ثم اعلم بأن الخير كله في جمع القلب على الله تعالى، والشرَّ كله في التفرقة عنه، والجلوس بغير حاجة في أبواب الحارات والأسواق أو الطرق والدروب؛ ففي ذلك تفرقة للقلوب، ولا ترضي علام الغيوب.
وقد أفتى الشيخُ محيي الدين النَّواويُّ (١) لسائل سأله: هل الانقطاع في برية أو قرية أفضل، أم الإقامة في المدن لأجل حضور الجماعة والجمعة، وأعياد المسلمين وشعائرهم، وحلق ذكرهم أفضل؟ فقال ﵁: أي مكان رأيت نفسك انجمعت فيه على الله تعالى، فالإقامة فيه أفضل: (في البرية أو القرية أو المدينة) (٢). فإن خاف الضرر على دينه في المدينة لا يسكنها، فإن أمن فسكنى المدينة أفضل؛ (لشهود ما تقدم ذكرهم، وحينئذٍ) (٣) لا يجالس من يخاف منه ضررًا في دينه لبدعته، أو لترغيبه في الدينا وشهواتها، أو يغتاب عنده مسلمًا أو (٤) غير ذلك من المفاسد: كمجالسته من تتحلى النفس بمجالسته، لعلو مرتبته أو لحسن صورته، وذلك من أنحس المقاصد.
فقد تبين لك أن (الجمع هو الأصل في العبادات) (٥)، فما فات السالك الوصول إلا لتضييعه الأصول، فمتى حصلت العبادة، ولم يحصل معها الجمع، فإنما هو من عدم صدق، أو مرض في القلب، أو بدعة، أو عدم أدب، أو عجب ورياء، أو كبر. قال المولى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] فاعتبروا يا أولي الألباب بإبليس: كيف صيَّره الله سبحانه عدوًّا لأجل تكبره، وصرفه عن درجة
стр. 807
الأحباب، كان ملكًا عظيمًا، فصار شيطانًا رجيمًا (١)، فإن عوَّق المسلم عن الصلاة بالكلية، فقد ابتلي بمعصية عظيمة وبلية، وخالف الحق سبحانه، وخرج عن طريق خير البرية، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]، وقال ﷺ : «بين أمتي والشرك والكفر ترك الصلاة» (٢). وقد صحَّ أيضًا في الخبر: «من ترك الصلاة عامدًا
متعمدًا فقد كفر» (٣).
فانظر رحمك الله! إلى هذا التهديد والتوكيد الشديد، ومع ذلك كله لا ينتفع الغافل به؛ لأن القلوب بيد الله تعالى، فلا يكون أبدًا إلا ما يريد.
قال بعضهم:
قل لمن أعرض عنَّا … إن إعراضك منَّا
لو أردناك لأضحى … كلُّ ما فيك يردنا
ولهذا الترك سبب: وهي ذنوب سبقت؛ لأن المعاصي تسود القلب،
стр. 808
وتيبس الأعضاء، وتعوقها عن الطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من ترك الصلاة، والمخالفة لله تعالى، ومن تفرُّقِ العبد عن سيده وخالقه ومولاه.
ويجب على المسلم المواظبة على الجمعة والجماعة، ليهوِّن الله عليه أهوال يوم الساعة، ويحشره مع صاحب المعجزات والشفاعة.
اعلموا أهل الإيمان! أنَّ الجمعة والجماعة هي طريق رسول الله ﷺ ، وطريق الصحابة، والتابعين لهم بإحسان.
سئل ابن عباس ﵁ عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل؛ إلا أنه لا يأتي الجماعة ولا الجمعة، فقال: هو في النار (١).
عن ميمون بن [أَبي] شبيبٍ قال: تهيأت للذهاب إلى الجمعة زمن الحجاج، فقلت: أين أذهب، أصلي خلف هذا؟ فقلت مرة: أذهب، ومرة: لا أذهب، فأجمع رأيي على الذهاب، فناداني منادٍ من زاوية البيت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، قال: وجلست مرةً أكتب كتابًا، فعرض لي شيء، إن أنا كتبته زيَّن كتابي؛ وقد كنت كذبت، وإن أنا لم أكتبه، كان في كتابي بعض القبح؛ وقد كنت صدقت، فقلت مرة: أكتب، ومرة: لا أكتب. فأجمع رأيي على تركه، فتركته فناداني منادٍ من زاوية البيت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (٢).
ولا ينبغي للمؤمن أن يتهاون بالصلاة في الجماعة؛ لأجل العيال، ويحيلهم على الكبير المتعال، لكي لا يدخل الخلل في كسبه؛ ويخرج عن
стр. 809
سنة نبيه فينعكس الحال، ولا يعول همهم، ويكون همه الآخرة (١)، فيكفيه (٢) الحق سبحانه هم الدنيا والآخرة، كما جاء في الأخبار المتواترة: يا عبد الله، إذا كان المخلوق أبخل البخلاء، وإذا استخدم أحدًا أطعمه، أفتخدم مولاك (وهو خالق الكرم) (٣) ويتركك؟! أيشبع الكافر وتجوع؟! أتكون في دار الضيافة وتضيع؟! الدنيا داره وأنت فيها كالضيف الراحل عن أيام قلائل، وقد وصانا الحق سبحانه بإكرام الضيف. والمولى الجليل هو أولى بهذا الخلق الجميل، وكان بعضهم يقول: اللهم إن كنت أعول همًّا غير هَمِّ الآخرة، فلا تؤمنِّي منه (٤).
أين ذهب عقل من شُغل بهمِّ الدنيا عن هموم الآخرة؟ شغله همُّ ما يفنى، عن همِّ ما يبقى، فمثله كمثل من جاءه أسد ليفترسه، فشغل عنه بضرب (٥) هرٍّ.
فالعاقل المصيب همُّه ما فاته من الحبيب، لكي لا يعامله (٦) الله تعالى بالوفاء ويعامله هو بالمخالفة والجفاء، فعجبٌ لمن يعصى حبيبًا محسنًا بعد معرفته بأياديه وإحسانه، ويطيع عدوًّا لعينًا بعد معرفته بعداوته وطغيانه.
اعلم رحمك الله! أن لله عبادًا غيرك لا يعلمهم إلا الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] وأنت ليس لك رب غيره، وهو يربيك كأنه ليس له عبد سواك، وأنت تعرض عنه، كأن لك ربًّا غيره يحرسك في ليلك ونهارك من الجن، والشياطين، والحشرات، ومن جميع
стр. 810
البلايا والآفات، بعد معرفته بارتكابك أنواع المعاصي والسيئات. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] فلولا الحراسة من رب العالمين، لاختطف الآدميَّ الجنُّ والشياطينُ، قال الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
عن ذي النون المصري قال: حصل لي همٌّ، فخرجت إلى شاطئ النيل، فرأيت عقربًا ركبت (١) ضفدعًا، فتبعتها إلى الشاطئ (٢) الآخر فنزل العقرب يمشي، وإذا شاب نائم تحت شجرة وأفعى تقصده؛ فلدغت العقرب الأفعى، والأفعى العقرب؛ فماتا جميعًا، وسلم الشاب، وكان سكرانًا، فأيقظه ذو النون، وعرفه بالقضية، فبكى، وقال: إلهي، هذا فعلك بمن عصاك، فكيف بمن أطاعك؟ فكان ذلك سبب توبة الشاب (٣).
(عجب مِنْ ربٍّ (٤) يُقبِل، ويتحبب لعبده بنعمته، ومن عبد يدبر، ويتبغض إلى الله لمخالفته) (٥)، فمن رزقه الله تعالى إيمانًا وعقلًا، ثم صرف ذلك في موافقة الطبع ومخالفته الشرع؛ لا الإيمان يعقله، ولا العقل (٦) يعقله، فالمجنون أحسن حالًا من هذا؛ لأن المجنون من أهل الجنة، والقلم مرفوع عنه، ويثاب، وهذا العاقل يعاقب ويعاب فليته كان مجنونًا، ولم يكن عاقلًا مفتونًا، وهذه العقول أكادها (٧) باريها، فلو كمل عقل ابن آدم؛ لكان يراعي شمسه لكي لا تغيب؛ ولأسرع في دوام الشكر، وفيما يرضي الحبيب؛ لأن الله تعالى قد أسبغ عليه النعم: حفظ قلبه من الكفر، وصان وجهه عن السجود للصنم، وأكرمه بالاتباع لسيد الأمم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، أهل الجود والدين والشجاعة والكرم، قال الله : ﴿الْيَوْمَ
стр. 811
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال بعض اليهود لعمر بن الخطاب ﵁: لو أنزلت هذه الآية علينا؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت (فيه هذه الآية) (١) على رسول الله ﷺ : عشية عرفة في يوم جمعة، فاجتمع في ذلك اليوم عيدان (٢).
فاشكر الله أيها المؤمن! الذي مَنَّ عليك بذلك، وجعلك من خير الأمم، ولا تكثر المعاصي خوفًا من زوال هذه الخيرات والنعم؛ لأن الشكر هو العمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. ولما عوتب صلوات الله عليه وسلامه على كثرة اجتهاده وبكائه؛ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» (٣).
وقال الله سبحانه في حقِّ نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] قال المفسرون: كان يشكر الله على (٤) كل حال من نفع أو ضرٍّ (٥).
وقال ﷺ : «ينادى يوم القيامة: ليقم الحمادون، فتقوم زمرة، فينصب لهم لواء ويدخلون الجنة». وقيل: وما الحمادون؟ قال: «الذين يحمدون الله على كل حال» (٦).
стр. 812
فالعاصي لا يعد من الشاكرين وإن أكثر من قول الحمد لله رب العالمين، قال المولى جل وعلا: ئي اتى. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وكذلك حال من أكثر من الذكر وقراءة القرآن؛ وقلبه مُصر على المخالفة والعصيان، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من أطاع الله فقد ذكر الله؛ وإن قلَّت صلاتُه وصيامُه، وتلاوتُه القرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاتُه وصيامُه وتلاوته القرآن» (١).
ثم اعلم بأن مثل الشيطان كالكلب الجائع: متى نهرته اندفع، فإذا كان عندك لحم هجم، ولم يندفع، فالشهوة إذا غلبت على القلب، استقر الشيطان فيه. واندفع الذكر إلى جوانبه وحواشيه، فلا يطمعن طامع باندفاع الشيطان عنه بمجرد الذكر، كما اندفع عن عمر بن الخطاب، فمن ظنَّ ذلك فقد أخطأ في ظنه وما أصاب. قال ﷺ : «ما سلك عمر فجًّا، إلا سلك الشيطان فجًّا غيره» (٢). وذلك لأنهم طهروا قلوبهم من الغِلِّ، والحسد، والكبر، وحب الدنيا، والخيانة، والرئاسة، والبخل، والحرص، ومن جميع الأغيار؛ فحينئذٍ صلحت لنزول الأنوار، فلمَّا تقربوا إلى الله تعالى بهذه العبودية؛ أبعد الله عنهم الشيطان.
قال الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، والأصل في ذلك كله: تقوى الله ، فما فات السالك الوصول، إلا لتضييعه الأصول.
стр. 813
والتقوى حِمْيَةٌ تجْلي القلب من الشهوات الفاسدة، فإذا انجلى القلب، تمكن الذكر منه، فإذا تمكن منه ذكر الحبيب، لم يبق للشيطان فيه نصيب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]. فقلوب المتقين يطرقها الشيطان، إذا غفلوا عن ذكر الرحمن، فإذا ذكروا خنس، ولا يندفع بمجرد الذكر عن من استحوذ عليه الشيطان؛ لغفلته عن عزة الربوبية، وذلة العبودية.
قال أبو هريرة ﵁: التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر، فإذا شيطان الكافر سمين دهين، وإذا شيطان المؤمن (مهزول أشعث عارٍ) (١)، فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن: ما لك؟ قال: أنا مع رجل إذا أكل سمى؛ فأظل جائعًا، وإذا شرب سمى؛ فأظل عطشانًا، وإذا ادهن سمى؛ فأظل شعثًا، وإذا لبس سمى؛ فأظل عريانًا. فقال شيطان الكافر: إني مع رجل لا يفعل شيئًا مما ذكرت؛ فأنا أشاركه في شرابه، وطعامه، ولباسه (٢).
فانظر إلى بركة أسماء الله تعالى إذا ذكرت على شيء بورك (في ذلك الشيء) (٣)؛ ولم يكن للشيطان فيه نصيب؛ لعظمة اسم الحبيب.
وفي الخبر: أن اسم الله تعالى يصير حجابًا لذاكره من الجن، إذا دخل الخلاء والأماكن المخيفة (٤). فسبحان مَنْ مَنَّ على عباده بهذه الخيرات اللطيفة، فانظر إلى بركة الأسماء كيف صارت حجابًا بين المؤمن وبين
стр. 814
أعدائه في هذه الدار. وتصير إن شاء الله حجابًا في الآخرة بينه وبين النار، وقد نجَّى الله تعالى نوحًا وقومه بنصف البسملة، فكيف لا ينجِّي المؤمن بكلها؟! وكان إذا قال: بسم الله. جَرَت، وإذا قال: بسم الله. رَسَت، قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١].
واعلم أن أبناء الدنيا يجعلون أسماء ملوكهم وكبرائهم على الأشياء؛ لكي لا يطمع فيها العدو، فكان الحق سبحانه يقول: عبدي إذا شرعت في عمل، فاجعل عليه اسمي، وقل: بسم الله الرحمن الرحيم، لكي تقع بركة اسمي عليك؛ فلا يصل عدوك إليك.
وفي الحديث: «من رفع قرطاسًا من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالًا لله تعالى، كتبه الله تعالى من الصديقين، وخفف عن والديه، وإن كانا مشركين» (١).
وكان سبب توبة بشر بن الحارث الحافي (٢)، أنه مر بقرطاس في الطريق تطؤه الأقدام فرفعه، وإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، فمسحه وقبَّله، وكان معه درهمان لا يملك غيرهما، فاشترى بهما غالية، وطيب بها (٣) القرطاس، فرأى تلك الليلة قائلًا يقول في منامه: يا بشر، رفعت اسمنا عن الطريق وطيبته؛ لأطيبن (٤) اسمك في الدنيا والآخرة (٥).
ومعنى قول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم: أي بدأت بعون الله، وبركته، وتوفيقه، وهو تعليم من الله تعالى لعبيده.
стр. 815
وقوله: الحمد لله، معناه: أي كل حمدٍ أتى به أحد من الحامدين، أو لم يأت به؛ فهو لله سبحانه، فيدخل فيه جميع المحامد المذكورة على لسان النبيين والملائكة والخلائق أجمعين إلى أبد الآبدين، فكأنه يقول: الحمد لله طاعة غير متناهية، (فلا بد من مقابلتها بنعمة غير متناهية) (١)، فلهذا يستحق العبد الثواب الأبدي، والخير الدائم السرمدي، إذا راعى حقوقها، ولم يتشبه بكل عبد متمرد ردي، فمن لم يراع حقوقها؛ امتنع الفضل (٢) اللائق بها، وينبغي أيضًا رعاية موضعها، فلا يقولها إذا أكل، أو شرب، أو لبس، أو فعل شيئًا حرامًا لا يسمي الله تعالى في أوله، ولا يحمده في آخره، فإن سمى الله تعالى وحمده في شيء من الحرام والعصيان يأثم، ويشاركه الشيطان.
عن سري السقطي قال: لي ثلاثون سنة أستغفر الله من قولي مرة: الحمد لله. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: وقع الحريق ببغداد واحترق الدكاكين والدور، فأخبروني أن دكاني لم يحترق. فقلت: الحمد لله. فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة (٣).
فانظر؛ لمَّا فرح بشيء لا يليق في الشرع، وقال: الحمد لله. في غير موطنه، ورثه ذلك حزن ثلاثين سنة، فلا ينبغي لأحدٍ إذا فعل شيئًا محرمًا أن يسمي الله في أوله، ولا يحمده في آخره؛ إجلالًا لله تعالى أن يذكر على فعل محرم، فمن فعل ذلك شاركه الشيطان؛ وجزاؤه جهنم.
فقد ذكرنا ما اتفق لبعض الأحباب، عسى تتأدب النفس بشيء من هذه الآداب، فتحشر معهم، ومع النبي ﷺ وعلى الآل والأصحاب.
ثم اعلم بأن الله تعالى قصَّ علينا قصص الأنبياء والأحباب (٤)، فكأنه يقول: هكذا فكونوا، لأحبكم (٥) كما أحببتهم، وأكرمكم كما أكرمتهم.
стр. 816
وقصَّ علينا أخبار أعدائه: كفرعون، وهامان، وقارون، وإبليس. وكأنه يقول: هكذا فلا تكونوا؛ فأبغضكم كما أبغضتهم، وأبعدكم كما أبعدتهم.
قال الله تعالى إخبارًا عن يونس ﵇: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وهذه وليمة عقدت ليونس ﵇ ولم نشهدها، ولكن الله تعالى جعل لنا نصيبًا فيها؛ لأنه هو المخبر بقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قوله: فنادى في الظلمات، يعني: في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ولم يكن ذلك نقصًا لمرتبته السنية.
وأنت أيها المؤمن! متى غلبت عليك النفس، ورأيتها تجور، وتكثر من المعاصي والفجور، فنادي في ظلمة النفس، وظلمة الطبع، وظلمة الهوى، ففرق بينك وبينه.
ثم اعلم بأن قول يونس ﵇: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ تنزيه، وتسبيح، واعتراف. ومن أثنى على عزيز، فقد تعرض للطلب منه، وإن لم يطلب، ولذلك أجابه (١) الحق بقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨]. قال قائلهم:
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء
كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الجميل ولا مساء
ومعنى الآية: أي من اضطر إلينا أجبناه، ومن أقبل علينا قبلناه.
فاضطر أيها العبد المملوك! لمولاك، وتوكل عليه، حتى يكون الغالب على ذكرك، فإن الخلائق لن يغنوا عنك من الله شيئًا، فمن أقبل بقلبه على الله تعالى؛ أقبل الله بقلوب العباد عليه، ونظر بعين كرمه ومعرفته إليه.
стр. 817
قال المؤلف عفا الله عنه: أردت أن يكون هذا الكتاب جميعه في ذكر من خرج عن الشرع وابتدع، فجعل الله سبحانه بعضه في ذكر من اتبع لنبيه وحبيبه، وذلَّ لعظمته وخضع، وليس لأحد مشيئة (١) ولا اختيار، وربنا يخلق ما يشاء ويختار، وقد ذكرت أوصاف القوم، موعظة لنفسي أولًا، ولغيري ثانيًا؛ فإن ذكرهم يطرب القلوب، ورؤياهم تذكر بالله علام الغيوب، وقلت: عسى أن تتخلق النفس بشيء من أخلاقهم في الدنيا؛ فتحشر معهم في الآخرة، وإلى الآن ما شممت لذلك رائحة؛ ونفسي في جهلها وغيها غادية ورائحة. قال قائلهم:
أسفي أموت وليس لي … عمل به نفسي تطيب
والغبن أني راحل ما … لي من التقوى نصيب
فرحم الله من قرأ هذا الكتاب، ودعا لهذا العبد المفتون باليقظة وحسن الخاتمة، وما ذلك بعزيز على من يقول للشيء: «كُنْ» فيكون.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعوة المسلم لأخيه: «مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير؛ قال الملك الموكل به: آمين، ولك مثله» (٢). رواية مسلم. وفي حديث آخر: «أسرع الإجابة دعوة غائب لغائب» (٣) رواية الترمذي.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن لي، وقال: «لا تنسانا يا أخي من دعائك». فقال: كلمة ما
стр. 818
يسرني أن لي بها الدنيا (١)، وفي رواية: «أشركنا يا أخي في دعائك». قال الترمذي: حديث صحيح (٢).
والدعاء بظهر الغيب هو من صفة الأنبياء وحلية الأولياء، قال الله تعالى إخبارًا عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وعن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقال سبحانه في حق المؤمنين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
فإذا مات العبد مسلمًا جمع الله تعالى له أدعية النبيين والصالحين، ومن دعا بخير كان له نصيب في ذلك الخير، ويجعل الكل في ميزانه، وذلك من فضل الله وامتنانه، وكذلك استغفار الملائكة، وإيمان العبد بالغيوب؛ الكل يوضع في الميزان زيادة على ما صنعه من الطاعة، وتكفير السيئات والذنوب. ولذلك (٣) طلبنا من إخواننا أن يتصدقوا علينا بإيصال إحسانهم ودعائهم إلينا، فدعاء الأخ لأخيه المسلم مقبول، والأعمال ما ندري هل تقبل أم لا؟ لحب الدنيا ولخروجنا عن طريق الرسول.
اعلم رحمك الله! أن جميع ما غاب عن المؤمن وآمن به يكون في ميزانه يوم القيامة (٤):
كإيمانه بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، وبشهادته
стр. 819
أنهم كانوا على الحق المبين، وبإيمانه بوجود الجن والشياطين، وبالعرش والكرسي وبالكرام الكاتبين، وأن الحق سبحانه جعلهم علينا حافظين.
ونؤمن بالصراط ودقته، والميزان وخفته؛ لأن بين كفتي الميزان خمس مئة سنة (١)، وكذلك طول اللسان، ومع ذلك ترجحه الذرة من الإحسان، وتنقصه الذرة من الذنوب والعصيان، ويدرك العبد ببصره كفتي الميزان، ويرى ما رجح من إحسانه، وكذلك النقصان، فمن رجحت حسناته سعد سعادة لم يشق بعدها أبدًا، ومن خفَّت موازينه شقي، ووقع في الخيبة والخسران، ومن تساوت حسناته وسيئاته جعل على الأعراف، وهو مكان مرتفع بين الجنة والنيران، فمن أراد من أهل الجنة أن يكون في وقت واحد ناظرًا إلى ربه مجتمعًا بنبيه وأهله وأقاربه، وبجميع المعارف والإخوان، كان له ذلك بقدرة الواحد الديان.
والقبر روضة من رياض الجنة لكل عبد شكور، وحفرة من حفر النار لكل عبد كفور، ولو جُعِلا في قبر واحد فانتبه من رقدتك أيها المغرور! وسؤال منكر ونكير ولو مئة ألف في لحظة واحدة، وذلك عليهما يسير، وكذلك ملك الموت يأخذ أرواح العباد في جميع أقطار الأرض، ولو ألف ألف في ساعة واحدة، والله على كل شيء قدير.
стр. 820
ونؤمن أيضًا بالبعث بعد الموت، وبموت من في السموات والأرض إلا من شاء الله بنفخة إسرافيل في السور، وبنفخته الثانية يقوم من في السموات ومن في الأرض، ويبعث الله سبحانه من في القبور.
ونؤمن بإخراج أهل الكبائر من النار بشفاعة النبيِّ المختار، وبدوام العذاب على الزنادقة المعطلين والكفار، وبالخلود في الجنة لأهلها من الأنبياء والأولياء الأخيار، وزادهم الحق سبحانه النظر إلى وجهه الكريم؛ زيادةً على ما أعد لهم فيها من النعيم المقيم، صح ذلك في الأخبار.
والمعراج حقٌّ، وقد أسري بشخص النبي ﷺ في اليقظة إلى السماء إلى حيث شاء الله من العُلى، وأكرمه بما شاء وأوحى إليه ما أوحى، وأكرمه بالحوض المورود، غياثًا لأمته من العطش الأكبر، وأنطق له الجامدات، وانشق له القمر، وكلمه الذئب والبعير والشاة المسمومة، ونزل بدعائه في الحر الشديد الغيثَ والمطر، وتفل في الماء المالح فكثر بعد قلته وصار عذبًا، صحَّ ذلك في الأخبار (١).
ونؤمن بأخذ الإنسان كتابه من وراء ظهره، وبيمينه، وفي اليسار؛ هذا في وقت العرض.
ونؤمن أيضًا بتبديل السموات والأرض، وأن الله على كل شيء قدير، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، غني عن جميع الكائنات، وكل شيء إليه فقير، استوى على العرش غير محتاجٍ إليه، فمن قال غير هذا القول فقد افترى عليه، ولا يفنى ولا يبيد، ولا يكون أبدًا إلا ما يريد.
ومن وصف الحق سبحانه بمعنى من معاني البشر فقد أخطأ وكفر، واحدٌ لا شريك له، لا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا تشبهه الأنام، خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، باعث بلا مشقة، يقرب من يشاء يشاء
стр. 821
بفضله، ويبعد من بعدله، لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره.
والقرآن العظيم أنزله على نبيه وحبيبه ﷺ ، وصدَّقه المؤمنون، وتحققوا أنه منزل غير مخلوق، فمن زعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد أوعدَ الله تعالى سقَر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، فمن بصَّره الله اعتبر، ومن مثَّل هذا القول انزجر.
والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية.
سئل أبو حنيفة ومالك رحمة الله عليهما: كيف استوى الله سبحانه على العرش؟ قالا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (١).
والرؤية حقٌّ؛ لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ولما صحَّ في الأخبار المتواترة، وما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا، ولا متوهِّمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ، ولرسوله ﷺ .
ونؤمن بما جاء به رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ ، فتأويل الرؤية والاستواء والنزول والكلام وكل معنى يضاف إلى الربوبية؛ ترك التأويل ولزوم التسليم على ذلك دين المرسلين وعباد الله الصالحين، فنعتقد أن الله سبحانه اتخذ إبراهيم خليلًا وموسى كليمًا.
وأهل الإيمان هم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أتقاهم، وهو العامل بالسنة والقرآن، ومن خرج عن حكمهما فهو أشقاهم، قد غلب عليه الشقاء والخذلان.
فطوبى لعبد قدَّر الله تعالى على يده الخير والتقى والإحسان، والويل
стр. 822
ثم الويل لمن قدِّر عليه الشرَّ والبدع والعصيان، ويلقى الله تعالى وهو عليه غضبان.
ثم اعلم بأن الله سبحانه خلق الجنة والنار، لا تبيدان ولا تفنيان، وخلق لهما أهلًا لا يزيدان، ولا ينقصان، فترى كل أحد يعمل لما خُلِق له، وما قدر عليه في الأزل.
والخير والشرُّ مقدران، كتب الله سبحانه مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض حتى الكيس والمهان، والأعمال بالخواتيم.
وما من أحدٍ إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النيران، فالسعيد سعيد، والشقي شقي، وهم من أصلاب آبائهم، وقد جفَّ القلم بما هو كائن وما كان، فمن كان من أهل السعادة فَسَيُيَسَّرُ لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشر والطغيان، لا يكون شيئًا بغير قضاء الله.
وأن العبد غير زائل عن (١) قضاء الواحد الديان (٢)، لا حول ولا قوة إلا بالله تفسيرها: لا حول، ولا حيلة، ولا حركة، ولا تحوُّل لأحدٍ عن معاصي الله إلا بمعونة الله تعالى، ولا قوة ولا طاقة لأحد على طاعة الله إلا بالله. ولا يثبت عليها إلا بتوفيق الله سبحانه جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، غلبت مشيئته المشيئات، وغلب قضاؤه الحيل، والحذر لا يرد القضاء والقدر.
ونسمِّي أهل القبلة مؤمنين، ما داموا على ما جاء به رسول الله ﷺ معترفين مصدقين بكل ما قاله، وأخبر به، لا نكفر أحدًا منهم بذنب، ما لم يستحله (٣)، ونرجو لمحسنهم، ونخاف على مسيئهم، ولا نؤمِّن أحدًا من أهل الطاعة، ولا نقنط أحدًا من أهل المعصية.
стр. 823
ولا نخوض في الله ، ولا نماري في الدين، ولا نجادل في القرآن، ونعلم أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين محمد ﷺ ، وعلى جميع النبيين، وعباد الله الصالحين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين وأئمة الموحدين.
ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة.
ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين، ولا نُفْرِط في حبِّ أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، محبتهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم نفاق وذنوب وطغيان، ونشهد لمن أدركته المنية وشهد له النبي ﷺ بالجنة، فمن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وفي أزواجه وذرياته برئ من النفاق.
وعلماء السلف ومن بعدهم من أهل الدين والأثر، والفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، فمن ذكرهم بسوء فهو مطرود عن باب الله، وهو على غير السبيل.
وسُئل أبو حنيفة ومالك ﵄: مَنْ أهل السنة والجماعة؟ قالا: من قدَّم أبا بكر وعمر، وأحب عليًّا وعثمان، وأحب الحسنين، ورأى المسح على الخفين، ولم يكفر أحدًا بذنب، ولم ينطق في الله بشيء (١).
ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء.
ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم.
ونؤمن بما جاء أن الله سبحانه يعجب ويغضب، ويرضى ويفرح،
стр. 824
ويضحك، لا كأحدٍ من الورى، بل كما يليق بعظمته وجلاله، بلا مثل ولا كيف.
ونؤمن بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء، وبطلوع الشمس من مغربها، وبخروج دابة الأرض (من موضعها) (١). ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا، ولا من يدعي شيئًا بخلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ونرى الجماعة حقًّا وصوابًا، والفرقة زيغًا وعذابًا، ودين الله في السماء والأرض واحد وهو دين الإسلام، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ونسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه، وعلى الوقوف بين يديه، ويرزقنا عملًا يرضى به عنا، ويوصلنا إليه، ويحرسنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرَّدية: كالرافضة، والمشبهة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، والمبتدعة (٢)، الذين ضلَّ سعيهم لمخالفتهم لخير البرية، كرماة البندق، وما شرعه كبراؤهم من الأفعال والأقوال الرَّدية، وكفتيان هذا الزمان، الذين أضافوا القبائح لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ونبرئه مما رمته به هذه الطائفة الخبيثة من المعاصي والأفعال المهوية، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا وإياهم للطريقة المحمدية (٣).
ونسأله السلام من جميع البدع، ومما تفعله الطائفة القرندلية، ومن طرق أهل الزيغ والبدع الموافقين لسنة (٤) أشياخهم، الخارجين عن السنة المضيئة الموصلة إلى حضرة الصمدية، فمنه التوفيق، ومنه التعويق لهذه القضية.
стр. 825
إلهي، أنت الذي تفضلت بالإحسان من قبل توجه (١) العابدين، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين.
إلهي، اطلبني (٢) برحمتك حتى أصل إليك، واجذبني بمنتك حتى أقبل عليك، يا من احتجب في سرادقات عرشه (٣) عن أن تدركه الأبصار، يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته، الأسرار كيف تخفى وأنت الظاهر؟ أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟
إلهي، بروزي في الآثار يوجب بُعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة، توصلني إليك.
إلهي، ذلي قد ظهر بين يديك، وحالي لا يخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك، وبك أستدل عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك.
إلهي، عميت عينٌ لا تراك عليها رقيبًا، وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له (من حبك) (٤) نصيبًا.
إلهي، أمرت بالرجوع إلى الآثار، فارجعني إليها بكسوة الأنوار، وهدى الاستبصار حتى أرجع إليك منها، كما دخلت منك إليها: مصون
стр. 826
السِّر عن النظر إليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل شيء قدير.
اللَّهم، الطف بنا في قضائك، وأوزعنا شكر نعمائك، وصبرنا على بلائك، واجعلنا من أحبابك.
اللَّهم، أقبل بقلوبنا عليك، واجعلنا من المستسلمين لإلهيتك، ومن الدائمين بين يديك، وأرحنا من كل تدبير لنا (١) معك أو عليك، وأخرج ظلمات التدبير من قلوبنا، وأشرق نور التفويض في أسرارنا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا، ولا نعطى إلا ما قسمت لنا، وأشهدنا حسن اختيارك لنا حتى يكون ما تقضيه فينا، وتختاره لنا، أحب إلينا من اختيارنا لأنفسنا.
اللَّهم، إنك دعوتنا إلى الانقياد إليك، وإلى الدوام بين يديك، وإنا عن ذلك عاجزون إلا أن تُقدِّرنا، وضعفاء إلا أن تقوِّينا، فوفقنا إلى ما به أمرتنا، وأعنا على الانكفاف عما عنه نهيتنا.
اللَّهم، إنك قدرت كلَّ شيء (قبل وجود كلِّ شيء) (٢)، وقد علمنا أنه لا يكون إلا ما تريد، وليس هذا العلم نافعًا لنا إلا أن تريد، فزدنا بعنايتك، واجعلنا من أهل ولايتك، يا خير الموالي دعاك بئس العبيد.
اللَّهم، اسلك بنا مسالك أولي الألباب، ورقنا إلى درجة (٣) الأحباب، واحفظ قلوبنا من الركون إلى غيرك، واحرسها من الزيغ والارتياب، وثبِّتها على طاعتك وسنة رسولك ﷺ تسليمًا كثيرًا وعلى الآل والأقارب والأصحاب، وعلى التابعين ممن أطاع ربه وعمل بسنة نبيه وحبيبه ثم أناب.
واعلم أيها المؤمن! أن الله أمرك بخدمته، وضمن لك ما قدَّره لك من قسمته، فأهملت ما أمرك به من طاعته، وشككت فيما
стр. 827
ضمن لك من قسمته، ولم يكتف لك بالضمان حتى أقسم، وما اكتفى بالقسم حتى مثَّل، وخاطب عبادًا يفهمون بقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣].
وقد اكتفى بوصفه العارفون، واحتال على كرمه الموقنون، ولو لم يكن قسَمٌ ولا ضمان لوثق القوم بوجود الإحسان، والحقُّ قد رزق أهل الجحود والكفر والطغيان، فكيف لا يرزق من أطاعه من أهل الخير والإيمان.
الغارس للشجرة هو ساقيها، والممد للخليقة هو باريها، ويكفيها أنه كافيها، أيخرجك إلى وُجُودِه، ويمنعك من جُودِه؟ أتكون في دار الضيافة وتضيع؟ الدنيا داره، وأنت فيها كالضيف الراحل عن أيام قلائل، اجعل مكان همِّك برزقه همَّك به، فهو يكفيك، وما كان لك سوف (١) يأتيك، فالحق ما اكتفى لعبده المؤمن بالدنيا حتى ادَّخر له مكانًا رفيعًا في الجنة، واستقل ذلك عليه، فزاده التمتع برؤيته، وبالنظر إليه، فإذا كان أيها المؤمن! هذا من بعض أفعاله فكيف تشك في أفضاله؟!
ولقد ظهرت الطريق لأهل التحقيق، وتبين معالم الهدى لأهل التوفيق، فأذعنوا لربوبيته مسلمين، وطرحوا أنفسهم بين يديه مفوِّضين، فعوَّضهم عوض ذلك راحةً في نفوسهم، ونورًا في قلوبهم، وتحقيقًا في أسرارهم.
أفرغ قلبك من الأغيار؛ يملأ بالمعارف والأنوار، ليس للقلب إلا وجهة واحدة، متى توجه (إليها حُجب عن غيرها) (٢)، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤].
стр. 828
لا تستنبط من الله سبحانه الجود والنوال، ولكن استنبط من نفسك وجود الطاعة والإقبال، مَنْ لم يعرف قدر النِّعم في وجدانها، عرفها بوجود فقدانها، لا يدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكر (١) الله تعالى، فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك.
تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العظيم، لا يغسل الشهوة من القلب إلا خوف مزعج، أو شوق مقلق، كما أن الله لا يحب العمل المشترك، كذلك لا يحب القلب المشترك، من أخلص عمله لله تعالى قبله، ومن أخلص قلبه أقبل عليه (٢).
بوجود الإخلاص زكت الأعمال، ووصل العُمَّال، قال المولى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. متى حصل في القلب الإخلاص، وذهب منه البدع والأكدار، بُدِّل ليل فاعله بنهار، أي بدل ليل المعصية بنهار الطاعة، كان بعضهم يقول:
ليلي بوجهك مشرق … وظلامه (٣) في الكون ساري
فالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار
والأنوار على أقسام: نور أُذن له في الوصول، ونور أُذن له في الدخول (٤)، وربما وردت الأنوار، فوجدت القلب قد امتلأ بصور الآثار، فارتحلت من حيث نزلت، فالنور الذي أذن له بالدخول إن وجد القلب خاليًا، وإلا أزال (ما فيه من) (٥) الكدر ثم نزل؛ قال الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. يا عبد الله، طهِّر المنزِل
стр. 829
حتى ينزِل، يقول الله : «لا يسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (١)، ما أحببت شيئًا وانجمعت عليه إلا كنت (٢) عبدًا له، والحق لا يرضى أن تكون عبدًا لغيره، وصول العبد إلى الله تعالى أي إلى العلم به، وإلا فجَلَّ ربنا أن يتصل إليه شيء، قربك منه هو أن تكون شاهدًا لقربه؛ وإلا فمن أنت ووجود قربه؟ الحقائق تَرِد في حين التَّجلي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، متى وَرَدَتْ الموارد الإلهية إليك، هدمت العوائد عليك: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤] الآية (٣).
فإن قال قائل: نسلم أن الملك الكافر إذا دخل قرية أفسدها بعمارة الكنائس، وخراب المساجد، ويعصى الحبيب، ويظهر دين الصليب، فأما الملك المؤمن إذا دخل قرية أو مدينة سعى في العدل، وعمارة المساجد وخراب الكنائس، وأطاع المولى الرقيب، وأظهر دين الحبيب، فيقال للسائل: وهذا أيضًا فساد عند أهل الكفر والعناد: خراب الكنائس والبيع، وعمارة المساجد للصلوات الخمس والأعياد والجمع.
ومثل القلب كالملك العادل: متى تحكَّم في مدينة وُجُودِ المسلم، انصلح الحال، وذهب الباطل والمحال؛ لأنه يسعى في خراب كنائس الهوى وهلاك خنازير المخالفة، فتصبح أهل المدينة مطيعة لله تعالى، وهي من سطوته خائفة، ومتى تحكمت النفس في هذه المدينة يكثر فيها الظلم والفساد، فيغضب عليها الحقُّ سبحانه، ويستوجب البُعد والعذاب.
стр. 830
فمن وافق نفسه مُحِي من ديوان أهل الطاعة، ومن شُغِل بها غفل عن أهوال يوم الساعة، ومن كانت هذه بضاعته فبئس والله البضاعة، ألم تسمع قول الواحد القهار: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. فمن سوء عادتها ونحس قاعدتها تعصي الواحد الأحد، وتبيع شهوة ساعة بنعيم الأبد؛ لأن عمر ابن آدم كساعة، ولذلك جعله الولي طاعة، فمن مَنَّ اللهُ عليه، أصلح نفسه، فتجهز للقاء ربه وسارع إليه.
ثم اعلم بأن الناس في وُرُودِ المنن على ثلاثة أقسام: فَرِحٌ بالمنن لا من حيث مهديها، ولكن لوجود متعة فيها، فهذا من الغافلين يصدق عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]، وفَرِحٌ بالمنن من حيث أنه شهدها منة ممن أرسلها، أو نعمة ممن وصَّلها، يصدق عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. وفَرِحٌ بالله سبحانه لم يشغله ظاهر متعتها، ولا باطن منتها؛ بل شغله النظر إلى الله تعالى عما سواه، والجمع عليه، فلا يشهد إلا إياه، ويصدق عليه قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، قل للصديقين: بي فليفرحوا، وبذكري فليتنعموا. نسأل الله العظيم أن يجعل فرحنا به، وأن لا يجعلنا من الغافلين، وأن يسلك بنا مسالك المتقين، وأن يرزقنا ما رزقهم من الدين القيم والرضَى واليقين، وأن يفعل ذلك بجميع المسلمين؛ إنه (١) على كل شيء قدير (٢).
ثم اعلم بأن الحضرة الإلهية هي مأوى قلوب المتقين، إليها يأوون، وفيها يسكنون، فإن ينزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ، فبالإذن والتمكين، والرسوخ في (٣) اليقين، فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب، والغفلة، ولا إلى الحظوظ بالشهوة، والمتعة، بل دخلوا في ذلك كله بالله،
стр. 831
ولله، ومن الله، وإلى الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ [الإسراء: ٨٠]. ينصرني على شهود نفسي، ويُغَيِّ بُني (١) على دائرة حسي؛ لأنه ما وصل إلى صريح الحرية مَنْ عليه من نفسه بقية.
ثم اعلم: إن كان عين القلب تنظر إلى الله تعالى أنه واحد في منته، فالشريعة تقتضي أن لا بد من شكر خليقته. والناس على أقسام ثلاثة: غافل منهمك في غفلته، قويت دائرة حسه، وانطمست حضرة قُدسه، فنَظَرَ الإحسانَ من المخلوقين، ولم يشهده من رب العالمين، إما اعتقادًا؛ فشِركُه جَلِيٌّ، وإما استنادًا؛ فشِركُه خفيٌّ. وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهوده الملك الحق، وفني عن الأسباب بشهوده مسبب الأسباب، هذا عبد مواجَهٌ بالحقيقة، ظهر عليه سَنَاها، سالك للطريقة، قد استولى على مداها؛ لكنه غريق الأنوار، مطموس الآثار، قد غلب سكره على صحوه، وجمعه على فرقه، وفناؤه على بقائه، وغيبته على حضوره. وأكمل من هذا عبدٌ شرب فازداد صحوًا، وغاب فازداد حضورًا، فلا جمع يحجبه عن فرقه، ولا فرق يحجبه عن جمعه، ولا فناء يحجبه (٢) عن بقائه، ولا بقاء (٣) يصده عن فنائه؛ يعطي لكل ذي قسط قسطه، ويوفي كل ذي حق حقه.
وقد قال أبو بكر الصديق لعائشة ﵁ لما نزلت براءتها من الإفك على لسان رسول الله ﷺ : يا عائشة! قومي إلى رسول الله ﷺ . فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أشكر إلا الله تعالى (٤).
стр. 832
دلَّها أبو بكر على المقام الأكمل المثبت للآثار (١)، قال الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. وقال رسول الله ﷺ : «لا يشكر الله (من لا) (٢) يشكر الناس» (٣). وكانت هي ﵂ في ذلك الوقت غائبة عن الآثار، لم تشهد غير الواحد القهار (٤).
فانظر رحمك الله! ماذا وهب الحقُّ سبحانه لهؤلاء العبيد، فسبحان المولى المجيد المعطي بغير حساب، الفعَّال لما يريد، فارض أيها المؤمن! بقضاء سيدك، وكن متبعًا للسنة شاكرًا لأنعمه، يأتيك من الله سبحانه الخير والمزيد، ولا تكن مبتدعًا متعرضًا، فيسخط الله عليك، يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، وكان بعضهم يقول هذه الأبيات في المعنى:
كن عن همومك معرضًا … وكِل الأمور إلى القضا
وأبشر بخير عاجل … يمحى به ما قد مضى
فلرب خيرٍ في المضيق … ورب ضيق في الفضا
ولرب أمرٍ مسخط … لك في عواقبه الرضا
والله يحكم ما يريد … فلا تكن متعرضًا
غلب على بعض الصالحين الوله، فلم يشعر حتى دخل أرض العدو، فأسره بعض علوج النصارى، وجاء به لسوقهم، فبينما هم يتزايدون في ثمنه رُدَّ عقلُه إليه، فرمق بطرفه إلى السماء وقال: أوقعني حبك فيمن يزيد في موقف الذل وسوق العبيد، قد حضر البائع والمشتري، عبدك (١) راضٍ فافعل (٢) ما تريد (٣).
فانظر أيدك الله تعالى! إلى أوصاف إخوانك، صار أحدهم كالميت
وأنت أيضًا تقول: كل ما يفعله الله تعالى بعبده هو خير له، وتزعم أنك من جملة العبيد، وأنت تتلون على الله سبحانه، لك في كل يوم لون جديد، فقد خالف قولك فعلك، يا من تدعي العبودية والرضَى والتوحيد، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. كذلك قول بعض المخذولين في ظاهر الأمر: إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وهو صديقه في الباطن، فمثله كمثل من قال: إن العسل مسموم، ثم مدَّ يده ليأكل منه،
стр. 837
فمن سبَّ الشيطان بلسانه ثم ساعده بعمله، ووافقه بما يهواه فهو عبد الشيطان لا عبد خالقه ومولاه؛ قال الله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال الواحد المنان: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠].
وما كثَّرنا الكلام إلا لأن طبع الآدمي ثقيل، محتاج إلى تزويق الكلام وإلى التطويل، ولو عمل بآية من كتاب الله تعالى وهو قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. أو عمل بحديث من أحاديث رسول الله ﷺ ما كان يحتاج إلى غيره، وهو قوله ﷺ : «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١)، فقد علمت أن النفس ثقيلة، ولذلك يعصي الله سبحانه ويخالف أوامره الجليلة.
قال أبو يزيد: لو أن زمامي بيد كلب، كان أحب إليَّ من أن يكون زمامي بيد نفسي (٢).
وقال بعض العارفين: من ذاق طعم نفسه قلَّ فلاحه. نسأل الله العظيم الذي أذاقنا طعم أنفسنا أن يذيقنا حلاوة حبه. واعلم أنه لا يجد طعم حبِّ الواحد الخلاق إلا كل عبد تقي زاهد مشتاق.
تَمَّ كتاب اللمع في الحوادث والبدع (٣).
غفر الله لمؤلفه ولقارئه ولسامعه، ولمن عمل بالسنة واتبع، ولمن أصلح شيئًا قاله المؤلف، فخرج بذلك الشيء عن السنة، وفي البدعة وقع وخالف أهل الدين والورع.
стр. 838
ووافق الفراغ من تأليفه في أشرف المكان، وأبرك الزمان (١)، وذلك في مكة المعظمة، وفي شهر رمضان، في أوائل القرن الثامن من الهجرة المحمدية.
أعطانا الله تعالى خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وكفانا شرَّها وشرَّ أهلها وشرَّ ما فيها، وسلمنا من الأفعال والأقوال الخارجة الرَّدية.
وكان اختيار المؤلف أن يكون هذا الكتاب كله في حق من خرج عن السنة وابتدع، فجعل الله تعالى ذلك فيه، وشيئًا من التفسير، والأحاديث، والزهد، وأخبار أهل الشَّره والطمع، وكنت أريد أكتب شيئًا، فيذهب الله تعالى بذلك الشيء، ويلقى في بالي غيره، ويُسهِّل عليَّ ما سمعته من الفقهاء المرضية، ومن الفقراء المتبعين لخير البرية صلى الله عليه وعلى آله وأقاربه وأزواجه وذرياته أهل الدين، والورع والأخلاق الرضية، وعلى أصحابه: أهل الشجاعة والكرم المشبهين بالنجوم المضيئة.
الحمد لله الذي وفَّقني لجمعه، وأعانني عليه، وأسأله أن يجمع أمري على التقوى، ولا يجعله حجة عليَّ يوم أقف بين يديه، اللَّهم سهل لنا طريقًا توصلنا إليك، وارزقنا الراحة في قلوبنا بالتوكل عليك، مثبتين في (٢) خدمتك، محققين بمعرفتك، متبعين لسنة رسولك، وارثين عنه، آخذين منه يا ربَّ العالمين، وافعل ذلك بالوالدين والأقربين، وبجميع الأصحاب والأحباب والمسلمين، والله على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين وصلواته ورحمته وبركاته على سيد المرسلين، وعلى جميع النبيين، وعباد الله الصالحين.
من قرأ في أول هذا الكتاب، عذر المؤلف، ولم يكثر العتاب. حيث قال المؤلف:
تمسَّك بحبل الله واتَّبع الهدى … ولا تكُ بدعيًّا لعلك تفلِحُ
стр. 839
ولُذْ بكتاب الله والسنن التي أتتْ … عن رسول الله تنجُو وتربحُ
وسافر بهذا الزَّاد تلقى سلامةً … وأمنًا وخيرًا حين تمسي وتصبحُ (١)
غفر الله لكاتبه ورحمه برحمته الواسعة، وجعل القرآن الكريم أنيسه وشافعه ومالكه وقارئه، وسامعه، وجميع المسلمين (٢).
стр. 840
بسم الرحمن الرحيم
فصلٌ في الفتُوَّة
تأليف العبد الضعيف: إدريس بن بيدكين التركماني الحنفي، عامله الله تعالى وجميع المسلمين بلطفه الخفي، وثبَّته على الدِّين الحنيفيِّ، والمذهب الحنفي، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم ما ظهر نجم وما خفي.
الفتوة هي الإيمان والهداية، قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، واتباع المبعوث بالرسالة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]، قال المفسِّرون: من يطع الله في فرائضه والرسولَ في سننه فقد فاز فوزًا عظيمًا. وقال تعالى تعظيمًا لمرتبة نبيه وحبيبه وتمكينًا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فمن عمل بسنته فقد أطاعه، ومن خرج عنها فقد عصاه، فحينئذٍ يخاف على من عصاه أن تكون النار مأواه؛ لقوله صلوات الله عليه وسلامه: «كل الناس يدخلون الجنة إلا من
стр. 841
أبى» قالوا: ومن أبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (١)، والخروج عن الطريق هو عدم التوفيق، فاسلك الطرقَ ولو دارت؛ إن أردت الوصول، وائت البيوت من أبوابها إن أردت الدخول.
والاقتصاد في السنة خيرٌ من الاجتهاد في البدعة. قال ﷺ : «عملٌ قليل في سنَّةٍ خيرٌ من كثير في بدعة». وطريق النبي ﷺ قريب وتوصل إلى الحبيب، فمن دخلها أدخله الله دار القرار، ومن عدل عنها سلك الأوعار، ويخاف عليه من عذاب النَّارِ وسخط الجبار، والخوارج كلاب النار. كذا ورد في الأخبار عن السيد المختار الكامل الأنوار ﷺ صلاةً دائمةً إلى يوم القرار. قال الله سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، معناه: يا أهل كل كتاب لستم على شيء حتى تكونوا متبعين لا مبتدعين، والمبتدعين ليسوا من المتقين وأعمالهم مردودة عليهم لقول رب العالمين: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، فأعمالهُم أُعميَ، وأفعالهُم أفعَى لهم.
والفتى من اتبع، والشيطان من ابتدع، فمن يدعي الفتوة ويجمع الجموع والمردان، ويلبسهم لباسًا ويشد تكة بيده، ويسقهم ماءً وملحًا، ويمد لهم الخوان، فقد خرج عن السنة والقرآن، وخالف في فعله هذا جميع الأديان، واتبع طريق المغرورين الهالكين المبعودين عن رحمة رب العالمين؛ لأنهم خرجوا عن طريق سيد المرسلين والصحابة المكرمين والأئمة الراشدين، وأضافوا هذه القبائح لأمير المؤمنين، فهم مساكين حيارى، لا هم داخلون في طريق نبيهم، وخرجوا عن شرع اليهود والنصارى، قال الله سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وكل أحد له سبيل أي طريق، والكل يبعد عن الله، والطريقُ الموصلة إلى من له الفضل والمنة هي الكتاب والسنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا
стр. 842
تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وهذه الآيات محكمات بإجماع المفسرين لم يُنسخن بشيء، فمن عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. قال صلوات الله عليه وسلامه: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد»، فالسني في الدنيا شهيد وفي الآخرة سعيد، والمبتدع في ضلال بعيد. قال المبعوث بالرسالة: «كل بدعة ضلالة».
والفتوة التي تعمل في هذا الزمان هي من أقبح البدع، وهي مما ترضي الشيطان، وتغضب الرحمن، ما هي مذكورة في الحديث، ولا نطق بها القرآن، وقد نصحتك يا أخي والنصح من الإيمان.
ثم اعلم بأنها تشتمل على معاصي كثيرة، منها: كذبهم على الله تعالى؛ لأن كبيرهم إذا وقف يقول: وقوفي لله. ووقوفه لعلَّة لا لله، ويقول: وفي طاعة الله. فكذب في الأول ولا صدق في الثاني؛ لأنه وقف يدعو الناس إلى الباطل، وبعد هذا يقول: واتباعي في هذه الفتوة لآل بيت النبوة، واللباس لفلان، والفتوة فتوة علي بن أبي طالب.
والله ما هذه صفة من هو في الله ورسوله راغب؛ لأنه كذب في الأول، ولا صدق في الثاني، وأخطأ في الثالث.
وجمعهم المردان وإخوان البطالة، وهذي الأخرى من الضلالة؛ لأن الشعبي وغيره من مشايخ الأشياخ، كلٌّ منهم نهى أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد الحسن الوجه، ونهى أيضًا عن مجالسته، وأقام أمرد من بين يديه وأجلسه خلفه وقال: كانت خطيَّة داود النظر. فمن خالف قول النبي ﷺ وفعله فهو عبد محجوب إلا أن يتوب؛ فينال حينئذٍ المطلوب. قال بعضهم شعرًا:
ليس الشجاع الذي يحمي مطيته … يوم النِّزال ونار الحرب تشتعل
لكن فتًى غضَّ طرفًا أو ثنى قدمًا … عن الحرام فذاك الفارس البطل
وقال ﷺ : «حرِّمت النار على عينٍ غضت عن محارم الله».
والبدعة الأخرى شد تكة الأمرد بين جمع من المسلمين، وذلك
стр. 843
يوجب لهم المقت من رب العالمين، وهذه الأشياء تأتي من قلة الحياء والدين، والذي قال الصادق الأمين ﷺ وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم الدين: «الحياء من الإيمان».
والبدعة الأخرى شربهم ماءً وملحًا، وما يفعله إلا كل مبتدع وشيطان.
يفعلون هذه المصائب ويضيفونها لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
والفتى الصادق من كان هو لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ موافقًا.
فَيَا مَنْ يدعي الفتوة وهو تارك لطريق النبوة يطعم الشبعان ويترك الجيعان ويكسو المردان ويترك العريان أفق أيها الإنسان، فقد غرك الشيطان إذ أخرجك عن طريق النبوة، فنظرك إلى الأمرد حرام، وطعامك شر طعام، وقد خرجت عن طريق النبوة فنظرك قال ﵊: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين».
قال السيد الجليل سهل بن عبد الله التستري: سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم اللوطيون وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث نعوذ بالله من ذلك كله. وقد ذم الله تعالى اللوطي ولعنه.
والفتيان هم الذين تركوا العصيان، واجتهدوا في الطاعة والإحسان، فهم يأخذون في الزيادة، وغيرهم يأخذ في النقصان، ويكفيك في الفتوة هذا البيان: ليس الفتى من ضرب بالسكين الفتى من أطعم المسكين. قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]، فمن أطعم اليتامى وكسا الأرامل فهو الفتى الكامل، وسيعود خير ذلك إليه في العاجل والآجل، فإن احتج أحدهم في ارتكاب هذه المحظورات لفعل الخيرات: كخلاص محبوس، أو من لزمه دين؛ وهي من أفعال البر. قال الله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فيمشي الكبير على أصحابه ويقول: خلصوا أخاكم في الفتوة. جوابه: اسمع يا قليل المرُوَّة، هذا كله من تلبيس إبليس؛ مراده أن يخرجك عن طريق النبوَّة؛ فيغرك كما غر أباك لتكون النار مأواك. قال سبحانه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]،
стр. 844
ومن غش أباك لا يكون لك ناصحًا. فأخرج أبويك من الجنة فأدركتهما المنَّةُ. قال المولى القدير: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. وقد أجمع العلماء أنه لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتهجم على مثل هذه المحرمات لفعل الخيرات. فمن فعل ذلك فقد فعل شيئًا لم يؤمر به، وترك شيئًا أمره الله به، فيجب على المسلم ترك الكذب على آل بيت النبي ﷺ والنظر إلى ما حرَّم الله تعالى، ولا يجب عليه السعي في خلاص المحابيس المناحيس ومن بلاهم يدبرهم، فيكون مثلُ من يفعل ذلك كمثل امرأة تزني وتتصدق به، يقال لها: لو تركتي الزِّنى كان أحب إلى الله تعالى من هذه الصدقة. قال بعضهم شعرًا مناسبًا لهذا:
بنى مسجدًا لله من غير حلِّه … وجاء بحمد الله غير موفَّق
كمُطعِمة الأيتام من كدِّ فرجها … لك الويلُ لا تزني ولا تتصدَّقي
اسع أيها المسكين! في خلاص نفسك أولًا من البدعة والهوى، ثم اسع في خلاص غيرك. قال ﷺ : «ابدأ بنفسك، ثمَّ بمَن تعولُ». ثم اعلم رحمك الله وجميع المسلمين أنه لا يحل لمسلم أن يسعى في خلاص مجرم، كمن يدعي الفتوة ويكذب على آل بيت النبوة، ويفسد أولاد المسلمين، ويضرب بالسكين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قال أبو حنيفة ﵀: نفيهم حبسهم. ويخاف أيضًا على من سعى في خلاص هؤلاء الأشرار أن يسجنه الله تعالى غدًا في النار.
فإن قالوا: إن هذه الطريقة ما أحدثناها بل أخذها كبير عن كبير إلى الخليفة، ليس ذلك بحجة لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين». ما قال: بسنة الخلفاء الخارجين! وكان في الخلفاء الخوارج عن السنة، وقال ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فلا تطع أيها العاقل الخليفة وتعصى الشريعة الشريفة، ولا تغتر أيها المسكين! بمن اجتمع حولك من المدبرين وبقولهم لك: يا كبير. فيحملك ذلك بأن تفسق
стр. 845
عن أمر ربٍّ قدير، وتخرج عن طريق البشير النذير، فحينئذٍ يخاف عليك أن تمنع من دخول جنةٍ فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولباس أهلها حرير. وهذا جزاء لمن عصى الناقد البصير.
ثم اعلم رحمك الله! أن كثيرًا من الناس كان سبب هلاكهم تعظيم الخلق لهم فمنهم من مات جاحدًا، قال الله تعالى في رؤساء مكة زادها الله شرفًا: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، ومنهم من مات فاسقًا، والفاسق من يعمل المعصية جهرًا كمن يعمل «القوصرة» ويجمع الناس على شيء يقال له: «التزكرة» (١)، فيؤتى بأمرد سبحان من خلقه وصوره، فيخلع لباسه بين يدي من حضره ويلبسه غيره، ويشد تكته بيده، وقد حرم الشرع الخلوة معه ومسه ونظره، فتمسك أيها المسكين بالشرع الشريف، ودع عنك أفعال الفجرة.
وأقبح من هذا فعله مع الرجل الكبير، وإنما يلبس الطفل لأجل صغره ثم بعد هذا البدع يشربون الماء والملح، ويضيفون هذه المصائب لآل بيت النبي ﷺ الكرام البررة ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ [عبس: ١٧]. لقد افتروا الكذب على أمير المؤمنين، والذي خلق الإنسان فقدره، وشق سمعه وبصره، فسبحان الحليم الذي لا يعجل على عبده المدبر إذا خالفه فيما أمره، ويمهله ليومٍ عظيم يرجف قلبه، ويشخص بصره.