← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

تفسد صلاته؛ لأنه أتى بفرض القراءة المجزئة، فالفساد لا يكون من قراءة الشاذ، بل من تركه القراءة المتواترة. وقال بعض الحنابلة: إذا قرأ قراءة صحيحة فقد تحقق وجود الفرض المجزئ في صلاته، وشك في وجود المبطل؛ والأصل عدمه. ولأن القراءة الشاذة تكون حينئذٍ بمنزلة الذكر في الصلاة، فلا تبطل به الصلاة، وهذا التعليل يلزم منه أن يدع من القراءة الشاذة ما يتعلق بالأخبار؛ لأنه لا يصدق عليه أنه من الأذكار، فيكون كالكلام في الصلاة، فيخشى منه إفساد الصلاة. يقول قاضي خان في فتاويه: «ولو قرأ في صلاته ما ليس في مصحف الإمام نحو مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما إن لم يكن معناه في مصحف الإمام، ولم يكن ذلك ذكرًا، لا تهليلًا تفسد صلاته؛ لأنه من كلام الناس، وإن كان معناه ما كان في مصحف الإمام تجوز صلاته في قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، ولا تجوز في قياس قول أبي يوسف ﵀ أما عند أبي حنيفة فلأنه يُجَوِّزُ قراءة القرآن بأي لفظ كان ومحمد يُجَوِّزُ بلفظ العربية ولا يُجَوِّزُ بغيرها» (١). • الراجح من الخلاف: أن ما خالف المصحف العثماني مما صح سنده، ووافق العربية لا يقطع بقرآنيته، ولا نقطع بعدمها، فنثبته قراءة، ونستفيد منه بالأحكام والتفسير، ونحتاط للصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، فلا نصلي به، فإن صلى به أحد لم نتجرأ على بطلان صلاته بالشك، أصل المسألة: أن القراءة الشاذة أهي مما نقطع بخطأ ناقلها لكونها تتوافر الدواعي على نقلها عادة أم لا نقطع بخطئه ولا نجزم بصوابه، فلو وافقت المصحف المجمع عليه لقبلت قراءة وقرآنًا حتى ولو لم تتواتر؛ لعدالة ناقلها، وموافقتها ما أجمع عليه من الصحابة، أما وقد خالفت الرسم، وكانت آحادًا فيتوقف في

стр. 4727

قرآنيتها، ولا نعطل الاستفادة منها في التفسير والأحكام، وإنما لم تكن الاستفاضة شرطًا في الصدر الأول فذلك لأن الإسناد كان عاليًا، فكلما نزل تطرق إليه احتمال الخطأ والوهم، ويقوى ذلك بمخالفته الرسم، ولذلك الإمام أحمد في رواية عنه قَبِل قراءة عبد الله، وعلل ذلك بكون قراءته مما اشتهر واستفاض. فقد ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: قوله: «نقل إسماعيل بن سعيد، وحنبل: إذا قرأ بقراءة تثبت عن عبد الله فصلاته جائزة، ولا أحب أن يقرأها، لأن قراءة عبد الله كانت مستفيضة» (١)، فكانت استفاضتها جبرت ما فيها من المخالفة لرسم المصحف. واشترط بعض العلماء التتابع في كفارة اليمين لقراءة ابن مسعود ﵁، ولم يقبل كثير منهم التتابع في قضاء رمضان لقراءة أُبَيِّ بن كعب (فعدة من أيام آخر متتابعات) (٢)؛ لأن الأولى استفاضت واشتهرت بخلاف الثانية، والله أعلم.

стр. 4728

الفرع الثالث في الاحتجاج بالقراءة الشاذة في الأحكام المدخل إلى المسألة: • الشاذ من الحديث يختلف عن الشاذ من القراءات، فلكل فن اصطلاحه. • الشاذ من الحديث يعارضه ما هو أوثق منه، فيعد من قبيل الوهم، والشاذ من القراءات ليس له معارض يوجب طرحه، وإنما فَقَدَ شرطًا من شروط كونه قرآنًا، ولا يلغي ذلك كونه قراءة. • القراءة والقرآن حقيقتان متغايرتان، فكل قرآن قراءة، وليس كل قراءة قرآنًا. • المنقول بطريق الآحاد لا يخلو إما أن يكون قرآنًا أو خبرًا عن النبي ﷺ ، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة. • الأثر إذا جاء عن الصحابة مقدم على الرأي، إذا لم يُعَارِض نصًّا، ولم يعارضه أثرٌ مثله. • إذا كان العلماء جعلوا أقوال الصحابة التي لا مجال للرأي فيها في حكم المرفوع، وهم لم يصرحوا بإضافة الخبر إلى النبي ﷺ ، فالقراءة ا لشاذة أولى أن يكون لها حكم الرفع. [م-٦١١] اختلف العلماء في الاحتجاج بالقراءة الشاذة في الأحكام، في وجوب قطع اليمين لقراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما)، وفي وجوب التتابع في الصيام لقراءة أبي بن كعب وابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). فقيل: حجة ظنية يجب العمل بها في بناء الأحكام الفقهية. وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وكثير من الشافعية، وعزاه الإسنوي للشافعي، وجمهور أصحابه كابن حامد والماوردي والقاضيين حسين وأبي الطيب

стр. 4729

والرافعي، واختاره ابن حجر الهيتمي والخطيب والرملي وغيرهم (١).

стр. 4730

وقيل: لا يحتج بالقراءة الشاذة على الأحكام الشرعية، وهو مذهب المالكية، وكثير من الشافعية ونسبه الجويني إلى ظاهر مذهب الشافعي، وتبعه على ذلك الغزالي والآمدي، وابن السمعاني والنووي وابن الملقن، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (١). • دليل من قال: القراءة الشاذة حجة في الأحكام: الدليل الأول: الصحابي عدل ثقة لا يمكن أن يحكيه قرآنًا ثم لا يكون قد سمعه من النبي ﷺ ، وقد عُرِفَ عن الصحابة ﵃ حرصُهم على حفظ القرآن حتى إنهم كرهوا

стр. 4731

التعاشير عليه غاية ما في الأمر أنها لم تنقل متواترة، وهذا لا يسقط حجيتها؛ لأنها مسموعة من النبي ﷺ في الجملة. الدليل الثاني: المنقول بطريق الآحاد لا يخلو إما أن يكون قرآنًا أو خبرًا عن النبي ﷺ ، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة فإن كان قرآنًا فالعمل به واجب، وإن كان خبرًا عن النبي ﷺ ، فخبر الواحد العدل الثقة قد اتفق العلماء على وجوب العمل به، فيجب قبوله كسائر منقولاته. وقد يكون قرآنًا ونسخت تلاوته ولم يطلع على الناسخ، وقد يكون الصحابي سمعه تفسيرًا فظنه قرآنًا، فيثبت له رتبة الخبر، ففي الجملة لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي ﷺ ، ومرويًّا عنه، وعلى كل تقدير فهو حجة. وأما احتمال كونه مذهبًا للراوي فهو بعيد جدًّا فلا يظن ذلك بآحاد المسلمين أن يدخل مذهبه في مصحفه ويدعي أنه قرآن فما بالك بالصحابة خير القرون، وقد توعد الله من فعل ذلك بقوله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، ومع التسليم بأنه مذهب للصحابي فإن الأثر إذا جاء عن الصحابة مقدم على الرأي، إذا لم يعارض نصًّا، ولم يعارضه أثر مثله، والله أعلم. • ونوقش: بأنه لا يصح قرآنًا كما لا يصح خبرًا. أما كونه لا يصح قرآنًا؛ فلأنه لو كان قرآنًا لنقل نقلًا متواترًا؛ فاهتمام الصحابة بالقرآن يمنع تقصيرهم في كتاب الله حتى لا ينقل عنهم إلا بطريق الآحاد. وأما كونه لا يصح خبرًا؛ فلأن الصحابي لم يُصَرِّحْ بكونه خبرًا، جاء في الإحكام للآمدي: «أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يُصَرَّحْ بكونه خبرًا عن النبي ﷺ فليس بحجة، وما نحن فيه كذلك، ولا يخفى أن الحمل على المذهب مع أنه مختلف في الاحتجاج به أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية مع أنه ليس بحجة بالاتفاق.

стр. 4732

وكيف وعدم الاحتجاج به فيه موافقة للنفي الأصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان أولى» (١). وسوف أعرض الرد على هذا الجواب في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. • دليل من قال: لا يحتج بالقراءة الشاذة: الدليل الأول: أن القراءة الشاذة لا تصح قرآنًا لعدم تواترها. قال الآمدي: «النبي ﷺ كان مكلفًا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه، فالراوي له إذا كان واحدًا إن ذكره على أنه قرآن، فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرًا عن النبي ﷺ ، وبين أن يكون ذلك مذهبًا له، فلا يكون حجة» (٢). بل لا يصح أن يكون خبرًا؛ لأن الخبر ما رواه الراوي صريحًا على أنه خبر عن النبي ﷺ ، وهو لم يصرح بذلك، فكيف يقبل خبرًا، فتعين أن يكون مذهبًا له، وفي الاحتجاج بقول الصحابي خلاف معلوم في كتب الأصول. • ويجاب: ناقشت اشتراط التواتر في الفصل السابق، وأن القرآن الذي جمعه عثمان قد أجمع عليه الصحابة، ونقل نقلًا متواترًا، وأما القراءات فلا يشترط لثبوتها التواتر، فكل قراءة صح سندها، ووافقت العربية من وجه، فإن لم تخالف رسم المصحف فهي قراءة وقرآن؛ لموافقتها ما أجمع عليه الصحابة. وإن خالفت رسم المصحف، فلا نقطع بقرآنيتها؛ لمخالفتها ما أجمع عليه الصحابة، ولا نقطع بنفي ذلك عنها، بل نثبتها قراءة لعدالة نَقَلَتِهِا، ولا يقرأ بها في الصلاة احتياطًا لركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، ويستفاد منها في الأحكام والتفسير، وإن كنا لا نجزم ببطلان صلاة من صلى بها، وقد تقدم ذكر ذلك بالتفصيل

стр. 4733

والتدليل فلا حاجة لإعادته، فارجع إليه. وأما قولكم: إن النبي ﵇ كان يجب عليه إلقاء القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، فهذا دعوى في محل النزاع، فلا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن في زمانه ﵇، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وقد جمعوه بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد. ولوكان النبي ﷺ قد ألقاه على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم لما اختلفت مصاحف الصحابة، ولهذا اختلفوا في البسملة أهي آية من القرآن أم ذكرت للتبرك، واختلف عمر ﵁ مع هشام بن حكيم في صفة قراءة سورة الفرقان. ولو سلمنا وجوب ذلك على النبي ﷺ ، وأنه سمع منه جمع تقوم الحجة بقولهم، لكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما رواه فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت، وعند ذلك يتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن؛ وقد زكاه النبي ﷺ وأمر بأخذ القرآن عنه، ولم يوجد ما يعارضه (١). وأما قولكم: بأنه لا يقبل خبرًا؛ لأنه لم يصرح بأنه سمعه من النبي ﷺ ، فهذا غير صحيح، فإن الصحابي حين رواه قرآنًا أثبت له أمرين: الأول: قرآنيته، والثاني: تلقيه من النبي ﷺ ؛ لأن القرآن إنما يتلقاه الصحابة من النبي ﷺ ، وليس بالاجتهاد والرأي، فإذا لم يثبت الأول؛ لكونه آحادًا حسب زعمكم، فقد ثبت الثاني؛ فإنه يلزم من رواية الصحابي على أنه قرآن أن يكون قد سمعه من النبي ﷺ ، وهل يتلقى القرآن إلا منه ﷺ ؟ وإذا كان العلماء جعلوا أقوال الصحابة التي لا مجال للرأي فيها في حكم المرفوع، وهم لم يصرحوا بإضافة الخبر إلى النبي ﷺ ، فهذا أولى أن يكون مرفوعًا؛ لأن الصحابي لما ظنه قرآنًا لزم منه سماعه من النبي ﷺ ، فإذا لم يثبت أنه قرآن، فلا مجال لإسقاط سماعه من النبي ﷺ ، والله أعلم.

стр. 4734

الدليل الثاني: أن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على مصحف الإمام عثمان ﵁، وطرح ما سواه، فلا يعتد بما شذ عن مصحف الإمام، فكل زيادة لا توجد بين دفتي المصحف فهي غير معدودة في القرآن. • ويناقش: كون الصحابة أجمعوا على مصحف عثمان ﵁ فهذا مُسَلَّم. وأما القول بأنهم أجمعوا على طرح ما سواه فهذا غير مُسَلَّم، كيف والقرآن أنزل على سبعة أحرف بالإجماع، ومصحف عثمان لم يشتمل على السبعة كلها بالاتفاق، وأين النقل عن الصحابة ﵃ على إبطال ما عدا مصحف عثمان. (ح-١٦٠٣) فقد روى مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أُبَيِّ بن كعب، أن النبي ﷺ كان عند أَضَاةِ بني غفار، قال: فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا (١).

стр. 4735

يقول ابن حزم: «فحرام على كل أحد أن يظن أن شيئًا أخبر رسول الله ﷺ أن أمته لا تطيق ذلك، أتى عثمان فحمل الناس عليه فأطاقوه، ومن أجاز هذا فقد كَذَّب رسول الله ﷺ في قوله لله تعالى: إن أمته لا تطيق ذلك، ولم ينكر الله تعالى عليه

стр. 4736

ذلك ولا جبريل ﵇ .... وأيضًا فإن الله تعالى آتانا تلك الأحرف فضيلة لنا، فيقول من لا يحصل ما يقول: إن تلك الفضيلة بطلت، فالبلية إذن قد نزلت حاشا لله من هذا» (١). ولقد كان بعض الصحابة ﵃ يقرأ بما سمعه من النبي ﷺ ، كما وقع ذلك لعمر بن الخطاب ﵁، وهشام بن حكيم، وما شرع في حياة النبي ﷺ ، ومات عليه النبي ﷺ لا يتجرأ أحد من الصحابة رضوان الله عليهم على طرحه، وباب النسخ قد أغلق بوفاة النبي ﷺ ، وكل ما كان جائزًا في حياته ﷺ حتى مات، فهو جائز إلى يوم القيامة. (ث-٤٢٥) وروى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن إسماعيل ابن عبد الملك، قال: كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان، فكان يقرأ بالقراءتين جميعًا، يقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، (وليلة بقراءة زيد) (٢)، فكان يصلي خمس ترويحات، فإذا كان العشر الأواخر صلى ست ترويحات. وكان الأعمش يقرأ ختمًا على حرف ابن مسعود، وختمًا من مصحف عثمان (٣). • الراجح: أن القراءة الشاذة حجة ظنية في الأحكام، وفي التفسير، والله أعلم.

стр. 4737

الفرع الرابع في الجمع بين القراءات المختلفة في الصلاة المدخل إلى المسألة: • القراءات الثابتة الموافقة لرسم المصحف كلها قرآن من عند الله. • الأصل جواز التلفيق بين القراءات الثابتة في الصلاة؛ ويصدق عليه أنه قرأ ما تيسر من القرآن. • لو قرأ في ركعة برواية، وقرأ بركعة أخرى برواية أخرى؛ صح التلفيق؛ لأن الكل من عند الله. • إذا قرأ كلمة أو جملة أو آية فأخذ يكررها بعدة قراءات فذلك يحرم فعله في الصلاة؛ لأنه محدث، لم يعرف في الصدر الأول. • إذا ترتب على التلفيق اختلال المعنى أو القراءة بهيئة لم يقرأ بها أحد حرم التلفيق. [م-٦١٢] التنقل بين القراءات في أثناء التلاوة، من غير الالتزام برواية معينة، كأن يقرأ وهو في موضع بضم الهاء، وفي موضع آخر بإسكانها، ويُعَبَّر عنه ب (الخلط) وب (التلفيق)، اختلف العلماء في جوازه. فقيل: ممنوع مطلقًا، إما منع تحريم أو منع كراهة، وبهذا أخذ السخاوي، وهو أحد القولين عن ابن تيمية. قال السخاوي في كتابه جمال القراء: «وخلط هذه القراءات بعضها ببعض خطأ» (١). وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «وأما جمعها في الصلاة أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة» (٢).

стр. 4738

وحجتهم: بأن جمع القراءات في الصلاة بدعة محدثة، لا تعرف في الصدر الأول، ولم يعرف عن الصحابة أنهم قرؤوا في الصلاة بأكثر من قراءة واحدة، وكفى بهذا حجة في الامتناع عن الفعل. وقيل: تجوز مطلقًا، حكاه الجزري عن أكثر الأئمة، وهو أحد القولين عن ابن تيمية (١). قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبي عمرو، وبعضه بحرف نافع، وسواء كان ذلك في ركعة، أو ركعتين، وسواء كان خارج الصلاة أو داخلها، والله أعلم» (٢). وقيل بالتفصيل، وهو أرجحها: قال ابن الجزري ﵀: «والصواب عندنا في ذلك التفصيل والعدول بالتوسط إلى سواء السبيل، فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى فالمنع من ذلك منع تحريم، كمن يقرأ ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ بالرفع فيهما، أو بالنصب، آخذًا رفع آدم من قراءة غير ابن كثير، ورفع كلمات من قراءة ابن كثير … وشبهه مما يركب بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة. وأما ما لم يكن كذلك فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها. فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية، فإنه لا يجوز أيضًا من حيث إنه كذب في الرواية، وتخليط على أهل الدراية. وإن لم يكن على سبيل النقل، بل على سبيل القراءة والتلاوة، فإنه جائز صحيح مقبول، لا منع منه ولا حظر، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام، لا من وجه أن ذلك مكروه، أو حرام؛ إذ كُلٌّ من عند الله، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين تخفيفًا عن الأمة، وتهوينًا على أهل هذه الملة … » (٣).

стр. 4739

وقال النووي: «إذا قرأ بقراءة من السبع استحب أن يتم القراءة بها، فلو قرأ بعض الآيات بها، وبعضها بغيرها من السبع جاز بشرط أن لا يكون ما قرأه بالثانية مرتبطًا بالأولى» (١). واعتبار هذا الشرط يرجع لأمرين: الأول: ما قاله في تحفة المحتاج: «لاستلزامه هيئة لم يقرأ بها أحد» (٢). الأمر الثاني: وجوب المحافظة على المعنى، فالتلفيق بين القراءات قد يترتب عليه اختلال المعنى، وليس كل قارئ للقرآن يعرف ما يخل بالمعنى مما لا يخل به. ويقول فضيلة الشيخ محمد بن الحسن الددو الشنقيطي وفقه الله: «وأما التلفيق بين القراءات، فإذا كان في الكلمة الواحدة فهو محرم قطعًا، مثل من يجمع بين قراءتين متنافيتين؛ كالذي يرقق الراء في كلمة الآخرة، فإنه لا يحقق الهمزة، وهذا مثال في تحريف الكلمة الواحدة؛ لأنه لحن، وليس كلامًا من لغة واحدة. وإذا كان في الجملة الواحدة فمحل خلاف، فقيل بتحريمه، وقيل بكراهته. وإذا كان في الآية الواحدة، فهو مكروه قطعًا. وإذا كان في آيتين، ولم يكن على وجه التعليل، فهو خلاف الأولى. ومع ذلك فإن كثيرًا من أهل العلم يرى أن القراءات نفسها ملفقة من الحروف السبعة التي أنزلت على النبي ﷺ ، فليست القراءة موافقة لحرف واحد، بل كل قراءة فيها أخذت من كل الحروف، ولا يمكن الجزم بهذا؛ لأن الجزم فيه صعب، ونحن نعلم أن النبي ﷺ أنزل عليه القرآن على سبعة أحرف؛ لكن لم يبين لنا أن هذا هو الحرف الأول، وهذا هو الحرف الثاني، وهذا هو الحرف الثالث … بل قرأ بالجميع، وأَقَرَّ الناس على قراءة الجميع، فبالإمكان أن يحفظ فلان من الناس سورة التوبة على الحرف الأول، ويحفظ هو نفسه سورة يس مثلًا على الحرف الخامس، وسورة أخرى على الحرف السادس، ويلفق الجميع، فيكون قد حفظ القرآن بحروفه

стр. 4740

المتعددة، وهكذا» (١). • الراجح من هذا الخلاف: أن التلفيق بين القراءات في الصلاة: إن كان في كلمة واحدة، فذلك بدعة، وأقل أحواله الكراهة، ويحرم إن ترتب عليه لحن، كما لو جمع بين ترقيق الراء وتحقيق الهمزة في كلمة (الآخرة)، فإن من رقق الراء لم يحقق الهمزة، ومن حقق الهمزة لم يرقق الراء. وإن كان التنوع في القراءات في آيات وسور مختلفة، فالمستحب أن يقرأ بقراءة واحدة، فإن قرأ بقراءة أخرى، فإن ذلك مباح بشرط: الأول: أن يأمن تشويش العوام، فإن القراءة بهم بقراءة لم يألفوها قد يفتح على نفسه بابًا من الخلاف، لا يمكنه رده. (ث-٤٢٦) وقد روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال علي: حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يُكَذَّبَ، الله ورسوله (٢)؟ الثاني: أن لا ينشأ عن ذلك قراءة لم يقرأ بها أحد. الثالث: أن لا يعود ذلك على الإخلال بمعنى الآيات. قال ابن حجر: «واستدل بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن … بشرط أن لا يختل المعنى ولا يتغير الإعراب» (٣).

стр. 4741

المبحث الخامس في القراءة من المصحف الفرع الأول القراءة من المصحف خارج الصلاة المدخل إلى المسألة: • صح عن ابن مسعود أنه قال: أديموا النظر في المصحف، ويقصد به ﵁ النظر المصحوب بالتلاوة والاعتبار، لا مجرد النظر. • لا أعلم دليلًا مرفوعًا يقضي بأن النظر في المصحف عبادة، وإن قال به كثير من السلف عليهم رحمة الله. • التلاوة عبادة مقصودة، والغاية التعبد والتقرب إلى الله بتلاوة كلامه، وتدبره والاعتبار به، ومعرفة الله بمعرفة صفاته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والنظر والحفظ وسيلة لتحقيق هذه الغايات. • إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر، والتفكُّر، وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا، فيجمع بينهما. [م-٦١٣] اختلف العلماء في أيهما أفضل القراءة من المصحف، أم القراءة من الحفظ؟ فقيل: القراءة من المصحف أفضل؛ وهو قول أكثر أهل العلم، ونسب النووي القول به للقاضي حسين، وأبي حامد الغزالي، وجماعات من السلف، ونقل الغزالي في الإحياء عن كثير من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقرؤون من

стр. 4742

المصحف، ويكرهون أن يخرج يوم، ولم ينظروا في المصحف. وروى ابن أبي داود القراءة في المصحف عن كثير من السلف حتى قال النووي: لم أَرَ فيه خلافًا (١). • واستدلوا بأدلة كثيرة منها: الدليل الأول: (ث-٤٢٧) روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: أديموا النظر في المصحف (٢). [حسن موقوف على ابن مسعود] (٣). • ويجاب: أحيانًا يطلق الشيء ويراد به لازمه، فإذا أطلق النظر في المصحف فالمراد منه النظر المصحوب بالتلاوة والتدبر؛ لأن ذلك هو الغاية من النظر في المصحف، لا مجرد مطلق النظر. ومثله ما ورد في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل قلبه معلق بالمساجد، لا يراد حب البقعة لذاتها، بل ما يصحب ذلك من ذكر الله وإقام الصلاة؛ لأن ذلك هو الغاية من إقامة المساجد، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧]. الدليل الثاني: (ح-١٦٠٤) روى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن من طريق بقية ابن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن سليمان بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : فضل قراءة

стр. 4743

القرآن نظرًا على من يقرؤه ظاهرًا كفضل الفريضة على النافلة (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (ح-١٦٠٥) روى الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب من طريق أبي سعيد بن عوذ المعلم المكي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : قراءة القرآن في غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف يضاعف على ذلك ألفي درجة (٣). [قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر] (٤). الدليل الرابع: (ح-١٦٠٦) روى ابن المقرئ في معجمه، والبيهقي في الشعب، وأبو نعيم في الحلية من طريق الحر بن مالك العنبري، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف (٥). [غريب من حديث شعبة، وقال الذهبي: باطل] (٦).

стр. 4744

الدليل الخامس: (ح-١٦٠٧) روى أبو الشيخ الأصبهاني في العظمة، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق حفص بن عمر بن ميمون، عن عنبسة بن عبد الرحمن الكوفي، عن ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : أعطوا أعينكم حظها من العبادة. قيل: يا رسول الله، وما حظها من العبادة؟ قال: النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه. قال البيهقي: إسناده ضعيف (١). [موضوع] (٢). الدليل السادس: (ح-١٦٠٨) روى عفيف الدين أبو المعالي في فضل العلم عن سليمان بن

стр. 4745

الربيع النهدي، حدثنا همام بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: خمس من العبادة قلة الطعام عبادة، والقعود في المساجد عبادة، والنظر في المصحف من غير قراءة عبادة، والنظر في وجه العالم عبادة، وأظنه قال: والنظر في وجه الوالدين عبادة. [ضعيف جدًّا] (١). الدليل السابع: أن القراءة من المصحف تشتمل على التلاوة والنظر، وقد صرح غير واحد من السلف أن النظر عبادة بخلاف الحفظ فهو يشتمل على التلاوة وحدها (٢). ولا أعلم دليلًا مرفوعًا بأن النظر في المصحف عبادة، وإن قال به كثير من السلف عليهم رحمة الله، فالتلاوة عبادة مقصودة، والغاية التدبر والاعتبار ومعرفة الله بمعرفة صفاته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والنظر والحفظ وسيلة لتحقيق هذه الغاية، والله أعلم. وقيل: القراءة من الحفظ أفضل مطلقًا، اختاره أبو محمد بن عبد السلام في أماليه، ونقل ذلك الزركشي في البرهان (٣). • واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: أثنى الله على أهل العلم بكون القرآن في صدورهم، فقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. الدليل الثاني: أن المقصود من التلاوة التدبر، لقوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ [سورة ص: ٢٩].

стр. 4746

والعادة تشهد أن النظر في المصحف يخل بهذا المقصود، فكان مرجوحًا (١). الدليل الثالث: ترجم البخاري في صحيحه، فقال: باب القراءة عن ظهر قلب. ثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي … وفيه: قال النبي ﷺ : ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا عَدَّها - قال: أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن (٢). قال ابن كثير في التفسير: هذه الترجمة من البخاري مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم (٣). وقد يقال: إن الحديث دليل على فضل حفظ القرآن، وهذا ليس موضع خلاف، وأما المفاضلة بين الحفظ والقراءة من المصحف فلا دلالة في الحديث، لا نصًّا، ولا إشارة. وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره: «إن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرًا من المصحف ففيه نظر؛ لأنها قضية عين، فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يحسن القراءة، وعلم النبي ﷺ ذلك، فلا يدل ذلك على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل في حق من يحسن ومن لا يحسن» (٤) .. الدليل الرابع: كان النبي ﷺ يأمر يوم أحد بدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، ويقول: قدموا أكثرهم قرآنًا. [أعله أبو حاتم الرازي بالانقطاع] (٥).

стр. 4747

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4748

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4749

الدليل الخامس: (ح-١٦٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب (١). [انفرد به قابوس عن أبيه، وهو ضعيف] (٢). • ويجاب عن هذه الأدلة: بأن هذه الأحاديث دليل على فضل الحفظ فقط، ولا دلالة فيها على المفاضلة، إلا أن يقال: لما وردت أحاديث مرفوعة في فضل الحفظ، ولم ترد مثلها في فضل النظر في المصحف دلَّ ذلك على تفضيل الحفظ عليه. وقد يقال: إن المصحف لم يكن في عصر الوحي، إلا أن هذا الجواب لا يغني؛ لأنه وإن لم يكن في عصر الوحي فقد أذن الرسول ﷺ بكتابته، ونهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو (٣)، وإذا كان الرسول ﷺ لا يعلم فالله سبحانه يعلم أن المصحف سيجمع في عصر الصحابة، وسيجمعون على فعل ذلك، وسيكون في بيوت المسلمين، حتى كانت عائشة يصلي بها غلامها، وهو يقرأ من المصحف، وحتى كان غلام أنس ﵁ يصلي خلف أنس، وهو يمسك المصحف؛ ليفتح على أنس إذا ارتجت عليه القراءة، والله أعلم.

стр. 4750

وقيل: يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، اختاره النووي في الأذكار، وذكره ابن حجر في الفتح، واستحسنه السيوطي إلا أنه علق القول به إن كان قد قيل به (١). قال النووي: «قراءة القرآن في المصحف أفضل من القراءة من حفظه، هكذا قاله أصحابنا، وهو مشهور عن السلف ﵃، وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر، والتفكُّر، وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا، فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف» (٢). وهذا القول أرجحها؛ لأن المطلوب من تلاوة القرآن تدبره، سواء أقرأ من المصحف أم قرأ ذلك حفظًا، ولو كان أحدهما أفضل من الآخر لجاءت النصوص الواضحة الفاصلة، فلمًّا لم تكن النصوص كاشفة دل على أنه لا فرق بينهما، إلا أن يعود ذلك على الخشوع والتدبر، فذلك يختلف من شخص لآخر، فإذا استويا في التدبر فالأولى أن يقرأ هكذا وهكذا، والله أعلم.

стр. 4751

الفرع الثاني في القراءة من المصحف بالصلاة المدخل إلى المسألة: • يرجع الخلاف في القراءة من المصحف في الصلاة إلى اختلافهم في تقليب أوراق المصحف، والنظر فيه، أهو من العمل الكثير في الصلاة أم لا، وإذا كان كثيرًا، أيغتفر؛ لكونه لمصلحة الصلاة، أم لا، أم يفرق بين الحافظ وغيره، وبين الفرض والنفل؛ لكون النفل أوسع من الفرض. • ذكر الحنفية أنه لو نظر إلى مكتوب، وفهمه بقلبه لم تفسد صلاته بالإجماع، يقصدون بذلك ولم يحرك لسانه؛ لكون السكوت في الصلاة لا يقطع الموالاة. • حكى أبو الطيب الطبري الإجماع على أنه لو تفكر طويلًا، أو نظر طويلًا لم تبطل صلاته، فكذلك إذا جمع بينهما. • إذا اعتبرنا النظر في المصحف عبادة، قال النووي: لم أَرَ فيها خلافًا، فإذا نظر فيه فقرأ بلسانه ما يشرع له قراءته لم تبطل صلاته؛ لأن انضمام العبادة إلى عبادة أخرى لا يفسدها. • عمل السلف على جواز القراءة من المصحف في النفل؛ لطول القيام في النفل فيحتاج إليه بخلاف الفرض. • هل يقال: ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل؟ وقد سئل أحمد عن القراءة من المصحف في الفرض، فقال: لم أسمع فيه شيئًا، أم يقال: لم يكن من عمل الناس بالفرض، والأصل في العبادات المنع، الأول أقرب، وإبطال العبادة يفتقر إلى دليل، والأصل صحتها. • قلب الورقة إذا فرغ من قراءتها عمل يسير جدًّا، والعمل الكثير إذا كان متفرقًا غير متصل ولمصلحة الصلاة لا يبطلها.

стр. 4752

• صح في النفل الصلاة راكبًا وقاعدًا، وإلى غير القبلة، فالحركة الكثيرة إذا احتيج إليها في النفل لا تبطلها بخلاف الفرض، فيغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض. • الحاجة ترفع الكراهة، والضرورة ترفع التحريم. [م-٦١٤] وأما القراءة من المصحف في الصلاة فقد اختلف العلماء فيها على أقوال: فقيل: لا تجوز، وإن قرأ من المصحف فسدت صلاته، وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم وحكاه عن ابن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، وأبي عبد الرحمن السلمي (١). قال ابن حزم: «ولا تجوز القراءة في مصحف، ولا في غيره لِمُصَلٍّ، إمامًا كان أو غيره، فإن تعمد ذلك بطلت صلاته» (٢). وقيل: تحرم على الحافظ فقط، وتجوز لغيره، وهو رواية عن أحمد (٣). وقيل: تجوز القراءة من المصحف على خلاف بينهم: فقيل: تجوز مطلقًا في فرض ونفل، وهو مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٤). قال النووي: «لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته، سواء أكان يحفظه

стр. 4753

أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظه» (١). وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: «يكره مطلقًا، وصلاته صحيحة» (٢). وقيل: يكره في الفريضة، وهو مذهب المالكية وقول عند الحنابلة (٣)، واختلفوا في النافلة وقيام رمضان: فقيل: تجوز مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة، وبه قال الزهري وإسحاق وجماعة من السلف (٤). «قال الإمام أحمد: «لا بأس أن يصلي بالناس القيام، وهو ينظر في المصحف. قيل له: الفريضة؟ قال: لم أسمع فيها شيئًا، وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف، فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف» (٥). وقيل: إن ابتدأ النافلة بالقراءة من المصحف جاز، وإن ابتدأ بغير مصحف فأراد النظر فيه في أثناء النفل كره، وهو مذهب المالكية (٦). وقيل: تجوز في النفل لغير حافظ، فإن كان حافظًا كرهت كالفرض، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٧).

стр. 4754

• هذه مجمل الأقوال في المسألة، وخلاصتها. التحريم مطلقًا. التحريم على الحافظ. الجواز مطلقًا. الكراهة مطلقًا. التفريق بين الفريضة فيكره، واختلفوا في النافلة على أقوال منها: الجواز مطلقًا، والكراهة من الحافظ. والجواز إذا ابتدأ القراءة من المصحف وإلا فلا، فهذه سبعة أقوال. • دليل من قال: تحرم القراءة من المصحف وتفسد بها الصلاة: الدليل الأول: احتج ابن حزم على التحريم بأن القراءة من المصحف عمل لم يَأْتِ بإباحته في الصلاة نص، وقد قال النبي ﷺ : إن في الصلاة لشغلًا، رواه البخاري (١). • ونوقش: بأن قوله ﷺ : (إن في الصلاة لشغلًا) المراد منه الاشتغال بأفعال خارجة عن الصلاة. (ح-١٦١٠) فقد رواه البخاري من طريق ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت أُسَلِّمُ على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علي، فلمَّا رجعنا سلمت عليه، فلم يرد علي، وقال: إن في الصلاة لشغلًا (٢). فكان في الصلاة شغل عن رد السلام على الغير، وهو ليس من فعل الصلاة ولا من مصلحتها، بخلاف القراءة من المصحف فإنه من مصلحة الصلاة فالاشتغال به لا حرج فيه، لا سيما إذا كان محتاجًا إلى ذلك. والقول بأنه لم يرد نص بالإباحة غير مسلم؛ لأن النصوص الآمرة بالقراءة

стр. 4755

مطلقة، والمطلق جارٍ على إطلاقه في الأصول، لا يقيد إلا بنص، ولم يَأْتِ نص ينهى عن القراءة من المصحف، بل جاء عن عائشة ما يدل على الإباحة كما سيأتي في أدلة القائلين بالجواز. الدليل الثاني: لأبي حنيفة في فساد الصلاة من القراءة من المصحف طريقتان في الاحتجاج: الطريقة الأولى: أن حمل المصحف، ووضعه عند الركوع، ورفعه عند القيام، وتقليب أوراقه، والنظر إليه، وفهمه والتفكر فيه، أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة، ولا حاجة لتحملها في الصلاة، والعمل الكثير مفسد للصلاة. وقياس هذه الطريقة: أن المصحف لو كان موضوعًا بين يديه، ويقرأ منه من غير حمل، وتقليب أوراق، أو يقرأ ما هو مكتوب على المحراب من القرآن، فإن الصلاة لا تفسد؛ لعدم المفسد، وهو العمل الكثير (١). وسوف يأتي الجواب عنه في أدلة القائلين بالجواز دفعًا للتكرار. الطريقة الثانية: أنه يُلَقَّنُ من غيره، فوجب أن تبطل صلاته كما لو تلقن من معلم، وصححه السرخسي في المبسوط (٢). وعليه فلو كان حافظًا للقرآن، وقرأ من المصحف بلا حمل صحت صلاته؛ لانتفاء العمل والتلقين، ومجرد النظر بلا حمل غير مفسد، وجزم به الرازي وتبعه السرخسي، وجزم به في الفتح والنهاية والتبيين، قال في البحر: وهو وجيه كما لا يخفى (٣). وقريب من هذا التعليل، ما ذكره بعض الحنابلة: بأنه اعتمد في فرض القراءة

стр. 4756

على غيره، كما لو اعتمد على حبل في قيامه (١). • ونوقش: بأن التلقين في الصلاة منه ما هو مجمع على جوازه كما لو كان المُلَقِّن من جملة المصلين، فلو ارتجت القراءة على الإمام ففتح عليه أحد المصلين صح التلقين بالإجماع. والتلقين من خارج الصلاة مختلف فيه، والأصح أنه لا يفسد، كالتلقين من داخلها. قال النووي: «وأما التلقين في الصلاة فلا يبطلها عندنا بلا خلاف» (٢). هذا على التسليم بأن النظر في المصحف بمنزلة التلقين، وبينهما فرق: فالتلقين من رجل خارج الصلاة بمنزلة مخاطبته إذا لم يقصد المصلي القرآن، والأصل فيه المنع، وأما النظر في المصحف والقراءة منه فلا يتصور وجود خطاب بين اثنين حتى يعطى حكم التلقين من الناس، فهو كما لو قرأ آية مكتوبة في المحراب، أو على حائط المسجد، والله أعلم. الدليل الثالث: (ث-٤٢٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن العياش العامري، عن سويد بن حنظلة البكري أنه مر على رجل يؤم قومًا في المصحف، فضربه برجله (٣). ورواه ابن أبي داود في المصاحف من طريق محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عياش العامري، عن سويد بن حنظلة أنه مر بقوم يؤمهم رجل في المصحف، فكره ذلك في رمضان، ونَحَّى المصحف (٤). [صحيح].

стр. 4757

• ويناقش: بأنه صح عن عائشة ﵂ جوازه، فيحمل أثر سويد بن حنظلة على الكمال، أو مع عدم قيام الحاجة، ويحمل أثر عائشة ﵂ على الجواز، وعلى تقدير التعارض فإنه لا حجة لقول الصحابي إذا عارضه غيره، فيطلب مرجح خارجي. الدليل الرابع: (ث-٤٢٩) ما رواه ابن أبي داود في المصاحف من طريق نهشل بن سعيد، يحدث، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين عمر ﵁ أن يؤم الناس في المصحف، ونهانا أن يؤمنا إلا المحتلم (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الخامس: (ث-٤٣٠) روى الخطيب في تاريخه من طريق أبي بلال الأشعري، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن سفيان الثوري، عن عياش بن عمرو العامري، عن نعيم بن حنظلة البكري، عن عمار بن ياسر أنه كان يكره أن يؤم الرجل الناس بالليل في شهر رمضان في المصحف، قال: هو من فعل أهل الكتاب (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 4758

• أدلة القائلين بالكراهة: الدليل الأول: استدلوا بأدلة القائلين بالتحريم؛ إلا أنهم حملوها على الكراهة. الدليل الثاني: القراءة من المصحف ليس فيها إلا حمل المصحف بيده، والنظر فيه، وذلك جائز كما لو حمل شيئًا آخر إلا أننا قلنا بكراهتها من أجل أن في ذلك تشبهًا بفعل أهل الكتاب. • ويناقش بأكثر من وجه: الوجه الأول: تعليل الكراهة بالتشبه يفتقر إلى أن يأتي في شريعتنا ما يدل على أنه من فعل أهل الكتاب، ولا أعلم دليلًا مرفوعًا يذكر أن ذلك من فعلهم، وروي عن ابن عباس ولا يصح عنه. (ث-٤٣١) فقد روى أبو يوسف في الآثار، أنه قال: وبلغني عن ابن عباس ﵄ أنه قال: في الرجل يؤم القوم، وهو ينظر في المصحف إنه يكره ذلك، وقال: كفعل أهل الكتاب (١). [ضعيف لانقطاعه]. وروي صحيحًا من قول إبراهيم النخعي. (ث-٤٣٢) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش،

стр. 4759

عن إبراهيم أنه كره أن يؤم الرجل في المصحف كراهة أن يتشبهوا بأهل الكتاب (١). [صحيح عن إبراهيم، إلا أنه موقوف عليه]. الوجه الثاني: إذا ثبت أن ذلك الفعل من أهل الكتاب فإنه لا يكفي حتى يثبت أن ذلك الفعل مختص بهم، فيصح التعليل بالكراهة لعلة التشبه، فلم يثبت الأول حتى يثبت الثاني. الوجه الثالث: لو سلمنا القول بالكراهة فإن الكراهة ترفعها الحاجة. الوجه الرابع: التابعون مختلفون في القراءة من المصحف حال الصلاة، وأكثرهم على الجواز، فيكون قول الإمام إبراهيم النخعي قول فقيه معارضًا بمثله. فهذا الزهري والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح، والحكم، وعائشة بنت طلحة وغيرهم لا يرون بأسًا من القراءة بالمصحف في الصلاة (٢). • دليل من قال بالجواز مطلقًا: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].

стр. 4760

وقال ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، اتفق عليه البخاري ومسلم (١). والنصوص الشرعية مطلقة، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، فلم تفرق النصوص بين أن يقرأ ذلك عن حفظ أو نظر في المصحف، ومن قيد القراءة بأن تكون حفظًا فعليه الدليل، فالنصوص المطلقة جارية على إطلاقها لا يقيدها إلا نصوص مثلها، والأصل صحة الصلاة. الدليل الثاني: (ث-٤٣٣) روى ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبي بكر بن أبي مليكة، أن عائشة أعتقت غلامًا لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف (٢). [صحيح من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، ومن رواية عروة عنها، ورواه البخاري معلقًا عن عائشة مجزومًا به] (٣). • ونوقش هذا: بأن أثر عائشة في النفل، والنفل أوسع من الفرض، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في

стр. 4761

الفرض، ولهذا صح النفل راكبًا، ومتجهًا لغير القبلة، وجالسًا مع القدرة على القيام بخلاف الفريضة، والحاجة إلى فعله في النافلة أكثر؛ لطول القيام وكثرة القراءة، بخلاف الفريضة، فإنه مأمور بتخفيفها إذا صلى بالناس. • ورد هذا النقاش: بأن النفل والفرض عبادتان من جنس واحد، فما صح في؟ إحداهما صح في الأخرى إلا بدليل يدل على افتراقهما، وما ذكر من صحة النفل راكبًا وقاعدًا من غير عذر كل ذلك ثبت بالنص الخاص الصريح على افتراق الفريضة عن النافلة، فأين النص الخاص الصريح على اختصاص القراءة من المصحف بالنافلة حتى يقال بمقتضاه، فلا اختصاص لأحدهما بصفة إلا بنص، وما لم يرد فيه نص فالأصل أن صفتهما واحدة، فيما يجب، ويستحب، ويكره، ويباح. فإن قيل: لم يكن من عمل الناس في الفريضة، والأصل في العبادات المنع. فالجواب: هذا صحيح لو أنه لم يثبت فعله في النافلة من قبل بعض الصحابة، أما وقد صح ذلك في النافلة فإبطال العبادة أو كراهتها يفتقر إلى دليل، والأصل صحة العبادة. الدليل الثالث: (ث-٤٣٤) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عيسى بن طهمان، قال: حدثني ثابت البناني، قال: كان أنس يصلي، وغلامه يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية فتح عليه (١). [حسن] (٢). لو كان حمل المصحف في الصلاة مفسد للصلاة لما جاز حمله لمصلحة مظنونة، فقد يحتاج الإمام إلى الفتح وقد لا يحتاج، وكان يمكن للإمام إذا ارتجت عليه الآية أن يدعها وينتقل لغيرها، وإذا ارتجت عليه السورة انتقل إلى سورة أخرى، فإذا جاز حمل

стр. 4762

المصحف للفتح على الإمام جاز حمل المصحف للقراءة من باب أولى. الدليل الرابع: وقال أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: ٢٩٤)، في قيام الليل (كما في المختصر): «سئل ابن شهاب ﵀ عن الرجل يؤم الناس في رمضان في المصحف قال: ما زالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام كان خيارنا يقرؤون في المصاحف» (١). [تفرد به ابن أخي الزهري عن عمه ولعله يحتمل في نقل مثل هذا الأثر] (٢). الدليل الخامس: النهي عن القراءة من المصحف في الصلاة راجع إلى أحد أمرين: إما لحمل المصحف وقلب الصفحة إذا فرغ من قراءتها، ووضعه إذا ركع، وأخذه إذا رفع. وإما إلى النظر في المصحف والقراءة منه: فأما الأول فقد دَلَّ الدليل على أن جنسه لا يفسد الصلاة: (ح-١٦١١) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة الأنصاري، أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (٣). فإذا لم يؤثر الحمل والوضع والرفع فيما ليس من مصلحة الصلاة، كان حمل المصحف ووضعه ورفعه لا يؤثر من باب أولى؛ لكونه لمصلحة الصلاة، وأداء سنة

стр. 4763

القراءة، فلم يبق إلا قلب الورقة من المصحف إذا فرغ من قراءتها، وهو عمل يسير جدًّا، لا يمكن أن يعود على الصلاة بالبطلان. ولو سلمنا أنه من العمل الكثير فإنه ليس من الكثير المتصل، فإذا تفرق العمل الكثير لم يؤثر، ومع التسليم بأنه لا فرق بين الكثير المتصل والمتفرق، فإن الكثير إذا كان في مصلحة الصلاة ويؤدى به فرضها لا يبطلها، وسوف تكون الحركة في الصلاة موضع بحث إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل. وأما النظر في المصحف والقراءة منه فليس من مبطلات الصلاة؛ لأن المنع إن كان من أجل النظر في المصحف فإن نظره إلى المصحف كنظره إلى سائر الأشياء التي ينظر إليها في صلاته، الأصل فيه الإباحة، والمحرم منه رفع بصره إلى السماء كما في الحديث الصحيح: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم)، وهذا ليس منه، ولأنه لو نظر إلى مكتوب، وفهمه بقلبه لم تفسد صلاته بالإجماع، فكذلك نظره إلى المصحف. وإذا كان النظر والفكر لا يبطل الصلاة بالاتفاق في غير المصحف، ففيه أولى، فقد حكى أبو الطيب الطبري وغيره من الشافعية الإجماع على أنه لو تفكر طويلًا، أو نظر طويلًا لم تبطل صلاته، فكذلك إذا جمع بينهما. وإن كان المنع من أجل القراءة من المصحف، لا من أجل النظر إليه، فإن قراءة القرآن هي من عمل الصلاة، فكيف تكون سببًا في المنع، والله أعلم. الدليل السادس: أكثر أهل العلم على أن النظر في المصحف عبادة، قال النووي: لم أر فيه خلافًا، فإذا نظر فيه، فقرأ بلسانه ما يشرع له قراءته لم تبطل صلاته؛ لأن انضمام العبادة إلى عبادة أخرى لا يفسدها. • دليل من فرق بين الفرض والنفل: أثر عائشة وأثر أنس ﵄ في القراءة من المصحف ثابت في صلاة النفل، ولم يَأْتِ دليل على إباحته في الفريضة، والأصل في العبادات المنع، ولا يصح قياس

стр. 4764

الفريضة على النافلة؛ لأنه من قياس الأعلى على الأدنى، والنفل أوسع من الفرض، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض. ولأن النفل خاصة قيام الليل يحتاج فيه المصلي إلى تطويل القراءة، فيحتاج القراءة من المصحف بخلاف الفريضة، ولأن القراءة من المصحف فيها فضيلة قراءة كامل القرآن، فيستفيد المسلم من تدبر كامل الكتاب، والإفادة من مواعظه بخلاف القراءة من الحفظ، فأكثر المسلمين لا يحفظون القرآن. وسبق الجواب على هذا الدليل بما يكفي في أدلة القائلين بالجواز. • التفريق بين الحافظ وغيره: أن الحافظ ليس محتاجًا لحمل المصحف والقراءة منه، فيحرم أو يكره له -بحسب الخلاف- حمل المصحف والنظر إليه، بخلاف غير الحافظ فإنه محتاج للنظر إلى المصحف. • دليل من قال يكره في الفرض وفي أثناء النفل دون أوله: أما كراهته في الفرض فسبق ذكر الأدلة والجواب عليه. وأما التفريق بين جواز النظر في المصحف من ابتداء النفل لا في أثنائه: فذلك أن الذي ينظر في المصحف في أثناء النفل إذا شك في قراءته فسيحمله ذلك على تقليب صفحات المصحف إلى أن يصل إلى موضع قراءته، فكان ذلك شغلًا في صلاته، والذي يصلي في المصحف من ابتداء النفل سوف يفتحه قبل أن يدخل في الصلاة، ويجعل أمامه الموضع الذي يريد قراءته في صلاته، فينظر من غير أن يشتغل بشيء إلا بتحويل الورقة التي أكمل قراءتها، وذلك يسير (١). • الراجح: أن النظر في المصحف لا بأس به مطلقًا في الفرض والنفل، وكون الحاجة إليه في النفل أكثر منه الفرض فذلك لا يعني كراهته في الفرض، فالكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وهي تقوم على أمرين: إما النهي غير الجازم، ولم يحفظ ذلك في النصوص الشرعية.

стр. 4765

وإما أن يترتب على الفعل ترك سنن مؤكدة بلا مصلحة تعود للعبادة، وهو ما يعبر به عند الأصوليين بخلاف الأولى، وهو أدنى درجات الكراهة، كما في قوله ﷺ : (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) حين تيمم لرد السلام، فذكر الله لا يكره أبدًا؛ ولكنه في الطهر أكمل، فعبر عنه الفقهاء بخلاف الأكمل والأولى، وهذا أيضًا لا يتحقق في حمل المصحف في الفريضة، وإذا ترك وضع اليدين بعضهما على بعض في الصلاة بسبب حمل المصحف فقد تركهما إلى ما هو أولى منهما في العبادة، من كثرة القراءة وطول القيام، والمصاحف اليوم خفيفة الحمل، تحمل في الجيب، وبقدر الكف، فلو أن رجلًا نظر في المصحف في صلاة الصبح لم أكره له هذا الفعل إن احتاج إلى ذلك، والله أعلم.
следующие страницы →