Полный текст (1 734 стр.). Показаны 1716–1734 · переход к 1721.
стр. 1716
الحنفي المكتوب الذي صنعوه، دفعه ملك الأمراء إلى القاضي صالح العثماني، وقال له:
انظر في هذا المكتوب، فلما قرأه قال: هذا الحكم الذي حكم به قاضي القضاة الحنفي باطل لا تجوز قراءته، فحصل لقاضي القضاة في ذلك المجلس غاية البهدلة، وأسمعته الفقهاء الكلام المنكي، وانتصف عليه أبو الفتح في ذلك الحكم الذي حكمه، فقام قاضي القضاة من ذلك المجلس وهو يتعثر في أذياله مما قاس من البهدلة من ملك الأمراء ومن القاضي صالح وغيره. وكان قاضي القضاة الحنفي غير محب للناس، وكان عنده صعصعة وجنون، وسوء تدبير ويبس طباع، مع وهج وخفة زائدة، مع عبوسة وجه وشناعة زائدة، وقد قلت فيه:
رب قاض قد اعتراه جنون … شأنه الوهج ما لديه سكون
لم يفده علمه إذا ضل شيئا … فهو فينا معلم مجنون
وقولي أيضا:
كم ضاع للنعمان من مذهب … في عصرنا لما تولى فلان
تبا له من حاكم أهوج … أحكامه مشهورة بالجنان
وفي يوم الأربعاء سلخ شهر شعبان، كانت ليلة رؤية هلال رمضان، فلم يحضر من قضاة القضاة أحد إلى المدرسة الصالحية على جاري العادة، فإنهم كانوا منفصلين عن القضاة، فحضر بعض نواب القضاة، منهم شمس الدين المجولي، وشهاب الدين أحمد بن شيرين الحنفي، وفتح الدين الوفائي المالكي، ونظام الدين الحلبي الحنبلي، وحضر القاضي بركات بن موسى المحتسب.
فلما رئي الهلال ركب من هناك القاضي بركات المحتسب، وشق من بين القصرين في موكب حافل، وقدامه عدة فوانيس ومشاعل على جاري العادة في كل سنة.
*****
فلما كانت ليلة الخميس أهل شهر رمضان، فلم يطلع من قضاة القضاة أحد للتهنئة بالشهر، وكان الناس في غاية الاضطراب بسبب المعاملة، فإن الدينار السليماني يصرف بخمسة وأربعين نصفا من الفضة القديمة حسابا عن كل نصف بنصفين وربع من الفضة
стр. 1717
الجديدة، فوقف الحال بسبب ذلك، ولا سيما حال الفلاحين في البلاد، فإن العمال يحاسبونهم في الدينار عن القبض بنصفين وربع من الفضة الجديدة، ويقيمونه عليهم وقت الحساب بنصف واحد، فخرج غالب البلاد بسبب هذه المعاملة وغير ذلك. وكانت أحوال الناس في غاية الاضطراب بسبب الرزق الأحبلسية التي أدخلها فخر الدين بن عوض في ديوان السلطان، وصار ملك الأمراء كل من طلع له بمكتوبة أو مربعته، يأخذ ذلك منه، ويقول له: هذا دخل ديوان السلطان. فحصل للناس غاية الضرر من كل وجه.
ومن الحوادث أن ملك الأمراء طلب التجار قاطبة، وكتب عليهم قسائم ألا يتعاملوا إلا بالذراع العثماني في البيع والشراء، وأبطل الذراع القديم الهاشمي، وكتب القسائم على التجار بذلك، وهو يزيد عن الذراع القديم نحو ربع ذراع.
واستهل رمضان وقضاة القضاة الأربعة منفصلون عن القضاة، والمباشرون في الترسيم بالقلعة من حين جرى عليهم ما جرى.
وفي يوم الخميس ثامنه من ليلة الجمعة، رأى الناس كوكبا عظيما جاء من نحو الغرب، وخلفه شرار كمثل عمود النار، فاستمر ماشيا في السماء إلى نحو الشرق فاختفى، وقد شاع خبره بين الناس لما طلع النهار.
وفي يوم الأربعاء رابع عشر شهر رمضان كان وفاء النيل المبارك، ووافق ذلك ثالث عشر مسرى.
وفتح السد في يوم الخميس خامس عشر رمضان، الموافق لرابع عشر مسري، فأوفى الله الستة عشر ذراعا وزاد ثلاث أصابع من الذراع السابع عشر. فلما أوفى نزل ملك الأمراء من القلعة وتوجه إلى المقياس، وخلق العمود، ونزل في الحراقة وصحبته الأمراء العثمانية، ففتح السد الذي عند رأس المنشية، ثم ركب من هناك وتوجه الوالي ففتح السد الثاني الذي عند قنطرة السد، وكان ذلك اليوم مشهودا. وكان ذلك آخر فتح ملك الأمراء للسد، ومات بعد ذلك بشهرين، وفي ذلك يقول الناصري محمد بن قانصوه:
خليج السد يوم الكسر جبر … بماء للعيون يرى بهيجا
وهذا اليوم يوم الجبر فاسرع … بنا قطعا نرى هذا الخليجا
وفيه قدم أولاق من البحر المالح وأخبر عن السلطان سليمان أنه في المحاصرة مع الفرنج، وكثر القال والقيل بين الناس بسبب ذلك.
стр. 1718
وفيه جاءت الأخبار بأن ابن سوار قد قتل، وسبب ذلك أنه قد بلغ السلطان سليمان بن عثمان أن ابن سوار قد إلتف على شاه إسماعيل الصفوي وصار يكاتبه في الدس فندب إليه الأمير فرحات الذي كان توجه إلى جان بردي الغزالي نائب الشام، فتوجه إلى ابن سوار وأظهر أنه يقصد التوجه إلى ديار بكر بسبب عسكر الصوفي، فأضافه ابن سوار وركن إليه، فلما جلس معه على مجلس الشراب في نفر قليل من أصحابه، وثب على ابن سوار جماعة من العثمانية من حاشية الأمير فرحات، فقتلوا ابن سوار وهو على سفرة الشراب على حين غفلة، ولم يشعر به أحد من عسكره.
ولما أشيع قتله اضطربت أحوال السوارية بقتله. وقيل: إن فرحات قتل بعد ذلك ثلاثة من أولاد ابن سوار، وقتل جماعة من أمرائه، ثم مضى عنهم، وقد تمت حيلته على ابن سوار حتى قتله.
ومن الحوادث أنه حضر إلى القاهرة شخص قيل: أن أصله من الشرق، وقيل: كان بمكة، وأقام بها مدة، فلما حضر ادعى أنه المهدي، فلما طلع إلى ملك الأمراء وقال له: أنا المهدي، وكان حاضرا في ذلك المجلس القاضي شهاب الدين أحمد بن شيرين، فسأله عن مسائل في العلم فلم يجبه بشيء. وكانت صفته أنه شيخ طاعن في السن، قصير القامة جدا، ولم يكن فيه من علامات المهدي شيء، فلما أغلظ على ملك الأمراء في الكلام، رسم بالقبض عليه، وأن يتوجهوا به إلى المارستان، ويضعوه في الحديد، ويسجنوه عند المجانين، فقبضوا عليه وتوجهوا به إلى نحو المارستان، فكشفوا عن رأسه، ووضعوه في الحديد، فلما بلغ الشيخ إبراهيم الذي في الجامع المؤيدي، والشيخ حسن العثماني، طلعا إلى ملك الأمراء وشفعا فيه، فرسم ملك الأمراء بإطلاقه من المارستان. فأتى إليه الشيخ حسن العثماني وحمله على أكتافه وأخرجه من المارستان، وكان هذا الرجل معظما عند العثمانية، وفي خدمته جماعة كثيرة من الأعجام نحو خمسين إنسانا، فلما خرج من المارستان ازدحم عليه الناس ليروا المهدي، وكان ذلك اليوم مشهودا بسبب الفرجة عليه لما شق من القاهرة فاستمر على أكتاف الشيخ حسن حتى توجه به إلى المدرسة المؤيدية، ثم بدا لملك الأمراء أن يرسل المهدي إلى بيت الوالي، فقبضوا عليه وتوجهوا به إلى بيت الوالي، فاستمر به مدة ثم شفع فيه.
وفي يوم الأربعاء حادي عشريه، قبض ملك الأمراء على يوسف بن أبي الفرج بن الجاكية، وسلمة إلى القاضي بركات بن موسى ليقيم حسابه مما دخل عليه من المال بسبب الرزق، ولما نزل إلى بيت المحتسب هم أن يعريه ويضربه بالمقارع، وقال له: أقم
стр. 1719
حسابك من حين قررت في هذه الوظيفة، فقيل أنه أورد سبعمائة دينار، فقال له القاضي المحتسب: جلبت الدعاء على ملك الأمراء لأجل هذا القدر الهين … لا جزاك الله خيرا!.
وفي يوم الجمعة ثالث عشرية، نزل ملك الأمراء وتوجه إلى نحو الجامع الأزهر ليصلي هناك صلاة الجمعة، وكان صحبته الأمراء العثمانية الذين بمصر، وجماعة من الأمراء الجراكشة، منهم الأمير أرزمك الناشف. فلما انقضى أمر صلاة الجمعة، وقصد أن يركب، وقف إليه رضى الدين بن الدهانة وجماعة من الفقهاء وقالوا له: يا ملك الأمراء انظر في أحوال الرعية. فقال: نعم، وركب بسرعة، وخرج من باب الجامع، وتوجه إلى القلعة.
وقيل: إن ملك الأمراء تصدق في ذلك اليوم على مجاوري الجامع الأزهر بخمسمائة دينار، وكان الذي تولى أمر الصدقة في ذلك اليوم شهاب الدين المحلي إمام أمير آخور كبير، فما لاقى في ذلك اليوم خيرا بسبب تفرقة الصدقة، وحصل له غاية البهدلة من الناس.
وفي يوم السبت رابع عشريه، نودي في القاهرة عن لسان ملك الأمراء، بأن جميع القضاة والشهود يحضرون بدفاترهم إلى المدرسة الصالحية، ويسلمون ذلك إلى القاضي صالح نائب قاضي العسكر، فلم يوافق أحد من الناس على ذلك وأبطلوا هذا الأمر.
وفيه أشيع أن العربان قطعوا جسر الحلفاية، فنقص البحر في تلك الليلة ثماني أصابع، وكان في قوة الزيادة، فاضطربت أحوال الناس.
ثم في يوم الخميس زاد الله في النيل المبارك أصبعين من النقص، فسكن ذلك الاضطراب، واستمرت الزيادة عمالة إلى بابه.
*****
وفي شهر شوال، وكان مستهله يوم السبت، وهو عيد الفطر، فكان أكثر العساكر مسافرا في غزوة رودس، وكذلك الأمير قايتباي الدوادار وجماعة من الأمراء، فلما صلى ملك الأمراء صلاة العيد مد مدة حافلة، وكانت الأصباهية والإنكشارية تتخاطفها، وكان هذا العيد خامدا.
وفي يوم الأحد ثانية حضر أولاق من البحر وعلى يده كتاب من عند الأمير جانم الحمزاوي إلى ملك الأمراء، فقرئ بحضرة القاضي شهاب الدين بن شيرين، فكان من مضمونه أن الأمير قايتباي الدوادار، ومن معه من العساكر والأمراء والمماليك الجراكسة قد وصلوا إلى رودس في ثالث عشر رمضان، فوجدوا السلطان سليمان في جزيرة تجاه رودس، فأقاموا ثلاثة أيام لم يجتمعوا بالسلطان. ثم في اليوم الثالث أوكب السلطان سليمان وجلس للعسكر جلوسا عاما في ذلك اليوم.
стр. 1720
فلما نظر الأمير قايتباي الدوادار عظمه وأكرمه، وكذلك الأمراء الذين صحبته، ووقف المماليك الجراكسة قدامه فشكرهم، وأثنى عليهم. وقيل: إن السلطان سليمان استقل عقل والده سليم شاه الذي قتل المماليك الجراكسة وقال: مثل هذه المماليك كانت تقتل؟؟
وقيل: إنه أنزل العسكر المصري وطاقة عند الوزير الأعظم، وأخبر الأمير جانم في كتابه أنه إلى الآن لم يقع بين السلطان وبين أهل رودس قتال، وأنه مقيم بجزيرة تجاه رودس، والميعاد بعد العيد.
وفي يوم الاثنين ثالث الشهر، قدم الخواجا ابن عبد الله من إسطنبول، فنزل إليه ملك الأمراء ولاقاه من عند تربة العادلي، وخلع عليه قفطان حرير. فلما حضر ابن عبد الله أشيع أن السلطان قرره ناظرا على الأوقاف قاطبة، وأنه يكشف على سائر الأوقاف والجوامع والمدارس قاطبة، فيعزل من يشاء، ويبقى من يشاء. وأشيع عنه أنه يخرج الوظائف عن الفقهاء، ولا يبقى بيد فقيه وظيفتين في التصرف، وأن يقرر الوظائف لجماعة آفاقية من الأروام. فلما أشيع ذلك اضطربت أحوال فقهاء مصر.
وفيه قدمت الأخبار من دمشق بأن الأمير فرحات نائب الشام قبض على جماعة من التجار أتوا من بلاد الشاه إسماعيل الصفوي، وزعم أنهم جواسيس من عند الصفوي، فلما قبض عليهم، أخذ جميع ما معهم من الأموال والبضائع والأصناف التي أتوا بها، ثم ضرب أعناقهم أجمعين، وربما يثور من هذه الواقعة فتنة عظيمة بين العثمانية والصفوي.
ومن الحوادث الشنيعة أن جماعة من النصارى كانوا يسكرون في بيت عند جامع المقسي على الخليج، فلما قوي عليهم السكر، تزايد منهم الضجيج والتجاهر بالسكر، وكان في جامع المقسي ابن الشيخ محمد بن عنان مقيما به، فثقل عليه أمرهم، فأرسل إليهم من ينهاهم عن ذلك، فأغلظ عليهم في القول، وقال لهم: أما تستحون من الشيخ ابن عنان؟ فسبوا الشيخ ابن عنان سبا قبيحا، فطلع الشيخ إلى ملك الأمراء وشكا من النصارى، فأرسل مالك الأمراء بالقبض على النصارى، فهربوا وقبضوا على واحد منهم، فرسم ملك الأمراء بحرقه، فلما رأى النصراني عين الجد، أسلم خوفا من الحرق، فألبسوه عمامة بيضاء. فلما جرى ذلك خاف بقية النصارى على أنفسهم، واختفوا عند يونس النصراني حتى تحمد هذه الواقعة عنهم.
وفي يوم الجمعة قدم قاصد من عند الأمير جانم الحمزاوي، وأخبر أن العسكر برر للقتال مع عسكر الفرنج الذين برودس، وأشيع أنهم أشرفوا على أخذ السور الأول من مدينة رودس، ولكن قتل في هذه المعركة من العساكر ما لا يحصى.
стр. 1721
وفي يوم الجمعة المقدم ذكره، كان يوم النوروز - وهو أول توت من الشهور القبطية، وأول سنة ثمان وعشرين وتسعمائة خراجية - وكان النيل يومئذ في عشرين أصبعا من ثمانية عشر ذراعا، وكان سائر المغل في غاية الرخص بعد ما كان السعر قد انشحط لما توقف النيل عن الزيادة كما تقدم.
ومن الحوادث الشنيعة أن والي القاهرة شنق في يوم واحد أربعة عشر إنسانا، وخوزق منهم جماعة، وعلقهم في أماكن متفرقة، وكان أكثرهم حرامية وزغلية ومن عليه دم، فأخرهم الوالي في السجن إلى آخر شهر رمضان، وأتلفهم في يوم واحد.
وفي ليلة السبت خامس عشره خسف جرم القمر خسوفا كاملا حتى أظلم الجو وصار القمر كالفحمة السوداء، فأقام في ذلك الخسوف نحو خمسين درجة، وكان ذلك نصف الليل.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره، خرج المحمل من القاهرة في تجمل عظيم، وكان يوما مشهودا، وكان أمير ركب المحمل الشريف الأمير جانم السيفي دولات باي الأتابكي، وهذه ثالث سفرة إلى الحجاز سافرها الأمير جانم كاشف لفيوم، فشق من القاهرة في موكب حافل وطلب طلبا كأطلاب الأمراء المقدمي الألوف، وكان في موكبه ست عجلات، وفي كل عجلة مكحلة نحاس برسم المدافع، فإن درب الحجاز كان في غاية الاضطراب بسبب فساد العربان، ولم يركب قدام المحمل أحد من القضاة الأربعة غير قاضي المحمل شمس الدين محمد بن النقيب.
وأشيع أن كسوة الكعبة الشريفة أرسلها ملك الأمراء من البحر المالح، وسبب ذلك فساد العربان. وكذلك المال أرسله السلطان سليمان بن عثمان إلى مكة والمدينة النبوية لأجل الصدقة على مجاوري الحرمين الشريفين صحبة قاضي العسكر لما توجه من البحر المالح خوفا من العربان واضطراب درب الحجاز في هذه الأيام المشطة.
وفي يوم الاثنين رابع عشرية، حضر قاصد من البحر، وأخبر أن السلطان سليمان بن عثمان في المحاصرة مع الفرنج الروادسة، وأحضر كتابا من عند الأمير جان الحمزاوي، يذكر فيه أن العسكر في انشحات زائد من الغلاء بسبب القمح والدقيق، وقد عزت الأقوات هناك، فلما بلغ ملك الأمراء ذلك، نزل إلى الشون التي بمصر العتيقة، وأخرج ثلاثين ألف أردب وخمسمائة حمل دقيق، فاستمر ينزل إلى الشون بسبب ذلك أربعة أيام متوالية، حتى جهز في المراكب ثلاثين ألف أردب قمح، وخمسمائة حمل دقيق، وخمسمائة أردب أرز، وقيل: مثلها حمص وبسلة، وقيل: أرسل مع ذلك أشياء كثيرة من البصل وغير ذلك مما استحسنه، فجهز ذلك بسرعة، وأرسله من البحر إلى السلطان والعسكر الذين هناك.
*****
стр. 1722
وفي شهر ذي القعدة، وكان مستهله يوم الاثنين، وكان القضاة الأربعة منفصلين عن القضاء كما تقدم، فلم يطلع منهم أحد للتهنئة بالشهر في ذلك اليوم.
وفي يوم الثلاثاء ثانية عزل الأمير جان بك من كشف الشرقية، واستقر بالأمير إينال السيفي طراباي.
وفي يوم الاثنين ثامنه توفيت أصيل القلعية، وكانت من أعيان مغاني البلد، وكان لها إنشاد لطيف، وكانت بارعة في غناء الخفائف التي هي من فرح الزمان، ورأت من الأعيان وأرباب الدولة غاية الحظ والإحسان لها.
وفيه نودي في القاهرة بإبطال الفضة العتيقة من المعاملة قاطبة، وأن الفضة الجديدة تصرف كل نصف بنصفين وربع، فازداد وقوف الحال على الناس ثانيا بإبطال الفضة العتيقة من المعاملة، والفلوس الجدد كانت كل اثنين بدرهم، فنادوا عليها كل واحد بدرهم، فازداد الحال وقوفا ثالثا.
وفيه أشيع أن ملك الأمراء خاير بك قد مرض ولزم الفراش وتزايد به المراض من يومه وانقطع عن المحاكمات. فلما قوى عليه المرض صار يتصدق على الأطفال الذين بمكاتب القاهرة قاطبة لكل صغير نصف فضة كبير، بنصفين وربع، وصار أحد الخازندارية وابن الظريف المقري يدفع لكل صغير النصف في يده، ويعطي الفقيه خمسة أنصاف كبار، والعريف ثلاثة أنصاف كبار، ويقولون لهم اقرءوا الفاتحة وادعو بالشفاء والعافية لملك الأمراء.
وقد تكاثرت الأقوال بأن به ثلاثة أمراض، منها فرخة جمرة طلعت له في مشعره، ومنها حدار انصب له في جميع أعضائه، وهو من أنواع الفالج، ومنها كتم البول قصارت الحكماء تبيت عنده في كل ليلة وقد أعياهم أمره في هذا العارض الذي به، وقيل: إنه مشغول من حين نزل إلى الشون.
وفي هذا الشهر ثبت النيل المبارك على إحدى وعشرين إصبعا من تسعة عشر ذراعا، وكان نيلا متوسطا، وكان في العام الماضي عشرين ذراعا إلا أصبعا واحدة.
وفي يوم الثلاثاء تاسعة، أفرج ملك الأمراء عن القاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك، وأفرج عن القاضي شرف الدين بن عوض، وألبسهما قفطانين حرير مذهب، وأركبهما فرسين من الإسطبل السلطاني، ونزلا من القلعة في موكب حافل وشقا من القاهرة، وكان ذلك اليوم مشهودا، فتخلقت عيالهما بالزعفران، فإنهما خلصا من فم الموت، وقمد قاسيا شدائد ومحنا وضربا وبهدلة، وسجنا في العرقانة، وقد أقاما في هذه الشدة نحو أربعة أشهر، وقسا قلب ملك الأمراء عليهما. وقد قال في ذلك الناصري محمد بن قانصوه:
стр. 1723
بالشرفي المقر أصحي … ديوان ذا الملك في انضباط
لا زال فيه إلى المعالي … بالسعد يرقى بلا انهباط
فلما نزل القاضي شرف الدين الصغير إلى بيته لم يقم به إلا ساعة يسيرة ثم ركب وتوجه إلى تربة الإمام الشافعي ﵁، فزاره ثم طلع إلى القلعة ثانيا هو والقاضي بركات بن موسى المحتسب، فاجتمعا على ملك الأمراء وتكلما معه على المقر الشهابي أحمد بن الجيعان، فإن ملك الأمراء توقف في الإفراج عنه، وقد عول على شنقه على باب زويلة، فنجاه الله تعالى من كيده، ولولا اشتغال ملك الأمراء بنفسه لكان شنق الشهابي أحمد بن الجيعان لا محالة.
فلما تكلم القاضي شرف الدين الصغير، والقاضي بركات المحتسب، وقيل ساعدهما خير الدين نائب القلعة، في أمر الشهابي أحمد بن الجيعان، رسم ملك الأمراء بالإفراج عنه بعد جهد كبير، وكان ملك الأمراء على خطر، وبانت عليه لوائح الموت.
فلما أفرج عنه ألبسه قفطان حرير، وأركبه على فرس من الإصطبل السلطاني، ونزل من القلعة، وشق من القاهرة فرجت له، وانطلقت له النساء من الطيقان بالزغاريت، وارتفعت له الأصوات من الناس بالدعاء. فإن الشهابي أحمد كان محببا للناس فشق من القاهرة بعد العصر، فكان له موكب حافل، وكان ذلك اليوم مشهودا، فتوجه إلى منزله بعد ما قاسى شدائد ومحنا، وأوعد بالشنق من ملك الأمراء، فكفاه الله تعالى شره. وفيه يقول الأديب ناصر الدين محمد بن قانصوه:
الحمد لله بكم عيننا … قرت بفرحة لنا في السرور
لما خلصتم ونزلتم إلى … منازل العز وزال الشرور
وفي يوم الخميس حادي عشرة، أشيع بين الناس أن ملك الأمراء بطلت شقته، وعجز عن القيام، وتزايد به ألم الفرخة الجمر، واشتد عليه مخرج البول والغائط من الورم من تلك الجمرة، وهذا العارض بعينه قد وقع للخنكار سليم شاه ابن عثمان ومات به.
ثم إن قضاة القضاة الأربعة ركبوا وطلعوا إلى ملك الأمراء وعادوا وسلموا عليه، فلم يع لهم، ولم يلتفت إليهم، فقرءوا له الفاتحة ونزلوا إلى منازلهم.
стр. 1724
فلما تزايد الأمر بملك الأمراء أعتق جميع جواريه وعبيده ومماليكه، ثم أنه دفع للقاضي بركات بن موسى المحتسب ألف دينار فضة، ورسم بعشرة آلاف اردب قمح من الشونة، ورسم للمحتسب بأن يفرق ذلك كله على مجاوري الجامع الأزهر، والمزارات والزوايا التيب بالقرافتين قاطبة ومجاوري مقام الإمام الشافعي والإمام الليث ﵄، ويفرق باقي ذلك على الفقراء والمساكين ومن عليه دين، ففرق ذلك كما رسم له ملك الأمراء.
ثم إنه رسم بإخراج مراسيم للقاضي شرف الدين ابن عوض بأن يفرج عن أصحاب الزرق الأحباسية التي كان أدخلها إلى الديوان السلطاني، وكان قدرها نحو أل وثمانمائة رزقة، فأفرج عنها لأصحابها، وأعاد مكاتيب الرزق الجيشية التي كان أخرجها المفتش يوسف بن الجاكية إلى أصحابها، ثم صار يقول للمباشرين الذين شوش عليهم: حاللوني وأبرئوا ذمتي. فحاللوه غصبا.
وفي يوم الجمعة ثاني عشره رسم بإطلاق المحابيس رجالا ونساء، فتوجه القاضي شرف الدين الصغير والقاضي المحتسب إلى بيت الوالي، وعرضوا من في سجن الديلم والرحبة، فطلعوا بالمحابيس في زناجير مشاة وتوجهوا بهم إلى بيت الوالي، فلما عرضهم هناك، صار القاضي شرف الدين الصغير والقاضي المحتسب يصالحون أصحاب الديون الذين عليهم من أربعين أشرفيا ونازل، فيقولون لأصحاب الديون اتركوا لأجل ملك الأمراء الباقي. فصالحوا أرباب الديون بقدر يسير، وفعلوا ذلك بجماعة كثيرة من أرباب الديون، وفيهم جماعة من أعيان الناس.
وأطلقوا جماعة كثيرة من الضمان، وجماعة من الفلاحين، فقيل: أطلقوا من سجن الرحبة أربعين إنسانا، وأطلقوا من سجن الديلم دون ذلك، ولم يتركوا بالسجنين غير الحرامية، ومن عليه دم.
ولم ير الناس في أيام ملك الأمراء خاير بك أحسن من هذه الأيام، فإنه جاد مع الناس وبر الفقراء والمساكين، ولم يعرف الله إلا وهو تحت الحمل، فلم يفده من ذلك شيء، ويأبى الله إلا ما أراد.
ويقرب من هذه الواقعة ما وقع للأشراف الغوري لما حصل له عارض في عينيه، فجاد على الناس إلى الغاية، وأفرج عمن بالسجون، وعن جماعة من المباشرين ممن كان في الترسيم بمال له صورة، وكانت تلك الأيام خيار دولته على الإطلاق.
ويقرب من ذلك ما وقع للأشرف قايتباي لما وقع عن الفرس وانكسر فخذه، وأقام منقطعا في القاعة التي بجوار الدهيشة، وجلس على سرير مقور، وصارت الناس تدخل
стр. 1725
عليه وتسلم عليه، فجاد على الناس، وأفرج عن جماعة كثيرة من المباشرين كانوا في السجن، وتصدق بمال له صورة على الفقارء والمساكين، وفعل أشياء كثيرة من أنواع البر والصدقات، وكانت تلك الأيام خيار دولته.
وغالب هؤلاء الملوك ما يعرفون الله إلا وهم تحت الحمل، إذا جرت عليهم مصيبة يجودون في حق الناس، ويفعلون الخير.
وفي يوم السبت ثالث عشره، أشيع أن ملك الأمراء قد نزل به النزع، وأنه أرسل خلف الأمير سنان بك العثماني، فلما طلع إليه وجده في حال التلف، فدفع إليه خاتم الملك الذي كان السلطان سليم شاه أعطاه له.
ثم أنه قال على قدر الأموال التي في الخزائن، وقال الأموال ستمائة ألف دينار ذهب عين، هذا خارج عما كا في بيت المال من المال، وخلف من الخيول والجمال والبغال والحمير ما لا ينحصر، ومن الغلال والأغنام والأبقار أشياء كثيرة. ومع وجود هذه الأموال التي تركها كان يكسر جوامك المماليك الجراكسة ستة أشهر لم يعطهم شيئا، ويشتكي أن بيت المال مشحوت من المال.
وكان أصل ملك الأمراء من مماليك الأشرف قايتباي، وهو جركسي الجنس أباظا، وكان أبوه اسمه بلباي الجركسي، ولهذا كان يدعى خاير بك بلباي، وينسب إلى الأشرف قايتباي.
ومات أيضا أخوه خضر بك، وأما أخوه جان بلاط فإنه بقي مقدم ألف ومات في دولة الملك الناصر محمد بن قايتباي، مات بالطاعون. وأما أخوه قانصوه فإنه كان يعرف بقانصوه لمحمدي، فارتقى حتى تولى نيابة الشام، ومات في دولة الأشرف الغوري.
وأما خاير بك فإنه أقام بالطبقة وصار من جملة المماليك السلطانية، فأخرج له السلطان خيلا وقماشا وصار من جملة المماليك الجمدارية، ثم بقي خاصكيا دوادار سكين، ثم بقي أمير عشرة في سنة إحدى وتسعمائة في دولة الملك الناصر محمد بن الأشرف قايتباي، ثم بقي أمير طلبخانات في دولته أيضا، وأرسله قاصدا إلى الخنكار أبي يزيد بن عثمان ملك الروم في سنة ثلاث وتسعمائة، ثم بقي مقدم ألف في دولة الأشرف جان بلاط، وخرج صحبة العسكر إلى الشام. فلما حضر العادل إلى مصر أرسل بالإفراج عنه، فلما حضر أنعم عليه بتقدمة ألف كما كان. فلما تسلطن الأشرف الغوري، جعله حاجب الحجاب، واستمر على ذلك حتى توفي أخوه قانصوه المحمدي نائب الشام، فنقل السلطان الأمير برسباي من نيابة حلب إلى الشام عوضا عن قانصوه برج، وخلع على الأمير خاير بك وقرره في نيابة حلب عوضا عن برسباي، وذلك في سنة عشر وتسعمائة، واستمر على
стр. 1726
ذلك حتى تحرك الخنكار سليم شاه بن عثمان على السلطان الغوري وانكسر، وكان خاير بك سببا لكسرة الغوري.
فلما ملك سليم شاه الديار المصرية ورجى منه ما جرى، وأراد التوجه إلى بلاده، خلع على يونس باشا وقرره نائبا على مصر، ثم بدا له أن يقرر خاير بك نائب حلب على نيابة مصر عوضا عن يونس باشا، فخلع عليه في يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ودفع إليه خاتم الملك، فاستمر على نيابته بمصر إلى أن مات في يوم الأحد رابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، فكانت مدة نيابته بمصر خمس سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما، بما فيها من مدة انقطاعه عن المحاكمات، وتوعك جسده.
وأما ما عد من مساويه، فإنه كان جبارا عنيدا سفاكا للدماء. قتل في مدة ولايته ما لا يحصى من الخلائق، وشنق رجلا على عود خيار شنبر أخذه من جنينته، وشنق من الناس ووسط وخوزق جماعة كثيرة، واقترح لهم أشياء في عذابهم، فكان يخوزقهم من أضلاعهم، ويسميه شك الباذنجان، فقتل بمصر وحلب فوق العشرة آلاف رجل، وغالبهم راح ظلما.
ومنها أنه أتلف معاملة الديار المصرية من الذهب والفضة والفلوس الجدد، وسلط إبراهيم اليهودي معلم دار الضرب على أخذ أموال المسلمين.
ومنها أنه قرب شخصا من النصارى يقال له: يونس، وجعله متحدثا على الدواوين، وصار المسلمون يقفون في خدمته ويخضعون له.
ومنها أنه كان يكره الفقهاء وطلبة العلم والعلماء وعزل القضاة الأربعة ونوابهم قاطبة، ومنع الشهود أن يجلسوا في الحوانيت ويتقاضوا أشغال الناس.
ومنها أنه كان يكره المماليك الجراكسة ويعوق جوامكهم ستة أشهر، ثم يصرف لهم شهرين بألف جهد.
ومنها أنه شوش على جماعة من أعيان المباشرين وضربهم وبهدلهم وعوقهم في الترسيم نحو خمسة أشهر، ولا سيما ما جرى على الشهابي أحمد بن الجيعان، فإنه سلب نعمته، وأخذ منه فوق السبعين ألف دينار، حتى باع جميع أملاكه وقماشه ورزقه، وبقي على الأرض.
ومنها أنه ندب يوسف بن أبي الفرج وقرره في وظيفة يقال لها: مفتش الرزق الجيشية، فحصل للناس منه غاية الضرر الشامل.
стр. 1727
ومنها أنه أرسل فخر الدين بن عوض إلى بلاد الصعيد، ومسح الرزق الأحباسية، وأدخلها في الديوان ولم يفرج عنها، وحصل للناس بسبب ذلك غاية الضرر، فقيل: إنه أخرج ألفا وثمانمائة رزقة، منها ما كان على الزوايا والمساجد والترب وغير ذلك.
ومنها أنه كان سببا لخراب الديار المصرية ودخول سليم شاه إلى مصر، وحسن له عبارة أخذ مصر، وضمن له أخذها من غير مانع، وعرفه كيف يصنع حتى ملكها، وجرى منه ما جرى، وقتل الأمراء والمماليك الجراكسة، وشنق السلطان طومان باي على باب زويلة، وكل ذلك بترتيبه ودوليته.
وكان كثير الحيل والخداع والمكر، وكان من دهاة العالم لا يعلم له حال. ولو ذكرت مساويه كلها لطال الشرح في ذلك، وقد قلت فيه هذه الأبيات عن لسانه:
أصبحت بقاع حفرة مرتهنا … لا أملك من دنياي إلا كفنا
يا من وسعت عباده رحمته … من بعض عبيدك المسئين أنا
فلما تحقق الناس موت ملك الأمراء ارتجت القاهرة، وأشيع أن التركمان ينهبون الأسواق، فانتقل مكان الجسر من بركة الرطلي على لمح البصر ووزع الناس أمتعتهم في الحواصل.
ثم طلع الأمير سنان بك إلى القلعة، وحضر الأمير خير الدين بك نائب القلعة، والأمير خضر بك، والكواخي أغوات الانكشارية، فلما اجتمعوا ضربوا مشورة في أمر المملكة، وما يكون من أمر العثمانية، فالتزم الأمير خير الدين نائب القلعة والكواخي بأمر الانكشارية، والتزم الأمير سنان بك والأمير خضر بك بأمر الأصباهية وغير ذلك من الكملية، ثم حضر الأمير أرزمك الناشف، فألزموه بأمر المماليك الجراكسة وما يحصل منهم.
ثم ختم نائب القلعة والأمير سنان بك على الحواصل التي بالقلعة.
ثم أن الوالي والقاضي بركات المحتسب نزلا من القلعة وناديا في القاهرة بالأمان والاطمئنان والبيع والشراء، وأن لا أحد يغلق له بابا ولا دكانا، والدعاء للسلطان سليمان بالنصر، فارتفعت له الأصوات من الناس بالدعاء قاطبة، فكرروا هذه المناداة يوم الأحد ويوم الاثنين.
стр. 1728
وكان عند العثمانية عادة إذا مات صاحب المدينة ينهبون المدينة عن آخرها، فمنعهم الأمراء التركمان من ذلك، وقالوا لهم: متى نهبتم المدينة تقتلكم عوام مصر، ويحصل بينهم وبينكم فتنة عظيمة، وتخرب مصر عن آخرها، فسكن الاضطراب قليلا.
ثم في يوم الاثنين، لما دفن خاير بك، تحول الأمير سنان، وطلع إلى القلعة من يومه، وسكن بها، فوقع بين الأمير سنان والأمير خضر تشاجر بسبب النيابة، فأظهر الأمير سنان مرسوما وعليه علامة السلطان سليمان، بأنه إذا توفي ملك الأمراء خاير بك يكون عوضا عنه في نيابة مصر، فوقع الاتفاق بينهما بأن يستقر بالقلعة، ويكاتب السلطان بموت خاير بك، وينتظر الجواب بما تقتضيه الآراء الشريفة في ذلك.
ثم أن الأمير سنان عرض ما في بيت المال من المال، فوجد خاير بك خلف من المال على ما قيل: ستمائة ألف دينار، خارجا عما كان في بيت المال.
ثم أن الأمير سنان بك خلع على القاضي شرف الدين الصغير واستقر به متحدثا على جهات الغربية وخلع على الشهابي أحمد بن الجيعان، وشرف الدين بن عوض، وجعلهما متحدثين على جهات الشرقية، فامتنع الشهابي أحمد كل الامتناع من البس القفطان وقال:
أنا أصبحت رجلا فقيرا لا أملك من الدنيا شيئا، وأنا ما بقيت أباشر شيئا فأرسلوني إلى إسطنبول أو إلى مكة المشرفة. ورد على الأمير سنان ذلك القفطان.
وخلع على القاضي بركات المحتسب، وجعله متحدثا على جميع جهات الشرقية من دمياط إلى المطرية على عادته. وخلع على محيي الدين بن أبي أصبع، وجعله متحدثا على ديوان الوزارة وديوان الخاص على عادته كما كان.
وفي ذلك اليوم نزل حريم خاير بك من القلعة على وجوههن وهن في غاية الذل.
وفي يوم الأربعاء سابع عشره رسم الأمير سنان بتوسيط شخص من الأصباهية فوسطه في الرميلة. وسبب ذلك أنه خطف خرقة جوخ ثمنها مائة وعشرون دينارا، فطلع صاحب الجوخة إلى الأمير سنان وشكا له ذلك الشخص الأصباهي، فقال له الأمير سنان:
ألك عليه بينة بأنه خطف منك الخرقة الجوخ؟ فقال له: نعم، وأحضر له من شهد عليه بذلك، فأرسل خلف الأصباهي وسأله عن ذلك فاعترف، وأحضر الخرقة الجوخ، وأعادها إلى صاحبها، ومضى بها. ثم أنه رسم بتوسيط الأصباهي فوسطوه في الرميلة عند باب الميدان، وهذا أول حكم الأمير سنان في القتل.
ثم أن الأمير سنان رسم بأن يعين جماعة من الانكشارية في بيت المحتسب يضبطون ما يتحصل من أموال الحسبة في كل يوم، وجعل مثل ذلك في بيت الوالي، وبيت محيي الدين بن أبي أصبع لكونه متحدثا في ديوان الوزارة والخاص، وجعل مثل ذلك في ديوان
стр. 1729
الوزراء، يضبطون ما يتحصل في كل يوم، وجعل مثل ذلك على المكاسة الذين في بولاق ومصر العتيقة، وغير ذلك من القباض.
وفي يوم الخميس ثامن عشره، سافر الأمير أينال السيفي طراباي الذي ولي كشف الشرقية إلى محل ولايته بها.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره، حضر شخص من مماليك الأمير قايتباي الدوادار في بعض أشغال أستاذه وعلى يده كتب، فكان من مضمونها أن السلطان سليمان نازل على رودس، وأنه بباب رودس يحاصرها أشد المحاصرة، وقد قتل من العسكر العثماني ما لا يحصى من البندق الرصاص ومن المدافع التي عمالة نازلة في كل يوم من قلعة رودس، وكلما هدم من سورها شيئا تبنيه الفرنج تحت الليل بالحجر الفص، وقد أعياهم أمر الفرنج وقوة بأسهم، وقد كتم موت من مات من الأمراء الجراكسة والمماليك.
وفي يوم السبت عشريه، رسم الأمير سنان لمماليك ملك الأمراء خاير بك أن ينزلوا من الطباق التي بالقلعة، فشق ذلك عليهم، فلما نزلوا من الطباق طلع إليها جماعة من الأصباهية ممن هم من جماعة الأمير سنان، والانكشارية من عصبة خير الدين نائب القلعة.
ثم أشيع أنه وقع بين الأمير سنان والأمير خضر العثماني تشاجر بسبب النيابة، فوقع الاتفاق على ما يرد من جواب السلطان على ذلك.
وفيه أشيع أن الأمير اينال السيفي، الذي استقر كاشف الشرقية، تحول عنها إلى كشف الغربية، وأعيد الأمير جان بك إلى كشف الشرقية كما كان أولا.
*****
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الثلاثاء، فكان المتحدث على الديار المصرية يومئذ الأمير سنان بك العثماني، نائبا على مصر عوضا عن خاير بك بحكم وفاته، وكان قضاة القضاة منفصلين عن القضاء كما تقدم، فلم يطلع إلى التهنئة بالشهر أحد.
وفي يوم السبت خامسه، توفي الشيخ أمين الدين بن النجار خطيب جامع العمري، وكان دينا خيرا من أهل العلم والدين، من أعيان الشافعية.
وفي عقيب موته توفي القاضي جلال الدين بن محمد بن بدر الدين بن محمد بن كميل أحد نواب الشافعية، وكان عالما فاضلا، وله نظم جيد، وكان من أعيان الشافعية.
стр. 1730
وفي يوم الخميس عشره، كان عيد النحر، فصنع الأمير سنان مدة حافلة بالقلعة لأجل الإصباهية والإنكشارية والكملية، فتناهبوا تلك المدة على لمح البصر، وقد ذاق الأمير سنان طعم المملكة، ودخلت حلاوتها في أسنانه.
وفي يوم الخميس سابع عشرة، نادى الأمير سنان بعد العصر في القاهرة بأن السلطان سليمان استقر بالوزير الأعظم مصطفى باشا نائبا على مصر عوضا عن خاير بك بحكم وفاته. وقد وصل ذلك النائب إلى الإسكندرية، ثم نادى في ذلك اليوم للناس بالأمان والاطمئنان، والبيع والشراء وأن لا أحد يكثر كلاما فيما لا يعنيه.
فلما تحقق الناس ذلك، خرج المباشرون وأعيان الناس إلى ملاقاة ذلك النائب، وأشيع أن الأمير جانم الحمزاوي قادم صحبة النائب، وأنه قد وصل إلى قليوب، فخرج غالب العسكر العثماني إلى ملاقاته.
فلما كان يوم الأربعاء ثالث عشري ذي الحجة وصل الوزير الأعظم مصطفى باشا إلى ساحل بولاق. فلما أشيع ذلك نزل الأمير سنان من القلعة، والأمير خير الدين نائب القلعة، وأتى إليهم الأمير خضر العثماني، وأتى إليهم الكواخي أغوات الإنكشارية، وأتى الأمير أرزمك الناشف أغات المماليك الجراكسة، وسائر الإصباهية والإنكشارية والكملية قاطبة، وتوجهوا إلى بولاق لأجل ملاقاة النائب مصطفى باشا.
فلما وصلوا إلى بولاق، أحصروا للنائب فرسا من الخيول الخاص، وليس خلعة السلطان، وهي بتماسيح على أحمر، وأحضروا لجماعته نحو أربعمائة فرس، فركب النائب من هناك هو وجماعته، ومشت الإنكشارية قدامه والكملية قاطبة يرمون بالنفوط، وركب جميع الإصباهية وأمراؤهم، وجميع الأمراء الجراكسة وأتباعهم، وأعيان الناس قاطبة.
فدخل من باب البحر واستمر إلى باب القنطرة، فشق من سوق مرجوش، ثم شق من القاهرة في موكب حافل مثل موكب ملك الأمراء خاير بك، وكان الأمير سنان عن يمينه، والأمير جانم الحمزاوي عن يساره وعليه خلعة بتماسيح ذهب، والأمير خير الدين نائب القلعة، والأمير خضر قدامه، وعلى رأسه صنجق بقمع فضة، ومن ورائه طبلان وزمران عثمانية، وخلفه جماعة بطراطير خمر بغصائب ذهب.
فلما شق من القاهرة ارتفعت له الأصوات من الناس بالدعاء، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وكان ذلك اليوم مشهودا.
وكانت صفته أنه أبيض اللون، عربي الوجه حليق اللحية، ليس له غير شاربين أصفرين، معتدل القامة، وعليه حشمة وخفر، وقيل هذا أعظم وزراء ابن
стр. 1731
عثمان، حتى أطلق عليه أنه وزير الوزراء. واستمر في موكب حافل حتى شق من الرميلة، ودخل إلى الميدان، ثم صعد إلى القلعة. وفيه يقول الناصري محمد بن قانصوه بن صادق:
لا تحزني مصر على … موت الأمير خير بك
بل افرحي بمصطفى … ستنظريه خير بك
فلما قدم النائب مصطفى باشا إلى مصر، أشيع أن الأخبار وردت على السلطان سليمان بوفاة ملك الأمراء خاير بك وهو على رودس في يوم الخميس ثالث ذي الحجة.
فلما تيقن موته خلع على وزيره الأعظم مصطفى باشا وقرره في نيابة مصر عوضا عن خاير بك بحكم وفاته، فاستقر في النيابة يوم السبت خامس ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، وكانت ولايته في الخامس وهو يوم نحس مستمر.
وكان السلطان علي ردوس، فكانت مدة ولايته من حين ولي برودس، إلى أن دخل إلى ثغر الإسكندرية، تسعة عشر يوما، وكانت مدة سفره في البحر أربعة أيام، ودخل إلى شاطيء بولاق يوم الأربعاء ثالث عشري ذي الحجة، فتكون مدة ولايته من حين ولي برودس إلى أن دخل إلى الديار المصرية ثلاثة وعشرين يوما.
فلما طلع النائب مصطفى باشا إلى القلعة يوم الأربعاء مد له الأمير سنان هناك مدة حافلة بالقلعة، ثم مد له بساط الأنس وسلمه مفاتيح بيت المال، ودفع له خاتم الملك الذي كان السلطان سليم شاه أعطاه الملك الأمراء.
ثم تحول الأمير سنان، ونزل إلى منزله بدرب ابن البابا، فكانت مدة نيابته بالقاهرة إلى أن حضر مصطفى باشا ثمانية وثلاثين يوما، كأنها أضغاث أحلام.
وفي يوم الخميس رابع عشريه، نزل النائب مصطفى باشا إلى الميدان، وحضر الأمير سنان، والأمير خضر، والأمير خير الدين نائب القلعة، وحضرت الأغوات المتعلقة بالإنكشارية، وقرئ عليهم مرسوم السلطان الذي حضر على يد مصطفى باشا، فكانت براعة استهلال ذلك المرسوم: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما". ثم نعت النائب مصطفى باشا بنعوت عظيمة، بأنه وزير الوزراء، وأمير الأمراء، وما أشبه ذلك من النعوت الحسنة.
стр. 1732
ثم رسم له بأن يعطي في كل سنة من خراج أراضي مصر مائة ألف دينار له ولمماليكه وحاشيته.
ومن مضمون ذلك المرسوم أنه لا يصرف لطائفة الإنكشارية والإصباهية أكثر من أربعة أنصاف في كل يوم، فشق عليهم ذلك. وكان ملك الأمراء خاير بك رتب لجماعة من الإصباهية أشرفيين في كل يوم جماعة، وأشرفي كل يوم، وكان في طائفة الإنكشارية من كان له في كل يوم عشرون نصفا، وشيء عشرة أنصاف، وشيء ثمانية، فبطل ذلك جميعه، واستقرت على أربعة أنصاف كل يوم.
ومن مضمون المرسوم، الوصية بالرعية قاطبة، والمماليك الجراكسة، وإصلاح المعاملة، والنظر في أحوال الرعية والمسلمين بما فيه إصلاحهم. وكان من مضمونه أشياء كثيرة يطول شرحها.
وفي ذلك اليوم طلع القضاة الأربعة يسلمون عليه، فوجدوه بالأشرفية التي بالقلعة، فلم يمكنوهم من الدخول إليه حتى شاوروه، فأذن لهم، فدخلوا عليه فوجدوه ملقى على ظهره، فلم يلتفت إليهم، ولا قام لهم، ولم يعدهم من البشر. ثم قال لهم على لسان الترجمان النائب:
"يقول لكم لولا أنه ضعيف لقام لكم". فقرءوا الفاتحة وانصرفوا.
وفي يوم الجمعة خامس عشرية، نزل النائب مصطفى باشا إلى الميدان وجلس به، وعرض موجود ملك الأمراء خاير بك من الجمال والخيول والبغال، فوجد له من ذلك أشياء كثيرة لا تنحصر، ثم طلع إلى الحوش السلطاني وعرض مماليك خاير بك، ثم عرض الحواصل التي فيها الموجودات من قماش ونحاس وصيني وغير ذلك، فوجد له أشياء كثيرة أعظم من موجود الأشرف قايتباي، ووجد له من الذهب العين على ما قيل ستمائة ألف دينار. وقد حاز هذا الموجود العظيم في هذه المدة اليسيرة.
وفي يوم السبت سادس عشرية، نزل مصطفى باشا إلى الميدان وجلس به، وحوله الأمير سنان والأمير خضر والأمير خير الدين نائب القلعة والأمير أرزمك الناشف وجماعة آخرون من الأمراء، فأظهر التعاظم في ذلك اليوم، ومشى على طريقة الخنكار سليم شاه، وصار كواحد منهم.
وكان النائب مصطفى هذا متزوجا بابنة الخنكار سليم شاه، وهي أخت السلطان سليمان، فوقف الوالي قدامه بالعصا، وكذلك نقيب الجيش أيضا، واصطفت قدامه الإنكشارية والإصباهية والكملية وبأيديهم العصى. ثم ترادفت عليه القصص بحوائج الناس، فلم يفهم منها شيئا، وصار الترجمان يقول له معنى ما في القصص بالتركي، وهو كالخشبة.
стр. 1733
ثم رسم بالمناداة في القاهرة بالأمان والاطمئنان، والبيع والشراء، وأن كل من ظلم من بعد ملك الأمراء خاير بك فعليه بالأبواب العالية.
ثم أشيع أنه نادى أن العمال يقبضون الخراج من الفلاحين، النصف الفضة بنصفين، ويقام لهم عند الحساب بنصفين وربع، ففرح الفلاحون بذلك. ثم من بعد ذلك تبين أن هذه الإشاعة ليس لها صحة، وكل شيء على حكمه في المعاملة.
ثم إن النائب قام وطلع إلى القلعة، وهذا أول ديوان في أيامه، وأول محاكماته بين الناس، وأول جلوسه للناس عامة.
وفي يوم الأحد سابع عشرية، أشيع في القاهرة أن القاضي بركات بن موسى قد انفصل عن الحسبة، واستقر بها شخص من العثمانية من أقارب النائب مصطفى يقال له قاسم باشا، فاضطربت القاهرة بسبب ذلك، وشق على الناس عزله.
وفي ذلك اليوم أشيع أن النائب قد أخذ مفاتيح الحواصل كلها جميعا التي في القلعة من البوابين، وسلمها لجماعة من الأروام من حاشيته، وطرد البوابين والغلمان والركابة والبابية، وأبطل الشواش والركبدارية والفراشين وغلمان السلطان قاطبة، حتى بطل الطباخين من المطبخ، وأقام جماعة من الأروام عوضهم، وأبطل المقرئين الذين كانوا يقرءون بالقلعة قاطبة، حتى أبطل من كان بالقلعة من المؤذنين، وجعل لجامع الحوش مؤذنا واحدا، وأبطل جميع نظام القلعة الذي كانت عليه قديما، ومشى على القانون العثماني، وهو أشأم قانون.
ثم إنه شرع في بيع موجودات ملك الأمراء خاير بك، فطلب التجار قاطبة فطلعوا إلى القلعة بسبب المبيع.
وقي يوم الاثنين ثامن عشريه، طلع أعيان المباشرين إلى القلعة، وتوجهوا إلى بيت الدفتردار، فاجتمعوا هناك وشرعوا في أمر تقسيط البلاد، وأشيع أنهم قد أفردوا للنائب مصطفى باشا في كل شهر ثمانية آلاف دينار، ولمماليكه خاصة، ولجماعته وحاشيته ومطبخه وانعاماته، وغير ذلك مما حكم به الزمان الخبيث على الناس.
ثم إن المعلم الحلواني العجمي الذي كان دكانه تجاه المدرسة الناصرية، التي بين القصرين، صار من خواص النائب مصطفى باشا، وصار من المقربين عنده، ويتقاضى حوائجه وحوائج الناس عنده، واجتمعت فيه الكلمة، وصار المرجع إليه في الأمور في تلك الأيام، حتى بقي كمنزلة الدوادار الكبير. فكان كما يقال في المعنى:
ما كنت أحسب أن يمتد بي زمني … حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
стр. 1734
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشريه، قدم مبشر الحاج، وأخبر بالأمن والسلامة، وأن الغلاء وموت الجمال موجود مع الحجاج، ولم يكن لما قالوه من أمر الفتن التي وقعت بمكة صحة، ولله الحمد والشكر على ذلك.
وفي ذلك اليوم، خلع مصطفى باشا على القاضي شرف الدين الصغير، وأقره على ما كان عليه من التحدث على جهات الغربية، وخلع على القاضي فخر الدين بن عوض، وأقره على ما كان عليه من التحدث على جهات الصعيد، وخلع على القاضي بركات بن موسى، والقاضي شرف الدين بن عوض، واستقر بهما في التحدث على جهات الشرقية قاطبة كما كانا في الأول، فنزلوا من القلعة، وشقوا من القاهرة في موكب حافل.
ثم أشيع أن القاضي بركات بن موسى لم يعد إلى الحسبة، فتشوش الناس لذلك.
وفي يوم الأربعاء سلخ الشهر، ترشح أمر القاضي بركات بن موسى المحتسب لعوده إلى الحسبة، وقيل إنه رتب لذلك الشخص العثماني أشرفيين كل يوم، فنادى في القاهرة بعد العصر حسبما رسم الزيني بركات بن موسى كل شيء على حاله، وأن السوقة والمتسببين يحضرون باكر النهار إلى بيت القاضي بركات بن موسى ناظر الحسبة الشريفة، وناظر الذخيرة الشريفة، فهو على حاله في الحسبة، ففرح غالب الناس بذلك.
*****
انتهى ما أوردناه في هذا التاريخ من الأخبار العجيبة، والوقائع الغريبة، وقد اشتمل على أخبار سبع دول كانت بالديار المصرية وقد تقدم ذكرها من الأول إلى هنا. وقد وقع لي من المحاسن في هذا التاريخ ما لم يقع لغيري من المؤرخين فيما أوردوه من تواريخهم القديمة، وقد أعان الله تعالى على انتهائه على خير، ولله الحمد والمنة على ذلك وفيه أقول:
اغفر لمنشيه واصفح … عما جنى بالتهامي
أحسنت لي في ابتداء … يا رب أحسن ختامي
وقولي أيضا:
تاريخنا بهجة المجالس … يطرب من لفظه المجالس
سماعه للورى سرور … يشرح صدرا لكل عابس
وغيره أيضا:
ألفته نعم الجلي … س إذا تغيرت البشر
يبقى على سنن الوفا … أبدا ويقنع بالنظر