الدليل السادس:
(ح-١٦٧١) ما رواه الإمام أحمد من طريق أبي جعفر السويدي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته. قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها
стр. 4903
أو قال: لا يقيم صلبه في الركوع والسجود (١).
[غريب من حديث الوليد بن مسلم لم يروه عنه إلا أبو جعفر السويدي والحكم بن موسى، وأنكره أبو حاتم وابن المديني وغيرهما] (٢).
وقد يعترض على الحديث بأن الراوي قد تردد في لفظه: أقال: لا يتم ركوعها، ولا سجودها، أم قال: لا يقيم صلبه في الركوع والسجود؟
والجواب:
أن معناهما واحد، وهو وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، فمن أتم ركوعه وسجوده، فقد أقام صلبه فيهما.
قال ابن تيمية: «وهذا التردد في اللفظ ظاهره أن المعنى المقصود من اللفظين واحد، وإنما شك في اللفظ كما في نظائر ذلك» (١).
الدليل السابع:
(ث-٤٣٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري،
стр. 4907
حدثني حرملة، مولى أسامة بن زيد: أنه بينما هو مع عبد الله بن عمر، إذ دخل الحجاج بن أيمن، فلم يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: أعد، فلما ولى، قال لي ابن عمر: من هذا؟ قلت: الحجاج بن أيمن بن أم أيمن. فقال ابن عمر: لو رأى هذا رسول الله ﷺ لأحبه فذكر حُبَّهُ وما ولدت أمُّ أيمن (١).
• الراجح:
أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، وفرض من فروضها، في الركوع، وفي الاعتدال منه، وفي السجود، وفي الاعتدال منه، والله أعلم.
стр. 4908
الفصل الخامس في أذكار الركوع والسجود
المبحث الأول حكم التسبيح في الركوع والسجود
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم وجوب التسبيح.
• الأدلة في التسبيح في الركوع والسجود إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة في الوجوب وليست صحيحة.
• كل حديث ورد فيه الأمر بالتسبيح في الركوع أو في السجود فهو معلول.
• لم يعلم النبي ﷺ المسيء في صلاته التسبيح، ولو كان واجبًا لَعَلَّمَهُ.
• القول بأن الرسول ﷺ علم المسيء ما أساء فيه بعيد جدًّا؛ لأن من لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما، مع خفاء التسبيح.
• يلزم من الإخلال بالطمأنينة التقصير بالتسبيح؛ لأن مقدار الطمأنينة أقل من مقدار التسبيحة الواحدة.
• القول بأن التسبيح؛ لم يكن واجبًا ثم وجب ضعيف جدًّا، فلوكان التسبيح مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب لقامت الأدلة التي تبين للصحابة أن الحكم الأول قد رفع، ووجب الانتقال عنه إلى الوجوب كما في سائر الأحكام التي تتغير.
• لا يحفظ القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة، ولاعن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، فيما أعلم، وكل قول قديم عارٍ عن أصحاب القرون المفضلة فهو أمارة على ضعفه.
• إطلاق التسبيح على الصلاة لا يدل على وجوبه في الصلاة.
стр. 4909
• سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص بالركوع والسجود.
• لو كان المراد بالتسبيح التسبيح الخاص بالركوع والسجود لكان التسبيح ركنًا في الصلاة؛ لأن التعبير بالجزء عن الكل يدل على ركنية ذلك الجزء.
• لو كان التسبيح واجبًا لحفظ في النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق كيف والأمر يتعلق بركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين.
[م-٦٢٥] ذهب عامة العلماء إلى مشروعية التسبيح في الركوع والسجود للإمام والمنفرد والمأموم.
وقال مالك في قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يَحُدَّ فيه دعاءً موقوتًا (١).
وتأوله أصحابه، قال ابن رشد الجد: قوله: «لا أعرف هذا، معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة، وكذلك قوله: إنه لا يراه، معناه لا يراه من حَدِّ السجود الذي لا يجزئ دونه، لا أنه يرى تركه أحسن من فعله؛ لأن التسبيح في سجود الصلاة من السنن التي يستحب العمل بها عند الجميع» (٢).
وهذا التأويل متعين، وهو ما يليق بإمامة مالك ﵀، وسعة علمه وحفظه.
قال سحنون كما في المدونة: «قلت لابن القاسم: أرأيت مالكًا حين كره الدعاء في الركوع، كان يكره التسبيح في الركوع؟ فقال: لا» (٣).
قال زروق في شرح الرسالة: التسبيح مستحب، والتعيين غير لازم، ثم فسر قول مالك في المدونة بأنه معنى قول الشيخ، وليس في ذلك توقيت قول، ولا حد في اللبث (٤).
стр. 4910
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «المنقول عنه إنما هو كراهة المداومة على (سبحان ربي العظيم)؛ لئلا يظن أنها فرض؛ وهذا يقتضي أن مالكًا أنكر أن تكون فرضًا واجبًا. وهذا قوي ظاهر بخلاف جنس التسبيح فإن أدلة وجوبه في الكتاب والسنة كثيرة جدًّا» (١).
(ح-١٦٧٢) والدليل على مشروعية التسبيح ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،
عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، وفيه: … ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (٢).
[م-٦٢٦] واختلف العلماء في وجوب التسبيح:
فقيل: سنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
стр. 4911
وقيل: التسبيح واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعد من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره بعض الشيوخ، وخرجه على قواعد المذهب للأمر به، والمواظبة عليه، واختاره داود الظاهري، على خلاف بينهم في صفة الواجب:
فقيل: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك، وهو مذهب الحنابلة (١).
وقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي ﷺ من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء (٢).
ولعل هذا ما قصده مالك عندما روي عنه بأنه لا يحد فيه حَدًّا، أي لا يعين فيه تسبيحًا بعينه، ولا عددًا بعينه، فكل تسبيح لله تحصل به السنة، كسبوح قدوس رب الملائكة والروح، وسبحانك الله وبحمدك، ونحو ذلك (٣).
وقيل: التسبيح ركن، وهو قول أبي مطيع البلخي من الحنفية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم ونسبه ابن بطال للظاهرية (٤).
стр. 4912
هذه أقوال أئمتنا الفقهاء عليهم رحمة الله، وننتقل بعد حصر الأقوال إلى عرض الحجج والبراهين.
• دليل من قال: التسبيح سنة:
الدليل الأول:
الأصل عدم وجوب التسبيح، والأدلة في التسبيح إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة تقتضي الوجوب، ولكنها ضعيفة، والأصل عدم تأثيم المصلي، والأصل أيضًا براءة ذمته حتى يصح دليل في الوجوب سالمًا من النزاع.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
وجه الاستدلال:
قال الشافعي: «لم يذكر في الركوع والسجود عملًا غيرهما، فكانا الفرض، فمن جاء بما يقع عليه اسم ركوع أو سجود، فقد جاء بالفرض عليه، والذكر فيهما سنة اختيار، وهكذا قلنا في المضمضة والاستنشاق مع غسل الوجه» (١).
• ويناقش:
الآية ذكرت الركوع والسجود، وزادت السنة الطمأنينة فيهما، وإذا جازت الزيادة على دلالة الآية بدليل آخر، لم تمنع الآية زيادة وجوب التسبيح في الركوع والسجود لدليل آخر أيضًا.
• ويرد:
الآية لا تمنع وجوب التسبيح بدليل آخر، والقائل بعدم الوجوب ينازع في ثبوت دليل صحيح يقتضي وجوب التسبيح.
стр. 4913
الدليل الثالث:
(ح-١٦٧٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ علمه واجبات الصلاة، ولم يذكر له التسبيح في الركوع والسجود، فلوكان واجبًا لعلمه إياه، فمن كان لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما.
قال النووي: «لو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها بل هذه أولى بالتعليم لو كانت واجبة؛ لأنها تقال سرًّا، وتخفى، فإذا كان الركوع والسجود مع ظهورهما لا يعلمهما فهذه أولى» (٢).
ورد هذا الاستدلال:
بأن النبي ﷺ لم يعلمه كل الواجبات، بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام.
والسؤال: لماذا لم يعلمه النبي ﷺ التسبيح في الركوع والسجود؟
والجواب لا يخلو من ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون النبي ﷺ اقتصر على تعليمه ما أساء فيه، دون غيره.
стр. 4914
• ويجاب عن هذا:
بأن هذا احتمال بعيد جدًّا، بحيث لا يتصور أن المصلي يخل بالطمأنينة في الركوع والسجود، ثم يكون قد سبَّح في ركوعه، وسجوده، فلو أنه قد سبَّح في ركوعه، ولو مرة واحدة لكان قد اطمأن في صلاته؛ لأن الطمأنينة بقدر تسبيحة واحدة على الصحيح، فلما أمره بالاطمئنان بالركوع والسجود لإخلاله به لزم منه الإخلال بالتسبيح من باب أولى، ولما لم يأمره بالتسبيح دل ذلك على عدم وجوبه في الصلاة.
الاحتمال الثاني: أن يكون النبي ﷺ لم يأمره بالتسبيح لأنه لم يكن واجبًا حين ذاك، ثم شرع وجوبه فيما بعد.
• ويجاب على هذا:
بأن تجويز هذا الاحتمال نظريًّا غير ممتنع، ولكنه من حيث تطبيقه على الواقع بعيد،
لأن التشريع الأول قبل وجوب التسبيح، لا يخلو: إما إن يكون الركوع شرع أول ما شرع خاليًا من الذكر، ثم شرع الذكر.
وإما أن يكون التشريع الأول كان التسبيح مستحبًّا، ثم ألزم الناس به بعد ذلك.
وفي الحالين لو كان هذا هو الواقع لنقل للأمة النصوص التي تبين لنا التدرج في التشريع، ولاحتاج الصحابة إلى النصوص التي تبين لهم أن الركوع الذي كان مشروعًا دون تسبيح، أو كان الذكر فيه مستحبًّا قد رفع، وأصبح واجبًا عليهم التسبيح في الركوع والسجود، حتى ينتقل الناس إلى الحكم الجديد، كما حفظت لنا النصوص نسخ التطبيق بالركوع والسجود والذي كان معمولًا به في صدر الإسلام، وكما حفظت لنا النصوص نسخ توسط الإمام في الصف إذا كان يصلي معه اثنان، إلى مشروعية تقدم الإمام إذا كانوا ثلاثة، فلما لم ينقل لنا في تاريخ تشريع الصلاة أن الذكر في الركوع لم يكن مشروعًا ثم شرع، وكذلك لم ينقل لنا أنه كان مستحبًّا، ثم ألزم الناس بالتسبيح، كان تصور التدرج في التشريع ضعيفًا جدًّا، والأصل عدم التدرج في التشريع، وعدم وقوع النسخ، والله أعلم.
الاحتمال الثالث: أن يكون التسبيح في الركوع والسجود ليس واجبًا، وهو أقواها، والله أعلم.
стр. 4915
الدليل الرابع:
(ح-١٦٧٤) ما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،
عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين … وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي … وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
ظاهر حديث علي ﵁ أنه قد يترك النبي ﷺ التسبيح أحيانًا، ويكتفي بالثناء، فلو كان الركوع والسجود لا يجزئ من دون التسبيح لذكره.
• وأجيب:
بأن هذا الثناء من جملة الأنواع المذكورة في السنة، فكل واحد لا ينفي الآخر.
• ورد هذا الجواب:
بأن ما ترك نقله علي ﵁ ظاهر أنه ليس دليلًا على نفيه، كالقراءة مثلًا، وما ذكره مقتصرًا عليه كالاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، فظاهره صحة الاكتفاء به، والاقتصار عليه، واعتبرت دلالته من قبيل الظاهر: وهو ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر من أجل هذا الاحتمال.
الدليل الخامس:
(ح-١٦٧٥) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،
عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف
стр. 4916
أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أمر في الركوع بالتعظيم للرب، وأمر في السجود بالاجتهاد في الدعاء، وإذا كان التعظيم والدعاء فيهما ليسا واجبين، مع صحة الأمر بهما في هذا الحديث الصحيح، فكيف يجب التسبيح فيهما، مع أن الأمر بالتسبيح لم يثبت بدليل صحيح، غاية ما جاء فيه أن النبي ﷺ كان يسبح فيهما، وهذا لا يكفي للقول بالوجوب، وكل حديث روي فيه الأمر بالتسبيح فهو معلول.
• ونوقش:
الأمر بتعظيم الرب هذه الصيغة إما أن تكون دلالتها مطلقة، وإما أن تكون مجملة، فإن كانت من قبيل المجمل فقد بينه النبي ﷺ وقد نقل عنه أنه كان يسبح كما في حديث حذيفة في مسلم.
وإن كان من قبيل الإطلاق، فلا دلالة فيه على وجوب التسبيح، لكنه لا ينفي وجوب التسبيح بدليل آخر، وقد يكون المراد من سياق حديث ابن عباس دفع ما قد يتوهمه البعض من أن الواجب في الركوع والسجود الاقتصار على التسبيح، فأشار الحديث بأن السجود من مواضع الدعاء، فيجتهد فيه المصلي بالدعاء مع التسبيح المستفاد من الأدلة الأخرى، وأن الركوع موضع لتعظيم الرب، فيجتهد فيه المصلي بالثناء المتضمن للتعظيم مع التسبيح.
• ورد هذا الجواب من وجهين:
الوجه الأول:
كون الحديث لا ينفي إيجاب التسبيح بدليل آخر، هذا صحيح لكن النزاع بين
стр. 4917
الفريقين إنما هو في ثبوت صحة هذا الدليل الآخر، فالقائل بعدم الوجوب وهم جمهور الفقهاء يرون أن الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود لم يثبت في حديث صحيح، وكل الأحاديث الصحيحة بالتسبيح لا تفيد الوجوب، والمشروعية ليست محل النزاع.
الوجه الثاني:
تعظيم الرب ليس من قبيل المجمل، بل هو مطلق؛ لأن الإجمال هو ما احتمل أكثر من معنى، ولم يترجح أحدها، فالأمر بتعظيم الرب في الركوع لا يحتمل إلا معنى واحدًا. وأما تنزيه الرب بالتسبيح فهو فرد من أذكار كثيرة كان النبي ﷺ يعظم فيها ربه، وقد مر معنا حديث علي ﵁ في مسلم، وفيه: (وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي … وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (١).
فهذا نوع من التعظيم في الركوع، ودعوى أنه كان يقوله مع التسبيح فهو مجرد دعوى، وظاهر حديث عليٍّ الاقتصار عليه، ولو سلم أنه كان يقوله مع التسبيح فكلاهما من قبيل الذكر المسنون؛ لأن الفعل لا يقتضي الوجوب، والأمر بأحدهما لا يثبت في حديث صحيح.
الدليل السادس:
أن الركوع والسجود ركنان في الصلاة فلم يجب فيهما تسبيح كالقيام (٢).
• ويناقش:
بأن كل ركن له ذكر واجب يناسبه، فالقيام مختص بأعلى الذكر، وهو قراءة القرآن، والفاتحة فيه ركن، وليست واجبة على الصحيح، والركوع والسجود مختص بالتسبيح؛ لأن المصلي منهي عن قراءة القرآن حال الركوع والسجود، فوجب بدله، وهو التسبيح، كما يقوم التسبيح مقام القرآن إذا عجز المصلي عن
стр. 4918
القراءة حسًّا، ويكون التسبيح في حقه واجبًا، فكذلك يقوم التسبيح مقام القرآن إذا عجز عنه شرعًا، فالعجز الشرعي كالعجز الحسي.
• ويرد هذا النقاش:
إذا اعتبرنا التسبيح بدلًا عن القرآن، فالسؤال: أهو بدل على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب، فالثاني يمكن تسليمه، والأول هو محل النزاع، ووجوب البدل يحتاج إلى دليل صحيح يقضي بوجوبه، وهو محل الخلاف، فإذا صح الأمر بالتسبيح سواء اعتبرنا مشروعيته أصالة وهو الصحيح، أو بدلًا عن القرآن قلنا بوجوبه، والمخالف ينازع في وجود هذا الدليل، والله أعلم.
ا• دليل من قال: التسبيح واجب:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، وقال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].
وجه الاستدلال:
أمر الله بالتسبيح، والأمر يقتضي الوجوب، وقد أجمع العلماء على عدم وجوبه في غير الصلاة، فدل على وجوبه فيها.
• ويناقش:
الأمر بالتسبيح مطلق، فإذا حمل على الوجوب فالامتثال يحصل بفعله مرة واحدة، وتقييده بالصلاة، وتكراره في كل صلاة، لا يستفاد من الآيتين.
الدليل الثاني:
(ح-١٦٧٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى يعني -ابن أيوب الغافقي- حدثني عمي إياس بن عامر، قال:
سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم (١).
الدليل الثالث:
(ح-١٦٧٧) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق ابن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله،
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : من قال في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن قال في سجوده ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه (١).
[منقطع، ورفعه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود من فعله] (٢).
الدليل الرابع:
استدل ابن تيمية على وجوب التسبيح في السجود بوجوبه في سجود التلاوة، قال في مجموع الفتاوى:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥]، يدل على أن التذكير بها كقراءتها في الصلاة موجب للسجود والتسبيح، وإنه من لم يكن إذا ذكر بها يخر ساجدًا، ويسبح بحمد ربه فليس بمؤمن، وهذا متناول الآيات التي ليس فيها سجود، وهي جمهور آيات القرآن، ففي القرآن أكثر من ستة آلاف آية، وأما آيات السجدة فبضع عشرة آية. وقوله: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا﴾ يتناول جميع الآيات فالتذكير بها جميعها موجب للتسبيح والسجود، وهذا مما يستدل به على وجوب التسبيح والسجود. وعلى هذا فإن عامة أدلة الشريعة من الكتاب والسنة تدل على وجوب جنس التسبيح، فمن لم يسبح في السجود فقد عصى الله ورسوله، وإذا أتى بنوع من أنواع التسبيح المشروع أجزأه.
• ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
إذا لم يجب سجود التلاوة على الصحيح، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية، لم يجب توابعه، ولا فرق في حكم سجود التلاوة في الصلاة وخارجها؛ لأن المقتضي واحد، وهو تلاوة آية السجدة.
стр. 4925
الوجه الثاني:
ما الحاجة إلى استخدام دليل القياس على ما يجب للركوع والسجود، وهو عبادة تتكرر في اليوم خمس مرات، والركوع والسجود ركن من أركان الصلاة، والأصل المقيس عليه سجود عارض، وهو من سنن التلاوة، فالتسبيح في الركوع والسجود آكد في الاستحباب من ذكر سجود التلاوة، ولقد بلغ الرسول ﷺ صحابته كيف يصلون، بما يحصل به البلاغ، وتقوم به الحجة، فهل يحتاج إلى القياس لمعرفة حكم التسبيح؟.
الوجه الثالث:
الاستدلال بدليل على وجوب التسبيح في غير ما سيق له دليل على ضعف الاستدلال من جهة، ودليل آخر على عدم وجود أدلة على وجوب التسبيح في الركوع والسجود؛ لأننا لا نحتاج إلى القياس إلا مع غياب النص في الفرع المقتضي لوجوب التسبيح في الركوع والسجود، وغياب النص في الصلاة المفروضة مع قيام الحاجة إلى معرفة الحكم لو كان واجبًا دليل على عدم الوجوب.
الوجه الرابع:
القول بأن التذكير بآيات الله يشمل جميع آيات القرآن، وأن التذكير بهذه الآيات موجب للسجود والتسبيح، فإن كان المقصود بالسجود الخضوع وبالتسبيح تعظيم الله وتنزيهه، فهذا مسلم، وهو لا يستفاد منه وجوب التسبيح في سجود الصلاة، وإن كان المقصود بالسجود سجود التلاوة فهذا لا يشرع في غير آيات التلاوة، ولو سجد في غير آيات التلاوة في الصلاة لبطلت صلاته.
الوجه الخامس:
لو سلمنا بوجوب التسبيح في السجود، فأين الدليل على وجوبه في الركوع؟
الوجه السادس:
التعبير بالحصر لا يدل على الوجوب قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ … ﴾ الآية [٢: الأنفال].
وانتفاء هذه الصفة لا يدل على انتفاء صفة الإيمان فكذلك استخدام الحصر في سجود التلاوة والتسبيح فيه لا يدل على وجوبهما حتى يمكن تعدية الحكم إلى الفرع،
стр. 4926
وهو التسبيح في الركوع والسجود.
وكذلك قال ﷺ : إنما شرع الرمي والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله، وليس الذكر فيها واجبًا فيها مع استخدام الحصر.
الدليل الخامس:
(ث-٤٣٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال:
قال علي: إذا ركع أحدكم فليقل: اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سبحان ربي العظيم -ثلاثًا- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى -ثلاثًا- فإن عجل به أمر فقال: سبحان ربي العظيم وترك ذلك أجزأه (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 4927
وجه الاستدلال:
التعبير بالإجزاء دليل على انتفائه بانتفاء التسبيح.
الدليل السادس:
استدلوا بالقياس على وجوب الذكر في القيام.
وجه القياس:
قالوا: إن الركوع والسجود من أركان الصلاة، فكان فيهما ذكر واجب كالقيام.
• ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
هذا القياس إما أن يكون من قياس الشبه، وهو أضعف أنواع القياس، ولا حجة فيه على الصحيح، كإلحاق بعض الفقهاء المني بالمذي بالنجاسة لشبهه به وارتباط خروجهما باللذة،
وإما أن يكون من قياس العلة، بجامع أن الصلاة مأمور بفعلها لإقامة ذكر الله تعالى، فالركن لا يصح أن يكون خاليًا من الذكر، فيتعين التسبيح.
فإن كان من قياس العلة، فالذكر في القيام على نوعين:
أحدهما: سنة، وهو دعاء الاستفتاح، وكذلك قراءة ما تيسير من القرآن.
والثاني: ركن: وهو قراءة الفاتحة.
وليس في القيام ذكر واجب، يمكن أن يلحق به حكم التسبيح، فإن صح قياس ذكر الركوع والسجود على ذكر القيام فإن قياسه على ما هو ركن في القيام قول ضعيف، فلا يبقى إلا قياسه على ما هو مستحب، كالاستفتاح وقراءة ما تيسر، ولأن قياس الذكر على الذكر أقرب من قياس الذكر على الفاتحة.
الوجه الثاني:
جاء في أسنى المطالب: «إنما وجب الذكر في قيام الصلاة، والتشهد ولم يجب
стр. 4928
في الركوع ولا في السجود؛ لأن القيام والقعود يقعان للعادة وللعبادة فاحتيج إلى ذكر يخلصهما للعبادة، والركوع، والسجود يقعان خالصين لله تعالى إذ هما لا يقعان إلا للعبادة فلم يجب الذكر فيهما» (١).
• دليل من قال: التسبيح ركن من أركان الصلاة:
أطلق القرآن على الصلاة اسم التسبيح، فقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨].
(ح-١٦٧٨) وروى مسلم من طريق عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر ابن الخطاب،
عن أبيه، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله .... وذكر بقية الحديث (٢).
وجه الاستدلال:
أنه أطلق على الصلاة اسم التسبيح، فدل على أنه من أركانها، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ولا يصح أن يقال: فتحرير يد، أو تحرير قدم؛ لأن حياة العبد تستقل من دون ذلك العضو بخلاف الرقبة، وكإطلاق السجود على الركعة، في قوله ﷺ : من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. فإنه دليل على أن الركعة لا تستقل من دون السجود، وكإطلاق القراءة على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، دليل على أن القراءة جزء من ماهية الصلاة، وقد بينت السنة على فرضية الفاتحة خاصة، وقد بينت السنة أن محل التسبيح في الصلاة هو الركوع والسجود، والله أعلم.
стр. 4929
• ويناقش:
استدل بعض العلماء بهذا الدليل على وجوب التسبيح، ولو صح هذا التوجيه لكان يقتضي أن يكون التسبيح ركنًا؛ وليس واجبًا (١)؛ لهذا سقت هذا الدليل لمن قال: بركنية التسبيح، كما قيل في حديث: (لا صلاة لمن لم يذكر اسم الله عليه) اعترضوا على الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التسمية، بأن الحديث لو صح لكان يقتضي ركنية التسمية، وليس وجوبها.
والفرق أن هذا الحديث ضعيف، بخلاف الاستدلال بإطلاق التسبيح على الصلاة فإنه في الكتاب والسنة.
والقول بأن التسبيح ركن من أركان الصلاة مخالف لمذهب الأئمة الأربعة، وإن كان روي عن الإمام أحمد، وهو خلاف المعتمد في المذهب.
• وأما الجواب على عن هذا الاستدلال فمن أوجه:
الوجه الأول:
سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله ﵎ وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص في الركوع والسجود، فلا يدخل في اصطلاح إطلاق الجزء على الكل.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي المصلين على أحد القولين، فكان هذا قبل شريعتنا.
الوجه الثاني:
قد يعكس هذا الدليل، فيقال: أطلقت السُّبْحةُ على صلاة التطوع لكونها
стр. 4930
شبيهة بالتسبيح في عدم الوجوب.
(ح-١٦٧٩) روى مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يصلي سبحته حيثما توجهت به ناقته (١).
(ح-١٦٨٠) وروى مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، قالا:
أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا … وفيه: … قال إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة (٢).
أي نافلة، ولا يصح حمل السبحة على مطلق الصلاة؛ لأنه يجعل المعنى: اجعلوا صلاتكم معهم صلاة، فيكون لغوًا.
قال الزمخشري في الفائق: «المكتوبة والنافلة وإن التقتا في أن كل واحدة منهما مسبح فيها إلا أن النافلة جاءت بهذا الاسم أخص من قبل أن التسبيحات في الفرائض نوافل، فكأنه قيل: النافلة سبحة على أنها شبيهة الأذكار في كونها غير واجبة، وفي حديث ابن عمر كان يصلي سبحته في مكانه الذي يصلي فيه المكتوبة» (٣).
وقال ابن الأثير: «وإنما خصت النافلة بالسُّبْحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة: سُبْحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة» (٤).
الوجه الثالث:
قد يكون إطلاق التسبيح على الصلاة باعتباره من مقاصد الصلاة، وكونه من
стр. 4931
مقاصد الصلاة لا يعني أن الصلاة لا تصح إلا به، فالحج والطواف والسعي والرمي من مقاصدها إقامة ذكر الله.
فالخشوع روح الصلاة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]. وخشوع القلب ليس من أركان الصلاة بالإجماع، ولا من واجباته على الصحيح، وقد حكي الإجماع على عدم وجوبه، ولا تعاد الصلاة لفواته.
(ح-١٦٨١) وروى الإمام أحمد من طريق، سفيان (الثوري)، عن عبيد الله بن أبي زياد قال: سمعت القاسم قال:
قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة، ذكر الله (١).
[الراجح وقفه] (٢).
стр. 4932
فقوله: (إنما جعل الطواف والسعي والرمي لإقامة ذكر الله حصر بأنه ما شرع إلا من أجل هذه الغاية، فإن دل الحديث على وجوب الذكر فيها دل هذا على وجوب التسبيح في الصلاة.
والأمر بذكر الله في الحج مستفيض بالقرآن والسنة، والذكر ليس من أركان الحج، ولا من واجباته.
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
فالذكر مأمور به الحاج في كل أحواله، فالحاج في عرفات يذكر الله حتى إذا أفاض من حيث أفاض الناس أمر بالاستغفار، فإذا حَلَّ في مزدلفة أمر بالذكر عند المشعر الحرام، فإذا طاف وسعى ورمى أمر بإقامة ذكر الله فيها، بل عبر الشارع بما يفيد الحصر، وأنه لم يشرع إلا من أجل ذلك، فإذا فرغ من مناسكه أمر بالذكر ختامًا
стр. 4933
لمناسكه، ومع ذلك فهذا الذكر مأمور به أمرًا صحيحًا صريحًا وكونه من مقاصد الحج، فلا يعني أنه من أركانه ولا من واجباته، فكذلك تسبيح الله وذكره في الصلاة من مقاصد الصلاة، ولا يقتضي ذلك أن يكون من أركانه، ولا من واجباته، وكأن الذكر في العبادة أعم من أن يكون بالقول، فكأن الرمي والطواف والسعي إذا أقامها العبد فقد تحقق منه ذكر الله تعالى في هذه الأفعال، وكذلك يقال في الصلاة: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فكأن إقامة الصلاة من قيام وركوع وسجود هذه الأفعال من الذكر الفعلي، ولهذا لم يذكر التسبيح في حديث المسيء صلاته، واقتصر في الأركان على الأفعال، وعلى تكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، ولم يذكر التسبيح، والله أعلم.
الوجه الرابع:
رد الحنفية على صاحبهم أبي مطيع البلخي، بأن القول بأن التسبيح ركن، وهو قد ثبت بدليل ظني يؤدي إلى نسخ حكم الدليل القطعي بالظني، وهذا لا يصح عند الحنفية.
وجه القول بذلك:
أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
فقوله: (اركعوا واسجدوا) مقتضاه صحة الركوع والسجود بمطلق الفعل، ولو لم يكن فيهما تسبيح، هذا ما يفيده مطلق الآية، وهي قطعية الثبوت، فإذا قلنا: إن التسبيح ركن بدليل ظني، فذلك يعني أنه لا يصح الركوع والسجود بمطلق الفعل حتى يسبح فيهما، وهذا يلزم منه تغيير حكم الآية، وتغيير حكم الآية يعني نسخ المقطوع بالمظنون، وهذا لا يصح عند الحنفية، ولهذا جاء في أصولهم: إن الزيادة على نص الكتاب نسخ، يعني يشترط له ما يشترط للنسخ عندهم.
قال الكسائي في بدائع الصنائع: «وروي عن أبي مطيع البلخي أنه قال: من نقص من الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود لم تجزه صلاته، وهذا فاسد؛ لأن الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود مطلقا عن شرط التسبيح فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد فقلنا بالجواز مع كون التسبيح سنة عَمَلًا بالدليلين بقدر الإمكان» (١).
وقد ناقشت هذا الاستدلال في بحث الطمأنينة في الركوع في مبحث سابق،
стр. 4934
فارجع إليه إن شئت.
• الراجح:
مشروعية التسبيح ليست محل خلاف، والأمر بالتسبيح لم يصح في السنة المرفوعة مع حاجة كلِّ مُصَلِّ إلى هذا الحكم لو كان واجبًا، ولم يؤثر القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، وما روي عن علي ﵁، موقوفًا، لا يصح، كما لم يؤثر عن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، وإنما حفظ القول بالوجوب عن الإمام أحمد وقد عَدَّها أصحابه من مفرداته، وله رواية أخرى توافق رواية الجمهور، فكان قوله الموافق للجمهور أولى من الرواية التي تخالفهم، ولم يوافق الإمام أحمد إلا الإمام إسحاق، وهو معدود من طبقة الإمام أحمد، والإمام داود الظاهري، وهو في طبقة عبد الله بن الإمام أحمد، فلا يطمئن الباحث إلى الجزم بالوجوب، فلو كان واجبًا لحفظ من النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق بما يصحح ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، والله أعلم.
стр. 4935
المبحث الثاني صيغة التسبيح في الركوع والسجود
المدخل إلى المسألة:
• أمر الرسول ﷺ بتعظيم الله في الركوع ولم يعلق ذلك بقدر معين، ولا بصيغة معينة.
• كل ما صح في السنة من تعظيم وتحميد، وتسبيح، وتهليل وتقديس فهو مشتمل على التعظيم المأمور به، وتحصل بفعله السنة.
• التسبيح فرد من أنواع كثيرة، ولا يتعين التعظيم بالتسبيح.
• ربما ترك النبي ﷺ التسبيح كله إلى التعظيم بغير التسبيح كحديث علي في مسلم: وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي، فما ذكره عَلِيٌّ مقتصرًا عليه كالاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، فظاهره صحة الاكتفاء به، والاقتصار عليه.
[م-٦٢٧] اختلف العلماء في التسبيح هل له صيغة معينة:
فقيل: يتعين التسبيح بلفظ: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وفي السجود (سبحان ربي الأعلى)، وهذا قول الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 4936
قال في الفروع: ويتعين سبحان ربي العظيم خلافًا لمالك (١).
وقيل: لا يتعين التسبيح بلفظ معين وهو مذهب الإمام مالك، ورجحه إسحاق، واختاره ابن تيمية (٢).
قال مالك في قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يَحُدَّ فيه دعاء موقوتًا (٣).
ونقله ابن يونس عن المدونة في الجامع، وزاد: ولم يكره التسبيح في الركوع (٤).
وقال زروق في شرح الرسالة: التسبيح مستحب، والتعيين غير لازم، ثم فسر قول مالك في المدونة بأنه معنى قول الشيخ، وليس في ذلك توقيت قول، ولا حد في اللبث (٥).
وقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي ﷺ من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء (٦).
وقال ابن تيمية: والأقوى أنه يتعين التسبيح إما بلفظ (سبحان) وإما بلفظ (سبحانك) ونحو ذلك .... وقد نقل عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (سبحان ربي العظيم) و (سبحان ربي الأعلى)، وأنه كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) و (سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت)، وفي بعض روايات أبي داود (سبحان ربي العظيم وبحمده) … وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) وفي السنن أنه كان يقول: (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة). فهذه كلها تسبيحات (٧).
• حجة الجمهور على تعين التسبيح بلفظ معين:
الدليل الأول:
(ح-١٦٨٢) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر،
стр. 4937
عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، وفيه: … ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (١).
• ونوقش:
الحديث دليل على مشروعية التسبيح بهذه الصيغة، ولا دلالة فيه على أن هذه الصيغة متعينة.
الدليل الثاني:
(ح-١٦٨٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى يعني -ابن أيوب الغافقي- حدثني عمي إياس بن عامر، قال:
سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم (٢).
[منكر] (٣).
• ونوقش:
بأن دلالته صريحة على وجوب هذه الصيغة، إلا أن الحديث لا يصح.
الدليل الثالث:
(ح-١٦٨٤) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق ابن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله،
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : من قال في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن قال في سجوده ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه (٤).
стр. 4938
[منقطع، ورفعه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود من فعله] (١).
• ونوقش:
لو صح لكان فيه دليل، لكن المرفوع لا يصح، والموقوف لا دلالة فيه على تعيين صيغة معينة للتسبيح.
الدليل الرابع:
(ح-١٦٨٥) ما رواه البزار، قال: حدثنا محمد بن صالح بن العوام، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جده،
عن أبي بكرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يسبح في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا.
قال البزار: «هذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه عن أبي بكرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وعبد الرحمن بن بكار معروف نسبه صالح الحديث» (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 4939
الدليل الخامس:
(ح-١٦٨٦) ما رواه البزار، قال: حدثنا محمد بن عبيد بن ثعلبة، قال: أخبرنا أبو يحيى الحماني، عن السَّرِيِّ بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق،
عن عبد الله قال: إن من السنة أن يقول الرجل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا. وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا.
قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن مسروق، عن عبد الله إلا من هذا الوجه، والسَّرِيُّ بن إسماعيل هذا فليس بالقوي» (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
الدليل السادس:
(ح-١٦٨٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن بشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي عبيدة بن عبد الله،
أن ابن مسعود كان إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم -ثلاثًا فزيادة- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده -ثلاثًا فزيادة- قال أبو عبيدة: وكان أبي يذكر أن النبي ﷺ كان يقوله (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 4940
الدليل السابع:
(ث-٤٣٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال:
قال علي: إذا ركع أحدكم فليقل: اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سبحان ربي العظيم -ثلاثًا- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى -ثلاثًا- فإن عجل به أمر فقال: سبحان ربي العظيم وترك ذلك أجزأه (١).
[ضعيف] (٢).
• ونوقشت هذه الأدلة:
بأن هذه الأدلة مع ضعفها ليس فيها من الدلالة زيادة على حديث حذيفة في مسلم، وقد صدرت به الأدلة، وليس فيه ما يدل على تعيين هذه الصيغة، والرسول ﷺ أمر بتعظيم الرب في الركوع، والتعظيم بالتسبيح فرد مما يقال في الركوع، ولا ينحصر التعظيم في التسبيح، فكل ما ثبت عن النبي ﷺ من تعظيم وتحميد، وتسبيح وتهليل وتقديس فهو مشتمل على التعظيم المأمور به، وتحصل السنة بفعله.
• دليل من قال: لا يتعين التسبيح بلفظ معين:
الدليل الأول:
(ح-١٦٨٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق منصور بن المعتمر، عن مسلم هو ابن صبيح أبي الضحى، عن مسروق،
عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (٣).
الدليل الثاني:
(ح-١٦٨٩) ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير،