عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (١).
فعلق الجواز قاعدًا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن القراءة.
ولأن القيام إذا كان ركنًا فإنه لا يجوز تركه مع القدرة عليه.
وقد ذكر ابن رجب في القواعد هذا القسم، وقسمه إلى أربعة أقسام.
يقول ابن رجب في القاعدة الثامنة: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟ هذا أقسام:
القسم الأول: أن يكون المقدور عليه ليس مقصودًا في العبادة، بل هو وسيلة محضة إليها كتحريك اللسان في القراءة في حق العاجز، وإمرار الموسى على الرأس في الحلق للأقرع، والختان، فهذا ليس بواجب ....
والقسم الثاني: ما وجب تبعًا لغيره وهو نوعان.
أحدهما: ما كان وجوبه على وجه الاحتياط للعبادة؛ ليتحقق حصولها، كغسل المرفقين في الوضوء فإذا قطعت اليد من المرفق هل يجب غسل رأس المرفق الآخر أم لا؟ على وجهين: أشهرهما عند الأصحاب الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد ....
والثاني: ما وجب تبعًا لغيره على وجه التكميل واللواحق، مثل رمي الجمار والمبيت بمنى لمن لم يدرك الحج، فالمشهور أنه لا يلزمه ذلك؛ لأن ذلك كله من توابع الوقوف بعرفة، فلا يلزم من لم يقف بها ....
والقسم الثالث: ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه بانفراده، أو هو غير مأمور به لضرورة:
فالأول: كصوم بعض اليوم لمن قدر عليه وعجز عن إتمامه فلا يلزمه بغير خلاف.
والثاني: كعتق بعض الرقبة في الكفارة، فلا يلزم القادر عليه إذا عجز عن التكميل؛ لأن الشارع قصده تكميل العتق مهما أمكن، ولهذا شرع السراية والسعاية
стр. 3537
وقال: (ليس لله شريك) فلا يشرع عتق بعض الرقبة.
والقسم الرابع: ما هو جزء من العبادة وهو عبادة مشروعة في نفسه: فيجب فعله عند تعذر فعل الجميع بغير خلاف، ويتفرع عليه مسائل كثيرة:
منها: العاجز عن القراءة يلزمه القيام لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة لكنه أيضًا مقصود في نفسه وهو عبادة منفردة (١).
• الراجح:
أن سقوط القراءة عن غير المسبوق لا يسقط القيام عنه، فكلاهما واجب عليه، والعجز عن أحدهما لا يسقط الآخر، وإذا اتفقنا على وجوب القيام مع القدرة على القراءة والسجود، فيستصحب الوجوب مع العجز عنهما حتى يقوم دليل على إسقاط القيام، ولم يقم دليل على سقوطه بالعجز عن القراءة، والله أعلم.
* * *
стр. 3538
الفصل الثالث في قدر القيام
المدخل إلى المسألة:
• من وجبت عليه القراءة وجب عليه القيام بقدرها مع تكبيرة الإحرام.
• كل من سقطت عنه القراءة كالمسبوق سقط عنه القيام إلا بقدر تكبيرة الإحرام.
• العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة.
• كون الشيء مقصودًا لغيره من وجه لا يمنع أن يكون مقصودًا بنفسه كالقيام في الصلاة، والوضوء.
• الميسور لا يسقط بالمعسور.
[م-٤٨٨] قدر الفقهاء قدر القيام بقدر تكبيرة الإحرام من المسبوق؛ لسقوط القراءة عنه.
وأما غير المسبوق فبقدر تكبيرة الإحرام، والقراءة المفروضة على خلاف بينهم في قدرها.
فقيل: الواجب من القيام قدر قيام قراءة الفاتحة، وبهذا قال الجمهور (١).
جاء في التاج والإكليل عن ابن يونس: «القيام للإمام والفذ قدر قراءة أم القرآن
стр. 3539
من الفروض المتفق عليها» (١).
قال النووي: «الواجب من القيام قدر قيام قراءة الفاتحة، ولا يجب ما زاد» (٢).
(ح-١١٩٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع،
عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٣).
وعلى قول من لا يوجب أم القرآن في كل ركعة يكفيه تكبيرة الإحرام والقيام لها، وقد اختار الحسن البصري، والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث من المالكية أنه يكفي قراءة الفاتحة مرة واحدة (٤).
لأن النفي في قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) إن كان بمعنى الأمر بقراءة فاتحة الكتاب، فالأمر بالفعل يتحقق بالامتثال بقراءتها مرة واحدة؛ لأن صيغة الأمر المطلق لا تقتضي التكرار، فكذلك ما كان بمعنى الأمر من باب أولى.
ورد بأن النبي ﷺ قال في حديث أبي هريرة: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، والأصل في الأمر الوجوب، فصار الأمر يحمل معنى التكرار.
وسوف يأتينا بحث المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
وقال أبو حنيفة: فرض القراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة، وهو رواية عن الإمام أحمد، فيكون الواجب من القيام بقدر قراءتها (٥).
стр. 3540
لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
فأمر بقراءة ما تيسر، ولم يحدد مقدارًا معينًا، والمطلق جارٍ على إطلاقه، والتحديد يحتاج إلى توقيف.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: «يجزئ عن قراءة الفاتحة آية طويلة كآية الكرسي والدين أو ثلاث آيات قصار، فإن نقص عن ثلاث قصار، أو آية طويلة فقد ارتكب كراهة التحريم؛ لتركه الواجب، وهو رواية عن الإمام أبي حنفية» (١).
لأن أدنى ما يسمى المرء به قارئًا في العرف أن يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار.
وقيل: يجزئ ما يصدق عليه اسم قرآن، ولو كان بعض آية إذا كان بقصد قراءة القرآن، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن أحمد في رواية: يقرأ ما تيسر (٢).
لأن الفرض إذا لم يقدر شرعًا، كان تقديره على أقلِّ ما يتناوله الاسم، حتى ولو قرأ بعض آية، إذا قرأ ذلك بقصد القراءة.
وقيل: لا يكفي إلا سبع آيات من غيرها، وهو رواية عن أحمد، وهل يجب أن يكون في عدد حروفها؟ على وجهين في مذهب الحنابلة (٣).
قياسًا على عدد آيات الفاتحة، وسوف يأتينا بحث المسألة عند الكلام على حكم قراءة الفاتحة، ونبسط فيها الخلاف إن شاء الله تعالى.
стр. 3541
• الراجح:
أما المسبوق فيكفيه من القيام قدر تكبيرة الإحرام، ويسقط القيام عنه للنص، وفي سقوط القيام عنه؛ أكان ذلك لسقوط القراءة، وذلك يعني أن القيام ليس مقصودًا بنفسه، أم أن سقوط القيام كان لتحمل الإمام ذلك عن المأموم، ولأن من أدرك أكثر الركعة فقد أدرك الركعة؟ في ذلك خلاف سيتوجه بحثه إن شاء الله تعالى في مبحثٍ مستقلٍّ.
وأما المنفرد والإمام، فالقراءة في حقه ركن، ومحلها القيام، فإذا وقف للتحريم وقراءة أم القرآن، فقد قام بالواجب عليه، سواء أقلنا: إن القيام وجب لوجوب القراءة، أم قلنا: إن القيام ركن مقصود بنفسه، وسقوط القراءة عن العاجز لا يسقط القيام، فيجب عليه أن يقوم في الصلاة بقدر التحريمة، وقراءة الفاتحة.
* * *
стр. 3542
الفصل الرابع في صفة القيام
المدخل إلى المسألة:
• ما قَرُب من الشيء فله حكمه.
• متى انحنى بحيث يكون إلى القيام أقرب فهو في حكم القائم فإن كان إلى الركوع أقرب لم يكن قائمًا.
• لو كبَّر للتحريمة، وهو في حد الركوع لم يدخل في الصلاة، ولو كبَّر، قبل الخروج عن حد القيام فقد شرع في صلاته.
[م-٤٨٩] اختلف الفقهاء في صفة القيام:
فقال الحنفية: أن يكون بحيث إذا مد يديه لا تنال يداه ركبتيه، وهو وجه ضعيف عند الشافعية (١).
قال النووي نقلًا عن أبي محمد في التبصرة: «ولا يضر الانحناء اليسير، قال: والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام: أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه، فهذا حد الركوع وما قبله حد القيام … هذا كلام الشيخ أبي محمد وهو وجه ضعيف … » (٢).
• وجه هذا القول:
أن المصلي إذا أمكنه أن يمس ركبتيه بيديه فقد خرج من حد القيام إلى الركوع.
وفرق المالكية بين المسبوق وبين الإمام والمنفرد والمأموم غير المسبوق،
стр. 3543
فالمنفرد والإمام وغير المسبوق لا يصح منه القيام منحنيًا مطلقًا؛ لأن قراءة الفاتحة واجبة في حقه، فوجب القيام لوجوب القراءة.
وأما المسبوق فقالوا: إذا ابتدأ تكبيرة الإحرام حال قيامه، وأتمها حال الانحطاط، أو بعده بلا فصل كثير (فتأويلان) في الاعتداد بالركعة وعدمه، والصلاة صحيحة، وقال بعضهم: القولان هما في صحة الصلاة وبطلانها (١).
فالذين قالوا: يعتد بالركعة، أو بالصلاة إذا كبر المسبوق منحنيًا: قالوا: إن القيام يجب للفاتحة، والمأموم لا تجب القراءة في حقه، قال ابن بشير: هذا مذهب المدونة (٢).
ولأن الإمام يحمل عن المأموم تكبيرة الافتتاح، على ما روى ابن وهب عن مالك: أن تحريم الإمام يجزئ فيها عن المأموم، والقيام إنما يراد لتكبيرة الافتتاح (٣).
والذين قالوا: لا يعتد بالركعة والصلاة صحيحة، قالوا: لا يكفي أن يبدأ تكبيرة الإحرام حال القيام، بل لابد أن يتمها، وهو قائم، فلما أتمها، وهو مُنْحَنٍ بطلت الركعة، وقامت الركعة الثانية مكان الأولى.
стр. 3544
وأما تعليل الذين قالوا ببطلان الصلاة، قالوا: إن بطلان التحريمة يؤدي إلى بطلان الصلاة، وليس إلى بطلان الركعة؛ لأن دخوله في الصلاة مبني على صحة التحريمة، ولم تصح.
وقال الشافعية: إن كان المنحني أقرب إلى القيام منه إلى الركوع، أو استوى الأمران صح القيام، وإن كان إلى الركوع أقرب منه إلى الانتصاب، فوجهان: أظهرهما أنه لا يصح قيامه (١).
قال النووي: «ولا أن يقف منحنيًا في حد الراكعين، فإن لم يبلغ انحناؤه حد الركوع، لكن كان إليه أقرب منه إلى الانتصاب، لم يصح على الأصح» (٢).
وقال الخطيب: «الانحناء السالب: أن يصير إلى الركوع أقرب كما في المجموع، ومقتضاه: أنه لوكان أقرب إلى القيام، أواستوى الأمران صح، وهو كذلك» (٣).
• وجه قول الشافعية:
أن حد القيام يفارق حد الركوع، والانحناء هو بينهما، فما كان أقرب إلى أحدهما ألحق به، فإن كان إلى الانتصاب أقرب اعتبر قائمًا، وإلا اعتبر راكعًا.
وقد يقال: إن الخلاف بين الحنفية والأصح في مذهب الشافعية خلاف لفظي فإنه إذا كان إلى الركوع أقرب منه إلى القيام استطاع أن تمس يداه ركبتيه إذا كان معتدل الخلقة، والله أعلم.
واختار الحنابلة في المعتمد: حد القيام ما لم يصل إلى الركوع المجزئ (٤).
وفي الركوع المجزئ قولان:
أحدهما: أن ينحني بحيث يمكنه مس ركبتيه إذا كان الراكع من أوسط الناس،
стр. 3545
وقدره من غيره. قال في الإنصاف: وهذا المذهب، وهو يوافق ما عليه الحنفية (١).
الثاني: قال المجد: ضابط الإجزاء الذي لا يختلف: أن يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل، وهذا يوافق ما عليه الشافعية (٢).
• الراجح:
تكبيرة الإحرام من المنحني، إن كان فعل ذلك بلا حاجة ولا مصلحة فهذا أشبه ما يكون بالمتلاعب، فأخشى أن يكون فعله محرمًا، وإن كبر منحنيًا لعذر أو حاجة، فما قرب من القيام ألحق به، وما قرب من الركوع ألحق به، اعتبارًا بقاعدة: ما قرب من الشيء فله حكمه، وإن كان بينهما فالأصل عدم الانتقال من القيام، والله أعلم.
* * *
стр. 3546
الفصل الخامس في استناد المصلي في القيام
المدخل إلى المسألة:
• القيام الواجب ما اعتمد فيه المصلي على قدميه في وقوفه بالصلاة.
• كل استناد لولاه لسقط المصلي، فإنه منافٍ للقيام الواجب.
• الاستناد المنافي للقيام يبطل صلاة الفريضة؛ لأنه في حكم التارك للقيام.
• الاستناد الذي إذا زال لا يسقط به المصلي منافٍ لكمال القيام، ولا يبطل الصلاة.
• لا فرق في الحكم بين أن يقع الاستناد في القراءة الواجبة أو في القراءة المستحبة؛ لأن ما زاد على الواجب إن تميز، كإخراج صاعين منفردين في زكاة الفطر فهو ندب بالاتفاق، وإن لم يتميز فالكل في حكم الواجب على الصحيح؛ لأن ما لا يتجزأ فحكم بعضه حكم كله.
[م-٤٨٩] إذا استند المصلي في الفرض، وهو قادر على القيام استقلالًا، أو على الجلوس استقلالًا إن كان عاجزًا عن القيام، فإن كان في حالٍ بحيث لو أزيل ما يستند إليه لم يسقط المصلي، وبقي قائمًا:
فقيل: تصح صلاته مع الكراهة؛ لتنقيص كمال القيام، وهو قول الجمهور، واستحب له المالكية الإعادة في الوقت بناء على قواعد مذهبهم (١).
وقيل: لا تصح صلاته، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: يكره الاتكاء في النفل بلا عذر اختاره بعض الحنفية (٣).
стр. 3547
(ح-١١٩٥) لما رواه مسلم من طريق ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس، قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا لزينب تصلي، فإذا كسلت، أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه؛ لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل، أو فتر فليقعد (١).
والصحيح أن الكراهة متوجهة لعقد النافلة نفسها، لا الاستناد فيها.
والصحيح قول الجمهور؛
(ح-١١٩٦) لما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي، أخبرنا أبي، عن حصين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف، قال: قدِمتُ الرَّقَّة، فقال لي بعض أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: قلت: غنيمةٌ، فدُفِعنا إلى وابصة، قلت لصاحبي: نبدأ فننظر إلى دَلِّه، فإذا عليه قَلَنسُوَةٌ لاطِئةٌ ذاتُ أذنين، وبُرنُسُ خَزٍّ أغبرُ، وإذا هو معتمدٌ على عصًا في صلاته، فقلنا بعد أن سلَّمنا، فقال:
حدثتني أم قيس بنت محصن؛ أن رسول الله ﷺ لما أسنَّ وحملَ اللحمَ، اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه (٢).
[صحيح، وهذا إسناد ضعيف] (٣).
قال الشوكاني في النَّيْلِ: «وقد ذكر جماعة من العلماء أن من احتاج في قيامه إلى أن يتكئ على عصا أو عكاز، أو يستند إلى حائط، أو يميل على أحد جانبيه جاز له ذلك» (٤).
[م-٤٩٠] وإن كان بحيث لو أزيل ما اتكأ عليه سقط:
стр. 3548
فقيل: يكره وهو مذهب الحنفية، واختاره صاحب الطراز من المالكية (١).
وقال الشافعية في الأصح: يكره ما لم يكن معلقًا بحيث يمكنه رفع رجليه دون أن يسقط، فإن صلاته تبطل؛ لأنه غير قائم (٢).
وقيل: لا تصح صلاته، وهو مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (٣).
وقال المالكية: لا يستند في ما هو فرض عليه في صلاته، فلا يستند للإحرام ولا لقراءة الفاتحة في حق من تجب عليه القراءة، ولا يستند في الركوع، ولا في هُوِيِّ الركوع والقيام، فإن استند عمدًا أو جهلًا، لا سهوًا بطلت، ويجوز الاستناد في قراءة ما زاد على الفاتحة دون الجلوس؛ فإنه يخل بهيئتها (٤).
• وجه القول ببطلان الصلاة بالاستناد:
بأن الاعتماد يخل بالقيام، وترك القيام في الفريضة لا يجوز إلا من عذر.
• وجه القول بالكراهة:
أن الصلاة صحيحة؛ لوجود أصل القيام، ويكره الاعتماد؛ لأنه ينقص من كمال القيام بلا حاجة.
وقال صاحب الطراز من المالكية: «لأنه قيام في العادة، ولو حلف لا يقوم، فقام متكئًا حنث، وأما قوله في الكتاب: لا يعجبني، فمحمول على الكراهة» (٥).
قال الشافعية: إلا أن يكون بحيث إذا رفع رجليه لم يسقط، فإنه يكون
стр. 3549
معلقًا، لا قائمًا.
وأما مذهب المالكية فإن بناء مذهبهم راجع إلى توصيف ما زاد من القيام على القدر الواجب:
أيلحق بالفرض لاتصاله به، وعدم تميزه، ولكونه لو جلس فيه مع قدرته لم تصح صلاته، وعليه فلو استند فيه بطلت صلاته، أم أن الزائد على القدر الواجب يعتبر نفلًا، والخلل إذا وقع في القدر المستحب، لا يؤثر على صحة الصلاة؛ لأن المصلي لو اقتصر على القدر الواجب، وركع، تمت صلاته؟
في هذه المسألة قولان لأهل العلم هما وجهان في مذهب الشافعية والحنابلة (١).
قال ابن الرفعة: هل يكون جميع قيامه فرضًا، أو قدر الفاتحة فقط، فيه وجهان» (٢).
وقال ابن رجب: «من وجبت عليه عبادة، فأتى بما لو اقتصر على ما دونه لأجزأه، هل يوصف الكل بالوجوب، أو قدر الإجزاء منه؟
إن كانت الزيادة متميزة منفصلة، فلا إشكال في أنها نفل بانفرادها، كإخراج صاعين منفردين في الفطرة ونحوها، وأما إن لم تكن متميزة ففيه وجهان مذكوران في أصول الفقه» (٣).
والصواب في هذه المسألة: أن الزيادة على الواجب إن تميزت كصلاة التطوع بالنسبة إلى المكتوبات فهي ندب بالاتفاق.
وإن لم تتميز فالكل في حكم الواجب على الصحيح من قولي أهل العلم.
стр. 3550
ومن ذلك مسألتنا، فإن قراءة ما زاد على الفاتحة متصلة لا تتميز، فالكل واجب، والخلل بالقدر المستحب يعود بالبطلان على القدر الواجب ما دام متصلًا.
* * *
стр. 3551
الفصل السادس في سقوط القيام عن المصلي
المبحث الأول لا يجب القيام في صلاة النافلة
المدخل إلى المسألة:
• النفل أوسع من الفرض، ولهذا جاز النفل قاعدًا وراكبًا، إلى القبلة وغيرها، وجاز في صيام النفل بنية من النهار.
• التخفيف في النفل تيسيرًا من أجل تحصيله وتكثيره وتطويله.
• أجر القائم على الضعف من أجر القاعد إلا من عذر
[م-٤٩١] يجوز للقادر على القيام أن يتنفل قاعدًا؛ لأن النفل أوسع من الفرض، وقد سومح في النفل لتطلع الشارع إلى تكثيره وتطويله (١).
(ح-١١٩٧) ولما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة، قالت: ما رأيت النبي ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا، حتى إذا كبر قرأ جالسًا، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون، أو أربعون آية قام فقرأهن، ثم ركع (٢).
قال ابن عبد البر: «وكان رسول الله ﷺ يتنفل جالسًا .... وهذا كله لا خلاف
стр. 3552
فيه والحمد لله» (١).
• فإن تنفل قاعدًا من غير عذر كان أجره على النصف من أجر القائم.
(ح-١١٩٨) لما روى البخاري من طريق روح بن عبادة، ومن طريق عبد الوارث، كلاهما عن حسين، عن عبد الله بن بريدة، قال:
حدثني عمران بن حصين -وكان مبسورًا- قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا، فله نصف أجر القاعد (٢).
فقوله: (فإن صلى قائمًا فهو أفضل) دليل على أن الحديث في ترك القيام مع القدرة عليه.
فإن كان جلوسه لعذر كتب له أجره كاملًا، لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥].
فاستثنى الله من القاعدين أهل الأعذار فإن لهم مثل أجر المجاهد.
(ح-١١٩٩) لما رواه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل،
عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر (٣).
(ح-١٢٠٠) وروى البخاري من طريق العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة:
سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا (٤).
(ح-١٢٠١) وأما ما رواه أحمد من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن
стр. 3553
أبي عروبة، عن حسين المعلم، قال: وقد سمعته من حسين، عن عبد الله بن بريدة،
عن عمران بن حصين، قال: كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة، فسألت رسول الله ﷺ عن صلاتي قاعدًا؟ قال: صلاتك على النصف من صلاتك قائمًا، وصلاة الرجل مضطجعًا على النصف من صلاته قاعدًا (١).
فإن ظاهر رواية عبد الوهاب بن عطاء أن المريض كالصحيح له نصف الأجر إذا صلى قاعدًا، إلا أن الحديث مداره على حسين المعلم، وقد رواه جماعة عن حسين المعلم، وعلى رأسهم يحيى بن سعيد القطان ويزيد بن زريع، وروح بن عبادة وعبد الوارث بن سعيد وجماعة فلم يذكروا ما ذكره عبد الوهاب بن عطاء، عن حسين المعلم، وكان قد سمعه من سعيد بن أبي عروبة عن حسين (٢).
стр. 3554
يستثنى النبي ﷺ ، فإن صلاته قاعدًا بلا عذر كتطوعه قائمًا في الأجر، وعَدَّ الشافعية ذلك من خصائصه ﷺ .
(ح-١٢٠٢) لما رواه مسلم من طريق جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى،
عن عبد الله بن عمرو، قال: حدثت أن رسول الله ﷺ ، قال: صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة، قال: فأتيته، فوجدته يصلي جالسًا، فوضعت يدي على رأسه، فقال: ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت: صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة، وأنت تصلي قاعدًا، قال: أجل، ولكني لست كأحد منكم (١).
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: هو عند أصحابنا من خصائصه ﷺ ، فجُعلت نافلته قاعدًا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا، تشريفًا له …
وقال القاضي عياض ﵀: معناه أن النبي ﷺ لَحِقَه مشقَّة من القيام لحطم الناس، وللسِّنِّ، فكان أجره تامًّا، بخلاف غيره، ممن لا عذر له.
وردَّ عليه النوويُّ، فقال: «هذا ضعيف، أو باطل؛ لأن غيره ﷺ إن كان معذورًا، فثوابه أيضًا كامل، وإن كان قادرًا على القيام، فليس هو كالمعذور، فلا يبقى فيه تخصيص، فلا يحسن على هذا التقدير (لست كأحد منكم)» (٢).
قال الحافظ: وهذا ينبني على أن المتكلم داخل في عموم خطابه، وهو الصحيح (٣).
* * *
стр. 3555
المبحث الثاني افْتَتَحَ النافلة قائمًا فأراد الجلوس من غير عذر
المدخل في المسألة:
• ما كان مستحبًّا لا يكون واجبًا بالشروع فيه إلا نفل الحج والعمرة.
•لا يوجد دليل من الشرع يلزم المتنفل بالقيام إذا شرع فيه قائمًا، والأصل عدم الوجوب.
• قالت عائشة: أهدي لنا حيس، فقال ﷺ : أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، فإذا جاز إبطال الصيام بعد الشروع فيه، جاز الجلوس في النفل بعد الشروع فيه قائمًا من باب أولى.
[م-٤٩٢] لا خلاف فيمن افتتح النافلة قاعدًا أن له أن يقوم فيها؛ لأنه انتقال من الأدنى للأعلى (١)، واختلفوا فيمن افتتحها قائمًا، ثم أراد أن يقعد:
فقال أبو حنيفة، وابن القاسم من المالكية، وهو المعتمد: يجوز، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وعليه عامة العلماء (٢).
قال ابن عبد البر: قال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي يجوز أن يقعد فيها
стр. 3556
كما يجوز له أن يفتتحها قاعدًا (١).
قال النووي: «هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وعامة العلماء، وسواء قام ثم قعد، أو قعد ثم قام … » (٢).
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وأشهب من المالكية: من افتتح النافلة قائمًا فليس له أن يجلس فيها إلا من عذر (٣).
وقيل: إن التزم القيام لم يجلس، وإن نوى الجلوس جلس، ذكره اللخمي (٤).
وقال ابن يونس في الجامع تعليقًا: لا يختلف في هذا قول ابن القاسم وأشهب؛ لأن من نوى شيئًا، ودخل فيه لزمه حكمه، وصار حكمه حكم من نذر شيئًا بلسانه، وإنما اختلفا إذا افتتحها قائمًا من غير نية.
وحكي لنا عن أبي عمران أن ذلك لا يلزمه بالنية، والدخول فيه، بخلاف الاعتكاف وصوم اليوم؛ لأن هذا لا يتجزأ، فيلزمه بالدخول فيه. والقراءة في الصلاة تتجزأ، وله إذا افتتح القراءة في الصلاة مع أم القرآن بسورة طويلة أن لا يتمها، ففارق صوم اليوم والاعتكاف» (٥).
(ح-١٢٠٣) ويشهد لقول أبي عمران، ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا قتادة،
أن أنس بن مالك، حدثه أن النبي ﷺ قال: إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه (٦).
стр. 3557
• دليل الجمهور على جواز الجلوس لمن دخل في النفل قائمًا وبالعكس:
الدليل الأول:
الأصل عدم الوجوب، فلا يوجد دليل من الشرع يلزم المتنفل بالقيام إذا شرع فيه قائمًا.
الدليل الثاني:
إذا كان النفل لا يجب بالشروع فيه، لقول عائشة: أهدي لنا حيس، فقال ﷺ : أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا (١)، فكذلك لا يجب القيام بالنافلة بالشروع فيه من باب أولى (٢).
الدليل الثالث:
ولأنه إذا جاز له القيام بعدما دخل في الصلاة جالسًا بالاتفاق،
(ح-١٢٠٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة، قالت: ما رأيت النبي ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا، حتى إذا كبر قرأ جالسًا، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون، أو أربعون آية قام فقرأهن، ثم ركع (٣).
стр. 3558
جاز له العكس، وهو أن يقعد بعدما دخل جالسًا.
• دليل من قال: إذا دخل فيها قائمًا لم يجلس:
الدليل الأول:
الواجبات نوعان: ما تُلُقِّيَ وجوبه من الشارع أصالة، كالصلاة المفروضة.
وما تُلُقِّيَ وجوبه من التزام العبد كالنذر، وكالشروع بالنفل على صفة معينة، والفرق أن النذر يجب بالقول، وغيره من النوافل يجب بالفعل، وهو الشروع.
وقياسًا على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة بالشروع فيهما، قال تعالى:
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، [البقرة: ١٩٦]، فإذا وجب إتمام نفل الحج والعمرة فغيرهما قياس عليهما.
وقد سبق الرد على هذه المسألة في مسألة وجوب إتمام تحية المسجد بالشروع فيها، فانظره هناك.
الدليل الثاني:
(ح-١٢٠٥) ما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق، قال:
سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، عن تطوعه؟ وفيه: .... كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ، وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا، ركع وسجد، وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين (١).
• ويجاب:
إذا جازت ثلاث صور بالنص جازت الصورة الرابعة بالقياس.
فحديث عبد الله بن شقيق، عن عائشة دل على جواز صورتين:
الأولى: أن يصلي قائمًا في كل تطوعه.
الثانية: أن يصلي قاعدًا في كل تطوعه.
وأما الصورة الثالثة: فدل عليها حديث عروة، عن عائشة: أن يصلي قاعدًا في أول تطوعه، ثم يقوم فيقرأ بعض القراءة، ثم يركع ويسجد قائمًا.
فهذه الصور الثلاث جاء النص بجوازها، ولم يختلف فيها.
стр. 3559
وتبقى الصورة الرابعة: أن يكون قائمًا في أول صلاته، ثم يجلس، ودليل الجمهور على صحة هذه الصورة بالقياس على عكسها، فإذا صح بالنص أن يقعد ثم يقوم، صح منه أن يقوم ثم يقعد، ولا دليل على لزوم الصفة بالشروع فيها، فهذا النبي ﷺ يدخل في الصلاة يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي فيتجوز فيها، والإطالة صفة في الصلاة فإذا جاز له تغيير ما التزمه بنيته جاز له الجلوس بعد أن كان قائمًا، فما كان من أفعال الصلاة ليس واجبًا كالقيام في النفل لا يتحول إلى واجب بمجرد الشروع، قياسًا على جميع أفعال الصلاة التي ليست واجبة.
* * *
стр. 3560
المبحث الثالث يسقط القيام بالعجز
المدخل إلى المسألة:
• جميع التكاليف مشروطة بالقدرة؛ إذ لا تكليف إلا بمقدور.
• إذا أمكن العاجز عن القيام استقلالًا، وأمكنه القيام مستندًا، أو متكئًا، كان هذا فرضه، فلا يجوز الانتقال عنه إلى القعود.
• القيام معتمدًا على شيء أقرب إلى القيام الواجب عليه من الجلوس.
• العجز عن بعض الأركان، إن كان له بدل انتقل إليه، كالقعود بدلًا عن القيام، والإيماء بدلًا عن الركوع والسجود، وإن لم يكن له بدل سقط.
• لا تؤخر الصلاة عن وقتها بالعجز عن بعض أركانها وشروطها.
• ما سقط من الأركان بسبب العجز أو الخوف فقد انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة إذا قدر.
[م-٤٩٣] يسقط القيام بالعجز عنه، وقد دل على ذلك النص والإجماع.
أما النص: فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
فالقدرة شرط في جميع التكاليف، فكل ما عجز عنه من شروط الصلاة وواجباتها فإنه يسقط بالعجز عنه حتى يصير إلى الإغماء، فيسقط جميع ذلك (١).
قال ابن تيمية: «فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه
стр. 3561
ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» (١).
وقال أيضًا: «الشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة» (٢).
ومن السنة دليل عام وخاص:
(ح-١٢٠٦) أما العام فلما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: .... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فَائْتُوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (٣).
(ح-١٢٠٧) وأما الخاص فلما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبِ (٤).
فدل الحديث على أن القيام لا يسقط فرضه في صلاة الفريضة إلا بالعجز عنه، فإذا عجز عن القيام استقلالًا، وأمكنه القيام مستندًا أو متكئًا فهذا فرضه، فلا يجوز الانتقال عنه مع القدرة عليه؛ لأن القيام معتمدًا على شيء أقرب إلى فرضه الواجب عليه من الجلوس.
فإذا لم يطق الصلاة قائمًا مستندًا صلى قاعدًا استقلالًا؛ لحديث عمران السابق، ولأن الجلوس هيئة من هيئات الصلاة فلم يجز له تركه مع القدرة عليه كالقيام.
فإن عجز عن الجلوس استقلالًا، ففرضه الجلوس مستندًا، ولا يسقط فرض القعود إلا بالعجز عنه، فإذا عجز عنه صلى على جنبه، وسوف يأتينا إن شاء الله صفة صلاة أهل الأعذار.
وأما الدليل من الإجماع: فقال ابن بطال في شرح البخاري: «العلماء مجمعون
стр. 3562
أن فرض من لا يطيق القيام أن يُصَلِّيَ الفريضة جالسًا» (١).
وقال ابن قدامة المقدسي: «أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسًا» (٢).
وكذلك نقل الإجماع ابن حزم في المحلى، والخطيب في مغني المحتاج (٣).
* * *
стр. 3563
المبحث الرابع ضابط العجز المسقط للقيام
المدخل إلى المسألة:
• العجز عن القيام لا يراد به عدم الإمكان، وحكي إجماعًا.
• كل ما لم يرد ضبطه في الشرع على وجه التحديد فالعمل به على وجه التقريب.
• ما لم يرد ضبطه بالتحديد من قبل الشارع أريد منه التوسعة؛ لتفاوت الناس في تحمل المشاق، فكان المصلي هو المحكم لا ذات المشقة.
• قاعدة: المشقة تجلب التيسير؛ من القواعد المتفق عليها في الجملة.
• الضابط في المشقة: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة، فإن كانت مثلها، أو أزيد، ثبتت الرخصة. انظر الأمثلة في البحث.
• المشقة الخفيفة وما قرب منها لا تسقط القيام، والعجز عن القيام وما قرب منه يسقطه، والاجتهاد فيما بين ذلك من المشاق.
• المشقة ليست علة لسقوط القيام، وإلا لسقط القيام عن الصحيح إذا شق عليه القيام، وإنما العلة هو المرض إذا كان مظنة لزيادة الألم، أو المرض، أو تأخر البرء، أو الذهول عن الخشوع والتدبر.
• المشقة التي لا تنفك عن العبادة كالوضوء في البرد والصوم في الحر والمخاطرة في النفس بالجهاد لا توجب تخفيفًا في العبادة؛ لأنه فرض معها.
• يشترط في الانتقال من القعود إلى الاضطجاع عذر أشق من الانتقال من القيام إلى القعود؛ لأن الاضطجاع منافٍ لتعظيم العبادات، بخلاف القعود فإنه مباح بلا عذر كما في التشهد، ولأن القعود أقل كلفة على المريض من القيام (١).
стр. 3564
[م-٤٩٤] المصلي الذي لا يقدر على القيام فهذا لا خلاف أنه يصلي قاعدًا ضرورة، ولا يكلف بالقيام؛ لأنه تكليف بما لا يطاق.
وأما المشقة الخفيفة التي لا يُخْشَى منها زيادةٌ في المرض، ولا تَأَخُّرٌ في البرء، ولا تلهي عن الخشوع في الصلاة، ولا عن تدبر الأذكار، فهذه لا تسقط القيام.
وهناك مشقة بين هاتين المرتبتين، فما دنا من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا، كحمى خفيفة لم يوجبه، ولا يوجد ضابط يمكن الرجوع إليه إلا بالتقريب، وقد ذكر القرافي أن المشاق تختلف باختلاف رتب العبادات فما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها، وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة.
وقد أشار الشيخ العز بن عبد السلام إلى أن الأولى في ضبط مشاق العبادات: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة، فإن كانت مثلها، أو أزيد، ثبتت الرخصة، وإن كانت أدنى منها لم توجب التخفيف.
ولذلك اعتبر في مشقة المرض المبيح للفطر في الصوم: أن يلحقه مشقة في الحضر بسبب المرض كمشقة الصوم في السفر.
وفي إباحة محظورات الإحرام: أن يحصل بتركها، مثل مشقة القمل الوارد فيه الرخصة.
وفي إباحة ترك القيام إلى القعود: أن يحصل به ما يشوش الخشوع وتدبر الأذكار، ولا يشترط فيها الضرورة، ولا العجز عن صورة القيام اتفاقًا (١).
قال القرافي: لا تشترط الضرورة، ولا العجز عن إيقاع صورة القيام إجماعًا (٢).
فإذا كان العجز لا يراد به معناه اللغوي: أي عدم الإمكان، فمتى يسمى المصلي عاجزًا شرعًا عن القيام؟
стр. 3565
اختلف العلماء في هذا:
فقيل: إذا غلب على ظن المصلي زيادةٌ في مرضه، أو تَأَخُرٌ في برئه، أو تَعَرُّضٌ لمشقة شديدة بسبب المرض صلى جالسًا، وهذا هو ضابط العجز عند الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والأصح عند الحنابلة (١).
وقيدت (المشقة) بسبب المرض؛ لأن الصحيح إذا لحقته مشقة فادحة بسبب القيام لا يسقط عنه القيام؛ لأن المشقة مشقة حالية تنقضي بانقضاء الصلاة، فهي خفيفة، فإن كان مع المشقة مرض صلى جالسًا؛ لأن المشقة مع المرض يخشى منها حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر برء ونحوه (٢).
• واستدل الجمهور على مذهبهم:
الدليل الأول:
من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ومن القواعد المتفق عليها: أن المشقة تجلب التيسير.
الدليل الثاني:
(ح-١٢٠٨) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن ابن شهاب،
عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا، فَصُرِعَ عنه فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاةً من الصلوات وهو قاعد، فصلينا وراءه قعودًا … (٣).
ورواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري به، وفيه: … فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا … الحديث (٤).
стр. 3566
وجه الاستدلال:
فقوله: (فحضرت الصلاة) أي حضر وقتها، وأل في (الصلاة) للعهد، لأنها هي التي تحضر بحضور وقتها، وتعقد لها الجماعة.
قال ابن قدامة: «والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام بالكلية، لكن لما شَقَّ عليه القيام سقط عنه» (١).
الدليل الثالث:
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
وجه الاستدلال:
فالمسافر أقوى على الصوم من المريض على القيام بالصلاة، والصوم أحد أركان الإسلام، فتقاس عليه الصلاة بجامع المشقة، وإن لم يتعذر عليه القيام.
الدليل الرابع:
ولأنه لو تحمل الصلاة، فقام، فزاد مرضه بسبب ذلك أَثِمَ؛ لأن الإنسان ممنوع من إلحاق الضرر ببدنه.
وقيل: ضابط العجز: أن يلحقه بالقيام مشقة تلهيه عن الخشوع وتدبر الأذكار، اختاره بعض المالكية، وبعض الشافعية (٢).
• ورد هذا القول:
بأن إذهاب الخشوع لا ينشأ إلا عن حصول مشقة شديدة، فلا فرق بين القولين (٣).
• واستدل أصحاب هذا القول:
الدليل الأول:
بأن مراعاة الخشوع وتحصيل التدبر في الصلاة مقصود من إقامة الصلاة،
قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
стр. 3567
وقال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
الدليل الثاني:
(ح-١٢٠٩) ما رواه مسلم من طريق يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق،
عن عائشة، قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (١).
(ح-١٢١٠) وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، قال: إذا حضر العشاء، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، وهذا لفظ مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
فمن أجْلِ كمال الخشوع قُدِّمَ الطعام على الصلاة، حتى ولو أقيمت الصلاة، فكيف إذا كان ألم المشقة مع القيام يذهب بأصل الخشوع أو أكثره.
وقيل: لا يصلي قاعدًا إذا أمكنه القيام، وهو رواية عن أحمد، وحكاه الباجي في شرح الموطأ (٣).
وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه صلى جالسًا (٤).
• ودليل هذا القول:
(ح-١٢١١) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (٥).
стр. 3568
فما دام قادرًا على القيام وإن كان بمشقة فالقيام واجب، وهذا القول أضعفها؛ لأن من قام في الصلاة، وهو يتوجع من القيام، ويذهله الألم عن إقامة حق الصلاة من خشوع وتدبر فهو لم يستطع شرعًا، والله أعلم.
* * *
стр. 3569
المبحث الخامس سقوط القيام بالخوف
المدخل إلى المسألة:
• قال الشافعي: ليس لمصلي المكتوبة أن يصلي راكبًا إلا في خوف (١).
• تأخير الصلاة يوم الخندق نُسِخَ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وهو من نسخ السنة بالقرآن.
• حذف المتعلق في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ليَعُمَّ، فيشمل الخوف حال القتال، ومن اللصوص، والسباع، ومن تفويت ما يخاف تفويته.
• الخوف عجز شرعي رخصة من الشارع في إسقاط بعض الأركان، بمنزلة العجز الحسي.
• الخوف لا يعتبر عذرًا في تأخير الصلاة عن وقتها فضلًا عن إسقاطها إلا أن تتعذر معه الصلاة.
• العجز عن بعض الأركان، إن كان له بدل انتقل إليه، كالقعود بدلاً عن القيام، والإيماء بدلاً عن الركوع والسجود، وإن لم يكن له بدل سقط.
• لا تؤخر الصلاة عن وقتها بالعجز عن بعض أركانها وشروطها.
• ما سقط من الأركان فقد انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة إذا قدر.
[م-٤٩٥] ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخوف عذر يسقط به القيام في الصلاة، فإذا خاف على نفسه، أو على ماله من عدو، أو قصده سبع، أو غشيه سيل يخاف منه على نفسه فهرب منه فإنه يصلي بالإيماء ماشيًا أو راكبًا، أو قاعدًا،
стр. 3570
واستحب المالكية إعادة الصلاة في الوقت بناء على ما قعدوه في المذهب، وسبق مناقشتهم (١).
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: الهارب من العدو ماشيًا، والراكب الذي يقاتل لا يصلي، فإن كان الراكب لا يقاتل ولم يتمكن من النزول صلى على دابته.
وقال أبو يوسف: يصلون بالإيماء تشبهًا ثم يعيدون (٢).
وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على دابته، وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول (٣).
وسبق بحث الصلاة حال المسايفة عند الكلام على استقبال القبلة.
وقد ذكر الماوردي أن الخوف يسقط به من فروض الصلاة ثلاثة أشياء:
أحدها: القيام في الصلاة إذا لم يقدر عليه.
الثاني: التوجه إلى القبلة إذا عجز عنه.
الثالث: استيفاء الركوع والسجود، ويعدل عنه إلى الإيماء إذا لم يمكنه، فلو قدر على بعضها، وعجز عن بعضها لزمه ما قدر عليه، وسقط عنه ما عجز عنه (٤).
стр. 3571
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
أي: إن خفتم فصلوا الصلاة (رجالًا) أي: ماشين على أرجلكم.
(أو ركبانًا) على الإبل وغيرها من المركوبات؛ لأن فرض الأرض يسقط بالخوف، فيصلي إيماء ماشيًا أو راكبًا.
وحذف المتعلق ليعم، فيشمل الخوف من العدو حال القتال، والخوف من اللصوص وقطاع الطرق، والخوف من السباع، أو من سيل يغرقه، فكل أمر يخاف منه فهو مبيح لما تضمنته هذه الآية كالخوف من فوات ما يتضرر بفواته أو تفويته (١).
واختلف العلماء في إعادة الصلاة بعد ذهاب الخوف، وقد تكلمت على المسألة حين الكلام على شرط استقبال القبلة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 3572
المبحث السادس في سقوط القيام من أجل المحافظة على الطهارة
المدخل إلى المسألة:
• شروط العبادة ليست أولى بالمراعاة من العبادة نفسها.
• العبادة تتكون من مجموعة أركانها، فالعبادة غاية، والشروط بمنزلة الوسيلة إليها، والغايات مقدمة على الوسائل.
• المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بأمر خارج عن العبادة.
• الطهارة إذا فعلت لا تبطل بالسلس كالمستحاضة؛ لبقاء حكمها.
• الجلوس يفعله المصلي باختياره مع قدرته على القيام فيؤاخذ بذلك، والريح يخرج من المصلي مغلوبًا، فليس من كسبه، فلا يُؤَاخَذُ به.
[م-٤٩٦] اختلف العلماء في مُصَلٍّ إنْ صلى قائمًا لم يتحكم بالريح، فتنتقض طهارته، وإنْ صلى جالسًا أمكن مقعدته، فحافظ على شرط الطهارة، أيراعي الركن فيصلي قائمًا، أم يراعي شرط الطهارة، فيصلي جالسًا؟
للعلماء فيها قولان، هما قولان في مذهب المالكية.
فقيل: يصلي قاعدًا، اختاره ابن عبد الحكم، وهو المعتمد في مذهب المالكية (١).
وجهه: أن المحافظة على الشرط أولى لأن الشرط يستمر من أول العبادة إلى آخرها، بخلاف الركن فهو جزء من العبادة في الجملة.
стр. 3573
وقد يستدل له أيضًا: أن الركن له بدل، وهو القعود، فينتقل إليه، بخلاف الطهارة في السلس فإنها تسقط إلى غير بدل فالمحافظة عليها أولى.
وقيل: يصلي قائمًا، اختاره سند من المالكية (١).
وجهه: أن القيام لا يسقط إلا بالخوف لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
أو بالعجز لحديث عمران (صَلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا)، رواه البخاري وسبق تخريجه، فإذا كان القيام مقدورًا بلا خوف فهو باقٍ على وجوبه، والطهارة إذا فعلها لا تبطل بالسلس؛ لبقاء حكمها.
ويمكن أن يستدل له أيضًا: أن الركن من ذات العبادة، والشرط خارج عنها، والمحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بأمر خارج عن العبادة.
ولأن الركن غاية؛ لكونه جزءًا من حقيقة الصلاة، والشرط وسيلة إليها، والغاية أولى بالمراعاة.
وقد يقال: إن الاختيار بينهما ليس على سبيل الوجوب، فللمصلي أن يفعل منهما ما شاء، فكل واحد من الفعلين له ما يُسَوِّغُه، وإنما البحث في أيهما أفضل في المراعاة؛ لأن كل واحد منهما آكد من الآخر من وجه، فله أن يتخير بينهما، كما قال ذلك بعض الفقهاء في صلاة العريان إن جلس ستر نفسه، وإن قام حافظ على ركن العبادة، فقالوا: يتخير بينهما، والله أعلم.
* * *
стр. 3574
المبحث السابع في المراوحة بين القدمين في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الأصل في القدمين أن تكونا على طبيعتهما حال القيام في الصلاة، بلا تفريج ولا إلصاق.
• المراوحة بين القدمين في الصلاة لا ينافي القيام الواجب؛ لأن الاعتماد فيها على القدم، وليس على أمر خارج.
• ما جاز فيه الاعتماد على كلتا القدمين جاز فيه الاعتماد على إحداهما؛ فلم يخرج المصلي بالمراوحة عن كونه معتمدًا على قدمه في الصلاة.
• المراوحة اليسيرة الأصل فيها الإباحة؛ لأنه ليس من عادة الناس في الصلاة إذا قاموا في الصلاة ألا يتحرك منهم شيء.
• المراوحة تأخذ حكم الحركة في الصلاة، فتنزل عليها أحكامها.
• المراوحة إذا أعانت على مشروع كانت مشروعة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
• المراوحة الكثيرة تستحب مع الحاجة وتكره بلا حاجة؛ لما فيها من الحركة، والتفريج بين القدمين، وإظهار الكسل، وعدم ترويض النفس على العبادة.
• المراوحة في النفل مع طول القيام مستحبة ما لم يلحقه تعب لا يدفع بالمراوحة؛ لقوله ﷺ : لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه. رواه مسلم.
تفسير المراوحة:
جاء في تفسير المراوحة قولان:
أحدهما: أن يعتمد على إحدى قدميه مرة، وعلى الأخرى مرة؛ مع وضع القدمين على الأرض دون رفع إحداهما، وهذا تعريف الحنفية، والشافعية
стр. 3575
والحنابلة، وأحد التفسيرين في مذهب المالكية (١).
القول الثاني: قال خليل في التوضيح: ترويح الرجلين: أن يرفع واحدة، ويعتمد على الأخرى (٢).
وبعض المالكية جمع بين القولين، فعرَّف المراوحة: بأن يعتمد على واحدة، ويقدم الأخرى غير معتمد عليها، أو يرفعها، ويضعها على ساقه (٣).
وإذا تأملت وجدت أن كلا الفعلين يَصْدُق عليه أن فيه مراوحة بين قدميه؛ لكون الاعتماد يقوم على إحدى قدميه ويُرِيح الأخرى، سواء أكان ذلك برفعها، أم بتخفيف الاعتماد عليها، وإن لم يرفعها، وإن كانت المراوحة في الصورة الأولى أخف من الصورة الثانية؛ لأن الصورة الأولى كلتا قدميه على الأرض، فهو أقرب إلى القيام المعتدل.
[م-٤٩٧] وقد اختلف الفقهاء في المراوحة:
فقيل: المراوحة أفضل، وهو مذهب الحنفية، وقطع بعض الحنابلة باستحبابه مطلقًا (٤).
وقال أحمد في رواية حرب، «وقد سأله، الرجل يصف بين قدميه أحب إليك، أم يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة؟ قال: يراوح بين قدميه أحب إليَّ، يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة» (٥).
«وقال الأثر: «رأيت أبا عبد الله يفرِّج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما» (٦).