عليه قبة زمزم، تسعة وثلاثون ذراعًا، ومن حد مؤخر حجرة زمزم، الذي فيه الكنيسة، إلى حد السقاية، وبينهما الحوض الذي ليس عليه قبة، تسعة وأربعون ذراعًا وتسع أصابع.
فلم يزل هذا بناء الصفة، صفة زمزم، وهو بيت الشراب حتى هدمه عمر بن فرج الرخجي، في سنة تسع وعشرين ومائتين وبناه، فبنى أسفله بحجارة بيض منقوشة، مداخلة على عمل الأجنحة الرومية، وبنى أعلاه بآجر، وألبسه رخامًا، وجعل بينه كواء عليها شباك من حديد، وأبواب، وجعلها مكنسة، وفوق الكنيسة ثلاث قباب صغار، وألبس ذلك كله بالفسيفساء، وجعل في بطنها حوضًا كبيرًا من ساج، في بطن الحوض حوض من أدم ينبذ فيه الشراب للحاج أيام الموسم.
ذكر ما عمل في المسجد من البرك والسقايات:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن حسن بن القاسم بن عقبة بن الأزرق عن أبيه، قال: كتب سليمان بن عبد الملك بن مروان إلى خالد بن عبد الله القسري: أن أجر لي عينًا تخرج من الثقبة، من مائها العذب الزلال، حتى تظهر بين زمزم والركن الأسود، ويضاهى بها رغم ماء زمزم، قال: فعمل خالد بن عبد الله القسري البركة التي بفم الثقبة، يقال لها: بركة القسري، ويقال لها أيضًا: بركة البردي ببئر ميمون وهي قائمة إلى اليوم بأصل ثبير، فعملها بحجارة منقوشة طوال، وأحكمها وأنبط ماءها في ذلك الموضع، ثم شق لها عينًا تسكب فيها من الثقبة، وبنى سد الثقبة وأحكمه، والثقبة شعب يفرع فيه وجه ثبير، ثم شق من هذه البركة عينًا تجري إلى المسجد الحرام، فأجراها في قصب من رصاص، حتى أظهرها
стр. 457
في فوارة تسكب في فسقينة من رخام، بين زمزم والركن والمقام، فلما أن جرت وظهر ماؤها، أمر القسري بجزر فنحرت بمكة وقسمت بين الناس، وعمل طعامًا فدعا عليه الناس، ثم أمر صائحًا فصاح الصلاة جامعة، ثم أمر بالمنبر فوضع في وجه الكعبة، ثم صعد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس احمدوا الله ﵎ وادعوا لأمير المؤمنين الذي سقاكم الماء العذب الزلال النقاح، بعد الماء المالح الأجاج، الماء الذي لا يشرب إلا صبرًا، يعني زمزم.
قال: ثم تفرغ تلك الفسقينة في سرب من رصاص، يخرج إلى وضوء كان عند باب المسجد، باب الصفا، في بركة كانت في السوق، قال: فكان الناس لا يقفون على تلك الفسقينة، ولا يكاد أحد يأتيها، وكانوا على شرب ماء زمزم أرغب ما كانوا فيه، قال: فلما رأى ذلك القسري، صعد المنبر فتكلم بكلام يؤنب فيه أهل مكة، فلم تزل تلك البركة على حالها، حتى قدم داود بن علي بن عبد الله بن عباس مكة، حين أفضت الخلافة إلى بني هاشم، فكان أول من أحدث بمكة، هدمها ورفع الفسقينة وكسرها، وصرف العين إلى بركة كانت بباب المسجد، قال فسر الناس بذلك سرورًا عظيمًا حين هدمت.
ما ذكر من بناء المسجد الجديد الذي كان دار الندوة، وأضيف إلى المسجد الحرام الكبير:
قال أبو محمد إسحاق بن أحمد بن إسحاق بن نافع الخزاعي: فكانت دار الندوة، على ما ذكر الأزرقي في كتابه، لاصقة بالمسجد الحرام، في الوجه الشامي من الكعبة، وهي دار قصي بن كلاب، وكانت قريش لتبركها بأمر قصي، تجتمع فيها للمشورة في الجاهلية ولإبرام الأمور، وبذلك سميت
стр. 458
دار الندوة لاجتماع الندى فيها، فكانت حين قسم قصي الأمور الستة التي كان فيها الشرف والذكر، وهي الحجابة، والسقاية، والرفادة، والقيادة، واللواء، والندوة، بين ابنيه: عبد مناف وعبد الدار، مما صير إلى عبد الدار مع الحجابة واللواء، وكانت السقاية والرفادة والقيادة مما صير إلى عبد مناف بن قصي، فأما عبد مناف بن قصي، فجعل السقاية وهي زمزم، وسقاية العباس والرفادة وهي إطعام الحاج في كل موسم وشرابهم، إلى ابنه هاشم بن عبد مناف، فهي في ولده إلى اليوم، وجعل القيادة إلى ابنه عبد شمس بن عبد مناف، فهي في ولده إلى اليوم، وأما عبد الدار، فجعل الحجابة إلى ابنه عثمان بن عبد الدار، وجعل الندوة إلى ابنه عبد مناف بن عبد الدار، وجعل اللواء لولده جميعًا، فكانوا يلونه حتى كان يوم أحد، فقتل عليه من قتل منهم، وكان لواء رسول الله ﷺ مع مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، حتى قتل عليه، ثم كانت الندوة بعد إلى هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، ثم إلى ابنيه عمير: أبي مصعب بن عمير، وعامر، بني هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، ثم ابتاعها معاوية بن أبي سفيان في خلافته من ابن الرهين العبدري، وهو من ولد عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فطلب شيبة بن عثمان من معاوية الشفعة فيها، فأبى عليه فعمرها معاوية وكان ينزل فيها إذا حج، وينزلها من بعده من الخلفاء من بني أمية إذا حجوا.
وقد دخل بعضها في المسجد الحرام في زيادة عبد الملك بن مروان، وابنيه الوليد وسليمان، ثم دخل بعضها أيضًا في زيادة أبي جعفر المنصور في المسجد، ثم كانت خلفاء بني العباس ينزلونها بعد ذلك إذا حجوا، أبو العباس وأبو جعفر والمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد، إلى أن ابتاع هارون الرشيد دار الإمارة من بني خلف الخزاعيين وبناها، فكان بعد ذلك ينزلها فلم تزل على ذلك حتى خربت وتهدمت.
стр. 459
قال أبو محمد الخزاعي: ورأيتها على أحوال شتى، كانت مقاصيرها التي للنساء تكرى من الغرباء والمجاورين، ويكون في مقصورة الرجال دواب عمال مكة، ثم كانت بعد ينزلها عبيد العمال بمكة من السودان وغيرهم، فيعبثون فيها ويوذون جيرانها، ثم كانت تلقى فيها القمائم ويتوضأ فيها الحاج، وصارت ضررًا على المسجد الحرام.
فلما كان في سنة إحدى وثمانين ومائتين، استعمل على بريد مكة رجل من أهلها من جيران المسجد الحرام له علم ومعرفة وحسبة، وفطنة بمصالح المسجد الحرام والبلد، فكتب في ذلك إلى الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب، يذكر أن دار الندوة قد عظم خرابها وتهدمت وكثر ما يلقى فيها من القمائم حتى صارت ضررًا على المسجد الحرام وجيرانه، وإذا جاء المطر سال الماء منها، حتى يدخل المسجد الحرام من بابها للشارع في بطن المسجد الحرام، وأنها لو أخرج ما فيها من القمائم وهدمت، وعدلت وبنيت مسجدًا يوصل بالمسجد الحرام، أو جعلت رحبة له يصلي الناس فيها ويتسع فيها الحاج، كانت مكرمة لم يتهيأ لأحد من الخلفاء بعد المهدي، وشرفًا وأجرًا باقيًا مع الأبد.
وذكر أن في المسجد خرابًا كثيرًا، وأن سقفه يكف إذا جاء المطر، وأن وادي مكة قد انكبس بالتراب، حتى صار السيل إذا جاء يدخل المسجد، وشرح ذلك للأمير بمكة، عج بن حاج مولى أمير المؤمنين والقاضي بها محمد بن أحمد بن عبد الله المقدمي، وسألهما أن يكتبا بمثل ذلك، فرغبا في الأجر، وجميل الذكر وكتبا إلى الوزير بمثل ذلك، فلما وصلت الكتب، عرضت على أمير المؤمنين أبي العباس المعتضد بالله بن أبي أحمد الناصر لدين الله بن جعفر المتوكل على الله، ورفع وفد الحجبة إلى بغداد، يذكرون أن في جدار بطن الكعبة رخامًا قد اختلف وتشعب، في أرضها رخام قد تكسر، وأن بعض عمال مكة كان قد قلع ما على عضادتي باب الكعبة من
стр. 460
الذهب فضربه دنانير واستعان به على حرب، وأمور كانت بمكة بعد العلوي الخارجي، الذي كان بها في سنة إحدى وخمسين ومائتين، فكانوا يسترون العضادتين بالديباج، وأن بعض العمال بعده قلع مقدار الربع من أسفل
ذهب بابي الكعبة وما على الأنف، واستعان به على فتنة بين الحناطين والجزارين بمكة، سنة ثمان وستين ومائتين، وجعل على ذلك فضة مضروبة مموهة بالذهب، على مثال ما كان عليها، فإذا تمسح الحاج به في أيام الحج، بدت الفضة، حتى تجدد تمويهها في كل سنة، وأن رخام الحجر قد رث فهو يحتاج إلى تجديد، وأن بلاطًا من حجارة حول الكعبة لم يكن تامًا، يحتاج أن تتم جوانبها كلها، وسألوا الأمير بعمل ذلك.
فأمر أمير المؤمنين كاتبه عبيد الله بن سليمان بن وهب، وغلامه بدر المؤمر بالحضرة، بعمل ما رفع إليه من عمل الكعبة والمسجد الكبير، وبعمارة دار الندوة مسجدًا يوصل بالمسجد الكبير، ويعزق الوادي كله والمسعى وما حول المسجد، وأخرج لذلك مالًا كثيرًا، فأمر بذلك القاضي ببغداد يوسف بن يعقوب، وحمل المال إليه فأنفذ بعضه سفاتج (١)، وأنفذ بعضه في أيام الحج مع ابنه أبي بكر عبد الله بن يوسف، وكان يقدم في كل سنة على حوائج الخليفة ومصالح الطريق وعمارتها، فقدم عبد الله بن يوسف في وقت الحج، وقدم معه برجل يقال له: أبو الهياج عمير بن حيان الأسدي، من بني أسد بن خزيمة، له أمانة ونية حسنة، فوكله بالعمل وخلف معه عمالًا وأعوانًا لذلك، فعمل ذلك وعزق الوادي عزقًا جيدًا حتى ظهرت من درج أبواب المسجد الشارعة على الوادي اثنتا عشرة درجة، وإنما كان الظاهر منها خمس درجات، ثم أخرج القمائم من دار الندوة، وهدمت ثم أنشئت من أساسها، فجعلت مسجدًا بأساطين وطاقات. وأروقة مسقفة بالساج المذهب المزخرف،
стр. 461
ثم فتح لها في جدار المسجد الكبير اثنا عشر بابًا، ستة كبار سعة كل باب خمسة أذرع، وارتفاعه في السماء أحد عشر ذراعًا، وجعل بين الستة الأبواب الكبار، ستة أبواب صغار سعة كل كل واحد منها ذراعان ونصف، وارتفاعه في السماء ثمانية أذرع وثلثا ذراع، حتى اختلطت بالمسجد الكبير.
قال أبو الحسن الخزاعي: قد كان هذا الجدار معمولًا على ما ذكره عم أبي أبو محمد الخزاعي إلى أيام الخليفة جعفر المقتدر بالله، ثم غيره القاضي محمد بن موسى، وإليه أمر البلد يومئذ، وجعله بأساطين حجارة مدورة عليها ملابن ساج بطاقات معقودة بالآجر الأبيض، والجص وصله بالمسجد الكبير وصولًا أحسن من العمل الأول، حتى صار من في دار الندوة من مصل، أو غيره يستقبل الكعبة فيراها كلها، عمل ذلك كله في سنة ست وثلاثمائة.
قال أبو محمد: وجعل لها سوى ذلك أبوابًا ثلاثة شارعة في الطريق التي حولها، منها باب بطاقين على أسطوانة بالقرب من باب الطبري، مقابل دار صاحب البريد سعته عشرة أذرع وربع ذراع، وارتفاعه في السماء أحد عشر ذراعًا وثلثا ذراع، وباب في أعلى هذا الطريق طاق واحد سعته خمسة أذرع، وارتفاعه في السماء اثنا عشر ذراعًا، وباب بين دور الخزاعيين، ولد نافع بن عبد الحارث، بطاقين على أسطوانة يستقبل من أقبل من السويقة وقعيقعان، سعته أحد عشر ذراعًا ونصف، وارتفاعه في السماء عشرة أذرع وربع ذراع، وسوا جدرها وسقوفها وشرفها بالمسجد الكبير، وفرغ منها في ثلاث سنين، فصلى الناس فيها واتسعوا بها، وجعل لها منارة، وخزانة في زاويتي مؤخرها.
فكان ذرع طول هذا المسجد من وجهه من جدار المسجد الكبير إلى مؤخره بالأروقة أربعة وثمانون ذراعًا، وعرضه بالأروقة ستة وسبعون ذراعًا، وسعة صحنه تسعة وأربعون ذراعًا في سبعة وأربعين ذراعًا، وعدد ما فيه من الأساطين، سوى ما على الأبواب، اثنتان وعشرون، وعدد الطاقات سوى الأبواب، سبع وستون أسطوانة، وعلى الأبواب اثنتان، وعدد الطاقات سوى
стр. 462
الأبواب إحدى وسبعون طاقًا، وعلى الأبواب خمس طاقات، وعدد الشرف التي تلي بطن المسجد، ثماني وستون شرافة وعدد السلاسل التي للقناديل سبع وستون سلسلة فيها قناديلها، آخر خبر دار الندوة بكماله والحمد لله وحده.
стр. 463
الرمل بالبيت وبين الصفا والمروة، وموضع القيام عليهما ومخرج النبي ﷺ إلى الصفا (١):
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثني مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: لما دخل النبي ﷺ مكة لم يلو، ولم يعرج ولم يبلغنا أنه دخل بيتًا ولا لوى لشيء، ولا عرج في حجته هذه وفي عمره كلها حتى دخل المسجد ولم يصنع شيئًا، ولا ركع حتى بدأ بالبيت فطاف به، وهذا أجمع في حجته وعمره كلها.
قال عطاء: فمن قدم معتمرًا فدخل المسجد، لأن يطوف في وقت صلاة لا يمنع فيه الطواف، فلا يصلي تطوعًا حتى يطوف بالبيت سبعًا، قال: وإن وجد الناس في المكتوبة فصلى معهم، فلا أحب أن يصلي بعدها شيئًا حتى يطوف.
قال عطاء: وإن جاء قبل الصلوات كلهن قبيل كل صلاة، فلا يجلس ولا ينتظرها ليطف، قال: فإن قطع الإمام عليه طوافه أتم بعده، قلت لعطاء: ألا أركع قبل تلك الصلاة إن لم أكن ركعت؟ قال: لا، إلا الصبح، قال: فإن جئت قبلها ولم تكن ركعت ركعتين فاركعهما، وطف من أجل أنهما أعظم شأنًا من غيرهما من الركوع قبل كل صلاة، قال عطاء: وإن جئت مغارب
стр. 464
الشمس طفت ولم أنتظر غيوب الشمس بطوافي، ثم لم أصل حتى الليل، وهو يشدد في تأخير الطواف بالبيت جدًا، قال: لا تؤخره إلا لحاجة إما لوجع وإما لحصار، قال: فإذا دخلت المسجد، فساعتئذ فطف حين تدخل، قلت له: إني ربما دخلت عشية فأحببت أن أؤخره إلى الليل قال: لا يؤخره إلا أن يمنع إنسان الطواف فيصلي تطوعًا إن بدا له.
قلت لعطاء: المرأة تقدم نهارًا حرامًا إن كانت لا تخرج بالنهار، قال: ما أبالي إن كانت مستورة إن تؤخر طوافها إلى الليل، قال ابن جريج أخبرني عطاء قال: طاف النبي ﷺ ثم لم يزد على الركعتين في حجته وعمره كلها، قال عطاء: ولا أحب أن يزيد من طاف ذلك السبع على ركعتين قال: فإن زاد عليهما فلا بأس.
قال ابن جريج: وأخبرني إسماعيل بن أمية قال: قال لي نافع: كان عبد الله بن عمر إذا قدم مكة، طاف ثم صلى ركعتين عند المقام، ثم استلم الركن ثم خرج إلى الصفا، قال ابن جريج: قال عطاء: ومن شاء ركع تينك الركعتين عند المقام، ومن شاء فحيث شاء، قال: فلا يضرك أين ركعتهما.
قال ابن جريج: أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: لما طاف النبي ﷺ بالبيت، ذهب إلى المقام، وقال النبي ﷺ : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥]، وصلى ركعتين.
قال ابن جريج: قال عطاء: ومن شاء حين يخرج إلى الصفا استلم الركن، ومن شاء ترك، قال: وإن استلم أحب إلي، وإن لم يفعل فلا بأس، قال ابن جريج: وأخبرني جعفر بن محمد عن أبيه، أنه سمع جابرًا يحدث عن حجة النبي ﷺ ، قال: فصلى عند المقام ركعتين حين طاف سبعة، ذلك ثم رجع فاستلم الركن وخرج إلى الصفا، قال النبي ﷺ : "إنما نبدأ بما بدأ الله به: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
стр. 465
قال ابن جريج: أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه أنه سمع جابر بن عبد الله، يخبر عن حجة النبي ﷺ ، قال: حتى إذا أتينا البيت، استلم الركن فطاف بالبيت سبعة أطواف رمل، من ذلك ثلاثة أطواف.
باب أين يوقف من الصفا، والمروة، وحد المسعى (١):
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن الزنجي عن ابن جريج، قال: قال عطاء: فخرج النبي ﷺ ، من باب بني مخزوم إلى الصفا، قال: فبلغني أن النبي ﷺ ، كان يسند فيهما قليلًا في الصفا والمروة غير كثير، فيرى من ذلك البيت، قال: ولم يكن حينئذ هذا البنيان، قلت له: أوصف ذلك لك، وسمى حيث كان يبلغ ذلك؟ قال: لا إلا كذلك، كان يسند فيهما قليلًا كيف ترى الآن، قال: كذلك أسند فيهما، قلت: أفلا أسند حتى أرى البيت؟ قال: لا، ثم إلا أن تشاء غير مرة، قال: ذلك لي فأما أن يكون حقًا عليك فلا، ولم يخبرني أن النبي ﷺ كان يبلغ المروة البيضاء قال: كان يسند فيهما قليلًا ولا يبلغ ذلك.
قال ابن جريج: أسأل إنسان عطاء، أيجزى عن الذي يسعى بين الصفا والمروة، أن لا يرقى واحدًا منهما، وأن يقوم بالأرض قائمًا؟ قال: أي لعمري وما له؟.
قال ابن جريج: وكان عطاء يقول: استقبل البيت من الصفا والمروة، لا بد من استقباله.
قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يدع أن يرقى في الصفا والمروة، حتى يبدو له البيت منهما، ثم يستقبل البيت، قال ابن
стр. 466
جريج: أخبرني نافع قال: كان عبد الله بن عمر، يخرج إلى الصفا فيبدأ به، فيرقى حتى يبدو له البيت، فيستقبله لا ينتهي فيه، كلما حج أو اعتمر حتى يرى البيت من الصفا والمروة، ثم يستقبله منهما، فيبلغ من الصفا قراره فيه قدر قدمي الإنسان قط، بل يعجز عن قدميه حتى يخرج منهما أطراف قدميه، لا يقوم أبدًا إلا فيهما، في كل ما حج أو اعتمر، قال: أظنه والله رأى النبي ﷺ يقوم فيهما، قال: وكان يقوم من المروة، قال لا يأتي المروة البيضاء يقوم عن يمينه حتى يصعد فيها، قال ابن جريج: قال عطاء: فسعى به النبي ﷺ بطن وادي مكة قط.
حدثنا ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة (١)، عن أبي هريرة، وعن أبي جابر البياضي عن سعيد بن المسيب، أنهما قالا: السنة في الطواف بين الصفا والمروة، أن ينزل من الصفا، ثم يمشي حتى يأتي بطن المسيل، فإذا جاءه سعى حتى يظهر منه، ثم يمشي حتى يأتي المروة، قال ابن جريج: أخبرني نافع قال: فينزل ابن عمر من الصفا، فيمشي، حتى إذا جاء باب دار بني عباد، سعى حتى ينتهي إلى الزقاق الذي يسلك إلى المسجد، الذي بين دار ابن أبي حسين ودار ابنة قرظة، سعيًا دون الشد وفوق الرملان، ثم يمشي مشيه الذي هو مشيه، حتى يرقى المروة، فيجعل المروة، البيضاء أمامه ويمينه قال: ولا يأتي حجر المروة.
قال ابن جريج: أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله، يسأل عن السعي، فقال: السعي بطن المسيل.
قال بن جريج: وأخبرني جعفر بن محمد عن أبيه، أنه سمع جابر بن عبد الله، يحدث عن حجة النبي ﷺ ، قال: ثم نزل عن الصفا، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى إذا أصعد من الشق الآخر مشى.
стр. 467
حدثني جدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور بن المعتمر عن شقيق بن سلمة، عن مسروق بن الأجدع، قال: قدمت معتمرًا مع عائشة وابن مسعود، فقلت: أيهما ألزم؟ ثم قلت: ألزم عبد الله بن مسعود ثم آتي أم المؤمنين فأسلم عليها، فاستلم عبد الله بن مسعود الحجر، ثم أخذ على يمينه فرمل ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه وخرج إلى الصفا فقام على صدع فيه فلبى، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسًا من أصحابك ينهون عن الإهلال ههنا، قال: ولكني آمرك به، هل تدري ما الإهلال؟ إنما هي استجابة موسى ﵇ لربه ، قال: فلما أتى الوادي رمل وقال: رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم.
ما جاء في موقف من طاف بين الصفا والمروة راكبًا:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: من طاف بين الصفا والمروة راكبًا، فليجعل المروة البيضاء في ظهره، ويستقبل البيت، وليدع الطريق طريق المروة، وليأخذ من دار عبد الله بن عبد الملك، وهي بين دار منارة المنقوشة، وبين المروة البيضاء في طريق دار طلحة بن داود، حتى يجعل المروة في ظهره.
стр. 468
ذكر ذرع ما بين الركن الأسود إلى الصفا، وذرع ما بين الصفا والمروة (١):
قال أبو الوليد: وذرع ما بين الركن الأسود إلى الصفا، مائتا ذراع واثنان وستون ذراعًا وثمانية عشر إصبعًا، وذرع ما بين المقام إلى باب المسجد الذي يخرج منه إلى الصفا، مائة ذراع وأربعة وستون ذراعًا ونصف، وذرع ما بين باب المسجد الذي يخرج منه إلى الصفا إلى وسط الصفا، مائة ذراع واثنا عشر ذراعًا ونصف، وعلى الصفا اثنتا عشرة درجة من حجارة، ومن وسط الصفا إلى علم المسعى الذي في حد المنارة مائة ذراع واثنان وأربعون ذراعًا ونصف.
والعلم أسطوانة طولها ثلاثة أذرع، وهي مبنية في حد المنارة، وهي من الأرض على أربعة أذرع، وهي ملبسة بفسيفساء، وفوقها لوح طوله ذراع وثمانية عشر إصبعًا وعرضه ذراع، مكتوب فيه بالذهب، وفوقه طاق ساج.
ذرع ما بين العلم الذي في حد المنارة إلى العلم الأخضر، الذي على باب المسجد، وهو المسعى، ماية ذراع واثنا عشر ذراعًا، والسعي بين العلمين، وطول العلم الذي على باب المسجد، عشرة أذرع وأربعة عشر إصبعًا، منه أسطوانة مبيضة ستة أذرع، وفوقها أسطوانة ولها ذراعان وعشرون إصبعًا، وهي ملبسة فسيفساء أخضر، وفوقها لوح طوله ذراع وثمانية عشر إصبعًا، واللوح مكتوب فيه بالذهب.
ذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى المروة، خمسماية ذراع ونصف ذراع، وعلى المروة خمس عشرة درجة، وذرع ما بين الصفا والمروة، سبعمائة ذراع وستة وستون ذراع ونصف، وذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى العلم الذي بحذائه على باب دار العباس بن عبد المطلب،
стр. 469
وبينهما عرض المسعى، خمسة وثلاثون ذراعًا ونصف، ومن العلم الذي على باب دار العباس إلى العلم الذي عند دار بن عباد، الذي بحذاء العلم الذي في حد المنارة، وبينهما الوادي، ماية ذراع وأحد وعشرون ذراعًا.
باب ذرع طواف سبع بالكعبة (١):
ذرع طواف سبع بالكعبة، ثمانمائة ذراع وستة وثلاثون ذراعًا وعشرون إصبعًا، ومن المقام إلى الصفا مائتا ذراع وسبعة وسبعون ذراعًا، ومن الصفا إلى المروة، طواف واحد وسبعمائة ذراع وستة وستون ذراعًا ونصف، يكون سبع بينهما خمسة آلاف وثلاثمائة ذراع وخمسة وستون ذراعًا ونصف، ومن الركن الأسود إلى المقام، ومن المقام إلى الصفا، ومن الصفا إلى المروة سبع، ستة آلاف ذراع وخمسمائة وثمانية وثلاثون ذراعًا وسبعة عشر إصبعًا.
ذكر بناء درج الصفا والمروة (٢):
حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي أحمد بن محمد قال: كان الصفا والمروة يسند فيهما من سعى بينهما، ولم يكن فيها بناء ولا درج، حتى كان عبد الصمد بن علي في خلافة أبي جعفر المنصور، فبنى درجهما التي هي اليوم درجهما، فكان أول من أحدث بناءها، ثم كحل بعد ذلك بالنورة في زمن مبارك الطبري في خلافة المأمون.
стр. 470
تحريم الحرم وحدوده (١) ومن نصب أنصابه وأسماء مكة وصفة الحرم:
حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي أحمد بن محمد، وإبراهيم بن محمد الشافعي، قالا: أخبرنا مسلم بن خالد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن عطاء بن أبي رباح، والحسن بن أبي الحسن وطاوس، أن النبي ﷺ دخل يوم الفتح البيت، فصلى فيه ركعتين ثم خرج، وقد لبط بالناس حول الكعبة فأخذ بعضادتي الباب، فقال: "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ماذا تقولون وماذا تظنون؟ " قالوا: نقول خيرًا ونظن خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت فأسجح.
قال: "فإني أقول: كما قال أخي يوسف: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، إلا إن كان ربا كان في الجاهلية أو دم أو مال، فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة، وسقاية الحاج، فإني قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانتا عليه، إلا إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها، كلكم لآدم، وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم، إلا وفي قتيل العصا والسوط، الخطأ شبه العمد، الدية مغلظة مائة ناقة، منها أربعون في بطونها أولادها، إلا أن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرام الله سبحانه، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار"، قال: يقصرها النبي ﷺ بيده: "لا ينفر صيدها، ولا تعضد عضاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، ولا يختلى خلاها"، فقال له العباس ﵁ -وكان شيخًا مجربا: يا رسول الله إلا الإِذْخَر (٢)؛ فإنه لا بد منه للقين ولظهور البيت، فسكت النبي
стр. 471
ﷺ ، ثم قال: "إلا الإذخر، فإنه حلال"، قال: فلما هبط النبي ﷺ ، بعث مناديًا ينادي ألا لا وصية لوارث، وإن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وأنه لا يحل لامرأة أن تعطي شيئًا من مالها إلا بإذن زوجها.
وحدثني جدي، عن محمد بن إدريس عن الواقدي عن أشياخه، قالوا: لما كان بعد الفتح بيوم دخل جنيدب بن الأدلع الهذلي مكة، يرتاد وينظر والناس آمنون، فرآه جندب بن الأعجم الأسلمي، وكان جنيدب بن الأدلع قد قتل رجلًا من أسلم في الجاهلية يقال له: أحمر بأسًا، وكان شجاعًا، وكان من خبر قتله إياه، قالوا: خرج غزي من هذيل في الجاهلية، وفيهم جنيدب بن الأدلع، يريدون حي أحمر بأسًا، وكان أحمر بأسًا رجلًا شجاعًا لا يرام، وكان لا ينام في حيه إنما كان ينام خارجًا من حاضره، وكان إذا نام غط غطيطًا منكرًا لا يخفى مكانه، وكان الحاضر إذ أتاهم الفزع، صاحوا يا أحمر بأسًا، فيثور مثل الأسد فلما جاءهم ذلك الغزي من هذيل، قال لهم جنيدب بن الأدلع، إن كان أحمر بأسًا في الحاضر فليس إليهم سبيل، وإن له غطيطًا لا يخفى فدعوني أتسمع له، فتسمع الحس فسمعه فأمه حتى وجده نائمًا فقتله، ثم حملوا على الحي فصاح الحي يا أحمر بأسًا، فلا شيء أحمر بأسًا قد قتل، فقالوا: من الحاضر ثم انصرفوا فتشاغلوا بالإسلام.
فلما كان بعد الفتح بيوم دخل جنيدب بن الأدلع مكة يرتاد، وينظر والناس آمنون، فرآه جندب بن الأعجم الأسلمي، فقال جنيدب بن الأدلع: قاتل أحمر بأسًا؟، قال: نعم، فخرج جنيدب يستجيش عليه حيه، فكان أول من لقي خراش بن أمية الكعبي، فأخبره فاشتمل خراش على السيف ثم أقبل إليه، والناس حوله وهو يحدثهم عن قتل أحمر بأسًا، وهم يجتمعون عليه، وإذ أقبل خراش بن أمية الكعبي مشتملًا على السيف، فقال: هكذا عن الرجل، فوالله ما ظن الناس إلا أنه يفرج عنه الناس ليتفرقوا عنه، فانفرجوا
стр. 472
عنه، فلما انفرج الناس عنه حمل عليه خراش بن أمية بالسيف فطعنه في بطنه، وابن الدلع مستند إلى جدار من جدر مكة، فجعلت حشوته تسايل من بطنه وان عينيه لتبرقان في رأسه وهو يقول، أقد فعلتموها يا معشر خزاعة؟ فوقع الرجل فمات.
فسمع رسول الله، ﷺ ، بقتله، فقام خطيبًا -وهذه الخطبة الغد من يوم فتح مكة بعد الظهر- فقال، ﷺ : "أيها الناس، إن الله سبحانه قد حرم مكة، يوم خلق السموات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب، فإن قال قائل: قد قتل بها رسول الله، فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله، ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل فقد والله كثر أن يقع، وقد قتلتم هذا القتيل والله لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بالخيار إن شاءوا قدم قتيلهم، وإن شاءوا فعقله".
فدخل أبو شريح خويلد الكعبي على عمرو بن سعيد بن العاص، وهو يريد قتال ابن الزبير، فحدثه هذا الحديث وقال: إن النبي ﷺ أمرنا أن يبلغ الشاهد الغائب، وكنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، وقد أديت إليك ما كان النبي ﷺ أمر به، فقال له عمرو بن سعيد: انصرف أيها الشيخ فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع من ظالم، ولا خالع طاعة ولا سافك دم، فقال أبو شريح: قد أديت إليك ما كان رسول الله ﷺ أمر به، فأنت وشأنك.
قال الواقدي: وحدثني عبد الله بن نافع عن أبيه، أنه أخبر ابن عمر بما قال أبو شريح لعمرو بن سعيد، فقال ابن عمر: يرحم الله أبا شريح، قضى الذي عليه، قد علمت إن رسول الله ﷺ ، تكلم يومئذ في خزاعة حين قتلوا
стр. 473
الهذلي بأمر لا أحفظه، إلا أني سمعت المسلمين يقولون: قال رسول الله ﷺ : "فأنا أديه"، قال وقال الواقدي: حدثني عمر بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن عبد الملك بن عبيد بن سعيد بن يربوع، عن خرينق ابنة الحصين، عن عمران بن الحصين، قال: قتله خراش بعد ما نهى رسول الله ﷺ عن القتل، فقال: "لو كنت قاتلًا مؤمنًا بكافر لقتلت خراشًا بالهذلي".
ثم أمر رسول الله ﷺ ، خزاعة يخرجون ديته، فكانت خزاعة أخرجت ديته فقال عمران بن الحصين: فكأني أنظر إلى غنم عفر جاءت بها بنو مدلج في العقل، وكانوا يتعاقلون في الجاهلية، ثم شده الإسلام وكان أول قتيل وداه رسول الله ﷺ في الإسلام.
حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، أن رجلين من خزاعة قتلا رجلًا من هذيل بالمزدلفة، فأتوا إلى أبي بكر وعمر ﵄ يستشفعون بهما على رسول الله ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ ، فقال: "إن الله سبحانه حرم مكة ولم يحرمها الناس، لا تحل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد كان بعدي، ولا تحل لي إلا ساعة من نهار، فهي حرام بحرام الله سبحانه إلى يوم القيامة، فلا يستن بي أحد فيقول: إن رسول الله قتل بها، وإني لا أعلم أحدًا أعتى على الله من ثلاثة: رجل قتل بها، ورجل قتل بذحول الجاهلية قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله، وايم الله ليودين هذا القتيل".
حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا سليمان بن حرب الأزدي، قال حدثنا جرير بن حازم عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: إن هذا الحرم حرم ما حذاءه من السموات السبع والأرضين السبع، وإن هذا البيت رابع أربعة عشر بيتًا، في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت، ولو وقعن وقع بعضهن على بعض، وحدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عمر بن سهيل، عن يزيد عن سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن الحرم حرم ما بحياله إلى العرش.
стр. 474
وحدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر عن الزهري في قوله : ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، قال: قال النبي ﷺ : "إن الناس لم يحرموا مكة، ولكن الله حرمها، فهي حرام إلى يوم القيامة، وإن من أعتى الخلق على الله ، رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله، ورجل أخذ بذحول الجاهلية".
حدثني مهدي بن أبي المهدي، قال حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الموالي عن عبد الله بن وهب، أو ابن موهب عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ ، قال: "ستة لعنهم الله تعالى وكل نبي مجاب الدعوة: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله سبحانه، والمتسلط بالجبروت؛ ليذل من أعز الله، أو يعز بذلك من أذل الله سبحانه، والمستحل بحرم الله سبحانه، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي".
وحدثني مهدي بن أبي المهدي، قال حدثنا أبو أيوب البصري، عن هشام عن الحسن، قال: البيت بحذاء البيت المعمور، وما بينهما بحذائه إلى السماء السابعة وما أسفل منه بحذائه إلى الأرض السابعة حرام كله.
وحدثني جدي عن إبراهيم بن محمد قال: حدثني صفوان بن سليم، عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: "البيت المعمور في السماء يقال له: الضراح، وهو على منى الكعبة، يعمره كل يوم سبعون ألف ملك لم يروه قط، وإن للسماء السابعة لحرمًا، على منى حرم مكة".
حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: وقف النبي ﷺ ، على الحجون يوم الفتح، فقال: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت، وإنها لا تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد كان بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها من ساعتي هذه من النهار،
стр. 475
حرام لا يعضد شجرها، ولا يحتش خلاها، ولا يلتقط ضالتها إلا بإنشاد، فقال رجل: إلا الأذخر يا رسول الله، فإنه لقبورنا وبيوتنا ولقيوننا، فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذخر".
حدثني جدي عن مسلم بن خالد، قال سمعت صدقة بن يسار يقول: تفسير اللقطة لا ترفع إلا بإنشاد، قال: أن يسمع منشدها فيرفعها إليه وإلا فلا يمسها.
حدثنا جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس، قال قال رسول الله ﷺ ، يوم فتح مكة: "إن مكة حرام، حرمها الله يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر، ووضع هذين الأخشبين لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، لا يختلا خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها ولا ترفع لقطتها، إلا لمن أنشدها فقال العباس، ﵁: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لا غنى لأهل مكة عنه فإنه للقين والبنيان فقال، ﷺ : إلا الإذخر".
وحدثنا جدي قال: أخبرنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي صاحب رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ ، قال: "إن الله سبحانه حرم مكة ولم يحرمها الناس، ولا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، فإن ارتخص فيها أحد شيئًا، فقال قد أحلت لرسول الله ﷺ ، فإن الله سبحانه أحلها لي ولم يحلها للناس، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام كحرمتها بالأمس، ثم إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بها بعد قتيلًا فإن أهله بين خيرتين؛ فإن أحبوا قَتَلوا وإن أحبوا أخذوا العقل".
стр. 476
ذكر الحرم كيف حرم؟:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس قال: أول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم ﵇، يريه ذلك جبريل ﵇، فلما كان يوم فتح مكة بعث رسول الله ﷺ ، تميم بن أسد الخزاعي فجدد ما رث منها.
وأخبرني جدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن حسن بن القاسم عن أبيه، قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: إنه لما خاف آدم ﵇ على نفسه من الشيطان، فاستعاذ بالله سبحانه فأرسل الله ملائكة حفوا بمكة من كل جانب ووقفوا حواليها.
قال: فحرم الله تعالى الحرم من حيث كانت الملائكة ﵈ وقفت. حدثني جدي قال حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه، إن آدم ﵇ اشتد بكاؤه وحزنه لما كان من عظم المصيبة، حتى أن كانت الملائكة لتحزن لحزنه ولتبكي لبكائه، فعزاه الله بخيمة من خيام الجنة وضعها له بمكة في موضع الكعبة، قبل أن تكون الكعبة، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة، وفيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يلتهب من نور الجنة، والركن يومئذ نجم من نجومه، فكان ضوء ذلك النور ينتهي إلى موضع الحرم، فلما سار آدم إلى مكة حرسه الله وحرس تلك الخيمة بالملائكة، فكانوا يقفون على مواضع أنصاب الحرم يحرسونه، ويذودون عنه سكان الأرض، وسكانها يومئذ الجن والشياطين، فلا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة؛ لأنه من نظر إلى
стр. 477
شيء منها وجبت له، والأرض يومئذ طاهرة نقية طيبة لم تنجس ولم تسفك فيها الدماء، ولم يعمل فيها بالخطايا، فلذلك جعلها الله سبحانه يومئذ مستقرًا لملائكته، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فلم تزل تلك الخيمة مكانها حتى قبض الله تعالى آدم ثم رفعها إليه.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن عبد الرحمن بن حسن بن القاسم، عن أبيه قال: سمعت بعض أهل العلم يقولون: قال إبراهيم ﵇ لإسماعيل: أبغني حجرًا أجعله للناس آية، قال: فذهب إسماعيل ثم رجع ولم يأته بشيء ووجد الركن عنده فلما رآه، قال له: من أين لك هذا؟ قال إبراهيم: جاء به من لم يكلني إلى حجرك، جاء به جبريل ﵇، قال: فوضعه إبراهيم ﵇ في موضعه هذا، فأنار شرقًا وغربًا ويمنًا وشامًا، فحرم الله تعالى الحرم من حيث انتهى نور الركن وإشراقه من كل جانب.
قال: ولما قال إبراهيم ربنا أرنا مناسكنا، نزل إليه جبريل فذهب به فأراه المناسك ووقفه على حدود الحرم، فكان إبراهيم يرضم الحجارة، وينصب الأعلام، ويحثي عليها التراب، وكان جبريل يقفه على الحدود، قال: وسمعت أن غنم إسماعيل ﵇، كانت ترعى في الحرم ولا تجاوزه ولا تخرج منه، فإذا بلغت منتهاه من كل ناحية من نواحيه، رجعت صابة في الحرم.
حدثنا أبو الوليد، حدثني جدي حدثنا سعيد بن سالم عن ابن جريج، قال: كنت أسمع من أبي يزعم أن إبراهيم أول من نصب أنصاب الحرم.
حدثنا أبو الوليد حدثنا جدي، حدثنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن محمد بن الأسود، أنه أخبره أن
стр. 478
إبراهيم أول من نصب أنصاب الحرم، وإن جبريل ﵇ دله على مواضعها.
قال ابن جريج: وأخبرني أيضًا عنه أن النبي ﷺ ، أمر يوم الفتح تميم بن أسد جد عبد الرحمن بن عبد المطلب بن تميم فجددها.
حدثنا أبو الوليد وحدثني محمد بن يحيى، عن هشام بن سليمان المخزومي عن عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن موسى بن عقبة، أنه قال: عدت قريش على أنصاب الحرم فنزعتها، فاشتد ذلك على النبي ﷺ ، فجاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد اشتد عليك أن نزعت قريش أنصاب الحرم؟، قال: "نعم" قال: أما أنهم سيعيدونها، قال: فرأى رجل من هذه القبيلة من قريش، ومن هذه القبيلة حتى رأى ذلك عدة من قبائل قريش قائلًا يقول: حرم كان أعزكم الله به، ومنعكم، فنزعتم أنصابه، الآن تخطفكم العرب، فأصبحوا يتحدثون بذلك في مجالسهم، فأعادوها، فجاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد قد أعادوها، قال: "أفأصابوا يا جبريل؟ " قال: ما وضعوا منها نصبًا إلا بيد ملك.
حدثنا أبو الوليد حدثنا محمد بن يحيى عن الواقدي، عن إسحاق بن حازم عن جعفر بن ربيعة عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن إبراهيم ﵇، نصب أنصاب الحرم يريه جبريل ﵇، ثم لم تحرك حتى كان قصي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان رسول الله ﷺ ، فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب ﵁، فبعث أربعة من قريش كانوا يبتدئون في بواديها فجددوا أنصاب الحرم، منهم مخرمة بن نوفل، وأبو هود سعيد بن يربوع المخزومي، وحويطب بن عبد العزى، وأزهر بن عبد عوف الزهري.
حدثنا أبو الوليد، حدثني محمد بن يحيى، عن الواقدي، حدثني خالد
стр. 479
ابن إلياس عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: لما ولي عثمان بن عفان بعث على الحج عبد الرحمن بن عوف، وأمره أن يجدد أنصاب الحرم، فبعث عبد الرحمن نفرًا من قريش منهم حويطب بن عبد العزى، وعبد الرحمن بن أزهر، وكان سعيد بن يربوع قد ذهب بصره في آخر خلافة عمر، وذهب بصر مخرمة بن نوفل في خلافة عثمان، فكانوا يجددون أنصاب الحرم في كل سنة، فلما ولي معاوية كتب إلى والي مكة فأمره بتجديدها، قال: فلما بعث عمر بن الخطاب النفر الذين بعثهم في تجديد أنصاب الحرم، أمرهم أن ينظروا إلى كل واد يصب في الحرم فنصبوا عليه وأعلموه وجعلوه حرمًا، وإلى كل واد يصب في الحل فجعلوه حلا.
حدثنا أبو الوليد، حدثني جدي عن محمد بن إدريس، عن محمد بن عمر عن ابن أبي سبرة عن المسور بن رفاعة، قال لما حج عبد الملك بن مروان أرسل إلى أكبر شيخ يعلمه من خزاعة، وشيخ من قريش، وشيخ من بني بكر وأمرهم بتجديد الحرم، قال أبو الوليد، وكل واد في الحرم فهو يسيل في الحل، ولا يسيل من الحل في الحرم إلا من موضع واحد عند التنعيم عند بيوت غفار.
ذكر حدود الحرم الشريف:
قال أبو الوليد: من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت غفار على ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن، طرف أضاءة لبن في ثنية لبن، على سبعة أميال، ومن طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال، ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة، على أحد عشر ميلًا، ومن طريق العراق على ثنية خل بالمقطع، على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله بن خالد بن أسيد على تسعة أميال.
стр. 480
تعظيم الحرم، وتعظيم الذنب فيه والإلحاد فيه:
حدثنا أبو الوليد حدثني جدي، حدثنا سفيان عن مسعر، عن مصعب بن شيبة عن عبد الله بن الزبير قال: إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة، فإذا بلغت ذا طوى، خلعت نعالها تعظيمًا للحرم.
حدثنا أبو الوليد، حدثنا عمر بن حكام البصري، عن شعبة عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، قال كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان، أحدهما في الحل، والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم، فقيل له في ذلك، فقال: إنا كنا نتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن يقول كلا والله، وبلى والله.
حدثنا أبو الوليد، حدثني جدي عن سفيان، عن منصور عن إبراهيم قال: كان يعجبهم إذا قدموا مكة، أن لا يخرجوا منها حتى يختموا القرآن.
حدثنا أبو الوليد، وحدثني جدي عن سفيان بن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس، عن ابن عباس، قال: استأذنني الحسين بن علي في الخروج فقلت: لولا أن يرزأ بي أو بك لتشبثت بيدي في رأسك، فكان الذي رد علي من قول، لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل حرمتها بي يعني الحرم، فكان ذلك الذي سلا نفسي عنه، قال ثم يقول طاوس: والله ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا للمحارم من ابن عباس ﵁، ولو شاء أن أبكي لبكيت.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي وإبراهيم بن محمد قالا: أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن أبي نجيح عن أبيه قال: لم تكن كبار الحيتان تأكل صغارها في الحرم من زمن الغرق.
стр. 481
وبه قال حدثني جدي، وإبراهيم بن محمد، عن مسلم بن خالد عن ابن خيثم قال: كان بمكة حي يقال لهم، العماليق فأحدثوا فيها أحداثًا، فنفاهم الله منها فجعل يقودهم بالغيث، ويسوقهم بالسنة، يضع الغيث أمامهم فيذهبون ليرجعون، فلا يجدون شيئًا فيتبعون الغيث حتى ألحقهم الله تعالى بمساقط رءوس آبائهم، وكانوا من حمير، ثم بعث الله عليهم الطوفان، قال الزنجي: فقلت لابن خيثم: وما كان الطوفان؟ قال: الموت.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي وإبراهيم بن محمد الشافعي قالا: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن خيثم، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ ، لما نزل الحجر في غزوة تبوك، قام فخطب الناس، فقال: "يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث الله لهم آية، فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها، ويشربون من لبنها مثل ما كانوا يتروون من مائهم من غبها إلا وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فوعدهم الله ثلاثه أيام فكان موعد من الله تعالى غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان في مشارق الأرض ومغاربها منهم، إلا رجلًا كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله"، فقالوا: يا رسول الله ومن هو؟ قال: "أبو رغال".
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن مسلم بن خالد، عن أيوب بن موسى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: "أيها الناس، إن هذا البيت لاقٍ ربه فسائله عنكم، ألا فانظروا فيما هو سائلكم عنه من أمره، إلا واذكروا إذ كان ساكنه لا يسفكون فيه دمًا حرامًا، ولا يمشون فيه بالنميمة".
حدثنا أبو الوليد، حدثنا مهدي بن أبي المهدي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن محمد بن سابط، عن النبي ﷺ ، يحكي عن ربه تعالى قال: "لا يكون بمكة
стр. 482
سافك دم، ولا آكل ربا، ولا نمام، ودحيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، قال: فلما أراد أن يجعل في الأرض خليفة، قالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ " يعني مكة فقال الشعبي: النميمة عدلت بالدم والربا، فلم يزل يحدثني فيها حتى عرفت أنها شر الأعمال، وقال محمد بن سابط: كان النبي من الأنبياء ﷺ ، إذا هلكت أمته لحق بمكة فتعبد فيها النبي ومن معه، حتى يموت فمات بها نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وقبورهم بين زمزم والحجر.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا مهدي بن أبي المهدي، حدثنا يحيى بن سليم، عن أبي خيثم قال: سمعت عبد الرحمن بن سابط يقول: سمعت عبد الله بن ضمرة السلولي يقول: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم إلى الحجر، قبر تسعة وتسعين نبيًا جاءوا حجاجًا فقبروا هنالك، فتلك قبورهم غور الكعبة.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا أحمد بن ميسرة المكي، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁، كان يقول: لخطيئة أصيبها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة أصيبها بركبة (١).
وبه قال أحمد بن ميسرة، عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه عن عمر بن الخطاب كان يقول لقريش: يا معشر قريش الحقوا بالأرياف؛ فهو أعظم لأخطاركم، وأقل لأوزاركم.
وبه قال: حدثني أحمد بن ميسرة عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن أبيه، قال أخبرت أن سعيد بن المسيب رأى رجلًا من أهل المدينة بمكة فقال: ارجع إلى المدينة، فقال الرجل: إنما جئت أطلب العلم، فقال سعيد بن المسيب: أما إذا أبيت، فإنا كنا نسمع أن ساكن مكة لا يموت حتى يكون
стр. 483
عنده بمنزله، الحل لما يستحل من حرمتها.
وبه عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه قال: أخبرت أن عمر بن عبد العزيز قدم مكة، وهو إذ ذاك أمير فطلب إليه أهل مكة أن يقيم بين أظهرهم بعض المقام وينظر في حوائجهم، فأبى عليهم، فاستشفعوا إليه بعبد الله بن عمرو بن عثمان، قال فقال له: اتق الله فإنها رعيتك وإن لهم عليك حقًا، وهم يحبون أن تنظر في حوائجهم فذلك أيسر عليهم من أن ينتابوك بالمدينة، قال: فأبى عليه، قال: فلما أبى قال له عبد الله بن عمرو: أما إذا أبيت فأخبرني لم تأبى؟ فقال له عمر: مخافة الحدث بها، وقال عبد العزيز: وأخبرت إن عمر بن عبد العزيز وافقه شهر رمضان بمكة، فخرج فصام بالطائف.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا يحيى بن سليم قال: سمعت ابن خيثم يحدث عن عثمان أنه سمع بن عمر يقول: احتكار الطعام بمكة للبيع إلحاد.
وبه حدثنا يحيى بن سليم، حدثنا عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: بيع الطعام بمكة إلحاد، قال عثمان: يعني أن يشترى ههنا ويبيع ههنا، ولا يعني الجالب. وبه حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن خيثم عن عبيد الله بن عياض، عن يعلى بن منبه، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁، يقول: يا أهل مكة، لا تحتكروا الطعام بمكة، فإن احتكار الطعام بمكة للبيع إلحاد، حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال قال مجاهد: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم يعمل عملًا سيئًا، وقال غيره: المسجد الحرام والمشركون صدوا رسول الله ﷺ ، عن المسجد وعن سبيل الله يوم الحديبية.
стр. 484
حدثنا أبو الوليد، حدثنا جدي عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج في قوله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] استحلالًا متعمدًا، قال وقال ابن جريج أيضًا، قال ابن عباس: والشرك.
حدثنا أبو الوليد قال: أخبرني جدي عن سعيد عن عثمان، أخبرني المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباح، حدثني إسماعيل بن جليحة قال: كان عبد الله ابن عمر إذا طاف بين الصفا، والمروة دخل على خالة له، فقال أين ابنك؟ فقالت: بأبي أنت وأمي، يخرج إلى هذا السوق فيشتري من السمراء ويبيعها، قال: فمريه لا يقربن من ذلك شيئًا فإنه إلحاد.
قال عثمان قال مجاهد: العاكف فيه الساكن فيه، والبادي الجالب.
قال عثمان: وأخبرني محمد بن السائب الكلبي قال: العاكف أهل مكة، وأما البادي فمن أتاه من غير أهل البلد.
قال عثمان: وأخبرني يحيى بن أبي أنيسة قال قال إسماعيل: سمعت مرة الهمداني يقول: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ليس أحد من خلق الله تعالى يهم بسيئة فيها، فيؤخذ بها ولا تكتب عليه حتى يعملها غير شيء واحد، قال: ففزعنا لذلك، فقلنا: ما هو يا أبا عبد الرحمن؟ فقال عبد الله: من هم أو حدث نفسه بأن يلحد بالبيت، أذاقه الله من عذاب أليم، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
قال عثمان: وأخبرني يحيى بن أبي أنيسة، قال قال السدي: الإلحاد الاستحلال، فإن قوله ومن يرد فيه بإلحاد -يعني الظلم فيه- فيقول: من يستحله ظالمًا فيتعدى فيه، فيحل فيه ما حرم الله تعالى.
قال عثمان: وأخبرني المثنى بن الصباح قال: بلغني أن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير، كانا جالسين فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إني لا أجد في كتاب الله رجلًا يسمى عبد الله عليه
стр. 485
نصف عذاب هذه الأمة، فقال عبد الله بن الزبير: لئن كنت وجدت هذا في كتاب الله تعالى إنك لأنت هو، قال: وإنما أراد عبد الله بن عمرو بهذا، أي فلا يستحل القتال في الحرم.
حدثنا أبو الوليد، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان بن منصور السهامي، حدثنا محمد بن زياد عن ابن قرة، عن عثمان بن الأسود بسنده أما عن مجاهد وإما عن غير ذلك، قال: من أخرج مسلمًا من ظله في حرم الله تعالى من غير ضرورة، أخرجه الله تعالى من ظل عرشه يوم القيامة.
حدثنا أبو الوليد، حدثني جدي عن سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوي عن جابر الجعفي عن مجاهد وعطاء، في قوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، قال: العاكف أهل مكة والبادي الغرباء سواء هم في حرمته، حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: حدثني إسماعيل بن أمية أن عمر بن الخطاب قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة بركبة، أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة.
قال ابن جريج قال مجاهد: حذر عمر قريشًا الحرم قال: وكان بها ثلاثة أحياء من العرب فهلكوا، لأن أخطئ اثنتي عشرة خطيئة بركبة، أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة إلى ركنها.
قال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك.
وقال ابن جريج: حدثني إبراهيم حديثًا رفعه إلى فاطمة السهمية، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: الإلحاد في الحرم ظلم الخادم فما فوق ذلك.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا إبراهيم حدثنا محمد بن
стр. 486
سوقة، عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: حج الحواريون، فلما دخلوا الحرم مشوا تعظيمًا للحرم.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا إبراهيم بن محمد عن أبان بن أبي عياش، عن عبد الرحمن بن سابط أنه سمع عبد الله بن عمر، وهو جالس في الحجر، يطعن بمخصرته في البيت وهو يقول: انظروا ما أنتم قائلون غدًا إذا سئل هذا عنكم وسئلتم عنه، واذكروا إذ عامره لا يتجر فيه بالربا، ولا يسفك فيه الدماء، ولا يمشى فيه بالنميمة.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني صفوان بن سليم، عن فاطمة السهمية عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: الإلحاد في الحرم، شتم الخادم فما فوق ذلك ظلمًا.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد، قال: بعث النبي ﷺ ، رجلًا من الأنصار ورجلًا من مزينة، وابن خطل في بعض حاجته، فقال للمزني وابن خطل: "أطيعا الأنصاري حتى ترجعا"، فلما كانوا ببعض الطريق أمر الأنصاري المزني ببعض العمل وقال لابن خطل: اذبح هذه الشاة، فلم يرجع الأنصاري حتى فرغ المزني مما أمره به، وإذا الشاة كما هي، قال الأنصاري لابن خطل: ما منعك من ذبح هذه الشاة؟ قال ابن خطل: أنت أحق بها مني، ثم إنهما تباطآ فقتله ابن خطل، ثم أراد المزني فقال: ويلك ما شأنك؟ وجه حيث شئت فأنا أتبعك.
стр. 487
ما جاء في القاتل يدخل الحرم:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس قال: إذا دخل القاتل الحرم، لم يجالس ولم يبايع ولم يؤو، ويأتيه الذي يطلبه فيقول: يا فلان اتق الله في دم فلان واخرج من المحارم، فإذا خرج أقيم عليه الحد.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا سعيد بن سالم عن ابن جريج، قال قلت لعطاء: ما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: يأمن فيه كل شيء دخله، قال: وإن كان صاحب دم إلا أن يكون قتل في الحرم، فيقتل فيه، فإن قتل في غيره ثم دخله أمن حتى يخرج منه، ثم تلا عند ذلك: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن عطاء قال: أنكر ابن عباس قتل ابن الزبير سعدًا مولى عقبة، وأصحابه قال: تركه في الحل، حتى إذا دخل الحرم أخرجه منه فقتله، فقال رجل من القوم: قاتلوه، قال: أولم يؤمنوا إذا دخلوا الحرم؟ قلت لعطاء: أرأيت لو وجدت فيه قاتل أبي أو أخي؟ قال: إذا تدعه واعزم على الناس أن لا يؤوه، ولا يجالسوه ولا يبايعوه حتى يخرج، فلعمري ليوشكن أن يخرج منه، فقال له سليمان بن موسى: فعبدي أبق فدخله قال: فخذه إنك لا تأخذه لتقتله.
حدثنا أبو الوليد، حدثنا مهدي بن أبي المهدي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام، عن حماد عن إبراهيم قال: إذا قتل رجل في الحرم أدخل الحرم فقتل، وإذا قتل خارجًا من الحرم، ثم دخل الحرم أخرج من الحرم فقتل.
стр. 488
حدثنا أبو الوليد، حدثنا مهدي بن أبي المهدي، حدثنا عمر بن سهل، عن يزيد عن سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إن الحرم لا يمنعه حد الله، إذا أصاب حدًا في غير الحرم، فلجأ في الحرم لم يمنعه ذلك من أن يقام عليه، ورأى قتادة مثل ما قال الحسن.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي، حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر عن قتادة، ومجاهد في قوله : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [أل عمران: ٩٧]، قال كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم فلو سرق أحد قطع، ولو قتل قتل، ولو قدر على المشركين فيه قتلوا.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن مسلم بن خالد عن ابن جريج أخبرنا ابن طاوس في قوله ﵎: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [أل عمران: ٩٧] قال: يأمن فيه من فر إليه، وإن أحدث كل حدث قتل أو سرق أو زنا، أو صنع ما صنع، إذا كان هو يفر إليه أمن فيه، فلا يمس ما كان فيه، ولكن يمنع الناس أن يؤوه أو يبايعوه أو يجالسوه، فإن كانوا هم أدخلوه فيه، فلا بأس أن يخرجوه إن شاءوا، قال: وإن أحدث في الحرم أخذ في الحرم.
قال ابن جريج قلت لابن طاوس: فإن عطاء أخبرني عن ابن عباس، أنه أنكر ما أتى إلى سعد وهم أدخلوه الحرم، قال: وأبو عبد الرحمن قد أنكر ما أتى إليه يعني طاوسًا أن سعدًا لم يقتل إنما قاتلهم، قال لي ابن طاوس: قال طاوس: فمن فر إليه أمن، ولكن يمنع الناس أن يؤوه أو يبايعوه أو يجالسوه، قال فإن كانوا أدخلوه فيه أخرجوه منه إن شاءوا، قال: فإن أدخلوه ثم انفلت منهم فدخله أخرجوه، قال: انما أنكر طاوس ما أتى إلى سعد أنه لم يقتل أحدًا.
قال ابن جريج: وأخبرني بن أبي حسين عن عكرمة بن خالد، قال قال عمر بن الخطاب ﵁: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه.
стр. 489
قال ابن جريج: أخبرني ابن الزبير قال قال ابن عمر: لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته.
قال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد قال قال عمر: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه، قال ابن جريج: وبلغني أن الرجل كان يلقى قاتل أخيه، أو أبيه في الكعبة، أو في الحرم أو في الشهر الحرام، فلا يعرض له أو محرمًا أو مقلدًا هديا قد بعث به فلا يعرض له، وهم يغير بعضهم على بعض فيقتلون، ويأخذون الأموال في غير ذلك، فجعل الله ذلك قيامًا لهم لولا ذلك لم يكن لهم بقية.
ما يؤكل من الصيد في الحرم، وما دخل فيه حيا مأسورًا:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا مسلم بن خالد، عن عبد الله بن كثير الرازي عن مجاهد، أنه أكل لحم الطير الذي يدخل به الحرم حيًا في مرضه الذي مات فيه.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثني مسلم بن خالد الزنجي قال: سمعت عمرو بن دينار، وذكر عنده الصيد يدخل به الحرم حيًّا، قال: لا بأس بأكله، ويقول: لو أهدي إلي ظبي فلبث عندي في البيت أيامًا، ثم انفلت من بيتي فلبث في الحرم أربعة أيام، ثم وجدته في اليوم الخامس، فعرفت أنه ظبيي الذي كان عندي، لأخذته فأكلته.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن مسلم بن خالد، قال: سمعت صدقة بن يسار يقول: سألت عطاء بن أبي رباح، عن الصيد يدخل به الحرم حيًا فأرخص لي في أكله، ثم عدت إليه، بعد فنهاني عنه، فلقيت سعيد بن جبير فسألته عنه فأخبرته بقول عطاء بن أبي رباح: فقال لي: كله ولا تجد في
стр. 490
نفسك منه شيئًا.
حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح أنه كان لا يرى بأسًا بما دخل به الحرم من الصيد مأسورًا، وقال غيره: إن عطاء كرهه.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا سفيان، عن ابن جريج عن عطاء قال كنا نسأله عن الحمام الشامي، فيقول: انظروا فإن كان له في الوحش أصل فهو صيد، وإن لا، فإنما هو بمنزلة الدجاج، فنظروا فإذا ليس له في الوحش أصل، قال أبو الوليد: دخلت على يوسف بن محمد بن إبراهيم بمكة، أعوده في مرضه الذي مات فيه، وفي منزله جنبة فيها حمامات مقرقرة بيض.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن ابن الماء أصيد بر أو صيد بحر وعن أشباهه؟ قال: حيث يكون أكثره صيدًا، قال ابن جريج: وسأل إنسان عطاء، وأنا حاضر عن حيتان بركة القسري، وهي بركة عظيمة في الحرم بأصل ثبير فقال: نعم والله لوددت أن عندنا منها، وسألته عن صيد الأنهار، وقلات المياه أليس من صيد البحر؟ قال: بلى وتلا هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، ومن كل يأكلون لحمًا طريًا.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريج عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: لا يصلح أخذ الجراد في الحرم، قلت له أو قيل له: إن قومك يأخذونه وهم مخبتون في المسجد الحرام، يعني قريشًا، قال: إن قومي لا يعلمون.
стр. 491
كفارة قتل الصيد في الحرم:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس، أن غلامًا من قريش قتل حمامة من حمام الحرم، قال ابن عباس: فيه شاة، وبه قال سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: في حمام مكة شاة.
حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، قال قال عطاء: في حمام مكة شاة، قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقضي في شيء مما ذكرت؟ قال: لا، غير أن عثمان بن عبيد الله بن حميد حاءه، فقال: إن ابنًا لي قتل حمامة، قال: ابتع شاة فتصدق بها، قلت لعطاء: من حمام مكة قتل ابن عثمان؟ قال: نعم، حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: أخبرني يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: من قتل حمامة من حمام مكة فعليه شاة.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن مجاهد قال: أمر عمر بن الخطاب ﵁، بحمامة، فأطيرت فوقعت على المروة فأخذتها حية، فجعل فيها عمر شاة، قال: وأمر عثمان ﵁ بحمامة فأطيرت من واقف، فوقعت على واقف فأخذتها حية فدعا نافع بن الحارث الخزاعي، فحكما فيها عنزًا عفراء.
قال ابن جريج: أخبرني بعض أصحابنا قال: قال إنسان لطاوس: كم في الحمامة؟ قال: مد ذرة، قال مجاهد: يا أبا عبد الرحمن كان ابن عباس يقول: شاة، قال: فشاة.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا مسلم بن خالد عن ابن
стр. 492
جريج، قال: قال عطاء في إنسان أخذ حمامة يخلص ما في رجليها فماتت، قال: ما أرى عليه شيئًا، قال وقال عطاء: في الفرخ الصغير الذي لم يطر جفرة.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: كم في بيضة من بيض حمام مكة؟ قال: نصف درهم بين البيضتين درهم ويحكم في ذلك قال: فأما ذلك فالذي أرى، فقال إنسان لعطاء: بيضة حمام مكة وجدتها على فراشي، قال: فأمطها عن فراشك قلت: فكانت في سهوة، أو في مكان من البيت كهيئة ذلك معتزل من البيت قال: فلا تمطها، قال: وقال عطاء: في بيضة كسرت فيها فرخ قال: درهم، قال رجل لعطاء: اجعل بيضة دجاجة تحت حمام مكة؟، قال: لا أخشى أن يضر ذلك بيضها.
ما ذكر في قطع شجر الحرم:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء، أنه قال: في الدوحة من شجر الحرم إذا قطعت من أصلها بقرة.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء، أن عمر بن الخطاب ﵁، أبصر رجلًا يعضد على بعير له في الحرم، فقال له: يا عبد الله إن هذا حرم الله لا ينبغي لك أن تصنع فيه هذا، فقال الرجل: إني لم أعلم يا أمير المؤمنين، فسكت عمر عنه.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: حدثني مزاحم، عن أشياخ له إن عبد الله بن عامر كان يقطع الدوحة من داره بالشعب من السمر والسلم، ويغرم عن كل دوحة بقرة.
стр. 493
قال ابن جريج: وسمعت إسماعيل بن أمية يقول: أخبرني خالد بن مضرس أن رجلًا من الحاج قطع شجرة من منزله بمنى قال: فانطلقت به إلى عمر بن العزيز فأخبرته خبره، فقال: صدق كانت ضيقت علينا منزلنا، ومناخنا فتغيظ عليه عمر ثم قال ما رأيته إلا ديته.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن إسماعيل بن أمية مثله إلا أنه قال: فتغيظ عليه عمر ثم أمره أن يفديها، وقال ابن أبي يحيى: من قرب غصنًا لبعيره أو لشاته فكسره حين قربه فقد ضمنه.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن إبراهيم بن محمد، عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن محمد بن عباد بن جعفر عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لا يقطع الأخضران بعرنة، ومر"؛ يعني الأراك والسدر.
الأكل من ثمر شجر الحرم وما ينزع منه:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج، عن عطاء أنه كان يقول: لا بأس أن يؤكل من ثمر الحرم، قال مسلم: يعني النبق والعشرق والجعة.
وبه حدثنا مسلم بن خالد قال: سمعت ابن أبي نجيح يحدث عن عطاء أنه كان يرخص في السنا (١) أن يؤخذ من ورقه، ولا ينزع من أصله في الحرم فيستمشى به. حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا عبد الله بن يحيى السهمي
стр. 494
قال: سمعت عطاء بن أبي رباح، يسأل عن الحبلة توجد في الحرم قال: يتنمصها تنمصًا.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن جريج عن عطاء أنه كان يرخص في العشرق والضغابيس، والحنساء أن تنزع من الحرم، قال يحيى: وكان إسماعيل بن أمية يكره ذلك إلا ما أنبت ماءك، ويقول: إنما هذا رأي من عطاء.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: سئل عطاء أنبسط بساطًا على نبت الحرم ينزل عليه؟ قال نعم.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: كره عطاء وعمرو بن دينار نزع ما نبت على ماءك من شجر الحرم، ثم رجع عطاء فيما نبت مع القضب والخضر في الحرم فقيل له: إذا لا يستطيع الناس خضرهم، فقال: حل لك ما نبت على ماءك وإن لم تكن أنبته، وأكره أن أقرب لبعيري غصنا أو لشاتي.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن سفيان عن ابن جريج، عن عطاء أنه أرخص في الأراك في الحرم للسواك، قال سفيان: وحدثت عن عمرو بن دينار أنه كان يقول في السنا في الحرم: خذ من ورقه، ولا تنزعه من أصله.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج، قال: قال عمرو بن دينار: ولا بأس بنزع البهش (١) في الحرم والعشرق (٢) والضغابيس (٣) والسواك من البشامة في الحرم ولا يراه أذى، ويقول: لا
стр. 495
يختلا خلاها إلا للماشية، قال وقال عمرو بن دينار أيضًا: ويورق السنا للمشى توريقًا، ولعمري لئن كان من أصله أبلغ لينزعن كما تنزع الضغابيس، وأما للتجارة فلا.
ما جاء في تعظيم الصيد في الحرم:
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا سفيان قال: رأيت صدقة ابن يسار جعل لحمام مكة حوضًا مصهرجًا ويصب لهن فيه الماء، وبه حدثنا سفيان عن هشام بن حجير، قال: دخلنا على الحسن بن أبي الحسن مع عمرو بن دينار في دار عمر بن عبد العزيز، فرأيته يأخذ الحنطة بيده فينثرها للحمام، يعني حمام مكة، قال هشام: ولو أطعمه مسكينا لكان أفضل.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس عن محمد بن عمر، عن عبد الله بن نافع عن أبيه قال: كان ابن عمر يغشاه الحمام على رحله وطعامه وثيابه ما يطرده، وكان ابن عباس يرخص أن يكشكش، حدثنا أبو الوليد، كتب إلى عبد الله بن أبي غسان رجل من رواة العلم من ساكني صنعاء، وحمل الكتاب رجل ممن أثق به، وأملاه بمحضره يقول في كتابه: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس، عن عبد العزيز بن أبي رواد إن قومًا انتهوا إلى ذي طوى ونزلوا بها، فإذا ظبي قد دنا منهم فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه فقال له أصحابه: ويحك أرسله، قال: فجعل يضحك ويأبى أن يرسله فبعر الظبي، وبال ثم أرسله، فناموا في القائلة فانتبه بعضهم فإذا بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي، فقال له أصحابه: ويحك لا تتحرك، وانظر ما على بطنك فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحدث مثل ما كان من الظبي.