراء في الحضور إلى مصر لتفقد أحواله، ثم يعود إلى إسطنبول، فأذنوا له في ذلك، فحضر إلى مصر وهو في الترسيم بشاويش مرسم عليه، وحضر صحبته كمال الدين بزددار الأمير طراباي، وكمال الدين العائق، وكريم الدين المجولي، ويوسف مناخير، وبدر العادلي وهو معتوق الناصري، ومحمد بن فارس، فلما حضروا إلى مصر أقاموا بها مدة. فلما انقضى الميعاد الذي قرره معهم الشاويش، استحثهم على الخروج والسفر إلى إسطنبول. فلما كانت ليلة الرحيل، اختفى القاضي بدر الدين بن الوقاد ولم يظهر، فشق ذلك على الشاويش الذي كان مرسما عليهم. وكان ابن الوقاد اختفى بإذن ملك الأمراء، حتى قيل إن ابن الوقاد قدم لملك الأمراء في هذه الحركة ألف دينار في الخفية، وصار ملك الأمراء يظهر الغيظ على ابن الوقاد ويشدد في طلبه، ورسم على أصحابه وجيرانه، وأظهر للشاويش الذي حضر صحبته أنه محث في طلبه والأمر بخلاف ذلك، ثم إن ذلك الشاويش قبض على كمال الدين بزددار طراباي، وعلى كمال الدين العائق، ويوسف مناخير، وبدر العادلي، ووضعهم في الحديد وأخرجهم من مصر على أقبح وجه، وافروا من البحر إلى إسطنبول، وقاسوا شدائد ومحنا. وفيه توفي المعلم عبد الرحمن بن طبيلة المعامل في الدجاج والأوز، وكان علامة عصره في هذا الفن، وكان في سعة من المال لا بأس به، وله بر ومعروف. وفي يوم الاثنين ثالث عشرية، كان عيد النصارى وهو أول يوم من الحماسين، وكان ذلك اليوم رطبا وفي السماء غيم، وهذا فأل للنيل بأن يكون في تلك السنة عاليا جدا في الزيادة. وفي يوم الثلاثاء رابع عشرية، حضر أو لاقي من عند السلطان سليمان بن عثمان، وعلى يده مراسيم تتضمن أن كزك بك قاسم الذي حضر وعلى يده خلعة الاستمرار لملك الأمراء، يستقر في نيابة حلب، عوضا عمن كان بها. وقيل إن كزك بك هذا رضع مع السلطان سليم شاه. وقد صارت النيابات كلها بيد جماعة ابن عثمان، فكزك هذا قرر في نيابة حلب، وشخص آخر يقال له إياس في نيابة الشام عوضا عن الغزالي، وقرر فرحات بك في نيابة طرابلس، وقرر قرا موسى في نيابة غزة. وقد اقتسم العثمانية النيابات التي كانت بيد أعيان المماليك المصرية. وفيه توفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن نابتة الحنفي، وكان لا بأس به. ولم يظهر القاضي بدر الدين بن الوقاد، ولا كريم الدين المجولي، فلما طال الأمر على الشاويش

стр. 1656

الذي كان توكل بهما، تقلق وخرج وسافر من البحر وصحبته كمال الدين بزددار الأمير طراباي، وكمال الدين العائق مباشر أمير أخور، والخواجا عمر بن معزوز المغربي، وزين العابدين حامل المزرة، وبدر العادلي، وحسين ويوسف مناخير، فخرجوا من القاهرة على أقبح وجه من الشاويش الذي رسم عليهم فوضعهم في الحديد، وكتف بعضهم بالحبال، وساقهم مشاة قدامه حتى وصلوا إلى بولاق فأنزلهم في المراكب، وسافروا نحو إسطنبول، وحصل لهم الضرر الشامل من الشاويش. وقد خنق من ابن الوقاد والمجولي، وحط غبنه في هؤلاء، ولم يتأخر بمصر ممن حضر صحبته سوى بدر الدين بن الوقاد والمجولي وزين الدين العجمي شفع فيه ملك الأمراء من التوجه إلى إسطنبول. وفيه أرسل الأمير علي بن عمر شيخ جهات الصعيد، تقدمة حافلة للسلطان سليمان بن عثمان قيل إنها قومت بستين ألف دينار، وكان السلطان سليمان بن عثمان أرسل إلى الأمير علي بن عمر خلعة الاستمرار على حاله بمشيخة الصعيد، وقد رأى الأمير علي بن عمر في دولة ابن عثمان ما لم يره أحد من أجداده ولا من أقاربه، من العز والعظمة والمال والجاه. ***** واستهل شهر جمادى الأولى بيوم الثلاثاء، فطلع القضاة الأربعة وهنئوا ملك الأمراء بالشهر، ثم رجعوا إلى دورهم. ولما طلعوا إلى ملك الأمراء وجدوه بالأشرفية التي بجوار الدهيشة، فقام إليهم وكان له مدة وهو متوعك في جسده بسبب طلوع التساليك التي في مشعره، وقد أشرف على الشفاء وبريء من ذلك العارض، وفي ذلك يقول ابن قانصوه: الحمد لله ثغور الهنا … سرورنا منها أرتنا شفاه لما إلى نائبنا شاهدت … فابتسمت من فرح عن شفاه وفي يوم الثلاثاء ثامنه، ركب ملك الأمراء، ونزل من القلعة، وقد شفي من ذلك العارض الذي كان قد اعتراه. فلما نزل من القلعة توجه إلى بيت الأمير فرحات بك الذي قرر في نيابة طرابلس، فنزل إليه وودعه، وأقام عنده إلى قريب الظهر، ثم عاد إلى القلعة وشق من الصليبة وقدامه جماعة من الإنكشارية مشاة يرمون بالنفوط، وقد هنأه بالشفاء الأديب البارع محمد بن قانصوه بقوله:

стр. 1657

الحمد لله زال الهم والألم … عنا لبرئك والأعدا لها سقم وقلعة الملك أضحى وجهها طلقا … من بعد ما كان فيه قد بدا الكظم وأصبحت مصر بعد الحزن في فرح … بكم وأمست بثغر البشر تبتسم وقد غدت بلسان الحال قائلة … الحمد لله زال الهم والألم وفي يوم الجمعة حادي عشرة، قدم الأمير جاني بك وهو أخو الأمير قايتباي الدوادار، وقد تقدم القول بأّه توجه إلى كشف البلاد الشامية، وأرسل ملك الأمراء على يده تقدمة حافلة إلى الأمير إياس العثماني، الذي استقر في نيابة الشام عوضا عن جان بردي الغزالي، فلما قابل ملك الأمراء خلع عليه، ونزل إلى منزله، وهو في غاية التعظيم. وفي يوم الجمعة المقدم ذكره، خرج ملك الأمراء وصلى صلاة الجمعة، وكان له مدة وهو منقطع لم يصل الجمعة في جامع القلعة. فلما خرج من الصلاة خلع على المزينين والحكماء، وقيل دخل على المزينين والحكماء ألف وخمسمائة دينار، من نساء ملك الأمراء، ومن سراريه، ومن الأمير جانم الحمزاوي، ومن الأمير برسباي الخازندار والمهمندار، والمباشرين وأرباب الدولة قاطبة، ومن الأمراء العثمانية وغير ذلك من أعيان الناس. وفي يوم السبت ثاني عشرة، خلع ملك الأمراء على الأمير جانم الحمزاوي، وخلع على الأمير جانم كاشف الفيوم، وقرره في أمرية الحاج على عادته. وخلع على الأمير واصل بن الأحدب شيخ جهات الصعيد، وقرره على عادته في مشيخته. وفيه قدمت الأخبار بأن الأمير فرحات الذي عين في نيابة طرابلس، لما وصل إلى الصالحية، وجد العربان هناك مفتتنة، فأرسل يطلب من ملك الأمراء نجدة، فإن العربان قد ثاروا عليه في الطريق، وكادوا يقتلونه، فأرسل إليه جماعة من الكملية والإصباهية بسرعة على الفور، حتى أدركوه واستمروا معه إلى طرابلس، وكانت العربان في هذه الأيام في غاية الفساد في البلاد الشامية، من عربان بني عطاء وبني عطية. وفي يوم الأحد عشرية توفي القاضي بدر الدين محمد المعروف بابن العبسي ناظر ديوان الأحباس، وكان رئيسا حشما حسن السيرة، وكان لا بأس به.

стр. 1658

وفي يوم الخميس رابع عشرية، وقع أن ملك الأمراء تغير خاطره على شخص من الخدام يقال له مثقال، فقطع أنفه وأذنيه ورسم بنفيه إلى مكة، فنزل من القلعة والدم يقطر من أنفه وأذنيه، ولم يكن له ذنب كبير يوجب ذلك. وفيه حضر جماعة كثيرة من إسطنبول ممن كان السلطان سليم شاه أسرهم وأخذهم من مصر، فلما مات السلطان سليم شاه بن عثمان، واستقر سليمان ولده بعده، رسم بعود الأسرى قاطبة إلى بلادهم، ورأف بهم، وأظهر العدل فيهم. فحضر منهم جماعة في هذا الشهر، منهم شهاب الدين أحمد بن قريميط، ومحيي الدين وزين الدين بن بهاء الدين أحد كتاب المماليك، والخواجا أبو الطيب بن الرئيس يحيى المزين، وعبد الحفيظ ابن الفار تاجر بالهرامزة، وأبو الفضل بن بركات السمسار في البعلبكي، وتاج الدين بن إبراهيم ابن القاضي سالم، وبدر الدين محمد مباشر الأمير أنص باي حاجب الحجاب، وآخرون لم تحضرني أسماؤهم الآن. وفي يوم الاثنين ثامن عشرية، ظهر كريم الدين المجولي، وبدر الدين السعودي بن الوقاد، وقد تقدم القول في سبب اختفائهما من الشاويش الذي كان مترسما عليهما، وحثهما على الخروج إلى الإسطنبول. ***** وفي شهر جمادى الآخرة، وكان مستهله يوم الأربعاء، طلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنئوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم. وفي يوم الخميس ثاني الشهر خرج الأمير جانم الحمزاوي وقصد التوجه إلى إسطنبول، وكان ملك الأمراء عينه إلى السفر إلى السلطان سليمان بتقدمة، كما كان يرسله إلى والده سليم شاه، وقيل إن هذه التقدمة التي أرسلت على يد الأمير جانم الحمزاوي، قومت بمائتي ألف دينار أو فوق ذلك، فخرج الأمير جانم الحمزاوي في موكب حافل، ولم يشق من القاهرة، بل خرج من الترب. وكان الأمير جانم الحمزاوي يومئذ من أرباب الحل والعقد بالديار المصرية، واجتمعت فيه الكلمة، ورأى من العز والعظمة في دولة ملك الأمراء خاير بك ما لم يره غيره من الأمراء. وأشيع أن ملك الأمراء رسم لكريم الدين المجولي بأن يسافر إلى إسطنبول صحبة الأمير جانم الحمزاوي، وأما القاضي بدر الدين السعودي بن الوقاد فأشيع أنه قدم لملك الأمراء ألف دينار حتى أقام بمصر، وكاتب عنه ملك الأمراء بأنه لا يستطيع السفر إلى إسطنبول.

стр. 1659

وفيه قدم الشيخ شمس الدين محمد السميديسي الحنفي، الذي كان ولي قضاء الحنفي في دولة الغوري بحلب، وكان السلطان سليم شاه بن عثمان لما انكسر الغوري ومات بحلب، وملك سليم شاه حلب، قبض على السمديسي وأرسله من هناك إلى إسطنبول، فأقام بها حتى رسم السلطان سليمان يعود الأسرى إلى بلادهم، فحضر السمديسي مع جملة من حضر إلى مصر، وحضر صحبته محب الدين الحنبلي الذي كان مقيما بالخانقاه الشيخونية، وحضر أبو الفوز بن الحمصاني، وأفضل الدين موقع السلطان طومان باي، وحضر شمس الدين محمد المقسمي أحد بواب الشافعية، فحضر هؤلاء كلهم من البحر المالح من دمياط. وفيه دخل الأمير جانم الحمزاوي من الخانكاه وسافر. وفيه حضر من إسطنبول المهتار محمد الخولي مهتار السلطان الغوري، وحضر من التجار ابن أبي عوانة البرلسي، وآخرون. وفيه استقر في نيابة جدة شخص من تجار الأروام يقال له عيسى قرا قرر في نيابة جدة عوضا عن حسين الذي كان بها. وفي هذا الشهر ظهر شمس الدين محمد بن إبراهيم الشرابيشي الذي كان متحدثا في أوقاف الزمامية، وكان له مدة من حين حضر من إسطنبول في الخفية، فظهر لما أفرج السلطان سليمان بن عثمان عن الأسرى الذين كانوا بإسطنبول. وفي يوم الأربعاء خامس عشرة، توفي القاضي محيي الدين النبراوي أحد نواب الحنابلة، وكان عالما فاضلا، علامة في مذهبه، مات وله من العمر مائة سنة وسنتان بعدها، وهو آخر نواب الحنابلة ممن ولي عن قاضي القضاة عز الدين العسقلاني، وكان لا بأس به. وفيه توفي الشيخ بدر الدين محمد المنوفي، صاحب ملك الأمراء، وكان لا بأس به، وكان له في اعتقاد عظيم بالصلاح. وفيه توفي الشيخ عبد الصمد خطيب المدرسة الجيعانية وكان لا بأس به. ومن الحوادث أنه في يوم الجمعة سابع عشرة ثارت فتنة عظيمة بين الإصباهية والانكشارية، وغلقوا باب القلعة، ومنعوا القاضي الشافعي أن يطلع القلعة ويصلي يملك الأمراء صلاة الجمعة. واستمرت هذه الفتنة عمالة بين الفريقين يومين، وصارت الانكشارية ينزلون من القلعة مشاة ويقتتلون مع الإصباهية في الرميلة، ويطردونهم إلى الصليبة، فقتل من الإصباهية

стр. 1660

شخص من أعيانهم، فلما تزايد الأمر دخل بينهم أغواتهم والكيخية الكبير، فأصلحوا بينهما، فاصطلحا على فساد، وخمدت هذه الفتنة ولله الحمد. وفيه قدمت الأخبار بأن عربان الشرقية قد خرجوا عن الطاعة، وأظهروا العصيان، ونهبوا الضياع، فعند ذلك عين ملك الأمراء قايتباي الدوادار وصحبته جماعة من المماليك الجراكسة، بأن يخرجوا إلى العربان ويحاربوهم، فخرج الأمير قايتباي من يومه على جرائد الخيل، وتوجه إلى بلبيس، وأقام بها. ثم أشيع أن الأمير قايتباي قد وقع بينه وبين شيخ العرب بيبرس بن بقر واقعة، وكبس عليه تحت الليل، فهرب منه وأظهر العصيان، فتوجه إلى نحو الطور وأقام به، فلما أظهر العصيان بيبرس ابن بقر اضطربت أحوال الشرقية إلى الغاية، حتى أشيع أن ملك الأمراء قصد أن يخرج إلى العربان بنفسه، فإن سبع طوائف من العربان كلهم تحالفوا على العصيان، والخروج عن الطاعة، منهم بنو عطية، وبنو عطاء، وبنو حرام، وغير ذلك من طوائف العربان المفسدين. ثم إن ملك الأمراء خلع على الأمير أحمد بن بقر واستقر به في مشيخة الشرقية عوضا عن أبيه بيبرس. ***** وفي شهر رجب - وكان مستهله يوم الخميس - اتفق أن ذلك اليوم كان عيد ميكائيل، ونزلت النقطة بالليل مستهل الشهر، فتفاءل الناس بأن النيل سيكون في تلك السنة عاليا مباركا، ففي أوله طلع القضاة الأربعة إلى القلعة وهنئوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم، وفي يوم الأحد رابعه قبض ملك الأمراء على شخص من الإصباهية قتل شخصا من المماليك السلطانية في محل سكر، فغضب على قتله خير الدين بك نائب القلعة، فربطوه في ذنب أكديش وهو على ظهره، ثم سحبوه وطلعوا به إلى القلعة، وشنقوه ومضى أمره. وفيه نزل ملك الأمراء من القلعة، وتوجه إلى قصر ابن العيني الذي بالمنشية، وأقام هناك إلى قريب الظهر، ثم عاد إلى القلعة، وكان له مدة لم يتنزه في الروضة، ولا غيرها من المتنزهات، وسبب ذلك لم العارض الذي طلع له ولم يختم إلى الآن. وفيه قدم جماعة من إسطنبول ممن كانوا هناك من أهل مصر، وأشيع أن السلطان سليمان نادى في إسطنبول بأن الجماعة الأسرى الذين من أهل مصر يرجعون إلى بلادهم ولا يتأخر منهم أحد، وكل من تأخر منهم شنق، فلم يتأخر بإسطنبول سوى سيدي علي بن

стр. 1661

الملك المؤيد أحمد بن الأشرف إينال، وابن السلطان الغوري، والناصري محمد بن خاص بك، ومن المباشرين محمد بن صلاح الدين بن الجيعان، وعبد القادر بن الملكي، وعبد الكريم أخي الشهابي أحمد بن الجيعان، وآخرين من أعيان الديار المصرية. فحضر من جملة من حضر من إسطنبول، القاضي شمس الدين محمد الجلبي أحد نواب الشافعية، وحضر القاضي شمس الدين محمد الدمياطي أحد نواب الشافعية بالديار المصرية، وولي أمانة الحكم أيضا. ومن العجائب أنه لما حضر إلى القاهرة، حصل له توعك في جسده في مدة إقامته في البحر المالح، فلما وصل إلى منزله أقام به ليلة واحدة ومات رحمة الله عليه، فكان ترابه بمصر، وحضر زين الدين المنوفي الموقع، وابن عمه أفضل الدين. وحضر نور الدين علي بن عبد الغني مباشر الدشيشة. وحضر عبد العزيز السمسار في البهار. وحضر عبد العظيم بن أبي غالب المباشر. وحضر القاضي شهاب الدين أحمد بن الهيثمي أحد نواب الحنابلة. وحضر شمس الدين محمد بن عبد العظيم أحد كتاب المماليك. وحضر يحيى بن يحيى مقدم الخاص. وحضر الخواجا أبو بكر الهاشمي. وحضر عبد الباسط بن تقي الدين ناظر الزردخاناه وولده زين الدين. وحضر ابن الطنساوي يحيى مباشر الديوان المفرد. وحضر ابن السيرجي وغير ذلك. وفيه قدم شخص من الأمراء العثمانية يقال له نصوح بك، فلما بلغ ملك الأمراء قدومه نزل إليه ولاقاه من عند تربة العادلي، ودخل صحبته وشق من القاهرة وهو راكب عن يمينه، فأنزله في بيت الأمير أزدمر الدوادار، ورتب له في كل يوم ما يكفيه من دجاج وغنم وأوز وسكر ودقيق وغير ذلك، وأشيع أنه يقيم بمصر عوضا عن فرحات الذي قرر في نيابة حماة. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشرة نزل إليه ملك الأمراء وأنعم عليه بخمسة آلاف دينار برسم النفقة على جماعته. وفي يوم الخميس خامس عشرة، طلع ابن أبي الرداد ببشارة النيل المبارك، فجاءت القاعدة ستة أذرع وثمانية أصابع. وفيه يوم الجمعة سادس عشره حضر الأمير قايتباي الدوادار من الشرقية، وقد تقدم القول على أنه توجه إلى الشرقية بسبب العربان وفسادهم وعصيان بيبرس بن بقر، فلما رحلوا إلى الطور رجع الأمير قايتباي الدودار إلى القاهرة، وحضر القاضي بركات بن موسى المحتسب صحبته، فإنه كان توجه إلى الشرقية أيضا.

стр. 1662

وفيه توجه ملك الأمراء إلى الجزيرة الوسطى، وسبب ذلك أن الأمير تنم الناظر على وقف الدشيشة كان قد صنع هناك مركبا عظيمة بسبب حمل مغل الدشيشة، وكان طولها مائة وعشرين ذراعا، وبها فرن وطاحون وصهريج للماء الحلو، ومقعد ومبيت واسطبل للخيل، فعرضها على ملك الأمراء، ثم فك أخشابها وأرسلها على ظهور الجمال إلى الطور، ومن هناك يرسلها إلى البحر المالح. فلما نزل إليه ملك الأمراء مد له مدة حافلة، وأقام عنده إلى قريب الظهر، ثم عاد إلى القلعة. وفيه قدمت الأخبار من دمشق بأن جماعة من عربان دمشق ثاروا على نائب الشام الأمير إياس بك، فلما خرج إليهم ووقع معهم، انكسر وجرح ورد إلى الشام ما لا يحصى، ومن عربان جبل نابلس أيضا، وكانت فتنة مهولة بدمشق. وفيه نزل ملك الأمراء من القلعة وتوجه إلى تربة العادل، ثم دخل من باب النصر وشق من القاهرة في موكب حافل، والأمير نصوح صحبته، فلما شق من القاهرة ارتفعت له الأصوات من الناس بالدعاء. ***** وفي شهر شعبان - وكان مستهله يوم الجمعة - طلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنئوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى منازلهم. وفيه قدمت الأخبار من إسطنبول، بأن طائفة من طوائف الفرنج يقال لها انكرس، قد تحالفوا على قتال السلطان سليمان بن عثمان، فلما تحقق ذلك جمع العساكر من كبير وصغير، وخرج من إسطنبول وتوجه إلى قتالهم في الجم الكثير من العساكر والفرسان. وفيه تغير خاطر ملك الأمراء على شخص من الأتراك يقال له جان قلج، فسجنه بالعرقانة وأوعده بالتوسيط، وكان سبب ذلك أنه كان ساكنا في بيت شخص من أبناء الناس - وهو ابن الأمير شاهين الجمالي الذي كان ناظر الحرم النبوي - فانكسرت عليه أجرة المكان، فطالبه ابن شاهين، فلم يعطه شيئا وسبه سبا فاحشا، فطلع ابن شاهين وشكاه إلى ملك الأمراء، فأرسل خلف جان قلج فلم يطلع في ذلك اليوم، وأساء على قاصد ملك الأمراء، فبلغ ملك الأمراء ذلك. ثم أن جان قلج طلع بعد ذلك إلى ملك الأمراء وقابله، فقبض عليه وسجنه بالعرقانة، وكان تقدم له مع ملك الأمراء واقعة مهولة، فاستمر في نفس ملك الأمراء منه أشياء كمينة، وكان جان قلج عنده بادرة وكلامه يابس، كثير الفجور.

стр. 1663

ومن الحوادث المهولة أيضا واقعة سيدي عمر بن الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق، وذلك أن سيدي عمر كان متزوجا بابنة الأمير جانم الأشرفي الذي كان نائب الشام - وكانت زوجة تمراز التمشي - فكان له رزقة وقفها عليها وبها فلاحون، فلما تزوج بها سيدي عمر تكلم على جهاتها، فقيل إنه جار على فلاحي تلك الرزقة ولم يمش لهم أمر الشراقي في الحصة، فتضرر الفلاحون لذلك، فوقفوا إلى ملك الأمراء وشكوا له من سيدي عمر بأنه قد جار عليهم، وأخذ منهم أزيد من الخراج عن المقطعين بالناحية. فأرسل إليه ملك الأمراء يقول له انظر في حالهم ولا تجر عليهم، فقال سيدي عمر: "وايش كان ملك الأمراء حتى يدخل بيني وبين فلاحيني في شيء ليس له فيه شغل؟ " فبلغ ملك الأمراء ذلك فتغير خاطره على سيدي عمر، فأرسل إليه قاصدا فأغلظ عليه في القول ولم يطلع، فحنق منه ملك الأمراء وأرسل إليه جماعة من الانكشارية فقبضوا عليه غصبا وبهدلوه، وطلعوا به إلى القلعة، فلما دخلوا إلى الحوش قبضوا عليه وأدخلوه العرقانة، فسجن بها وبات تلك الليلة وأقام بها إلى ظهر اليوم الثاني حتى شفع فيه بعض الأمراء، فمضى إلى داره بعد أن قاسى غاية البهدلة من الانكشارية، فما شكر أحد من الناس ملك الأمراء على هذه الفعلة الفاحشة لأنه لا يستحق ذلك كله. وفي هذا الشهر كانت وفاة الشيخ زين الدين المغربي، وكان صالحا معتقدا دينا خيرا، و- له اشتغال بالعلم، وكان مقيما بمقام الإمام الشافعي ﵁، وكان لا بأس به. وفي يوم الخميس ثامن عشري هذا الشهر، قدم شخص من عند السلطان سليمان بن عثمان يقال له محمد بن إدريس، ويعرف بقلقسز الدفتردار، وصحبته شخص يقال له الأمير كمال، فلما وصل إلى تربة العادلي نزل إليه ملك الأمراء ولاقاه من هناك، ثم دخل هو وإياه من باب النصر، وشق من القاهرة في موكب حافل، وقدامه الانكشارية والكملية مشاة يرمون بالنفوظ، فاستمر في ذلك الموكب حتى طلع إلى القلعة، وأنزل الدفتردار في بيت الأمير يشبك الدوادار الذي في حدرة البقر، ومد له هناك مادة حافلة، وأنزل الأمير كمال في مكان آخر، وأشيع أن الأمير كمال حضر يروم الحج إلى بيت الله الحرام، والدفتردار حضر بسبب ضبط مال الثغور من الجهات المصرية. ***** وفي شهر رمضان، وكان مستهله يوم السبت، وكان الهلال عسر الرؤية على خمس درج، وقيل على أربع درج، فرآه بعض الناس وثبت عند القاضي زكرياء أحد نواب

стр. 1664

الشافعية، وركب القاضي بركات بن موسى من المدرسة المنصورية بعد المغرب، وقدامه المشاعل والفوانيس وشق من القاهرة في موكب حافل على العادة. وفي يوم السبت مستهل الشهر كان وفاء النيل المبارك، أوفى الله تعالى الستة عشر ذراعا وست أصابع من الذراع السابع عشر، ثم فتح السد يوم الأحد ثاني شهر رمضان - الموافق الحادي عشر مسرى - ووقع في دولة الأشرف قايتباي أن السد فتح في أول يوم من رمضان، فلما أوفى النيل نزل ملك الأمراء إلى المقياس، وخلق العمود، ونزل في الحراقة، وتوجه إلى السد ففتحه على جاري العادة، وكان ذلك اليوم مشهودا في الفرجة والقصف، كما يقال في المعنى: لله يوم الوفا والناس قد جمعوا … كالروض تطفو على نهر أزاهره وللوفاء عمود من أصابعهم … مخلق تملأ الدنيا بشائره وفي يوم الثلاثاء رابع شهر رمضان، صعد الدفتردار محمد بن إدريس إلى القلعة، واجتمع الأمراء العثمانية بالقلعة، وقرئ عليهم مرسوم السلطان سليمان ابن عثمان، فكان من مضمونه التوصية بالرعية غاية الوصية، وأن ملك الأمراء ينظر في إصلاح المعاملة من الذهب والفضة. فوقع في المجلس بعض تشاجر بين الدفتردار وبين ملك الأمراء بسبب ذلك، فقال ملك الأمراء: "أنا ما أغير معاملة السلطان سليم شاه، ولا أخرج عما وقع في أيامه من أن الأشرفي الذهب يصرف في المعاملة بخمسين نصفا على العادة". ثم إن ملك الأمراء رسم باحضار التجار، فلما طلعوا إلى القلعة تكلموا معهم في أمر صرف الأشرفي الذهب الواسع بخمسين نصف فضة، فتضرروا من ذلك، وقالوا ما يوافقنا أحد من الناس على ذلك، وانفض المجلس مانعا من ذلك. ثم إن القاضي بركات بن موسى المحتسب، تكلم مع ملك الأمراء بأن يصرف الأشرفي الذهب خمسة وأريعين نصفا، وقيل بخمسة وأربعين عثمانيا، وفي البيع والشراء بخمسة وأربعين نصفا، فوقع الاتفاق على ذلك، ونودي في القاهرة بذلك، فسكن الاضطراب قليلا. ثم إن القاضي بركات جعل القاضي حمزة العثماني متكلما على دار الضرب. ثم بعد ذلك لم يتم أمر صرف الأشرفي الذهب الواسع بخمسة وأربعين نصفا، وصار يصرف بأربعين نصفا، وعز وجود الفضة جدا، وصار الأشرفي الذهب يصرف بمشقة زائدة من السوقة، ويعطون فيه النصف فضة والنصف فلوسا جددا، وحصل للناس الضرر الشامل.

стр. 1665

وفيه قدمت الأخبار من إسطنبول بأنه وقع بها طاعون عظيم، وصار يموت بها كل يوم ما لا يحصى. وفيه توجه الدفتردار الذي حضر إلى ثغر دمياط والبرلس وثغر الإسكندرية أيضا بسبب جبي الأموال التي أضيفت إلى خزائن الخنكار بالروم، فخرج الدفتردار وصحبته القاضي حمزة. وفي أثناء هذا الشهر، حضر جماعة من إسطنبول مع جملة من حضر منها، فحضر القاضي علاء الدين ابن الإمام ناظر الخاص وأخوه. وحضر القاضي أبو البقاء ناظر الإسطبل وأخوه يحيى. وحضر من نواب القضاة القاضي شمس الدين محمد العبادي أحد نواب الشافعية. وحضر القاضي شمس الدين بن وحيش أحد نواب الشافعية. وحضر القاضي شمس الدين محمد الأبشادي أحد نواب المالكية. وحضر بدر الدين بن الرومي. وحضر القاضي ابن عرفات أحد نواب الشافعية. وحضر تقي الدين العتزيزي الشافعي. وحضر بدر الدين محمد بن حازوقة مباشر الأمير علان الدوادار. وحضر أحمد السكندري الشطرنجي رفيق ابن الورد. وحضر أبو البقاء بن السيرجي. وحضر بدر الدين بن الهيصم وآخرون من المباشرين والقضاة والأعيان لم تحضرني أسماؤهم الآن. وأشيع أن السلطان سليمان - نصره الله تعالى - أعتق جميع الأسرى الذين كانوا بإسطنبول من أهل مصر، ولم يبق فيها سوى أولاد السلاطين وجماعة من المباشرين، ومن أولاد الجيعان ممن تقدم ذكرهم، وجماعة من أعيان الديار المصرية، وأما الأمراء الجراكسة والمماليك الجراكسة الذين كان السلطان سليم شاه نفاهم إلى إسطنبول، فلما ولي ابنه سليمان لم يأمر لهم بالعود إلى مصر، ولم يقبل فيهم شفاعة، واستمروا في بلاد الروم إلى الآن. وأشيع أن السلطان سليم شاه بن عثمان كان أرسلهم إلى مكان يحاصرون فيه الفرنج، وقد خمدت أخبارهم، فلما حضر هؤلاء الجماعة من إسطنبول، أشاعوا أن السلطان سليمان شاه بن عثمان قد خرج إلى القتال بسبب الفرنج، ولم يرد من عنده خبر من حين توجه إليهم. وأخبر الجماعة الذين قدموا من إسطنبول أن القاضي شهاب الدين أحمد ناظر الجيش بن ناظر الخاص يوسف، حصل له في عقله ذهول، وحصل له ضيق معيشة، وصار يشتري عشاءه وغداءه من الطباخ في زبدية، ويحملها بنفسه على يده، وهو لابس كنبك لباد أبيض، وقاسى شدائد ومحنا.

стр. 1666

وأخبروا عن زين العابدين ابن قاضي القضاة الشافغي كمال الدين الطويل أنه تسحب من إسطنبول ولم يعلم له خبر من حين خرج، وكانت جماعة من الشاويشية ينصبون على من هناك من الأسرى من أهل مصر، ويقولون نحن نسافر بكم من إسطنبول في الخفية وتتوجه بكم إلى مصر، فيخرجون بهم من إسطنبول ويقتلونهم في الطريق، ويأخذون ما معهم من مال وقماش، وقد فعلوا مثل ذلك بكثير من أهل مصر ممن كان بإسطنبول، ولم يعلم لهم خبر إلى الآن. وفي يوم السبت خامس عشر شهر رمضان، قدمت الملكة خاتون - عمة السلطان سليمان بن عثمان - وولدها مصطفى صحبتها، وأشيع أنها قدمت إلى مصر تروم حج بيت الله الحرام، فأركمها ملك الأمراء غاية الإكرام، وأنزلها في مكان مطل على بركة الفيل، ورتب لها في كل يوم أسمطة حافلة لها ولجماعتها الذين قدموا معها من بلاد الروم. وفي يوم الخميس عشرية، وقع فيه كائنة يحيى ظلام، وكان يتجر في السكر وله مطبخ يعمل فيه السكر، فاستمر على ذلك مدة طويلة. ثم أنه بعد ذلك انكسر وتجمد عليه جملة ديون كثيرة، بحيث أشيع عنه أنه تجمد عليه نحو أربعين ألف دينار، فلما انكسر طالبه أصحاب الديون، وكان المال لأقوام من تجار خان الخليلي وغيرهم، فلما طال الأمر عليهم شكوه إلى ملك الأمراء، فرسم عليه ملك الأمراء مدة طويلة بجماعة من الإنكشارية حتى يرضى أصحاب الديون، فاستمر في الترسيم مدة طويلة، وكان ملك الأمراء قرر عليه وألزمه بأن يرد لأصحاب الديون في كل شهر خمسة آلاف دينار، فما قدر على ذلك وعجز عن إيراد ذلك القدر. وكان ملك الأمراء حلف يمينا برأس السلطان سليمان ابن عثمان إن لم يرض أصحاب الديون في حقوقها وإلا يوسطه، فلما ضاق عليه الأمر خنق نفسه تحت الليل، وأصبح ميتا، ثم أشيع أن الإنكشاري الذي كان مرسما عليه خنقه تحت الليل، وأخذ ما كان معه من المال الذي كان يورده لأصحاب الديون على أول الشهر، وأشاع عنه أنه قد خنق نفسه وأصبح ميتا. ومضى أمره إلى حال سبيله. وفي يوم الخميس سابع عشري شهر رمضان، كان يوم النوروز، وهو أول يوم من السنة القبطية، وهي سنة سبع وعشرين وتسعمائة قبطية خراجية، ففي ذلك اليوم بلغ النيل في الزيادة سبع عشرة أصبعا من تسعة عشر ذراعا واستمر عمالا في الزيادة. وفي يوم السبت تاسع عشري شهر رمضان، وقع فيه من الحوادث كائنة سيدي عمر بن الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق - وذلك أن القول تقدم بما وقع لسيدي عمر مع ملك الأمراء بسبب أمر الفلاحين، فاستمر سيدي عمر يتابع غلظه مع الفلاحين

стр. 1667

كما تقدم، فوقفوا وشكوه إلى ملك الأمراء ثانيا، فتغير خاطره على سيدي عمر واحتد منه، فأرسل إليه نقيب الجيش، فقال له رسم ملك الأمراء بأن تقوم في هذه الساعة وتتوجه إلى دمياط، فاستمر عنده حتى كتب وصيته، وقام وركب من وقته وتوجه إلى بولاق، ونزل في مركب وسارت به إلى نحو دمياط، فهذا كله بسبب الفلاحين من صلابة سيدي عمر وقوة رأسه، وقلة درايته، حتى اتسعت هذه الحادثة بينه وبين ملك الأمراء على هذا الأمر الفشروي الذي لم يستحق هذا كله، ووقعت له هاتان الكائنتان في شهر واحد، فشق ذلك على ملك الأمراء وعلى الناس قاطبة فوقع له البهدلة من ملك الأمراء مرتين، الأولى بسجنه في العرقانة، والثانية بنفيه إلى دمياط، وركوبه على بغلة وهو متوجه إلى بولاق، فلما جرى ذلك توجه عيال سيدي عمر إلى بيت الملكة خاتون عمة السلطان سليمان بن عثمان، وتراموا عليها في أن تشفع عند ملك الأمراء في عود سيدي عمر من النفي، فأرسلت إلى ملك الأمراء ولدها مصطفى بك، فشفع عنده في سيدي عمر بأن يعود إلى داره، فقبل شفاعة الملكة خاتون، ورسم يعود سيدي عمر إلى منزله، فعاد بعد ما سار في البحر يوما وليلة، فلما عاد تخلقت عياله بالزعفران ودقت له على بابه الطبلخانات والزمور، وهنئوه بالسلامة. وفي سلخ شهر رمضان حضر الدفتردار محمد ابن إدريس الذي كان توجه إلى دمياط والبرلس وبقية الثغور، بسبب جبي الأموال التي أضيفت إلى خزائن مولانا السلطان سليمان، فلما وصل إلى بولاق نزل إليه ملك الأمراء ولاقاه من خهناك، واستمر معه حتى أوصله إلى منزله. ***** وفي شهر شوال كان عيد الفطر يوم الاثنين، وقد ثبتت رؤية الهلال بعشر، فإن هلال رمضان ثبت على يد القاضي زكريا أحد نواب الشافعية، وشك الناس في ذلك، وقالوا إن ذلك اليوم الذي صاموه كان أخر يوم من شعبان، فوقع الشك بسبب ذلك، وما لاقى القاضي زكريا خيرا من الناس بسبب أن هلال رمضان ثبت عنده وكانت الميقاتية حكموا بأنه لا يرى في ذلك الليلة أبدا. فلما كان هلال شوال أرسل ملك الأمراء يقول للقاضي الشافعي، أنتم أثبتم هلال رمضان على أربع درج وقد شك الناس في ذلك، فما تفعلون في هلال شوال؟ فأرسل يقول له قاضي القضاة الشافعي، هلال رمضان قد ثبت حقا، وقامت به البينة وزكيت، وغدا من شوال محقق.

стр. 1668

ثم إن قاضي القضاة الشافعي نادى في القاهرة أن غدا من شوال، وهذا ما اتفق قط أن ينادي قبل رؤية الهلال أن غدا من شوال، فعد ذلك من النوادر، وكان موكب العيد حافلا بالقلعة. وفيه كان دخول المقر الشهابي أحمد بن الجيعان على ابنة الأمير خاير بك كاشف الغربية، أحد الأمراء المقدمي الألوف، وهي التي كانت زوجة الأمير تاني بك الخازندار أحد الأمراء المقدمين، وكانت غير محمودة السيرة في أفعالها. وقبل ذلك بمدة يسيرة تزوج القاضي أبو بكر ابن الملكي بابنة الأمير قانصوه المعروف بأبي سنة أحد الأمراء المقدمين، ولا ينكر ذلك عليهم في هذا الزمان. وفيه قدمت الأخبار بأن السلطان سليمان ابن عثمان لما توجه إلى قتال الفرنج أوقع معهم، وكان بينهم واقعة مهولة، وقتل من عسكره ما لا يحصى عدده، وقتل في معركته الأمير قانصوه العادلي، الذي كان توجه إلى إسطنبول، وقد انتظر السلطان سليمان على الفرنج نصرة عظيمة، ثم خمدت هذه الإشاعة من بعد ذلك، وكثر القال والقيل بين الناس بسبب ذلك. وفي يوم الخميس ثامن عشرة، خرج المحمل من القاهرة في تجمل زائد، وكان أمير ركب المحمل الأمير جانم كاشف الفيوم على العادة، وخرجت صحبته الملكة خاتون عمة السلطان سليمان وولدها مصطفى بك، فطلب الأمير جانم طلبا حافلا، وكان به ست عجلات تسحبها الأكاديش، وعليها عدة مكاحل نحاس ومدافع حجر، بسبب قتال العربان الذين في طريق الحجاز، فإنه كان في السنة الماضية في غاية الاضطراب بسبب فساد العربان. وفي يوم الأربعاء رابع عشرية، نودي في القاهرة عن لسان ملك الأمراء، بأنه لا مملوك ولا عثماني يلبس زنطا أحمر. ولا أولاد الناس أيضا، ومن لبس زنطا بعد المناداة شنق من غير معاودة في ذلك. ثم إشيع أن ملك الأمراء رأى عبيدا وغلمانا بجمقدارية، وهم بزنوط حمر، غ فقال: امضوا بهم إلى بيت الوالي يشنقهم، فشفع فيهم بعض الأمراء. ثم أشيع أن ملك الأمراء رسم للأمراء الجراكسة بأنهم لا يلبسون سرموجة تركية، ولا يطلعون بها إلى القلعة، وهذا كله عين المقت للجراكسة وبغضا فيهم قاطبة. وفي يوم السبت سابع عشرية، الموافق لأول يوم من بابه من الشهور القبطية، ثبت النيل المبارك على ثلاث وعشرين أصبعا من عشرين ذراعا، فكان منتهى الزيادة عشرين ذراعا إلا أصبعا واحدة، وكان نيلا عظيما إلى الغاية، وللناس مدة طويلة ما رأوا نيلا مثل

стр. 1669

هذا ففتكت الناس في الفرجة والقصف، وسكن غالب بيوت الجسر، بعد ما كان آل إلى الخراب وتهدمت بيوته، وكاد أن يبقى مثل الجزيرة الوسطى في خرابها. ***** وفي شهر ذي القعدة، وكان مستهله يوم الأربعاء، طلع القضاة الأربعة إلى القلعة، وهنئوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم. وفي يوم الجمعة ثالثه، نودي في القاهرة عن لسان ملك الأمراء بأن لا أمير من الجراكسة، ولا خاصكيا، يركب وخلفه بغل وعليه غلام راكب، بل يمشي على طريقة العثمانية في أفعالهم، يأخذ الغلام الغاشية على كتفه ويمشي قدامه. وفي يوم الأربعاء ثامن الشهر، أنفق ملك الأمراء الجامكية على المماليك الجراكسة بعد ما عوق جوامكهم وعليقهم ستة أشهر حتى عاينوا الموت من ضيق الحال، فصرف لهم ثلاثة أشهر، وأخر لهم ثلاثة أشهر، ولم يصرف لهم العليق. فقبض ذلك اليوم كل مملوك من الجراكسة أحد عشر أشرفيا ذهبا وثمانية أنصاف من الذهب العثماني، فأقاموا عليهم كل أشرفي ذهب بأشرفيين فضة، فحسروا في صرف كل أشرفي عشرة أنصاف فضة، فكانت خسارتهم في العشرين أشرفيا خمسة أشرفيات ونصفي فضة، فحصل لهم الضرر الشامل بسبب ذلك بعد صبرهم ستة أشهر، وأخر العليق عنهم. وأشيع أن الديوان مشحوت غاية الانشحات، وأن ملك الأمراء عليه ستون ألف دينار، والمباشرون استخرجوا من البلاد القسط الأول، أربعة أشهر معجلا من مغل سنة سبع وعشرين وتسعمائة قبطية خراجية قبل أن يفي النيل ويرزع الفلاحون وتروي الأراضي، فحصل للفلاحين غاية الضرر من ذلك، ورحل بعض فلاحين بسبب ذلك الظلم والجور وقد انحط سعر الغلال عما كان أولا من الارتفاع. وكان سبب اشنحات الديوان أن المال الذي يجيء صار ينقسم على سبع طوائف من العسكر، وهم المماليك الجراكسة وأمراؤهم الذين تأخروا بمصر، ثم الإصباهية وأمراؤهم الذين تأخروا بمصر، ثم الصوباشية، والانكشارية، والكملية، ثم مماليك ملك الأمراء، وذلك خارج عن كلفة من يرد من المملكة الرومية من القصاد والمترددين من إسطنبول وغيرها، فكان ملك الأمراء ينعم عليهم بالعطايا الجزيلة. وقد بلغني ممن أثق به أنه كان متحصل خراج مصر في دولة ابن عثمان لما ملكوها ألف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار، ومن المغل ستمائة ألف أردب منها ثلثمائة ألف أردب

стр. 1670

قمح وثلثمائة ألف أردب شعير وفول وغير ذلك، وأين هذا القدر مما كان عليهن خراج مصر في الزمن القديم. نقل الشيخ تقي الدين المقريزي في الخطط: قد بلغ خراج مصر في زمن القبط عند تلاشي أحوال مصر مائة ألف ألف دينار وثمانين ألف ألف دينار. وكان جملة خراجها في زمن الفراعنة، ألف ألف دينار بالدينار الفرعوني، وهو ثلاثة مثاقيل من مثاقيلنا الآن، وكان مساحة أراضي مصر في زمن الفراعنة مائة ألف ألف فدان وثمانين ألف ألف فدان تزرع غير البور. وجبى خراج مصر في زمن عمرو بن العاص، على عبد الله بن أبي سرح، في صدر الإسلام، اثني عشر ألف ألف دينار، غير الدنانير المتعامل بها الآن. وجبى خراج مصر في أيام الأمير أحمد بن طولون، مع وجود الرخاء، أربعة آلاف ألف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار، غير ما يتحصل من المكوس والغلال. وجبى خراج مصر في أيام الأخشيدية، فكان ألفي ألف ألف دينار غير دنانير الآن. وجبى خراج مصر في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري، فكان اثني عشر ألف ألف دينار، مع تلاشي أحوال مصر وانحطاط خراجها إلى ذلك. وكان موجب انشحات الديوان في أيام ملك الأمراء خاير بك أن الأصباهية والانكشارية والكملية لما استقروا بمصر، رتب ملك الأمراء جوامك في كل شهر، فكان يعطي جماعة من الإصباهية في كل شهر ستين دينارا، وجماعة منهم خمسين دينارا. وجماعة منهم أربعين دينارا، وجماعة منهم ثلاثين دينارا، وباقيهم عشرين. وأما الإنكشارية فكان الغالب فيهم من كانت جامكيته كل شهر خمسة عشر دينارا، وباقيهم اثني عشر دينارا، وأما الصوباشية فلهم في مل شهر ثلاثون دينارا لكل واحد. وأما الكملية فكان الغالب فيهم من كانت جامكيته في كل شهر اثني عشر دينارا، وجماعة عشر دنانير، وجماعة منهم ثمانية دنانير، وهذا كله خارج عن جوامك مماليك ملك الأمراء. وأما المماليك الجراكسة فإن ملك الأمراء رتب لكل واحد منهم في كل شهر سبعة دنانير في نظير الجامكية واللحم، وذلك خارج عما رتب للأمراء الجراكسة القاطنين بمصر. وذلك خارج عن أنعام ملك الأمراء للمترددين من المملكة الرومية وغيرها، حتى قيل: كان يصرف ملك الأمراء على ما ذكرناه في كل سنة نحو ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار. فبواسطة ذلك كله ضاق الحال عن صرف الجوامك في كل شهر. وأما المال الذي كان يرد من ثغر الإسكندرية ودمياط والبرلس وجدة وغير ذلك من الثغور، فإنه كان يحمل إلى خزائن السلطان سليم شاه وولده السلطان سليمان نصرة الله،

стр. 1671

فلا يتعرض ملك الأمراء لشيء من ذلك. وما كان يستخرج غير خراج الشرقية والغربية والبحيرة وجهات الصعيد فقط لا غير. فإن قال قائل: إن السلطان الغوري كان يسد أمر الجوامك في كل شهر، وكان العسكر أكثر من ذلك، والأمراء أربعة وعشرون مقدم ألف، غير الأمراء الطبلخانات والعشراوات والخاصكية فوق الألف خاصكي، أقول أن السلطان الغوري، كان يستعين على ذلك بكثرة المصادرات للمباشرين وأعيان التجار. وغير ذلك من مساتير الناس، وكان يرد عليه أموال الثغور، وأموال البلاد الشامية والحلبية والطرابلسية وغير ذلك من الجهات، والآن البلاد الشامية والحلبية في غاية الاضطراب، ولم يرد منها شيء من الأموال، فبموجب ذلك ضاق الأمر من المال على ملك الأمراء، ونرجو من الله إصلاح الحال. وفي يوم الاثنين ثالث عشرة، خرج الدفتردار محمد بن إدريس، وتوجه صحبته ملك الأمراء إلى تربة العادلي، وكذلك الأمراء قاطبة، وخرج صحبته جماعة كثيرة من الإصباهية والإنكشارية، فتوجه طائفة منهم في البحر، وأشيع أنهم توجهوا إلى إسطنبول بطلب من السلطان سليمان نصرة الله، وقد بلغه أنهم يشوشون على أهل مصر غاية التشويش، فأرسل أخذ منهم خمسمائة إنسان من الإصباهية والإنكشارية، وأراح الله المسلمين منهم، فإنهم كانوا من كبار المفسدين، فخرج القدفتردار في ذلك اليوم في موكب حافل كما تقدم. وفيه كانت وفاة الناصري محمد ابن الأمير جاني بك كوهية، وكان رئيسا حشما دينا خيرا من أولاد الناس، حسن السيرة لا بأس به. وفيه قدم من إسطنبول سيدي محمد بن الكويز، وكان توجه إلى نحو إسطنبول مع جملة من أسر من أهل مصر، فلما أفرج السلطان سليمان عنهم، حضر إلى مصر، وكان حسن السيرة في التحدث في أمر المواريث. وفي يوم الثلاثاء رابع عشرة، حضر أولاق من عند السلطان سليمان وعلى يديه مراسيم تتضمن أنه قد انتصر على الفرنج نصرة عظيمة، وفتح عدة مدائن من مدائن الفرنج، وملك عدة قلاع من قلاعهم، وصار كلما يملك مدينة من مدائنهم يجعل كنائسهم جوامع بمحاريب ومنابر، وخطب باسمه فيها، وكانت هذه النصرة على غير القياس. فلما تحقق ملك الأمراء ذلك رسم بدق البشائر في القلعة، ونادى في القاهرة بالزينة، فزينت سبعة أيام متوالية، وفتك الناس في هذه الزينة فتكا ذريعا، حتى خرجوا في ذلك عن الحد، وتجارهوا بالمعاصي ليلا ونهارا.

стр. 1672

وفي يوم الخميس ثالث عشرية، توجه ملك الأمراء إلى نحو الجزيرة التي تجاه الجيزة بالقرب من المقياس، وأقام بها ذلك اليوم على سبيل التنزه، فأرسل إليه القاضي بركات بن موسى المحتسب هناك مدة حافلة، فتغدى ملك الأمراء هناك، ورسم بأن الذي فضل مكن المدة يحمل إلى القلعة، وقد فضل منها أشياء كثيرة. ثم إن ملك الأمراء خلع على القاضي بركات بن موسى المحتسب قفطانا مذهبا، وشكر له ما صنعه من أمر تلك المدة. وفي يوم الأحد سادس عشرية، وقعت كائنة عظيمة للشيخ عبد المجيد بن الطريني، وذلك أن ملك الأمراء تغير خاطره عليه بسبب أنه كان تسلط عليه الدين الذي تقدم ذكره، فلم يعط أصحاب الديون شيئا مما قسطه عليه، فشكوه إلى ملك الأمراء ثانيا، فأرسل خلفه، فلما حضر بين يديه قال له: "ألم أقسط عليك ذلك الدين في كل شهر، وقررت معي أنك ترضى أصحاب الديون بما قسطته عليك، فلم تفعل من ذلك شيئا". فلم ينطق في ذلك بحجة، فحنق منه ملك الأمراء، ورسم بضربه فبطح على الأرض، وضرب ضربا مبرحا، حتى قيل ضرب ست نوب تبدلت عليه حتى كاد أن يموت. ثم وضعه في الحديد، وأرسله إلى بيت الوالي ليعصره في أكعابه بحضرة أصحاب الديون، فرق له الوالي وأرسله لسجن الديلم، فسجن به والحديد في عنقه، فاستمر في السجن بالحديد حتى كاد أن يموت، وقد عجز عن وفاء ما عليه من الديون، حتى قيل تجمد عليه من الديون نحو سبعين ألف دينار للتجار الأروام وغيرهم. وقد تزايد غضب ملك الأمراء على الشيخ عبد المجيد بن الطريني حتى كاد أن يوسطه من شدة غضبه عليه، وكان الشيخ عبد المجيد من أعيان الناس وله بر ومعروف، حتى قيل كان يصنع في كل يوم ستة أرادب دقيق برسم الوارد عليه في المحلة، ويعلق في كل يوم اثني عشر أردبا من الشعير، والدسوت عمالة بالطعام ليلا ونهارا للوارد عليه من سائر البلاد، فتجمدت عليه هذه الديون العظيمة، وسيق كما سيق غيره من الأكابر، ولكن يلطف الله به، والكريم لا يضام أبدا. فكان الشيخ عبد المجيد أحق بقول القائل حيث قال: لنا غنم تعرف وجوه ضيوفنا … تجي من مراعيها تروم الذبائح لنا خدم ما ينبت الشعر روسها … لحمل القرى من آخذات ورايح

стр. 1673

وفيه رسم ملك الأمراء بشنق شخص من المماليك الجراكسة قيل هو من مماليك أمير أخور كبير، وقيل هو خازنداره، وكان شابا حسنا فشق شنقه على الأتراك قاطبة، وشنق في ذلك اليوم معه أربعة من الجراكسة، وقد تزايد شره في هذه الأيام. وفيه أشيع بين الناس أن الإنشكارية الذين كانوا بالقاهرة وتوجهوا إلى إسطنبول، فلما دخلوا إلى ثغر الإسكندرية وقع بينهم هناك فتنة عظيمة، وقتل منهم جماعة، فلما بلغ ملك الأمراء ذلك تنكد لهذا الخبر، وعين لهم الكيخية الكبير أغاتهم، فسافر إلى الإسكندرية في ساعته، حتى يصلح بينهم ويكشف عن سبب هذه الفتنة ومن أثارها من الإنكشارية أو من الكملية الذين سافروا من القاهرة، فتوجه الكيخية إلى ثغر الإسكندرية بسبب ذلك. ***** واستهل شهر ذي الحجة بيوم الجمعة، فطلع القضاة الأربعة إلى القلعة وهنئوا ملك الأمراء بالشهر ثم عادوا إلى دورهم. وفي يوم السبت المبارك ثانية حضر قاصد من مكة، وصحبته رأسان في علبة مقفولة، زعموا أن الأولى رأس شخص يقال له إسكندر، وكان أصله من مماليك السلطان الغوري، أرسله صحبة التجريدة التي أرسلها إلى بلاد الهند بسبب محاربة الشيخ عامر متملك زبيد وعدن وكرمان، فلما توجه العساكر الذين أرسلهم السلطان الغوري، تحاربوا معه فانسكر منهم، وقتل في المعركة، فملكوا منه البلاد وأمواله. ثم إن إسكندر المذكور ملك بلاد الشيخ عامر وتسلطن بها وعصى على السلطان الغوري، وجعل له هناك أمراء وعساكرا، وخطب باسمه على منابر بلاد الشيخ عامر، واستمر على ذلك ولم يدخل تحت طاعة الخنكار سليم شاه بن عثمان لما ملك الديار المصرية، ولم يخطب باسمه، ولم يضرب السكة باسمه هناك، فلم يزل نائب جدة يتحيل عليه حتى قتله وحز رأسه وأرسلها إلى القاهرة، فعرضت على ملك الأمراء وهو بالميدان. ثم إن ملك الأمراء أشهر تلك الرأس في القاهرة ومعها رأس أخرى قيل إنها رأس دوادارة أو خازندارة أو وزيره، ثم علقتا على باب النصر. وكان إسكندر هذا شجاعا، بطلا، مقداما في الحرب قوي القلب، ملك البلاد واحتوى على أموالها، وفرقها على عسكره، وجعل له أمراء وحجابا ودوادارية، ولولا أنهم احتالوا عليه حتى قتلوه، لما كانوا يقدرون عليه من شجاعته وحيله.

стр. 1674

وفيه وقعت نادرة غريبة، وهي أنه حضر قاصد من إسطنبول إلى الشام، ثم حضر إلى القاهرة، فلما استقر بها أظهر مراسيم من عند السلطان سليمان، وأحضر معه ذراعا من الحديد يزيد على الذراع الهاشمي الذي تتعامل به أهل مصر بخمسة قراريط، وأحضر معه سنج نحاس وأرطالا على طريقة إسطنبول. وأشيع أن السلطان سليمان بن عثمان رسم بإبطال الذراع والسنج التي يتعامل بها أهل مصر، وأن التجار وأرباب البضائع لا يتعاملون إلا بهذا الذراع وهذه السنج، فامتثل ملك الأمراء ذلك، وأجاب بالسمع والطاعة، ورسم للقاضي بركات بن موسى المحتسب بأن ينادي في القاهرة حسبما رسم الخنكار بإبطال الذراع الهاشمي من مصر، واستعمال الراع الإسطنبولي فنزل المحتسب مع الوالي ونادى في القاهرة بذلك. ثم إن القاضي بركات بن موسى المحتسب كتب قسائم على التجار أنهم لا يبيعون ولا يشترون إلا بهذا الذراع الإسنطبولي، فشق ذلك على التجار وأرباب البضائع. فلما أشهر المحتسب المناداة بذلك، وأن كل من خالف مرسوم الخنكار شنق على دكانه من غير معاودة، صارت رسل المحتسب تطلع إلى دكاكين التجار الذين في الأسواق وتأخذ الأذرعة الحديد وترميها في الطرقات، فاضطربت القاهرة في ذلك اليوم أشد الاضطراب. ثم صاروا يكررون المناداة في أمر المعاملة بذلك الذراع الإسطنبولي، واستمر ذلك في البيع والشراء إلى الآن. وفيه وقعت كائنة عظيمة للوكلاء الذين بالمدرسة الصالحية وكان سبب ذلك أن شخصا من الوكلاء يقال له على الأزهري، توكل عن شخص يهودي في شغل، فأخذ منه في ذلك الشغل أربعين دينارا وقيل خمسين دينارا، فلما بلغ المحضر الذي في المدرسة الصالحية ذلك، طلب على الأزهري وسأله عن ذلك فأنكر، وقال ما أخذت منه هذا القدر أبدا، وخلف وأقسم، فحنق منه المحضر وأمر بضربه بين يديه. ثم إن المحضر طلع إلى ملك الأمراء وأخبره بأمر الوكلاء وما يصنعون، فرسم باحضار سائر الوكلاء فاختفى منهم جماعة، وقبضوا على أربعة منهم، وهم على الأزهري، وسالم، ومسعود، والحكري. فطلعوا بهم إلى القلعة وعرضوهم على ملك الأمراء فأوعدهم بكل سوء، ثم أرسلهم إلى بيت الوالي فأرسلهم الوالي إلى سجن الديلم، فسجنوا به إلى أن تظهر البقية. وكان الذي رافع في الوكلاء وأشلى فيهم بدر الدين بن الرومي، وتعصب معه خير الدين نائب القلعة، وقال لملك الأمراء هذه الأفعال التي يفعلها الوكلاء في المدرسة الصالحية لا تحل ولا تجوز، فاضطربت أحوال القضاة إلى الغاية.

стр. 1675

ثم إن الوكلاء الذين سجنوا بسجن الديلم شفع فيهم القاضي حمزة، وقيل الأمير على أحد الأمراء الخنكارية، ثم أقام الوكلاء في السجن أياما، ثم أخرجوا منه. وفيه نودي بالقاهرة عن لسان ملك الأمراء بمنع الصيارف الحجازيين قاطبة ألا يصرفوا دينارا ذهبا، فإنه قد أشيع عنهم أن جماعة منهم يصنعون الزغل في الذهب والفضة، ويطيرونها على الناس في الصرف، فمنعوا من ذلك. وفيه قدم قاصد من عند السلطان سليمان ابن عثمان يقال له قاسم بك، وعلى يده مرسوم شريف، فكان من مضمونه أنه انتصر على الفرنج نصرة ثانية، وملك منهم عدة قلاع، وقد ظفر بجماعة منهم وقتلهم. فلما تحقق ملك الأمراء ذلك نادى في القاهرة بالزينة، فزينت ووافق ذلك يوم عيد النحر. فحصل للناس المشقة الزائدة بهذه الزينة، واشتغلوا بذلك عن الأضحية والعيد، ووقع في ذلك اليوم مطر غزير، فأعدم قماش الناس الذي في الزينة، وصار الوالي يبطح الناس على الأرض ويضرب الذي مازين دكانه، فما حصل لأحد من الناس خير، واستمرت الزينة معلقة إلى أن نزل ملك الأمراء وتوجه إلى بولاق بسبب ملاقاة القاصد الذي حضر من البحر، فطلع من سوق مرجوش وشق القاهرة وهي مزينة، والقاصد صحبته، ومشى القاضي بركات بن موسى المحتسب قدامه بعصاه إلى أن طلع إلى القلعة، فأوقدوا له الشموع بالنهار على الدكاكين، فاستمر في ذلك الموكب إلى أن طلع إلى القلعة، ثم فكت الزينة في ذلك اليوم، وانقضى أمرها. وفي يوم السبت سادس عشرة، جلس ملك الأمراء بالمقعد الذي بالحوش السلطاني، وطلب قضاة القضاة الأربعة، فلما حضروا حضر القاضي حمزة قاضي ابن عثمان، فلما تكامل المجلس تكلم ملك الأمراء مع القضاة في أمر نوابهم وما يفعلون، وفي أمر الوكلاء، فوقع في ذلك المجلس غاية ما يكون من اللغط، وكان القاضي حمزة في ذلك المجلس أشد ما يكون على القضاة، وصار يقول لهم: نوابكم يفعلون ما هو كيت وكيت. فجاء ملك الأمراء على القضاة بكل ما فيه بسبب نوابهم، وقد كثر فسادهم. فتكلم معهم ملك الأمراء في ذلك، فوقع الاتفاق في المجلس بأن كل قاض من القضاة الأربعة يقتصر على سبعة من النواب لا غير، على عدد أيام الجمعة، والقاضي من النواب يجلس في بيت قاضي القضاة في نوبته، ويسمع الدعوى هناك بمفرده، وأن القاضي إذا عقد عقد نكاح، يأخذ على من تزوج البكر ستين نصفا، وعلى من تزوج الثيب ثلاثين نصفا، يأخذ العاقد شيئا، والشهود شيئا، والباقي يحمل إلى بيت الوالي، ولا يتزوج أحد من الناس ولا يطلق إلا في بيت قاض من القضاة الأربعة، وأن الوكلاء تبطل قاطبة

стр. 1676

من المدرسة الصالحية، فانفض المجلس على ذلك. وقام القضاة فقيل لهم امشوا على اليسق العثماني، فاضطربت أحوال القضاة والشهود قاطبة، وبطلت أسبابهم ومشوا على هاذ الحكم. وصار مقدم الوالي والجالية يأتون في كل يوم من أيام الجمعة، ويجلسون في بيت كل قاض من القضاة الأربعة إلى ما بعد العصر، ويأخذون ما يتحصل من عقود الأنكحة، ويمضون به إلى بيت الوالي، كما تقرر الحال على ذلك اليسق العثماني. فصار الذي يتزوج أو يطلق تقع غرامته نحو أربعة أشرفية، فامتنع الزواج والطلاق في تلك الأيام، وبطلت سنة النكاح والأمر لله تعالى. وفيه نزل من القلعة اقاضي بركات بن موسى المحتسب، وأشهر المناداة في القاهرة وصحبته الوالي بأن لا قاضي ولا شاهد يحكم في المدرسة الصالحية، وأن لكل قاض من القضاة سبعة من النواب لا غير، يحكم كل نائب يوما في بيت قاض من القضاة الأربعة، ويسمع الدعوى في بيت مستنيبه، وأن لكل نائب من النواب شاهدين لا غير، وأن القاضي يأخذ على نكاح البنت البكر ستين نصفا، ويأخذ على الثيب ثلاثين نصفا، وأن سائر النواب والشهود بطالة من الأحكام الشرعية، وهذا حسبما رسم به ملك الأمراء، والمشي على اليسق العثماني. فلما سمع ذلك الناس اضطربت أحوالهم غاية الاضطراب، ولا سيما النواب والشهود حصل لهم الضرر الشامل، وصارت المدرسة الصالحية ليس يلوح بها قاض ولا شاهد، بعد ما كانت قلعة العلماء. ومن الحوادث ما وقع في أواخر الشهر وهو يوم الأحد خلع ملك الأمراء على شخص يسمى جمال الدين يوسف بن أبي الفرج، ويعرف بابن الجاكية - وهو ابن محمد الذي كان نقيب الجيش من أولاد ابن أبي الفرج - واستقر به في وظيفة التفتيش عن الرزق، فلما قرر في هذه الوظيفة أخذ حذره منه سائر الأعيان ودخلت رأسهم منه الجراب. فلما استقر أمر ملك الأمراء بأن ينادي له عن لسانه حسبما رسم ملك الأمراء لا أحد من الناس يحتمي على الأمير جمال الدين يوسف بن أبي الفرج ولا يعارضه، وأنه مسموع الكلمة وافر الحرمة. فلما جرى ذلك طغى الأمير يوسف بن أبي الفرج وتجبر، وصار معه الجم الكثير من الرسل والبزددارية، وصار يطلب أعيان الناس من رجال ونساء بالرسل الغلاظ الشداد، فإذا حضروا إلى بابه ومعهم مكاتيبهم ومربعاتهم، يقرؤها ثم ينجش لهم فيها انجاشا، ويقول لهم أرزني أصول هذا وأصول الأصول، فإذا عجزوا عن ذلك يرسلهم إلى بيت

стр. 1677

القاضي الحنفي، ويشهد عليه أن لا حق لهم في هذه المكاتيب ولا استحقاق، ويأخذ منهم ما معهم من المكاتيب والمربعات، ويمضوا خائبين. فيطلع بالمكاتيب والمربعات إلى ملك الأمراء، ففعل من هذا النمط بجماعة كثيرة من أعيان الناس، فأخذ من الجمالي يوسف نقيب الجيش ابن الشرفي يونس نقيب الجيش سبع عشرة رزقة بمكاتيب شرعية، وحذف عليه ملك الأمراء ما عنده من المكاتيب جميعها، فطلع له بها، وفعل بجماعة كبيرة من أعيان الناس والستات مثل ذلك، والأمر لله تعالى. وفيه حضرت مركب من الأغربة التي كان عمرها ملك الأمراء وأرسلها صحبة الأروام والمغاربة البحارة، فلما دخلوا إلى البحر المالح وجدوا جماعة من الفرنج يعبثون في سواحل البحر المالح فأوقعوا معهم وقاتلوهم فانكسر الفرنج، وقبضوا عليهم وأسروهم، واحتووا على مراكبهم، فوجدوا فيها بضائع وجوخا وأصنافا فاخرة، فأخذوا جميع ما كان فيها، وقبضوا على من كان فيها من الفرنج ووضعوهم في الحديد، وأرسلوهم إلى ملك الأمراء، فلما عرضوا عليه رسم بتوسيطهم فوسطوا منهم تسعة عشر رجلا، وسجنوا الباقين وأخذ ملك الأمراء جميع أموالهم، ثم تبين بعد ذلك أن هؤلاء كانوا تجارا أتوا من بلاد الفرنج فلما رأوهم قاتلوهم فانكسروا وأسروا وأخذت جميع أموالهم. وأشيع أنهم كانوا يعبثون في سواحل البحر المالح. وفيه قدم جماعة من إسطنبول ممن كان أسر من أهل مصر في أيام السلطان سليم شاه بن عثمان فحضر علم الدين جلبي السلطان الغوري، وحضر عقيب ذلك المقر الشهابي أحمد ناظر الجيش كان، وهو ابن المقر الجمالي يوسف ناظر الخاص، وحضر كمال الدين بزددار الأمير طراباي، وحضر الرئيس عبد الرحمن بن الشريف الكحال، وحضر الناصري محمد بن العلائي علي بن خاص بك، وحضر القاضي شمس الدين محمد الحجازي أحد نواب الشافعية، وحضر آخرون من الأسرى ما تحضرني أسماؤهم الآن. وفي يوم الخميس ثامن عشرية، قدم مبشر الحاج من مكة وأخبر بالأمن والسلامة عن الحجاج، وأخبر أن الغلاء معهم عمال في سائر الغلال والمأكول قاطبة، وأخبر بموت الجمال مع الحجاج، فخلع عليه ملك الأمراء، ونزل إلى منزله. وقد خرجت هذه السنة علي خير وسلامة، وكانت سنة مباركة، وقع فيها الرخاء في سائر الغلال قاطبة بعد ما كان تناهى سعر القمح إلى أربع أشرفيات ذهب كل أردب وكان النيل فيها عاليا عن سائر أراضي مصر قاطبة وثبت ثباتا جيدا إلى أواخر بابه. ومن محاسن هذه السنة أنها خرجت عن الناس ولم يكن فيها الطاعون في الديار المصرية ولا في شيء من أعمالها قاطبة.

стр. 1678

ولكن وقع في أواخر السنة حوادث مهولة. منها عصيان الأمير جان بردي الغزالي نائب الشام وقتله، وما وقع بالشام من الاضطراب، فكان من ملخص واقعة الأمير جان بردي أنه لما استقر به السلطان سليم شاه نائبا بالشام، أقام بها مدة وهو تحت طاعة السلطان سليم شاه في الظاهر، ولما ولي بعده ابنه سليمان على مملكة الروم، وأظهر جان بردي الغزالي العصيان جملة واحدة، ولم يدخل تحت طاعة السلطان سليمان بن عثمان، فقام معه أهل الشام من الأمراء والعسكر والعربان والعشير، وقالوا له قم وتسلطن فما بقي قدامك أحد تخشى منه، ونحن نقاتل معك حتى نتقل، فاستمال لقولهم، وطاش وخف، وكم عجلة أعقبت ندامة، فتسلطن بالشام وتلقب بالملك الأشرف أبي الفتوحات، وقبلوا له الأرض، وخطب باسمه في جامع بني أمية، وعلى بقية منابر دمشق. فلما تسلطن قالوا له: امض إلى مصر وحارب خير بك، واملك منه مصر، فقال لهم: مصر في قبضه يدي، ولكن أتوجه إلى حلب وأخلصلها من أيدي العثمانية، فما يبقى خلفي التفاتة، ثم أتوجه إلى مصر. ولو أتى إلى مصر لكان خيرا له، وكان العسكر من الجراكسة وأهل مصر والعربان قاطبة يقلبوا على ملك الأمراء خاير بك، ويمضوا إليه، فإنه كان محببا للرعية. فلما توجه الغزالي إلى حلب ليملكها، حاصر أهلها، وأحرق غالب الضياع التي حولها، وحصل منه الضرر الشامل لأهل حلب، فلما حاصر مدينة حلب لم يقدر عليها وعجز عن ذلك. وكان الأمير جان بردي الغزالي أول ما توفي السلطان سليم شاه وتولى بعده ابنه سليمان، أرسل يقول لملك الأمراء خاير بك تسلطن أنت بمصر، وأستمر أنا بالشام وأحكم من الفرات إلى غزة، ونطرد هذه العثمانية عن مملكة مصر. فلما وقف خاير بك على مطالعة الغزالي أفشى سره. وكان الغزالي أرسل يقول لخاير بك إن لم تتسلطن فعندي من يتسلطن، فأراد خاير بك أن يتنصح للسلطان سليمان، فأرسل له مطالعة الغزالي التي أرسلها له في السر. فلما وقف السلطان على مطالعة الغزالي، أرسل يقول لخاير بك: لا تخرج أنت من مصر للغزالي، فنحن نكفيك شره. ثم إن السلطان سليمان أرسل تجريدة إلى الغزالي نائب الشام، فجهز له من العساكر العثمانية نحو أربعة عشر ألف مقاتل، فخرجوا من إسطنبول على حمية، وتوجهوا من إسطنبول إلى حلب، فأوقعوا مع الغزالي على حلب، فانكسر منهم، فتوجه إلى دمشق، فكان بين الفريقين واقعة مهولة على القابون خارج مدينة دمشق، فقتل من عسكر الغزالي هناك ما لا يحصي من عربان الكرك وأكراد وتركمان ومماليك جراكسة، ومن أهل دمشق، حتى قيل: قتل في المعركة من أهل دمشق شيوخ وشبان وأطفال، ومن سوقة دمشق ما لا يحصى.

стр. 1679

وكانت هذه الواقعة تقرب من واقعة تمرلنك لما دخل إلى دمشق، وقد خرب في هذه الواقعة ثلث دمشق من ضياع وحارات وأسواق وبيوت، وتمت الكسرة على الغزالي واختفى، وقيل: بل قتل على المعركة وحزت رأسه وأرسلت إلى إسطنبول، ومضى أمره. وإلى الآن تشك جماعة من الناس في قتله، ويقولون ما قتل وهو باق في قيد الحياة، وأنه هرب عند الصفوي بعد وقوع المعركة، والأصح أنه قتل في الواقعة التي كانت على القابون ووقع الشك للناس في ذلك، كما وقع لهم في قتل قانصوه خمسمائة من الشك. ومما وقع في هذه السنة من الحوادث، حرق النصارى على باب المدرسة الصالحية، ومنع الشهود من الجلوس في الحوانيت. ومن الحوادث ما وقع للشيخ عبد المجيد الطريني وقصته مشهورة. ومن الحوادث منع الوكلاء من باب المدرسة الصالحية وعزل نواب القضاة الأربعة واقتصارهم على سبعة نواب لكل قاض من غير زيادة على ذلك. ومنها واقعة العقود وما تقرر على تزويج البكر ستين نصفا والثيب ثلاثين نصفا، وقد تقدم ذلك فكان ذلك من أشد الكرب على المسلمين. ومنها جلوس مقدم الوالي والجالية على أبواب القضاة من باكر النهار إلى آخره، ليأخذوا ما يتحصل م عقود الأنكحة، ويمضوا به إلى بيت الوالي، ويسمون ذلك اليسق العثماني. ولا يتزوج أحد من الناس ولا يطلق إلا في بيت قاض من القضاة، فضيقوا على المسلمين غاية الضيق. ومن الحوادث الشنيعة أن ملك الأمراء خلع على شخص يقال له جمال الدين يوسف ابن أبي الفرج، ويعرف بابن الجاكية، وقرره في وظيفة وسماه مفتش الرزق الجيشية، فلما استقر في هذه الوظيفة أطلق في الناس النار، ورافع الشهابي أحمد بن الجيعان بأنه أخذ من ديوان الجيش أقاطيع سلطانية ورزقا جيشية، وصنع لها مكاتيب شرعية بمشترى من بيت المال، وباعها على الناس. ورافع أيضا الزيني أبا بكر بن أبي بكر بن الملكي بمثل ذلك، حتى تكلم في حق الشهابي أحمد بن الجيعان بأنه ابتاع من ديوان الجيش رزقا وأقطاعا، وصنع لها مكاتيب شرعية، وباعها على الناس بنحو عشرين ألف دينار. وأظن هذا الكلام ليس له صحة، وهذا باطل لا محالة، فتغير خاطر ملك الأمراء على المقر الشهابي أحمد ابن الجيعان، وصار إذا طلع إلى القلعة لا يخاطبه أصلا، ورسم للزيني أبي الوفاء الحلبي موقع ملك الأمراء من حين كان بحلب أن يقرأ عليه القصص، بدلا عن الشهابي أحمد بن الجيعان،

стр. 1680

فعظم أمر الزيني أبي الوفا في هذه الأيام جدا، حتى صار في مقام من تقدم من كتاب السر، وصار من أعيان الرؤساء بالديار المصرية. ثم إن الجمالي يوسف بن أبي الفرج أخذ من الناصري محمد بن خاص بك رزقتين بمكاتيب شرعية، فطعن في هذه الرزق وقال له أصل هذه الرزق أقاطيع سلطانية، فأخذ منه المكاتيب وأشهد عليه بأن لا حق له فيها، وطلع بها إلى ملك الأمراء، وصار يفعل من هذا النمط بجماعة كثيرة من رجال ونساء، ويأخذ مكاتيبهم من أيديهم ويشهد عليهم أن لا حق لهم فيها ويطلع بالمكاتيب إلى ملك الأمراء، فأطلق في الناس جمرة نار، وضج منه الناس قاطبة، حتى قيل أخذ من أيدي الناس فوق الثمانين رزقة بمكاتيب شرعية. وطلع بها إلى ملك الأمراء، وحصل للناس منه الضرر الشامل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. وما اكتفى ملك الأمراء بيوسف بن أبي الفرج حيث جعله مفتش الرزق الجيشية، فجعل الأمير علي العثماني مفتش الأوقاف أيضا من بلاد وبيوت وغير ذلك، فاجتمع على بابه الرسل الغلاظ الشداد، والبزددارية، وصاروا يطلبون الناس أصحاب الأوقاف، فإذا حضروا ومعهم مكاتيبهم ينجشون عليهم ويقولون لهم ايش على هذا الوقف مصاريف، وايش متحصله في كل شهر، فيدعون أصحاب الأوقاف في الترسيم، ويقررون عليهم مبلغا ثقيلا للأمير علي هو ودواداره والبزددارية والرسل ومن عنده من المباشرين، ويكتبون له على مكاتيبه عرض، ثم يطلقونه بعد أن يلتهب من الغرامة فوق ما لا يطيق، فصار الأمير علي يتكلم على فرع من أبواب المظالم المهولة، فأطلق في الناس النار الموقدة. وأقول أن أولاد ابن أبي الفرج طول عمرهم بيت ظلم وعسف، وطبعهم الأذى هم وأجدادهم من أيام الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق، وقد تقدم القول على ذلك. ومن الحوادث في أواخر هذه السنة أن ملك الأمراء جهز مراكب أغربة وفيها جماعة من القاتلين، فتوجهوا إلى البحر المالح، وقد بلغه أن جماعة من الفرنج يعبثون في السواحل على المسافرين، فلما توجهوا إلى البحر المالك، وجدوا مراكب فيها تجار من الفرنج، ومعهم بضائع بنحو خمسين ألف دينار، فتقاتلوا معهم فكسروا الفرنج، وقبضوا عليهم واحتاطوا على ما معهم من البضائع، فلما حضروا إلى مصر، وعرضوا على ملك الأمراء، رسم بتوسيط نحو تسعة عشر نفرا من الفرنج، فراحوا ظلما، وأخذت أموالهم، وربما يثور من هذه الحركة فتنة كبيرة بين الفرنج وبين أهل مصر بسبب ذلك، ويمنعون التجار من المرور في البحر، ويقتلونهم كما فعلوا بالفرنج المقدم ذكرهم.

стр. 1681

وفي هذه السنة قتل ملك الأمراء من الناس ما لا يحصى بتوسيط وشنق وخوزقة وأكثرهم راح ظلما، والأمر لله تعالى. سنة ثمان وعشرين وتسعمائة (١٥٢٢ م): فيها في المحرم، وكان مستهله يوم الأحد المبارك، طلع القضاة الأربعة وهنؤوا ملك الأمراء بالعام الجديد ثم عادوا إلى منازلهم. وفي هذا الشهر تزايد ظلم الجمالي يوسف بن أبي الفرج وفتك في الناس فتكا ذريعا، وكثر على بابه الرسل والبزددارية، وصار يطلب أعيان الناس من كبير وصغير، فيحضرون ومعهم مكاتيبهم، ويأخذها من أيدي أصحابنا غصبا، ويشهد عليهم أن لا حق لهم فيها ولا استحقاق، ويطلع بها إلى ملك الأمراء، واستمر على ذلك يتزايد ظلمه الشنيع كل يوم حتى ضج منه الناس والأمر لله تعالى. وفيه توفى الشهابي أحمد بن القماري، وكان من مشاهير أولاد الناس، وكان أمير جكار، وقد ترحل حاله في أواخر عمره ومات فقيرا. وفي يوم الخميس خامسه حضر جماعة من اسطنبول ممن كان السلطان سليم شاه أسرهم وأرسلهم إلى اسطنبول، فحضر بهاء الدين بن البارزي، وجلال الدين ابن الخواجا بدر الدين حسين الشبراوي، وحضر الخواجا يحيى بن عبد الدائم اللبدي المغربي من تجار جامع طولون، وحضر آخرون ممن كان باسطنبول. وفي يوم السبت سابعه، نزل ملك الأمراء من القلعة وتوجه إلى تربة العادلي التي بالريدانية، وجلس هناك على المصطبة القديمة، وكان القاصد الذي حضر بالأمس صحبته، فمد له هناك مدة حافلة، وأحضر صقورا وكلابا سلوقية، ورمى قدام القاصد رماية هناك، وانشرح في ذلك اليوم إلى الغاية. فبينما هو على ذلك، وإذا بجماعة من الأعيان حضروا بين يديه، منهم الشيخ شمس الدين محمد اللقاني المالكي، والشيخ شمس الدين محمد المعروف بالديروطي الشافعي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن الجلبي وآخرون من العلماء، فلما اجتمعوا قالوا: "يا ملك الأمراء قد أبطلتم سنة رسول الله ﷺ ، وصرم تأخذون على زواج البنت البكر ستين نصفا، وعلى زواج المرأة ثلاثين نصفا، ويتبع ذلك أجرة الشهود، ومقدمي الوالي، وغير ذلك، وهذا يخالف الشرع الشريف، وقد عقد رسول الله ﷺ على خاتم فضة، وعلى ستة أنصاف فضة، وعقد على آية من كتاب الله، وقد ضعف الإسلام في هذه الأيام، وتجاهر الناس بالمعاصي والمنكرات، وتزايد الأمر في ذلك". ثم

стр. 1682

ذكروا له آيات من كتاب الله تعالى، وأحاديث عن رسول الله ﷺ ، فلم يلتفت ملك الأمراء إلى شيء من ذلك، وقال للشيخ شمس الدين محمد اللقاني المالكي: "اسمع يا سيدي الشيخ، إيش كنت أنا؟ الخنكار رسم بهذا، وقال امشوا في مصر على اليسق". فقال له شخص من طلبة العلم يقال له عيسى المغربي: هذا يسق الكفر، فحنق منه ملك الأمراء، فرسم بتسليمه إلى الوالي ليعاقبه، فتوجهوا به إلى بيت الوالي، ثم شفع فيه بعض الأمراء. فلما كان عقيب ذلك توجه إلى ملك الأمراء جماعة من النجارين والقلامطة، وعلى رؤوسهم مصاحف، وهو يستغيثون (الله ينصر السلطان سليمان). فظن ملك الأمراء أنهم من الجامع الأزهر، ثم تبين أنه نجارون وقلافطة، أتوا يشتكون من الشاد على المراكب التي عمرها ملك الأمراء في الروضة، بأنه قد ظلمهم وجار عليهم. فلما كثر منهم الضجيج، رسم ملك الأمراء لمن حوله من الانكشارية بضربهم، فشتتوا أجمعين. ثم طال المجلس بين ملك الأمراء وبين مشايخ العلم الذين حضروا، فكان من جوابه للشيخ شمس الدين اللقاني المالكي: "يا سيدي الشيخ أنا أخاف على رقبتي أكثر من رقابكم، امضوا باسم الله". فقاموا من عنده وهم في غاية القهر، يتعثرون في أذيالهم، ولم يلتفت إلى أقوالهم، فقال له بعض الفقهاء الذي حضروا: "نحن نسافر إلى السلطان سليمان نصره الله تعالى، ونخبره بما يفعل في مصر"، فتنكد ملك الأمراء في ذلك اليوم بعد ما كان منشرحا، ثم قام من هناك وطلع إلى القلعة، وخرج القاصد من هناك وتوجه من يومه وسافر إلى اسطنبول. فلما رجع الفقهاء من عند ملك الأمراء، قامت الأشلة والنائرة على ملك الأمراء، وكثر الدعاء عليه بسبب عقود الأنكحة، وقصدوا يغلقون أبوب الجوامع والمساجد، فلما جرى ذلك أرسل ملك الأمراء الزيني أبا الوفا الموقع، يأخذ بخاطر الشيخ شمس الدين محمد اللقاني، وقال له: لا تؤاخذ ملك الأمراء، فإنه لم يكن يعرفك. وأرسل على يد الزيني أبي الوفاء الموقع مائتي دينار وأربع بقرات، ففرقت على مجاوري الجامع الأزهر، وأرسل مثل ذلك إلى مقام الإمام الشافعي، والإمام الليث ﵄، وأرسل مثل ذلك إلى الزوايا التي بالقرافة، وإلى مشهد السيدة نفيسة ﵂، وغير ذلك من الزوايا والمزارات والمساجد، وقصد أن يستجلب خواطر العلماء والفقهاء مما فعله من الأفعال الشنيعة، ليمحو ذلك بذلك، وهذا من المحالات، كما يقال في المعنى: جفاء جرى جهرا لدى الناس وانبسط … وعذر أتى سرا فأكد ما فرط

стр. 1683

ومن ظن أن يمحو جلي جفائه … خفى اعتذار فهو في غاية الفرط وفي يوم الاثنين سادس عشره، أنفق ملك الأمراء على المماليك الجراكسة، وكان لهم خمسة أشهر جامكية منكسرة، وقد ضاع عليهم عليق أربعة أشهر، فأنفق ملك الأمراء عليهم في ذلك اليوم شهرين، وأخر لهم ثلاثة أشهر، فأضر ذلك بحالهم. وفيه اجتمع العسكر ليقبضوا الجامكية في الميدان، فنزل لهم المقر الشهابي أحمد بن الجيعان، والقاضي بركات بن موسى المحتسب، وابن أبي أصبع، فقالوا للمماليك الجراكسة: ملك الأمراء يقول لكم أنه مسافر بعد الربيع، فالذي له قدرة يعمل برقه، والذي ما له قدرة على السفر لا يأخذ جامكية ويقعد يستريح، فلما سمع العسكر ذلك اضطربت أحوالهم. ثم إن ملك الأمراء جلس في شباك الدهيشة وأرسل خلف المماليك الجراكسة، فلما طلعوا ووقفوا بين يديه، استدعاهم واحدا بعد واحد، وصار يختار من كل عشرة مماليك مملوكا واحدا، الذي يجده شابا وله قدرة على السفر، فيبقيه على جامكيته، والذي يجده من الشيوخ العواجز يقف جامكيته، فأبطل في ذلك اليوم ألف مملوك من المماليك الجراكسة والناس وغير ذلك، وفيهم من هو من الأغوات من مماليك الأشرف قايتباي، فتزايدت قسوته في ذلك اليوم عليهم. ومما وقع في ذلك اليوم من النوادر الغريبة، أن ملك الأمراء لما عرض المماليك صار كل من رآه من المماليك ولحيته طويلة يقص منها نصفها، ويعطيها له في يده، ويقول له امش على القانون العثماني في قص اللحى، وتضييق الأكمام، وكل ما تفعله العثمانية، فنزل المماليك الجراكسة من القلعة في ذلك اليوم وهم في غاية النكد مما جرى عليهم. وكان سبب قطع جوامك جماعة من المماليك الجراكسة، أن الديوان كان يومئذ في غاية الانشحات، وقد كثر العسكر وصار المال يقسم على سبع طوائف من العسكر ما بين أمراء عثمانية، وطائفة من الأصباهية، وطائفة من الانكشارية، وطائفة من الكملية، وطائفة من الأمراء الجراكسة، وطائفة من المماليك الجراكسة، ومماليك ملك الأمراء طائفة سابعة، فكان يصرف في كل شهر لطائفة الأصباهية أحد عشر ألف دينار، ويصرف لطائفة الانكشارية في كل شهر ثلاثة عشر ألف دينار، ويصرف لطائفة الكملية في كل شهر أحد عشر ألف دينار، ويصرف لطائفة المماليك الجراكسة وأولاد الناس أحد عشر ألف دينار، ويصرف لمماليكه وخدامه وحاشيته وغير ذلك من الرواتب في كل شهر ثلاثة عشر ألف دينار، وذلك

стр. 1684

خارج عن جامكية الأمراء الجراكسة والأمراء العثمانية والمترددين من القصاد العثمانية، فبموجب ذلك وقع الانشحات في تأخير الجوامك وكسرها الأشهر. وكان السلطان الغوري لا يستعين على سد الجوامك في كل شهر إلا بكثرة المصادرات للتجار وغيرهم من مساتير الناس وأعيانهم وكان يسد من مظالم العباد، ويصير إثم ذلك عليه. وفيه أشيع أن ملك الأمراء قد تغير خاطره على خوند مصرباي الجركسية، وأنزلها من القلعة، ورسم لها بأن تسكن بمدرسته التي بناها بباب الوزير، ورتب لها في كل شهر ما يكفيها من النفقة وكان سبب ذلك أنه بلغ ملك الأمراء قدوم زوجته أم أولاده من اسطنبول، وقد أتت صحبة الأمير جانم الحمزاوي من اسطنبول، فاختار بأن تكون صاحبة القاعة عوضا عن خوند مصرباي، فشق ذلك عليها. وفي يوم الخميس تاسع عشره، أكمل ملك الأمراء تفرقة الجامكي على العسكر، وأوقف جوامك كثير من المماليك الجراكسة، ومن أولاد الناس، ومن العواجز والشيوخ، وقال للذين صرف لهم الجوامك: كونوا على يقظة واعملوا برقكم، فربما الخنكار يرسل يطلبكم على حين غفلة، فقالوا كلهم: السمع والطاعة، ونزلوا على ذلك. وفيه أشيع أن الأمير فرحات العثماني نائب طرابلس، استقر في نيابة الشام عوضا عن إياس، الذي كان بها، وتوجه إياس إلى اسطنبول، فصار الأمير فرحات بيده نيابة طرابلس والشام. وفي يوم الأربعاء خامس عشرية دخل الحاج إلى القاهرة، ودخل الأمير جانم أمير ركب المحمل وصحبته المحمل الشريف. ثم أشيع أن الحاج قد قاسي في هذه السنة مشقة زائدة من الغلاء وموت الجمال. ولما طلع إلى العقبة اشتد عليه البرد هناك والرياح العصافة، فمات من الحجاج ما لا ينحصر، حتى قيل مات منهم من العقبة حتى دخلوا القاهرة نحو ثمانين إنسانا، ودخل الباقون مرضى من شدة البرد العاصف المضر بالأجساد. ولما دخل الحاج أشيع موت الأمير باباي، الذي كان ولي مشيخة الحرم النبوي، وأشيع موت شخص من الأمراء العثمانية، وكان أغات الإنكشارية، توفي لما دخل المدينة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ودفن بالبقيع، وكان من خيار العثمانية. وتوفي الأمير مقرن أمير عربان بني جبر، متملك جزيرة بين النهرين إلى بلاد هرمز الأعلى، وكان أميرا عظيما جليل القدر مجبلا في سعة من المال، وكان مالكي المذهب سيد عربان الشرق على الإطلاق، وكان أتى إلى مكة وحج في العام الماضي، وكان يجلب

стр. 1685

إلى مكة اللؤلؤ والمعادن الفاخرة، والمسك والزغفران، والعنبر الخام والعود والقماري، والحرير الملون، وغير ذلك من الأشياء المتحفة. قيل أنه لما دخل إلى مكة والمدينة تصدق على أهلهما بخمسين ألف دينار، فلما حج ورجع إلى بلاده لاقته الفرنج في الطريق وتحاربت مته، فانكسر الأمير مقرن منهم، وقبضوا عليه باليد وأسروه، فسألهم أن يشتري نفسه منهم بألف ألف دينار فأبى الفرنج من ذلك، وقتلوه بين أيديهم، ولم يغن عنه ماله شيئا، وملكوا منه جزيرة بين النهرين، وملكوا قلعتها التي هناك، واستولوا على أموال الأمير مقرن وبلاده، وكان ذلك أشد الحوادث في الإسلام وأعظمها. وقد تزايد شر الفرنج على سواحل البحر الهندي، والأمر لله تعالى. ولما رجع الحجاج أثنوا على الأمير جانم أمير الحاج بكل جميل، في حفظه للحجاج، ومنع الضرر عنهم، وغير ذلك من أنواع البر والمعروف. ***** وفي شهر صفر، وكان مستهله يوم الاثنين، طلع القضاة الأربعة إلى القلعة وهنئوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم. وفي يوم الأربعاء ثالثة، خرج الأمير قايتباي الدوادار وجماعة من الأمراء الجراكسة إلى ملاقاة الأمير جانم المزاوي الذي كان توجه إلى إسطنبول، وصحبته تقدمة حافلة إلى السلطان سليمان بن عثمان، أرسلها ملك الأمراء خاير بك إليه على يد الأمير جانم كما تقدم، فأكرمه وأحسن إليه، وقبل منه تلك التقدمة، فأقام بإسطنبول مدة ثم رسم له بالعود إلى مصر. فلما بلغ الأمراء قدومة إلى مصر، خرجوا إليه قاطبة، وخرجت إليه أعيان المباشرين قاطبة، وجميع مشايخ العربان والكشاف المدركين قاطبة. فلما كان يوم الجمعة ثاني عشر صفر، وصل الأمير جانم الحمزاوي إلى خانقاه سرياقوس، فمد له القاضي بركات بن موسى المحتسب مدة حافلة، هذا بعد أن لاقاه من الصالحية. وأشيع أنه حضر صحبة الأمير جانم الحمزاوي حريم ملك الأمراء الذي كان بإسطنبول من حين ملك السلطان سليم شاه الديار المصرية، فلما تولى السلطنة ولده سليمان، رسم بعود حريم ملك الأمراء وأولاده إليه. وفيه طلعت زوجة ملك الأمراء إلى القلعة تحت الليل على المشاعل والفوانيس وهي في محفة، فلما طلع النهار طلع إليها جميع المغاني يهنئونها بالسلامة. ثم أن الأمير جانم الحمزاوي رحل من الخانقاه، وتوجه إلى تربة العادلي وبات بها.
следующие страницы →