ونفي البأس غاية ما يدل عليه هو الإباحة، وليس الاستحباب.
وقال ابن دقيق العيد: «الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة السرية جائز مغتفر، لا يوجب سهوًا يقتضي السجود» (١).
فجعله من الجائز المغتفر، وليس من الأمور المطلوب فعلها.
كما أن الشافعي يرى أن المقصود بالجهر ليس الجهر نفسه، وإنما لإعلام من خلفه أنه يقرأ، وحتى لا يظن أحد أن المشروع في الصلاة السرية السكوت بلا قراءة، كما ظن ذلك ابن عباس، فكان يسمعهم الآية أحيانًا لغرض التعليم، كما جهر بعض الصحابة بدعاء الاستفتاح لغرض التعليم، وليس الجهر فيه من السنة.
وقال النووي: «هذا محمول على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية، وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سنة، ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر، والله أعلم» (٢).
فهنا النووي جزم بأن الفعل لبيان الجواز، وساق القول بأنه فعله من غير قصد احتمالًا بصيغة التمريض، وفي شرح المهذب سوَّى بينهما.
قال في المجموع: «وهذا محمول على أنه لغلبة الاستغراق في التدبر يحصل الجهر بالآية من غير قصد، أو أنه فعله لبيان جواز الجهر، وأنه لا تبطل به الصلاة، ولا يقضي سجود سهو، أو أنه ليعلمهم أنه يقرأ، أو أنه يقرأ السورة الفلانية» (٣).
فالقول بأنه سبق لسان قول ضعيف؛ لأن الأصل في أفعال النبي ﷺ أنها مقصودة، وأفعاله التعبدية على التأسي، وحَمْلُ فعله على السهو من غير بيان لا يسوغ؛ لأنه يؤدي إلى أن يختلط المشروع بغيره، فلووقع من غير قصد لجاء البيان حفظًا للشريعة من التلبيس والخلط، وقد تعهد الله بحفظ الشريعة، وهذا ما فهمه الصحابي ﵁ من قوله: (يُسْمِعُنا) دليل على أن المصطفى كان يتقصد إسماعهم، والنووي أَخَّر هذا القول وساقه بصيغة التمريض، وعلى طريقة
стр. 4657
الاحتمال، فلم يكن هذا القول مقدمًا عند النووي.
والجزم بأنه جهر من أجل بيان الجواز قول ضعيف والله أعلم، فالأقوى منه القول بأنه أراد ليُعْلِمَ الأمة أنه يقرأ، وليقفوا على السورة التي كان يقرأ بها للتأسي، فإن حاجة الأمة إلى معرفة هذا لصحة صلاتهم أشد من حاجتهم إلى معرفة جواز الجهر بالسِّريَّة، فإنه لو لم يعرفه المصلي ما ضَرَّ صلاته، ولو كان الفعل لبيان جواز الجهر لجهر النبي ﷺ بكل القراءة، ولما اقتصر على آية منها، خاصة أن الجهر بآية لا ينافي السرية، فلا دلالة فيه صريحة على جواز الجهر بكامل القراءة إلا عن طريق دلالة القياس، وذلك بالقول بجواز الجهر بكامل القراءة قياسًا على جواز الجهر بالآية منها، وقد ينازع المخالف بهذه الدلالة.
قال ابن رجب: قوله: (كان يسمعنا الآية أحيانًا): ظاهره: أنه كان يقصد ذلك، وقد يكون فعله ليعلمهم أنه يقرأ في الظهر والعصر، فإنه حصل لبعضهم شَكٌّ في ذلك» (١).
قلت: يقصد به ابن عباس،
(ح-١٥٨٩) فقد روى أحمد وأصحاب السنن وغيرهم من طريق موسى بن سالم أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله، قال:
دخلت على ابن عباس، في شباب من بني هاشم فقلنا لشاب منا: سَلِ ابن عباس أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال: خَمْشًا هذه شَرٌّ من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بَلَّغَ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس.
[صحيح] (٢).
رووه من هذا الطريق على الجزم بأن النبي ﷺ لم يكن يقرأ في الصلاة السرية.
وجاء عنه على الشك، بأنه لا يدري أكان يقرأ أم لا.
(ح-١٥٩٠) رواه أحمد وأبو داود من طريق هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: قد حفظت السُّنَّةَ كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ ، يقرأ في الظهر والعصر، أم لا .... الحديث (١).
[صحيح] (٢).
стр. 4662
فلعل ابن عباس يجزم أحيانًا بأن النبي ﷺ لم يكن يقرأ؛ لأنه الأصل، وأحيانًا يسوقه بالشك لعدم ثبوت القراءة عنده، والشك والجزم يؤديان إلى القول بعدم مشروعية القراءة.
وصح عن ابن عباس القول بالقراءة في الصلاة السرية، فعلى هذا يكون المحفوظ عن ابن عباس قولين في المسألة (١).
وكون ابن عباس لم يقف على سنة القراءة، فإن من عَلِم حجةٌ على من لم يعلم، وإذا وقفت على غياب مثل هذه السنة الجلية عن ابن عباس، فاعتبر منها بأمرين:
أحدهما: التماس العذر في غياب بعض السنن عن بعض الأئمة، فلا تثريب بعد ذلك على أحد من أهل العلم إذا جهل سنة من السنن، فلا يستغرب خفاء أي شيء على أي عالم مهما يبلغ بعد هذه المسألة، فالله أبى أن يكون الكمال إلا له وحده، وفوق كل ذي علم عليم.
الثاني: أن الله قد يمتحن بعض الناس إذا خالف إمامهم سنة من السنن، أيتبعون إمامهم، أم يتبعون السنة؟ كما قال عمار عن عائشة: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم؛ لتتبعوه أو إياها. رواه البخاري (٢).
ومع سعة علم ابن عباس وفقهه لم يكن يتوسع بالقياس وإلا لقال بقياس السرية على الجهرية حيث لم يبلغه نص في السرية.
(ح-١٥٩١) وأما ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن الحسن يعني العرني، قال:
قال ابن عباس ما ندري أكان رسول الله ﷺ ، يقرأ في الظهر والعصر؟
стр. 4663
ولكنا نقرأ (١).
قال ابن الجوزي: «قوله: (ويسمعنا الآية أحيانًا): … وذلك لا يخرج الصلاة عن كونها صلاة إخفاء» (٢).
هذا أهم ما وقفت عليه من كلام فقهائنا عليهم رحمة الله تعالى، وهو يدور على احتمالين:
أحدهما: أكان حصول هذا بقصد من النبي ﷺ أم كان سماع أبي قتادة لقراءة النبي ﷺ لقربه منه، ولا يعني هذا أنه قصد الجهر بها، وقد تَسْمَعُ أحيانًا بعضَ قراءة من بجانبك، أو تسبيحه أو دعاءه، وإن لم يقصد بذلك الجهر، فلا يلزم من سماع قراءة بعض الآي من الإمام أن يكون قصد بذلك الجهر.
ويشكل على الثاني: أن ظاهر قول الصحابي: (ويسمعنا الآية)، أنه يسمع جميع المصلين لا بعضهم، وأنه يقصد إسماعهم، وهو الاحتمال الأقوى؟
الثاني: اختلافهم في الباعث على الجهر، والراجح فيه أن الجهر لإعلامهم بمشروعية القراءة في السرية، والوقوف على السورة التي كان يقرأ بها للتأسي بفعله ﷺ ، وأما القول بأنه فعله لبيان أن الإسرار في السرية سنة؛ وليس بواجب، فهو قول مرجوح، لأن ذلك لو كان هو المقصود لجهر بالقراءة كلها، ولم يقتصر بالجهر على آية من القراءة؛ لأن الجهر بالآية لا يخرج صلاته عن حد الإسرار، فلم يحصل المقصود من الجهر، والله أعلم.
стр. 4664
المبحث الثاني في السؤال عند آية الوعد والتعوذ عند آية الوعيد
المدخل إلى المسألة:
• الدعاء من جنس الذكر لا يبطل الصلاة فعله.
• كان النبي ﷺ في صلاة النافلة إذا مَرَّت به آية رحمة سأل، أو آية عذاب استعاذ.
• يستحب للمأموم في صلاة النافلة أن يؤمن على دعاء إمامه إذا سأل عند آية الرحمة، أو استعاذ عند آية العذاب، ما لم يمنعه ذلك من الاستماع والإنصات لقراءة إمامه، أو يشوش على غيره.
• ما فعله النبي ﷺ في النافلة، ولم يفعله في الفريضة، فإن نهى عنه في الفريضة اختص الفعل بالنافلة، وإن لم يَنْهَ عنه لم يحرم فعله في الفريضة؛ لعدم النهي عنه، ولم يستحب فعله مع ترك النبي ﷺ له، فيبقى على الإباحة.
[م-٦٠٧] إذا مَرَّ بآية رحمة هل يسأل؟ أو مَرَّ بآية تعوذ، هل يستعيذ؟
قال الحنفية: يكره للإمام والمأموم مطلقًا، في الفرض والنفل، وحسن في التطوع للفذ (١).
стр. 4665
وقال الشافعية والحنابلة: يستحب مطلقًا للإمام وللمنفرد وللمأموم في الفرض والنفل، ونسبه النووي للجمهور، وبه قال ابن حزم (١).
وقيل: يكره في الفرض، ويجوز في النفل، وهو رواية عن أحمد، ورجحه ابن هبيرة، وابن قدامة (٢).
قال ابن قدامة: «ويستحب للمصلي نافلة إذا مرت به آية رحمة أن يسألها، أو آية عذاب أن يستعيذ منها؛ لما روى حذيفة … وذكر الحديث … ولا يستحب ذلك في الفريضة؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ في فريضة، مع كثرة من وصف قراءته فيها» (٣).
واختار شيخنا ابن عثيمين ﵀ جوازه في الفريضة، واستحبابه في النافلة.
• دليل من قال: يكره للإمام والمأموم مطلقًا:
أما كراهته للإمام في الفريضة: فلأن النبي ﷺ لم يفعله في المكتوبات وكذا الأئمة بعده إلى يومنا هذا فكان من المحدثات.
وأما كراهته للإمام في النفل: فلأنه يثقل على من خلفه ويؤدي إلى تطويل الصلاة عليهم، وذلك مكروه.
ورأى ابن عابدين أن ذلك يصدق على التراويح؛ أما غيرها من نوافل الليل التي يقتدي به فيها واحد أو اثنان فلا يتم ترجيح الترك على الفعل، لما روينا: أي من حديث حذيفة السابق، اللهم إلا إذا كان في ذلك تثقيل على المقتدي، وفيه تأمل (٤).
стр. 4666
وأما كراهته للمأموم: فلأنه مأمور بالاستماع والإنصات لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
فإذا سأل وتعوذ لم ينصت.
(ح-١٥٩٢) واستدل بعضهم بما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،
عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم؟ تنظرون إِلَيَّ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث (١).
قال ابن حجر: أقصى ما تمسك به المانع حديث: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فهو محمول على ما عدا الدعاء جمعًا بين الأخبار (٢).
• دليل من قال: يستحب مطلقًا:
(ح-١٥٩٣) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،
عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيحٌ سَبَّحَ، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ .... الحديث (٣).
وجه الاستدلال:
أن ما صح في النافلة صح في الفريضة، إلا أن يأتي دليل يخص الفعل في
стр. 4667
الفريضة، كالصلاة على الراحلة فإنه ﷺ لما فعل ذلك في النافلة، قال الراوي: غير أنه لا يفعل ذلك في الفريضة، ولولا هذا الاستثناء لكان عموم الفعل في الصلاة يشمل الفريضة والنافلة؛ لأنهما عبادتان من جنس واحد، فما صح في إحداهما صح في الأخرى إلا بدليل.
• دليل من قال: يستحب في النافلة ويكره في الفريضة:
حديث حذيفة إنما ورد في صلاة الليل، فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد، وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي، فإنه لو كان ذلك مشروعًا في الفرائض أيضًا لفعله ﷺ ، ولو فعله لنقل، بل لكان نقله أولى من نقل ذلك في النوافل كما لا يخفى، وما تركه النبي ﷺ فالسنة تركه، فالترك من النبي ﷺ سنة كالفعل، فلا نتجاوز ما فعله النبي ﷺ .
ولأن القراءة في النفل يسن فيها التطويل، فإذا سأل عند آية الرحمة واستعاذ عند آية العذاب كان ذلك أحضر لقلبه، وأبلغ في التدبر بخلاف الفريضة فالسنة فيها التخفيف خاصة في الجماعة، والله أعلم.
• دليل من قال: يجوز في الفريضة، ويستحب في النافلة:
استدل شيخنا على ترك الفعل في الفريضة بأنه ليس مستحبًّا فيها.
فإن قال قائل: إذا كان كذلك فلماذا لا تكرهون فعله كما كرهه بعض أهل العلم في صلاة الفرض؛ لأن النبي ﷺ قال: صلوا كما رأيتموني أصلي؟ فإذا تركه في الفريضة فاتركوه.
فالجواب: أن ترك النبي ﷺ له لا يدل على تحريمه؛ لأنه لم يَنْهَ عنه في الفريضة، والدعاء من جنس الذكر لا يبطل فعله الصلاة، وقد قال النبي ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن.
لهذا نقول لا يستحب فعله في الفريضة، وفعله جائز ما لم يشق ذلك على المأمومين، وأما في النفل فهو مستحب، ولعل هذا القول هو أقواها، والله أعلم.
стр. 4668
المبحث الثالث في حكم قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الألفاظ أقسام: منها ما يعتبر معناه دون لفظه كألفاظ العقود، ومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه دون العجز عنه، كالتكبير، والتسبيح، والدعاء في الصلاة، ومنها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى.
• العلماء مجمعون على أن القرآن هو اللفظ والمعنى، ولا يُعَدُّ المعنى وحده قرآنًا، وبهذا فارق القرآن الحديث القدسي.
• المطلوب في الصلاة قراءة القرآن، لا قراءة معناه.
• ما كتب بلغة العجم من تفسير للقرآن لا يوصف بكونه منزلًا، ولا بكونه قرآنًا، ولا بكونه عربيًّا، ولا بكونه كلام الله الذي تكلم به سبحانه.
• قال إمام الحرمين: ترجمة القرآن ليست قرآنًا بإجماع المسلمين كما أن تفسير شعر امرئ القيس ليس شعره.
• إذا عجز الإنسان عن قراءة القرآن انتقل إلى بدله، وهو الذكر من تسبيح، وتهليل، وتحميد، ولم يجعل الله بدل القرآن تفسيره، ولا ترجمته إلى لغة أخرى.
[م-٦٠٨] اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: تجوز مطلقًا مع الكراهة، سواء أكان يحسن العربية أم كان لا يحسنها، وهو قول الإمام أبي حنيفة، ويروى رجوعه عنه (١).
стр. 4669
وقيل: لا تجوز القراءة بها مطلقًا، وبهذا قال الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، واختاره ابن حزم من الظاهرية (١).
وقيل: إن كان يقدر على قراءة القرآن بالعربية فلا يجوز، وإن كان لا يحسن العربية جاز، وهو قول للحنابلة، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو المعتمد في المذهب، ويروى رجوع أبي حنيفة في أصل المسألة إلى قولهما، ذكر ذلك في الهداية شرح البداية وفي البحر الرائق، وفي غيرهما، وإذا رجع العالم عن قوله لا يعد ذلك المرجوع عنه قولًا له (٢).
• دليل من قال: لا تجوز مطلقًا:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢].
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣].
وجه الاستدلال:
قال تعالى: ﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ فالأعجمي ليس بقرآن، وما كتب بلغة العجم فليس متصفًا بكونه منزلًا، ولا بكونه قرآنًا، ولا بكونه عربيًّا، ولا يوصف بكونه كلام الله الذي تكلم به سبحانه، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] فهو في أحسن حاله أن يكون ترجمة تفسيرية، وتفسير القرآن ليس قرآنًا.
وقد نقل النووي عن إمام الحرمين قوله: «ترجمة القرآن ليست قرآنًا بإجماع
стр. 4670
المسلمين، ومحاولة الدليل لهذا تكلف، فليس أحد يخالف في أن من تكلم بمعنى القرآن بالهندية ليست قرآنًا، وليس ما لفظ به قرآنًا، ومن خالف في هذا كان مراغمًا جاحدًا، وتفسير شعر امرئ القيس ليس شعره، فكيف يكون تفسير القرآن قرآنًا» (١).
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
فأمر الله بقراءة القرآن في الصلاة، والقرآن على اتفاق السلف: هو كلام الله تلقاه جبريل عن الله سبحانه، وبَلَّغَه جبريل إلى النبي ﷺ ، وبَلَّغَه النبي ﷺ إلى أمته، وتجويز قراءة ترجمة القرآن في الصلاة بدلًا عن القرآن من باب إثبات بدل الواجب، والأبدال في الواجبات الشرعية لا تصح إلا بتوقيف، ولا يوجد نص من الشارع يُجَوِّزُ قراءة ترجمة القرآن بدلًا من القرآن، والأصل في العبادات المنع.
الدليل الثالث:
(ح-١٥٩٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام، يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ ، وكدت أن أَعْجَلَ عليه، ثم أَمْهَلْتُهُ حتى انصرف، ثم لَبَّبْتُهُ بردائه، فجئت به رسول الله ﷺ ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها، فقال لي: أرسله، ثم قال له: اقرأ، فقرأ، قال: هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لم ينكر على عمر اعتراضه على قراءة هشام بن حكيم، فلو جازت الترجمة لأنكر عليه اعتراضه في شيء جائز.
الدليل الرابع:
الألفاظ أقسام: منها ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ العقود والطلاق والنكاح،
стр. 4671
فتصح بلغة أهلها، ولو كان قادرًا على العربية على الصحيح.
ومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه دون العجز، كالتكبير، والتسبيح، والدعاء في الصلاة، فهذه الألفاظ توقيفية، ولا إعجاز في لفظها، فتجب مع القدرة، وتجوز بغير العربية مع العجز.
ومنها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ لإعجازه بلفظه ومعناه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى، فالعلماء مجمعون على أن القرآن هو اللفظ والمعنى، وليس المعنى وحده يُعَدُّ قرآنًا، وبهذا فارق القرآن الحديث القدسي الذي كان معناه منسوبًا إلى الله، ولفظه منسوبًا للرسول ﷺ ، والإعجاز من حيث اللفظ يزول بزوال النظم العربي؛ لأن المعتمد في إعجاز القرآن هو اللفظ من حيث جزالة أسلوبه وفصاحته المجاوزة لحدود جزالة العرب، والجزالة والأسلوب يتعلقان بالألفاظ، وأما المعنى فهو تابع للفظ، ولهذا تحدى الله العرب أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، فلما كانت العشر مفتريات كانت من حيث المعنى لن تماثل الصدق، فدل على أنه تحداهم أن يأتوا بمثله من حيث اللفظ، وأن الإعجاز كان بألفاظه، والمعنى تبع.
ولا خلاف أن القرآن معجز، وليست ترجمته معجزة، فلا تكون الترجمة قرآنًا؛ لانعدام الإعجاز، ولهذا لا تشترط الطهارة لمس المترجم خلافًا للأصح عند الحنفية، ولا تحرم قراءته من الجنب، ولا يحنث بها من حلف لا يقرأ القرآن (١).
الدليل الخامس:
إذا عجز الإنسان عن قراءة القرآن انتقل إلى بدله، وهو الذكر من تسبيح، وتهليل، وتحميد، ولم يجعل الله بدل القرآن تفسيره، ولا ترجمته في لغة أخرى.
(ح-١٥٩٥) فقد روى أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي،
عن ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني
стр. 4672
لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ، فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني وارزقني، ثم أدبر وهو ممسك كفيه. فقال النبي ﷺ : أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير (١).
[أرجو أن يكون حسنًا] (٢).
الدليل السادس:
(ح-١٥٩٦) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده،
стр. 4677
عن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف صلاته … وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: .... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كَبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبره (١).
[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله … إلخ) يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف] (٢).
قال الخطابي: «فإن كان رجلٌ ليس في وسعه أن يتعلم شيئًا من القرآن؛ لعجزٍ في طبعه، أو سوءِ حفظه، أو عجمةِ لسانٍ، أو آفةٍ تعرض له؛ كان أولى الذكر بعد القرآن ما علَّمه النبي ﷺ من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أفضل الذكر بعد كلام الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)» (١).
стр. 4681
الدليل السابع:
الصلاة مبناها على التعبد والاتباع، والنهي عن الاختراع، وهذا يسد باب القياس، وإذا كان النبي ﷺ قد منع تغيير ألفاظ الأذكار المقيدة، ولو كانت بألفاظ عربية، فما بالك بتغير ألفاظ كلام الله ونقل معناه إلى لغة أخرى ومن كلام البشر، فالفرق بين كلام الله وكلام غيره، كالفرق بين الخالق والمخلوق.
(ح-١٥٩٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال:
حدثني البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت .... قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت (١).
فمنع الرسول ﷺ من استبدال لفظ النبي بالرسول، مع أن كل رسول فهو نبي.
• دليل من قال: تجوز قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة مطلقًا:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
والعجم لا يعقلون الإنذار إلا بترجمة القرآن.
• ونوقش بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
ليس في الآية دليل على أن المترْجَمَ يجوز التعبد به بالصلاة، وهذا موضع النزاع، وإنما في الآية نص على جواز الإنذار بالقرآن، وباب الإنذار والبلاغ يختلف عن باب التعبد بالألفاظ، فالإنذار والبلاغ بابه أوسع، وفهمه ركن مقصود؛ لقيام الحجة عليهم، ويحصل لهم البلاغ بترجمة تفسير القرآن في لغتهم، وتفسير القرآن
стр. 4682
ليس قرآنًا، بخلاف الصلاة، فإن التعبد بالقراءة فيها متعين، ولا يجوز بغير ما أنزل الله، سواء أفهم المصلي ما يقرؤه أم لا، فلو أن عربيًّا عجز عن حفظ الفاتحة لم يتعبد الله في صلاته بقراءة تفسيرها، ولو أبدل كلمة عربية بأخرى مرادفة لها ولو كانت عربية لم يكن ذلك قرآنًا، فكذلك الأعجمي.
وإنما قلنا: ترجمة تفسير القرآن؛ لأن ترجمة القرآن ترجمة حرفية والتي تعني إبدال لفظة بلفظة أخرى تقوم مقامها غير ممكنة بخلاف التفسير، فإن القرآن كما يفسر بالعربية، يفسر باللغات الأخرى، وجميع التفسيرات ليست قرآنًا، ولأن الترجمة الحرفية تؤدي إلى ادعاء إمكان وجود مثلٍ للقرآن، وكل مثلٍ للقرآن فهو مستحيل، ويلزم منه تكذيب قوله ﵎: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
الوجه الثاني:
قال أبو الطيب الطبري: «الإنذار للأعجمي بالقرآن حصل به، وإن كانت الترجمة طريقًا إلى معرفة ذلك، كما أن قاضيًا لو شهد عنده شاهدان بالعجمية، وترجم له عن شهادتهما، فإن الحق يثبت عنده بشهادتهما، لا بالترجمة عنهما، يدل على ذلك أنهما لو رجعا عن الشهادة بعد استيفاء الحق بها لألزمهما القاضي الغرم، ولم يلزم المترجم شيئًا» (١).
الدليل الثاني:
(ح-١٥٩٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: وفيه: .... قال رسول الله ﷺ : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (٢).
وجه الاستدلال:
فإذا كان بنو تميم وهوازن وعرب اليمن لم يلزموا بتعلم لغة قريش لغة القرآن،
стр. 4683
بل أبيح لهم أن يقرؤوا القرآن بلغتهم، مع أنه من السهل عليهم أن يروضوا ألسنتهم على لسان قريش، فغير العرب أولى وأحرى.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن القرآن أُنْزِل على سبعة أحرف، وهي مسموعة من النبي ﷺ ، ونقلت نقلًا صحيحًا، وكل هذه القراءات عربية منزلة، بخلاف المترجم إلى لغة العجم ترجمة حرفية، فهذه لم تسمع، فلا هي عربية ولا هي منزلة، بل هي محدثة، فالرسول ﷺ وجميع الصحابة ما قرؤوا في الصلاة إلا بهذا القرآن العربي، فوجب علينا اتباعهم، وإذا كانت الألسن المخالفة للعربية ليست من السبع، فكيف تجوز القراءة بها؟
الوجه الثاني:
أن القراءات الواردة لا تصح القراءة بها عند أئمة القراء إلا بثلاثة أركان: أن يصح سندها، وأن توافق رسم المصحف العثماني، وأن توافق العربية ولو في وجه من الوجوه، فإذا اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة لم تصح القراءة بها، واعتبرت من القراءات الشاذة، ولو كانت عربية، وأنتم تقولون يجوز القراءة بكل لسان، فكان الاستدلال أعمَّ من الدليل.
الدليل الثالث:
قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا﴾ [فصلت: ٤٤]
وجه الاستدلال:
دلت الآية على جواز تسمية الأعجمي قرآنًا (١).
• ونوقش:
هذا من غريب الاستدلال، فالآية تثبت عربية القرآن، وتنفي عنه العجمة، فالقرآن كله عربي، كما قال تعالى في الآية الثانية: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، فكل حرف في القرآن فهو عربي، سواء أكان عربيًّا بالأصالة، أم كان عربيًّا بالتعريبِ، واستعمالِ العرب، ولا يصح الاستدلال بالقدرة الإلهية أن الله لو
стр. 4684
شاء لجعله قرآنًا أعجميًّا فليس البحث في القدرة الإلهية، فالله قادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء سبحانه، وإنما شاء الله قدرًا أن ينزله قرآنا عربيًّا، كما شاء الله أن يجعل خاتم الأنبياء والرسل من العرب، ولو شاء الله لجعله من العجم، فالمترْجَمُ ليس هو القرآن الذي تكلم الله فيه، وأنزله على رسوله ﷺ ، وتحدى به العرب بأن يأتوا بسورة من مثله.
الدليل الرابع:
أن القرآن يبقى قرآنًا ولو ترجم بغير العربية، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. [الأعلى: ١٨؛ ١٩]
فلما كانت معاني القرآن موجودة في هذه الكتب، وهي كتب غير عربية، صح أن يقال: إنه فيها، فكذلك الترجمة حيث تشتمل على معاني القرآن.
• ونوقش:
بأن الموجود في الزبر الأولى ذكره، ووصفه، والإخبار عنه، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
الدليل الخامس:
نسب إلى كتاب النهاية والدراية أن الفرس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكانوا يقرؤون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم للعربية، وقد عرض ذلك على النبي ﷺ ، ولم ينكر عليه.
[لا أصل له، فلم يوقف له على إسناد] (١).
стр. 4685
ولو صح ذلك عن سلمان ﵁ فإنه كتب تفسيرها، لا حقيقة الفاتحة، وقد تضاربت ألفاظ الرواية عن سلمان، فكان في بعضها أنه نقل ترجمة البسملة فقط، ذكر ذلك الزقاني في مناهل العرفان (١).
стр. 4686
الدليل السادس:
أن القرآن ذكر، فقامت ترجمته مقامه كالشهادتين في الإسلام، وقياسًا على جواز الذبح والتلبية والتسبيح والتكبير بالفارسية، وقياسًا على خطبة الجمعة حيث تصح بغير العربية.
• وَرَدُّ هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
عدم التسليم بصحة الشهادة والذبحة والتلبية والتكبير وخطبة الجمعة بالفارسية، فالمسألة خلافية، ولا يصح الاحتجاج على المخالف بمسألة خلافية، بل الحجة هو الدليل، فأين الدليل على جواز مثل ذلك بغير العربية.
الوجه الثاني:
على التسليم بجواز الشهادة والذبح والتلبية بغير العربية فهناك فرق بين المسألتين، فالمقصود من هذه الأمور المعاني دون الألفاظ بخلاف القرآن.
فالمراد من الشهادتين معرفة اعتقاده الباطن، والعجمية كالعربية في تحصيل ذلك، ذكره النووي في المجموع (١).
والمقصود من خطبة الجمعة ذكر الله تعالى والموعظة، ولذلك جازت بكل كلام أدى هذا المعنى.
وكذلك يقال في التلبية والذكر عند الذبح، والتسبيح بالأعجمية، بخلاف القرآن فإن المقصود هو لفظه، بأن يتعبد المصلي بالتقرب إلى ربه ومناجاته بتلاوة كلامه، والمعنى تبع له، والمترجم ليس هو كلام الله، فافترقا.
الوجه الثالث:
على القول بالصحة فإن الجواز ليس مطلقًا، بل مشروطًا بعدم القدرة على العربية، وقد سبق بيان خلاف العلماء في التكبير بلغة العجم، وعرضت أدلة الخلاف، ورجحت أنه لا يجوز التكبير بغير العربية للقادر على ذلك، وهو قول الجمهور، فانظر: أدلة الخلاف في موضعه.
стр. 4687
الدليل السابع:
من القياس، حيث أجازوا ترجمة القرآن قياسًا على جواز ترجمة حديث النبي ﷺ .
• ونوقش:
لا يجوز قياس الأدنى على الأعلى، فالقرآن مقصود لفظه ومعناه، ولا تجوز قراءة معناه في الصلاة، والحديث معتبر معناه دون لفظه؛ لأنه لا إعجاز فيه، ولم نتعبد بلفظه إلا ما كان منه من أذكار العبادة فإن لفظه مقصود مع القدرة.
الدليل الثامن:
قال مالك: أقرأ عبد الله بن مسعود رجلًا: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣]، فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فقال ابن مسعود: طعام الفاجر (١).
• ويناقش:
بأن ابن مسعود قال ذلك على وجه التفسير، ولم يقل للرجل: قل ذلك في الصلاة، والله أعلم.
الدليل التاسع:
أن المقصود من إقامة الصلاة إقامة ذكر الله : قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
والمقصود من قراءة القرآن هو التدبر لمعانيه، والاعتبار بمواعظه، وامتثال أوامره، والوقوف عند نواهيه، فالمصلي إذا كان أعجميًّا لن يفهم شيئًا من القرآن البتة، أما إذا قرأ القرآن بالفارسية فقد فهم المعنى، وأحاط بالمقصود، وعرف ما فيه من الثناء على الله، ومن الترغيب في الآخرة، والتنفير عن الدنيا، ومعلوم أن العبادات ومنها الصلاة المقصود منها حصول هذه المعاني، وإن كانت قراءةَ ترجمةٍ
• دليل من قال: الترجمة تجوز للعاجز دون القادر:
من قدر على قراءة القرآن بالعربية لم تصح صلاته بغير ذلك؛ لأن الواجب لا يتأدى مع القدرة إلا باللفظ والمعنى؛ ولأن القرآن معجز بلفظه ومعناه.
ومن عجز عن اللفظ، وقدر على المعنى بلغته صح ذلك منه؛ لأن التكليف مع
стр. 4688
القدرة، وعجزه عن اللفظ يسقط عنه اللفظ وحده؛ لأن الواجبات تسقط بالعجز، ولا يسقط عنه ما قدر عليه من القراءة بالمعنى، وذلك يعني جواز قراءة ترجمة القرآن بالعجز.
• ونوقش هذا:
بأن العبادات إذا عجز عنها، فمنها ما يسقط بالعجز، كما يسقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط عن العاجز فرض زكاة الفطر، فإذا عجز عنها وقت الوجوب سقطت، ولم تثبت في ذمته حتى لو تمكن بعد ذلك لم تلزمه.
ومنها ما يسقط إلى بدل، وإذا نص على البدل تعين، فلا يجوز الانتقال إلى غيره، كما في التيمم فإنه بدل عن طهارة الماء عند تعذر استعماله، والإطعام بدل عن فرض الصيام إذا عجز عنه، ومنه قراءة الفاتحة في الصلاة، فإن الشارع قد نَصَّ على البدل: وهو التسبيح والتحميد والتهليل كما مَرَّ معنا، فإيجاب بدل لم يَنُصَّ عليه الشارع يعتبر من تبديل الشريعة كإيجاب ترجمة القرآن بدلًا عن قراءة القرآن، ففي ذلك محذوران: ترك البدل المنصوص عليه، وتشريع بدل لم يَدُلَّ عليه دليل، والله أعلم.
• الراجح:
أنه لا يجوز قراءة ترجمة القرآن في الصلاة مطلقًا، سواء أكان قادرًا على العربية أم كان عاجزًا، إلا أن العاجز له أن يقوم بالتسبيح والتحميد والتهليل بدلًا عن قراءة القرآن، والتسبيح والتحميد تجوز ترجمته للعاجز عن العربية، والله أعلم.
стр. 4689
المبحث الرابع في القراءة الشاذة
الفرع الأول في تعريف القراءة الشاذة
المدخل إلى المسألة:
• القراءة والقرآن حقيقتان متغايرتان، فقد يجتمعان، وقد يفترقان.
• كل قرآن قراءة، وليس كل قراءة قرآنًا.
• لا نزاع بين العلماء أن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن، بل هي جزء من الأحرف السبعة.
• المصاحف العثمانية جزء من الأحرف السبعة، وليست هي الأحرف السبعة.
• الصحيح في القراءة الصحيحة: أنها محدودة بالوصف، وليست معدودةً في قراءة أئمة بأعيانهم ما خالفها فهو الشاذ.
• ما خالف القراءة الصحيحة قد يكون شاذًّا، وقد يكون ضعيفًا، وقد يكون باطلًا.
قبل تعريف القراءة الشاذة ينبغي لنا أن نعرف القراءات اصطلاحًا، ثم نذكر تعريف القراءة الشاذة فرعًا عنها.
تعريف القراءات اصطلاحًا (١):
стр. 4690
القراءات: علم يعرف منه اتفاق الناقلين لكتاب الله، واختلافهم في اللغة، والإعراب، والحذف، والإثبات، والتحريك، والإسكان، والفصل والاتصال، وغير ذلك من هيئة النطق، والإبدال من حيث السماع.
أو يقال: علم يعرف منه اتفاقهم واختلافهم في اللغة والإعراب، والحذف والإثبات، والفصل والوصل، من حيث النقل (١).
وعرفها الشيخ عبد الفتاح القاضي:
بأنه علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا واختلافًا مع عزو كل وجه لناقله (٢).
فتبين من تعريفها أنها علم يشتمل على:
كيفية النطق بألفاظ القرآن، وكتابتها.
بيان مواضع اتفاق نقلة القرآن واختلافهم.
وعزو كل كيفية من كيفيات أداء القرآن إلى ناقلها، وتمييز الصحيح والشاذ منها.
وإذا عرفنا القراءات، فما تعريف القراءة الشاذة؟
يحسن أن نذكر إشارات تمهد لنا معرفة الوقوف على مواضع الاتفاق لننتقل
стр. 4691
منها إلى مواضع الاختلاف:
فالعلماء متفقون على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
(ح-١٥٩٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: وفيه: .... قال رسول الله ﷺ : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (١).
(ح-١٦٠٠) وروى الشيخان من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود،
عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ ، قال: أقرأني جبريل على حرف، فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف (٢).
ولا نزاع بين العلماء أن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن.
يقول ابن تيمية: «القراءات المنسوبة إلى نافع، وعاصم ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، وذلك باتفاق علماء السلف والخلف … (٣).
стр. 4692
واختلف المتأخرون في المصحف العثماني الذي أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعون لهم بإحسان، والأمة بعدهم، أهو حرف من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، أم هو مجموع الأحرف السبعة؟ على قولين مشهورين، أصحهما، والذي عليه جماهير العلماء من السلف، والخلف وأئمة المسلمين أن المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، وليست مجموع الأحرف السبعة، ورجح ذلك ابن الجزري، وابن تيمية وغيرهما خلافًا لبعض الفقهاء وبعض القراء، وبعض المتكلمين (١).
وعلى هذا يوجد قراءات خارج القراءات السبع، والعشر تعتبر قراءات صحيحة، بل قد تكون أصح من القراءات السبع.
стр. 4693
وإذا كان ذلك كذلك: فما هو الضابط في الحكم على قراءة بأنها قراءة صحيحة؟
وإذا حكمنا على قراءة ما بأنها شاذة، فهل يجوز القراءة بها في الصلاة؟
وإذا كان لا يجوز القراءة بها في الصلاة، فهل تكون حجة في استنباط الأحكام باعتبارها خبرًا من الأخبار؟
هذا ما سوف أعرج عليه في مباحث هذه الفقرة من البحث، وإن كانت هذه المسألة يطلب بحثها في علوم القرآن، فالمرجع في كل فن إلى خاصة أهله، وإن أُدْرِجَت هذه المسألة ضمن مباحث أصول الفقه حيث تذكر في مباحث دليل الكتاب، وليست من مسائل الفروع، إلا أن خوض بعض المتكلمين في المسألة يستفاد منه على حذر، فإن كلامهم للتنظير وليس لكثير منهم ممارسة من جهة التطبيق العملي، كخوضهم في شروط الحديث الصحيح وزيادة الثقة والشاذ، والموقف من تعارض الوصل والإرسال، والإسناد والوقف، فكان كلام كثير منهم لا علاقة له بما جرى عليه عمل أئمة العلل من المحدثين والذين يتعاملون مع الأحاديث فردًا فردًا، كما يتعامل الفقيه مع فروعه.
فلنأخذ هذه المسائل مسألة مسألة، وليكن المدخل إليها في تعريف القراءة الصحيحة من القراءة الشاذة.
تعريف القراءة الشاذة:
[م-٦٠٩] اختلف العلماء في تعريف القراءة الشاذة على أقوال، أصحها ما اختاره جمهور المحققين:
يقول ابن الجزري في معرفة ضابط القراءة الصحيحة من القراءة الشاذة: «كل قراءة وافقت العربية، ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اخْتَلَّ ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء أكانت عن السبعة، أم كانت عمن هو أكبر منهم» (١).
стр. 4694
ويقول أبو شامة: «فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مرارًا من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها، وموافقتها خط المصحف، ولم تنكر من جهة العربية، فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض».
ويقول ابن القيم: «لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإمام، وصحت في العربية، وصح سندها جازت القراءة بها، وصحت الصلاة بها اتفاقًا» (١).
فذكروا ثلاثة شروط أو أركان للقراءة الصحيحة:
الركن الأول: أن يصح سندها، وبعضهم اشترط مع صحة الإسناد أن تنقل نقلًا متواترًا أو مستفيضًا (٢).
فما لم يصح سنده منها لا تثبت قراءةً، ولا يقرأ بها، وإن كان بعضهم يصفها بالقراءة الشاذة، فالذي يظهر لي أن ما لا يثبت قراءة لا توصف بالشذوذ، فإما أن تكون ضعيفة أو باطلة، وليس الشاذ في القراءة كالشاذ في الحديث، فالشاذ في القراءة قد تثبت قراءة، ولكن لا يقطع الباحث بقرآنيتها، ولا بعدمه؛ لعدم الإجماع عليها كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والشاذ في الحديث لا يعتبر به؛ لأنه من قبيل الوهم؛ لمخالفة الثقة من هو أوثق منه في مخرج الحديث (٣).
стр. 4695
فيكون قول ابن الجزري: متى اخْتَلَّ ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.
الراجح أن (أو) على التقسيم، وليس على التخيير، فالبطلان: إذا كانت القراءة لم تصح سندًا، ولم توافق وجهًا بالعربية.
والضعيفة: ما كان إسنادها ضعيفًا، وإن وافقت العربية، ورسم المصحف.
والشاذ: ما صح إسنادها، ووافقت العربية، وخالفت الرسم.
الركن الثاني: أن توافق العربية ولو بوجه، بأن يلتمس لها شاهد أو نظير تقاس عليه، أو لهجة ترد إليها، أو تأويل أو توجيه تُحمل عليه.
الركن الثالث: أن توافق في الرسم أحد المصاحف العثمانية، سواء أكان مدنيًّا أم كوفيًّا أم شاميًّا، أم مصريًّا، ولا يشترط أن توافقها كلها، فقد توافق المصحف المدني، وتخالف الكوفي.
يقول القرطبي: «وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم، وينقصها بعضهم، فذلك لأن كلًّا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه؛ إذ قد كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ، ولم يكتبها في بعض، إشعارًا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة» (١).
فإن لم توافق أحد هذه المصاحف، بل خالفتها كلها فقد دخل في رسم الشاذ عند جمهور العلماء.
وقيل في تعريف الشاذ:
قال السيوطي في الإتقان: الشاذ: «وهو ما لم يصح سنده» (٢).
فما صح سنده، وخالف العربية ورسم المصحف لم يكن شاذًّا عند السيوطي، بل يسميه آحادًا.