Полный текст (1 734 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وفيه، في يوم الجمعة ثامنه، عقد للأتابكي جان بلاط على خوند أصل باي الجركسية، أم الملك الناصر، وأخت الملك الظاهر قانصوه، وكان العقد بجامع القلعة وحضر القضاة الأربعة، وكان عقدا حافلا.
وفيه جاءت الأخبار من القدس بوفاة أقباي الطويل، الذي كان نائب غزة، ثم بقي رأس نوبة كبير، وفر مع أقبردي الدوادار لما انكسر، وخرج من مصر وآل أمره إلى أن أقام بالقدس بطالا حتى مات. وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباي، وقيل إنه مات مسموما.
وكان شجاعا بطلا وجرى عليه شدائد ومحن، وقاسى ما لا خير فيه، بسبب صحبته لأقبردي الدوادار، وهو الذي كان سببا لنصرته على قانصوه خمسمائة، في الواقعة بخان يونس، الذي بقرب غزة.
وفيه قرر علي بن طرغل في نيابة عين تاب.
وفيه توفي شمس الدين محمد الفرنوي الذي كان أمام أقبردي الدوادار ثم بقي ناظر الأحباس. وكان يكتب الخط الجيد المنسوب، وقاسى من الشدائد والمحن ما لا يعبر عنه، وعذبه كرتباي الأحمر بأنواع العذاب.
وفيه توفي الشيخ أحمد المجذوب الذي كان يجلس تحت الكوم الذي عند القنطرة الجديدة، وكان من كبار الصالحين.
وفيه خرج الأمير طومان بي الدوادار متوجها إلى الشرقية والغربية، فسرح في البلاد نحوا من عشرين يوما، ثم عاد إلى القاهرة، وقد حاش عدة خيول وجمال وأغنام من العربان.
*****
وفي رجب تزايدت عظمة الملك الظاهر قانصوه، خال الناصر، فجلس على الدكة التي بالحوش ونصب سحابة جديدة صنعها من المخمل المذهب، وبها رنوك زركش، فجاءت غاية في الحسن. فجلس على الدكة والسحابة على رأسه، وطلع القضاة الأربعة للتهنئة بالشهر، وكان موكبا حافلا.
وفي حادي عشر منه تغير خاطر السلطان على القاضي كاتب السر بدر الدين ابن مزهر، فقبض عليه وسجنه بالعرقانة، ثم طلب أخاه كمال الدين محمد، وقرره في كتابة السر عوضا عن أخيه بدر الدين.
وفيه قرر سيباي في نيابة صهيون، عوضا عن قنبك الشيخ بحكم فراره عند ابن عثمان، وخوفه على نفسه من القتل.
стр. 912
وفيه كان دخول خوند أصل باي أم الملك الناصر، على جان بلاط أمير كبير، فنزل جهازها من القلعة في يوم السبت خامس عشرة، وشق من القاهرة، واستمر ينسحب من ضحوة النهار إلى وقت الظهر، وتوجهوا به إلى الأزبكية، فكان عدة الحمالين أربعمائة حمال، والبغال نحوا من مائتي بغل … فرجت له القاهرة، وكان يوما مشهودا. وكان فيه من الأمتعة والتحف ما يعجز عنه الواصفون.
فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشره نزلت خوند أخت السلطان في محفة زركش، وتوجهت إلى الأزبكية ومشى قدامها جماعة من المباشرين منهم كاتب السر كمال الدين بن مزهر، وناظر الجيش عبد القادر بن القصروي، وصلاح الدين بن الجيعان نائب كاتب السر، وآخرون من المباشرين والطواشية، وبعض أمراء عشراوات، وهم بالشاش والقماش، وعدة وافرة من الخاصكية. فلما وصلت إلى باب البيت الكبير الذي بالأزبكية، فرشت لها الشقق الحرير تحت حوافر بغال المحفة، ونثرت على رأسها خفائف الذهب والفضة، وكان يوما مشهودا، ولكن جرى بعد ذلك أمور شتى وأنكاد مترادفة يأتي الكلام عليها في موضعها. كما يقال:
أمور تضحك السفهاء منها … ويبكي من عواقبها اللبيب
وفي شعبان في يوم السبت سادسه جاءت الأخبار من القدس بقتل الأمير تاني بك قرا، وكان مقيما بالقدس كما تقدم ذكر ذلك. وكان من عصبة أقبردي، وفر معه، فلما استقر بالقدس توجهت المراسيم بخنفه فخنق وهو بين أولاده وعياله، وكانوا توجهوا إليه. وكان قتله يوم الأحد ثاني عشرى رجب، ودفن بالقدس. فلما جاءت الأخبار بوفاته تأسف عليه الكثير من الناس. وكان أميرا جليلا رئيسا حشما لين الجانب قليل الأذى، كثير الخير
ومن آثاره السبيل والصهريج الذي أنشأهما برأس سويقة ابن عبد المنعم، تجاه الرميلة، وصرف على ذلك من ماله مالا له صورة. فلما كمل بناء ذلك قدم هذا السبيل والصهريج للسلطان قايتباي، فصار ذلك يعرف بسبيل السلطان. ومن آثاره المسجد اللطيف الذي أنشأه بجوار بيه عند خوخة القردمي، وكان أصله من مماليك الأشرف إينال، ورقى في دولة الأشرف قايتباي، وتولى عدة وظائف، منها تاجر المماليك، والدوادارية الثانية، ثم بقي مقدم ألف، ثم بقي حاجب الحجاب، ثم بقي رأس نوبة كبير، ثم بقي أمير مجلس
ووقع له من الشدائد والمحن ما يطول شرحه. وفاته القتل عدة مرار، وفر مع أقبردي إلى البيرة، وعدى إلى الفرات، وكان موصوفا بالفروسية والشجاعة، ومات وله من العمر زيادة عن ستين سنة والله أعلم. ولما مات رثيته بهذه الأبيات:
стр. 913
من طالع التاريخ يوما أو قرا … يروي صروف الدهر عن تنبك قرا
شاع الحديث بخنقه فلأجل ذا … خنقت بعبرتها الورى مستعبرا
قد خانه ريب الزمان بفعله … والدهر أن يصفو يعود مكدرا
قد كنت أحذر من وقوع حمامه … والآن دمعي كالدماء قد جرى
لهفي عليه من أمير صارم … في يوم حرب للعداة مدمرا
لم يقتلوه فوق ظهر جواده … لكن قاتله تعدى وافترى
يا لهف قلبي قد تجرع فقده … وتجددت أحزانه بين الورى
يا لهف قلبي كم أمير كان في … عز وجاه فانطوى تحت الثرى
قد غادر الأمراء جور زمانهم … فالحكم للرحمن فيما قدرا
يا رب فاجعل قبرهم في روضة … واجعل برحمتك الجنان لهم قرا
وفيه جاءت الأخبار بوفاة الخواجا مصطفى بن محمود بن رستم الرومي، توفي ببلاد ابن عثمان، وكان لا بأس به. وهو الذي جدد عمارة الجامع الأزهر، وصرف في ذلك مالا له صورة من ماله. وكان مشكور السيرة.
وفيه طلع الأتابكي جان بلاط إلى القلعة، وضمن بدر الدين بن مزهر كاتب السر، فإن الأتابكي جان بلاط كان زوج أخت بدر الدين بن مزهر. فلما ضمنه تسلمه من السلطان على مال قرره عليه. فلما استقر عنده هرب تلك الليلة في مكان بالأزبكية فتشوش الأتابكي جان بلاط لذلك. ثم غمزوه على بدر الدين بن مزهر، فقبض عليه عقيب ذلك، وآل أمره إلى كل سوء.
وفيه توفي ابن السلطان الماضي حديث وضعه، وكانت مدة حياته أربعة أشهر وثلاثة عشر يوما، فأظهروا عليه الحزن والأسف، ودفن في تربة أبيه التي أنشأها بالصحراء، فكان كما يقال في المعنى:
بدا وفي حاله توارى … فيا لها طلعة شريفة
جوهرة ما علمت إلا … دموع عيني لها عقيقة
وفيه توفي القاضي شهاب الدين بن الصيرفي، وهو أحمد بن صدقة الإسرائيلي الشافعي، أحد نواب الحكم بالديار المصرية، وكان عالما فاضلا مفننا، من أعيان النواب، وله تصانيف ونظم جيد، ومات وقد قارب السبعين سنة.
وفيه جاءت الأخبار بقتل قراجا نائب سيس، وكان تولى نيابة غزة، وكان موصوفا بالشجاعة.
وفيه توفي الناصري محمد بن أبي يزيد، وكان رئيسا حشما من أعيان الناس.
стр. 914
وفيه عين السلطان نيابة حلب للأمير قرقماس ولي الدين، فلما قرر في نيابة حلب، وأخرج عنه وظيفة رأس نوبة الكبرى، وقرر بها الأمير قانصوه الغوري، ولم يتم أمر قرقماس في نيابته بحلب، وأعيد إلى تقدمة ألد، ووقع بعد ذلك أمور شتى.
*****
وفي رمضان عرض السلطان المحابيس من الرجال والنساء التي بالحجرة وعمل مصالح أرباب الديوان، وصالح عنهم أرباب الحقوق، ووزن عن جماعة من ماله، وأطلق في ذلك اليوم نحوا من مائتي إنسان، وضاع للناس بعض حقوقها ممن كان له دين على من أطلقه من المحابيس. فكان كما يقال في المعنى:
رام نفعا فضر من غير قصد … ومن البر ما يكون عقوقا
وفي يوم الاثنين رابع عشره عين السلطان تجريدة إلى الكرك، بسبب عربان بني لام، وقد تقدم منهم في حق الحجاج غاية الضرر، وكان باش العسكر سنباي نائب سيس أحد المقدمين، وجماعة من الجند، فخرجوا في أثناء ذلك اليوم مسرعين.
وفيه جاءت الأخبار من دمشق بأن قصروه نائب الشام خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان جملة واحدة، وحضر قانصوه بن سلطان جركس، المعروف بابن اللوقا حاجب دمشق، وأخبر أن قصروه نائب الشام صرفه عن الحجوبية، وقصد القبض عليه ففر منه، وأخبره بأن قصروه نائب الشام قد استولى على قلعة الشام، وعلى ما فيها من المال فلما تحقق السلطان ذلك تنكد إلى الغاية، واضطربت أحواله، وأظهر أنه يخرج إلى الشام بنفسه، وشرع في أسباب ذلك ثم نزل إلى الميدان وعرض ما عنده من الهجن، وأمر صلاح الدين بن الجيعان بأن يحضر قوائم مصروف الأشرف برسباي عند توجهه إلى آمد … وكل هذا هيت وتهييت على الأمراء والعسكر. ثم عين قاني بك أحد الدوادارية أن يتوجه لكشف الأخبار عن الحقيقة.
وفيه أفطر السلطان ليلة العيد بالقصر الكبير، واجتمع عنده الأمراء وضربوا مشورة في أمر قصروه فعد فطوره في الإيوان من النوادر.
*****
وفي شوال صادف أن في يوم عيد الفطر قلع السلطان الصوف في ذلك اليوم، ولبس البياض، وخرج إلى صلاة العيد وهو راكب على فرس أبيض قرطاسي بسرج فضة بيضاء من غير طلاء، وعباءة حرير أبيض، وخف أبيض ومهاميز بيض، حتى قلع
стр. 915
الكلفتاه، حتى المشاية التي في رجله كانت برغالي أبيض فعد ذلك من النوادر. وكان لبس البياض فألا عليه، فإنه خلع من السلطنة عقيب ذلك.
وفيه صلى الأمير طومان باي الدوادار الكبير صلاة الجمعة مع السلطان بالقلعة فلما انقضت الصلاة خلع عليه السلطان، ونزل متوجها للوجه القبلي … وكان في تلك الأيام قويت الإشاعات بأن السلطان يقصد القبض على الأمير طومان باي، وكان وقع بينهما في الباطن بسبب قصروه نائب الشام وكان الأمير طومان باي متواطئا مع قصروه على السلطان، وكان طومان باي يقصد التمهيد لنفسه حتى يتسلطن، وقد ظهر مصداق ذلك فيما بعد كما يقال:
بت في قلوب أسود … لا في قلوب رجال
فالكيد للناس لا لل - … - بهائم الجهال
وفيه أشارت الأمراء على السلطان بأن يبعث إلى قصروه قاصدا، وعلى يده مراسيم بأن يكون على نيابة الشام، وأن يسلم قلعة الشام إلى نائبها، ولا يؤاخذه بما فعل، فعين له أقباي الطويل ناظر الجوالي فخرج عن قريب.
وفيه خرج المحمل من القاهرة في تجمل زائد وكان أمير المحمل قانصوه البرجي، وبالأول جان بلاط الموتر المحتسب فلما توجه إلى بركة الحاج استمر المحمل مقيما بالبركة إلى خامس عشرى شوال، حتى عد ذلك من النوادر. وسبب ذلك أن غلمان أمير الركب الأول هرب أكثرهم، وتعطلت أحواله بموجب ذلك.
وفيه جاءت الأخبار بأن قصروه قد استولى على مدينة طرابلس، وقبض على نائبها بلباي المؤيدي وسجنه بقلعة دمشق.
*****
وفي ذى القعدة خلع السلطان على قيت الرحبي، حاجب الحجاب، وقرره في نيابة طرابلس، عوضا عن بلباي المؤيدي، ولم يتم له ذلك فيما بعد.
وفيه خلع السلطان على شخص من خواصه يقال له تمر بن جانم، وقرره في الحسبة عوضا عن جان بلاط الموتر وهو غائب بالحجاز، فلم ينتج أمره هذا، وقبض عليه فيما بعد.
وفيه أنعم السلطان على أنس باي شاد الشراب خاناه، وقرره في تقدمه ألف.
وفيه في ثالث عشره حضر أقباي الطويل الذي توجه إلى قصروه كما تقدم، فعاد الجواب على السلطان بأن قصروه مستمر على العصيان، ولم يدخل تحت الطاعة، فعند
стр. 916
ذلك عرض السلطان العسكر، وعين تجريدة إلى قصروه، وعين بها من الأمراء المقدمين ثمانية، ومن الأمراء الطبلخانات والعشراوات نحوا من ثلاثين أميرا، ومن المماليك السلطانية ألفي مملوك، وأظهر السلطان أنه يخرج إلى الشام عقيب ذلك بنفسه.
وفيه جاءت الأخبار بقتل قاني بك أحد الدوادارية الذي كان توجه إلى قصروه لكشف الأخبار، وكان قد سافر من البحر الملح لموجب فساد الطرقات.
وفيه قويت الإشاعات أن السلطان أرسل بالقبض على الأمير طومان باي الدوادار، وهو بالصعيد. وكانت هذه الإشاعات أكبر الفساد في زوال ملك الظاهر قانصوه. فلما قويت الإشاعات بذلك نادى السلطان في القاهرة بأن أحدا لا يكثر كلاما فيما لا يعنيه، وأن الأمير طومان باي دوادار كبير على عادته. وكان ترك هذه المناداة أصوب، وقد تأكد الأمر بذلك.
وفيه هجم المنسر على سوق الوراقين، وسوق الهرامزة، وكسروا عدة حوانيت، ونهبوا ما فيها وقتلوا ثلاثة من الغفراء، وكان المنسر نحوا من مائة نفر ما بين مشاة وركاب، ومعهم قسى ونشاب، فنهبوا قماشا بنحو عشرة آلاف دينار.
وكانت هذه من الوقائع المهولة.
وفيه كانت وفاة الرئيس نور الدين بن رحاب، المغني الناشد المادح، فريد عصره ووحيد دهره.
وكان من نوادر الزمان ينظم الشعر ويلحن الخفائف بألحان غريبة، وكان آخر مغاني الدكة في الدخول والطرب، ولم يجيء بعده أحد في الدخول مثله، وقد رثيته بعد موته بهذه الأبيات)
توفي نزهة الأسماع طرا … وصار العيش منا في ذهاب
وناحت بعده الآلات حزنا … وأظهرت الصراخ مع انتحاب
وأبدى الدف والماصول زعقا … كمن جاء المآتم في المصاب
وأضحى الناس في قلق ولم لا … وقد ضاق الوجود بلا رحاب
وفي آخره حضر الأمير طومان باي الدوادار، وكان مسافرا إلى جهة الصعيد. فلما حضر إلى الجيزة خرج الأمراء والعسكر قاطبة إلى ملاقاته، فأقام بالجيزة ولم يعد، فتوجه
стр. 917
إليه الأمير طراباي أحد المقدمين، وعلى يده صورة حلف عن لسان السلطان، أنه لا يشوش عليه إذا قابله ولا يقبض عليه. فلما توجه إليه طراباي، لم يثق الأمير طومان باي بذلك الحلف وأظهر العصيان. فرجع الأمير طراباي بجواب غير صالح، وقد تقلب على الظاهر قانصوه، خال الناصر، غالب العسكر. فلما رأى أحواله مضطربة تحقق وقوع فتنة، فأخذ في أسباب تحصين القلعة، ونقل إليها أشياء كثيرة من البقسماط والجبن، وملأ الصهاريج التي بالقلعة، وفرق السلاح على مماليكه، وانتظر ما يكون من الأمير طومان باي. فلما عدت إليه الأمراء قبض على جماعة، منهم الأمير قاني باي الرماح أمير آخور كبير، فلما قبض عليه شكه في الحديد، وقبض على القاضي عبد القادر القصروي ناظر الجيش، وعلى آخرين من الأمراء.
فلما كان يوم الأربعاء، سادس عشرى ذي القعدة، عدى الأمير طومان باي من معادي إمبابة، وطلع من بولاق بمن معه من العسكر، وتوجه إلى الأزبكية بعد العصر، وبات بها. وكان الأتابكي جان بلاط ساكنا هناك. فاجتمع الأمراء عنده، وضربوا مشورة في أمر الظاهر قانصوه، فوقع الاتفاق على خلعه من السلطنة.
فلما كان يوم الخميس، سابع عشريه، لبس العسكر آلة الحرب، وركب الأتابكي جان بلاط، والأمير طومان باي، وبقية الأمراء من الأزبكية وتوجهوا إلى بيت الظاهر تمربغا، والذي عند سوق السلاح بالقبو، فعند ذلك ركبوا وتوجهوا لحصار القلعة، ولم يكن عند الظاهر من الأمراء سوى جان بلاط الأبح نائب القلعة، وبعض أمراء عشراوات، ومن الجند نحو ألف إنسان.
واستمر الحرب ثائرا بين الفريقين ثلاثة أيام وذلك على قلة من عنده من العسكر بالقلعة، وكان الظاهر قانصوه حصن القلعة وسد باب الاصطبل الذي من جهة باب القرافة.
فلما كان يوم الجمعة بعد العصر، ملك الأمير طومان باي باب السلسلة.
فلما كان يوم السبت، تاسع عشريه، انكسر الظاهر قنصوه، وتشتت من كان عنده بالقلعة، فلما رأى عين الغلب دخل الحريم وتزيا بزي النساء، ونزل من القلعة، وتوجه إلى نحو الترب، فاختفى فكان كما يقال:
وقائلة: لم دهتك الهموم … وأمرك ممتثل في الأمم؟
فقلت: ذريني على غصتي … فإن الهموم بقدر الهمم
стр. 918
فلما انكسر الظاهر قانصوه لم يجسر الأمير طومان باي أن يتسلطن، وكان قدامه الأتابكي جان بلاط، فاستمرت القاهرة بلا سلطان يوم السبت ويوم الأحد. وقد أشيع وجود قانصوه خمسمائة الذي تسلطن فنودي في القاهرة "إن كان قانصوه خمسمائة موجودا فليظهر وله الأمان" فلم يكن لهذه الإشاعة صحة. فعند ذلك وقع الخلف بين الأمراء فيمن يلي السلطنة. فذكر تاني بك الجمالي، فلم يرض به العسكر.
ثم ذكر الأتابكي جان بلاط، فلم يرض به العسكر. فتعصب له الأمير طومان باي حتى تسلطن كما سيأتي ذكره في موضعه.
وكانت مدة الظاهر قانصوه في السلطنة سنة وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوما. وكان ملكا هينا لين الجانب قليل الأذى، كثير البر والمعروف، وكان مسلوب الاختيار مع الأمراء مهما يقولوا له يقل: "بخشى"، فسمته العامة "بخشى"، كما سموا الظاهر بلباي "إبش كنت أنا؟ قل له".
وكانت أيام الظاهر قنصوه أصلح حالا من أيام الملك الناصر محمد بن الأشرف قايتباي … وقد انصلحت أحوال البلاد الغربية، ووقع الرخاء في أيامه في سائر البضائع، وانكفت المماليك عما كانوا يعملون من الأذى في أيام الملك الناصر.
وساس الناس في أيامه أحسن سياسة، وخلع والناس عنه راضون … وكانت صفته أبيض اللون يميل إلى الصفرة، نحيف الجسد قصير القامة، أسود الشعر عربي الوجه، مستدير اللحية جميل الهيئة، حسن الشكل في المنظر، جركسى الجنس، قليل الكلام بالعربي، الغالب عليه الجلوبية … تولى الملك وله من العمر دون الثلاثين سنة، وكان وافر العقل ثابت الجنان، مع سكون وعدم رهج.
وأما ما عد من مساويه: فقتله الأمير تاني بك قرا من غير ذنب، أرسل بخنقه وهو بين عياله وأولاده بالقدس. ومنها أنه صادر خوند الخاصبكية زوجة أستاذه الملك الأشرف قايتباي، ووكل بها طواشيته حتى باعت قماشها مثل التركة وأوردت ما قرر عليها من المال. وصادر أختها زوجة أقبردي، ووكل بها بالقلعة، وطالبها بمائة ألف دينار، وزعم أن أقبردي أودع عندها مالا. وصادر أخاها الناصري محمد بن خاص بك، وعرضه للضرب غير ما مرة، وألزمه أن يسافر أمير حاج بالركب الأول من ماله، ولم يعطه شيئا كعادة أمراء الحاج من النفقة، ومنها أنه ظلم جماعة من أعيان المباشرين من رجال ونساء، وأخذ أملاكهم غصبا، وهدمها بسبب البيت الذي أنشأه على بركة الفبل لأجل أخيه قانم. وفعل مثل ذلك بالتربة التي أنشأها بالصحراء، وضيق بها الطريق على المارين هناك، وأعمى ترب الناس التي بجواره، ومنها أنه كان متواطئا مع الأمراء على قتل
стр. 919
الملك الناصر محمد ابن أخته، ولولا تراخيه لما قدروا على قتله. ومنها أنه رسم بشنق بدر الدين بن مزهر، كاتب السر، حتى شفع فيه طومان باي الدوادار. ومنها أنه كان غير عفيف الذيل على ما قيل والله أعلم.
- الملك الأشرف أبو النصر جان بلاط
هو الملك الأشرف أبو النصر جان بلاط بن يشبك الأشرفي، وهو الرابع والأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثامن عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم في العدد وكان أصله جركسي الجنس، اشتراه الأمير يشبك بن مهدي أمير دوادار كبير، وأقام عنده مدة، وحفظ القرآن. ثم إن الأمير يشبك قدمه مع جملة مماليك إلى الأشرف قايتباي رحمه الله تعالى، ثم أخرج له خيلا وقماشا وصار من جملة المماليك الجمدارية، ثم بعد مدة بقي خاصكيا. ثم بقي دوادار سكين، وسافر أمير حاج بالركب الأول وهو خاصكي غير ما مرة، ثم أنعم عليه السلطان بامرية عشرة في سنة أربع وتسعين وثمانمائة، وسافر إلى الحجاز أمير ركب المحمل وهو أمير عشرة، وقرر في نظر الخانقاه، ثم توجه قاصدا إلى ابن عثمان ملك الروم في سنة ست وتسعين وثمانمائة، وكان يومئذ أمير طبلخاناه تاجر المماليك. ثم بقي مقدم ألف في آخر دولة الأشرف قايتباي، ثم بقي دوادارا كبيرا عوضا عن أقبردي في دولة الناصرية، ثم قرر في نيابة حلب وخرج إليها. فلما تولى السلطنة الظاهر قانصوه نقله إلى نيابة الشام عوضا عن كرتباي الأحمر بحكم وفاته، ثم أحضر إلى القاهرة وقرر في الأتابكية عوضا عن الأتابكي أزبك بحكم وفاته. ثم تزوج بخوند أصلباي أم الملك الناصر، واستمر على ذلك حتى وثب طومان باي على الظاهر قانصوه وخلعه من السلطنة وانكسر، فوقع الاتفاق على سلطنته على كره من الأمراء والعسكر.
وكانت صفة مبايعته: أنه لما تسحب الظاهر قانصوه من القلعة، واختفى كما تقدم، أقامت القاهرة يومين بغير سلطان. فلما كان يوم الاثنين ثاني ذي الحجة، صعد الأمراء والعسكر إلى باب السلسلة، واشتوروا فيمن يلي السلطنة، وكانت قصد الأمير طومان باي الذي تسلطن فيما بعد، ولكن كان قدامه جان بلاط، وتاني بك الجمالي أمير مجلس، فلم يجسر أن يتسلطن، وكان العسكر غير راض بجان بلاط، فما وسع طومان باي إلا أنه تعصب له وسلطنه … فأرسل خلف أمير المؤمنين المستمسك بالله يعقوب، والقضاة الأربعة - وهم زين الدين زكريا الشافعي، والبرهان بن الكركي الحنفي، وعبد الغني بن تقي المالكي، والشهاب الشيشيني الحنبلي - فلما تكامل المجلس عملوا صورة محضر
стр. 920
لخلع الظاهر قانصوه، فخلع من السلطنة في الحال. ثم إن الخليفة بايع الأتابكي جان بلاط بالسلطنة، وتلقب بالأشرف، وكنى بأبي النصر، على لقب أستاذه الأشرف قايتباي، فلما تمت بيعته، أحضر إليه شعار الملك، وهو الجبة والعمامة السوداء، فأفيض عليه ذلك الشعار، وقدمت إليه فرس النوبة، فركب من سلم الحراقة الذي بباب السلسلة، ورفعت على رأسه القبة والطير، وركب الخليفة عن يمينه، ومشت الأمراء بين يديه … واستمر في ذلك الموكب حتى طلع من باب سر القصر، وجلس على سرير الملك، وقبل له الأمراء الأرض من كبير وصغير، ثم خلع على الخليفة وألزمه أن ينتقل من يومه ويسكن بالقلعة. ونودي باسمه في القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وكان ملء العيون، كفئا للسلطنة، وافر العقل سديد الرأي.
وفي حالة سلطنته رسم بالإفراج عن الأمير قاني بك الرماح أمير آخور كبير، وكان مشكوكا في الحديد عند الأمير طومان باي الدوادار، وقد قاسى من البهدلة والأنكاد ما لا يعبر عنه. وكذلك الأمير طراباي عنده في الترسيم أيضا. فخلع السلطان على قاني باي الرماح، وأعاده إلى الأمير اخورية الكبرى، وأطلق طراباي وأنس باي شاد الشرب خاناه، وأبقاهما على وظائفهما. ثم أنه عين الأتابكية إلى قصروه نائب الشام، وكان يظن أنه يدخل تحت طاعته، وكان الأمر بخلاف ذلك، وقيل أنه تسلطن في ساعة الشمس.
وفي يوم الثلاثاء ثالثه جلس في شباك الدهيشة، وعرض مماليك الظاهر قانصوه، ومسح منهم جماعة. وفيه، في ذلك اليوم، بعث الأمير طومان باي الدوادار نحوا من ثلثمائة فرس من خيوله الخاصة التي كانت عنده لما حضر من الشام.
وفي يوم الخميس خامسه فرق السلطان الأضحية على الأمراء والجند ومن له عادة. ثم خلع لى بدر الدين بن مزهر وأعاده إلى كتابة السر، وعزل أخاه كمال الدين عنها، وأعيد الشهابي بن ناظر الخاص إلى نظر الجيش، وعزل عبد القادر القصروي وأعاده في الترسيم، وقرر عليه مالا له صورة. وخلع على جلال الدين بن الصابوني وأعاده إلى نظر الخاص. وعزل شهاب الدين بن الرملي عنها وسلمه إلى طراباي على مال قرر عليه.
وفيه خلع السلطان على قيت الرحبي، وأعيد إلى حجوبية الحجاب، وبطل سفره إلى طرابلس نائبا. وخلع على أزبك الناشف، وقرره في نيابة القلعة عوضا عن جان بلاط الأبح، بحكم اختفائه، ثم عين قصروه الصغير بأن يمضي إلى قصروه نائب الشام بالبشارة بسلطنته، وظن أن قصروه يسر بسلطنته، فما ازداد إلا عصيانا، وأرسل إليه بالحضور ليلى الأتابكية، فلم يجب قصروه إلى ذلك، وتمادى على ما هو عليه من العصيان.
стр. 921
وفيه قبض السلطان على تمر قريب السلطان الظاهر قانصوه، الذي كان محتسبا، ووكل به وقرر عليه مالا، وكذلك قبض على تاني بك الخازندار وقرر عليه مالا.
وفيه عين السلطان لدولات باي تقدمة ألف، وكذلك برد بك المحمدي، وكذلك خاير بك أخو قانصوه البرحي.
وفيه قوى الفحص والتفتيش على الظاهر قانصوه، وصار والي الشرطة في كل يوم وليلة يكبس الحارات ويهجم البيوت، وحصل للناس بسبب ذلك الضرر الشامل من الكبس والنهب، فلما طال الأمر قبض السلطان على الطواشي مسك وضربه، فأقر بأن زوجته خوند جان كلدي تعرف طريقه فبعث إليها السلطان الأمير طراباي فسألها عنه، فلم تقر بشيء، فأحضر إليها المعاصير وعصرها في رجليها فلم تقر بشيء فأحضر الوالي وعاقب الجواري، وآخرين من جماعتها فلم يقروا بشيء.
ولما اشتد الأمر بسبب ذلك، حضر شخص من أولاد الناس يقال له محمد بن إينال - وكان ساكنا في سويقة صفية عند الزير المعلق - فأسر للأمير أزدمر، أحد الأمراء المقدمين، أن الظاهر قانصوه عنده في بيته فلما تحقق الأمير أزدمر ذلك، طلع وأعلم السلطان، فأرسل جماعة من الخاصكية مع والي الشرطة إلى ذلك المكان، فقبضوا عليه، وأركبوه على بغل - وعلى رأسه زنط، وعليه كبر أبيض - وأتوا به على بركة الناصرية، وقاسى من البهدلة والأنكاد ما لا يعبر عنه وقيل إنه وقع من فوق البغل في أثناء الطريق وتعترس عليهم، فأركبوه غصبا، وكان القبض عليه في يوم الأحد ثاني شر ذي الحجة وكانت مدة اختفائه أربعة وعشرين يوما، فجرى عليه هذا كله وهو ساكت لا يتكلم، فكان كما يقال:
الصبر أولى بوقار الفتى … من قلق يهتك ستر الوقار
من لازم الصبر على حاله … كان على أيامه بالخيار
واستمر على هذه الحالة حتى أتوا به إلى بيت أزدمر فلما رآه قام له وأدخله إلى البيت فلما كانت ليلة الثلاثاء خامس عشريه رسم السلطان بإخراج الظاهر إلى ثغر الإسكندرية فسجن بها وقيل إن السلطان جان بلاط أنعم عليه بخمسة آلاف دينار لكونه كان صهره زوج أخته وكان المتسفر عليه الأمير أزدمر بن علي باي، فأوصله إلى ثغر الإسكندرية وسجنه بها، وعاد وخمدت فتنة الظاهر كأنها لم تكن.
стр. 922
وفيه قامت المماليك على الأشرف جان بلاط بسبب نفقة البيعة، فلما رأى منهم الجد، أخذ في أسباب جمع الأموال، فأطلق في الناس نار المصادرة، وقبض على جماعة من الأعيان، ووزع على قاضي القضاة مالا له صورة، فشفع الخليفة في قاضي قضاة المالكية عبد الغني بن تقي، فعفى عما قرر عليه لفقره.
وفيه قبض السلطان على الحاج رمضان المهتار، وسلمه إلى طراباي فعاقبه، وعصره واستخلص منه ثلاثين ألف دينار وقد صودر غير ما مرة وهذه آخر مصادراته، فباع جميع ما يملكه حتى بيوته وشوار نسائه، وانكشف حاله جملة واحدة. وكان رئيسا حشما، أقام في مهترته بالطشتخاناه نحوا من ثلاثين سنة، ونال من العز والعظمة في دولة الأشرف قايتباي ما لا رآه غيره من المهاترة.
وفيه اشتد الأمر على الناس بسبب المصادرات، وقاسى أعيان الناس من البهدلة والأنكاد ما لا يعبر عنه. وكان المتكلم في أمر هذه المصادرات بدر الدين بن مزهر كاتب السر، فأظهر النتيجة لصهره الأشرف جان بلاط، وحصل منه للناس غاية الضرر الشامل. وشوش على الكثير منهم. وقد عقب ذلك عليه حتى كان من أمره ما سنذكره.
وعمت هذه المصادرة طائفة اليهود والنصارى وجماعة من أعيان التجار والطواشية، منهم مسك ومحسن ومختص وغيرهم، وكانت حادثة مهولة.
وفيه أنعم السلطان بأمرية عشرة على خاير بك العلائي أحد خواصه، وعلى جانم المحمدي الظاهري خشقدم، وعلى علي باي دوادار خشكلدي البيسقي، وآخرين من الخاصكية.
وفي ليلة الجمعة سابع عشرية وقعت بالقاهرة زلزلة خفيفة بعد العشاء، وأقامت نصف درجة، وقد شاهدوا بعض النجوم في السماء تتناثر.
وفيه نزل السلطان وتوجه نحو الأتربة الأشرف قايتباي، فزار قبره ثم توجه إلى باب النصر، وكشف عن عمارة مدرسته التي أنشأها هناك. ثم دخل من باب النصر وشق المدينة ثم أتى إلى بيت الأشرف قايتباي الذي أنشأه ببركة الفيل، فكشف عن زوجته خوند أم الملك الناصر، وكانت مقيمة هناك فزارها، ثم عاد إلى القلعة.
وقد أعيد الطواشي محسن كما كان، وقد قاسى من الأنكاد ما لا خير فيه.
وفيه كانت وفاة صاحبنا تقي الدين بن محمود أحد أعيان الشهود بالمدرسة الصالحية، وكان رئيسا حشما عشيرا للناس، فكه المحاضرة، لكنه كان ملسنا، كثير التعلق بالناس، لا يفوته أحد من كبير وصغير، وكانت أعيان الناس يخشون من كلامه ولسانه، حتى قضاة القضاة وقد هجاه الأديب زين الدين ابن النحاس بقوله فيه:
стр. 923
قف وقفة وانتظر عند الإمام ترى … جيوش أجفانه بالسود قد كسرت
ومن توقد نيران الحشيش غدت … عيناه ترمي جمارا كلما نفرت
وفي هذه السنة انقطع البلسان من مصر وهو البلسم، وكان من آثار عيسى ابن مريم ﵉، وكانت الفرنج يجيئونه من أقصى البلاد حتى يشتروا من دهن هذا البلسم ويتغالوا في ثمنه. وقد أحضر حب البلسان البري من الحجاز وزرعوه بأرض المطرية، وعالجوه فلم ينبت، وانقطع من مصر بالكلية، كأنه لم يكن قط بعين شمس، وهو أجل نبات بها وهذا لم يتفق قط، وكان قبل ظهور الإسلام بمدة طويلة، وكان زكي الرائحة أشبه بورق الملوخية، وكان دهنه ينفع للأمراض الباردة، كوجع الظهر والركب وغير ذلك من الأمراض البلغمية. وكان يستخرج دهن هذا البلسم في رابع عشرى بشنس القبطي، وكان في الزمن القديم يحضر يوم استخراج دهنه بعض الأمراء، وقيل الخازندار الكبير. وأجود ما طبخ دهنه في برمهات، وكان يزرع حبه في بؤونة إلى هاتور، وكان معدودا من جملة محاسن مصر، وكان انقطاعه من مصر في رأس القرن العاشر.
ومن حوادث هذا القرن أيضا الحب الفرنجي، أعاذنا الله منه، فشا في الناس جدا، وقد أعيا الأطباء أمره، واستمر يعرض للناس إلى الآن.
سنة ست وتسعمائة (١٥٠٠ - ١٥٠١):
فيها كان خليفة الوقت المستمسك بالله أبا الصبر يعقوب الهاشمي الأبوين، والسلطان الملك الأشرف أبا النصر جان بلاط بن يشبك الأشرفي. والقضاة الأربعة على حكم ما تقدم، وكانت الأتابكية شاغرة، وقد تعينت لقصروه نائب الشام.
وفي يوم الثلاثاء، مستهل المحرم، كان صعود خوند أصلباي، زوجة الأشرف جان بلاط، وهي أم الناصر وسرية الأشرف قايتباي، وأخت الظاهر قانصوه، فكان يوم صعودها إلى القلعة يوما مشهودا. فشقت من الصليبة، وهي في محفة زركش، وحولها الخدام من أعيان الطواشية، وقدامها أعيان المباشرين، وجماعة من الخاصكية نحو من خمسين إنسانا، وهم بالشاش والقماش، وجماعة من المماليك نحو من مائة إنسان، وبأيديهم العصى يفسحون الناس، فاستمرت في هذا الموكب الحافل حتى صعدت إلى القلعة، ومعها نحو من مائتي امرأة على مكارية.
стр. 924
وفيه فرق السلطان نفقة البيعة على العسكر، وقد جمع هذا المال من وجوه الظلم والمصادرات، ففرق على جماعة مخصوصة من العسكر، وقطع للأكثر من الجند، وأولاد الناس وغيرهم.
وفي يوم الخميس ثالثه حضر قصروه الصغير، الذي كان قد توجه إلى قصروه نائب الشام ببشارة سلطنة الأشرف جان بلاط. فلما عاد أخبر أن قصروه نائب الشام باق على عصيانه، ولم يدخل تحت طاعة الأشرف جان بلاط، ولم يلبس خلعته، ولا قبل له الأرض. فلما تحقق السلطان ذلك تنكد إلى الغاية، وكان يظن أن قصروه يدخل تحت طاعته، فجاء الأمر بخلاف ذلك.
وفي يوم الجمعة رابعه صلى السلطان صلاة الجمعة، وجلس بباب الستارة، وخلع على الأمير تاني بك الجمالي، وقرره في الأتابكية عوضا عن نفسه. وكان السلطان أخر الوظيفة لقصروه، فلما تمادى على عصيانه قرر بها تاني بك الجمالي، وخلع على الأمير طومان باي، وقرره في أمرية السلاح، مضافا لما بيده من الدوادارية الكبرى وقرره أيضا في الوزارة والاستادارية، وكشوفية الكشاف - كما كان الأمير يشبك بن مهدي - فعظم أمره جدا، وصار صاحب الحل والعقد في تلك الأيام.
وفيه استمر قرقماس بن ولي الدين في ولاية حلب كما قرره الظاهر قانصوه، وقرر برد بك الطويل في نيابة طرابلس عوضا عن قيت الرحبي الذي كان تعين إليها وقرر قانصوه بن سلطان جركس المعروف بابن اللوقا في نيابة حماه، وكان قرره قبل ذلك في نيابة غزة، ثم بطل أمر هؤلاء النواب جميعا وحدثت أمور بعد ذلك يأتي الكلام عليها في موضعها.
وفي يوم السبت خامس المحرم، الموافق لثامن مسرى، وفي النيل المبارك، وكسر يوم الأحد سادس المحرم. فلما وفى توجه الأمير طومان باي الدوادار، وفتح السد على العادة، فأظهر في ذلك اليوم غاية العظمة، وفرق على المتفرجين نحوا من مائتي مجمع حلوى، ومائتي مشنة فاكهة، حتى فرق البطيخ الصيفي، ونثر للعوام فضة لما أراد أن يركب عند السد، فارتفعت له الأصوات بالدعاء وكان له يوم مشهود وكان هذا آخر فتحة للسد وعقيب ذلك تسلطن، وجرت عليه أمور يأتي الكلام عليها. فابتهج الناس بيوم الوفاء لكون النيل كان وفاؤه مسرعا، وحصل به غاية النفع، وكان نيلا عاليا مباركا، فكان كما يقال:
كأن في يوم الوفا نيلنا … أتقن علم الحرف بالضبط
إذ بالصبا صفحات خلجانه … تجدولت بالكسر والبسط
стр. 925
وفيه تكلم وسائط السوء مع السلطان في إعادة وظيفة نظر الأوقاف، فلما عرضوا ذلك على الأمير طومان باي، لم يوافق على إعادة هذه الوظيفة. وكان الملك الناصر أبطلها بواسطة كرتباي الأحمر. فلما توجه كرتباي الأحمر إلى الشام، وطاش الملك الناصر بعده، سعى محمد بن العظمة الذي كان ناظر الأوقاف في إعادته إلى هذه الوظيفة. وكان الساعي له عبد القادر في إعادته إلى هذه الوظيفة، وكان الساعي له عبد القادر البواب بواب الدهيشة، فقرره السلطان في نظر الأوقاف. فأقام بها مدة يسيرة، وضج منه الناس، فشكوه للملك الناصر فقبض عليه، وضربه ضربا مبرحا، ونفاه إلى قوص، وقد تولى هذه الوظيفة غير ما مرة ولم ينتج أمره، وقد تولاها جماعة كثيرة منهم شخص يسمى الفار الوكيل فلم ينتج أمره، وتولى بها أيضا شرف الدين بن البدري حسن فلم ينتج فيما تقرر عليه من المال. وقد تولاها جماعة كثيرة، ولم يمكنهم السداد - وهي وظيفة شر وظلم - فشكر الناس فعل الأمير طومان باي الدوادار على إبطال هذه الوظيفة في تلك الأيام المسيئة.
وفيه قبض السلطان على شمس الدين بن مزاحم ناظر الإصطبل، وقرر عليه مالا له صورة يورده للخزائن الشريفة.
وفيه عاد سنباي نائب سيس أحد المقدمين، وكان توجه إلى الكرك لقتال بني لام، وعاد من غير طائل.
وفيه اجتمع السلطان بالأمراء وضربوا مشورة في أمر قاصروه نائب الشام، فأشاروا على السلطان بأن يرسل إليه قاصدا، فعين شخصا من الأمراء العشراوات، وهو أزدمر الفقيه، وعين معه الأمير أصباي فتوجها إليه عن قريب. وفي أثناء ذلك حضر خاير بك الكاشف الذي كان الظاهر نفاه، وفر من أثناء الطريق وتوجه إلى قصروه، وأظهر العصيان معه … فلما بلغه سلطنة الأشرف جان بلاط، فر من عند قصروه ودخل تحت طاعة الأشرف جان بلاط. فلما حضر خلع عليه، ووعده بتقدمة ألف.
وفي خامس عشريه كان دخول الحاج إلى القاهرة، وقد حصل لهم مشقة زائدة، وعوقهم العرب حتى فات ميعاد دخولهم.
وفيه تعين تمرباي خازندار الأمير طومان باي، وأظهر للسلطان أنه يروم الصلح بينه وبين قصروه، وكان الأمر بخلاف ذلك، وإنما أرسل تمرباي في عمل مصلحة نفسه، وقد ظهر ذلك فيما بعد، وتلاعب بالأشرف جان بلاط، وهو يظن أنه له من الناصحين وهو بضد ذلك. كما يقال في أمثال "الصادح والباغم")
стр. 926
جهد البلاء صحبة الأضداد … كأنها كي على الفؤاد
ومنها:
كذاك من يستنصح الأعادي … يردونه بالغش والفساد
ومنها:
أعظم ما يلقى الفتى من جهد … أن يبتلي من جنسه بالضد
وفيه جاءت الأخبار بأن قصروه قد استولى على غزة وأعمالها، والقدس وغير ذلك من النواحي.
*****
وفي صفر عظم أمر الأمير طومان باي جدا، وتصرف في أحوال المملكة كما يختار، وصار الأشرف جان بلاط معه كالمحجور عليه، لا يقضي أمرا دونه.
وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن دولات باي نائبها أظهر الطاعة للسلطان، وأنه ليس مع قصروه نائب الشام. وهذا كله حيل وخداع وترتيب من الأمير طومان باي. حتى كل عزم السلطان عن إرسال تجريدة إلى قصروه نائب الشام، وكانت أحواله كلها معكوسة، وصار طومان باي يمهد لنفسه في الباطن.
وفيه توعك قاضي القضاة زين الدين زكريا وحصل له ضعف في بصره، فأغلق عليه بابه، وأظهر أنه قد عزل نفسه عن القضاء، فلم يلتفت السلطان إليه.
فلما كان يوم الاثنين عشرية خلع السلطان على محيي الدين عبد القادر بن النقيب وقرره في قضاء الشافعية، عوضا عن القاضي زكريا بحكم انفصاله عنها، فكانت مدة ولاية الشيخ زكريا في قضاء الشافعية نحوا من عشرين سنة. فإنه تولى في دولة الأشرف قايتباي في سادس رجب سنة ست وثمانين وثمانمائة، وعزل في صفر سنة ست وتسعمائة. وهذه المدة لم تقع لأحد من قضاة الشافعية، في ولاية واحدة غيره، فعد ذلك من النوادر. وسيعود إلى القضاء ثانيا عن قريب، فلما تولى عبد القادر بن النقيب، شق على كل أحد من الناس ولايته، ولاموا السلطان على ذلك. وكان يومئذ في الشافعية من هو أولى بالقضاء منه. ولكن سعى بمال له صورة حتى تولى على كره من الناس. فكان كما يقال دوبيت:
стр. 927
في مصر من القضاة قاض وله … في أكل مواريث اليتامى وله
إن رمت عدالة فقم مجتهدا … من عد له دراهما عدله
وهو أول قضائه بمصر، وقيل أنه سعى بسبعة ألاف دينار حتى تولى، وسيعزل عن قريب. وفيه جاءت الأخبار من جهة الغرب بأن الفرنج قد استولوا على غرناطة التي هي دار ملك الأندلس، ووضعوا فيها السيف للمسلمين، وقالوا من دخل في ديننا تركناه، ومن لم يدخل قتلناه فدخل في دينهم جماعة كثيرة من المغاربة خوفا على أنفسهم من القتل ثم ثار عليهم المسلمون ثانيا وانتصفوا عليهم بعض شيء، واستمر الحرب ثائرا بينهم
والأمر لله تعالى في ذلك.
*****
وفي ربيع الأول نزل السلطان إلى بيت الأمير طومان باي، وترجل ونزل عن فرسه، ودخل هو وإياه إلى البيت، وأقام عنده ساعة يتحدثان في أمر قصروه، ثم ركب وطلع إلى القلعة.
وفيه عمل السلطان المولد النبوي، وكان حافلا وهو أول موالده.
وفيه، في يومه، عين السلطان خاير بك أخا قانصوه البرجي، ومعه جماعة من العسكر، وأمرهم أن يقيموا بغزة، خشية من قصروه أن يطرق غزة على حين غفلة، فخرج خاير بك والعسكر مسرعين.
وفيه ماتت خوند حبيبة ابن الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، وهي زوجة الأمير طومان باي الدوادار، وكانت جنازتها حافلة.
وفيه عين السلطان الأمير سودون العجمي، أحد المقدمين، وقرره في أمرية الحاج بركب المحمل، وعين دولات باي قرموط والي القاهرة بالركب الأول.
وفيه عرض السلطان العسكر، وعين تجريدة إلى قاصروه نائب الشام، وقد تمادى على العصيان والخروج عن الطاعة، واضطربت أحوال البلاد الشامية، وامتنع ورود القماش والفاكهة وغير ذلك مما كان يجلب من البلاد الشامية … فلما عرض العسكر، عين نحوا من ألفي مملوك، ومن الأمراء المقدمين أحد عشر أميرا. وكان الباش على هؤلاء الأمراء المقر السيفي طومان باي دوادار كبيرا، وأمير سلاح، ووزيرا واستادارا، وكاشف الكشاف، ومشير المملكة، وما مع ذلك من الوظائف.
стр. 928
وفيه عرض السلطان العسكر، وأنفق عليهم، وبعث نفقة الأمراء، ثم استحثهم على الخروج بسرعة، ورسم لهم أن يخرجوا شيئا بعد شيء.
فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشريه، خرج جماعة من الأمراء الطبلخانات المعينين في هذه التجريدة فكان جاليش العسكر قيت الرحبي حاجب الحجاب، واصطمر بن ولي الدين أحد المقدمين، وسودون الدوادار أحد المقدمين، وخرج صحبتهم خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية.
وفيه قرر الأمير قان بردي اليوسفي في شادية الشرابحاناه مع أمرية أربعين، وكان من خواص الأمير طومان باي الدوادار، وقرر قلج في نيابة البيرة، ثم لم يتم له ذلك وقرر في نيابة الإسكندرية، ثم نفى في دولة العادل طومان باي إلى البلاد الشامية.
وفيه قرر الشيخ صنطباي في نظر المدرسة السنقرية التي بباب النصر وأخرج النظر عن قاضي القضاة الشافعي بأمر السلطان.
وفيه قرر السلطان أنس باي الذي كان شاد الشرابخاناه في تقدمة ألف، وكان من خواص الأمير طومان باي.
وفيه قرر طقطباي في كشف أسيوط، وصرف عنها يوسف النوام وقرر جانم المحمدي الخشقدمي في كشف منفلوط، وصرف عنها حيدر السيفي أزبك اليوسفي.
*****
وفي يوم السبت مستهل ربيع الآخر خرج من تعين من النواب المقدم ذكرهم، وهم قرقماس ابن ولي الدين المعين لنيابة حلب وبرد بك الطويل المعين لنيابة طرابلس، وقانصوه ابن سلطان جركس، المعروف بابن اللوقا، المعين لنيابة حماه، وقد تعينت لدولات باي نائب حلب نيابة الشام، عوضا عن قصروه إذا قبض عليه، وكانت هذه التراتيب كلها في البطال، وآل الأمر إلى خلاف ذلك كما يأتي الكلام عليه في موضعه.
وفي يوم الاثنين رابعه خرج المقر السيفي طومان باي أمير سلاح وما مع ذلك فلما خرج طلب طلبا حافلا حتى رجت له القاهرة، فلما طلع إلى القلعة، أفاض عليه السلطان خلعة حافلة، وهي فوقاني حرير أزرق بوجه أخضر بطرز يلبغاوي عريض … قيل كان طوله ثلاثة أذرع في عرض ذراعين ونصف من الذهب الخالص البندقي، وكان ما دخل فيه ثمانمائة مثقال بحيث لم يعمل قط مثله ولا سمع بمثل ذلك وكان الأشرف جان بلاط يقاتل على رضا الأمير طومان باي بكل ما يمكن، ومع هذا كان الأمير طومان باي يضمر له كل سوء فكان لسان حال جان بلاط يقول:
стр. 929
أقاسي المنون لنيل المنى … ويا ليت هذا بهذا يفي!
وكان الأمير طومان باي باغيا على الأشرف جان بلاط، فكان كما يقال:
والغدر بالعهد قبيح جدا … شر الورى من ليس يرعى عهدا
فلما خرج كان صحبته من الأمراء المقدمين، وأنس باي أحد المقدمين. فكانوا بمن تقدمهم من الأمراء المقدمين أحد عشر أميرا، ومن المماليك السلطانية نحو من ألفي مملوك وزيادة، وكانت هذه التجريدة المعينة إلى قصروه نائب الشام، تعادل تجريدة ابن عثمان، وقد تقدم ذكر ذلك في دولة الملك الأشرف قايتباي.
فلما شق الأمير طومان باي من القاهرة كان له يوم مشهود، وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وكان محبوبا للناس، ولا سيما العوام، فلهج الناس بأنه سيعود سلطانا، وكان الأمر كذلك. واستمر في ذلك الموكب حتى نزل بالريدانية في الوطاق فأقام به أياما. وقيل إن السلطان نزل إليه هناك في الخفية تحت الليل، وجلس عنده وتحدثا فيما يكون من أمر قصروه، وأنعم عليه السلطان بأشياء كثيرة، من مال وقماش وتحف حتى بأحجار حيوانية لمنع السموم القاتلة، ثم ودعه وطلع إلى القلعة، وكان يظن أن الأمير طومان باي ناصحا له، وكان الأمر بخلاف ذلك.
وفيه من الحوادث أن السلطان تغير خاطره على القاضي كاتب السر بدر الدين بن مزهر، فقبض عليه وعلى حاشيته وسجنه بالعرقانة، وضربه ضربا مبرحا غير ما مرة، وسبب ذلك أن السلطان لما صادر الناس كما تقدم، ندب القاضي بدر الدين إلى ذلك، فأظهر من الظلم والعسف والتشويش على الناس ما يطول شرحه، وأظهر النتيجة في ذلك للأشرف جان بلاط، فإنه كان صهره، فكثر الدعاء عليه وأخذه الله من الجانب الذي يأمن إليه، وكان كما يقال:
فكان كالمتمني أن يرى فلقا … من الصباح، فلما إن رآه عمى
ثم أنه قرر عليه مالا، وأقام في العرقانة حتى يورد ما قرر عليه من المال، وكان من أمره ما سنذكره في موضعه.
فلما كان يوم الخميس ثاني عشره خلع السلطان على صلاح الدين بن يحيى بن شاكر بن الجيعان، وقرره في كتابة السر، عوضا عن بدر الدين بن مزهر، بحكم صرفه عنها.
وهذه آخر ولايته لكتابة السر، فلم يعد إليها بدر الدين بعد ذلك.
стр. 930
وفي ليلة الجمعة ثالث عشره خسف جرم القمر خسوفا تاما، وأقام في الخسوف إلى قريب التسبيح، وغرب وهو مكسوف.
وفيه توفي القاضي جلال الدين بن الأمانة أحد نواب الشافعية، وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز، وكان عالما فاضلا رئيسا حشما، وفاته منصب القضاء غير ما مرة، وهو آخر من روى صحيح مسلم عن الزيني الزركشي بالسماع، وكان قد طعن في السن وقارب التسعين من العمر، وفيه نودي من قبل السلطان بإبطال ما تجدد من المكوس والمظالم الحادثة من بعد موت الأشرف قايتباي.
وفيه عاد تمر باي خازندار الأمير طومان باي الدوادار الذي كان توجه إلى قصروه نائب الشام، ليمشي بينه وبين السلطان بالصلح، فلم يوافق قصروه على ذلك.
وفيه توفي أصباي الأشرفي قايتباي، وكان أحد الدوادارية، وكان لا بأس به.
*****
وفي جمادى الأولى، في يوم الاثنين خامسه، وصل هجان من الشام في الخفية، وعلى يده مكاتبات إلى تمرباي خازندار طومان باي، ليفرقها على الأمراء. فكان مضمونها أنه تسلطن بالشام وتلقب بالملك العادل. واستفاض هذا الكلام بين الناس وفشا … فلما فرق تمرباي المكاتبات على الأمراء خاف على نفسه، ففر تحت الليل، وستر الله عليه حتى خرج من القاهرة.
وفيه جاءت الأخبار مفصلة بصحة ما جرى. وهو أن العسكر لما وصل إلى الشام، نزل في مكان يسمى سعسع بالقرب من دمشق، فركب قصروه نائب الشام في نفر قليل من عسكره، وأظهر أنه طائع، فاطمأن له العسكر، وكان غالب الأمراء خشداشينه، فلما حضر إليهم دخل معهم إلى الشام، واجتمعوا في القصر الأبلق الذي في الشام بالميدان.
ولما حضر قصروه نائب الشام ذكروا له أنه يطلع إلى القلعة ويقرأ مراسيم السلطان، فطلع وطلع الأمراء إلى القلعة. فعند ذلك قرؤوا عليه مراسيم السلطان، فلم يلتفت إلى ذلك. ثم تفاوض هو والأمراء في الكلام، ثم ثارت فتنة كبيرة بالقلعة، ثم أمر قصروه والأمير طومان باي بالقبض على جماعة من الأمراء، وهم: قرقماس ابن ولي الدين نائب حلب الذي قرر بها، وأزدمر بن علي باي أحد الأمراء المقدمين، وخاير بك أخو قنصوه البرجي، أحد الأمراء المقدمين، وسودون بن يشكب الدوادار أحد الأمراء المقدمين،
стр. 931
وقانصوه بن سلطان جركس الذي قرر في نيابة حماه، وقبض على آخرين من الأمراء الطبلخانات والعشراوات. فلما قبض عليهم قيدهم وسجنهم بالقلعة بدمشق.
وفي أثناء ذلك حضر إلى دمشق دولات باي بن أركماس نائب حلب الشهير بأخي العادل، فلما حضر تعصب للأمير طومان باي، وتكلم في سلطنته، فأحضر قضاة الشام، وكتب صورة محضر في خلع الأشرف جان بلاط من السلطنة، وبايعوا طومان باي من غير خليفة، وتلقب بالملك العادل أبي النصر، وأحضر له شعار الملك فأفيض عليه، وقبل له الأمراء الأرض. فأول من قبل له الأرض قصروه نائب الشام، ثم بقية الأمراء شيئا فشيئا. فلما تم أمره في السلطنة عين الأتابكية بمصر لقصروه نائب الشام، وعين نيابة الشام لدولات باي نائب حلب، وعين نيابة حلب إلى أركماس بن ولي الدين، وعين نيابة طرابلس لبرد بك الطويل، وعين نيابة صفد لجانم، وقرر قيت الرحبي في أمرية سلاح عوضا عن نفسه، وقرر قانصوه الغوري في الدوادارية الكبرى والأستادارية والوزارة وكاشف الكشاف عوضا عن نفسه، وقرر قاني بك، نائب الإسكندرية، في الرأس نوبة الكبرى، وقرر اصطمر بن ولي الدين في الحجوبية الكبرى، وعين عدة أمريات ألوف، وأمريات طبلخانات وعشراوات لجماعة من عصبته.
ثم أنه رسم بشنق أحد مشايخ العربان من أولاد ابن نبيعة، وشنق شخصا آخر من مشايخ بني حرام يقال له نابت، فلما تم أمره في السلطنة خطب باسمه على منابر دمشق، ثم أخذ في أسباب الحضور إلى مصر. فلما سمع الأشرف جان بلاط هذه الأخبار، اضطربت أحواله، وضاقت به الدنيا. ثم أخذ في أسباب تقرير الوظائف للأمراء الذين بمصر، عوضا عمن أظهر العصيان بدمشق، فاستمال قلوبهم حتى يكونوا له عونا، ويدخلوا طاعته. فأحضر لهم المصحف العثماني، وحلف عليه سائر الأمراء من كبير وصغير بعد صلاة الجمعة، بحضرة الخليفة المستمسك بالله يعقوب، والقضاة الأربعة
وكان قاضي القضاة الشافعي عبد القادر بن النقيب ألف صورة أيمان مغلظة بالله، وبالمصحف، وبالحج، وبالعتق والطلاق ثلاثا، وغير ذلك من التأكيد في الأيمان المغلظة، وكتب ذلك في سجل، ودفعه إلى صلاح الدين بن الجيعان كاتب السر، ليحلف عليه الأمراء. وكان هذا سببا لانتقام العادل من ابن النقيب لما حضر إلى مصر، وتم أمره في السلطنة، فجرى على ابن النقيب منه أمور مهولة يأتي الكلام عليها.
стр. 932
فلما تكامل المجلس حلف الأمراء بتلك الأيمان التي تقدمت، أنهم لا يخونون، ولا يغدرون، ولا يميلون مع العادل إذا حضر، فحلفوا على ذلك. ثم أحضر لهم عدة تشاريف، فخلع على قانصوه المحمدي المعروف بالبرجي، وقرره في أمرية السلاح، عوضا عن طومان باي بحكم سلطنته بدمشق، وقرر خشكلدي البيسفي الظاهر خشقدم في أمرية مجلس، عوضا عن قانصوه البرجي بحكم انتقاله إلى أمرية سلاح. وقرر مصرباي في الدوادارية الكبرى، عوضا طومان باي بحكم سلطنته بدمشق. وقرر سنباي نائب سيس في الأمير اخورية الكبرى، عوضا عن قاني باي الرماح بحكم عصيانه مع طومان باي. وقرر سودون العجمي في الرأس نوبة الكبرى، عوضا عن قانصوه الغوري بحكم عصيانه مع طومان باي، وقرر برد بك المحمدي الإينالي في حجوبية الحجاب، عوضا عن قيت الرحبي بحكم عصيانه. وقرر قانصوه الصغير في ولاية القاهرة، وقرر تاني بك الأبح في شادية الشراب خاناه، وقرر أقباي الطويل في تجارة المماليك، وقرر تمر باي أمير شورى في استادارية الصحبة، وقرر جان بردي رأس نوبة ثاني. وأنعم بتقادم ألوف على جماعة من الأمراء، منهم بيبرس الفهلوان، وأزبك المكحل، وخشكلدي الذي كان استادار الصحبة، ودولات باي قرموط الذي كان والي القاهرة، وأزبك الناشف، وتمراز جوشن، وتمراز الزردكاش، وقرقماس الشرابي، وخير بك الكاشف، وغير ذلك من الأمراء ممن خامر مع طومان باي، ثم فرق عدة أقاطيع على الخاصكية عوضا عمن كان صحبة طومان باي. ثم أخذ في أسباب تحصين القلعة، فركب حولها المكاحل المعمرة بالمدافع، وأصلح سورها وأبراجها، وبنى فوق سلم المدرج بابا - وهو موجود إلى الآن - ثم بنى برجا محيطا على باب السلسلة، فبناه بالفص الحجر، وصنع فيه مرامي وأبوابا صغارا. ثم سد باب الميدان، وباب حوش العرب، وباب الاصطبل الذي عنده الصوة، وصار ينزل في النهار مرتين يكشف على العمارة بنفسه، ثم رسم بهدم مدرسة السلطان حسن فهدم منها بعض شيء من وراء ظهر محراب القبة، فأقاموا يهدمونها ثلاثة أيام فلم يقدروا على هدم ذلك، فتكلم الأمير تغرى بردي الأستادار مع السلطان في عدم ذلك، فرجع السلطان وترك الهدم. وقد تأسف الناس على هدمها لأنه لم يعمر في الدنيا مثلها، ولو هدمها ما كان يفيده من هدمها شيء، وما كان يقدر على هدمها، فكان ترك ذلك أوجب، وقد ظهر عجزه عن ذلك. وفي هذه الواقعة يقول شيخنا عبد الباسط بن خليل الحنفي:
هتكت قبة الحسن … وانتفى وصفها الحسن
إن في ذا لعبرة … لكن المستفيق من
стр. 933
وقال محمد بن قانصوه بن صادق سامحه الله:
حسن السلطان قد هتكت … - خيفة المحذور - قبته
تعس الراضي بذا، وغدت … مثلها في الهتك حرمته
ثم إن السلطان نقل إلى القلعة من البقسماط والجبن والغنم والبقر والأوز والدجاج والقمح والشعير وأشياء كثيرة من احتياج المطبخ ما يكفي للمحاصرة نحو الشهرين، ثم نادى في القاهرة بإصلاح الدروب، وإصلاح باب المدينة … فاضطربت الأحوال، وتزايدت الأقوال، وكثر القيل والقال، ووزعوا قماشهم في المخابي، وظن كل أحد أن هذه فتنة مهولة ما تنجلي إلا عن أمور شتى. وصار الناس في رعب من ذلك، وقد اشتد الأمر جدا.
وفيه قبض السلطان على إسماعيل زامل وشنقه على باب الميدان، وسبب ذلك أنه هرب تمرباي خازندار طومان باي الذي تسلطن بالشام، مكنه أن يتوجه إلى الشام، وما أعلم السلطان بذلك، فشنقه لأجل ذلك، وصار له ذنب كبير. ثم إن السلطان أراد أن يقبض على الأمير طراباي، وعوقه بالقلعة ساعة، ثم بدا له ترك هذا الأمر. ثم إن السلطان رسم بقطع سلالم مدرسة السلطان حسن، وأمر بنقض أماكن من دار يشبك الدوادار ونقل إلى القلعة أخشابا كثيرة صنع منها عدة طوارق، وسلالم خشب، وغير ذلك من آلة الحرب. ثم فتح الزردخانة، وفرق منها على جماعة من الجند عدة سيوف، وزرديات، ولبوس وتراكس وقسى ونشاب وغير ذلك، ثم فرق عليهم عدة خيول خاص من خيول الأمراء الذين خامروا مع طومان باي … فأخذ خيولهم وفرقها على العسكر، وفرق عليهم من خيوله الخاص أيضا، وأرضى العسكر بكل ما يمكن، وأنعم على أكثرهم بوظائف وإقطاعات، وفرق مثالات تكتب على بياض على جميع من كان عنده … ولم يفده من ذلك شيء، فكان كما قيل:
إذا طبع الزمان على اعوجاج … فلا تطمع لنفسك في اعتدال
*****
стр. 934
وفي جمادي الآخرة، في يوم الأربعاء مستهله، خلع السلطان على الأمير عبد اللطيف الطواشي وقرره زماما وخازندارا كبيرا، عوضا عن جوهر المعيني بحكم وفاته كما تقدم.
وفيه توفي الشيخ الصالح المعتقد سيدي عبيد القفاص، وكان من الصالحين.
وفي يوم السبت رابعه جاءت الأخبار بأن العادل طومان باي خرج من الشام، هو وقصروه نائب الشام، ودولات باي نائب حلب، وجماعة من النواب، والتف عليهم الجم الغفير من عسكر الشام، وعربان جبل نابلس والعشير، وغير ذلك. وقد وصل إلى غزة، فلما تحقق السلطان ذلك، علق الصنجق السلطاني على باب السلسلة، ونادى للعسكر بأن يطلع الطائع إلى القلعة، ومعه آلة الحرب وأن سائر الأمراء تطلع إلى القلعة صغارهم وكبارهم، ثم رسم لقضاة القضاة بأن يطلعوا إلى القلعة فطلعوا إلى القلعة، وكذلك سائر المباشرين من أرباب الوظائف، يطلعون إلى القلعة أجمعين. فامتثلوا ذلك، وطلعوا إلى القلعة، وأقاموا بها، واحتاط في الأمور بكل ما يمكن، ولم يفده من ذلك شيء. فكان كما يقال:
إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول ما يجني عليه اجتهاده
فلما كان يوم الخميس تاسعه، وصل العادل بمن معه من العساكر إلى خانقاه سرياقوس، ودخل أوائل عسكره إلى القاهرة، فماجت القاهرة واضطربت، وقلق الأشرف جان بلاط وضاقت عليه الدنيا بما رحبت. فكان كما يقال في المعنى:
قد كان يرجف في ليالي وصله … قلبي، فكيف الآن عند صدوده
وفيه جاءت الأخبار بوصول عسكر العادل إلى المطرية، فخرج إليه بعض العساكر السلطانية، وتقاتلوا معهم هناك قتالا هينا. ففر منهم أزبك النصراوي، ودخل تحت طاعة العادل، وقبل له الأرض، فخلع عليه العادل هناك، وقرره والي الشرطة بالقاهرة. ثم إن بعض المماليك توجه إلى بيت العادل الذي كان ساكنا به، وهو بيت الظاهر تمربغا الذي عند سوق السلاح بالقبو، فأحرقوا مقعده ومبيته، ونهبوا منه بعض أثاث.
وفي يوم السبت حادي عشره، كان دخول العادل طومان باي إلى القاهرة، فدخل من باب الفتوح، ورفع على رأسه صنجق خليفتي، وكان معه من الأمراء قاني باي الرماح
стр. 935
أمير آخور كبير، وقانصو الغوري رأس نوبة كبير، وقيت الرحبي حاجب الحجاب، وكان معه من النواب قصروه نائب الشام، ودولات باي نائب حلب، وبرد بك الطويل نائب طرابلس بدرا أزبك اليوسفي أمير مجلس، الذي كان بدرب ابن البابا بالقرب من الصليبة، وتوزع الأمراء والنواب الذين حضروا صحبة العادل كل واحد في مكان بالقرب من الصليبة، ثم ثار الحرب بين الفريقين وعظم الأمر جدا. وكان القائم بنصرة العادل قصروه نائب الشام، فأمر بحفر خنادق في الطرقات، ووراءها سور من الحجارة فحفروا خندقا برأس الرميلة عند سويقة ابن عبد المنعم، وخندقا عند حدرة البقر، وخندقا عند باب الوزير وخندقا برأس سوق جامع أحمد بن طولون، وخندقا عند سوق القبو عند مدرسة السلطان حسن، فكانت خمسة خنادق.
ثم إن العادل أحضر عدة أخشاب لاطات، وجزم وصواري، وأحضر جماعة نجارين، فصنعوا منها عدة طوارق وسلالم، وشرعوا في عمل مجانيق، وسدوا عدة أماكن شتى، وبنوا عليها دروبا، وصاروا يغلقونها، وظنوا أن هذه الفتنة يطول أمرها.
ففي اليوم الثالث من المحاصرة، ملك قصروه مدرسة السلطان حسن، وركب المكاحل المعمرة بالمدافع، ووقف بها، ورموا على من بالقلعة بالسبفيات، وبالبندق الرصاص، فقتل ممن كان بالقلعة جماعة كثيرة، وجرح آخرون فضعف عزمهم عن القتال، وبانت الكسرة عليهم. ولم يكن عند الأشرف جان بلاط بالقلعة سوى الأتابكي تاني بك الجمالي، والأمير طراباي، والأمير مصرباي، والأمير قانصوه البرجي، وخشكلدي البيسفي، ونائب سنباي، وآخرين من الأمراء المقدمين، وغيرهم وكان الرماة أشاعوا عن السلطان جان بلاط، لما وصل العادل إلى المطرية، أن يخرج إليه الأتابكي تاني بك الجمالي، وآخرون من الأمراء ويحاربونه، وكان هذا عين الصواب لو فعلوه. كما يقال في الأمثال:
وانتهز الفرصة أن الفرصة … تصير إن لم تنتهزها غصة
واسبق إلى الأجود سبق الناقد … فسبقك الخصم من المكايد
ثم إن العادل قصد أن يحضر جماعة من فرسان عربان الشرقية يقاتلون معه، كما فعل أقبردي الدوادار، فلم يوافقه الأمراء على ذلك، وقالوا هذا يحصل منه غاية الفساد.
стр. 936
فلما كان يوم الاثنين ثالث عشرة اشتد الحرب بين الفريقين، ووقع بينهما واقعة مهولة بباب الوزير فجرح فيها شخص من الأمراء الطبلخانات، يقال له تمرباي الطويل استدارا الصحبة، فلما جرح أغمى عليه فسقط عن فرسه، فأخذوا لبسه وسلاحه، وحمل إلى داره فمات بعد أيام. وفي ذلك اليوم تقنطر الأمير مصرباي الدوادار بالتبانة، وأخذوا فرسه من تحته ونجا بنفسه، وهرب. وجرح في ذلك اليوم جماعة كثيرة من الفريقين. وقتل في ذلك اليوم أيضا الأمير قاني بك نائب الإسكندرية، أحد الأمراء المقدمين، قتل بكفيه، وكان من عصبة الأمير أقبردي الدوادار، وحضر إلى القاهرة صحبة قصروه نائب الشام، وكان مقيما بالشام. وقتل جماعة من الخاصكية في ذلك اليوم.
وفي يوم الأربعاء خامس عشره استمر الحرب ثائرا بين الفريقين إلى يوم الخميس سادس عشره، فأنفق العادل طومان باي على العسكر الذين من عصبته جامكية شهر
وصار الأشرف ينفق الجامكية بالقلعة على من عنده من العساكر، والعادل طومان باي ينفق الجامكية في بيت تاني بك قرا على من عنده من العسكر. فلما تلاشى أمر الأشرف جان بلاط، وترشح أمر العادل طومان باي، ولاحت عليه لوائح النصر، صار جماعة من الأمراء والعسكر يتسحبون من القلعة، وينزلون عند العادل طومان باي … فنزل إليه قانصوه الفقيه، وتمر الظاهري، وجان بلاط الأبح، وقاني بك الأبح، وغير ذلك من الأمراء والخاصكية، ثم نزل في ذلك اليوم القاضي عبد القادر القصروي، وتوجه إلى العادل فخلع عليه، وأقره في نظر الجيش، عوضا عن الشهابي أحد ناظر الجيش، وكان الأشرف جان بلاط وعد العسكر أنه ينفق عليهم مع الجامكية، فلم ينفق عليهم شيئا، فانقلبوا عليه وتسحب غالبهم، وأتوا إلى العادل فرحب بهم.
فلما كان يوم الجمعة سابع عشره خرج العادل من بيت تاني بك قرا، وهو راكب، وعليه سلاري شوح أحمر بفرو سمور، وعلى رأسه تخفيفة صغيرة، والأمراء حوله، فتوجه إلى جامع شيخو، فصلى به صلاة الجمعة، فارتفعت له الأصوات بالدعاء، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وكان يوما مشهودا. فلما خطب الشرفي يحيى بن العداس، خطيب جامع شيخو، دعا في آخر الخطبة باسم الملك العادل، فهي أول خطبة خطبت باسم العادل في القاهرة قبل أن يخلع جان بلاط من السلطنة، وقد خاطر الشرفي يحيى بن العداس بنفسه في ذلك، فعد ذلك من النوادر.
فلما تسلطن العادل وتم أمره في السلطنة، كتب للشرفي يحيى بن العداس، جامكية في كل شهر ألف درهم، في نظير ذلك.
стр. 937
وفي يوم السبت ثامن عشره وقت صلاة الفجر، نزل في القلعة جماعة من الأمراء العشراوات، منهم جان بردي الغزالي، وخاير بك الكاشف، وآخرون من الخاصكية، فتوجهوا إلى العادل، ثم أن جان بلاط رسم بتفرقة الجامكية الثانية في الاصطبل السلطاني، وحضر هناك العسكر وهم لابسون آلة الحرب … فبينما العسكر الذين بالقلعة مشغولون بنفقة الجامكية، وإذا بالقلعة قد ماجت واضطربت، وثار الجم الغفير بالرميلة من المماليك الذين من عصبة العادل، فنهبت الجامكية عن آخرها التي أنفقت بالاصطبل، وكان سبب ذلك ما استفاض بين الناس أن الملك الأشرف جان بلاط كان مقيما في مدة حصاره بالقلعة بالقصر الكبير، وعنده جماعة من المشايخ الصوفية، ومن يعرف بالصلاح. فلما ضاق الأمر على الأشرف جان بلاط قام ودخل إلى دور الحريم، فأبطأ فيه ساعة طويلة، فعمد الأمير طراباي إلى المنجاة والترس فأخذهما ونزل بهما من القلعة، وتوجه إلى العادل طومان باي، وأشاع أن الأشرف جان بلاط قد هرب من القلعة. فلما سمع بذلك الأتابكي قصروه - وكان مقيما بمدرسة السلطان حسن - حطم بمن معه من الجند فملك باب السلسلة، وسلم المدرج، من غير مانع، ولم يفد تحصين الأشرف جان بلاط شيئا، ولا بناية تلك الأبراج، ولا تركيب المكحلة الكبيرة التي يقال لها المجنونة. وكان هذا خذلانا من الله تعالى له، وقد قلت في المعنى مع التضمين:
تحصن خوفا جان بلاط بقلعة … فلم تدافع الأعداء عنه المدافع
وكانت مدافعة كفارغ بندق … خليّ من المعنى ولكن بفرقع
فلما كانت الكسرة على الأشرف جان بلاط، وقع النهب بالقلعة في الحواصل السلطانية، فنهبوا أشياء كثيرة من قماش وسلاح وخيول وغير ذلك، مما نقله الأشرف جان بلاط إلى القلعة، من أغنام وأبقار وبقسماط وسكر واحتياج المطبخ وغير ذلك.
ثم إنه في ذلك اليوم رسم العادل بالإفراج عن القاضي بدر الدين بن مزهر كاتب السر، وكان الأشرف جان بلاط سجنه بالعرقانة وقرر عليه مالا له صورة، وأقام بالعرقانة مدة طويلة فأفرج عنه ونزل إلى داره في ذلك اليوم، فلما حصلت هذه النصرة من غير قتال مهول، ركب العادل طومان باي في بيت تاني بك قرا، وعلى رأسه الصنجق السلطاني، وصعد إلى باب السلسلة من غير مانع وملكه وكان من أمر سلطنته ما سيأتي الكلام عليه في موضعه.
стр. 938
وفي أثناء ذلك اليوم قبض على الأشرف جان بلاط، قيل وجد في مكان مهجور بدور الحريم، فأمسك من هناك، فلما قبضوا عليه أدخلوه إلى قاعة البحرة، وقيدوه بقيد ثقيل، ووكلوا به جماعة من الخاصكية، وفيهم شخص من مماليك أقبردي الدوادار، فحصل للأشرف جان بلاط منه غاية الضرر والبهدلة وما لا خير فيه فكان كما يقال في أمثال "الصادح والباغم":
عند تمام المرء يبدو نقصه … وربما ضر الحريص حرصه
ومنها:
كم عشت في لذة عيش وهنا … فاصبر الآن لهذي المحنا
ثم نقل الأشرف جان بلاط من البحرة إلى المبيت الذي بجوار المقعد الذي بالحوش، فأقام نحوا من ثمانية عشر يوما، وقيل كان تأخير الأشرف جان بلاط هذه المدة لأجل أن يورد ما قرره عليه العادل من المال.
فلما كان يوم الاثنين خامس رجب توجهوا بالأشرف جان بلاط إلى السجن بثغر الإسكندرية، فنزلوا به من باب الدرفيل وقت الظهر، وهو مقيد، وخلفه أوجاقي بخنجر، فتوجهوا به إلى جهة المجراة إلى البحر، فنزلوا به في الحراقة وساروا إلى الإسكندرية وكان المتسفر عليه الأمير أنس باي أحد المقدمين، والأمير قان بردي أحد الأمراء العشراوات، وجماعة من الخاصكية، فتوجهوا به إلى الإسكندرية ورجعوا.
وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ستة أشهر وثمانية عشر يوما، وكان في هذه المدة في غاية الضنك مع الأمير طومان باي. وآخر الأمر وثب عليه وخلعه من السلطنة، وحاصره وهو بالقلعة نحوا من سبعة أيام … فإنه دخل إلى القاهرة يوم السبت حادي عشر هذا الشهر، وهو جمادى الآخرة، وملك القلعة يوم السبت ثامن عشره. وتعب في تحصين القلعة، ونقل إليها أشياء كثيرة من كل صنف كما تقدم، وظن أن حصار القلعة يطول فما أفاده ذلك شيئا.
وكان الأشرف جان بلاط أرشل غليظ القلب، قليل الحظ، عسوفا ظالما، حصل منه في مدة سلطنته للناس غاية الضرر من المصادرات وأخذ الأموال. ولو أقام في السلطنة لحصل للناس منه غاية المشقة من الظلم والأذى … فجعل الله تعالى به ومن مساويه ما وقع له من أقبردي الدوادار، فإنه كان من أعز أصحابه، وقيل ضبط ما وهبه له أقبردي، فكان ينيف عن خمسين ألف دينار، ثم بعد هذا الإحسان انقلب عليه كأنه لم يعرفه، وكانت
стр. 939
صفته أبيض اللون، طويل القامة، مستدير الوجه، أسود اللحية، جميل الهيئة حسن الشكل، تولى الملك وله من العمر نحو من أربعين سنة. وكان من خواص الأشرف قايتباي، وساعدته الأقدار حتى تسلطن، وأقام هذه المدة اليسيرة، وآل أمره إلى أن خنق وهو مسجون بالبرج، كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه.
- الملك العادل
هو الملك العادل طومان باي ابن قانصوه، أبو النصر الأشرفي قايتباي، وهو الخامس والأربعون من ملوك الترك وأولادهم في العدد، وهو التاسع عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية، وكان أصله جركسي الجنس، اشتراه قانصوه اليحياوي نائب الشام، وقدمه مع جملة المماليك إلى الأشرف قايتباي، فأقام بالطبقة مدة طويلة، ثم أعتقه وأخرج له خيلا وقماشا، وصار من جملة المماليك السلطانية جمدارا، ثم بقي خاصكيا خازندار كيس في سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، ثم بقي أمير عشرة في دولة الناصر محمد بن قايتباي، ثم قرره في نيابة الإسكندرية في سنة اثنتين وتسعمائة، وتوجه إليها وأقام بها مدة يسيرة، ثم عاد إلى مصر، ثم بقي مقدم ألف دوادارا كبيرا في دولة الظاهر قانصوه، ثم بقي أمير سلاح، ودوادار كبيرا، واستادار، ووزيرا، وكاشف الكشاف، ومدبر المملكة في دولة الأشرف جان بلاط.
ثم سافر لما عصى قصروه نائب الشام فتسلطن هناك، وعاد سلطانا كما تقدم، فلما دخل إلى القاهرة وصحبته قصروه وبقية النواب، قام قصروه بنصرته قياما حافلا، وصار ينفق على حفر الخنادق، ويشيل التراب بالنفقة على رأسه وكتفه، هو ومماليكه مع الفعلاء، ونصب المكاحل على مدرسة السلطان حسن، ووقف الرماة بالبندق الرصاص، واستمر يحاصر القلعة سبعة أيام.
فلما كان يوم السبت عشر هذا الشهر انكسر الأشرف جان بلاط، فحطم العادل وملك باب السلسلة من غير مانع. فلما استقر بباب السلسلة قبض على قاضي القضاة الشافعي محيي الدين عبد القادر بن النقيب، ووكل به جماعة من الأوجاقية، وقرر عليه مالا له صورة، فنزلوا به وهو ماش على أقدامه، وحوله أوجاقية ورسل قابضون عليه من أكمامه، فشقوا به من الصليبة، وهو على هذه الهيئة، فسبه العوام وكادوا أن يرجموه، حتى حماه بعض الأتراك. واستمر على ذلك حتى أتوا به إلى بيت علي بن أبي الجود البزدار - وكان ساكنا في ربع الأشرف برسباي الذي بالصليبة - فأقام هناك في الترسيم حتى يورد المال الذي قرر عليه، وكان قد بلغ العادل ما رتبه من الأقسام المغلظة التي
стр. 940
حلفها الأشرف جان بلاط للعسكر، لما بلغ ابن النقيب سلطنة العادل بدمشق، فانتقم منه العادل بسبب ذلك، وعزله عن القضاء، فكانت مدته في هذه الولاية ثلاثة أشهر وثمانية وعشرين يوما، وسيعود إلى القضاء ثانيا عن قريب. وقد قلت في ذلك:
ولوك أشرف منصب يا قاضيا … لكن إن عدل الزمان ستنسخ
طبخوا بنار العزل قلبك بعد ذا … وكذا القلوب على المناصب تطبخ
ثم إن الملك العادل طلب قاضي القضاة زين الدين زكريا، فلما توجهوا إليه امتنع من الحضور واعتذر بأنه متوعك في جسده، فلا زالوا به حتى أركبوه وطلعوا به إلى القلعة، فخلع عليه العادل وأعاده إلى القضاء عوضا عن ابن النقيب بحكم عزله كما تقدم. ثم حضر قاضي قضاة الحنفية ابن الكركي، وقاضي قضاة المالكية عبد الغني بن تقي، وقاضي قضاة الحنابلة الشهاب الشيشيني. ثم حضر أمير المؤمنين أبو الصبر المستمسك بالله يعقوب. فلما تكامل المجلس عملوا صورة شرعية في خلع الأشرف جان بلاط، وولاية العادل طومان باي. فخلع جان بلاط من السلطنة. وبايع الخليفة طومان باي بالسلطنة، وجدد له مبايعة ثانية، زيادة على ما بيده من مبايعته بالشام، واستمر على لقبه بالعادل الذي تلقب به بالشام، وكان أولا تلقب الملك المؤيد وهو بالشام، ثم تحول لقبه إلى الملك العادل. فلما انكسر الأشرف جان بلاط، كما تقدم، وطلع العادل إلى القلعة، لم يجلس بالمقعد الذي بباب السلسلة، بل طلع إلى القصر الكبير وجلس به، وحضر الخليفة العباسي والقضاة الأربعة ووقعت مبايعته هناك، وأفيض عليه شعار الملك، واجتمع عليه هناك الأمراء والعسكر وأرباب الدولة قاطبة، واستمر على ذلك حتى جلس على سرير الملك ورفع الزردكاش القبة والطير على رأسه، وكان قاني بك الجمالي أمير كبير مختفيا، وقبل له الأمراء الأرض قاطبة، ثم خلع على الخليفة العباسي - وكان ساكنا بالقلعة - ثم قرر قصروه في الأتابكية عوضا عن قاني بك الجمالي بحكم اختفائه، فخلع عليه في ذلك اليوم الفوقاني الذي كان الأشرف جان بلاط صنعه له عند توجهه إلى دمشق، وكان فوقاني حرير أزرق، بوجه مخمل أخضر، بطرز يلبغاوي عريض، طوله ثلاثة أذرع في عرض ذراعين ونصف، قيل فيه من الذهب ثمانمائة مثقال بحيث لم يعمل مثله قط، ثم قام العادل لقصروه وقبل رأسه، ونزل من القلعة في موكب حافل، فتوجه إلى الأزبكية بدار الأتابكي أزبك، وكان هذا كله عين الخداع من العادل في حق قصروه، كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه، فكان كما يقال في المعنى:
стр. 941
إذا رأيت ثنايا الليث كاشرة … فلا تظن بأن الليث يبتسم
ثم ضربت له البشائر بالقلعة، ونودي باسمه في القاهرة، وارتفعت الأصوات له بالدعاء. وكان محببا للناس، ولا سيما العوام، فزينت له القاهرة سبعة أيام متوالية، وخرج الناس في القصف والفرجة عن الحد حتى عد ذلك من النوادر الغريبة، وصار كل أحد في فرح بسلطنته، وانفرجت تلك الفتنة من الناس عن قريب، وكان يظن كل أحد أن أمر الفتنة يطول ويتسع، فآل الأمر إلى خير بخمود الفتنة عن قريب. فكان كما يقال:
ملك نداه المبتدا … للناس والمدح الخبر
أمضى لسان سيفه … حكم القضاء والقدر
فلما تم أمره في السلطنة كان أول شيء صدر منه من الأفعال الشنيعة، أنه قبض على خوند أصل باي أم الناصر، وزوجة الأشرف جان بلاط، وأخت الظاهر قانصوه، فوكل بها عشرة من الخدام، وقرر عليها نحوا من خمسين ألف دينار، وقيل عشرين ألف دينار، فباعت أشياء كثيرة من قماشها وأخذت في أسباب وزن ما قرر عليها من المال. ثم إنه عزل برهان الدين ابن الكركي عن قضاء الحنفية، وقرر بها الشيخ سري الدين عبد البر ابن الشحنة، وهذه أول ولايته لقضاء الحنفية.
وفيه قرر قرقماس المقري في الحسبة، فلما قرر بها قبض على محمد الباسطي الذي كان متكلما في الحسبة في دولة الناصر محمد بن قايتباي، فلما قبض عليه ضربه بالمقارع في يوم شديد البرد، وأشهره في القاهرة على جمل، فما أطاق ذلك ومات عن قريب. وكان من الظلمة الكبار.
وفيه خلع على أسنباي الأصم وقرره في الحجوبية الثانية، وقرر نوروز أخا يشبك الدوادار في رأس النوبة الثانية، وقرر طومان الأشرفي في الأمير اخورية الثانية، وقرر القاضي عبد القادر القصروي في نظر الجيش، وصرف عنها الشهابي أحمد ابن ناظر الخاص.
وفيه رسم السلطان برمّ ما فسد من حيطان مدرسة السلطان حسن في مدة محاصرة القلعة فرمّ ذلك جميعها.
وفيه توفي الشرفي يونس بن محمد أينبك أحد الزردكاشية، وكان لا بأس به.
*****
стр. 942
وفي ليلة الخميس مستهل رجب، جرى من الحوادث الغريبة أن الأتابكي قصروه طلع إلى القلعة ليبيت عند السلطان … وكان يبيت بالقلعة ليلة الاثنين وليلة الخميس في تلك الأيام. فلما طلع على جاري العادة وأكل السماط، وجلسوا ساعة يتحدثون، قال له السلطان: "قلبي خائف منك يا أمير كبير". فلما صلى العشاء مع السلطان أمر بعض الخاصكية بالقبض عليه، فأقاموه من مجلس السلطان، وتوجهوا به إلى المكان الذي أنشأه الظاهر قانصوه بجوار الدهيشة، فأقام هناك أياما ثم أمر بخنقه فخنق تحت الليل، وغسل وكفن، وأنزلوه من باب الدرفيل، فدفن في تربة الصاحب خشقدم الزمام التي بالقرب من حوش العرب.
وكان قصروه أميرا جليلا رئيسا حشما مهيبا مبجلا، وأصله من مماليك الأشرف قايتباي، وتولى عدة وظائف سنية منها نيابة حلب، ونيابة الشام، والأتابكية بمصر. وكان في أيام العادل له الأمر والنهي في الموكب، وإذا نزل من القلعة يتوجه معه الأمراء إلى الأزبكية، وجميع قراء البلد والوعاظ. وعزم على سائر الأمراء في ليلة، وعمل أسمطة حافلة جدا، وحضر عنده جميع الأمراء أكابرهم وأصاغرهم وباتوا عنده، وأنعم في تلك الليلة على جماعة من الأمراء بخيول ومال، حتى استمال قلوبهم. وكان يوصف بالكلام الزائد مع الشجاعة، فوعد العسكر بكل جميع، فمالوا إليه، وعولوا في السلطنة عليه
فلما بلغ العادل ذلك المجلس استغنم الفرصة، وبادر بالقبض عليه، وخنقه تحت الليل ودفنه، فكان كما قيل في الأمثال:
وانتهز الفرصة إن الفرصة … تصير إن لم تنتهزها غصة
وقد قلت في واقعة قصروه عدة مقاطيع منها:
أعجبوا من أمر قصروه الذي … ملكه بالشام جهلا قد ترك
وأتى مصرا فما نال المنى … ورماه الدهر في وسط الشرك
وقولي فيه:
كان قصروه قصيرا عمره … خانه الدهر فولى مسرعا
طلبوا التسليم منه فأبى … ثم ما سلم حتى ودعا
стр. 943
وقولي فيه أيضا مضمنا:
لم ينل قصروه ما أمله … من علو فاته في دهره
رام كيدا لمليك عادل … فرماه كيده في نحره
ولكن كان العادل باغيا على قصروه، ووشت بينهما الأعادي بالكلام حتى وقع بينهما وجرى ما جرى من القتل، وكان قصروه سببا لنصرته بالشام وبمصر، وكان في الحصار بمصر معه بكل ما يمكن كما تقدم، وكان يشيل التراب مع الفعلاء على كتفه عند حفر الخنادق وقت محاصرة القلعة عند حضوره من الشام، وما أبقى ممكنا في نصرة العادل على جان بلاط، وآخر الأمر قتله ظلما، فلم يعش الملك العادل بعده إلا أياما قلائل وقتل.
قال علي كرم الله وجهه: "من سل سيف البغى قتل به".
وفي الأمثال:
البغى داء ما له دواء … ليس لملك بعده بقاء
وكان بين العادل طومان باي وبين قصروه أيمان غليظة، وعهود ومواثيق، وما كان قصروه يظن أن العادل يخون تلك الأيمان والعهود كما قيل:
وحلفت أنك لا تميل مع الهوى … أين اليمين وأين ما عاهدتني
وكان قصروه عفيفا من المنكرات، شجاعا بطلا سخي النفس، غير أنه كان عنده طيش، وخفة وسلامة باطن، ومات وقد قارب الخمسين سنة من العمر، ووكزه الشيب، فلما مات تأسف عليه الكثير من الناس، وزال حب طومان باي من قلوب الناس كأنه لم يكن. ولم يستحسن أحد منهم قتله لقصروه الذي كان سببا لنصرته … فنفرت عنه قلوب الرعية، وكان هذا على غير القياس. كما يقال:
لا تشكرن امرأ حتى تجربه … ولا تذمنه من غير تجريب
فشكرك المرء ما لم تختبره خطا … وذمه بعد شكر محض تكذيب
ويقرب من واقعة قصروه مع العادل طومان باي، ما وقع لطشتمر حمص أخضر وقطلوبغا الفخري مع الملك الناصر محمد بن قلاوون … فإن طشتمر وقطلوبغا الفخري
стр. 944
كانا سببا لنصرته لما حضر من الكرك. فلما تسلطن قبض عليهما، وقيد طشتمر وقطلوبغا ولم يرع لهما ودا، ثم أمر بتوسيطهما عند عوده من الكرك، ولم يكن لهما من الذنب ما أوجب ذلك. وهذه الأفعال ما تصدر إلا من جاهل أحمق يعد من جملة المجانين. وكانت هذه الواقعة في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. وفعل العادل هذه الفعلة مع قصوره بعد ما خدعه وألبسه الأتابكية، وخلع عليه وعلى الأمراء الذين كانوا معه بالوظائف السنية، ومنهم: قيت الرحبي خلع عليه وقرره في أمرية سلاح، وقانصوه المحمدي البرجي خلع عليه وقرره في أمرية مجلس، وقانصوه الغوري خلع عليه وقرره في الدوادارية الكبرى، وخلع على قاني باي الرماح وقرره في الأمير اخورية الكبرى، وخلع على طراباي الشريفي وقرره في الرأس نوبة الكبرى، وخلع على طشتمر وقرره حاجب الحجاب وأنعم على جماعة بأمريات تقادم ألوف، منهم: خضر بك أخو قانصوه البرجي، أنعم عليه بتقدمة ألف، وطبلخانات، وعشراوات، ووظائف ممن كان في عصبته.
وفيه قبض السلطان العادل على نخشباي، الذي كان نائب حماه، ثم بقي مقدم ألف في دولة الأشرف جان بلاط. وقبض على تمراز جوشن أمير آخور ثاني، ثم شفع فيه بعض الأمراء فقرره بحجوبية الحجاب بدمشق، وخرج من يومه. ثم قبض على جان بردى الغزالي كاشف الشرقية، وعلى جماعة أخر من الأمراء العشراوات والخاصكية ممن كان من عصبة قصروه.
وفي يوم الخميس ثامن رجب قبض السلطان على الأمير قانصوه البرجي المحمدي أمير مجلس، وأمير بنفيه إلى مكة المشرفة بطالا، فتوجه من البحر الملح. ثم قبض على قلج نائب الإسكندرية وبعثه إلى الشام بطالا. وقبض على جان بلاط الموتر الذي كان محتسبا ونفاه.
وفيه خرج الأشرف جان بلاط منفيا إلى ثغر الإسكندرية وهو مقيد كما تقدم.
وفي يوم الجمعة عاشره عقد السلطان طومان باي على خوند فاطمة ابنة العلائي علي بن خاص بك زوجة الأشرف قايتباي، فعقد لها عليه بجامع القلعة، وحضر القضاة الأربعة العقد، وكان يوما مشهودا.
وفيه أنعم السلطان على قان بردي اليوسفي بتقدمة ألف، وقرره في الدوادارية الثانية عوضا عن طراباي الشريفي بحكم انتقاله إلى الرأس نوبة الكبرى.
وفيه عمل الموكب، وخلع على جماعة من الأمراء، فخلع على دولات باي المشهور بأخي العادل وقرره في نيابة الشام، وقرر أرقماس بن ولي الدين في نيابة حلب عوضا عن دولات باي، وخلع على جانم بن قجماس وأقره في نيابة طرابلس عوضا عن برد بك
стр. 945
الطويل، وخلع على الأمير سنباي نائب سيس وقرره في نيابة حماه، وخلع على قانصوه الفاجر وقرره في نيابة صفد، وخلع على ملاج الأشرفي قايتباي وقرره في نيابة القدس، خلع على قصروه الصغير وقرره في نيابة البيرة، وخلع على جانم وقرره في نيابة طرسوس. فلما خلع عليهم استحثهم في الخروج بسرعة إلى محل ولايتهم، فخرجوا بغير أطلاب.
وفيه أمر بنفى جماعة من الأمراء العشراوات إلى نحو قوص، منهم جان بردى الغزالي، وقرقماس قرا، وقايتباي، وآخرون من الخاصكية، وقيل إنه فقد منهم جماعة.
وفيه، في يوم السبت سادس عشريه، خلع السلطان على جاني بك السيفي أقبردي الدوادار وقرره في شادية الشراب خاناه، وقرر طوخ المحمدي في نيابة القلعة، وقرر تمرباي أحد خواصه في الخازندارية الكبرى.
وفيه أنعم السلطان على جماعة من الأمراء بتقادم ألوف، منهم: طقطباي وماماي جوشن.
وفيه حضر خاير بك أخو قانصوه البرجي، وكان ممن سجن بقلعة دمشق مع الأمراء المقدم ذكرهم، فلما حضر أنعم عليه بتقدمة ألف، واستمرت الأتابكية شاغرة من حين قتل قصروه، فرسم السلطان للأمير طراباي أن يتكلم في جهات الأتابكية حتى يقرر فيها من يختار.
وفيه عزل السلطان القاضي عبد البر الحنفي، وأعاد البرهان بن الكركي، فكانت مدة القاضي عبد البر في القضاء أياما وعزل عنها. وقد قلت في ذلك:
ولوك قاضي القضاة لكن … جاؤوك بالعزل عن قريب
فمدة الحكم منك كانت … أقصر من جلسة الخطيب
ولما أعيد قاضي القضاة برهان الدين بن الكركي إلى القضاء، قلت في ذلك:
بقاضي القضاة استبشرت مصر فرحة … بعودته في منصب للشرائع
فمذ قيل من أولى بمرتبة القضا … على مذهب النعمان من كل بارع
أشار إليه بالأيادي مليكها … وأو ما إليه نيلها بالأصابع
стр. 946
وقد سعى ابن الكركي في عوده إلى القضاء بمال له صورة.
وفيه اختفى شيخنا جلال الدين السيوطي، وقد طلبه ليفتك به، وكان بينهما حظ نفس من حين كان السلطان العادل في الدوادارية الكبرى، وجرى بينهما أمور شتى يطول شرحها. فلما اختفى قرر السلطان الشيخ يس البلبيسي في مشيخة الخانقاه البيبرسية عوضا عن الجلال السيوطي بحكم صرفه عنها.
وقد جاءت الأخبار بالقبض على مغلباي زجاج حاجب دمشق، ونائب قلعتها أيضا، ثم إن السلطان قرر في حجوبية دمشق برد بك تفاح، وقرر تمر بن جانم الظاهر في حجوبية حلب عوضا عن تمراز جوشن، وكانت حيلة عليه، فلما خرج أرسل بالقبض عليه، مضوا به إلى القدس بطالا.
*****
وفي شعبان المبارك كانت تفرقة السلطان لنفقة البيعة.
وفيه حضر قاصد على دولات وعلى يده مكاتبات للسلطان تتضمن أنه أرسل يشفع في الأمير أرقماس نائب البيرة، وكان فر إلى ابن عثمان وعاد، فأقام عنده على دولات حتى شفع فيه عند السلطان.
وفيه عول السلطان بالقبض على الأمير خشكلدي البيسفي، فلما بلغه ذلك فر من داره، واستمر مختفيا حتى جرى للعادل ما جرى.
وفيه طلع جهاز خوند الخاصكية إلى القلعة، فشق من الصليبة وكان يوما مشهودا.
وفي يوم الاثنين رابع الشهر المذكور جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية بقتل الأشرف جان بلاط مخنوقا، وهو بالبرج بالإسكندرية، قاتل الله من فعل به ذلك. وكان قد أرسل العادل مرسومة على يد مصرباي الصغير إلى نائب الإسكندرية بخنقه وهو في قيده، قيل لما أرادوا خنقه أحدث في ثيابه وصار شخيره كالثور العظيم. فلما مات غسل وكفن وصلى عليه ودفن بمقابر الإسكندرية. ثم نقل بعد موته كما سيأتي الكلام عليه في موضعه، وكان الأشرف جان بلاط ملكا جليلا وافر العقل، جميل الهيئة، وكان من خواص الأشرف قايتباي، وتولى عدة وظائف سنية، منها تجارة المماليك، وتقدمة ألف والدوادارية الكبرى ونيابة حلب ونيابة الشام، والأتابكية بمصر، ثم تولى السلطنة، وأقام بها ستة أشهر وثمانية عشر يوما، وآل أمره إلى أن مات مخنوقا بالسجن، وقاسى شدائد ومحنا، كما يقال في الأمثال:
والمرء لا يدري متى يمتحن … فإنه في دهره مرتهن
стр. 947
ولما مات الأشرف جان بلاط كان له من الغمز زيادة على الأربعين سنة. ولما مات على تلك الحالة رثيته بهذه الأبيات:
جان بلاط بدا له … طالع النحس طرده
نجمه لاح مخبرا … بعكوس مؤبده
عند ما ظن أنه … نال بالملك مقصده
جاءه الموت عاجلا … في بروج مشيده
وفي يوم الخميس سابعه صعدت خوند الخاصكية زوجة الملك العادل طومان باي إلى القلعة. فخرجت من بيتها الذي بقنطرة سنقر، وهي في محفة زركش، ومشى قدامها رؤوس النوب والحجاب والخاصكية، وهم بالشاش والقماش، ومشى أيضا قدامها الوالي، ونقيب الجيش، وعبد اللطيف الزمام، وأعيان الأكابر والمباشرين، منهم: كاتب السر صلاح الدين بن الجيعان، وعبد القادر القصروي ناظر الجيش، وعلاء الذين ابن الصابوني، وناظر الخاص، وبقية المباشرين قاطبة، وأعيان الطواشية، منهم: عنبر مقدم المماليك، وآخرون من الخدام، وكان معها من نساء الأمراء والأعيان نحو مائتي امرأة.
فلما وصلت إلى باب الستارة فرشت لها الشقق الحرير تحت حوافر بغال المحفة، ونثر عليها خفائف الذهب والفضة، وحمل الزمام القبة والطير على رأسها حتى جلست بقاعة العواميد، والنوبة السلطانية عمالة، وكان يوما بالقلعة مشهودا، واستمر لهم بالقلعة عمالا ثلاثة أيام، وكان لها موكب حافل لما شقت من الصليبة، وكان قدامها المجمع السلطاني، والبقج وطشت وإبريق بلور، ومدورة زركش … ولم يتقف لإحدى الخوندات قبلها أنها نزلت من القلعة، وعادت إليها على هذا الوجه، سوى هذه وخوند أصل باي، أم الملك الناصر، ولكن هذه أعظم وأحكم موكبا، وقلت في هذه الواقعة أبياتا لطيفة المعنى:
عادت خوند إلى سرور ثان … مذ زوجت بالعادل السلطان
في وجهها الإقبال والبشر الذي … يتقاولون به بكل لسان
طلعت كشمس الأفق ضمن محفة … تجلى كحور العين وسط جنان
في موكب يحكي مواكب قيصر … فاقت على كسرى أنو شروان
لما أتت عند الصعود لقلعة … نثرت عليها الدر كالعقيان
عادت إلى الأوطان في بشر وفي … عز وإقبال وصفو زمان
نالت مراتب عزها مذ أقبلت … عاد السرور بمقدم السكان
واستبشرت دار بها سكنت وقد … رقصت بها طربا على العيدان
стр. 948
وتبسمت أزهار أغصان الربا … فرحا بها في روضة البستان
بحر السماح غدا براحة كفها … يروي العطاش بمنهل الإحسان
وتجود من فيض الندى بمكارم … فيكون منه شفاء للظمآن
فالله يكفيها مؤونة حاسد … ويطيل أياما لها بأمان
ما ماس غصن في الرياض وكللت … أيدي الغمام شقائق النعمان
وقد عرضت هذه القصيدة على خوند واستحسنتها.
وفيه خلع السلطان على طوخ المحمدي وقرره في نيابة القلعة عوضا عن طقطباي بحكم اختفائه.
وفيه قرر شمس الدين أبو النصر في كتابه الخزانة مشاركا لصلاح الدين بن الجيعان.
وفيه قبض السلطان على القاضي ناظر الجيش عبد القادر القصروي ووكل به، وخلع على القاضي شهاب الدين أحمد وأعاده إلى نظر الجيش عوضا عن القصروي.
وفيه تغير خاطر السلطان على الأمير اصطمر بن ولي الدين، وقصد الإخراق به لكونه صهر البيسفي، وصار ممقوتا عنده.
*****
وفي مستهل رمضان رسم السلطان للخليفة أن ينزل ويسكن بداره، وكان الملك الأشرف جان بلاط رسم له أن يسكن بالقلعة.
وفي يوم الاثنين خلع السلطان على المقر البدري بدر الدين محمود بن أجا الحلبي الحنفي، وقرره في كتابه السر بالديار المصرية، عوضا عن صلاح الدين بن الجيعان بحكم استعفائه منها.
وقد تقدم للبدري محمود أنه ولي قضاء الحنفية بحلب غير ما مرة، وكان والده القاضي شمس الدين محمد بن أجا الحلبي رئيسا حشما من الأعيان، وتولى قضاء العسكر في أيام الأشرف قايتباي وكان من خواص الأمير يشبك الدوادار ورأى الأوقات الحميدة.
وفيه توفي العلائي علي بن الصابوني، ناظر الخاص، وهو علي بن أحمد بن محمد بن سليم البكري الدمشقي الشافعي. وكان رئيسا حشما وتولى عدة وظائف سنية، منها قضاء الشافعية بدمشق، ووكالة بيت المال، ونظر الخاص بمصر، ومات وله من العمر خمس وثمانون سنة، فلما مات خلع السلطان على علاء الدين علي بن حسن الإمام، وكان من جملة مباشري الخاص، وتولى نظاره الطور، وكانت نظارة الخاص تعينت إلى ناصر الدين الصفدي، ثم تحولت إلى علاء الدين ابن الإمام.
стр. 949
وفيه أنفق السلطان الكسوة على العسكر على العادة.
وفيه أرسل السلطان خلعة إلى قانصوه قرا الذي كان كاشف الشرقية ثم بقي نائب غزة، وقرره في نيابة حلب، فاستعظم الناس عليه ذلك، ولاموا السلطان على هذه الفعلة، فخرج إليه بالتقليد شخص من بعض الدوادارية يقال له أيدكي.
وفيه قرر السلطان في نيابة غزة علي باي السيفي ابن يشبك، عوضا عن قانصوه الشهير بقرا رجله، بحكم انتقاله إلى نيابة حلب، وقرر بلباي المؤيدي دي دوادارية السلطان بدمشق، وفي نظارة الجيش بها أيضا، حتى عد ذلك من النوادر، وقرر قانصوه الجمل في الأتابكية بدمشق، عوضا عن قرقماس التنمي بحكم صرفه عنها.
وفيه مات فجأة كسباي المغرب الإينالي، أحد الأمراء العشراوات وكان لا بأس به.
وفيه تزايد شر العادل، وصار يكبس البيوت والحارات بسبب الأمراء الذين اختفوا منه، وهم مصر باي، وطقطباي، وتمر باي، وكرتباي، وخشكلدي، وجماعة آخرون.
وصار طراباي، وأنس باي، وبيبرس البهلوان، قان بردي الغوري، وأزبك النصراوي، ووالي الشرطة يطوفون بعد العشاء ومعهم جماعة وافرة من مماليك السلطان، فيشوشون على الناس، ويكبسون عليهم البيوت تحت الليل، ويسبون حريمهم … فحصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك، فما كان عن قريب حتى هرب العادل واختفى، وصاروا يكبسون عليه البيوت والحارات، ويطلبونه أشد الطلب، وكما يدين الفتى يدان.
وفيه حضرت إلى القاهرة زليخا خاتون ابنة خليل بن حسن الطويل، ملك العراقين، حضرت تروم الحج، فأكرمها السلطان، ورسم لها بعمل برك.
وفيه كان ختم البخاري بالقلعة، واجتمع القضاة الأربعة، وأرسل السلطان خلف قانصوه الغوري أمير دوادار كبير، وقيت الرحبي أمير سلاح - وكان يوما حافلا - فلم يحضر قانصوه الغوري، ولا قيت الرحبي، وقد أحسا بما عول عليه السلطان من مسكهما.
وفيه دارت عدة طواشية على الخيل، وأشيع بالعرض للعسكر، وأن السلطان يريد القبض على جماعة من الجند والمماليك. فتخيلوا من ذلك، ولم يطلع أحد منهم إلى القلعة، وقد تغيرت عليه خواطر العسكر قاطبة.
وفيه أخرج السلطان جماعة من مماليكه وسماهم العادلية.
وقد استمر الحال في اضطراب إلى يوم الأحد سلخ شهر رمضان، فلبس العسكر آلة السلاح، ووثبوا على العادل. وكان القائم بهذه الفتنة قيت الرحبي ومصرباي … فلما اتسعت الفتنة ظهر جماعة من الأمراء المختفين منهم خشكلدي البيسقي، وجان بردي الغزالي، وآخرون من الأمراء ممن كان مختفيا. فلما تحقق العادل أن الركبة عليه، نزل
стр. 950
إلى باب السلسلة وعلق الصنجق السلطاني، ونادى للعسكر أن تطلع إلى القلعة، فلم يطلع إليه أحد من الأمراء ولا من العسكر، ولم يكن عنده أحد من الأمراء سوى الأمير قان بردي الدوادار الثاني أحد المقدمين - وكان من عصبته ومن خواصه، وقد أشيع بين الناس أنه سيوليه الأتابكية عوضا عن قصروه - وكان عنده قرقماش المقري المحتسب، وطراباي رأس نوبة كبير، وأنس باي وآخرون من الأمراء وبعض مماليك سلطانية
فجلس في المقعد المطل على الرميلة فلم يطلع إليه أحد من العسكر.
وفي ذلك اليوم وقع قتال هين وجرح الأمير أقبردي في وجهه. فلما كان وقت الغروب من سلخ شهر رمضان نزل الأمير قاني باي الرماح من باب السلسلة، ومعه ماماي جوشن، ونزل طراباي وأنس باي. فلما رأى ذلك من كان عند العادل من المماليك السلطانية، تسحبوا جميعا، وتمت الكسرة على العادل. فلما دخل الليل قام ونزل من القلعة، واختفى، وكانت ليلة عيد الفطر. فاضطربت الأحوال، ولا سيما في تلك الليلة، وقد قلت في المعنى:
في ليلة العيد أتى … سلطاننا كل الضرر
فلم تكن كسرته … إلا كلمح بالبصر
وكان سبب هذه الفتنة، أنه قد أشيع بين الناس في ليلة العيد، أن السلطان قد عول على مسك جماعة من الأمراء يوم العيد وهم في الجامع. فلما بلغهم ذلك وثبوا عليه تلك الليلة.
فلما نزل من القلعة واختفى، وقع النهب في الأسطبل السلطاني والزردخاناه، فنهب منها أشياء كثيرة بنحو من ستين ألف دينار على ما قيل. فلما كان يوم العيد لم يصل أحد من الأمراء صلاة العيد، واشتغل كل أحد بما هو فيه، ووقع الخلف بين الأمراء فيمن يلي السلطنة، وكان من الأمر ما سنذكره. فكانت مدة السلطان الملك العادل طومان باي بالديار المصرية ثلاثة أشهر وعشرة أيام، خارجا عن سلطنته بدمشق.
وكان ملكا جليلا، مهيبا مبجلا، تولى الملك وقد جاوز الأربعين سنة. وكانت صفته:
طويل القامة، أبيض اللون، مشربا بحمرة، مدور الوجه، مستدير اللحية، أسود الشعر، الغالب عليه الشقرة. وكان ممتليء الجسد جميل الهيئة، وافر العقل سديد الرأي … غير أنه كان سفاكا للدماء عسوفا ظالما: قتل الأتابكي قصروه ظلما، وأرسل بخنق الأشرف جان بلاط وهو بالبرج، وعول على خنق الظاهر قانصوه أيضا وهو بالبرج ولكن كان في أجله تأخير، ونفي جماعة كثيرة من الأمراء والخاصكية والمماليك في هذه المدة اليسيرة. ولو دام في السلطنة لوقع منه أمور شتى، ولكان يقتل غالب الأمراء وثلث العسكر.
следующие страницы →