٢ - أول كتاب «اللمع» في مخطوطة دار الكتب المصرية (ق)
стр. 73
٣ - الصفحة قبل الأخيرة من مخطوطة دار الكتب المصرية (ق)
стр. 74
٤ - الصفحة الأخيرة من مخطوطة دار الكتب المصرية (ق)
стр. 75
٥ - ظهر الورقة الأخيرة من مخطوطة دار الكتب المصرية (ق)
стр. 76
٦ - صفحة العنوان لمخطوطة متحف مولانا في قونية (خ)
стр. 77
٧ - أول كتاب «اللمع» في مخطوطة متحف مولانا في قونية (خ)
стр. 78
٨ - الصفحة الأخيرة في مخطوطة متحف مولانا في قونية (خ)
стр. 79
٩ - صفحة العنوان لمخطوطة برلين (ب)
стр. 80
١٠ - الصفحة الأولى من مخطوطة برلين (ب)
стр. 81
١١ - الصفحة الأخيرة من مخطوطة برلين (ب)
стр. 82
١٢ - ظهر الورقة الأخيرة من مخطوطة برلين (ب)
стр. 83
١٣ - صفحة العنوان لرسالة «الفتوة»، مخطوطة لايدن (ل)
стр. 84
١٤ - الصفحة الأولى من رسالة «الفتوة»، مخطوطة لايدن (ل)
стр. 85
١٥ - آخر رسالة «الفتوة» وفيه تقريظ ابن تيمية، مخطوطة لايدن (ل)
стр. 86
١٦ - الصفحة الأخيرة من مخطوطة «الفتوة» في مكتبة جامعة لايدن (ل)
стр. 87
١٧ - صفحة العنوان لرسالة «الفتوة»، مخطوطة دار الكتب المصرية (ت).
стр. 88
١٨ - الصفحة الأولى من رسالة «الفتوة»، مخطوطة دار الكتب المصرية (ت)
стр. 89
١٩ - الصفحة الأخيرة من رسالة «الفتوة»، مخطوطة دار الكتب المصرية (ت)
стр. 90
٢٠ - تقريظ ابن تيمية لرسالة «الفتوة»، مخطوطة دار الكتب المصرية (ت)
стр. 91
٢١ - الصفحة الأخيرة من مخطوطة «الفتوة»، دار الكتب المصرية (ت)
стр. 92
٢٢ - صفحة العنوان لمخطوطة «قاعدة في أفعال الحج لابن تيمية» في مكتبة لايدن، وقد كتب على اليسار: (هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين التركماني الحنفي، تلميذ ابن تيمية الحراني)، ثم شطب عليها.
стр. 93
٢٣ - صفحة العنوان لمخطوطة «قاعدة في الصبر لابن تيمية»، وكتب على اليسار: «هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين التركماني، تلميذ ابن تيمية مؤلف هذه الرسالة»، ثم شطب عليها.
стр. 94
كتاب اللمع في الحوادث والبدع
تأليف: العبد الضعيف
إدريس بن بيدكين بن عبد الله التركماني الحنفي
عامله الله تعالى وجميع المسلمين بلطفه الخفي، وغفر له
بعفوه وكرمه وهو القادر الوفي، وصلوات الله ورحمته وبركاته
على سيدنا محمد ما ظهر نجم أو خفي.
قال المؤلف:
ألفتُ هذا الكتاب على القافية خوفًا من اللحن،
ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين العفو والعافية.
стр. 95
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المؤلف الأُولى]
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والتَّسليم على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى جميع عباد الله الصَّالحين.
قال المؤلِّفُ إدريس بن بَيْدَكِينَ بن عبد الله التركمانيُّ الحنفيُّ عامله الله تعالى وجميع المسلمين بلطفه الخفي، وغفر له بعفوه وكرمه وهو القادر الوفي، وصلوات الله ورحمته وبركاته على سيدنا محمد ما ظهر نجم أو خفي: سألني بعض الأصحاب أنْ أذكر له شيئًا من البدع المحدَثة، الخارجة عن طريق المسلمين، المخالفة للسُّنة والكتاب، فأجبته إلى ذلك، وسألت الله تعالى الكريم الوهَّاب الذي يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب أنْ يهديني إلى الحق والرُّشد والصَّواب، وأنْ يجعله خالصًا لوجهه الكريم ليحصل به النَّفع والخير والثَّواب، وعليه توكلت وإليه المرجع والمآب، وسميتُه كتابَ: «اللُّمع في الحوادث والبدع». غفر الله تعالى لقارئه ولمؤلفه، ولمن نظر فيه، وللسامعين، ولمن سدَّ خللًا وُجِد فيه إن اطلع، وكشَط شيئًا قاله المؤلفُ، فخرَجَ بقوله عن الكتاب والسنة ووقع؛ لأنَّ المؤلف قليل العلم، كثير الجهل، غافل عن أهوال يوم المُطَّلَع، فرحم الله من دعا له بحسن الخاتمة، وأن يجعله ممن أطاع ربه، وذلَّ لعزته وعظمته وخضع (١):
يا ناظرًا في كتابي حين تقرؤه … عدِّل هُديتَ بلا حيفٍ ولا شطَطِ
إن مرَّ سهوٌ فلا تعجل بسبِّك لي … واعذر فلست بمعصومٍ من الغلطِ
стр. 96
[مقدمة المؤلف الثانية]
الحمد لله ذي الطَّول والمِنَّة، والحول والقوة والمُنَّة، الذي شهدت بأحديته وفرديته السماوات والأرض ومن فيهن، وكلٌّ يسبح بحمده، ولكن لا تفقهنَّه، الذي أوجبَ محبَّتَه ورضوانه ومغفرته لمن أطاعه وتمسك بالكتاب والسنة، الذي عهد لجميع أنبيائه ورسله ليؤمننَّ بنبيه وحبيبه ﷺ ولينصرنَّه (١)، وأخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب بأن لا يكتموه؛ وليبيننَّه. (٢)
وأعدَّ سبحانه لمن اتَّبع نبيَّه بما لا عينٌ رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحدٍ من الإنس والجِنَّة، وحشره مع متبوعه فأقر بذلك عينه، وجبر قلبه، وأضحك سِنَّه. وهذا الخيرُ كلُّه لمؤمنٍ عمل صالحًا وأحسن بالله ظنَّه، واتبع ما فرضه الله تعالى عليه وسَنَّه، وقضى على أهل الزيغ والبدع بالخذلان والبعد واللعنة، فتبرأ منهم الرسولُ وحُرموا الخيرات والوصول، والجود والمنَّة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً توجب لقائلها
стр. 97
رضى الله والجنة، وتكون له يوم الفزع الأكبر وقايةً من النار وجُنَّة.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالرأفة والرحمة والحنَّة (١)؛ أرسله والقلوب القاسية قد أطلقت في ميادين كُفرها وبدعها للأزمة والأعنة، والأنفس الأمَّارة بالسوء إلى غير الحق والرشاد مطمئنة، فجاهدهم ﷺ بسيف الصدق ورماح الحق والسِّهام والأسنة، فدخلوا في الدين، واتبعوا ما فرض الله عليهم وسنَّه، وسارَعوا لمَّا سمعوا قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
فلو رأيت أحدهم إذا أظلم عليه الليل وجنَّه، من شدة خوفه كأن به وَلهًا أو جِنَّة؛ فكان أمير المؤمنين ﵁ يقول: ليتَ أمَّ عمرَ لم تلدْهُ (٢). وقال علي كرَّم الله وجهه: ليتني لم أكُ شيئًا (٣). ورأى أبو بكر الصديق ﵁ تبنة، فقال: ليتني كنت هذه التبنة (٤).
فانظر رحمك الله إلى خوف هؤلاء القوم مع صحبتهم للنبي ﷺ واجتهاده في الدين، وجهادهم بين يديه، وبشارته لهم بالجنة. فيا حسرة من لعبت به الدنيا، وفاتته هذه الخيرات والمنة، ويا خيبة عبدٍ ادعى محبة الله ورسوله، ثم خرج عن حكم الكتاب والسنة، ويا سعادة عبد تخلَّق بأخلاق القوم وجعل سنة نبيه وحبيبه دأبه وفنَّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، جُنَّة التوحيد وحصنه، صلاة تصلنا بهم وتدخلنا معهم الجنة.
стр. 98
اعلم رحمك الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين، أن البدع على أقسام: مباح، وثواب، ومكروه، وحرام.
فالمباح: ليس على فاعله جناح، والثواب: يقرب لرب الأرباب، وتارك المكروه عليه يثاب، وفاعل الحرام هو عبد مُدبِر مذموم، بالبعد والحرمان موسوم (١)، والذي يُذكر في هذا الكتاب هو من البدع الذي يُذم فاعله، ولا يحمد قائله؛ لأن البدع تارة تكون في الأفعال، وتارة تكون في الأقوال.
قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. قال المفسرون: الكلم الطيب والعمل الصالح هو الموافق للسنة، وإلا فهو خبيث لا يرفعه الله إليه، ولا يضع كنفه عليه. ونسأل الله تعالى الخاتمة والمسامحة إذا وقفنا بين يديه، فقد علمت رحمك الله أن الكلم الطيب والعمل الصالح ما كان موافقًا للسنة، فمن أدركته المنَّة دخل في السنة، قال ﷺ : «من أحيى سنتي كان معي في الجنة» (٢). فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة، ومن أحب أن يكون وليًّا لله سبحانه صاحبَ كشف واطلاع فعليه بالاتباع (٣).
стр. 99
قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] فقد تبين لك أن الخير كله والشفاء في اتباع النبي المصطفى، وقد نصحتك فيما قلته وكفى.
قال صلوات الله عليه وسلامه: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة» (١)، فمن ترك النصيحة يخاف عليه في عرصات القيامة من الحسرة والفضيحة، وقد جاء في الأخبار: «من كتم علمًا نافعًا ألجمه الله
стр. 100
بلجام من نار» (١). واسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فحينئذٍ يجب على كل من علم علمًا نافعًا أن يبينه ولا يكتمه؛ قال الله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] فيجب على العلماء بالله والقادرين على الأمر بالمعروف وإعزاز الدين، وإخماد المبتدعين عملًا بقول رب العالمين. فجهاد العلماء بالعلم واللسان، وجهاد الملوك بالسيف والسِّنان، وكما لا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عن المشركين والملحدين، كذلك لا يجوز للعلماء إغماد ألسنتهم عن الزائغين والمبتدعين، فمن فعل ذلك (٢) حرسه الله تعالى بعينه التي لا تنام، وطهره من الذنوب والآثام. فليس شيء أفضل عند الله تعالى من رد العبيد إلى الرب المجيد.
قال ﷺ : «يا علي، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس» (٣). ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض (٤). فسبحان من رضي عن المتبعين فقرَّبهم منه وأدناهم، وسخط على المبتدعين فأبعدهم وأقصاهم، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
стр. 101
قال ﷺ : «من نقل عني حديثًا واحدًا لأمتي لتقام به سنة أو لتثلم به بدعة فله الجنة» (١).
قال الله : ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].
المراد من هذا الحديث التعلم والإرشاد لطريق خير العباد، فلولا العلماء لصار الناس كالبهائم، فببركة العلم خرجوا من حد البهيمية إلى حد الإنسانية، ونسأل الله تعالى العلم والعمل وحسن الخاتمة عند فروغ الأجل. فإن الخاتمة والهداية ليسا بكثرة العلم والرِّواية، والعلم والخبر لا يحجزان أحدًا عن القضاء والقدر؛ ليس لها من دون الله كاشفة. قال الله : ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال : ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] فيجب على العبد أن يتبرأ (٢) من العلم والعمل، ويجتهد في طاعة الله تعالى، ويسأله الخاتمة عند فروغ الأجل، فمن محا نفسه ولم يثبت لها علمًا ولا عملًا، أثبته الكريم الوهاب الذي يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
قيل لرسول الله ﷺ : أيدخل أحد الجنة بعمله؟ قال: «لا». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» (٣). فأصغ أيها الطالب لقول سيد العلماء والعمال، فما بعد الحق إلا الضلال، ولأهل العلم باب في هذا الكتاب.
نرجع إلى مسألة السنة:
قال ﷺ لأبي هريرة: «علِّم الناسَ القرآنَ وتعلَّمه؛ فإنك إن متَّ وأنت
стр. 102
كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق، وعلِّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله برأيك» (١). وقال ﵇: «على خلفائي رحمة الله» (٢)، قيل: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: «الذين يُحيون سنتي ويعلمونها عباد الله» (٣).
ثم اعلم بأن جميع سنن النبي ﷺ عن الله تعالى لا من تلقاء نفسه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ولذلك تبرأ ﷺ ممن نبذ السنة، وقال: «من أحيَى سنتي كان معي في الجنة» (٤) فهي زاد التقى وسبب لوجود اللقاء، قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] فالبدعة توجب الفرقة والقطيعة والشقاء. واسمعوا أيها المؤمنون قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقال ﷺ : «كلُّ الناس يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن أبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (٥). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا يؤمن أحدكم حتى
стр. 103
يكون هواه تبعًا لما جئت به» (١).
وقال ﷺ : «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٢) وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣)، وقال: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (٤).
فليس بعد اتباع النبي ﷺ وأصحابه السادة الكرام والطوالع العالية إلا البدع والظُّلَم المتوالية. قال ﷺ : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٥).
فكل من اتبع النبي ﷺ وأصحابه دخل (٦) الجنة دار القرار. والخوارج مصيرهم إلى النار؛ لما صح في الأخبار أن أمة محمد ﷺ ستفترق على
стр. 104
ثلاث وسبعين فرقة: فرقة ناجية والباقون إلى النار. قالوا: وما الفرقة النَّاجية يا رسول الله؟ قال: «ما كنت أنا وأصحابي عليه» (١)، فمن تبعهم سعد واهتدى، ومن خرج عن سنتهم أبعده الله من رحمته ولم يجمع شمله بهم فضل واعتدى.
قال الفضيل لبعض أصحابه: إياك أن تصحب من فيه أدنى بدعة فيعود شؤمها عليك (٢).
стр. 105
نهى الشيخ عن ذلك لكي ينقذ أخاه من البدعة القبيحة؛ لما ورد في الأحاديث الصحيحة: «إنَّ الدين النصيحة» (١). قال الله تعالى تكريمًا لنبيه وتعظيمًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
اعلم رحمك الله تعالى أن إثبات الكاف في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ [النساء: ٦٥]، ونحوها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] ما قال: «كأنَّما» في فضله وشرفه كافٍ، وقال المولى تشريفًا لنبيِّه وحبيبه وتكريمًا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] معناه: أي يا محمد من أطاعك أطاعني، ومن بايعك بايعني، ومن أنكرك ما عرفني.
قال المؤلف لهذا الكلام: بدأت فيه وأنا نزيل مكة زادها الله تعالى تعظيمًا وشرفًا، ومتعنا وجميع المسلمين بالحج المبرور وزيارة النبي المصطفى ويجعلنا وجميع المسلمين من أهل السنة والخير والوفاء.
وكنت وقت أن بدأت فيه ضعيفًا من جميع الجهات: من جهة البدن، ومن جهة العلم والعمل، والعربية، وبُعد الذهن، وقلة الكتب في هذا الفن، وما يرادفها من الأحاديث النبوية. وقد قلت بعض الأحاديث والحكايات بالمعنى، وقد جوز ذلك بعض العلماء، وفيه تيسير لمن قد حل بقلبه الغفلة والعمى، وقد قرأ خطيب مكة بعض هذا الكتاب على نزيل مكة وقاضيها، واختار بعض صلحاء مكة أن يكون لهذا الكتاب اسم فسميته كتاب: «اللمع في الحوادث والبدع». نفع الله به القائل والقارئ والناظر ومن استمع؛ وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ما غاب نجم أو طلع.
اعلم يا أخي: أن الله سبحانه ندب عباده إلى الدخول في طريق توصلهم إليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
стр. 106
وحذَّر عن الانقطاع عنه بالدخول في طرق الأهواء والبدع فقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وهذه الآيات محكمات بإجماع المفسرين لم ينسخهنَّ شيء؛ من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. والناس لهم طرق: الكل تُبعد عن الله تعالى، والطريق الموصلة المستقيمة هي طريق النبي ﷺ صاحب المعجزات والكرم والفضائل العميمة. قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤] وقال المولى الغفور: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مَنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
فعليك أيها المؤمن بالطريق المستقيم إن اخترت الوصول. وائت البيوت من أبوابها إن أردت الدخول.
واعلم رحمك الله أن طريق النبي ﷺ قريب، ويوصل إلى الحبيب، فمن عدل عنه وسلك الأوعار، يُخاف عليه من العار، ومن عذاب النار؛ لما ورد في الأخبار، أن الخوارج كلاب النار (١). وقال ابن مسعود ﵁: خط رسول الله ﷺ خطًّا، ثم خَطًّ إلى جانبه خطوطًا، ثم قال للخط الأول: «هذه سبيل الله يدعو إليه». وقال للخطوط: «هذه سُبُلُ الشيطان على كل سبيل شيطان يهدي إليه»، ثم قرأ: «﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
стр. 107
وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» (١). فحذَّر من البدع ومحدثات الأمور.
وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم». قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ فقال: «فمن!» (٢).
ثم اعلم بأن الله سبحانه يحب المتبع ويبغض المبتدع. قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
ومن أحبه الله تعالى أحبه من في السماوات والأرض، والمبغض بعكس ذلك، فاتبع رحمك الله ولا تخترع؛ لأن البدع اختراع الشيء من غير أصل سبق ولا مثال ولا ألف مثله. ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٠١] وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] معنى الآية: ما أنا أول رسول إلى أهل الأرض. وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح بهذا أخبرنا علماؤنا ﵃ أجمعين، فمن علامة المحبة لله تعالى اتباع أوامره، وترك ما نهى عنه.
قال الفقيه أبو الليث (٣):
стр. 108
تَعصي الإلهَ وأنتَ تُظهر حبَّه … هذا محالٌ في الفعالِ بديعُ
لو كان حبُّك صادقًا لأطعتَه … إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ
وعلامة محبة الرسول اتباع سنته؛ فالمحب من اتبع، والشيطان من ابتدع.
افرح أيها التابع لما خصَّك الله به من الخير والمنافع؛ فقد حصل لك المطلوب، وذهبت عنك الأحزان والذنوب.
الفرح هنا جائز؛ أما يفرح المملوك لهدايا الملوك؟! متى كنت متبعًا لنبيك فافرح؛ قال المولى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] ومتى كنت مبتدعًا خارجًا لا تفرح؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وهذا جمع بين الآيتين.
أصبح بعض العصاة يومًا ونفسه تحب الطاعة وتكره المعصية، فقام من شدة فرحه يتبختر في بيته، والبيت لا يكاد يسعه، فقالت له زوجته: ما هذه المشية التي لم أرها على شمائلك من قبل؟ قال: ومن أولى منِّي بها، وقد أصبح لي مولى، وأصبحت له عبدًا. كان عبد نفسه صار عبد ربه، أما يحق له الفرح؟
فإذا كنت متصلًا (١) بربك فافرح ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وإذا كنت بنفسك (٢) لا تفرح ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦].
الثكلى لا يحق لها الفرح لفقد ولدها وإن كان لها ولدٌ غيره، فكيف يفرح من فقد ربه وما له غيره؟
стр. 109
يحكى أن الشبليَّ (١) رأى امرأةً تصيح خلف جنازة ولدها وتقول: والله ما لي سواه. فصاح الشبلي وقال: آه! إن طردني من ليس لي سواه (٢). فقد علمت أن الله سبحانه علق طاعته بطاعة رسوله، وحكمه بحكمه، قال المولى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقرن اسمه باسمه فحيث ذُكر الله تعالى، ذُكر معه: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ وفي الأذان والإقامة إلى يوم القيامة.
فلا تخرج عن طريقه أيها المؤمن وعليك بالاستقامة، فلن يقبل الله سبحانه من أحد طاعة حتى تكون موافقة لصاحب الكرم والشجاعة والشفاعة، ولا يقبل من أحد لا إله إلا الله حتى يعتقد أن محمدًا رسول الله.
فمن عمل عملًا أو تكلم بكلام أو أشار بشيء لا يوافق الكتاب والسنة والخلفاء الراشدين، وإجماع المسلمين فهو بدعة وضلالة وترد على القائل أو الفاعل؛ لقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣). ونعوذ بالله العظيم من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول، ونسأله الحراسة من
стр. 110
البدع والعمل بما نقول؛ فإن القول بلا عمل كقوس بلا وتر؛ أو كسحاب بغير مطر، وهو من حظوظ النفس وتسويل الشيطان، ومن قلة التوفيق ولزوم الخذلان؛ لأن النفس الأمارة ترى القبيح حسنًا.
قال المولى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [فاطر: ٨] الآية. وقال من لا يخلف الميعاد: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال بعضهم في هذا المعنى:
يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا
يا عجبًا منك وأنتَ مبصر … كيف تجنبت الطريق الواضحا
والناس مكلفون إلى يوم القيامة بأن يقتدوا بمن ظللته الغمامة، ويتبعوه في أقواله وأفعاله، ويتأدبوا بآدابه.
فمن فعل ذلك جعله الله تعالى من أوليائه وأحبابه. ومن أبى صرفه الله عن رحمته وطرده عن بابه، وأذاقه أليم عذابه.
فمن أدركته المنَّة دخل في السنة؛ لأن المتابعة تثبت الاتصال، وعدمها يثبت الانفصال.
قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] يفهم من هذا أن من لم يتبعه ليس منه.
وقوله ﷺ : «سلمانُ منَّا أهلَ البيتِ» (١)، ومعلوم أن سلمان من فارس لكن لمتابعة المحبوب حصل له المطلوب، وعدم المتابعة للحبيب تبعد القريب. قال المولى حكاية عن نوح ﵇: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فأجابه الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦].