← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

* منهج التحقيق اجتهدنا في إخراج نص الكتاب إخراجًا فنيًّا سليمًا من الأخطاء الشكلية بحسب الطاقة، وفي سبيل ذلك قمنا بعمل الآتي: ١ - نسخ المخطوط وَفْق القواعد الإملائية الحديثة. ٢ - الضبط بالشكل لبعض الكلمات والأعلام. ٣ - تقسيم الكتاب إلى فقرات، وإضافة علامات الترقيم؛ ليسهل على القارئ فهم المعنى على وجه الصواب. ٤ - تمييز متن الكتاب "التهذيب" بوضعه داخل إطار، ثم يجيء الشرح بعده مفصولًا عنه. ٥ - إذا غلب على الظن أن لفظة ما سقطت من الناسخ ووجودها ضروري، زدناها إذا كان يتوقف فهم المعنى عليها، وجعلها بين معقوفين هكذا [] على ما جرت عليه عادة المحققين. ٦ - عند نهاية كل وجه من المخطوطة وضع سهم صغير أعلاه رقم الورقة مع الوجه هكذا: ٧ - توثيق النصوص والأقوال التي ينقلها السبكي من مصادرها الأصلية، وإنْ تعذَّر ذلك لكونها مفقودةً أو غير ذلك، فنُشير إلى مَنِ اتفق معه في النقل، وهو ما يُعرف بالنقل بالواسطة؛ وكلُّ هذا حسب الوسع والطاقة. ٨ - تمييز ما نقله عن غيره بوضعه بين علامة تنصيص، مع جعل التخريج آخر الكلام الذي نقله، فإن كان ما نُقل بتصرف يسير أو بمعناه ذكرنا ذلك بعد ذكر المرجع، وإن كان بنصِّه عزونا للكتاب فقط. ٩ - تصحيح الخطأ الحاصل من سقط بعض الحروف، أو تقديم بعضها على بعض، أو استبدال حرف بآخر.

стр. 37

١٠ - عزو الآيات إلى مواضعها، وذلك بذكر اسم السورة، ثم رقم الآية، مع كتابتها بالرسم العثماني ووضعها بين قوسين. ١١ - تخريج الأحاديث والآثار من مصادرها المعتمدة، باختصار يناسب موضوع الكتاب، فإن ورد الحديث في "الصحيحين" أو في أحدهما، اكتفينا بذلك، وإن كان في غيرهما فحسَب ما تيسر ثلاثة أو أربعة مراجع. ١٢ - ترجمت للأعلام غير المشهورين - من وجهة نظري - لغير المتخصص، أما رجال الأسانيد ونحو ذلك فلم أُترجم لأحدٍ منهم. * * *

стр. 38

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حسبنا الله ونعم الوكيل باب اختلاف المتبايعين وهلاك المبيع إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن، ولم تكن بينة، تحالفا؛ لما روى ابن عباس ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ (١)، لادَّعَى نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، دِمَاءَ نَاسٍ وَأَمْوَالَهُمْ، [وَلَكِنَّ] (٢) الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". فجعل اليمين على المدعى عليه، والبائع مدعًى عليه بيعًا بألف، والمشتري مدعًى عليه بيعًا بألفين، فوجب أن يكون على كل واحد منهما اليمينُ؛ ولأن (٣) كل واحد منهما مدَّعٍ ومُدَّعًى (٤) عليه ولا بينة، فتحالفا؛ كما لو ادعى رجل على رجل دينارًا، وادعى الآخر على المدعى درهمًا. حديث ابن عباس هذا متفق على أصله، رواه مسلم (٥) بقريب من لفظ المصنف؛ قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ".

стр. 39

وفي البخاري (١) عن ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قال: "كتب ابن عباس إليَّ أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه". قال عبد الحق (٢): "وذكر أبو عمر بن عبد البر من طريق مسلم بن خالد الزَّنْجِيِّ، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ". قال: ورواه أبو أحمد من حديث مُسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله سواء، وقال: "إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ". ورواه أيضًا من حديث مُسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ . قال: [وهذان] (٣) الإسنادان يُعْرفان بمسلم بن خالد، عن ابن جريج، وفي المتن زيادة قوله: "إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ". كذا قال أبو أحمد، ومسلم بن خالد لا يحتج به" (٤). وقد جعل المصنف عمدته في الباب حديث ابن عباس هذا، وأكثر الأصحاب جعلوا عمدتهم في ذلك حديث ابن مسعود - الذي سنذكره إن شاء الله -، وما فعله المصنف أولى؛ لأمرين: أحدهما: صحة حديث ابن عباس، والكلام في حديث ابن مسعود، كما سيتبين.

стр. 40

والثاني: التنبيه على أن التحالف في هذا الباب ليس خارجًا عن قياس الخصومات؛ لينتفع بذلك عند قول الحنفية (١): أن التحالف ورد عند قيام السلعة على خلاف القياس؛ لحديث ابن عباس. والشافعي ﵁ ذكر الحديثين في "المختصر" (٢)، وَصَدَّر بحديث ابن مسعود، ونبه في غير "المختصر" على ضعفه، وإنما حمل أكثر العلماء من الأصحاب وغيرهم على الاعتماد عليه، واقتصارهم على ذكره، أنه الخاص بهذا الباب، واشتهر جدًّا. قال ابن عبد البر: "هو حديث محفوظ عن ابن مسعود، مشهور أصله عند جماعة العلماء، تلقَّوه بالقبول وبنوا عليه كثيرًا من فروعه، وقد اشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يستغني بها عن الإسناد، كما اشتهر حديث: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (٣). وقال ابن المنذر: "ليس في الباب خبر يُعتمد عليه" (٤)؛ يشير إلى الأخبار الناصَّة عليه بخصوصه؛ لخبر ابن مسعود وضعفه من جهة الإسناد. ومقصود المصنف: أن الاستدلال بخبر ابن عباس على أن كلًّا منهما يحلف، وأما كيفية اليمين، فستأتي؛ وأمَّا تقرير كل منهما مدَّعًى عليه، فواضح، وقد زاده الْفَارِقِيُّ (٥) إيضاحًا، واستدل له بأحكام؛ منها: أنه إذا

стр. 41

أقام كل منهما بينة بما ادعاه وأرختا بوقت واحد، تعارضتا، ولو أن العقد واحد لثبت ما اتفقت البينتان عليه، فدل على أن كلًّا منهما مُدَّعٍ عقدًا غير الذي يدعيه صاحبه. وقد اعترض ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ (١) على المصنف في قياسه، على "ما لو ادعى دينارًا على من ادعى درهمًا، فإن كلًّا منهما يحلف يمينًا واحدة، فلا يلحق به من يحلف يمينين" (٢). والجواب: أن مراد المصنف كون كل منهما يحلف، كما دل عليه خبر ابن عباس؛ وأما كيفية اليمين، فسيأتي الكلام فيها. وقد زعم الشيخ تاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ (٣): أن التحالف على خلاف حديث ابن عباس من جهة أنا سوينا بين المدعي والمنكر [في] (٤)، والحديث يخص اليمين بالمنكر. والجواب: ما قدمناه من أن كلًّا منهما مدَّعٍ ومنكر، ولابد لنا من الكلام على خبر ابن مسعود، وإن كان المصنف قد ذكره في الفصل الذي بعد هذا، وعلى مذاهب في هذه المسألة؛ فأما خبر ابن مسعود، فقد روي من طرق منها

стр. 42

طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس عن أبيه عن جده؛ قال: اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخُمس من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل إليه عبد الله في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك، فقال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَتَارَكَا". هكذا رأيته بغير نون، ويتخرج على أن "أو" بمنزلة "إِلَّا" أن، كما في قولهم: لألزمنك أو تقضيني ديني، روى هذا الحديث أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن ماجه (٤)، والحاكم في "المستدرك": "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" (٥). وقال البيهقي بعد أن ذكر إسناده: "هذا إسناد حسن موصول، وقد روي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جُمع بينها صار الحديث بذلك قويًّا" (٦). ثم ذكر طريقًا من جهة عون بن عبد الله، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعَانِ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ" (٧). "وعن عون أن ابن مسعود والأشعث تبايعا، فذكر نحو الحديث الأول إلى أن قال: "فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ". عون لم يدرك عبد الله ابن مسعود.

стр. 43

وقد روى الشافعي هذه الطريق وحكم عليها بالانقطاع؛ كذلك رأيته في "الأم" (١) في باب الخلاف فيما يجب به البيع، وحكى عن الزعفراني (٢) عنه (٣)، أنه قال: لا أعلم أحدًا يصله عن ابن مسعود" (٤). وعن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود في رجلين تبايعا سلعة، فقال هذا: أخذت بكذا وكذا، وقال هذا: بعت بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: أُتي عبد الله بن مسعود بمثل هذا، فقال: حضرت رسول الله ﷺ أُتِي في مثل هذا، فأمر البائع أن يستحلف، ثم ليخير المبتاع، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك (٥). هذا أيضًا منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يدرك أم عبد الله، وقد روى طريق أبي عبيدة هذه الشافعي، ورواها عنه أحمد بن حنبل (٦). وعن بعض بني عبد الله بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ : "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شَاهِدٌ، اسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ ثُمَّ كَانَ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ" (٧).

стр. 44

وفي بعض ألفاظه: "وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ" (١). وعن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، أنه باع الأشعث بن قيس رقيقًا من الخُمْس، فذكر مثل طريق عبد الرحمن بن قيس المتقدم (٢). وفي بعض ألفاظه: "أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ" - بدل قوله: "أَوْ يَتَتَارَكَانِ" - قال الأشعث: أرى أن يُرد البيع؛ وهو منقطع أيضًا؛ ورواه "محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم، عن أبيه قال: باع عبد الله، ثم ذكر بقيته، لكن ابن أبي ليلى خالف الجماعة في إسناده إلى قوله: "عن أبيه"، وفي متنه حيث زاد فيه: "وَالْمَبِيع قَائِمٌ بِعَيْنِهِ"، ومحمد بن أبي ليلى، وإن كان في الفقه كبيرًا، فهو ضعيف في الرواية، وقد تابعه في هذه الرواية عن القاسم، الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث (٣)، وتابعه على قوله: "عن أبيه" خاصة دون الزيادة في المتن عمر بن قيس المَاصِرُ، كذلك رواه الدارقطني (٤)، وعمر بن الماصر ثقة، وبحكم ذلك يقوى اتصال هذة الرواية بدون الزيادة في المتن، فإن عبد الرحمن سمع أباه. وروى الدارقطني أيضًا من حديث أبي وائل عن عبد الله قال: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَالْمَبِيعُ مُسْتَهْلَكٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِع". ورفع الحديث إلى النبي ﷺ في ذلك (٥)، فقد تحصلنا إلى طرق إلى ابن مسعود من طريق محمد بن الأشعث، وعون، وأبي عبيدة، وعبد الرحمن، وأبي وائل.

стр. 45

فأما طريق ابن الأشعث، فطعن فيها ابن حزم بأنه "إنما هو عبد الرحمن ابن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث، وهو مجهول ابن مجهول، وأن محمد ابن الأشعث لم يسمع من ابن مسعود" (١)، وما ذكره من الطعن غير مقبول، والصحيح في نسبة ما قدمناه لا ما ذكره ابن حزم، وذكر غير واحد من الأئمة له تنفي جهالته؛ والحكم بأن محمد بن الأشعث لم يسمع من ابن مسعود، دعوى تحتاج إلى بيان؛ وكذلك ادعى ابن حزم، "أن أبا العميس - وهو عتبة ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود -، لم يسمع من عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث" (٢)، وهذا أيضًا يحتاج إلى بيان. والظاهر: أنه سمع منه، وأن ابن الأشعث سمع من ابن مسعود لذكر الأئمة روايتهما من غير تنبيه على الانقطاع. وقال البيهقي: "إن أصح إسناد يروى في هذا الباب، رواية أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس" (٣)، يريد الطريق المذكور. وأما طريق عون وأبي عبيدة، فهما منقطعان؛ لأن كلًّا منهما لم يسمع من ابن مسعود، وهما متفقان على إثبات الخيار للمشتري بعد خلف البائع. وأما طريق عبد الرحمن، فقد قال جماعة: إنها منقطعة؛ لأن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، والذي قاله البخاري: إنه سمع من أبيه، ونقل ذلك في "تاريخه" (٤) عن عبد الملك بن عمير، واختلف النقل في ذلك عن يحيى وإسرائيل صرح عنه بالسماع. وروى البخاري (٥) بسنده إليه قال: لما حضر عبد الله الوفاة قال له ابنه

стр. 46

عبد الرحمن: يا أبته أوصني، قال: ابك من خطيئتك. فالأصح حينئذ أن عبد الرحمن سمع من أبيه، فأصح ما في الباب رواية عبد الرحمن هذه، ورواية ابن الأشعث التي ذكر البيهقي أنها أصح ما في الباب، وعندي في الترجيح بينهما نظر، وكلاهما متفقان على أن القول قول البائع: أَوْ يَتَتَارَكَا ولا تنافي بين اللفظين، فإن قوله: "أَوْ يَتَتَارَكَا" يحتمل معناه - والله أعلم -: أنه إن لم يحلف البائع، تتاركا وتفاسخا البيع، وذلك إنما يكون باختيارهما، ومن المعلوم أن ذلك جائز لهما. والمقصود: أن ليس لهما طريق إلى الخلاص إلَّا التفاسخ أو حلف البائع، ثم إذا حلف البائع ماذا يكون الحكم هذه الرواية ساكتة عنه، ورواية عون وأبي عبيدة مُبيِّنة للخيار للمشتري بعد حلف البائع. قال أصحابنا: معناه المشتري بالخيار، إن شاء أخذ بما حلف عليه البائع، وإن شاء حلف ورده. ويحتمل أن يكون المراد: "الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَتَارَكَا" بالتحالف؛ لأن التتارك بغير يمين لا يجوز، قاله القاضي أبو الطيب (١): فالمعنى أنه إن اعترف المشتري بما يقوله البائع، وإلا تحالفا وتتاركا، وعلى هذا لا منافاة بينه وبين رواية عون، ويكون في رواية؛ عون زيادة بيان البدأة بيمين البائع - والله أعلم -. والاحتمال الأول أقرب؛ لأن في الحديث في رواية؛ أن الأشعث قال لابن مسعود: أَرَى أَنْ يُرَدَّ الْبَيْعُ (٢).

стр. 47

وفي رواية: فَإِنِّي أُتَارِكُكَ الْبَيْعَ فَتَارَكَهُ (١). ففي هاتين الروايتين ما بيَّن أن المتاركة بغير تحالف، وأنه لم يحلف لا الأشعث ولا ابن مسعود، فكان المعنى على ما قبله، أولًا؛ أنهما إن ترادّا البيع فذاك، وإلَّا فالقول قول البائع؛ ثم المشتري بالخيار بين أن يلتزم ما حلف عليه البائع، وأن يحلف ويرد. وقال الجُورِي (٢): معنى قوله: "الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ"؛ أي: بعد تحالفهما في ألَّا تخرج السلعة عن يده إلَّا بما يقول، فإن لم يأخذه المشتري بذلك ترادَّا ورجع كل منهما إلى أصل ملكه، وأما طريق أبي وائل، فمتصلة لكن في رجال إسنادها ضعيف. * * *

стр. 48

فصْل فمن قيد من الرواة حالة البقاء أو حالة التلف حتى لا يحتاج أن يعيده بعد ذلك، أكثر الرواة أطلقوا، وفي رواية أبي وائل هذه التي رواها الدارقطني: "وَالْمَبيعُ مُسْتَهْلَكٌ" (١). وفي رواية "محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن القاسم: "وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ". وقد أنكر ذلك عَلَى ابن أبي ليلى وعُدَّ من غلطه" (٢)، وتابعه عليها الحسن ابن عمارة، وهو متروك. قال أبو المظفر بن السمعاني (٣): والخبر الذي رَوَوْه - يعني هذا - باطل لا أصل له، والأصحاب قد يروون في مقابلته، والسلعة قائمة أو هالكة تحالفا أو ترادَّا، وكلاهما لا أصل له، وهذا الذي قاله السمعاني أحسن مما قاله الغزالي حيث قال في كتاب "المآخذ" (٤) فيما يرويه أصحابنا: أجمع أئمة الحديث على صحته، والغزالي ﵀ ليس بمن يعوَّل عليه في ذلك، والله يغفر لنا وله، ولولا خشية الاغترار به لم أذكره. ونقل ابن قدامة عن أحمد بن حنبل أنه قال: "لم يقل فيه: "وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ"

стр. 49

إلَّا يزيد بن هارون قال أبو عبد الله: وقد أخطأ. رواه الخلق عن المسعودي، ولم يقولوا هذه الكلمة" (١). والكلام في التحالف بعد هلاك المبيع سيأتي -إن شاء الله تعالى- في سادس فصل من هذا الباب، ولكني قدمت ذكر الحديث هنا؛ لتستغني عن إعادته هناك، ومن الألفاظ التي لا أصل لها؛ الحديث المذكور في "الوسيط" (٢) وغيره (٣) من كتب الفقه: "إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا". هذا لا يكاد يوجد، ولم يرد ذكر التحالف في شيء من طرق الحديث. * * *

стр. 50

فصْل: في مذاهب العلماء في اختلاف المتبايعين مذهبنا التحالف مطلقًا، سواء أكانت السلعة قائمة أو تالفة، وسواء أكان قبل القبض -وهي قائمة- أو بعد القبض (١)، وبه قال محمد بن الحسن (٢)، ومالك في أصح الروايات عنه (٣)، وأحمد في أصح الروايتين (٤). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يتحالفان حال قيام السلعة، ولا يتحالفان حال تلفها، بل يكون القول قول المشتري (٥)، وهو الرواية الأخرى عن أحمد (٦)، والرواية الثانية عن مالك (٧). وقال مالك في الرواية الثالثة عنه: إن كان قبل القبض تحالفا، وإن كان بعد القبض؛ فالقول قول المشتري (٨).

стр. 51

وقال زفر (١) وأبو ثور (٢): القول قول المشتري بكل حال مع يمينه. وذكر القاضي أبو الطيب أنها رواية عن مالك (٣)، ونقله الماوردي (٤) عن داود (٥)، فهذه أربعة مذاهب. ونقل الماوردي عن مالك: "أن القول قول مَن الشيء في يده؛ لأن اليد دالة على ملكه" (٦)، وبه تجتمع عن مالك خمس روايات. ونقل عن شُرَيْح (٧) وَالشَّعْبِيّ (٨) في ذلك شيء، فالذي نقله الماوردي عنهما: "أن القول قول البائع" (٩).

стр. 52

وبه تصير المذاهب ستة (١). والذي نقله ابن المنذر (٢): أن الشعبي كان يقول: "القول قول البائع أو يترادان البيع، وبه قال أحمد. وقال: القول قول البائع مع يمينه، أو يترادان" (٣). قال ابن المنذر: "وفيه قولٌ ثانٍ: وهو أن يستحلفا بالله، فإن حلفا أو نكلا، ترادَّا البيع، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان للذي خلف، هذا قول شريح" (٤) - هذا كلام ابن المنذر - ثم حكى بعد ذلك مذهب الشافعي، ومذهب أبي ثور (٥). فأما ما نقله عن الشعبي وأحمد: فهو كلفظ الحديث الذي فيه: "الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ". فإن كانا قد حملاه على أن المراد أن يتتاركا بترك الخصومة أو يفصلاها، فيكون القول قول البائع مع يمينه، وإذا حلف يحكم له، فهذا محتمل، ويصح مع ذلك أن ينقل عنهما أن القول قول البائع، ويكون ذلك رواية ثالثة عن أحمد، وهو المذهب السادس الذي تقدم، وأما ما نقله ابن المنذر عن شريح، فليس فيه مخالفة لمذهب الشافعي، إلا أن الشافعي يبدأ بتحليف البائع. و مقتضى كلام شريح: أنهما مستويان. وفيه (٦) أيضًا: تصريح بأن نكولهما لحلفها وهو كذلك على الراجح عندنا - على ما سيأتي في فرع عند كلام المصنف على كيفية اليمين - فإذا أخذت

стр. 53

مذهب شريح بهذا الترتيب كانت المذاهب سبعة، وإلَّا فهي ستة لا غير. ثم إن المشهور في مذهب أبي حنيفة الاقتصار في اليمين على النفي، ومذهبنا الجمع بين النفي والإثبات، فإذا أخذت المذاهب مقيدة بكيفية التحالف جاءت سبعة أيضًا أو ثمانية، وأضعفها من فرق بين قيام السلعة وتلفها، وسيأتي بيان ضعفه عند ذكر المصنف لهذا الحكم إن شاء الله، وكذلك تخصيص التحالف بما قبل القبض، وقبول قول المشتري مطلقًا، فيه مخالفة لحديث ابن عباس وابن مسعود معًا، وأما قبول قول: مَنْ الشيء في يده، فهو وإن كان مخيلًا لكن صاحب اليد إذا اعترف بترتبها على يد أخرى، صارت اليد الأولى هي الأصلية. وأيضًا: إلزام المشتري بالثمن الذي يدعيه البائع، وإن كانت العين في يد البائع تقيد، فلم يبق إلا التحالف كما ذهبنا إليه، أو قبول قول البائع، كما حكى عن الشعبي وأحمد، إلا أن هذا المذهب مخالف للرواية التي فيها إثبات الخيار للمشتري. فإنا إذا قلنا: قول البائع مطلقًا وألزمنا المشتري الثمن، لم يثبت له خيار، فوجب المصير إلى القول بالتحالف، كما قال به الشافعي وغيره، وقد تقدم أن مذهب شريح موافق لمذهبنا في أصل التحالف. قال الإمام: "ومعتمد الباب، إما الخير، وإما مصلحة ناجزة حاقَّة خصيصَةٌ بالباب، هي أولى بالاعتبار من الأمر الكلِّي، وهي أن المتعاقدَين يعم اختلافُهما، وكل واحدٍ منهما جالبٌ باذلٌ، فلو خصصنا بالتصديق أحدهما، جرَّ ذلك عُسرًا عظيمًا، فرعاية مصلحة العقد أولى من النظر إلى عموم القول في براءة الذمَّة" (١).

стр. 54

وهذا من الإمام ﵀ فيه إشعار بأن التحالف على خلاف القياس، ولكن الأصحاب في الكلام مع الحنفية - كما سيأتي - يبالغون في تقدير أن ذلك على وقف القياس، ويمنعون من تسليم أن البائع موافق للمشتري على شيء ممَّا يدعيه، وإن كان في كلام الإمام إشعار بتسليم ذلك. واعلم أن قوله في الحديث: "الْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَتَارَكَا". ظاهره أنهما يتتاركان بغير تحالف، وكذلك نقل عن مذهب ابن مسعود، والشعبي، وأحمد (١)، ولعل ذلك على وجه المقابلة وأنها فاصلة للخصومة؛ فإن لم يفعلا، فالقول قول البائع، وظاهر هذا أنه إذا حلف يقضى له، لكن الرواية الأخرى تقتضي تمكين المشتري من الأخذ والترك بعد حلف البائع، وأصحابنا (٢) يجعلون ذلك بحلفه أيضًا، إن حلف حصل الترك، وإلَّا أخذها بما حلف عليه البائع، وظاهر الحديث لا يقتضي ذلك؛ فلو قيل بأنه: إذا حلف البائع يخير المشتري بين الأخذ والترك بغير يمين، كان محتملًا، وهو نوع من التتارك الذي خيَّر الشارع بينه وبين قول البائع، ويكون التتارك إما قبل حلف البائع باتفاقهما، وإما بعد حلفه باختيار المشتري، لكن هذا نوع من الخيار غريب، ولم أرَ من قال به. وقد اختار أبو الحسن بن المغلس (٣): أن حديث ابن مسعود ثابت، وأن الواصل له ابن أبي ليلى، وأن حكم النبي ﷺ بالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه معارض له، وإذا امتنع الحكم بالنسخ للجهل بالتاريخ،

стр. 55

فالواجب النظر، والنظر يوجب قبول قول المشتري الاتفاق على حصول الملك له، فيقبل قوله في اليمين مع يمينه، وهذا الذي قاله من الاتفاق على حصول الملك غير مفيد؛ لأن الملك نتيجة البيع، ولم يتفقا على بيع خاص. وقول المصنف: مقدار الثمن هكذا عادة الأصحاب يفرضون الكلام في الاختلاف في مقدار الثمن، والحكم عام فيما إذا اختلفا في المقدار كما ذكر، أو في الجنس، بأن يقول: بعتك داري هذه بهذا الثوب، وقال المشتري: بل بعتنيها بهذا العبد، أو في الوصف، كما إذا قال: بعتك بصحاح، فقال: بل بمكسرة، كل ذلك يوجب التحالف إذا اتفقا على المبيع. وقد يختلفان في المبيع أيضًا مع الاتفاق على الثمن - وسيأتي في كلام المصنف. وقد يختلفان في المبيع والثمن معًا، فإن لم يحصل اتفاق على واحد منهما سواء أكانا معينين كما إذا قال: بِعْتُك هذا العبد بهذا الثوب، فقال: بل هذه الجارية بهذا العبد؛ أم في الذمة كما إذا قال: بعتك هذا العبد بمائة درهم أو صحاح، فقال: بل هذه الجارية بمائة دينار أو مكسرة، فلا تحالف أصلًا. وإن حصل اتفاق في بعض ذلك كما إذا قال: بعتك هذا العبد بألف، فقال: بل بعتنيه مع هذه الجارية بألفين، فهاهنا يتحالفان أيضًا. وقوله: ولم تكن بينة؛ أي: واحدة؛ فلو كان لكل منهما بينة وتعارضا. فإن قلنا بالتساقط، فكذلك. وإن قلنا بالاستعمال فهل يقرع أو يتوقف، وجهان اقتصر الرافعي (١)

стр. 56

على الثاني، ولا تجيء القسمة على ما صرح به ابن التلمساني (١). فرع أطلق المصنف التحالف عند الاختلاف، ولم يفصل بين أن يكون الاختلاف في زمن الخيار أو لا، والذي قاله الماوردي في كتاب السلم فيما إذا اختلفا في الأجل، فإن كان بعد التفرق تحالفا، وإن كانا في المجلس، فلا عقد بينهما (٢)، ووافقه القاضي حسين، فقطع بانتفاء التحالف (٣)، ونازعه الإمام فيه (٤)، ثم إنه زعم أن القاضي لا يلزمهما التحالف، وكان لو اختلفا وراما التحالف، عرض الأيمان عليهما، ثم استشكل هذا ومال إلى موافقة القاضي حسين، وبين كلام الماوردي وكلام القاضي حسين بعض التقارب. فإن ظاهر كلام الماوردي؛ أن العقد انفسخ بالتناكر. وظاهر كلام القاضي حسين: أنه لا ينفسخ لكنهما لا يتحالفان؛ لقدرتهما على الفسخ. وأما التحالف في القراض، فإن كان قبل الخوض في العمل، فلا معنى له، وبعده يجزئ؛ لأن فيه فائدة. * * *

стр. 57

قال المصنف ﵀: فصْل: [البدء بيمين البائع] قال الشافعي ﵀ في "البيوع": يُبدأ بيمين البائع. وقال في "الصداق": [إذا اختلف الزوجان] (١) يبدأ بيمين الزوج، والزوج كالمشتري. وقال في "الدعوى والبينات": إن بدأ بالبائع خُيّر المشتري، وإن بدأ بالمشتري خُيّر البائع، وهذا يدل على أنه مخير بين أن يبدأ بيمين البائع (٢)، وبين أن يبدأ بيمين المشتري (٣). [فمن أصحابنا من قال: فيها ثلاثة أقوال؛ أحدُها: يبدأ بالمشتري] (٤)؛ لأن جَنَبَته أقوى؛ لأن المبيع [في] ملكه (٥)، فكان بالبدأة (٦) أولى.

стр. 58

والثاني: [أنه] (١) يبدأ بيمين من (٢) شاء منهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر في الدعوى، فتساويا، كما لو بدءا (٣) شيئًا في أيديهما (٤). والثالث: يبدأ البائع (٥)، وهو الصحيح؛ لما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ، وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ". فبدأ بالبائع ثم خير المبتاع، ولأن جنبته أقوى؛ لأنهما (٦) إذا تحالفا رجع المبيع إليه، فكانت البدأة به أولى. ومن أصحابنا من قال: هي على قول واحد أنه يبدأ بالبائع، وتحالف الزوج في الصداق؛ لأن جنبته أقوى من جنبة الزوجة؛ لأن البُضع بعد التحالف على ملك الزوج، فكان بالتقديم أولى، وها هنا جنبة البائع أقوى؛ لأن المبيع بعد التحالف على ملك البائع، فكان البائع بالتقديم أولى، والذي قال في "الدعوى والبينات" ليس بمذهب له، وإنما حكى ما يفعله الحاكم باجتهاده؛ لأنه موضع اجتهاد فقال: إن حلف الحاكم البائع باجتهاده خيّر المشتري، وإن حلف المشتري خيّر البائع. حديث ابن مسعود تقدم الكلام عليه، واللفظ الذي ذكره المصنف هنا لفظ رواية عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعودٍ، أخرجه

стр. 59

الترمذي (١)، ورواه الشافعي (٢) عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن عون، وهو منقطع؛ لأن عونًا لم يدرك ابن مسعود، وقد تقدم موافقة أبي عبيدة له على معنى هذا اللفظ، وكلام الناس على حديث ابن مسعود في الجملة، ويقويه الاحتجاج به، والتوفيق بين معنى هذا اللفظ وبقية ألفاظ رواياته. وأما نصوص الشافعي ﵀، فقال الأصحاب: "إنه نصَّ في البيع أنه يبدأُ بالبائع، وفي السَّلَم بالمُسْلَم إليه، وفي الكتابة بالسَّيد، وهذه النُّصوص الثلاثة متوافقة؛ لأن المُسْلَم إليه بائع، والسيد (٣) في رتبة البائع. ونص في الصَّدَّاق: "أنه يبدأ بالزَّوج"، وظاهره يخالف سائر النُّصوص؛ لأن الزَّوج شَبِيهٌ بالمشتري. ونص في الدَّعَاوى: "أنه إن بدأ بالبائع خيّر المشتري، وإن بدأ بيمين المشتري خيّر البائع، وهذا يشعر بالتسوية والتَّخيير" (٤)، وقد رأيت هذه النصوص. أما نصه في البيع، ففي "مختصر البويطي" في باب الدعوى والبينات، قال: "وإذا اختلف المتبايعان في [الثمن] (٥)، والسلعةُ قائمةٌ في يدي البائعِ، أحلف، ثم قيل للمبتاع: إن شئت فَخُذْ، وإلَّا فاحلف وَرُدَّ" (٦). ونصه في السلم والبيع أيضًا في "الأم" في باب اختلاف المسلِف

стр. 60

والمسلَف في الثمن، قال الشافعي: "ولو اختلف المُسَلِّف والمُسَلَّف في السلم، فقال المشتري: أسلفتك مائة دينار في مائتي صاع حنطة، وقال البائع: أسلفتني مائة دينار في مائة صاع حنطة، أُحلفَ البائع بالله ما باعه بالمائة التي قبض منه إلَّا مائة صاع. فإذا حلف؛ قيل للمشتري: إن شئت، فلك عليه المائة الصاع التي أقر بها، وإن شئت؛ فاحلف ما ابتعت منه مائة صاع، ولقد كان بيعك مائتي صاع؛ لأنه مدع عليك أنه ملك عليك المائة الدينار بمائة صاع، وأنت منكر، فإن حلف، تفاسخا البيع" (١). ثم ذكر الشافعي: "كذلك اختلافهما في المسلم فيه تمرٍ أو ذرةٍ، أو بردي أو عجوة أو غير ذلك" (٢). وكذلك اختلافهما في الأجل سنة أو سنين، ثم قال: "وهكذا القول في بيوع الأعيان يعني أنهما يتحالفان" (٣). وأما نصه في الكتابة ففي "الأم" في الجزء الثاني عشر في اختلاف السيد والمكاتب، ذكر صورًا كثيرة فيما إذا تصادق السيد وعبده على كتابة صحيحة، واختلفا فيها، ثم قال: "وحيث قلت: أُحلِّفُهما، فإن نكل السيد وحلف العبد، فهو مكاتب على ما ادعى؛ وإن لم يحلف، كان عبدًا،؛ وإن نكل السيد والعبد، كان عبدًا، لا يكون مكاتبًا حتى ينكل السيد ويحلف العبد مع نكول سيده" (٤). ثم ذكر الشافعي شروط البينة التي تقام على الكتابة، ثم قال: "فإذا

стр. 61

نقضت البينة من هذا شيئًا سقطت وخلف السيد، وكان العبد مملوكًا، وإن نكل حَلَفَ العبد وكان مكاتبًا على ما حلف عليه" (١). انتهى. وهذا نص في البدأة بالسيد، فهذه هي النصوص المتفقة على البدأة بجانب البائع، والمصنف اكتفى بذكر نصه في البيع عن النصين الموافقين له. وأما نصه في الصداق، ففي "مختصر المزني" صريحًا قال: "وَبَدأْت بِالرَّجُلِ" (٢)، وكذلك هو في "الأم" قال: "وأبدأ بالرجل في اليمين، فإن حلف أحلفت المرأة، فإن حَلَفت جَعَلْت لها مهر مثلها" (٣). وأما نصه في الدعوى والبينات فرأيت في أول الجزء العاشر من "الأم" قبل باب الدعوى في الميراث، قال الشافعي: "إذا تداعى الرَّجُلان البيع فتصادقا عليه، واختلفا في الثمن، قال البائع: ألفان. وقال المشتري: ألف. [تحالفا] (٤)، فإن حلفا معًا، فالسلعة مردودة على البائع، وأيهما نكل رَدَدْت اليمين على المُدَّعَى عليه، [وإن] (٥) نكل المشتري، حلف البائع لقد باعه بالذي قال، ثم لزمه الألفان، فإن حلف البائع ثم نكل المشتري، أخذ البائع الألفين" (٦). فأول هذا الكلام يقتضي عرض اليمين على المشتري أولًا، وآخره يقتضي خلافه، وذلك لا يتم إلا مع القول بالتسوية والتخيير. ثم قال الشافعي: "وهكذا إن كان الناكل هو البائع، والحالف هو

стр. 62

المشتري، كانت بيعًا له بالألف" (١)؛ هذا هو النص الذي رأيته في الدعاوى من "الأم". فإما أن يكون الأصحاب أخذوا العبارة التي نقلوها عن الدعاوى من هذا النص بالمعنى، وإما أن يكون له فيها نص آخر وهو الأقرب، فإن في كلام الشيخ أبي حامدٍ (٢) وغيره (٣) أنه قال: إن استحلف الحاكم البائع وإن استحلف المبتاع، وهذا النص الذي ذكرته لا ذكر للحاكم فيه. وقد اختلف الأصحاب بسبب اختلاف هذه النصوص على طرق، أشهرها طريقان، اقتصر العراقيون عليهما، إحداهما: وهي التي أوردها ابن أبي هريرة في "تعليقه"، والجُوْرِي في "شرحه"، وقال الرافعي: "إنها الأظهر؛ إن المسألة على ثلاثة أقوال؛ أظهرها: أن البدأة بالبائع. والثاني: البدأة بالمشتري، وهو مذهب أبي حنيفة (٤). والثالث: يتساويان. قال الشيخ أبو حامد: وهو أظهر حجاجًا؛ وعنه: أنه أقيس، وإن كان الأول ظاهر المذهب" (٥).

стр. 63

وقال الفَارِقِيُّ: إنه الأصح. "وعلى هذا فأوجه؛ أشهرها - ولم يورد الأكثرون غيره: أن الحاكم مخير ذلك يبدأ [بمن اتَّفق] (١) " (٢). والثاني: إلى اجتهاد (٣) الحاكم، ولم يورد ابن أبي هريرة في "تعليقه" تفريعًا عن هذا القول غير هذا، وكذلك سلامة المقدسي في "شرح المفتاح". والثالث: "يقرع بينهما كما يقرع بين المُتَسَاويين إلى مجلسه" (٤). وهذا حكاه الرافعي مع الأول تفريعًا على هذا القول، ولم أرَ أحدًا جمع الأوجه الثلاثة هكذا، فأكثرهم (٥) يقتصر على التخيير، وبعضهم يبدله بالاجتهاد، والرافعي ضم إلى التخيير قول القرعة، وبذلك يحصل في المسألة على هذه الطريقة خمسة أقوال للشافعي والأصحاب، وإن شئت قل خمسة أوجه؛ أحدها: البدأة بالبائع. الثاني: البدأة بالمشتري. الثالث: التخيير. الرابع: الاجتهاد. الخامس: القرعة، ولا يوجد في المسألة مذهب غير هذه الخمسة. "الطريقة الثانية: القطع بأن البدأة بالبائع" (٦)، وهي الصحيحة عند الشيخ

стр. 64

أبي حامد، والماوردي (١)، وقال سلامة: إنها اختيار صاحب "المفتاح" (٢). الطريقة الثالثة: - وهي التي ذكرها أكثر الخراسانيين - الاقتصار من طريقة الخلاف على حكاية قولين وعدم التعرض لقول التساوي؛ لأنهم لم يحكوا النص المحكي عن الدعاوى، وسببه أن يكون الناقلون لطريقة الخلاف لمَّا لم يروا نص الدعاوى اقتصروا على حكاية القولين، فلا يكون بينهما وبين طريقة العراقيين اختلاف إلَّا في الاقتصار على بعض ما نقلوه، وإنما تحسن عدها طريقة مخالفة للطريقة الأولى، إن ثبت القول بها عن أحد من أصحاب الوجوه، وأن القول الثالث ليس شائعًا عنده؛ إما لتأويله نص الدعاوى، أو عدم اطلاعه، وقد رأيت الروياني في "البحر" (٣) عدها طريقة أخرى زائدة على الطريقة الأولى، فتبعته في ذلك، وفيه ما نبهت عليه. والطريقة الرابعة، والخامسة، والسادسة: القول بالتخيير، والاجتهاد، والقرعة، وهي الأوجه التي قدمتها على الطريقة الأولى، لكن الخراسانيين لما اقتصروا من طريقة الخلاف على القولين حكوا هذه الثلاثة طرقًا. أما التخيير والقرعة: فحكاهما الإمام (٤)، والغزالي (٥) عن حكاية صاحب "التقريب"، وظاهره أن كلًّا من الطريقين قاطعة بذلك، فإن الإمام لما حكى طريقة التخيير قال: "وهذا القائل حمل نصوص الشافعي على حكم الوفاق في إجراء الكلام" (٦).

стр. 65

وأما الاجتهاد: فنقله القاضي الحسين في "تعليقه" حكاية الطرق، والإمام صرح بأنه طريقة، وحكاها عن نقل بعض من يوثق به معزوة إلى طريقة القاضي (١)، فهذا ما يجتمع من كلام الأصحاب والمتلخص منه الخمسة الأوجه التي ذكرتها، وقد يتساهل بتسمية الطريق وجهًا، فلا حرج عليك في هذا الإطلاق. وأما تحرير الطرق، فالمحرر منها الطريقان الأولان، والطريق الثالثة قد علمت ما فيها. والثلاث الأخيرة، يحتمل أن يكون صاحب "التقريب" في التخيير والقرعة، والقائل بالاجتهاد، قالوا ذلك تفريعًا على قول التساوي، فيكون ذلك داخلًا في الطريقة الأولى، وتكون هي الأوجه الثلاثة الماضية وتسقط حكاية هذه الطرق. ويحتمل: أن يكون كل منها قاطعة بذلك الوجه، فيعد طرقًا غير ما تقدم، وعلى كل تقدير، فلا زيادة على الخمسة الأوجه، وكيف ما كان فظاهر المذهب البدأة بالبائع، وسيأتي تخريج طريقين آخرين، فإن تحرر ذلك تكون الطرق ثمانية، السنة المتقدمة، وسابعة: البدأة بالبائع قطعًا وفي الزوج قولان. وثامنة: البدأة بالزوج قطعًا وفي البائع قولان، وسنذكر موضع تخريجهما في كلام الرافعي. وهاهنا أمور: أحدها: أن الإمام استشكل القول بالاجتهاد، وقال: "هذا كلام ظاهره ركيك من جهة أن القضاة في الوقائع كلها يقضون باجتهادهم، وإنما الكلام في ذكر وجوه الاجتهاد، فإذا تعدينا تقديم جانب، فذكر اجتهاد

стр. 66

القاضي لا معني له، قال: والظن أن المراد بهذا تخير القاضي، ولكن المعلِّق عنه لم ير التخيير في الوقائع، فحمل هذا على الاعتقاد في ردَّ الأمر إلى الاجتهاد" (١) هذا كلام الإمام. واعلم أن الكلام إذا حمل على اجتهاد الحاكم في تقديم البائع أو المشتري من حيث الجملة كان ركيكًا، كما قاله الإمام، أما إذا حمل على اجتهاد الحاكم في الأمور الجزئية المقتضية في بعض الأوقات تقديم البائع أو المشتري بعينه لما يقترن بتلك الواقعة من الأمور التي هي مجال نظر الحاكم فليس ركيكًا. قال ابن الرفعة: "وله عندي وجه، فإن الحاكم قد يرى من أحدهما مخايل الاعتراف، فيرى البدأة بتحليفه يقر أو ينكل، فيحلف الآخر يمينًا واحدة، فتنفصل الخصومة عن قرب" (٢). قلت: وهذا حسن، وإذا فقدت هذه الأمور واستوى الجانبان، عاد الأمر إلى التخيير، وقد علمت أن الناقل عن القاضي لم ينفرد بذلك إذا حكينا القول بالاجتهاد عن غيره في الوجوه المتقدمة، لكن عبارة الأكثرين التخيير، فإما أن يكون وجهين أو طريقة كما تقدم، ويحتمل على بعد أن يحمل أحدهما على الآخر، إمَّا برد الاجتهاد إلى التخيير كما قاله الإمام، وإما برد التخيير إلى الاجتهاد؛ لأن الاختيار كثيرًا ما يطلق في تصرفات الحكام، والمراد به: الاجتهاد لا التشهي، وكل من الاحتمالين بعيد، والمراد الاختيار المحض؛ لاستواء الجانبين على وجه، أو الاجتهاد على آخر. الثاني: أن الإمام قال عن طريقتي التخيير والاقتراع: "إن كلًّا منهما

стр. 67

صادرة عن قياس، وما يتكلفه الفقهاء من تقوية جانب على جانب إذا كان لا يفيد التصديق ولا معنى له، فلا ينقدح إلا مسلكان التخيير أو الإقراع" (١)، وإنما قطع بالإقراع في المتساويين؛ لأنه في خصومتين، وللمتقدم غرض ظاهر في تخيير مقصوده، وها هنا الخصومة واحدة لا تنفصل بأحد الجانبين. ثم إن الإمام بعد ذلك ضعف الطريقتين؛ لمخالفتهما النص إذا لم يقف على نص الدعاوى، ومال إلى خلاف قول التسوية. قلت: ولنا وجه في المتساويين أن الحاكم مخير إن شاء أقرع، وإن شاء قدم باجتهاده، وفيه شاهد لطريقة الاجتهاد هاهنا، ولكن الفرق الذي قاله الإمام هنا محتاج إليه للقول بالتخيير هنا من غير اجتهاد، ولم يقل به في المتساويين. الثالث: في الاستدلال لما تقدم، أما تقديم البائع وهو الصحيح، فلما ذكره المصنف من الحديث، وقد تقدم في بعض ألفاظه: "اسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ ثُمَّ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ" (٢). وهو نص، لكن ذلك من رواية عون، وقريب منه من رواية أبي عبيدة كما تقدم، وهما منقطعان، فإما أن يكتفي بذلك، لثبوت أصل الحديث، وإما أن يقصد بتأويل الرواية المتصلة عليه كما سبق، أو بنوع من القياس كما ذكره المصنف؛ لأن الأصول تقتضي أن كل من كانت جنبته أقوى كانت اليمين في جانبه والبائع أقوى؛ لما ذكره المصنف، ولأن البائع يأتي بصدر العقد، وهو

стр. 68

الإيجاب؛ والقبول فرعه، وقد عورض ما ذكره المصنف بأن اليمين رجع إلى المشتري؛ وهذا أولى، فإن الاختلاف لم يقع في المبيع، وإنما وقع في اليمين، فكان النظر إليه وإلى من يرجع له أولى من النظر إلى المبيع، وإن كانا ضعيفين؛ فإنه إثبات للقوة قبل التحالف بما يحصل التحالف. والجواب عن ذلك: أن رجوع الثمن إلى المشتري فرع رجوع المبيع إلى البائع، والمبيع هو المقصود، والتحالف الصادر من المتبايعين سواء، فلولا أن جانب البائع أقوى لبقي المبيع للمشتري كما كان عليه؛ إذ هما متفقان على أنه لعينه ملك للمشتري، بخلاف الثمن، فإنه باختلافهما لم يحصل اتفاق على ثمن مملوك للبائع. وأما تقديم المشتري، فَلِمَا ذكره المصنف، ولخبر الأشعث، والتمسك بقوله، فهو ما يقوله رب السلعة، وهو في الحال المشتري دون البائع؛ ولأن البائع معترف بالملك للمشتري ويدعي عليه زيادة في الثمن وهو ينكرها، والأصل براءة ذمته، فإن لم يكتف بقوله، فلا أقل من البدأة به، وقد عورض ما ذكره المصنف بأن الثمن في الحالة في ملك البائع، وقد عرفت ما في هذه المعارضة. أما خبر الأشعث فمن تأمله عرف أن المراد برب السلعة: البائع، وهو عبد الله بن مسعود، ولهذا قال له الأشعث: أرى أن يرد البيع. والجواب عن العلة الأخرى: بتقرير أصل التحالف، وأنهما مستويان في الدعوى لا ترجيح لأحدهما على الآخر، ثم إن ذلك وما حصلت به المعارضة في ترجيح البائع إنما يتم إذا كان الاختلاف في الثمن، وذلك ليس في جميع صور التحالف، بل قد يكون الاختلاف في مقدار المبيع، ولا يعلم قائلًا بالفرق. وأما القول بالتسوية، فموجَّه بأنه لا مزية لأحدهما على الآخر في

стр. 69

الدعوى، فوجب أن يكون إلى مشيئة الحاكم، كما يقول في رجلين تداعيا شيئًا وهو في يديهما، وكل واحد منهما يدعي جميعه، فإنهما يتحالفان، أي: يحلف كل منهما أنه لا حق لصاحبه فيما في يده (١)، كما صرح به الشيخ أبو حامد، ويبدأ الحاكم بيمين من شاء منهما، كذلك هنا صرح بالحكم المقيس عليه الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، والقاضي حسين، وهو مقتضى كلام المصنف. وقال الشيخ أبو حامد: إنه لا يختلف المذهب فيه. قلت: وهذه المسألة المقيس عليها فيها شبه من مسألة المتساومين من جهة أنهما خصومتان، وقد تقدم أنه لا قائل بالتخيير في مسألة المتساومين، وفيها شبه من مسألة التحالف من جهة أنهما كالخصومة الواحدة؛ لتعلق كل منهما بالآخر، فيحتاج على المذهب إلى الفرق بينهما، وذلك أنهما مستويان من كل وجه وليس فيهما من الترجيح ما ذكرناه في جانب البائع، والفرق بينهما وبين مسألة المتساومين تعدد الخصومة، وها هنا لا فائدة في التقديم في فصل خصومة أحدهما دون الآخر، وقول المصنف في توجيه هذا القول: لا مزية لأحدهما على الآخر في الدعاوى تقييد لا بد منه؛ لأنه قال في بقية كلامه: أن جانب البائع أقوى، فلو لم يقيد بذلك لتناقض، ومع هذا القيد لا تناقض؛ لأن تلك القوة ليست في الدعوى، بل في شيء آخر. الرابع.: أن هذا التقديم هل هو على وجه الوجوب أو الاستحباب؟ فيه وجهان: حكاهما الماوردي (٢)؛ أحدهما: وهو الذي جزم به الشيخ أبو حامد، وصاحب "التتمة" (٣)، ........................................

стр. 70

و "التهذيب" (١)، والرافعي (٢)، أن ذلك على جهة الاستحباب، فإن قدم المشتري عليه، جاز وإن كان بغير اجتهاد. والثاني: أنه على جهة الاستحقاق، فإن قدم المشترى عليه، لم يجز إلَّا أن يؤدي اجتهاده إليه، وهو الأشبه عند الماوردي (٣)، وعندي عملًا بالحديث، وقد استشكل ابن أبي الدم هذا الخلاف، وقال: أن هذه المسألة مختلف فيها، والحاكم المتنازع لديه إذا كان مجتهدًا، ورأى وجوب تقديم البائع أو المشتري وجب عليه العمل بما رآه، وإن توقف آخر الحكم إلى أن يترجح في ظنه أحد المذهبين، فأين فائدة الاختلاف، وهذا الاستشكال ضعيف جدًّا؟! والاختلاف في كل المسائل المتعلقة بالحكام كذلك، والمقصود أبدًا وجه الاجتهاد. والصواب في ذلك وفائدة القول بالوجوب: أن الحاكم إذا خالف بغير اجتهاد، وقدم المشتري، لم يصح تحليفه، وعلى القول بالاستحباب يصح، وإن فعل ذلك بغير اجتهاد في التقديم. الخامس: أن الأقوال الثلاثة على الطريقة الأولى جارية في المسائل كلها البيع، والسلم، والكتابة، واختلاف الزوجين، صرح به الشيخ أبو حامد وغيره (٤). وقال الرافعي: "إذا قلنا بطريقة إثبات الخلاف، فإن قدمنا البائع، لم يخف من ينزل منزلته في سائر العقود، وفي الصداق يأتي وجهان؛ أحدهما: أن البدأة بالمرأة، نقله صاحب "التهذيب" وغيره، وأوفقهما

стр. 71

للنص؛ أن البدأة بالزوج" (١). وقال النووي: "أن هذا أصح" (٢)، وهو بعيد عندي على هذه الطريقة ومقتضى التفريع البدأة بالمرأة، كما قاله صاحب "التهذيب" (٣)، وكذا قاله الإمام (٤). قال الرافعي: "وإن قدمنا المشتري، فالقياس انعكاس الوجهين" (٥). قلت: لكن لا يمكنه أن يقول: إن الأوفق النص البدأة بالمرأة، فإن ذلك مخالف للنص بالكلية، والذي ينبغي القطع بتقديم الزوج، فإنا على طريقة إثبات الخلاف نرى أن الزوج في رتبة المشتري، ولولا ذلك لما جعلنا النصوص مختلفة، ولا قررناها على حالها، وإذا كان كذلك حكمنا بتقديم المشتري بعين الوقوف على النص، وإن حكمنا بتقديم البائع أتى الوجهان اللذان نقلتهما، ومن ذلك تأتي طريقتان غير الطرق الستة المتقدمة، إحداهما: البدأة بالزوج قطعًا، وفي البائع خلاف، وهذه خارجة بما قلناه آخرُا. والثانية البدأة بالبائع قطعًا، وفي الزوج خلاف، وهذه تتركب مما قاله أولًا، ومن الطريقة القاطعة. السادس: أن الطريقة القاطعة بتقديم البائع مقررة للنصوص ومجزئة لنصه: "في البيع، والسلم، والكتابة" على ظاهرهَا ونحتاج إلى الجواب عن نصه في الصداق والدعاوى، فأما نصه في الصداق، فعنه: اعتذار أن

стр. 72

أحدهما: أنه موافق؛ لأن الزوج في رتبة البائع؛ لأن الاختلاف في النكاح، إنما يظهر أثره في الصداق والزوج تابع الصداق. والثاني: تسليم أن الزوج في رتبة المشتري، ومع ذلك يقدم؛ لأن جانبه أقوى بدليل بقاء المعقود عليه على ملكه بعد الفسخ بخلاف المشتري في غيره من المعقود، وبأن دعوى اتفاقهما على حصول الحلي له، وأن الأصل براءة ذمته من الزيادة (١). وهذا الجواب أوفق لكلام المصنف، فإنه قال أولًا: إنه كالمشتري، واقتصر آخر على ترجيح جانبه ومجموعهما حاصل هذا الجواب. وأما نصه في الدعاوى، فله تأويلان: أحدهما: أنه التقديم على جهة الاستحباب كما تقدم عن جماعة، ولما كان ذلك رأي الشيخ أبي حامد صحح هذا التأويل، لكنا قدمنا عن الماوردي أن الأشبه خلافه (٢). والثاني: وهو الذي جزم به الماوردي، والقاضي أبو الطيب، والمصنف، وغيرهم: أن ذلك ليس مذهبه، "وأنه إنما أراد أن الحاكم إذا أداه اجتهاده إلى تقديم المشتري جاز، وإن أداه إلى تقديم البائع جاز؛ لأن هذا مما طريقه الاجتهاد، وليس كاللِّعان الذي ورد فيه النص بتقديم الزوج، فلا يجوز خلافه" (٣). قلت: والمراد بالاجتهاد ها هنا الاجتهاد في تقديم البائع أو المشتري من حيث الجملة الذي هو أصل المسألة ومحل نزاع الفقهاء، وليس المراد به الاجتهاد المتقدم على أحد الأوجه المفوض إلى الحاكم الذي فسرناه بما

стр. 73

رجع إلى التحري في القضايا الجزئية وفصل الخصومات. السابع: أن تقديم أحد الجانبين مخصوص على ما قاله الإمام بما إذا كان الثمن في الذمة، وكان المبيع عينًا أو جنسًا مقصودًا، كالمسلم فيه، أما إذا تبادَلا عرضًا لعرض، فلا يتجه غير التسوية، كذا ذكره الإمام (١)، والغزالي (٢)، قال الرافعي: "وينبغي أن يخرج ذلك على أن الثمن ماذا" (٣)، وهذا الذي قاله الرافعي جزم به أبو إسحاق العراقي في شرح: اتصلت به باء الثَّمَنِيَّةِ يجيء فيها الطرق المتقدمة. واعترض ابن الرفعة (٤) على الرافعي بأن مأخذ البدأة قوة جانب على جانب، وهي مفقودة في العرضين؛ إذ كل مقصود اتصلت باء الثمنية به أم لا، والقياس الذي هو مأخذ البدأة في الدعاوى قد يكون في جانب البائع، وقد يكون في جانب المشتري ولا نظر معه إلى ما اتصلت به باء الثمنية. الثامن: وقع في "الكفاية" (٥) لابن الرفعة هنا: "أن التقديم مستحب أو مستحق، فيه وجهان في "الحاوي"؛ أظهرهما: الأول. والذي نقله الإمام: الثاني" (٦). وهذا وهم وانتقال من مسألة تقديم النفي أو الإثبات في اليمين إلى مسألة البدأة بالحالف، ولم أقف للإمام على كلام في مسألتنا هذه، وإنما الرافعي (٧) بعد ذكره ما تقدم في مسألة البدأة بصفحة ذكر في صفة اليمين

стр. 74

الصيغة التي نقلها ابن الرفعة، فانتقل نص ابن الرفعة، والله أعلم من مكان إلى مكان. التاسع: ما ذكرناه من تقديم البائع أو المشتري يجري في كل من حلّ محلهما من مسلِّم ومسلَّم إليه، ومساقٍ ومُساقَى، ومقارِض ومقارَض ومؤجِر ومستأجِر، ومكاتِب ومكاتَب، وزوج وزوجة في صداق، أو عوض خلع وغير ذلك على ما صرح به الإمام (١)، وأجرى أصحابنا التحالف في الحوالة، وبدل العتق أيضًا. وقال أبو سعد الهروي (٢): إن قلنا: الحوالة استيفاء ينبغي أن يجعل القول قول المحتال مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الاستيفاء، وصورة الاختلاف في الحوالة أن يقول: أحلتني بديني وهو كذا، فيقول: ما أحلتك إلَّا بنصفه. * * *

стр. 75

قال المصنف ﵀: فصْل: [اليمين على النفي والإثبات] ويجب أن يجمع كل واحد منهما في اليمين بين النفي والإِثبات؛ لأنه يدَّعي عقدًا وينكر عقدًا، فوجب أن (١) يحلف عليهما. قال الشيخ أبو حامد: هذا لا خلاف فيه بين الأصحاب. ودليله: ما ذكره المصنف، فإن كلًّا منهما مدع ومدعًا عليه، فيحتاج أن ينفي ما ادعى عليه ويثبت ما يدعيه، ولك أن تقول: المدعي لا يحلف على إثبات مَا يدعيه عند عدم الشاهد واللوث، إلَّا إذا نكل المدعي عليه، وها هنا إذا حلف كل منهما على نفي ما يدعى عليه لم يحصل (٢) نكول، فكيف يتوجه اليمين على الإثبات، وما ادعاه الشيخ أبو حامد من عدم الخلاف بين الأصحاب يرد عليه ما إذا قلنا: بتعدد اليمين، ففيه وجهان سيأتي ذكرهما. إما على قولنا بيمين واحدة فلا خلاف نعلمه، والمقصود هنا: الجمع بين النفي والإثبات من حيث الجملة.
следующие страницы →