← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الدنيا، ويباهى بها الأمم في الآخرة، وتخميد هذه النفس الفاجرة. يحكى أن السلطان صلاح الدين أثخن بالجراح في غزوة، وقُتِل من المسلمين جماعة، ثم انتصروا، فدخل الملك إلى خيمته غضبان يُهَمْهِم، فقال له وزيره وكان الوزير حنفي المذهب: هذا يوم عيد أيها الملك. فقال: مذهبكم يقول: إن النكاح أفضل من هذا، كيف يكون هذا؟! قال الوزير: لولا النكاح ما كنت أيها الملك ولا أحدٌ من حاشيتك. فأعجب الملك وسكن غضبه (١). وروي أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ : كَثُر النِّساء فادع عليهم. فدعا لهم، وقال: «كيف أدعو على شجرة أنتم ثمارها» (٢). ثم اعلم رحمك الله بأن الله تعالى حسَّن المحسنات وكثَّر ألوانهن، وخلق في الإنسان الضعف والميل؛ فقال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. وفي آية أخرى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]. فجعل في النِّساء من هي بيضاء بحلية سوداء تؤدي إلى الصفرة، وأخرى علاها البياض بحلية زرقاء تؤدي إلى الشقرة، وواحدة ما اتصفت بالأولى ولا تشبهت بالثانية، قد علاها السمرة، وامرأة قد صبغها رب العباد وحلاها بالسواد؛ فسبحان من له هذه القدرة. فلما زين الحقُّ هؤلاء الأربعة بهذه الزينة أباحهن في الحلال لهذه النفس المسكينة، فأباح الشرع للمسلم أربع زوجات في الحلال، وجميع ما يملكه بشراء أو هبة وصدقة وميراث، أن يطأها إن لم يكن وطئها الأب ولا الأخ والعم والخال. وقد أباح الحقُّ سبحانه لهن الزينة والتحلي بالذهب والفضة والحرير، وجعلهن ناقصات عقل ودين، فترى الغالب عليهن نسيان الآخرة؛ فَهَمُّها (٣)

стр. 317

ما أنعم (١) من اللباس والزينة، والأطعمة الفاخرة. فانظر ماذا لطف الله بك بقدرته القاهرة حتى تنجمع النفس على ما أحل لها، وتكون عن الحرام نافرة. وقد أباح الشرع النظر إلى المخطوبة لدوام الصحبة، وأن لا يعصي المحب محبوبه. وقد أباح الحق سبحانه لنبينا ﷺ تسع زوجات في وقت واحد، ولداود صلى الله عليه مئة، ولولده سليمان ﵇ ثلاثمئة زوجة، وكان له سبعمئة سرية. وشرح ذلك يطول، والقصد في هذا بأن تعلم أن الأنبياء ﵈ كانوا يرغبون في النكاح؛ لكي يأتي من ظهورهم من يعبد الله تعالى ويجاهد في سبيله. فمن رغب عن النكاح مع القدرة على الحال والمال فقد خالف الأنبياء والأولياء، وتشبه بمن ترهَّب من الأشقياء، وقال ﷺ : «من تشبه بغيرنا فليس منا» (٢)، وقال: «لا رهبانية في الإسلام» (٣)، وفي حديث آخر: «لا تتشبهوا بأهل الكتاب» (٤). فاعتبروا يا أولي الألباب. وليس لهم حجة في قوله ﷺ : «إذا أحب الله عبدًا لم يشغله بزوجة

стр. 318

ولا ولد» (١). الحديث غير صحيح، وإن صحَّ كان فيه احتمال أن المؤمن يؤدي حق العيال (ويشتغل بالكبير) (٢) المتعال؛ فيؤدي حق الزوجة والولد، ثم يجتهد في طاعة الفرد الصمد. ولم يتزوج أحدٌ ببنتين لنبيٍّ عظيم غير عثمان، فلما ماتتا قال ﷺ : «لو كان لنا ثالثة لزوجناك يا عثمان!» (٣). ومن ترك النكاح لعذر فله أجر المتأهل؛ لأجل النية، وكذلك لو نوى المؤمن أن يفعل خيرًا ولم يقدر فله ذلك الأجر، مثاله يقول في نفسه: لو كان لي مثل مال فلان لعملت كما يعمل من الخيرات والإحسان. هما في الأجر سواء. ومن الناس من يتزوج لأجل الله سبحانه، ومنهم من يتزوج لأجل السنة، ومنهم من يتزوج لأجل الدنيا، ومنهم من يتزوج لمعصية الله تعالى. فالمتزوج لله سبحانه هو رجل تزوج بامرأة قليلة المال، كثيرة العيال، وليس لها حظ من الحسن والجمال، وهذا في الناس قليل. ورجل تزوج بكرًا أو ثيبًا ينوي به الدخول في السنة، والخروج عن المعصية. وطالب المال هو رجل تزوج امرأةً رغبةً في مالها، ولم يلتفت لقلة دينها ولسوء حالها؛ فاته الأجر الأول، ولم يلحق بالثاني، وآخر تزوج بامرأة ناويًا أكل مالها، فإذا فرغ المال طلقها وأرخى حبالها. وهذا زواج معلول، وصاحبه قد تعرض لمقت الله وغضبه، وخرج عن طريق الرسول ﵇، وفي الخبر أنه يعدُّ من الزناة لأجل ما نواه (٤)، والزوجة عند الرجل أمانة، فمن خانها لم يرزقه الله تعالى أمانة.

стр. 319

فقد بيَّن سيد الحكماء أمراض العباد بقوله ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لجمالها، ولمالها، ولحسبها، ولدينها». وقال للسائل: «عليك بذات الدين تربت يداك» (١). وهذا الحديث نُصحٌ للأمة؛ لأن الدين يبقى، والمال والجمال والحسب والنَّسب يفنى. أي: لا تكثروا الالتفات إلى هذه الملونات؛ فهي كالظل الزائل عن أيام قلائل. قال المولى جل وعلا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. تدبر هذه الآيات ترى عجبًا؛ فقوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه:

стр. 320

١٣١] أي: يا عبدي لا ترضى إلا بما عندي، جنة عرضها السماوات والأرض، وأوسع من ذلك المغفرة. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ شبه المولى زينتها بالزهرة، فلا تشغلك زهرتها عن طريق المصطفى، فهذه الزهرة لا بد لها من الانطفاء. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧ - ٨]. الجرز: هو اليابس. أذهبت القدرة تلك الخضرة فقوله تعالى: ﴿زينة لها﴾ لم يقل (١): زينةً لك، قال ﷺ : «زينة المؤمن الطاعة» (٢). والأحمق من يفرح بزينة غيره، ويترك ما يزيِّنه عند الله تعالى. وقوله: ﴿لنبلوهم﴾ أي: لنختبرهم بها؛ هل يحبونها أو يحبونه؟ وهو أعلم بهم. فإذا زوى الله تعالى عنك الدنيا، فقد زوى عنك ما يشغلك عنه، فإياك أن تمد عينيك إلى مَنْ أُعطي عطاءً وشُغل (٣) به عن الله لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١]. وَقُلْ كما قال نبي الله: ﴿فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] ولا تحسدن أحدًا (٤) على دنياه، وارحمه على ما فاته مِنْ خالقه ومولاه. وفي الحديث: «إذا أحب الله عبدًا، زوى عنه الدنيا وابتلاه» (٥).

стр. 321

زوى عنه الدنيا: ليخفِّف عنه حسابه، ولتكون الجنة مأواه، وابتلاه: لينجمع على سيِّده وخالقه ومولاه. أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: العافية تجمعك عليك، والبلاء

стр. 322

يجمعك عليَّ، وبلاء يجمعك عليَّ خيرٌ من عافية تجمعك على شر (١). ثم اعلم بأن كل أحد يود يوم القيامة أن لو كان فقيرًا مبتلى في جسمه، معافى في دينه؛ لما يرى من تخفيف الحساب، وجزيل الثواب، وليس للعبد أنفع في الدنيا من الفقر والبلاء والخمول؛ لكي يشغل بذلك عن الخروج عن طريق الرسول. وقد جاء في الحديث: «الدنيا سجن المؤمن» (٢). والفرح لا يليق بالمسجون، ولا يفرح فيه إلا كلُّ عبدٍ مفتون، واسمع قول الصادق الأمين: «إن الله يحب كل قلب حزين» (٣)، ومن عادة المسجون أن يحدق بعينيه ويصغي بأذنيه متى يدعى فيجيب. كان بعض الصالحين كثير الالتفات، فقيل له في ذلك فقال: أنتظر ملك الموت من أين يأتيني. وكان بعضهم يقول: عجبت لمن يدوم له السرور … ويعلم أن مسكنه القبور ومن يمسي ويصبح (٤) في أمان … وقد نسي القيامة والنشور وفي الخبر أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إني أحب الله. فقال له: «اعتدَّ للبلاء». وقال رجل آخر للنبي ﷺ : إني أحبك. فقال له: «اعتد للفقر» (٥).

стр. 323

وقال ﷺ : «إن الله يحمي وليَّه من الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه أو سقيمه من الطعام والشراب» (١).

стр. 324

وفي حديث آخر: «إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم» (١). وقال أيضًا: «إن لكل أمة فتنة وعِجْلًا، وإن فتنة أمتي وعجلها المال» (٢). اسمه مال: أي مال بأهله عن الطاعة والأذكار، والدينار آخره نار، والدرهم آخره هم. وأنشد (٣): النار آخر دينار نطقت به … والهم آخر هذا الدرهم الجاري والمرء ما دام مشغوفًا بحبهما … معذب القلب بين الهم والنار فإذا أراد الله لك الفقر فقد خصَّك بما خصَّ به الأنبياء والأحباب؛ ليهون عليك العرض والحساب، فمن السعادة خفة الظهر، فإذا رزقك الله ثوبًا فلا تحسد صاحب ثوبين، وقل: عسى الملابس هيئت لي في الآخرة. قال محمد بن واسع: رأيت كأني أنا وفلانًا سماه نستبق إلى

стр. 325

الجنة، فسبقني إليها، فقلت: بماذا سبقني؟ فقيل لي: كان له ثوب واحد ولك ثوبان (١). وإذا رزقك الله تعالى كسرة يابسةً، فاشكره الذي يبَّس كسرتك، ولين قلبك. وفي الخبر: يقول الله تعالى في بعض كتبه المنزلة: يا عبدي، إذا سقت لك كسرة تسد جوعتك، وخرقة تواري عورتك، وجعلت الحساب على غيرك، فما اصطنعت معك إلا معروفًا (٢). قال ابن السمَّاك: غنيمة المؤمن ما فاته من الدنيا (٣). وقال يحيى بن معاذ: العاقل المصيب من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه (٤). وقال الحسن البصري: المؤمن في الدنيا كالغريب، لا يجزع من ذُلِّها، ولا ينافس في عزها، للناس حال وله حال (٥). وبذلك وصَّى الحبيبُ: «كُنْ في الدنيا كأنك غريب» (٦).

стр. 326

وفي حديث آخر: «الغربة شهادة» (١). وفي «صحيح مسلم»: «فطوبى للغرباء» (٢). وقال: «طلب الحقِّ غربة» (٣). ثم اعلم بأن الغربة ليس هي الأسفار من مكان إلى مكان، والتشتت

стр. 327

في البراري والبلدان والنفس معه، فمن رحل والنفس معه ما رحل، والرجل من رحل عن نفسه، يا لها من رحلة توصلك إلى الحبيب، والرحلة عن النفس هجران عاداتها المذمومة. قال ﷺ : «المهاجر من هجر ما حرم الله» (١). قال سري السَّقطيُّ: رأيت الحقَّ في المنام، فقلت: يا رب، كيف الطريق إليك؟ فقال: دع نفسك وتعال (٢). وكان شيخنا رحمة الله عليه يقول في قول الشاعر: تغرَّبْ عن الأوطان في طلبِ الغِنَى (٣) يقول: تغرَّبْ عن أوطان عاداتك وشهواتك. إذا أراد الإنسان أن يدخل بستانًا في الدنيا لا يدخله حتى يفارق وطنه وأهله، فتريد أنت الدخول لبساتين الغيب بغير مفارقة! سافر تجد عوضًا عمن تفارقه، من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، «من ترك شيئًا لله عوضه الله أمثاله»، وفي حديث آخر: «ما هو خيرٌ منه» (٤).

стр. 328

قد طال هذا الباب، وليس هو من مقصود الكتاب، لكن يطيب للنفس ذكر الأحباب، وتتحسر على ما فاتها من هذه الخيرات والثواب. وأيضًا فإنها تملُّ من اللون الواحد، فذكرنا لونًا آخر من صفات أهل الخير والفلاح. ثم نرجع إلى ذكر التأهُّل والنكاح: قال ﷺ : «خير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (١). فاحذر أيها المؤمن أن تنكح المرأة الصبيحة، صاحبة الأخلاق القبيحة، فتندم يوم القيامة، وتبقى في خجل وفضيحة، واقبل منِّي هذه النصيحة، ولا خير في وجهٍ صبيح وفعلٍ قبيح (٢).

стр. 329

وقوله: «تزوجوا الودود الولود … » الحديث (١). فسوداءُ وَلُودٌ خَيرٌ مِنْ بيضاءَ عقيمٍ، والأبكار أعذب أفواهًا، وأنتق (٢) أرحامًا، وأرضى باليسير، وكذلك ينبغي للمراة أن تختار الرجل الصالح، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها. ولا يزوج الرجل ابنته الصغيرة للشيخ الكبير، ولا لرجل دميم؛ لأن نفس الشابة لا تحبهما، ولا يقيم الإنسان مع من يكرهه إلا أن يكون صالحًا راضيًا بما قسم الله تعالى له، كما قيل: إن رجلًا تزوج، فلما خلا بزوجته ما أعجبته، فانعزل عنها، فلما أراد الخروج إلى الصلاة صلاة الصبح تعلقت به، وقالت: أنت (٣) لما أردت زواجي ما استخرت الله تعالى؟ قال: بلى (٤). قالت: فالله سبحانه اختارني لك، أما ترضى أنت بذلك؟ فقال: رضيت. وواقعها (٥)، فجاءت بولدٍ، وهو مالك بن أنسٍ، صاحب المذهب ﵀. ولا يزوِّجُ الإنسان ابنتَه أو كريمته من فاسق. قال بعض الصحابة: من زوَّج كريمته لشارب خمر؛ فكأنما ساقها للزِّنى. وقال الشعبي: من زوج كريمته لفاسق فقد قطع رحمها (٦). ومن السنة أن لا تؤخَّر المخطوبة البالغة إذا خطبها الكفؤ، وهو المسلم التقي القادر على الكسوة والنفقة؛ لأن الزواج ستر للنساء والبنات، وللتأخير آفات.

стр. 330

والوليمة سنة ولو بشاة، أو ما تيسر من الطعام للعجز، ويسمِّي الرجل عند المجامعة ويستعيذ من الشيطان، فإن خلق الله تعالى منه نسمة لم يضرها الشيطان، وتنشأ مباركة طائعة. ومن السُّنة: تحسين الاسم وهو ما حُمِّد وما عُبِّد (١)، وهذا حسن؛ فإن سماه باسم نبي فهو أحسن (٢)؛ لأنه يدعى يوم القيامة باسمه واسم أبيه (٣)، ويعلمه الأدب؛ فإنه يسأل عن ولده يوم القيامة. ومن السُّنة: أن يحسن الإنسان خُلقه مع أهله، ففي الخبر أن خَيرَ النَّاس أحسنهم خُلقًا مع أهله، وأنفعهم لعياله (٤)، والسعي على الأرامل والمساكين هو جهاد في سبيل الله تعالى، وأفضل من قيام الليل وصيام

стр. 331

النهار (١)، كذا جاء في الأخبار، فانظر إلى هذه المنَّة، واسمع قوله ﷺ : «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة»، وأشار بإصبعيه ﷺ (٢). فقد تقدم أنَّ الشرع نهى عن زواج المرأة الصبيحة، صاحبة الأفعال القبيحة (٣). وأشرُّ من ذلك: مَنْ زنا بامرأة ثم تزوجها؛ ذهب بعض العلماء أنه لا يجوز، وجوَّزه الباقون (٤). وكذا من تزوج ابنته من الزِّنَى حرَّمه جماعة، وجوَّزه الباقون (٥). وكذلك المحلِّل، يزوَّج بشرط التحليل، جوَّزه جماعة (٦)، وحرَّمه (٧) الذي حرم نكاح الابنة من الزِّنَى، فهو أبو حنيفة ﵁ (٨)، وكان من المحتاطين في دين الله، والذي أباح ذلك فهو الشافعي ﵁ والباقون (٩)، وتركنا الدليل خوفًا من التطويل.

стр. 332

ولا يجوز النكاح إلى بعض الأيام، أو إلى بعض الشهور والأعوام، كما فعله في طريق الحجاز بعض العَوام، فيتزوج المرأة إلى فروغ الحج والإحرام، فيقع بجهله في الباطل والحرام، وهذا زواج معلول؛ لخروج فاعله عن طريق الرسول (١)، وهو دليل على قلَّة قبول الحجِّ، والطرد وحرمان الوصول. ومعنى قوله ﷺ : «تلاعبها وتلاعبك» (٢). اعلم أن اللعب كمين (٣) في الحيوان والآدمي، فإذا أخرجه الإنسان فيما أحلَّ الله له فيستغني بذلك عن ما حرم الله عليه. فيجوز اللعب مع الزوجة والأولاد والمرح (٤) مع العباد، إلا أن يكون غلامًا حسن الوجه، أو امرأةً أجنبية فيحرم، ويكره المرح (٥) مع الظَّلَمة وأعوانهم، والفسقة وإخوانهم، وإن أمكن أن لا ينظر المسلم لهم فليفعل؛ لأنهم ساقطون من عين الله تعالى. وكان بعض المشايخ يخرج بمريديه إلى البستان، ويقول لهم: تفرَّحوا (٦)، فكانوا يمزحون ويرقصون ويترامون بقشور البطيخ، فقيل للشيخ: لم تأمرهم بهذا؟ قال: حتى يخرج اللعب في شيء أبيح لهم، ولا يخرج في شيء حرم عليهم، ولكي لا تملَّ النفس من العبادة؛ فيعمل لهم هذا في بعض الأحيان. وقال ﷺ : «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، غير ثلاث: ملاعبة

стр. 333

الرجل أهله، وتأديبه لفرسه، ورميه عن قوسه» (١)، فهذا وما كان في معناه هو من الحق، وتحضره ملائكة رب العالمين، واللهو والباطل تفرُّ منه الملائكة وتحضره الشياطين. وكان ﷺ في بعض الأحيان يلاعب الأهل، ويمزح مع الإخوان؛ تبيينًا لجواز ذلك إذا كان حقًّا، وكان في أكثر أوقاته قد شُغل عن ذلك كله بخوف الرحمن، فلم يُرَ ضاحكًا قطُّ. وكان إذا سمع أو رأى ما يعجبه تبسَّم، فكان ضحكه تبسُّمًا (٢). فيا حسرة من عصى الله وضحك، وخالف الواحد المنان. وروي أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا غير عائشة ﵂ (٣). وكانت من أحب نسائه إليه (٤)، وأعلم بأحكام الشرع، فلما كانت ليلة عائشة

стр. 334

دخل معها ﷺ الفراش (١)، فلما لصق جسده بجسدها استأذنها وقام للوضوء، وبكى حتى بلَّ الأرض، وأطال السجود حتى ظنت عائشة أن الله سبحانه قد قبض نبيه، ثم دخل عليه بلال فوجده يبكي، فقال: أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال ﷺ : «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢). هذا فعل السيد المعصوم، وأنت تعصي وتضحك يا أيها المحروم. ويكره للمرأة أن تتزيا بزيِّ الرجال، ويكره أيضًا للرجل التشبه بالنساء؛ لقوله ﷺ : «لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء» (٣). مثل ذلك كامرأة تترك الخمار والقناع، وتلبس أقبية (٤) الرجال والأقباع (٥). وجاء في «صحيح مسلم»: أن النبي ﷺ قال: «صنفان من أمتي من (٦)

стр. 335

أهل النَّار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها النَّاس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (١). وهاتان البدعتان (٢) المشؤُومتان أخبر ﷺ عنهما قبل ظهورهما بستِّ مئةِ سنةٍ وكسور من الهجرة المحمدية؛ ونسأل الله تعالى السلامة من البدع والأفعال الرَّدية. وينبغي أيضًا للرجل أن لا يتشبه بالنساء: كلُبْسِ الثوب المعصفر، والسراويل القزواني، ويحرم عليه التقنُّع، ويكره الطيلسان لكل إنسان، ويباح لمن به عذر. ولعن ﷺ عشرًا: الواصلة، والمستوصلة، والنامصة، والمتنمصة، والواشمة، والموشومة، والناشرة، والمتنشرة (٣). فالواصلة: هي التي تصل شعرها بشعر غيرها ليكثر. والنامصة: هي التي تنتف حواجبها لترققها. والواشمة: هي التي تجعل الحبر في ذراعيها وخديها. والناشرة (٤): هي التي تنشر أسنانها لتصير فلجًا.

стр. 336

ومن البدعة أن يُؤمِّن العريس (١) رجلًا أو امرأة في تزويج امرأة، فيقولان للمرأة القبيحة: هي صبيحة. فيكذب، ويقول: كذبنا عند العريس جَبْرًا لهذه المسكينة. أو كَذَبَ؛ لأخذِه من أهل العروسة شيئًا. فيقال له: أكلت الحرام، وخرجت عن سنة النبي ﵊، فإن لم يأخذ شيئًا، وعمل ذلك جبرًا للعروسة؛ فهو أيضًا خارج عن السنة خائن، ومن خان فقد هان، وإن جبر بكذبه للعروسة، فقد كسر العريس. وكذلك إذا استشار المؤمن أخاه المسلم في زواج أو طلاق أو في سفر أو إقامة أو بيع أو شراء، أو غير ذلك من أمور الدنيا والآخرة، فأشار عليه بغير المصلحة فقد خانه وغشه؛ والله تعالى: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]. وقال ﷺ : «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٢). وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «المستشار مؤتمن» (٣). فيخاف على من لم يؤدِّ الأمانة أن لا يرزقه الله تعالى أمانه. فمن اجتهد في زواج امرأة جميلة فوقع في واحدة ذميمة، فرضي عن الله تعالى فيما قدره ﵁، وكتبه في اللوح المحفوظ ممن عبده وحمده وشكره. قال المولى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ

стр. 337

خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. فيقال لهذا يوم القيامة: تركتَ مرادك لمرادنا، أهلًا بك يا عبدنا. فإن رزق الله العبد امرأة جميلة لكن فظَّة غليظة، فيصبر على سوء خلقها لإخماد نفسه، فربما صعَّب خلقَها عليك، شفقة منه عليك، لكي لا تميل إليها بالكلية، فتقع في مصيبة عظيمة وبلية، وتصير عبدًا للزوجة، لا عبد خالق الوجود والبريَّة. قال صلوات الله عليه وسلامه: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الزوجة» (١). قال العلماء: عبد الدرهم والدينار: من لا يؤدي الزكاة. وعبد زوجته: من يشتغل بها عن الله تعالى وخدمته. فإذا توقَّفت عليك الأشياء، أو تصَّعب عليك خلق زوجتك، فأصلح ما بينك وبين الله تعالى يُصلح الله ما بينك وبين الناس، فما توقفت عليك الأشياء إلا لتوقفك أنت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. عن بعض الصالحين قال: إذا عصيت الله تعالى أعرف شؤم ذلك في خلق زوجتي ودابتي (٢).

стр. 338

وقال الفقيه أبو الليث رحمة الله علينا وعليه: دخل رجل السوق ليشتري فرسًا للجهاد، فرأى برذونًا يُنادَى عليه بأربعين درهمًا، فقال: ما باله بهذا الثمن؟ قالوا: فيه عيوب وقت الحاجة يصير حرونًا (١)، إنْ طُلِب لم يُلحق، وإنْ طَلَبَ لَحِق. فاشتراه بأربعين، وجاء عند أُذن البرذون، وقال: أيها البرذون إني (٢) قد تركت عيوبي فاترك أنت أيضًا عيوبك. فحرك البرذون رأسه، فغزا على البرذون، ولم يفعل البرذون شيئًا مما كان عليه (٣). كان السلف الصالح إذا رأى الأخ أخاه يوصيه بثلاث: مَنْ عمِل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومَن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومَن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس (٤). واسمع قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]. ثم اعلم بأن للرجال على النساء حقوقًا، ولهن أيضًا على بعولهن حقوقًا. ورُوي: أنَّ مِنْ حق الزوج على زوجته أن لا تمنعه نفسها، ولو كانت

стр. 339

على ظهر قتب، ولا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن خالفته وصامت كان الأجر له والوزر عليها، ولا تخرج من البيت إلا بإذنه، فإن خرجت لعنتها الملائكة إلى حين ترجع (١).

стр. 340

وينبغي للمسلم أن لا يمكِّن زوجته من الخروج؛ لأن خروجها فتنة، وهي عورة، فإن كان لا بدَّ لها (فتخرج بالليل) (١)، فإن اضطرت للخروج بالنهار فلا تتزيَّن ولا تتعطر؛ لكي لا تشغل قلب الغافل المغتر، فتأثم هي وزوجها، والسلامة أن تحمل بَدْلتها وحليها، وتلبس ذلك (٢) في المكان الذي تذهب إليه. ولا تهب المرأة شيئًا من متاع الزوج إلا بإذنه، فإن فعلت كان الأجر له والإثم عليها، بخلاف الصدقة على السائل والمحروم، فإن صلت ولم تدع لزوجها ردَّت عليها صلاتها (٣)، وهذه الكلمات وردت بها السنة، ونسأل الله النجاة من النار والفوز بالجنة. وقال ﷺ في خطبته: «إن لكم على نسائكم حقًّا، وإن لهن عليكم حقًّا، وإن من حقكم عليهن أن يحفظن فرشكم، ولا يأذنَّ في بيتكم لأحدٍ تكرهونه، ولا يأتين بفاحشةٍ مبينة، فإن فعلن ذلك فقد أحل الله لكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، وإن من حقِّهن عليكم الكسوة والنفقة بالمعروف» (٤). وقال العلماء: مَنْ تزوج ونيَّته أن لا يؤدي الصَّداق فهو زَانٍ، ومن استدان ونيته أن لا يؤدي دينه فهو سَارق (٥).

стр. 341

وفي الحديث: «إن الله تعالى مع المديون حتى يوفي دينه» (١). وصحَّ في الحديث: أن الدينار الذي ينفق على العيال أفضل من الدينار الذي ينفق في سبيل الكبير المتعال (٢). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من قلَّ ماله، وكثر عياله، وحسنت صلاته، ولم يَغْتَب المسلمين، جاء معي يوم القيامة هكذا». وأشار بإصبعيه ﷺ (٣). فانظر رحمك الله تعالى! إلى بركة العيال، وإلى ما أعد لمن أحسن إليهم العزيز الغفار، بل جعل الله النفقة عليهم أفضل من النفقة في سبيله، وجعل البنات سترًا للأبوين من النار.

стр. 342

وهذه الكلمات مأخوذة مما صح في الأخبار (١)، فمن لم يعرف قدر هذه النعمة وانقبض لوجود البنت فليتبوأ مقعده من النار؛ وذلك لقلة الرضى بالقضاء، ولموافقته لمن غضب الله عليهم ولعنهم وجعلهم وقود النار؛ قال المولى الكريم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]. هذا الخطاب في صفات مشركي العرب. وأما المؤمن الصادق لو ولدت زوجته حجرًا لوضعه على رأسه، ولأخذه الفرح والطرب؛ وذلك لقوة الرضى عن خالقه، فكيف لا يرضى الله تعالى عن هذا العبد، ويبلغه المقصود والأرب (٢)، ويعطيه ما سأل وطلب. قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال ﷺ : «من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (٣). فمن رضي عن الله فيما قدره ﵁، وكتبه في اللوح المحفوظ ممن عبده وحمده وشكره. فيجب على المؤمن أن لا ينقبض لوجود هذه البُنَيَّة، ولا يغضب على أمها، ولا يَسُبُّ ساعتها؛ لأن الحق سبحانه وهبها له، وهي نشأة طرية، توحِّد الله تعالى، وتصلي على خير البرية، وتدخل السرور على قلبه، ويباهي بها (٤) ﷺ الأمم يوم القيامة، وتكون في ذلك اليوم سببًا لنجاة أبويها (٥) من الشدائد والبلية. فاقبل مني هذه الوصية، ولا تتهاون في هذه القضية؛ فتسقط من رحمة (٦) الله تعالى، وتخرج عن السنة المضية (٧)، فليس لأحد مشيئة

стр. 343

ولا اختيار (١)، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]. قال المولى الغفور: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]. فسلِّم لربوبيته، وكن من جملة العبيد، يأتيك من الله الخير والمزيد، ويعطيك فوق ما تريد. ثم اعلم بأن في تربية الولد أجر عظيم وخير! وتربية البنت أكثر أجرًا وأخير (٢)؛ لأن الولد يساعد أباه في الإقامة والأسفار، والبنت قد سجنها الشرع في المضرب أو الدار، وأمر لها الرسول بالكسوة والنفقة، ونهاها عن الخروج والدخول إلا لحاجة ضرورية، فافهم ما أقول. قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]؛ قال بعض العلماء: الباقيات الصالحات هنَّ البنات (٣). وقد جاء في الكتاب العزيز والخبر في أجرهن ما لا يحتمله هذا المختصر، فاقبل أيها المملوك هدايا الملوك، واعلم وتحقق أنه لو اجتمع كل عالم وعارف، وحكيم وولي، وكل مبتدع وفيلسوف وشقي لن يخلقوا ذبابة، ولعجزوا عن جبر كسر رجل نملة، ولن يصلوا جناح بعوضة، ولو جمع أحدهم مجهوده كله ودأبه. مرَّ بعض الصالحين بكلبٍ فاستقذره، فنودي في سرِّه: أن اخلق مثله! فما سخر بعدها من شيء. وقال بعض (٤) المشايخ: أخاف أن أسخر من كلب فأحوَّل كلبًا (٥).

стр. 344

فسبحان من له الخلق والتصوير، والحكم والإشارة (١) والتدبير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، نعم المولى ونعم النصير. نرجع إلى مسألة المرأة: قال ﷺ : «إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت بعلها، وأحصنت فرجها، تدخل من أي أبواب الجنة شاءت» (٢). وقال ﷺ : «إذا حبلت المرأة من بعلها فأجرها كأجر من صام النهار وقام الليل، وغزا (٣) في سبيل الله، ولها بكل طلقة عتق رقبة (٤)، وبكل رضعة عتق رقبة (٥)، فإذا فطمته ناداها منادٍ من السماء: كُفيتِ العمل فيما مضى، فاستأنفي العمل فيما بقي» (٦). والسُّنة أن يسمى المولود (٧) يوم السابع (٨)، وإن سماه يوم وُلد لا يخرج عن السنة.

стр. 345

واختلف العلماء في العقيقة، وربُّنا أعلم بالحقيقة (١). ويستحب تسمية السَّقط؛ لحديثٍ ورد فيه (٢). ولا يسمى باسم قبيح؛ لأنه يدعى يوم القيامة باسمه (٣)، وكان النبي ﷺ يغيِّر الاسم القبيح إلى ما هو أحسن منه، ورد هذا في حديثٍ صحيح (٤). مسألة تتعلق بالنكاح: وهي الخُطْبة قبل النكاح، وأقلُّها: الحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ ، أوصي بتقوى الله، والله أعلم.

стр. 346

فإن لم يأت بالخُطبة صحَّ النكاح (باتفاق العلماء، وقال بعض العلماء: لا يصح النكاح إلا بالخطبة) (١). ولا معتبر بقوله (٢). ويُسن أيضًا إعلان النكاح عند أكثر أهل العلم، وقال بعضهم بوجوبه في هذا الباب، والله أعلم بالصواب (٣). عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علَّمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٤). ويستحب إذا فرغ من الخطبة أن يقول: أزوجك على ما أمر الله عز

стр. 347

وجل به من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريح بإحسان (١).

стр. 348

فصل فيما يُبتدع من جِلاء العروسة في بعض القرى والريف على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ وفاسقٍ وكثيفٍ اعلم أيها العبد المتعوس! أنَّ بدعتك هذه لا تُرضي الملك القدوس، لما فيها من البدعة والتَّشبه بالمجوس، ويكره فعلها اليهود والنصارى، واستحبتها هذه الطائفة الضالة الحيارى، لأن الفاحشة تسخط رب الأرباب، ولم يرض بها أحدٌ من أهل الكتاب، فاعتبروا يا أولي العقول والألباب، فتزيَّن العروسة ثم تجلا على الكبار والصغار، ويدخلون بها على زوجها التَّيس المستعار، قبَّح الله رجلًا لا يغار، وهذه فاحشة كبيرة، وهي تأتي من قلة الدين والغيرة، قال صلوات الله عليه وسلامه: «الغيرة من الإيمان» (١). فمن كثرت غيرته كثر إيمانه، ومن قلَّت غيرته قلَّ إيمانه، ومن لا غيرة له لا إيمان له. دخل ابن أم مكتوم على النبي ﷺ فأمر عائشة بأن تختبئ، فقالت: إنه

стр. 349

أعمى وكان ممن أعمى الله عينيه ونوَّر قلبه فقال لها: إن كان هو ما يراك فأنت ترينه (١). فمن فعل هذه الفاحشة أو رضي بها؛ لم يرض الله عنه. ورأى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه امرأةً تمشي في سوق البصرة فغضب على أهلها، وقال: أما يستحي أحدكم أن يترك زوجته أو كريمته تعالج الرجال في الأسواق، قبَّح الله رجلًا لا يغار (٢). وقيل لسعد: لو رأيت رجلًا مع امرأتك؟ قال: كنت أضربه بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله أنا أغير منه، وربي أغير مني، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (٣). فكلُّ عبدٍ لا يغار هو مبتدع، خارج عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، والمؤمنين الأبرار، داخل في طريق الفجار، قد رضي لنفسه بعذاب النار، وسخط الجبار، فإن تاب تاب الله عليه وهو العزيز الغفار. فأهل العروس والعروسة ومن رضي بهذه الفاحشة، الكل قد اشتركوا في الذنوب والعصيان، وتعاونوا على الإثم والعدوان، قال المبعوث

стр. 350

بالرسالة: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (١). وهؤلاء القوم قد اجتمعوا على ضلالة، وعصوا الله تعالى بلا محالة. ولا تجلا العروس على خصيِّ؛ لأنه (٢) في حكم الرجال، وإنْ قُطِع ذَكَرُه لم تُقطع نفسه، فخلوته بالنساء واختلاطه بهم من خلو دينه، ومن قلة غيرة سيده، ومن عدم مروءة زوجته، الكل قد خالفوا المولى اللطيف، وخرجوا عن الشرع الشريف. دخل خصيٌّ على بعض الخلفاء وزوجته إلى جانبه، فغطَّت وجهها منه، فقال الخليفة: إنه خصيّ. فقالت: يا أمير المؤمنين، مُثْلَتكم هذه أباحت له ما حرم الله؟! فأمره بأن لا يدخل بعدها على حرمه (٣). ثم اعلم بأن فاسق الخُدَّام يحب المرأة الحسناء، ويعشق الغلام، ودَيِّنُهُم يتزوج ويتسرى، ويجتهد في دينه ويتحرى، والخصي في حكم الشرع رجل؛ لأنه يرث ميراث الرجال من ميِّته، ويقف مع صفِّ الرجال في الصلاة، ويقدم على المرأة في القبر الواسع، وفي الصلاة (٤). ولا يحل لخصيٍّ، ولا مجبوب، ولا لخنثى، ولا مخنث الدخول على النساء، ولا يحل للنساء (أن يظهرن) (٥) عليهم؛ لأنهم يَشتهون ويُشتهَوْن. قال ﷺ : «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا أن يكون ذا محرم أو زوج» (٦). وعن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى لعن أربعة فأمَّنت عليهم الملائكة: رجل تحصَّر ولم يجعله الله حصورًا، وامرأة تذكَّرت

стр. 351

وإنما جعلها الله امرأة، ورجل تخنث (١) والله تعالى خلقه ذَكرًا، والذي يُضلُّ الأعمى عن الطريق» (٢). وفي الحديث: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح المتعفف، والمُكاتب يريد الأداء» (٣). فقد علمت أن المرأة لا تظهر على مَنْ تقدم ذكرهم، ولا على الرَّجل الضرير، فإن فعلت خرجت عن طريق البشير النذير، وعصت المولى القدير. دخل خصيٌّ على زوجة بعض الكبراء، وكانت قد كشفت رأسها، فطلبت حجَّامةً، وحلقت رأسها، وقالت: لا حاجة لي بشعر رآه غير بعلي (٤). فانظر إلى قلوب هؤلاء النِّسوة كيف هي بخوف الله تعالى عامرة، وقد جمع الله لهنَّ بين خيري الدنيا والآخرة. ومن البدعة أيضًا (تحلية المرأة للفرح) (٥)، والاختلاط بالنَّاس،

стр. 352

والرَّقص في السماع والأعراس، وهذه بدعة منكرة، وفاعلها فاسق خارج عن طريق البررة، قد خالف الحق تعالى فيما أمره؛ لوقوف زوجته مع الأجانب والمغاني (١) والزُّمرة، خرج عن طريق النبوة، وهو قليل الدين والغيرة والمروة، كما يفعله بعض فسقة التركمان، فترقص المرأة مع الرجل وقد أحاط بهم الرجال من كل مكان. ومن البدع أيضًا هروب العريس من (٢) أبي العروسة إلى حين دخول بيته، ثم يعمل العريس لأجل اجتماعه بصهره وليمة، وهذه أعمال ذميمة. ومن سنَّتهم استتار العروسة من أبي العريس وأمه، وتكليمها لهما بالإشارة، والمسلم المتبع لا يفعل هذا، ولا (٣) يختاره، ولا يخالف نبيه ولا أخباره. فانظر ماذا يجتمع في حلال واحد من بدع وحرام، ويريد مع ارتكاب هذه الآثام أن يأتي من ظهره ذرية صالحة، ويكون في الجنة مع بدر التمام، فلا تَعْرِض أيها الغافل! حريمك على قلوب فارغة من خوف الله تعالى فتنتقش صورتها في قلبه، فيبتلى بحبها، فتورثه تلك النظرة بلاءً وحسرة، وتزرع في قلبه شيئًا لا تحصده المنَاجل، فيقابلك الله تعالى بذلك في العاجل والآجل؛ لأنك كنت السبب في فساد قلب مؤمن، أو ترى هي من يشغل (٤) قلبها؛ لأن شهوتها أغلب، فإذا رأى الرجل ما يعجبه لا يتمالك، وهي أيضًا كذلك، فتسعى في الطلاق والتفريق، أو تفعل معه فعلًا لا يليق، ويكون أيضًا خطيئتهما في رقبتك، لأنك كنت السبب في ذلك، لولا أنها رأته ورآها ما خالفت النفس سيدها ومولاها، كما يقال في المثل: عين لا ترى، قلبٌ لا يحزن!

стр. 353

ومن قلة دين المرأة أنها لا تلبس أفخر ثيابها لزوجها، وتتجمل ببدلتها إذا خرجت من بيتها، فتفتن قلوب العباد، وتوقعهم في الذنوب والفساد، ولذلك كنَّ أكثر أهل النار (١)، وشهد عليهن الصادق الأمين بأنهن ناقصات عقل ودين. ومن البدع ما يفعله بعض الأشرار، (فيشترون الجَوار ويعلمونهن) (٢) الغناء والأشعار، والضرب بالكف والطار، لأجل حطام هذه الدار، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار. وقال ﵊: «كسب المغني والمغنية حرام» (٣). فمن فعل ذلك بطلت شهادته، وسقطت روايته، وثبت سفهه، ولا يحل سماع غناء الجارية مكشوفة كانت أو مغطية. قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا جمع سيد الجارية الجموع وأمرها أن تغني لهم؛ بطلت عدالته، وسقطت روايته، ويكون ديوثًا (٤). قال القاضي أبو الطيب: إنما جعل ديوثًا فاسقًا؛ لأنه دعا الناس إلى الباطل (٥). وقال الشعبي: لعن المغنِّي والمغنى له (٦). اعلم رحمك الله أن الوقت عزيز، ومن عزته لا عِوَض لما فات منه، فلا تذهبه في الباطل والغناء، فتقع في الحسرة والعناء، والعاقل لمَّا عَلِم أن الأجل قريب تزوَّد بالأعمال الصالحة (٧) للقاء الحبيب.

стр. 354

وأشرُّ مما تقدم ذكره ما يفعله المالك، ويسقط بفعله من عين مالك الممالك، فيشتري الجارية الولود، ويرضى بالفاحشة هذا المبعود من رحمة المولى الودود، فتزيد دنياه، ويسقط من عين خالقه ومولاه، ولا خير في دنيا تزيد مع نقصان الآخرة، وهذا من الفسقة الكبار، المتعرضين لسخط الجبار، وهو نوع من القيادة، وذلك من قلة التوفيق والسعادة، ويُخاف على فاعلها من أن يحرمه الله تعالى عند الموت الإيمان والشهادة؛ لخروجه عن طريق السادة، ولقلة حيائه من عالم الغيب والشهادة. قال ﷺ : «الحياء من الإيمان» (١)، وفي حديث آخر: «الحياء خير كله» (٢). الحياء لا يأتي إلا بخير، فمن فاته الحياء فقد فاته الخير كله. مرَّ بعضُ الصحابة بوادٍ فيه قردة، ورآهم قد اجتمعوا ورجموا قردةً زنت، فرجمها معهم (٣). فانظر أيها المبعود، من رحمة الملك المعبود! هذا الذي تحبه أنت، يكرهه القرود. لا تكن أيها المؤمنُ! البهيمةُ أفقه منك، وأحسن حالًا؛ تكره الفاحشة وأنت تحبها، قال المولى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] الآية. كلُّ عليلٍ يمكن العلاج فيه إلا عليلًا يعجبه مرضه، وقلوب هؤلاء القوم قد كادها باريها، فملئت بحب الدنيا والكدر، ونسأل الله لنا ولهم ولجميع المسلمين اللطف والتدبير في القضاء والقدر.

стр. 355

فصل فيما يبتدع من المزح، وما يباح منه، وما يقاربه ويناسبه من البدع الفعلية والقولية اعلم أن قليلَ المزح إن كان حقًّا فهو مباح، ولا يحمد كثير المزح؛ لخروج صاحبه عن طريق أهل الدين والخير والصلاح، لكن لا يأثم الفاعل، وليس عليه جناح؛ لأن له أصلًا في الشرع كما ورد في الأحاديث الصحاح. فمنه ما يباح، ومنه ما يكره، ومنه ما يحرم، ومنه ما يكفر به الإنسان، ونقولها إن شاء الله في مواضعها (١) ببيان، فيكره الإكثار منه لأجل قساوة القلب، ولتضييع الوقت والزمان ولمخالفة الأخبار. والكاذب في مزحه قد وقع في البدعة والعار، وخرج عن طريق الأخيار، وهو ملعون في الكتاب المكنون، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] أي: لعن الكاذبون. والكذب ليس هو من صفة العبد الصالح، ويروى أنه ملعون ولو أنه مازح (٢).
следующие страницы →