في الكتاب كثير من الإلحاقات التي ألحقها ابن إياس على المتن، مشيرا إلى موضعها داخل النص، وأنهى أكثرها بلفظ "صح"، وكذا بعض المواضع بيض لها لحين الوقوف على خبرها فيما بعد، وهو بين الحين والآخر يسقط بعض الكلمات سهوا.
- كان يكتب الكلمة أحيانا على جزأين كل جزء منها في سطر.
- لم يهتم ابن إياس بتمييز العدد، مثل: خمسة وخمسين سنة.
- لم يهتم ابن إياس بالهمزات، كالثلاثا، والأربعا وغيرها.
سابعا- النسخ الخطية:
من حسن الحظ أن وصل إلينا الجزء الثاني من نسخة مبيضة الكتاب بخط المؤلف Holographe، إذ نادرا ما تصل إلينا نسخة المؤلف، وهي محفوظة في أيا صوفيا برقم (٣٣١١) تاريخ.
يتكون من ستة وعشرين كراسة، كل كراسة عشر ورقات، أي عشرين صفحة، وعدد أوراقه ٢٦٠ ق، ومسطرته ٢٣ ق، وبه تعقيبة، وهو مشكول، وكتبت بخط النسخ المملوكي الجميل الواضح، أما الترقيم الوارد في المتن فهو ترقيم المفهرس بالمكتبة، سقط من هذا الترقيم ٤ صفحات قطع صغيرة.
ويبدأ النص بذكر تسلطن شجر الدر وابتداء دولة المماليك الأتراك بالديار المصرية في صفر سنة ٦٤٨ هـ/ مايو ١٢٥٠ م، وينتهي بقتل السلطان الملك الناصر محمد بن الملك الأشرف قايتباي في ربيع الأول سنة ٩٠٤ هـ/ أكتوبر ١٤٩٨ م.
وقد كتبت الصفحة الأولى بخط المؤلف، أولها: «بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر وأعن، الجزء الثاني في ابتداء دولة الأتراك، وذلك على سبيل الاختصار، منها قيل .... ».
وينتهي الكتاب بقول مؤلفه: "وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء على يد مؤلفه، فقير رحمة ربه، محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، عامله الله تعالى بلطفه الخفي، في يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول سنة خمس وتسعمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ورضى الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، والحمد لله رب العالمين، تم ذلك".
стр. 37
وهذه النسخة من أوقاف السلطان العثماني محمود الأول (١١٤٣ - ١١٦٨ هـ/ ١٧٣٠ - ١٧٥٨ م) (١)، وقد كتب نص وقفيته على الورقة الأولى مكتوب بالخط الفارسي بخط عريض، وهذه التقييد الوقفية توجد في جميع كتب مكتبة آيا صوفيا، ونصها:
قد وقف هذه النسخة الجليلة سلطاننا الأعظم، والخاقان المعظم، مالك البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين، السلطان ابن السلطان، السلطان الغازي محمود خان، وقفا صحيحا شرعيا لمن طالع وتبصر واعتبر وتذكر، أجزل الله ثوابه وأوفر، حرره الفقير أحمد شيخ زاده، المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين، غفر لهما.
وكذلك وجدنا ختمين في وسط الصفحة الأولى من المخطوط بشكل بيضوى عليها كتابة بالخط النستعليق الأبيض على أرضية سوداء، وهما:
الختم الأول: ختم وقف السلطان محمود، وصورته:
﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: الآية ٤٣] وفي أسفل الختم طغراء الوقف.
الختم الثاني: ختم الواقف أحمد زادة (٢)، وهو دعاء:
زتو (٣) توفيق يا رب منا كتب أحمد
_________
(١) انظر ترجمته في: عجائب الآثار، ١/ ٢١٧.
(٢) هو: أحمد بن الشيخ محمد الزاهد الادرنه وى القاضى الرومي الحنفي الشهير بشيخزاده. من القضاة. له حاشية على شرح مفتاح العلوم في المعاني والبيان ورسالة على مبحث الاستعارة من أوائل الكشاف، ت: ١٠٣٣/ ٥١٦٢٤ م. (هداية العارفين، ١/ ١٥٦).
(٣) لعله يقصد «زدت».
стр. 38
ثامنا - طريقة إخراج النص:
- نسخت النص، ونظمت مادته.
- شرحت المصطلحات، وعرفت بالأماكن، وترجمت للأعلام بقدر الوسع والإمكان، ونبهت على الأخطاء التي وقع فيها ابن إياس، وأضفت إلى النص ما احتاج من إضافة.
- وضعت النقط على الحروف التي كان يهملها بين الحين والآخر كالقاهره، والرمله، وغيرها؛ وكذا الهمزات المهملة كالثلاثا، والأربعا، راس وغيرها، بينما أبقيت على كلمات في صورتها العامية مثل كلمة "البير"، ووحدت لفظ "ابن" في النص على ما هو متعارف عليه في الإملاء الحديث، لأن ابن إياس لم يلتزم بذلك، وهي عادة المؤلفين قديما.
- كتبت الأسماء على الرسم الإملائي الحديث كجزا = جزى، وإنشاء الله = إن شاء الله، وأوفا = أوفى، وشكى = شكا، وثلثون = ثلاثون. وهو أحيانا يكتبها بالرسم الإملائي الحديث كثلاثون.
- خرجت النصوص التي نقلها المؤلف من مصادرها بقدر الوسع والإمكان. صنعت للنص عدة كشافات متنوعة.
стр. 39
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن
الجزء الثاني: في ابتدأ دولة الأتراك، وذلك على سبيل الاختصار.
منها قيل: لما أن قتل الملك المعظم توران شاه وهو أخر من تولى من بني أيوب، وقد تقدم ذلك في الجزء الأول، فتعصبوا المماليك الصالحية وقالوا: "ما نسلطن إلا زوجة أستاذنا (١) الملك الصالح نجم الدين أيوب" وهي شجر الدر (٢)، فسلطنوها في أوائل شهر صفر سنة ثمان وأربعين وستمائة.
وكان أصلها من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراها في أيام أبيه الملك الكامل محمد، فحظيت عنده واستولدها ابنه خليل ثم أعتقها وتزوج بها، وكانت معه في البلاد الشامية مدة طويلة، ثم قدمت معه إلى الديار المصرية.
فلما تسلطن الملك الصالح عظمت شجر الدر في دولة أستاذها الملك الصالح، وصارت تدبر أمور المملكة بالديار المصرية في حياة أستاذها الملك الصالح.
وكانت ذات عقل وحزم، ومعرفة تامة بأحوال المملكة؛ فسلطنوها لحسن سيرتها وجودة تدبيرها، وجعلوا الأمير عز الدين أيبك التركماني أتابك العساكر ومشاركها في أحوال المملكة، وصار يخطب باسم شجر الدر على منابر مصر وأعمالها.
وكانت الخطباء تقول بعد الدعاء للخليفة "وأحفظ اللهم الجهة الصالحية، ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، والدة المرحوم خليل، زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب".
стр. 40
وكانت تكتب علامتها على المراسم "والدة خليل"، فأقامت على ذلك مدة ثلاثة أشهر، فساست الرعية في مدة سلطنتها أحسن سياسة، وسارت فيهم أحسن سيرة إلى أن بدا لها خلع نفسها من السلطنة باختيارها.
وقيل (١): إن الخليفة (٢) أرسل من بغداد يقول لأمراء مصر: "أعلمونا إن كان ما بقي عندكم في مصر من الرجال من يصلح للسلطنة فنحن نرسل إليكم من يصلح لها؛ أما سمعتم الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة» (٣)، وأنكر عليهم بسبب ذلك غاية الإنكار، وقد قال القائل:
النساء ناقصات عقل ودين … ما رأينا لهن رأيا سنيا
ولأجل الكمال لم يجعل الله … تعالى من النساء نبيا (٤)
فلما بلغ ذلك إلى شجر الدر خلعت نفسها من السلطنة من غير كره، وتولى الأمير أيبك التركماني برضاها، ثم مشوا بينهما فتزوج أيبك بشجر الدر، وكان لا يتصرف في شيء من أمور المملكة إلا برأيها، وكانت ذات شهامة زائدة، وكانت تركية الجنس، شديدة الغيرة، صعبة الخلق، فكان أيبك معها في غاية الضنك.
стр. 41
ذكر سلطنة الملك المعز أيبك التركماني (١)
وهو أول ملوك الترك بالديار المصرية، تولى الملك في يوم السبت تاسع عشرين ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة، وركب بشعار السلطنة، وحملت على رأسه القبة والطير، ولعبوا قدامه بالغواشي الذهب.
فلما جلس على سرير الملك، واستقر في السلطنة، قالوا المماليك الصالحية: "لا بد لنا من واحد من بني أيوب نسلطنه"، وكان المتكلم يومئذ في أمور المملكة الأمير بلبان الرشيدي، والأمير فارس الدين أقطاي، والأمير بيبرس البندقداري، والأمير سنقر الرومي، وجماعة كثيرة من المماليك الصالحية؛ فأحضروا شخصا من ذرية بني أيوب، يقال له مظفر الدين يوسف من أولاد الملك مسعود صاحب بلاد الشرق، وكان عند عماته في بلاد الشرق، فلما حضر سلطنوه ولقبوه بالملك الأشرف، وكان له من العمر نحو من عشرين سنة (٢).
ولما تسلطن يوسف المذكور لم يعزل أيبك التركماني من السلطنة، بل صار يخطب باسمهما على المنابر، وضربت السكة على الدراهم والدنانير باسمهما، فلم يسع أيبك إلا الإذعان في ذلك واستمر المعز أيبك في السلطنة ويوسف المذكور شريكه، إلى أن قويت شوكة المعز أيبك وأنشأ له مماليك، وأقام له عصبة، فحسن برأيه أن يقتل الأمير فارس الدين أقطاي، وكان رأس المماليك الصالحية، فاستدعاه وقت الظهر على أنه يذكر له شيئا من أمور المملكة، وأكمن له كمينا وراء باب قاعة الأعمدة، وقرر معهم بأنه إذا مر عليهم يقتلوه من غير معاودة.
стр. 42
فلما كان يوم الإثنين حادى عشرين شعبان من سنة اثنتين وخمسين وستمائة أرسل المعز أيبك خلف الأمير فارس أقطاي فبادر بالركوب في نفر يسير من مماليكه وطلع إلى القلعة، فلما وصل إلى باب قاعة الأعمدة وثبوا عليه المماليك المعزية، وأذاقوه كأس المنية، فلما قتل الأمير فارس أقطاي أمر المعز أيبك بغلق باب القلعة.
فلما شاع قتله بين الناس ركبت مماليكه وخشداشينه (١) وكانوا نحو سبعمائة إنسان، فلما طلعوا إلى الرملة (٢)، وأحاطوا بالقلعة، فرمي لهم المعز رأس الأمير أقطاي من فوق السور، فلما تحققوا قتله انفضوا خائبين، فخرجوا على حمية نحو البلاد الشامية، وكان أعيانهم يومئذ بيبرس البندقداري، وقلاون الألفي، وسنقر الأشقر، وبيسري، وسكز، وبرمق، فلما قصدوا الخروج وجدوا أبواب المدينة مغلقة فقصدوا باب القراطين فأحرقوه فسمى من يومئذ الباب المحروق فلما بلغ الملك المعز هروبهم أمر بالحوطة على أموالهم وأملاكهم ونسائهم وأولادهم، وحمل موجود الأمير فارس أقطاي إلى الخزائن الشريفة، فلما تمكن الملك المعز أيبك من السلطنة قبض على الملك الأشرف يوسف الذي كان شريكه في السلطنة.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة، فيها: أرسل الملك المعز أيبك يخطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فلما بلغ شجر الدر ذلك تغيرت على أيبك، وتغير عليها، لأنها كانت تمن عليه في كل وقت، وتقول له: "لولا أنا ما تسلطنت أنت"، وكانت قد منعته من الاجتماع بزوجته أم ولده علي حتى أنها ألزمته بطلاقها بالثلاثة، فحنق منها أيبك ونزل وهو غضبان إلى مناظر اللوق، وكانت مناظر اللوق (٣) مكان الأزبكية الآن، فأقام بها أياما، فأرسلت إليه شجر الدر من تلطف به وحلف عليه، فسكن غضبه، وقام وطلع إلى القلعة.
وكانت شجر الدر قد أعدت له من يقتله إذا طلع إلى القلعة، فلما طلع وذلك في ليلة الأربعاء خامس عشرين ربيع الأول من سنة خمس وخمسين وستمائة،
стр. 43
فلما دخل إلى شجر الدر قامت إليه وقبلت يده من غير عادة فقعد عندها، ثم كان بينه وبينهما ما كان، ثم قام إلى الحمام فدخلوا عليه خمسة من الخدام الخصي الروم، وكانت شجر الدر قد أعدتهم لقتله، فلما دخلوا عليه ليقتلوه فاستغاث بشجر الدر، فقالت للخدام: "اتركوه"، فاغلظ عليها بعض الخدام في القول، وقال لها: "متى تركناه لا يبقى عليك ولا علينا"، فقتلوه في الحمام خنقا، ثم حملوه وأخرجوه وأشاعوا أنه قد أغمى عليه من الحمام، فأرقدوه على فراشه، فلما أصبح الصباح أشاعوا خبر قتله، وذلك في ليلة الأربعاء رابع عشرين ربيع الأول من سنة خمس وخمسين وستمائة (١).
فلما علم ابنه علي بذلك والمماليك المعزية فقبضوا على الجوار، فأقروا بما جرى، فأمسكوا شجر الدر، وسلموها إلى زوجة المعز أم أولاده، فقتلوها الجوار بالقباقيب إلى أن ماتت، فرموها من فوق السور إلى الخندق، وهي عريانة، ولم يكن عليها غير اللباس في وسطها، فأقامت مرمية ثلاثة أيام، حتى أن بعض الحرافيش (٢) نزل إليها في الليل وقطع تكة لباسها، لأنها كان فيها أكرة (٣) لؤلؤ، ثم بعد أيام حملت ودفنت في تربتها التي هي بالقرب من السيدة نفسية.
وأما الخدام الذي (٤) قتلوا أيبك فهرب بعضهم وصلبوا بعضهم على باب القلعة.
وكانت شجر الدر لها بر ومعروف وأوقاف على جهات خير للفقراء والمساكين، وقد نالت شجر الدر من العز والرفعة ما لا نالته امرأة قبلها ولا بعدها فخطب لها على منابر مصر وجهاتها وتصرفت في أمور المملكة بحسبما تختاره.
وكانت مدة سلطنتها بالديار المصرية نحو ثلاثة أشهر.
стр. 44
وكانت مدة سلطنة الملك المعز أيبك التركماني بالديار المصرية سبع سنين، منها مدة انفراده بالسلطنة خمس سنين وثلاثة أشهر، ومدة الأشرف يوسف الذي كان شريكه في السلطنة سنة وأشهر، وقد تقدم ذلك.
ولما قتل المعز أيبك تولي من بعده ابنه نور الدين علي.
стр. 45
فائدة لطيفة:
وهي هذه الأبيات تتضمن أسماء ملوك الترك كلهم ممن تولى مملكة الديار المصرية، وذلك دون أسماء أولادهم وهم على الترتيب، وهي هذه الأبيات:
أيبك قطز يعقبو بيبرس ذو الأكمال
بعدو قلاوون بعدو كتبعا المفضال
لاجين بيبرس برقوق شيخ ذو الأفضال
ططر برسبيه (١) جقمق ذو العلا أينال
وخشقدم عنه قل يلبيه ذو الأحوال
تمر بغا قيتبيه الفحل ذو الإقبال
وقانصوه جنبلاط عنهم خذ الأقوال
وبعدهم جاء طومان بيه بالإقبال
وقانصوه بعده قد أظهر الأهوال (٢)
وقبل الدخول في تراجم الملوك والسلاطين، أقول هذه الأبيات، مع التضمين، وهما:
تأليفنا السحر الحلال لأنه … كالدر مع حسن البيان المنجزي
أن طال لم يملل وأن أوجزته … فيود سامعه بأن لا توجز (٣)
стр. 46
ذكر سلطنة الملك المنصور نور الدين علي ابن الملك المعز أيبك التركماني الصالحي النجمي (١)
وهو الثاني من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد قتل أبيه المعز أيبك سنة خمس وخمسين وستمائة، وكان له من العمر أحد عشرة سنة (٢).
وكان القائم بتدبير أمور المملكة الأمير علم الدين سنجر الحلبي، وكان الوزير يومئذ شرف الدين ابن صاعد الفائزي، وهو وزير أبيه المعز أيضا.
وكان شرف الدين ابن صاعد هذا يسمى هبة الله، وكان أصله من أقباط النصاري، فأسلم في دولة الملك الكامل محمد، فلا زال يرقى حتى بقى وزير الديار المصرية في دولة الملك المعز أيبك، ثم استوزر لولده نور الدين علي.
فلما تم أمر المنصور علي في السلطنة، استحلفوا له جميع العساكر، واستقر الأمير قطر المعزي نائب السلطنة وأتابك العساكر، ومدبر الدولة، وكان شديد الباس، صعب الخلق، استقر بالصاحب شرف الدين المقدم ذكره، ثم بعد مدة يسيرة قبض عليه وصادره حتى استصفى أمواله، وكان في سعة من المال ثم قتله، واستوزر بعده بالصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير.
وفي أيام الملك المنصور علي هذا كان قدوم هلاكوا (٣) ملك التتار إلى بغداد، وقتل الخليفة المستعصم بالله، وقد تقدم ذلك في أوائل التاريخ، ثم إن هلاكوا لما
стр. 47
فعل ما فعل في بغداد قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وقد وصل أوائل عسكره إلى البلاد الحلبية.
فعند ذلك عقد الأمير قطز مجلسا، وجمع فيه سائر القضاة، وأكابر العلماء، وسائر أعيان الدولة من الأمراء، وغيرهم، وكان المشار إليه في ذلك المجلس الشيخ عز الدين ابن عبد السلام (١)، ﵁، وكان من أكابر علماء الشافعية، وكان يلقب بسلطان العلماء.
فأقاموا (٢) مدعى في ذلك المجلس، وذكر هيئة سؤال في أمر مجيء هلاكواملك التتار، وأن بيت المال خال من الأموال، وأن السلطان محتاج للمساعدة من الرعية، وأعيان التجار، والأغنياء، لإقامة العسكر، وتجهيزهم للسفر، وما يعينهم على ذلك؟
فأجاب الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في ذلك المجلس وقال: "إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم قتاله، وجاز للسلطان بأن يأخذ من أموال التجار والرعية ما يستعان به على تجهيز العسكر، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء من المال والسلاح والقماش، ويقتصر كل من الجند على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة؛ وأما أخذ أموال الرعية مع إبقاء ما في أيدى الجند من السروج الفضة، والحوايص الذهب، فلا يجوز ذلك".
ثم تكلموا في إقامة سلطان كبير مهاب لدفع العدو، فوقع الاختيار من الأمراء والقضاة على خلع المنصور علي بن المعز أيبك، وسلطنة الأمير قطز، فعند ذلك خلع الملك المنصور علي.
وكان كثير اللعب طائش العقل، وكانت والدته تدبر أمور المملكة، فكانت مدة سلطنة المنصور علي بن المعز أيبك سنتين وثمانية أشهر وثلاثة أيام، ثم أرسلوه إلى الاعتقال ببرج السلسلة بثغر دمياط (٣)، وأرسلوا أخوته وأمه معه إلى دمياط قأقام بها إلى أن مات بعد مدة طويلة.
стр. 48
ومن الحوادث في أيامه: قد ظهرت بالمدينة الشريفة عند وادى شطا شرقي المدينة نار يطير منها شررا يأكل الحجارة، فكان طولها أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال، فكانت تختفى بالنهار وتظهر بالليل، يراها الناس من مسافة بعيدة، وكان يظهر لها دخان عظيم، فأقامت على ذلك نحو أربعين يوما، ثم خفيت بعد ذلك، وقد قال بعض الشعراء في هذه الواقعة:
بحر من النار تجري فوقه سفن … من الهضاب لها في الأرض إرساء
منها تكاثف في الجو الدخان إلى … أن عادت الشمس منه وهي دهماء
يرمى لها شرر كالقصر طائشة … كأنها ديمة تنصب هطلاء
فيا لها آية من معجزات رسول الله قد ظهرت والناس أحياء (١)
يشير الناظم إلى الحديث الشريف «أن الساعة لا تقوم حتى تخرج من أرض الحجاز نار يضيء منها أعناق الإبل بالبصراء» (٢)، وقد ذكر ذلك البخاري ﵁ في باب الفتن وخروج النار (٣) [ب/أ].
ومات في أيام الملك المنصور علي من الأعيان، وهم: الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري (٤)؛ والشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الحقيقة (٥)؛ والشيخ شعلة شيخ القراءات (٦)، والفاسي المغربي (٧)، والشيخ سعد الدين ابن العربي صاحب النظم اللطيف (٨)؛ والصرصري صاحب الديوان اللطيف (٩)؛ وابن الأبار المؤرخ، وغيرهم من أعيان العلماء والصلحاء وغير ذلك.
стр. 49
ذكر سلطنة الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي (١)
وهو الثالث من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن في يوم السبت سابع عشر ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة، فلما استقر أمره في السلطنة قبض على جماعة من خشداشينه من الأمراء والخدام وغيرهم، فتمت أموره ومشي حكمه فعند ذلك استقر بالأمير بيبرس البندقداري أتابك العساكر وفوض إليه أمور المملكة.
ثم جاءت الأخبار بأن عسكر هلاكوا وصلوا إلى دمشق وملكوها وذلك في أوائل سنة ثمان وخمسين وستمائة، ثم أرسل هلاكوا كتابا على يد أمير من يقال له كتبغا نويز (٢)، وصحبته أربعة من التتار، ومعهم كتاب مضمونه: "من ملك الملوك شرقا وغربا القان الأعظم"، وأغلظ عليهم في الكتاب بألفاظ يابسة وعبارة خشنة.
فلما سمع الملك المظفر مضمون ما في كتاب هلاكوا، فأحضر الأمراء واستشارهم فيما يكون من أمر هذه الحركة، ثم إنه أعرض العساكر وعزم على الخروج بنفسه وأمر بالمناداة في مصر والقاهرة بأن النفير عام إلى الغزاة في سبيل الله.
ثم إن السلطان أمر بجمع الأموال من أهل مصر بسبب هذه الحركة، فأخذ على كل رأس من الناس من الرجال والنساء من كل واحد دينار، وأخذ أجرة الأملاك والأوقاف شهرا واحدا، وأخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة
стр. 50
أموالهم معجلا؛ وأخذ من الترك الأهلية الثلث من المال؛ وأحدث من أبواب المظالم من هذا النمط أشياء كثيرة، فبلغ جملة ما جمع من الأموال في هذه الحركة ستمائة ألف دينار.
فلما كان أواخر شهر شعبان سنة ثمان وخمسين وستمائة نزل السلطان الملك المظفر قطز من قلعة الجبل في موكب عظيم والأمراء والعسكر قدامه، فلما كان يوم خروجه أمر بتوسيط (١) قصاد هلاكوا فوسطوا في ذلك اليوم (٢).
ثم إن السلطان رحل من الريدانية (٣) ونزل بمنزلة الصالحية (٤) إلى أن تكامل العسكر، ثم رحل وجد في السير إلى أن وصل إلى عين جالوت (٥) من أرض كنعان؛ فتلاقت هناك العسكران، واقتتل الجيشان، وذلك يوم الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة، وكانت الكسرة على التتار فكسروهم، وشحنوهم إلى بيسان (٦) فاقتتلوا هناك وقعة ثانية أعظم من الأولى، وقتل من التتار جماعة كثيرة وكذلك من المسلمين، فعند ذلك ولوا التتار مدبرين، وكانت الكسرة عليهم أجمعين.
ثم بعد ذلك توجه السلطان نحو الشام فدخلها، ونظر في أحوالها ومصالحها، ثم أخلع على الأمير علم الدين سنجر الحلبي واستقر به نائب الشام، وبالأمير علائي الدين ابن صاحب الموصل نائب حلب، واستخلص غالب بلاد الشمال من أيدى ملوك أولاد بني أيوب، وكانت جميعها في أيديهم.
стр. 51
ثم بعد ذلك قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وهو منصور مؤيد، فسار هو ومن معه من الأمراء والعساكر إلى أن وصل إلى قريب الصالحية، فاتفقوا الأمراء على قتله، وكان المشار إليه في ذلك الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري مع جماعة من الأمراء.
فلما وصل قطز إلى القرين (١)، فرأى أرنبا فساق خلفه وساقوا معه جماعة من الأمراء ومن جملتهم الأمير بيبرس البندقداري، فلما ساق دنا منه الأمير بيبرس ليقبل يده، وكان المظفر قطز أنعم على الأمير بيبرس بجارية مليحة من سبايا التتار، فظن أنه جاء يقبل يده بسبب ذلك.
فلما مد يده إليه قبض عليه الأمير بيبرس وضربه بالسيف، وحملوا عليه بقية الأمراء بالسيوف، فقتلوه وتركوه ميتا ملقى على الأرض، ثم إنهم ساقوا وهم شاهرون سيوفهم إلى أن وصلوا إلى الوطاق، فجلس الأمير بيبرس البندقداري على مرتبة السلطان قطز، وأخذ المملكة بالقوة، فشق ذلك على بقية العسكر لكون أن المظفر قطز قتل من غير ذنب.
وكان خيار ملوك الترك، وله اليد البيضاء في القيام لدفع العدو عن البلاد، وعمارة البلاد الشامية، ونصرة الإسلام.
وكانت قتلة الملك المظفر قطز في يوم السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، ودفن هناك في مكان قتل فيه.
فكانت مدة سلطنته سنة إلا أياما، وتولى من بعده الأمير بيبرس البندقداري.
стр. 52
ذكر سلطنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلاى البندقداري الصالحي النجمي (١)
وهو الرابع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد قتل المظفر قطز في يوم السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وتلقب بالملك الظاهر أبي الفتوحات (٢).
وكان أول ما تسلطن تلقب بالملك القاهر، فقال له بعض العلماء: "ما تلقب أحد بهذا اللقب وأفلح"، وقد جرب ذلك فتركه، وتلقب بالملك الظاهر.
وكان أصله تركي الجنس، أخذ من بلاده وهو صغير، فابتاع لشخص يسمى العماد الصائغ، ثم اشتراه منه الأمير علائي الدين أيدكين البندقداري، فلما قبض الملك الصالح نجم الدين أيوب على الأمير أيدكين البندقداري، وأحتاط على موجوده، أخذ بيبرس من جملة الموجود، ثم إن الملك الصالح أعتقه، وجعله من جملة المماليك البحرية، وكان بيبرس شجاعا بطلا فأظهر في وقعة الفرنج التي كانت على المنصورة في أيام الملك المعظم توران شاه من الشجاعة ما لا يسمع بمثله، فلا زال يرقى إلى أن بقى أتابك العساكر في دولة الملك المظفر قطز، ثم بقى سلطان، كما تقدم.
فلما جلس على سرير الملك استقر بالأمير فارس الدين أقطاى المستعرب ويدعى أيضا بالصغير أتابك العساكر، ثم حلف سائر الأمراء لنفسه، ثم قصد الدخول إلى الديار المصرية، فدخلها في الليل وطلع إلى القلعة.
فلما طلع النهار نادى المنادى في مصر والقاهرة: "ترحموا على الملك المظفر قطز، وادعوا بالنصر للسلطان الملك الظاهر بيبرس".
стр. 53
وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر قطز، لما بلغ الناس هذه النصرة العظيمة، فلما نادى المنادى بذلك فمن الناس من أظهر الفرح والسرور بذلك، ومن الناس من أغتم لذلك وتأسف على قتل المظفر قطز، لأنه قتل من غير موجب لذلك.
فلما تم أمر الملك الظاهر بيبرس في السلطنة عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب المعروف بالجمدار (١) واستقر أتابك العساكر، كما تقدم واستقر بالأمير لاجين الدرفيل دوادار كبير والأمير بلبان الرشيدي استقر دوادار ثاني وأخلع على الأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزوي واستقر أمير أخور كبير على عادته.
ثم في الموكب الثاني أخلع على من يذكر من أعيان الأمراء، وهم الأمير بدر الدين بيليك الخازندار فاستقر نائب السلطنة بالديار المصرية، وصار صاحب الحل والعقد في أيام دولته، وكان من مماليك الظاهر بيبرس اشتراه صغيرا من حين كان أميرا ورباه، فلما تسلطن أستاذه صار نائب السلطنة بمصر.
وقيل (٢): أن التاجر الذي أباع الأمير بيليك إلى الملك الظاهر بيبرس، كان في سعة من المال، فذهب ماله كله، وصار من جملة الحرافيش، فلما قدم إلى الديار المصرية فوجد مملوكة بيليك المذكور قد صار صاحب الحل والعقد وتصرف في الأمور كما يشاء، فقال له بعض التجار: "لو أنك تدخل إلى الأمير بيليك، وتذكر له حالك، فعسى أن ينعم عليك بشيء".
فكتب قصة ودخل إليه، وكان مضمون القصة هذه الأبيات، وهما:
قد صرت من بعد عز في الهوان وقد … جار الزمان بضيق نلت منه أذى (٣)
والآن أقبلت الدنيا عليك بما … ترضى فلا تنسني "إن الكرام إذا … (٤)
فلما قراها الأمير بيليك قال: "من رافع هذه القصة، فقيل له: "هذا التاجر الذي أباعك للسلطان"، فقام إليه وأعتنقه، ثم أجلسه على مرتبته وأكرمه غاية الإكرام، وأنعم عليه بخلق وعشرة ألاف دينار. ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الظاهر.
стр. 54
ثم عمل الموكب بعد ذلك وأخلع على من يذكر من الأمراء وهم: الأمير أيبك الأفرم الصالحي فاستقر أمير جاندار؛ ومن أمرائه الأمير بدر الدين بيسري الشمسي؛ والأمير سيف الدين قلاون [١٨] الألفي؛ والأمير بدر الدين بكتوت الجوكندار المعزي؛ والأمير عز الدين بيدغان المعروف بسم الموت؛ والأمير بدر الدين أنص الأصفهاني؛ والأمير بلبان الهاروني، ثم أخلع على الصاحب بهائي الدين ابن حنا واستقر به في الوزارة؛ وهو الذي أنشأ مكان الأثار النبوي المطل على بحر النيل؛ ثم أخلع على الأمير جمال الدين أقوش النجيبي واستقر به أستادار العالية؛ واستقر بالأمير ركن الدين أياجي، والأمير سيف الدين بكجري حجابا؛ ثم رسم بإحضار المماليك البحرية الذي (١) كانوا متفرقين في البلاد.
ثم أرسل مكاتبات إلى الملوك والنواب بسائر الممالك؛ فأخبرهم بما قد جدد الله تعالى له من أمر السلطنة، وطلب منهم بذل الطاعة فأجابوه الملوك والنواب بالسمع والطاعة.
ثم إن الملك الظاهر قصد استجلاب خواطر الرعية، فأبطل ما كان المظفر قطز أحدثه على الناس من أبواب المظالم عند خروجه إلى التجريدة، كما تقدم، فأبطل ذلك جميعه في أول سلطنته، وكتب به مساميح، وقرئت على منابر مصر وأعمالها، فطابت له قلوب الرعية، وزادوا في الدعاء له بالنصر، كما قال القائل:
لم يبق للجور في أيامكم أثر … إلا الذي في عيون العيد من حور (٢)
ثم جاءت الأخبار من البلاد الشامية بأن الأمير علم الدين سنجر الحلبي أظهر العصيان، وخرج عن الطاعة، وجمع سائر أمراء دمشق، وتسلطن هناك، وركب بشعائر السلطنة، ولقب نفسه بالملك المجاهد (٣)، وكتب بذلك إلى سائر النواب، وخطب باسمه على منابر دمشق وأعمالها.
وكان الأمير علم الدين سنجر الحلبي لما ثقل أمره على الناس في دولة الملك المنصور علي بن المعز أيبك التركماني، فقبض عليه المظفر قطر قبل أن يلي السلطنة، وسجنه مدة، ثم إنه أفرج عنه، واستقر به نائب الشام، فلما قتل المظفر
стр. 55
قطز وتولى الملك الظاهر بيبرس فشق ذلك على الأمير سنجر نائب الشام، وخرج عن الطاعة، وتسلطن، كما تقدم.
فلما بلغ الملك الظاهر ذلك كتب إلى سنجر المذكور كتابا، ووبخه فيه بقبيح فعله، وأمره بالرجوع عن ذلك، فعادت الأجوبة بالمخالفة وعدم الطاعة، وقد وافقه على العصيان جماعة من النواب، واضطربت أحوال البلاد الشامية في أول دولة الظاهر بيبرس، منها ما فعله هلاكوا من خراب البلاد، ثم بعد ذلك عصيان النواب. (١)
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وستمائة، فيها قبض الملك الظاهر بيبرس على جماعة من الأمراء المعزية، وقتل منهم جماعة، وقد بلغه عنهم أنهم يريدون قتله، فبادر إليهم، وقبض على جماعة منهم.
وفيها: كان وصول الإمام أحمد بن الخليفة الظاهر بالله العباسي، وذلك عند خراب بغداد بما فعله هلاكوا، وقد تقدم ذلك، وكان قدوم الإمام أحمد العباسي إلى الديار المصرية في تاسع شهر رجب من سنة تسع وخمسين وستمائة (٢)، فركب الملك الظاهر وخرج إلى تلقيه وأكرمه وبالغ في اكرامه، وقد أوضحت ذلك في الجزء الأول عند تراجم الخلفاء لما قدم الإمام المستنصر إلى الديار المصرية.
ومن الحوادث في هذه السنة: كان قدوم من يذكر من الملوك إلى الأبواب الشريفة وهم: الملك الصالح إسماعيل [١٩] بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وأخوه الملك المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة، وأخوهم الملك المظفر، فلما قدموا على الملك الظاهر فأكرمهم وأقرهم على ما بأيديهم من الممالك (٣).
وفي هذه السنة: رتب الملك الظاهر بيبرس أربع قضاة بالديار المصرية من كل مذهب قاض كبير وتحت يده نواب، وكان قبل ذلك في الدول الماضية قاضي قضاة شافعي لا غير، والثلاثة نوابه وكان ذلك في أوائل سنة ستين وستمائة (٤).
стр. 56
وفي هذه السنة: كان بمصر غلاء شديد حتى عدمت الأقوات، فجمع السلطان الحرافيش كلهم وفرقهم على الأمراء، فأخذ لنفسه خمسمائة حرفوش، وأضاف إلى الأمير بيليك نائب السلطنة ثلثمائة حرفوش، وفرق البقية على الأمراء، ورسم لهم أن يعطوا لكل واحد منهم في كل يوم رطين (١) خبز، فما رأى بعدها أحد يساءل من الفقراء (٢).
ثم دخلت سنة إحدى وستين وستمائة، فيها رتب السلطان لعب القبق (٣).
وفي سنة اثنتين وستين في عاشر ذي القعدة ختن السلطان ولده الملك السعيد محمد، ورسم للأمراء والجند والرعية أن من كان له ولد يحضره حتى يختنه مع ابن السلطان، فأحضروا الناس أولادهم، فبلغ عدتهم ألف وستمائة وخمسة وأربعون صغيرا خارجا عن أولاد الأمراء والجند، فرسم لكل واحد منهم بكسوة على قدره ومائة درهم ورأس غنم، وأقام المهم عمال بالقلعة سبعة أيام.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين، فيها كثر الحريق بمصر والقاهرة، وأشيع بين الناس أن هذا من فعل بعض النصاري، فرسم السلطان بجمع سائر النصاري، فلما جمعوا أمر بتحريقهم، فجمعت لهم الأحطاب والحلفاء.
فعند ذلك طلع الأتابكي فارس الدين أقطاي المستعرب إلى القلعة، فشفع فيهم على أن يحملوا إلى بيت المال خمسين ألف دينار، ويصلحوا ما فسد من الدور التي أحترقت.
ثم دخلت سنة أربع وستين فيها سافر السلطان إلى الشام، وحاصر قلعة صفد (٤)، وافتتحها وعمر بها البرج الكبير.
стр. 57
وفيها: أخرج السلطان تجريدة إلى مدينة سيس (١)، وكان باش العساكر الأمير عز الدين بيدغان المعروف بسم الموت، وقلاوون الألفي، وجماعة من العسكر، فتوجهوا إلى هناك ففتحوا مدينة سيس وقلعة اياس (٢) وعدة قلاع ورجعوا إلى الديار المصرية.
ثم دخلت سنة خمس وستين وستمائة فيها أبطل السلطان ضمان الحشيش والنبيذ والبزر، وأمر بإراقة الخمور، وخراب بيوت المسكرات، ومنع الحانات من الخواطئ، واستتوب العلوق واللواطي، وعم هذا الأمر سائر جهات الديار المصرية والبلاد الشامية، فطهرت في أيامه تلك البقاع من جميع ما كان من المنكرات وحرج على ذلك غاية التحريج.
ثم أحضروا إليه في أثناء هذه الواقعة بشخص يسمى الكازروني وهو سكران، فأمر بصلبه فصلب، وعلقت الجرة في عنقه، فلما عاينوا ذلك أرباب المجون والخلاعة، فأمتثلوا أمره بالسمع والطاعة، وفي ذلك يقول الشيخ شمس الدين ابن دانيال (٣):
لقد كان حد السكر من قبل صلبه … خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي: … ألا تب فإن الحد قد جاوز الحد (٤)
قال الشيخ شمس الدين ابن دانيال الحكيم، رحمة الله عليه: "لما قدمت من الموصل إلى الديار المصرية في الدولة الظاهرية، سقى الله عهدها، وأعذب مشارب وردها، فوجدت تلك الرسوم دارسة، ومواطن الأنس بها غير آنسة، وأرباب المجون لذلك عابسة، ومن الخلاعة واللهو آيسة، وقد هزم أمر السلطان جيش الشيطان، وتولى الحراني والي القاهرة، أهراق الخمور،
стр. 58
وإحراق الحشيش، وتبديد المزور، واستتوب العلوق واللواطي، وحجر على البغايات والخواطئ، وقد آذى الخلاعة غاية الأذية، وصلب ابن الكازروني وفي حلقه نباذية، فعند ذلك خطر بخاطري أن أنظم في هذه الواقعة قصيدة، وأجعلها في أسلوبها فريدة، فقلت في هذا المعني، وهو قولي من باب المجون وأرثي ابليس الملعون:
مات يا قوم شيخنا إبليس … وخلا منه ربعه المأنوس
ونعاني حدسي به إذ توفي … ولعمري مماته محدوس
هو لو لم يكن كما قلت ميتا … لم يغير لأمره (١) ناموس
أين عيناه تنظر الخمرة إذ … عطل منها الراووق (٢) والمحريس (٣)
ومواعينها تكسر (٤) والخما … ر من بعد كسرها محبوس
أين عيناه والحشائش تحر … قن بنار تراع منها المجوس
قلعوها من البساتين إذ ذا … ك صغارا خضراء وهي عروس
والحرافيش حولها يتباكو … بدموع تطفى بهن الوطيس
أين عيناه تنظر المزر قد أو … حش منه الماجور والقادوس
وعجين البقول قد بددوه … وهو بالترب خلطه مبسوس
وذوو القصف ذاهلون وقد كا … دت على سيلها تسيل النفوس
كم خليع يقول ذا اليوم يوم … مثلما قيل قمطرير عبوس
وفتى قائلا لقد هان عندي … بعد هذا في شربها التجريس (٥)
وقضيب ونرجس وسعاد (٦) … باكيات وزينب (٧) وعروس
ذي تنادى حريفها (٨) لوداع … لا عناق لاضم لا تبويس
وينادي قوادهم شه علينا … نجم ستى قد نكسته العكوس
стр. 59
من لنا منصف لجور زمان … لا قحاب (١) فيه ولا خندريس (٢)
وترى زنكلون يزعق زيتون … وناتو يصيح يا جاموس
أين شكشاكتي (٣) وطاجنة الفا … ر وأين المزراق (٤) والدبوس
نهبو الحصن (٥) والطراطير والطا … ر وضاعت خريطتي (٦) والقلوس
أرحلوا هذه بلاد عفاف … وسعود الخلاع فيها نحوس
من لنا بعد ذلك الشيخ إلف (٧) … وسمير ومؤنس وأنيس (٨)
لم ترى بعده فتى ضاحك الس … ن وكل يبدو له تعبيس
فسأبكيه أرمد العين حتى … لشقائى يعيش جالينوس (٩)
أقول: وكان الشيخ شمس الدين ابن دانيال الحكيم شاعرا ماهرا، وله شعر جيد، وهو صاحب كتاب طيف الخيال، وكانت وفاته في سنة عشر وسبعمائة. ومما قاله في حرفته وصناعته، وهو قوله:
يا سائلي عن حرفتي في الورى … وضيعتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقه … يأخذه من أعين الناس (١٠)
ولما وقف الشيخ إبراهيم بن المعمار على قصيدة الشيخ شمس الدين ابن دانال، فقال في المعنى هذا الزجل اللطيف منه:
منعونا ماء العنب يا أسين … رب سلم لا يمنعونا التين (١١)
هاك (١٢) قل لي إذا منعنا الراح … وحرمنا من الوجوه الصباح
стр. 60
بيض يقينا (١) تستجلب الأفراح … والخليع كيف نراه يعيش مسكين
على ماء (٢) العنب بكا الراووق … والشميع (٣) صار بعبرتوا مخنوق
والوتر بات من الغروب للشروق … من أنينو تسمع لو في الليل حنين (٤)
وهذا ما حسن من ايراده في المعني؛ ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الظاهر بيبرس.
ثم دخلت سنة ست وستين وستمائة، فيها سافر السلطان إلى نحو بلاد الشام، وحاصر مدينة يافا (٥) ففتحها هي والشقيف (٦)، ثم توجه إلى مدينة انطاكية (٧) ففتحها في يوم الجمعة ثالث شهر رمضان من السنة المذكورة ثم فتح مدينة بغراص (٨).
ثم دخلت سنة سبع وستين وستمائة، فيها رجع السلطان من السفر إلى الديار المصرية، وشق من القاهرة، وزينت له.
وفيها: توجه السلطان إلى الحجاز الشريف، ورسم لنائب الشام بعمل الإقامات، وخرج من مصر في ثالث شوال فتوجه إلى غزة (٩)، ثم توجه من غزة إلى الكرك (١٠)، ثم توجه من الكرك إلى مدينة النبي ﷺ ، فزار؛ ثم توجه إلى مكة المشرفة فدخلها في خامس ذي الحجة، فكانت في تلك الوقفة يوم الجمعة، وكان ولد السلطان الملك السعيد قد سافر صحبة الركب المصري، فرجع الملك السعيد مع الركب المصري، ورجع الملك الظاهر مع الركب الشامي.
стр. 61
ثم دخلت سنة ثمان وستين وستمائة، فيها: رجع السلطان إلى الديار المصرية بعد أن زار القدس والخليل ﵇ ثانيا.
وفي سنة تسع وستين: أرسل صاحب طرابلس للسلطان هدايا جليلة وأظهر الطاعة للسلطان.
وفي سنة سبعين وستمائة: بلغ السلطان حركة التتار، وأنهم واصلون، فخرج إليهم السلطان بنفسه، ثم أقام بدمشق إلى أن دخلت سنة إحدى وسبعين. ففيها: بلغه أن التتار وصلوا إلى البيرة (١)، فتوجه من الشام إلى الفرات، وكان معه من الأمراء، الأمير قلاوون الألفي، والأمير بيسري، وجماعة من الأمراء؛ فكسبوا التتار على حين غفلة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأسروا الذي بقى.
ثم دخل السلطان إلى البيرة، وأخلع على من بها من الأعيان، وفرق على الرعية جملة من المال، ورجع إلى الديار المصرية، وهو في غاية النصر.
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وستمائة، فيها: هجم الوباء بالديار المصرية، ومات فيه خلق كثير من النساء والأطفال والجوار والعبيد (٢).
وفي هذه السنة: توفى الشيخ عبد العظيم أبي الحسين بن الجزار الشاعر، وكان من فحول الشعراء، وله شعر جيد، وكان مولده في سنة إحدى وستمائة، ووفاته في سنة اثنتين وسبعين وستمائة (٣)، فكانت مدة حياته إحدى وسبعون سنة، وعاصر الشيخ أثير الدين أبو حيان المغربي، والشيخ قطب الدين القسطلاني، وغيرهم من العلماء والفضلاء، ومن شعره الرقيق لنفسه وهو قوله في المعاشرة للناس، هذه الأبيات:
من منصفي من معشر … كثروا علي وأكثروا
صادقتهم وأرى الخرو … ج من الصداقة يعسر
стр. 62
كالخط يسهل في الطرو … س ومحوه يتعذر
وإذا أردت كشطه (١) … لكن ذاك يؤثر (٢)
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وستمائة، فيها زوج السلطان ولده الملك السعيد محمد بابنه الأمير سيف الدين قلاون الألفي.
وفي سنة أربع وسبعين، فيها جرد السلطان العساكر إلى بلد النوبة، وذلك أن ملك النوبة تجرأ وحضر إلى الأعمال القوصية (٣) وإلى أسوان فأحرقها؛ فلما بلغ السلطان ذلك فعين له تجريدة، وكان بها من الأمراء، الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار، وجماعة من العسكر، فتلاقوا هم وملك النوبة على أسوان فانكسر ملك النوبة وقتل منه جماعة كثيرة، وما سلم منهم إلا القليل، ومسك أخو ملك النوبة وأولاده وأخته وأقاربه، وهرب ونجي بنفسه.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وستمائة، فيها دخل الملك السعيد على بنت الأمير قلاون الألفي، وكان له مهم عظيم (٤).
وفيها سافر السلطان إلى دمشق، ثم توجه إلى حلب، ثم إلى الدربند (٥) فمهد البلاد من فتن التتار، وقتل منهم خلقا كثيرة، نحو خمسة آلاف من التتار.
ثم إن أهل قيسارية (٦) أرسلوا يطلبون من السلطان أمان، فأرسل لهم السلطان أمان، ثم إن السلطان دخل إلى قيسارية، وكان يوم دخوله إليها يوما مشهودا، ونزل بدار السلطنة وصلى بها الجمعة، ثم حصل بينه وبين أبغا ملك التتار وقعة عظيمة على الأبلستين (٧)، فقتل من الفريقين فوق المائة ألف إنسان.
стр. 63
ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمائة، فيها توعك جسد السلطان الملك الظاهر بيبرس، فرجع إلى دمشق، وثقل في المرض فأسقوه الحكماء دواء مسهل، فأفرط في الإسهال، وقويت عليه الحمى، وسلسل في المرض أياما، ثم مات في يوم الخميس ثامن عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة ومات وله من العمر نحو ستين سنة (١).
وكأن ملكا جليلا خفيف الركاب، مشهورا بالفروسية، والإقدام في الحرب، والثبات عند التقاء الخصوم، وكان كريما، سخيا، حسن الوجه، طويل القامة، مليح اللحية، مهابا في موكبه، ولكنه كان محبا لجمع الأموال، كثير المصادرات للرعية لأجل التجاريد والأسفار.
ولما مات رثاه القاضي محيى الدين ابن عبد الظاهر (٢) كاتب السر الشريف، بهذه الأبيات اللطيفة:
الله أكبر إنها لمصيبة … منها الرواسي خيفة تتقلقل
لهفى على الملك الذي كانت به … الدنيا تطيب فكل قفر منزل
الظاهر السلطان من كانت له … منن على كل الورى وتطول
لهفى على آرائه تلك التي … مثل السهام إلى المصالح ترسل
لهفى على تلك العزائم كيف قد … غفلت وكانت قبل ذا لا تعفل
ما للرماح تحولتها رعدة … لكنها إذ ليس تعقل تعقل
سهم أصاب وما رئى من قبله … سهم له في كل قلب مقتل
أنا إن بكيت فإن عدري واصح … ولئن صبرت فإنني أتمثل
خلف السعيد لنا الشهيد فأدمع … منهلة في أوجه تتهلل (٣)
ولما مات الملك الظاهر خلف من الأولاد ثلاثة ذكور وهم: الملك السعيد محمد، والملك العادل سلامش، وسيدى خضر، ولكنه لم يتسلطن؛ وخلف من البنات سبعة.
стр. 64
وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية سبع عشرة سنة وشهرين ونصف. وأما فتوحاته التي فتحها في أيامه فهى قيسارية، وأرسوف (١)، وصفد، وطبرية (٢)، ويافا، والشقيف، وأنطاكية، وبغراص، والقصير (٣)، وحصن الأكراد (٤)، والقرين (٥)، وحصن عكار (٦)، وصافيتا (٧)، ومرقبة (٨)، وحلباء (٩)، وبانياس (١٠)، وأنطرسوس (١١)، وكانت هذه البلاد بأيدى الفرنج.
ثم أخذ مدينة سيس بالأمان، ودركوش (١٢)، وتلميش (١٣)، وكفردنين (١٤)،
стр. 65
ورعبان (١)، ومرزبان (٢)، وكينوك (٣)، وأدنة (٤)، والمصيصة (٥).
والذي صار إليه من أيدى المسلمين وهي دمشق، وبعلبك (٦)، وقلعة الصبيبة (٧)، وقلعة شيزر (٨)، وعجلون (٩)، وبصري (١٠)، وصرخد (١١)، والصلت (١٢)، وحمص، وتدمر (١٣)، والرحبة (١٤)، وتل باشر (١٥)، وصهيون (١٦)، وقلعة الكهف (١٧)، والقدموس (١٨)، والخوابي (١٩)، والكرك، والشوبك (٢٠).
стр. 66
وفتح في أيامه بلاد النوبة، وأعمالها، وفتح عدة بلاد من بلاد السودان، وفتح قلعة العميدين (١) من أعمال برقة، وفتح عدة جزائر من أعلا الجنادل (٢).
وأما الذي أنشأه في أيام من العمائر، فمنها: أنه عمر الحرم الشريف النبوي، وعمر قبة الصخرة بالقدس الشريف، وزاد في أوقاف الخليل ﵇، وعمر قناطر شبرا منت (٣) بالجيزة، وعمر أسوار مدينة الإسكندرية، وعمر منار ثغر رشيد، وردم فم بحر دمياط بالقرابيص (٤) حتى لا تدخله مراكب الفرنج، وعمر الشواني وإعادتها لما كانت عليه بالصناعة، وحفر بحر أشموم طناح (٥)، وعمر القلاع التي أخربها هلاكوا، وعمر المدرسة التي بين القصرين التي إلى جانب المدرسة الصالحية النجمية، وعمر الجامع الكبير الذي بالحسينية، وعمر خان بالقدس الشريف، وحفر خليج الإسكندرية وباشره بنفسه، وجدد عمارة المنار بالإسكندرية، وجدد عمارة جامع الأزهر وأعاد فيه الخطبة بعد ما أقام وهو خراب من أيام الحاكم بأمر الله، وعمر بلدا بالشرقية عند العباسة وسماها الظاهرية (٦)، وعمر القصر الأبلق بدمشق، وله أثار كثيرة غير ذلك.
وهو الذي رتب خيل البريد، بسبب سرعة أخبار البلاد الشامية، حتى قيل: "كان الخبر يصل من البلاد الشامية إلى قلعة الجبل في أربعة أيام ويعود في مثلها"، فكانت أخبار البلاد الشامية ترد عليه في الجمعة مرتين، وقيل: "أنه أنفق على ذلك مالا عظيما حتى تم له ترتيب ذلك".
وكان مبتدأ هذا الأمر في سنة تسع وخمسين وستمائة، وما زال أمر البريد مستمرا بين القاهرة ودمشق إلى أيام الملك الناصر فرج بن برقوق، فلما جرى له مع تمرلنك ما جرى وخربت البلاد الشامية في هذه الحركة، فبطل أمر خيل
стр. 67
البريد من يومئذ مع جملة ما بطل من شعار المملكة، وكان إبطاله في سنة ثلاث وثمانمائة.
وكان خيل البريد عبارة عن مراكز بين القاهرة ودمشق، في كل مركز عدة خيول تعرف بخيل البريد، وعندها رجال يعرفون بالسواقين، ولا يقدر أحد يركب من خيول البريد، إلا بمرسوم سلطاني؛ وكان عند كل مركز ما يحتاج إليه المسافر من زاد وعلف وغير ذلك، وهذا كله لأجل سرعة مجيء الأخبار من البلاد الشامية إلى القاهرة بسرعة، وفيه يقول بعض الشعراء:
يوما بمصر ويوما بالحجاز ويو … ما بالشام ويوما في قرى حلب (١)
وقال الشيخ زين الدين ابن الوردي (٢) في الملك الظاهر بيبرس:
الملك الظاهر آثاره … معجبة الراحل والقاطن (٣)
تأملوا أخباره وانظروا … ما فعل الظاهر بالباطن (٤)
ولما مات الملك الظاهر بيبرس كتم الأمير بدر الدين بيليك موته عن العسكر، فإنه مات في بعض الأسفار خارجا عن دمشق، فكتم موته وحمله في محفة إلى أن دخل إلى دمشق، فجعله في تابوت وعلقه في بيت وأظهر أنه مريض، ورتب حضور الأطباء على عادتهم.
ثم أخذ الأمير بيليك خزائن المال، وقصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، فحمل معه محفة في الموكب، وجعل قدامها الجنائب، وهي محترمة لا يجسر أحد أن يقرب إليها ولا يتفوه بموت السلطان، واستقر الأمير على ذلك إلى أن دخلوا إلى قلعة الجبل بالقاهرة، فعند ذلك أشيع موت السلطان.
وقيل: أنه دفن بدمشق، رحمة الله عليه، ولما مات الملك الظاهر تولى من بعده ابنه محمد الملك السعيد.
стр. 68
ومات في أيام الملك الظاهر بيبرس من أعيان العلماء جماعة كثيرة منهم: الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، ﵁، وكان من أكابر علماء الشافعية وكان يلقب بسلطان العلماء، وكان له كرامات خارقة؛ وتوفي الامام أبو شامة وكان من أكابر العلماء؛ وتوفي القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز الشافعي (١)؛ والشيخ أبو الحسن بن عدلان (٢)؛ والشيخ مجد الدين ابن دقيق العيد؛ والد الشيخ تقي الدين، والقرطبي صاحب التذكرة، والشيخ ناصر الدين الطوسي، واللورقي (٣)، وغير ذلك من العلماء والأعيان.
стр. 69
ذكر سلطنة الملك السعيد أبي المعالي محمد بركة خان ابن الملك الظاهر بيبرس البندقداري الصالحي النجمي (١)
وهو الخامس من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وإنما سمي بركة خان على اسم جده لأبيه، وكان مولده في شهر صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة.
فلما جلس على سرير الملك بعد أبيه، فكان القائم بتدبير دولته الأمير بدر الدين بيليك الخازندار نائب السلطنة، فحلف له الأمراء، وتم أمره في السلطنة، فأقام ماشيا على نظام والده مدة يسيرة.
ثم إن الأمير بيليك توفي في أوائل دولة الملك السعيد، وكان الأمير بيليك رجلا جيدا صالحا دينا، كثير البر والصدقات، أقام نائبا بمصر مدة أيام الملك الظاهر بيبرس، ومدة يسيرة من أيام ولده الملك السعيد.
ولما مات حزنوا عليه الناس حزنا شديدا، واضطربت أحوال دولة الملك السعيد بعده وطاش فمسك جماعة من أمراء والده منهم الأمير سنقر الأشقر، والأمير بيسري وكانا جناحا والده، ثم إنه أفرج عنهما (٢)، ثم استقر بالأمير آقسنقر الفارقاني نائب السلطنة عوضا عن الأمير بيليك الخازندار، فأقام مدة يسيرة، ثم قبض عليه وسجنه، ثم أرسل بخنقه وهو في السجن فخنقه، ثم استقر بالأمير كوندك نائب السلطنة.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وستمائة، فيها سافر الملك السعيد محمد إلى نحو الشام، ونزل بالقصر الأبلق الذي أنشأه والده بدمشق، ثم صار يأخذ في أسباب إبعاد أمراء أبيه، وقصد يمسك جماعة منهم.
стр. 70
فلما بلغ الأمراء ذلك خرجوا من دمشق، وأقاموا بالمرج (١)، ثم إنهم رحلوا عن المرج، ونزلوا بالجسورة (٢) وقد أظهروا الخلاف والعصيان على الملك السعيد، فلما بلغه ذلك فأرسل إليهم الأمير شنقر الأشقر، فلاطفهم فأبوا الصلح.
فلما عاد الجواب بذلك فركبت خوند والدة الملك السعيد، وكانت سافرت معه إلى الشام، فلما جرى هذا الخلف بين الأمراء وبين ابنها الملك السعيد فركبت وتوجهت إلى الأمراء بنفسها، وكان الأمراء نازلين بمكان يقال له الكسوة (٣) بالقرب من دمشق، فلما اجتمعت بهم مشت بينهم وبين ابنها في أمر الصلح فأبوا من ذلك فرجعت والمجلس مانع.
ثم إن الأمراء رحلوا وقصدوا التوجه إلى نحو الديار المصرية، ثم إن السلطان الملك السعيد رحل أيضا من دمشق، وقصد التوجه إلى مصر وجمع معه جما كثيرا من عسكر الشام ومن عربان نابلس، ونفق (٤) عليهم الأموال، وصل إلى غزة، فصار أكثر العربان يتسحبون من عنده وكذلك عسكر دمشق وجماعة من النواب، ولم يبق مع السلطان الملك السعيد إلا مماليكه خاصة ومن الأمراء سنقر الأشقر.
فلما وصل إلى المطرية (٥) فبلغ الأمراء الذين بمصر مجيء السلطان فركبوا وخرجوا إليه على حمية، وكان في ذلك اليوم ضباب عظيم، وهذا من لطف الله بالمسلمين فستر الله على الملك السعيد حتى طلع إلى القلعة ونجي بنفسه.
فلما بلغ الأمراء طلوع السلطان إلى القلعة فرجعوا من المطرية، وحاصروه وهو في القلعة ثم إن المماليك السلطانية صاروا يتسحبون من القلعة وينزلون إلى الأمراء واستمر الحرب ثائر بينهم سبعة أيام.
стр. 71
فعند ذلك أرسل الخليفة إلى الأمراء يقول لهم: "إيش أخر هذا الحال، وما قصدكم"، فقالوا: "قصدنا يخلع نفسه من الملك ونرسله إلى الكرك من غير سجن".
فعند ذلك اجتمع الخليفة بالسلطان وذكر له ذلك، فأجاب إلى الخلع ونزل من القلعة، وحضر الخليفة والقضاة الأربعة، وشهدوا عليه بالخلع، وأرسلوه إلى الكرك من وقته، وكان المتسفر عليه الأمير بيدغان الركني المعروف بسم الموت، فسار به إلى الكرك، وذلك في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وستمائة.
فكانت مدة سلطنة الملك السعيد بالديار المصرية سنتين وشهر وأيام.
ثم إنه أقام في الكرك إلى أوائل ذي القعدة من السنة المذكورة، فلعب بالأكرة (١) في ميدان الكرك فتقنطر به من الفرس، فمات بعد أيام وكانت وفاته في حادى عشر ذي القعدة من السنة المذكورة، ودفن هناك مدة، ثم نقل إلى دمشق، ودفن على والده الملك الظاهر بيبرس.
وكان الملك السعيد ملكا جليلا كريما سخيا، كثير العدل في الرعية، ولما خلع الملك السعيد تولى من بعده أخيه الملك العادل سلامش.
стр. 72
ذكر سلطنة الملك العادل سيف الدين سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس الصالحي البندقداري (١)
وهو السادس من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وكان يعرف بابن البدوية؛ تسلطن بعد خلع أخيه الملك السعيد، وكان له من العمر يومئذ سبع سنين ونصف (٢)، وكان جلوسه على سرير الملك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وستمائة.
وكان القائم بتدبير ملكه المقر الأتابكي قلاون الألفي، فصار يخطب له والعادل سلام على المنابر، وضربت السكة باسمه واسم العادل سلامش، ولم يكن للعادل سلامش في السلطنة إلا مجرد الاسم فقط، والأمر كله لقلاون.
وكان الأمير بيسري يشارك قلاون في أمور السلطنة، لكنه كان مغرما بحب الصيد والخروج إلى السرحات، وكان الأتابكي قلاون ضابط أمور المملكة، وهو يمهد لنفسه في الباطن، وأخذ في أسباب تقريب المماليك البحرية، وأعطاهم الإقطاعات السنية، وأرسل بعزل النواب عن البلاد الشامية، وولى فيها من يثق به، ثم أخذ في أسباب القبض على أعيان المماليك الظاهرية.
فلما بلغ مقصوده واستحكم أمره خلع الملك العادل سلامش من السلطنة، أرسله إلى الكرك ومعه أخوه سيدي خضر، فأقاموا في الكرك إلى أيام الملك الأشرف خليل بن قلاون فتخيل منهما فأخرجهما من الكرك وأمهاتهما معهما، وأرسلهما إلى ثغر الإسكندرية صحبة الأمير عز الدين أيبك الموصلي أستادار العالية، ثم أرسلهما من البحر المالح إلى القسطنطينية، فلما وصلوا إليها أحسن إليهم الأشكري صاحب القسطنطينية، وأجرى عليهما ما يقوم بهما من النفقة.
стр. 73
فأما سلامش فأنه أدركته المنية، فمات هناك فصبرته أمه، وصيرته في تابوت (١) إلى أن اتفق عودها إلى مصر، فحملته معها إلى الديار المصرية فدفن بها.
وكان سلامش المذكور شابا مليحا في شكله ظريفا في هيئته، ومات وله من العمر اثنتين وعشرين سنة (٢).
وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية نحو خمسة أشهر (٣)، وهو عبارة عن آلة، والأمر كله إلى قلاون، ولما خلع سلامش من السلطنة تولى بعده قلاون.
стр. 74
ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين أبي المعالي قلاون الألفي الصالحي النجمي (١)
وهو السابع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد خلع الملك العادل سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس، وتلقب بالملك المنصور وكان جلوسه على سرير الملك في يوم الأحد ثاني عشرين شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة (٢).
وكان أصله من مماليك الأمير أقسنقر الكاملي (٣)، ثم انتقل إلى ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب، فأعتقه في أثناء سنة سبع وأربعين وستمائة.
ولما تم أمر المنصور قلاون في السلطنة أمر جماعة كثيرة من مماليكه القدماء، وهم: طرنطاي، وكتبغا، ولاجين، والشجاعي، وأيبك الخازندار، وطقصوا، وطغريل الايغاني، وقفجق، وبلبان الطباخي، وأقوش الموصلي، وسنقر جركس، وأزدمر العلائي، وقلجق، وأيدمر الطباخي، وقيران الشهابي، ومحمد الكوراني، وإبراهيم الجاكي (٤).
ثم أمر بالإفراج عن الأمير أيبك الأفرم واستقر به نائب السلطنة، فأقام بها مدة يسيرة، ثم استعفى من ذلك، فأعفاه السلطان، واستناب مملوكه طرنطاي.
وولى الأمير سنقر الأشقر نيابة دمشق، فلما دخل إلى دمشق عصى بها، وتسلطن هناك، وتلقب بالملك الكامل؛ فأقام على ذلك مدة يسيرة، ثم أضمحل أمره عن ذلك، وهرب إلى صهيون.
стр. 75
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وستمائة، فيها: جاءت الأخبار بأن أبغا ملك التتار جهز عساكر عظيمة، وصحبتهم أخوه منكوتمر، فلما بلغ السلطان الملك المنصور قلاون ذلك تجهز، وخرج إليه بنفسه، فجاءت إليه الأخبار في أثناء الطريق بأن التتار ملكوا حلب ونهبوها وأحرقوا الجامع، وقتلوا منها جماعة ثم رجعوا إلى بلادهم لما بلغهم مجيء السلطان.
فلما جاءت الأخبار بذلك، وكان السلطان قد وصل إلى غزة؛ فرجع إلى الديار المصرية، فلما بلغ التتار رجوع السلطان رجعوا إلى البلاد، وأخذوا في أسباب الفساد، فخرج إليهم السلطان ثانيا، فتلاقى مع عسكر التتار على المرج، وذلك في يوم الخميس رابع عشر رجب سنة ثمانين وستمائة، فوقع بينهما هناك وقعة عظيمة، وقتل من الفريقين جماعة كثيرة، وتقنطر منكوتمر أخو أبغا ووقع إلى الأرض، فلما رأوا التتار ذلك ترجلوا لأجله وحملوه، فلما رأوهم المسلمون قد ترجلوا فحملوا عليهم حملة عظيمة، فكانت النصرة للمسلمين وانكسروا التتار أنحس كسره، وهرب التتار، وكانت هذه الوقعة من الوقعات المشهورة ورجع السلطان إلى الديار المصرية وهو في غاية النصرة.
وفي سنة إحدى وثمانين وستمائة، فيها: قبض السلطان على جماعة من الأمراء، منهم: الأمير بيسري، والأمير بكتوت الشمسي، والأمير كشتغدي، وجماعة كثيرة من المماليك السلطانية من خشداشينه وشرع في إنشاء مماليكه (١). وفيها: تزوج السلطان الملك المنصور قلاون بأشلون بنت الأمير نكاي، وهي أم ولده الناصر محمد (٢).
وفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة، فيها: ابتدأ السلطان الملك المنصور قلاون بعمارة القبة والمدرسة والبيمارستان التي بين القصرين؛ وقيل: انتهى منهم العمل في مدة عشرة أشهر، على ما نقل في الأخبار.
قيل (٣): وكان سبب بنائه لهذا البيمارستان أن الملك المنصور قلاون أمر بقتل جماعة من العوام، بسبب أمور وقعت له معهم، فأوجبت تغير خاطره عليهم،