← Тараджим

Тараджим · id 30091

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق

Полный текст (476 стр.). Показаны 109–148 · переход к 114.

стр. 109

ثيابه علقت بصخرة من صخورها، فارتطم بها، فرمي بالحجارة، وظل أنينه يسمع، ويتخافت حتى مات، وذلك في آخر ذي الحجة سنة (١) (٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م). وتناهى من بعد إلى سمع أبي شامة بعض ما حدث له، غير أنه لم يتيقن منه، فكتب في تاريخه: «وذكروا أنه توفي - لا ﵀ فمنهم من قال: ألقي من شاهق، ومنهم من قال: خنق» (٢). ولم يتحقق الناس من موته إلا بعد زمن، إذ كتب أبو شامة في حوادث سنة اثنتين وأربعين وست مئة: «وفيها تحقق موت القاضي الظالم، الوضيع الملقب بالرفيع» (٣). * * * وسار الخوارزمية في أوائل محرم سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م) لنصرة الصالح أيوب، وهم في نحو عشرة آلاف فارس، وانضم إليهم جماعة من الأمراء القيمرية، وأصحابهم وأتباعهم، فقطعوا الفرات، وأجفل الناس بين أيديهم، وكانوا لا يمرون بموضع إلا نهبوه، وعاثوا فيه فسادا. وفي طريقهم إلى غزة، هاجموا بيت المقدس، وقتلوا من فيه من الصليبيين، وسبوا ذراريهم ونساءهم، وعفوا كل أثر لهم، وعادت القدس إلى أيدي المسلمين مخصبة بالدماء. ولما وصلوا إلى غزة أرسلوا إلى الصالح أيوب يخبرونه بقدومهم إليه لنصرته، ويطلبون منه إنفاذ عساكره إليهم ليحاربوا عمه الصالح إسماعيل والملك المنصور صاحب حمص (٤). فأرسل إليهم عسكرا مقدما عليهم أجل مماليكه الأمير ركن الدين بيبرس.

стр. 110

وفي دمشق جهز الصالح إسماعيل عساكره، وقدم عليهم الملك المنصور لخبرته في قتال الخوارزمية، وانتصاره عليهم مرتين، مؤملا أن ينتصر عليهم في الثالثة. ورحل المنصور بعساكره وعسكر دمشق مع الصليبيين المتحالفين معهم، وقد استعدوا وحشدوا، وأرسل الناصر داود عساكره كذلك معاضدا لهم، قاصدين الخوارزمية ومن معهم من عسكر مصر. وفي جمادى الأولى سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م) وقع المصاف بين الفريقين في موضع بين عسقلان وغزة، فانكسر المنصور ومن معه من الصليبيين كسرة عظيمة، وأخذتهم سيوف المصريين والخوارزمية، فأفنوهم قتلا وأسرا، ولم يفلت منهم إلا قليل، وأسر من عسكر دمشق وعسكر الكرك جماعة مقدمون، ونهبت جميع أثقال الدمشقيين. ومضى المنصور، وفلول عسكره وعسكر دمشق في أسوأ حال، ودخل دمشق، وهو لا يكاد يصدق بالنجاة، ووصل إلى مصر أسارى الصليبيين، ومعهم جماعة من الأمراء والأعيان من جيش دمشق وحمص والكرك، وكان يوم دخولهم القاهرة يوما مشهودا (١). وكانت قلوب أهل دمشق مع الجيش المصري، فما إن بلغهم خبر انتصاره حتى فرحوا به، وقد عبر عن فرحتهم أبو شامة فيما كتبه في تاريخه في حوادث جمادى الأولى: «وفي هذا الشهر كسر الفرنج - لعنهم الله - ومن انضم إليهم من منافقي المسلمين كسرة عظيمة بين عسقلان وغزة، وغنم منهم أموال عظيمة، وأسر من الفرنج خلق من ملوكهم وكبرائهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وذهب برؤوس المقتلين والمأسورين إلى مصر» (٢).

стр. 111

ودب الرعب في قلب الصالح إسماعيل، وراح يستعد لحصار دمشق القادم، مطبقا سياسته في كل حصار، وذلك بتخريب البلد خارج السور. فخرب رباعا كثيرة حول البلد، وخرب جسر باب توما، وسده، فارتفع ماء نهر بردى، فغرقت المساكن التي على حافته بين جسري باب توما وباب السلامة (١). وجهز الصالح أيوب عساكره لفتح دمشق، مقدما وزيره معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ أميرا عليهم. ويرحل معين الدين في عسكر مصر عن القاهرة، ويصل إلى غزة، وهناك ينضم إليه الخوارزمية ومن بغزة من العساكر المصرية، فيرحل بهم إلى بيسان، فينزلها، ويرتب أموره فيها، ثم يقصد دمشق، فيبلغ أسوارها في أواخر سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٥ م)، ويضرب حصاره عليها (٢)، ويقطع الخوارزمية الطرق على الناس، ويزحفون إليها من كل ناحية. ويبعث الصالح إسماعيل إلى معين الدين استهزاء به سجادة وإبريقا وعكازا، ويقول له: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك. مشيرا إلى أنه ابن شيخ الشيوخ المشرف على خوانق الصوفية (٣). فيبعث إليه معين الدين بجنك وزمر وغلالة حريري أحمر وأصفر، قائلا له: السجادة تصلح لي، وأنت أولى بهذا. يشير إلى انشغاله باللهو والغناء (٤). ويشتد الحصار على دمشق، وكان أشد أيامه يوم الاثنين ثامن محرم سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م) فقد ركب معين الدين في العساكر، وزحفوا من كل ناحية، ورموا النيران من قصر حجاج، وضربوا بالمجانيق على باب الجابية وباب الصغير،

стр. 112

وكانت قد نصبت المجانيق كذلك داخل البلد، وترامى الفريقان، فأحرق قصر حجاج والشاغور، واستولى الحريق على مساجد وخانات ودور عظيمة (١). وفي اليوم التاسع من محرم بعث الصالح إسماعيل الزراقين، فأحرقوا جوسق العادل، وأمر بتخريب عمارة العقيبة خارج باب الفراديس، وباب السلامة، وباب الفرج، فنهبت أموال الناس، ورموا على الطريق، وقد احترق بعضهم، وآثر نسوة الاحتراق في بيوتهن على الفضيحة (٢). وأحرق حكر السماق خارج باب النصر، واشتد الغلاء، وعظم البلاء، وفي أول ربيع الآخر أمر الصالح إسماعيل بإحراق العقيبة (٣). وبينما كانت دمشق تعاني أهوال الحصار والحريق يتوفى مفتي الشام ومحدثها الإمام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح في يوم الأربعاء (٢٦) ربيع الآخر سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م) بدار الحديث الأشرفية، ويصلى عليه في جامع دمشق بعد صلاة الظهر، ويحضر الصلاة عليه أبو شامة، ويشيعه إلى باب الفرج، ثم يعود إلى مسكنه في المدرسة العادلية الكبرى، ليكتب في تاريخه في وصف جنازته: «وحمل على الأصابع، فصلي عليه بعد صلاة الظهر، وكانت على جنازته هيبة ووقار، وجمع متوفر، ورقة شديدة، وإخبات وخشوع، ثم خرج به إلى باب الفرج، ورجع الناس بسبب الحصار، وخرج معه نفر دون العشرة إلى مقابر الصوفية، فدفن بها، ﵀، حضرت الصلاة عليه بالجامع، وشيعته إلى باب الفرج، ومنه استفدت علمي الحديث والفقه صغيرا وكبيرا» (٤).

стр. 113

ويتصدر أبو شامة بعد وفاته للفتوى (١). وتطول أيام الحصار، ويرى الصالح إسماعيل قلة عسكره، وفناء ذخيرته، وقد تخلى عنه حلفاؤه الحلبيون، وليس له مدد، فيرسل وزيره أمين الدولة إلى معين الدين يطلب له الأمان، على أن يسلم إليه دمشق (٢)، وينعقد الصلح في يوم الاثنين ثامن جمادى الأولى سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م) ويخرج في الليل الصالح إسماعيل إلى بعلبك، والملك المنصور إلى حمص، مخلفين دمشق خرابا (٣). ويدخل معين الدين يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى دمشق، وينزل في دار سامة، وهي الدار التي كان ينزل فيها المعظم ومن بعده ابنه الناصر داود، ويستبشر الناس بخلاصهم من عسف الصالح إسماعيل وظلمه، ويستبشر معهم أبو شامة، فيكتب في تاريخه فرحا: «وزال الظلم عن البلد والمصادرات، والخوف والوجل، جعله الله فتحا مباركا برحمته» (٤). فهل زال الظلم حقا عن البلد كما أمل أبو شامة وأهل دمشق؟ * * *

стр. 114

إقصاء أبي شامة عن مشيخة الإقراء ما إن استقر معين الدين بن شيخ الشيوخ في دار سامة حتى افتتح عهده الجديد بعزل محيي الدين يحيى ابن الزكي عن القضاء، وولاه صدر الدين أحمد بن قاضي القضاة يحيى، المعروف بابن سني الدولة (١). كان صدر الدين في نحو الثالثة والخمسين من عمره، وكان قد سمع الحديث، وبرع في الفقه وأفتى، وناب في القضاء عن أبيه سنة (٦٢٣ هـ/ ١٢٢٦ م) ثم ولي وكالة بيت المال (٢)، وكان مدرسا في المدرسة الإقبالية والجاروخية (٣). فلربما تفاءل به أهل دمشق خيرا، وهو يتخذ مكانه على عادة القضاة في المدرسة العادلية الكبرى، ولكن هل تفاءل به أبو شامة، وهو قديم المعرفة به، منذ أيام شيخه فخر الدين ابن عساكر، حيث كانا يلتقيان، على ما بينهما من فارق في السن، في حلقته بجامع دمشق (٤)؟ ولربما أبان أبو شامة عن شيء من توجسه منه، وذلك بإغفاله ذكر تاريخ ولايته القضاء، وهو يورد حوادث تلك السنة في تاريخه.

стр. 115

وسرعان ما بدد هذا القاضي تفاؤل أهل دمشق به، فقد عدل رجلا يسمى جمال الدين اليزدي، وهو معروف في دمشق بالفسق، فهو سكير، مقامر، زان، متهم باللواط، تارك للصلاة، فخلع عليه خلعة العدول، الطيلسان، وأحضره مجلسهم، وكان فيهم أبو شامة، وقد صدم أهل دمشق بتعديل هذا الفاسق حتى قال فيه أحد شعرائهم: طاب شرب المدام في رمضان … واصطفاق العيدان عند الأذان والزنى واللواط في حرم الله … وترك الصلاة بالقرآن منذ صار اليزدي في سكك الشام … يطوف الحانات بالطيلسان يا عدول الشام قد سمح القاضي … لأصحابه بنيل الأماني قامروا واشربوا وقودوا ولوطوا … وافسقوا والحدوا إذن بأمان وارفعوا عنكم التستر بالفسق … فلا حاجة إلى الكتمان (١) وكذلك جعل أبا النجيب نصر بن أبي العز بن أبي طالب الشيباني، المعروف بالنجيب بن الشقيشقة شاهدا عدلا، وهو معروف بين أهل دمشق برقة الدين والكذب، بل إنه أسند إليه عقد الأنكحة، متقربا في تعيينه من أحد أرباب الجاهات كان النجيب على صلة به، وفجع الناس بتعيينه، فقال فيه أحد شعرائهم: جلس الشقيشقة الشقي ليشهدا … بأبيكما ماذا عدا مما بدا عجبا لمحلول العقيدة جاهل … بالشرع قد أذنوا له أن يعقدا هل زلزل الزلزال أم قد أخرج الدجال … أم عدم الرجال ذوو الهدى (٢) وجاء بالشاعر الخليع أبي بكر محمد بن محمد الإسعردي، المعروف بالنور الإسعردي، فأجلسه مع الشهود تحت الساعات (٣).

стр. 116

وعاش الناس يتقلبون من جديد تحت كوابيس القاضي رفيع الدين الجيلي، وقد تسمى هذه المرة بصدر الدين! * * * وفي غمرة انشغال دمشق بأخبار قاضيها الجديد يتوفى فجأة ابن أبي شامة محمد، غرسه الذي كان يتعاهده ويرعاه، متنقلا به بين مجالس السماع وحلقات العلم، وتموت بموته أحلام أبي شامة في أن يرى ابنه ذات يوم عالما كبيرا، ذا أسانيد عالية، يرحل إليه، ولنا أن نتخيل الوالد المفجوع، وقد مدد جسد ابنه الصغير على مغتسله، ودموعه تتقاطر على خديه حزنا ورحمة، بينما كان يباشر تغسيله وتكفينه، ويتذكر في تلك اللحظة ساعة ولادته، وكيف كان هو قابله (١)، وبألم بالغ يكتب من بعد في تاريخه خبر موت ابنه، متعمدا إبهام تاريخ وفاته، وكأنه لا يقوى على تذكره، فيقول: «وفي يوم الجمعة آخر جمعة في الشهر (٢) توفي ولدي أبو الحرم محمد - جمعني الله وإياه في الجنة - ودفنته عند أمه بمقبرة ابن زويزان المجاورة لمقبرة الصوفية، على حافة الطريق إليها - رحمهما الله وإيانا وأنا كنت قابله وغاسله، وبلغ من العمر ثماني سنين ونصفا، وسمع من كتب الحديث وأجزائه ومن سائر العلوم شيئا كثيرا على جملة من المشايخ نحو مئة وأربعين شيخا (٣). وشتان ما بين يومي ولادته ووفاته! .. ويبدو أن أبا شامة كان قد تزوج قبل نحو سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م) من امرأة، ثم لأمر ما طلقها، وهي حامل، فأبقاها في داره، لتعتد فيه ريثما تلد، وأجرى النفقة عليها، وقد ولدت له من بعد بنتا سماها زينب، توفيت بعد وفاة ابنه محمد

стр. 117

بأربعة أيام (١)، ولعلها توفيت عقب ولادتها بقليل، إذ لم يذكر أبو شامة تاريخ ولادتها كعادته في ذكر تواريخ ولادة أبنائه، ولم يذكر أين دفنها، والراجح أنه دفنها بمقبرة ابن زويزان إلى جانب قبر أخيها (٢) محمد (٣). وهكذا تتوالى أحزانه، ويلفي نفسه وحيدا لا زوجة له ولا أولاد إلا ابنته فاطمة شقيقة ابنه محمد، ذات الأعوام الاثني عشر ربيعا. ويبدو أن جسده لم يقو على تحمل أثقال هذه الأحزان، فوقع مريضا (٤) يعاني أوجاع الجسد والروح. * * * وما كاد أبو شامة يبل من مرضه، وتلتئم جراح روحه حتى يتوفى شيخه الحبيب علم الدين السخاوي، بمنزله بالتربة الصالحية، في ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة سنة (٥) (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م)، ولما يمض على وفاة ولده سوى خمسة عشر يوما، وتخرج دمشق من الغد لوداع شيخها، وكان يوما مطيرا، والأرض موحلة، ويخرج أبو شامة يودع شيخه، ويصلي عليه بالجامع، وخارج باب الفرج، ويشيعه إلى سوق الغنم، ثم يرجع إلى مسكنه، إذ لم يقو على متابعة السير نحو جبل

стр. 118

قاسيون، حيث تربته، وهي مسافة بعيدة على رجل قريب عهد بالمرض (١)، وفي البيت يجلس إلى تاريخه ليكتب فيه، والحزن يعتصر قلبه: «وكان على جنازته هيبة وجلالة، ورقة وإخبات، وختم بموته موت مشايخ الشام يومئذ، وفقد الناس بموته علما كثيرا، ومنه استفدت علوما جمة، كالقراءات والتفسير وفنون العربية، وصحبته من شعبان سنة أربع عشرة، ومات وهو عني راض، والحمد لله على ذلك» (٢). وكان الشيخ علم الدين السخاوي قد أقرأ الناس بجامع دمشق في حلقته عند رأس يحيى بن زكريا ﵉ نيفا وأربعين سنة، ثم لما بنى الصالح إسماعيل بن العادل تربة لوالدته، ولى السخاوي مشيخة الإقراء فيها، وجعل شرطه لتوليها أن يكون شيخها أعلم أهل البلد بالقراءات (٣). فتولاها بعد السخاوي فخر الدين محمد بن عمر بن عبد الكريم الحميري، المعروف بابن المالكي، وكان يقرئ القرآن في حلقة طاوس بجامع دمشق (٤) غير أن أيامه لم تطل فيها، إذ توفي ليلة السبت ثامن عشر شعبان سنة (٥) (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م)، أي بعد وفاة السخاوي بنحو شهرين وأربعة أيام، فانعقدت إمامة الإقراء بعد وفاته لأبي شامة. * * * كان أبو شامة قد غدا من كبار علماء القراءات في دمشق، بل إنه صار أكبرهم بعد وفاة شيخه السخاوي، واشتهر بذلك بين المشتغلين بهذا الفن، وأقروا بإمامته فيه، وبخاصة بعد تأليفه كتابا في الأحرف السبعة بعنوان: «المرشد الوجيز إلى

стр. 119

علوم تتعلق بالكتاب العزيز» (١)، وتصديه لشرح الشاطبية في القراءات شرحا موسعا يحيط بها (٢)، ومن ثم تطلعت نفسه لتولي مشيخة الإقراء في التربة الصالحية تنفيذا لشرط واقفها. وكان للسخاوي تلميذ آخر نجيب هو أبو الفتح محمد بن علي بن موسى الأنصاري، الدمشقي، وهو من أجل أصحاب السخاوي كذلك (٣)، غير أنه يصغر أبا شامة بنحو ستة عشر عاما، إذ كان أبو شامة وقتئذ في نحو الرابعة والأربعين، وأبو الفتح في نحو الثامنة والعشرين، ولربما لم يتوقع أبو شامة وقتئذ أن يكون أبو الفتح منافسا له في مشيختها، فهو الأعلم والأكبر، والأطول ملازمة لشيخه السخاوي، ولربما فوجئ حقا وهو يرى أمير دمشق معين الدين بن شيخ الشيوخ، وقاضي قضاتها صدر الدين ابن سني الدولة، يرشحان أبا الفتح لتولي مشيختها، متخذين منه أداة لإقصاء أبي شامة عنها، حسدا له، ونكاية به. لا ريب أن أبا شامة، وهو أحد عدول دمشق، لم يكن ليرضى عن تعديل هذا القاضي للفاسقين (٤)، ولم يكن ليرضى عمن عين هذا القاضي، فأطلق لسانه فيهما. ولربما كان لموقف أبي شامة من كمال الدين التفليسي نائب القاضي الأثر الأكبر في ذلك، حين رد عليه وعلى القاضي فيما أتياه من العبث بعقود الأنكحة. إذ كان القاضي صدر الدين قد أذن لتاج الدين عبد الرحمن بن عبد الباقي الحنفي بعقد نكاح على مذهبه، ثم أذن القاضي صدر الدين لنائبه الشافعي كمال الدين

стр. 120

التفليسي بنقض هذا العقد، وقد أثارت هذه القضية في حينها إنكارا على الناقض والأذن، وتصدى أبو شامة لذلك العبث، فألف تصنيفا ينقض فيه حكم القاضي ونائبه، ولما رد عليه كمال الدين أتبعه أبو شامة بتصنيف آخر سماه «إقامة الدليل الناسخ لجزء الفاسخ» (١). لم تكن تلك السنين الخداعة تحتمل صدق أبي شامة، وصدعه بالحق (٢)، فلم يرض معين الدين بن شيخ الشيوخ والقاضي صدر الدين أن يكون لأبي شامة منزلة أعلى من منزلته، فأظهرا الأمر، وكأن بين أبي شامة وأبي الفتح مساواة في الحق بتولي هذا المنصب (٣)، وهما بحاجة إلى من ينصف بينهما، فعينا الشيخ الإمام علم الدين القاسم بن أحمد بن موفق اللورقي، القارئ في التربة العادلية، حكما بينهما (٤). ولربما قبل أبو شامة بهذا التحكيم، وهو على يقين بأن لا منافس له في مشيختها، ويجتمعون، ومعهم القاضي صدر الدين، ويسألهما الشيخ علم الدين اللورقي عن قول الشاطبي في باب وقف حمزة وهشام: وفي غير هذا بين بين ومثله … يقول هشام ما تطرف مسهلا (٥) ويكتب أبو شامة بثقة العالم جوابا عن سؤاله بحثا فيما يتعلق بالهمز في أصله وتقسيمه، ومذاهب النحاة فيه، وتعليل ذلك، ثم يذكر ما يتعلق بالبيت المذكور من اللغة والإعراب والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي وغير ذلك. ويقتصر أبو الفتح على ما يتعلق بالوقف على الهمز فقط، ويقرأ الشيخ

стр. 121

علم الدين اللورقي جوابيهما، ويعجب ببحث أبي شامة، فيقول فيه: هذا إمام من أئمة المسلمين، ويقول في أبي الفتح: هذا مقرئ (١). ويتعلق القاضي صدر الدين بظاهر كلام اللورقي، فاهما منه ما يريد أن يفهمه، فيقول: ما المقصود في وقفها إلا المقرئ. ويوليها أبا الفتح. ويتميز أبو شامة من الغيظ، وهو يرى إبعاده عن مشيختها بهذه الخديعة المكشوفة، فيخرج من مكان الاجتماع، وهو ينفخ غاضبا، ملتفتا إلى الشيخ علم الدين اللورقي بانزعاج، قائلا بأسى: يا شيخ ذبحتني. ويشعر الشيخ علم الدين أنه قد خدع هو الآخر، فيعتذر لأبي شامة بصوت متهدج، قائلا: والله ما قصدت لك إلا خيرا، وما علمت أنهم إلى هذا الحد من الجهل في فهم كلامي (٢). ولن يغفر أبو شامة لعلم الدين اللورقي موقفه هذا، فيكتب من بعد في ترجمته له: «كان معمرا، مشتغلا بأنواع من العلوم، على خلل في ذهنه» (٣). ويكتم أبو شامة ما جرى له، فلا يشير إليه في تاريخه، بيد أنه يبوح به بعض البوح في قصيدته الفلاحة الرائية، عانيا نفسه: وغدا المستحق حيران ندما … ن من الغبن ينظر العيش شزرا ثبت الله بعضهم بغنى النفـ … س فلم يكترث وقد عاش دهرا (٤) ولعله تعزى نحوا من العزاء، وهو يتذكر موقفا مشابها لشيخه فخر الدين ابن عساكر، حين أبعد عن مشيخة العادلية، وهو أحق الناس بها، فكتب يقول: «فسبحان من جعل فيه أفضل أسوة وعمدة، لمن ظلم من المشايخ والفضلاء بعده» (٥).

стр. 122

ولعله أرضي في تلك الفترة بتوليته مشيخة الإقراء بالتربة الأشرفية (١). * * * وربما في نحو هذه الفترة جرت لأبي شامة محنة، كانت ترمي للنيل من سمعته ونزاهته، لم يطاوعه قلمه على كتمانها، وهو الكتوم، فندت عنه بإشارة عابرة، وهو يترجم لفقيه شافعي ضرير، كان يدرس بالمدرسة الأمينية، وكان يسكن في أحد بيوت منارة جامع دمشق الغربية، وهو تقي الدين عيسى بن يوسف بن أحمد الغرافي. فقد ابتلي الغرافي بسرقة مال له من بيته، فاتهم به شخصا كان يقرأ عليه ويلازمه، ويقضي حوائجه، ويقوده من المدرسة إلى البيت، ومن البيت إلى المدرسة، فأنكر الشخص المتهم ذلك، وتعصبت له أقوام عند والي البلد، فوقع الناس في عرض الغرافي من اتهامه من ليس من أهل التهم، ومن كونه جمع ذلك المال وهو وحيد غريب، ونسبه الناس إلى أنه غير صادق فيما ادعاه، فزاد الهم على الغرافي من ضياع ماله، والوقوع في عرضه، ولم يقو على احتمال ما ألم به، فآثر الموت على الحياة، ففي يوم الجمعة سابع ذي القعدة سنة (٦٠٢ هـ/ ١٢٠٦ م) وجد الغرافي مشنوقا بالمئذنة الغربية (٢). وبعد أن يسوق أبو شامة هذه القصة في تاريخه مبديا تعاطفه مع الغرافي، يقول: «وجرى لي أخت هذه القضية، وعصمني الله سبحانه بفضله» (٣). فمن اختلس مال أبي شامة؟ ومن الشخص الذي اتهمه أبو شامة؟ وهل راودت أبا شامة فكرة الانتحار؟ أسئلة لا يسعفنا أبو شامة بالإجابة عنها.

стр. 123

ويلتف حول أبي شامة محبوه، يسرون عنه، ويمدحه بعض مريديه الأدباء بقصيدة يعرض فيها بأعدائه: أيها الحاسدون فضل شهاب الد … ين عبد الرحمن رب المعالي لا تطيقون ما أطاق دعوا السع … ي فلن تدركوه غير خيال حاز مذ كان بالقناعة عزا … مع بهاء وهيبة وجلال واعتلاء على الأماثل في بن … جواب له وحسن سؤال ناشر العلم قائل الحق كم قد … نصر الشرع عن صحيح الجدال صائن نفسه وما فيه من عل … م ودين عن مهنة وابتذال وسواه في الذل إن خاب أو أن … جح يسعى أيامه والليالي فارسا راجلا يمر ويأتي … نحو قاض وتارة نحو والي ذو التصانيف المغنيات بعون الله … عن متعبات قيل وقال من يرد قدر فضله فليطالع … كتبه فهي عين عين الكمال وهو من نفسه النفيسة في عز … (م) ومن علمه رخي البال (١)

стр. 124

حصار الخوارزمية دمشق كان الخوارزمية قد فارقوا معين الدين بن شيخ الشيوخ عقب الصلح، ورحلوا نحو داريا غاضبين، فنهبوها، وأتلفوا مزروعاتها (١)، وسبب عصيانهم أنهم كانوا يمنون أنفسهم بإقطاعات كثيرة عند الصالح أيوب في مصر لكسرهم أعداءه في معركة غزة، بل كانوا يعتقدون أنهم يستحقون أن يقاسمهم البلاد (٢)، وها هم قد حاصروا دمشق حتى خضعت له، وإذا بالصلح يعقد من وراء ظهورهم لا يدرون به، فرأوا مصلحتهم في تبديل ولائهم، فكاتبوا الصالح إسماعيل في بعلبك، وحلفوا له (٣)، وكانوا قد استمالوا من قبله الناصر داود صاحب الكرك، فمال إليهم، وانقلب أعداء الأمس إلى أصدقاء، واتفقت كلمة الجميع على محاربة السلطان الصالح أيوب (٤). وبادر الصالح أيوب، وقد بلغه مرض معين الدين، إلى تعيين الأمير حسام الدين بن أبي علي الهذباني أميرا على دمشق، وكتب إليه وهو بنابلس يأمره

стр. 125

بالتوجه إليها، فمضى إلى دمشق، وبعد دخوله إليها بأيام (١) توفي معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ ليلة الأحد (٢٢) رمضان سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م)، فصلي عليه بجامع دمشق (٢)، ولم يحضر أبو شامة جنازته، ولم يصل عليه، كما فعل من قبل مع أخويه تاج الدين وعماد الدين، ربما لما يجد في قلبه منه (٣). ثم حمل إلى جبل قاسيون، فدفن في تربة أخيه عماد الدين (٤). وضرب الخوارزمية حصارهم من جديد على دمشق (٥)، وضايقوها، وقطعوا عنها المواد، ولم تقو دمشق، وهي المنهكة على تحمل حصارين متعاقبين، فاشتد بها الغلاء اشتدادا لم يعهد في الأعمار مثله، ولم يسمع بنظيره في عصر من الأعصار في بلد من البلاد، على حد تعبير ابن واصل (٦)، وراح الجوع والوباء يفتك بأهل دمشق، وجلس أبو شامة إلى أوراقه بقلب يملؤه الحزن والغم مسجلا في تاريخه وقائع هذا الحصار، ذاكرا بدقة ثمن كل سلعة، وكأنه لا يصدق أن ترتفع أثمانها هذا الارتفاع، فكان ما كتب: «وفيها اشتد الغلاء بسبب قطع الخوارزمية الطرقات، ففي ثامن عشر شوال بلغت غرارة القمح ست مئة درهم ناصرية، وبيع الخبز كل رطل بثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم على تفاوت الأخبار، والله يكشف هذا الضر برحمته، وكان ذلك في تاسع آذار، وبقيت الصعاليك مرميين بالطرقات، كانوا يطلبون لقمة، ثم صاروا يطلبون لبانة، ثم صاروا يطلبون فلسا يشترون به نخالة يبلونها ويأكلونها كما يطعم

стр. 126

الدجاج، وشاهدت ذلك بعيني. ثم اشتد الغلاء زيادة على ذلك، فبلغ في آخر شهر شوال المذكور كل غرارة حنطة بمئة دينار صورية، ثم ناصرية، ثم سمعت أنه بيع عشرة غرائر بعشرة آلاف درهم، وكتب بها وثيقة على المشتري إلى أجل شهرين، واشتريت أنا الخبز كل رطل بأربعة دراهم غير مرة» (١). وينضم إلى الخوارزمية في حصار دمشق في ثالث ذي القعدة الصالح إسماعيل بعساكره آتيا من بعلبك (٢)، فيشتد ارتفاع الأسعار، فيكتب أبو شامة: «ثم تفاقم الأمر في حادي عشر ذي القعدة، فبيع الخبز الأسود كل أوقيتين بدرهم، وخبز الشعير كل أوقيتين ونصف بدرهم، وبلغت الغرارة في ثاني عشر ذي القعدة ألفا ومئتي درهم وخمسين درهما فضة ناصرية، وبيع الدقيق كل أوقية وربع أوقية بدرهم، وكل رطل بنحو عشرة دراهم، وبيع الشعير كل كيل بخمسين درهما، الغرارة بست مئة درهم، والزبيب كل أوقيتين بدرهم، ثم بيع أوقية ونصف بدرهم، وكذا الدبس، وبلغت الحلاوة الجوزية من الدبس كل أوقية بدرهم … وبيع الباقلا الأخضر كل رطل بدرهم وربع، والرز باللبن ثلاث أواق ونصف بدرهم، والرز اليابس كل أوقية بدرهم واللحم الرديء كل رطل بستة دراهم. ولم تزل الأسعار في اشتداد وارتفاع إلى أن مد الحنطة بعشرين درهما ونحوها، وبلغت الغرارة ألفا وخمس مئة درهم، وبيع الخبز كل أوقيتين إلا ربع بدرهم، والرطل بسبعة دراهم في يوم عيد النحر وقبله» (٣). قد لا تعني الآن هذه الأسعار لكثير منا شيئا، ولكن في ذلك العصر كان وراءها نفوس تزهق، وحرمات تنتهك، فمما ذكروه من أخبارها أن الناس أكلوا الميتات والجيف والدم، والقطاط والكلاب، وبات الناس على الطرقات، وأنتنت

стр. 127

الأزقة والحارات، وضجر الناس من تغسيل موتاهم وتكفينهم لكثرتهم، حتى إنهم كانوا يحفرون الآبار، ويرمون الموتى بعضهم على بعض (١)، بل ذكروا أن إنسانا كانت له دار تساوي عشرة آلاف درهم عرضها للبيع، فلم تزد على ألف وخمس مئة درهم، فاشترى بها غرارة واحدة من القمح، فقامت عليه غرارة واحدة من القمح بعشرة آلاف درهم، وذكروا أن إنسانا مات في الحبس، فأكل لحمه أهل الحبس (٢). * * * وتلفت الصالح أيوب حوله يبحث عن حلفاء له، يخلصون دمشق من محنتها القاسية، فكاتب المنصور إبراهيم بن شيركوه، صاحب حمص، يستميله إليه، فما زال به حتى استطاع أن يبعده عن حليفه القديم الصالح إسماعيل (٣)، وكاتب كذلك الحلبيين، ناصحا لهم ومحذرا من أن هؤلاء الخوارزمية لا عهد لهم، ولا يؤمن شرهم، وقد أخربوا البلاد، والمصلحة أن نتفق عليهم، فمال الحلبيون إلى قوله، واستشعروا خطر الخوارزمية، وطمعهم وعيثهم في البلاد، وإذا كانوا الآن يحاصرون دمشق، فمن يدري أي بلاد تكون تحت حصارهم غدا؟ فأجابوا الصالح أيوب إلى حربهم، وبدؤوا يستعدون للقائهم (٤). وعلم الخوارزمية بما يبيت لهم الملك المنصور والحلبيون، فاجتمعوا في مرج الصفر مع الصالح إسماعيل وعز الدين أيبك صاحب صرخد، وكان الناصر داود بن المعظم قد أرسل إليهم عسكره، واتفقوا على مهاجمة الملك المنصور في حمص قبل أن يباغتهم، قائلين: إن دمشق ما تفوتنا، والمصلحة أن نسير إليهم.

стр. 128

وساروا نحو حمص، وعلى إثرهم خرج جيش دمشق معاضدا للمنصور، وتنفس أهل دمشق الصعداء (١). وفي يوم الجمعة الفاتح من محرم سنة (٢) (٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م)، وقع المصاف بين الملك المنصور صاحب حمص، ومعه جيش حلب وحماة ودمشق، وبين الخوارزمية، ومعهم الصالح إسماعيل وعز الدين أيبك، وجيش الناصر داود صاحب الكرك، على القصب، وهي منزلة قبيل حمص على مرحلة منها، فانهزم الخوارزمية هزيمة منكرة قبيحة، تبدد بها شملهم، وقتل مقدمهم حسام الدين بركة خان، وحمل رأسه إلى حلب، فنصب بباب قلعتها (٣)، وساق خلفهم الملك المنصور يسبي نساءهم، ويغنم أموالهم حتى وصل إلى بعلبك (٤)، وهرب الصالح إسماعيل وعز الدين أيبك، ومن سلم من عسكرهما عرايا جياعا، ووصلوا إلى حوران (٥). فاعتصم عز الدين أيبك بقلعته صرخد (٦)، وهام الصالح إسماعيل على وجهه لا يجد مكانا يأوي إليه، فقد خاف دخول بعلبك فيحاصر فيها، ويؤخذ، فيقتله الصالح أيوب بابنه المغيث (٧). ووصل خبر كسرتهم إلى دمشق يوم السبت ثاني شهر محرم (٨)، ووردت البشائر بذلك إلى الديار المصرية، فزينت المدينتان: القاهرة ومصر، والقلعتان: قلعة الجبل وقلعة الجزيرة (٩)، أما دمشق فحسبها في فرحها بالنصر أن وجدت أخيرا

стр. 129

ما تأكله، فنزلت الأسعار، وكتب أبو شامة في تاريخه: «فبيع الخبز كل رطل بدرهم ونصف، والحمد لله على هذه النعم، ونسأله المزيد بفضله وكرمه» (١). وصلح الحال ما بين المنصور والصالح أيوب، وحصل بينهما التصافي والتواد (٢)، فدخل المنصور دمشق، وأقام بها (٣)، غير أنه لم يمتع بنصره، إذ ما لبث أن مرض، ثم توفي في حادي عشر صفر سنة (٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م) بالبستان الأشرفي بالنيرب ظاهر دمشق، ونقل إلى حمص، فدفن فيها (٤). * * * وكانت طائفة من الخوارزمية قد مضت عقب الهزيمة إلى البلقاء، فنزل إليهم الناصر داود صاحب الكرك، وصاهرهم، وأطلع عائلاتهم إلى الصلت، ثم ساروا إلى نابلس، واستولوا عليها (٥). فجهز الصالح أيوب الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ بالعساكر، وأرسله إلى الشام، فلما وصل إلى غزة عاد من كان بنابلس من الخوارزمية إلى الصلت لحماية عائلاتهم، فقصدهم الأمير فخر الدين، وقاتلهم، فكسرهم في (١٧) ربيع الآخر سنة (٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م) وكان الناصر داود معهم، فانكفأ إلى الكرك، وتبعه الخوارزمية، فلم يمكنهم الناصر داود من دخولها (٦)، فساروا نحو حلب، ومعهم الصالح إسماعيل، مستجيرا بصاحبها الناصر يوسف، وقد ضاقت عليه السبل، فتلقاهم الناصر يوسف، وقبض على الخوارزمية، وملأ منهم السجون،

стр. 130

وأنزل الصالح إسماعيل في دار جمال الدولة الخادم، فالتفت شمس الدين لؤلؤ، أمير جيش حلب إلى الناصر يوسف، وقد رأى الصالح إسماعيل بعد استبداده وتحكمه خائفا طريدا تلفظه البلاد، قائلا للناصر يوسف ناصحا له: أبصر عواقب الظلم (١). وبقيت بعلبك - وقد آثر صاحبها سلامته على سلامتها وحيدة خائفة، فخرج إليها أمير دمشق حسام الدين بن أبي علي، وشدد عليها الحصار، وكان فيها نور الدين محمود بن الصالح إسماعيل وإخوته، وكان في قلعتها الساماني، مملوك الصالح إسماعيل، فاتفق مع الأمير حسام الدين بن أبي علي على تسليمها له، فتسلمها بالأمان (٢)، ورتب أمرها، ثم عاد إلى دمشق، ومعه أولاد الصالح إسماعيل، فاعتقلهم، ثم بعث بهم إلى ابن عمهم الصالح أيوب بمصر، وبعث معهم أمين الدولة وزير الصالح إسماعيل، وأستاذ داره ناصر الدين بن يغمور (٣). وكان أمين الدولة معتقلا في دمشق منذ الثاني من شهر رجب سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م)، وقد احتيط على ماله (٤)، وكان له من الأموال واليواقيت والجواهر والتحف والذخائر ما لا يوجد في خزائن الخلفاء والسلاطين، وقيمة ما ظهر ثلاثة آلاف ألف دينار، غير الودائع التي كانت له عند أصدقائه والتجار، ووجدوا له عشرة آلاف مجلد من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة (٥). فأودع السجن في قلعة القاهرة مع جماعة من أصحاب الصالح إسماعيل (٦).

стр. 131

ثورة أبي شامة على الفساد لما فتحت بعلبك، وتمهد الأمر للسلطان الصالح أيوب، فكر في القدوم إلى دمشق التي عانت من ويلات الحصار، فبعث إلى نائبه فيها الأمير حسام الدين بن أبي علي - وكان من أهل ثقته - يطلب منه القدوم إلى القاهرة، ليستنيبه فيها، وأرسل إلى دمشق عوضا عنه الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح، فاتفق وصوله إليها يوم سفر حسام الدين منها (١). وحين وصل الأمير حسام الدين إلى القاهرة استنابه بها الصالح أيوب، وبسائر الديار المصرية، وأنزله بدار الوزارة، وفوض أمور الملك كلها إليه، وأقامه في ذلك مقام نفسه. ثم سافر الصالح أيوب إلى دمشق (٢)، فدخلها يوم الخميس (١٩) ذي القعدة سنة (٦٤٤ هـ/ ١٢٤٧ م) وقد تزينت له، وخرج الناس لاستقباله (٣). وتأليفا لقلوب أهلها، وتضميدا لجراحاتهم، ولما نالهم من فقر وغلاء أثناء الحصار راح يفرق الأموال على أغنيائها وفقرائها، ويتصدق على مدارسها وربطها،

стр. 132

فوزع على أرباب بيوتاتها أربعين ألف درهم، وخلع على أعيانها الخلع السنية (١). وفرق على الفقراء نحو تسعين ألف درهم، غير أنه لم يصل إلى أيديهم منها إلا القليل، إذ أغار عليها من تصدى لتوزيعها من أعوان قاضي القضاة صدر الدين ابن سني الدولة (٢). وانفجر أبو شامة غضبا، وهو يرى أيدي الفقراء تعود صفرا إلى جيوبهم، بينما أعوان القاضي صدر الدين ينتهبون مالهم دون رقيب أو حسيب، ملوثين هذا العهد الجديد بهذه الخيانة، فنظم قصيدة الصدقات (٣) بنحو أربع مئة بيت، كاشفا بها أسماء أعوان هذا القاضي، فاضحا حالهم، غير مبال بما قد تجره عليه عداوتهم له، ولم يصل إلينا من هذه القصيدة التي يبدو أنها ذاعت في تلك الأيام سوى بيت واحد، ذكره أبو شامة في ترجمة أحد هؤلاء الأعوان، وهو رضي الدين ابن النجار، فقال: ومنهم ابن النجار الأعرج سمسا … ر القضايا في دار قاضي القضاة (٤). فهل كان أبو شامة يعلن بإذاعة هذه القصيدة أنه لن يصمت بعد اليوم عن الفساد والمفسدين، وأنه سيحاربهم ويفضحهم؟ .. * * * وكان قد قدم مع الصالح أيوب من مصر الأمير ضياء الدين أبو الحسين محمد بن إسماعيل بن عبد الجبار، ويعرف بابن أبي الحجاج المقدسي (٥)، صاحب ديوان الجيش، وكان ذا اطلاع واسع على التاريخ (٦)، وأتاح له منصبه وقربه من

стр. 133

رجالات الدولة أن يكون على معرفة دقيقة بأحداث عصره، وقد نزل بالمدرسة العادلية الكبرى (١)، وهناك خلا به أبو شامة، وكان التاريخ ثالثهما. وأعجب أبو شامة حقا أثناء مذاكرته له بسعة علمه بهذا الفن، حتى قال فيه يوما: «لم ألق أحدا يعرف علم التاريخ مثله» (٢)، ودون عنه أخبارا أودعها في أوراقه (٣)، ولربما في أثناء هذه المذاكرات قد أطلعه أبو شامة على ما تجمع لديه من أخبار دولتي نور الدين وصلاح الدين، وأنه بصدد تأليف كتاب عنهما، وباح له بحبه الكبير لهما، وأنه يتمنى أن يأتي سلطان يترسم خطاهما، ولربما استعادا أخبار عصرهما، وما آلت إليه الأمور من ارتكاس وعجز، فهل رأيا في ذلك اليوم أن الصالح أيوب هو الأقرب إلى منهج صلاح الدين وهو يعيد وحدة بلاد الشام ومصر؟ فجيشه الآن بقيادة فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ ينازل طبرية لفتحها (٤) بعد أن تنازل عنها للصليبيين الصالح إسماعيل، فهل يعيشان حقا تباشير عهد جديد؟ * * * كان الصالح أيوب في تلك الأثناء يعيد للبلاد وحدتها، فبعد أن أقام بدمشق خمسة عشر يوما (٥) خرج إلى بعلبك يرتب أمورها، ويأمر بإصلاح سورها وتحصينها، ثم أحب أن يحمي دمشق من كل طارق، فاستولى على ما يجاورها من حصون قد تهددها، فصالح عز الدين أيبك - وكان من أعدائه وتسلم منه حصن صرخد، ثم توجه إلى بانياس، وتسلم من ابن عمه السعيد بن العزيز بن العادل حصن الصبيبة، ثم تسلم من الناصر داود حصن الصلت (٦).

стр. 134

ولما اطمأن إلى أمر دمشق عاد إلى مصر، وفي طريقه مر على القدس، وفرق على أهلها ألفي دينار مصرية، وكان سورها قد خربه عمه المعظم عيسى منذ سنة (٦١٦ هـ/ ١٢١٩ م) فأمر بعمارته (١). ولم يمض على رجوع الصالح أيوب إلى مصر سوى شهر أو أشف حتى قرعت طبول النصر في دمشق والقاهرة، فقد جاء الخبر إلى دمشق في عاشر صفر سنة (٦٤٥ هـ/ ١٢٤٧ م) بفتح طبرية (٢)، وعودتها إلى حظيرة الإسلام. ثم قرعت مرة أخرى في دمشق في أواخر جمادى الآخرة سنة (٦٤٥ هـ/ ١٢٤٧ م) تبشر بفتح عسقلان (٣). كان أبو شامة في تلك الأيام متصدرا للفتوى بالمدرسة العادلية الكبرى، وإماما في مسجدها، وكان يؤمه المستفتون إلى صدر إيوانها حيث كان يجلس بين أوراقه في مكتبتها العامرة (٤)، وقد فرغ من تصنيف كتابه «البسملة الأكبر» (٥). وتزوج من فتاة في الرابعة عشرة من عمرها (٦)، هي ابنة خالة أخيه إبراهيم (٧)، واسمها ست العرب ابنة شرف الدين محمد بن علي بن ذنو، الأندلسي، المرسي، وكان والدها من أهل الفضل والرياسة، ومن وجوه بلده، ويرتفع نسبه إلى بني عبد الدار بن قصي من قريش (٨)، ويبدو أن والدها قد هاجر مع من هاجر إلى دمشق من الأندلسيين.

стр. 135

وكان أبو شامة في ذلك الوقت يدرس بالمدرسة الشامية البرانية (١)، فكثيرا ما كان يسلك الطريق إليها من العادلية، مارا بقرب قلعة دمشق. * * * وقد اتفق له أثناء مروره بها ضحوة يوم الاثنين (١٩) ربيع الأول سنة (٦٤٦ هـ/ ١٢٤٨ م) أن رأى صبيا مملوكا، كان قد صلب تحت القلعة، ينزلونه بعد موته، وقد اسودت أعضاؤه، فتفطر قلب أبي شامة ألما لمرأى هذا الصبي الصغير، وقد انتهى هذه النهاية القاسية. كان هذا الصبي مملوكا تركيا لبعض أمراء السلطان الصالح أيوب، وكان يوصف بالشجاعة والشهامة، وهو ممن غزا عسقلان في السنة الفائتة، وقتل فيها جماعة من الصليبيين، لم تشفع له شجاعته وصغر سنه، فقد اتهم بقتل سيده، وكان يدافع عن نفسه أمرا لم يرض وقوعه فيه، فحكم قاضي القضاة صدر الدين ابن سني الدولة بصلبه، ونفذ الحكم نائب دمشق جمال الدين بن مطروح، فصلب ظهر يوم الجمعة (١٦) ربيع الأول على حافة نهر بردى تحت القلعة في آخر سوق الدواب، وجعل وجهه مقابل الشرق، وسمرت يداه وعضداه ورجلاه، وبقي مصلوبا حتى مات ظهر يوم الأحد، ولم ينزلوه إلا ضحوة الاثنين من الغد حيث رآه أبو شامة، وهو في طريقه إلى المدرسة الشامية البرانية (٢). وإظهارا لشفقتة، وتعبيرا عن أساه وحزنه ساق أبو شامة أخبار صلب هذا الصبي وموته في تاريخه، مدققا في تفاصيلها، لا يكاد يفوته منها خبر، فقال: «وكان منه في صلبه عجائب، فمن ذلك أنه جاد بنفسه للصلب غير ممتنع ولا جازع، بل مد يديه فسمرتا، ثم سمرت رجلاه، وهو ينظر، لم يتأوه، ولم يتغير وجهه، ولا حرك شيئا من أعضائه، وأخبرني من شاهد ذلك منه جماعة، وبقي إلى

стр. 136

أن مات صابرا ساكتا، لم يئن، ولم يشتك، ولم يزد على نظره إلى رجليه وجانبيه، تارة يمينا، وتارة شمالا، وتارة ينظر إلى الناس، بل إنه استسقى ماء، فلم يسق، وتألمت قلوب من عنده رحمة وشفقة على خلق الله تعالى من أنه صبي صغير، وقد ابتلي بمثل هذا البلاء، والمياه تتخرق بجوانبه وهو ينظر إليها، ويتحسر على قطرة منها، وهو صابر على ذلك، فسبحان من له الأمر والحكم. ومنها أنه أسرع إليه الموت تخفيفا من الله تعالى عليه، فإنه بقي يومين وليلتين، وأخبرت أن جماعة من الرجال جرى لهم مثل هذا الصلب والتسمير، وأن المنية تأخرت عنهم أياما زيادة في عذابهم. وكان قد أصابه في اليوم الثاني اختلال، فلم يبق يحس بالألم والعطش، ولم ينتظم كلامه، بل صدرت منه ألفاظ دالة على اختلاله، خفف الله تعالى بذلك عنه، وقد كان يغفي أحيانا، ثم ينتبه مرعوبا لشدة الألم، فتتقطع لذلك قلوب الناظرين إليه غير أنه يذكر الله تعالى. وأخبرت أن بعض الموكلين به سأله في غداة يوم السبت أو الأحد عن حاله، فكان جوابه أن قال: طيب مع الله. وبلغني أنه لما سمر لم يسمع منه سوى كلمة واحدة، وذلك أن الذي سمره لما وضع المسمار في العضد صادف العظم، فقال له: يا فتى تجنب العظم. وبلغني أن الذي سمره توفي ذلك اليوم أو الذي بعده، وهذا من عجائب ما اتفق، فأخبر الصبي بذلك إرادة إعلامه أن الله تعالى جازاه بفعله، فقال الصبي، وهو في تلك الشدة: هو في حل، لا ذنب له. أي أن الذنب لمن أمره بذلك. وكان ﵀ من أجمل الصبيان، وأحسنهم وجها، وأطولهم شعرا، وكان في حالة صلبه مكشوف الرأس، والذؤابة من شعره مسترسلة خلفه، فلعبت بها الرياح، فأدارتها إلى صدره، فبقي يتناولها بفيه يولع بها، ويتشاغل بالعبث بها.

стр. 137

وبلغني أنه قال: لي يومان ما صليت. كالمتأسف على ما فاته من الصلاة، وبعضهم قال: يوم علقوه كان صائما. وكانت له نفس أبية، وقوة شديدة (١). هل كان أبو شامة، وهو يطيل أخباره على غير عادته يريد أن يصور ما كان في عصره من ظلم وقسوة؟ عصر يصلب النقاء والجمال والنفس الأبية (٢)؟ … وبقلب يعرف معنى الظلم، وبإحساس أب قريب العهد بفقد ابنه الحبيب، يرثي أبو شامة هذا الصبي المصلوب، الذي تحدى جلاديه بإقدامه على الموت غير ممتنع ولا جازع، فيقول: ومصطفة أقدامه شبه قائم … مصل بإخبات مطيع لربه تسمرت الأعضاء منه فلم يطق … سجودا فأوما للسجود بقلبه تمكنت الآلام منه مسمرا … بست فكان الموت أيسر خطبه فيالك ممنوعا من الماء ضلة … تفتت الأكباد من عظم كربه ويا لك مصلوبا بظلم وقسوة … تقطعت الأحشاء من سوء صلبه فيا عجبا ممن أشار بصلبه … ألا اعجب وأخبر عن قساوة قلبه صبي صغير فائق الحسن ناسك … شجاع له الإقدام في يوم حربه

стр. 138

صبور على هذي الشدائد كلها … إلى أن أتاه الموت قاض لنحبه (١) وهكذا يعلن أبو شامة مرة ثانية بصوت عال انحيازه للضعفاء والمظلومين، ضد هؤلاء الفاسدين الجائرين. * * *

стр. 139

صعود المماليك لم تمر إعادة فتح المسلمين لبيت المقدس سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م) دون أن يتنادى الغرب لحملة صليبية لاسترجاعه، وكان ممن استجاب لها لويس التاسع ملك فرنسا (١). كان الصالح أيوب على علم بأخبار هذه الحملة من خلال الإمبراطور فريدريك الثاني، صديق والده الكامل، وقد عرفه أنها ستتجه نحو مصر، وبدأ الصالح أيوب يعد العدة لمواجهتها (٢). بيد أن استيلاء صاحب حلب الناصر يوسف على حمص، وإخراجه صاحبها الأشرف موسى، وكان حليفا للصالح أيوب، اضطر الصالح أيوب للمجيء إلى دمشق في الفاتح من شعبان سنة (٣) (٦٤٦ هـ/ ١٢٤٨ م) خوفا من أن يتقدم الناصر يوسف صوب دمشق، وجهز عساكره على عجل، وأرسلها مع الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ إلى حمص، لإخراج الناصر منها، ولم يكن في الجيش من القوات ما يكفي لحمل المجانيق إلى حمص، فسخر الفلاحين في حملها، وكان الرفت

стр. 140

شتاء، فهرب الفلاحون تاركين الأرض دون زرع، مما أدى إلى خراب الشام في ذلك الموسم (١). وبينما كان الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ على حصار حمص، جاء الخبر للصالح أيوب، وكان المرض قد ألم به، بأن الحملة الصليبية قد شارفت على الوصول إلى مصر (٢)، فاستجاب لوساطة الشيخ نجم الدين البادرائي سفير الخليفة، ورفع حصار جيشه عن حمص (٣)، وبادر بالرحيل إلى مصر في يوم الاثنين (٤) محرم سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م) محمولا في محفة حتى وصل إلى أشموم طناح (٥)، وكان قد جمع في دمياط - تحسبا لكل طارئ - من الأقوات والأسلحة شيئا كثيرا، وشحنها برجال قبيلة بني كنانة، وهم من البدو المشهورين بالشجاعة، للدفاع عنها، وأمر الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ أن ينزل على جيزتها ليكون في قبالة الفرنج إذا قدموا إليها (٦). وقد قدموا في (٢٠) صفر سنة (٧) (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م) غير أن جميع هذه الاستعدادات سرعان ما تقوضت، فما إن نزل الصليبيون على ساحل دمياط في اليوم التالي (٨) من جهة برجها، حتى تراجع الأمير فخر الدين إلى دمياط، فاستبد الذعر بسكانها، فقرر الانسحاب منها، فانسحب معه الكنانيون الموكلون بالدفاع عنها، فدخلها الصليبيون في (٢٢) صفر سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م) دون قتال (٩).

стр. 141

واستبد الغضب بالصالح أيوب لانهيار كل ما أعده، فأمر بشنق أمراء بني كنانة على تخاذلهم في الدفاع عن دمياط، واندفع بعساكره من أشموم طناح، وهو محمول في محفة، إلى المنصورة كي يشرف على تنظيم الدفاع عنها (١). ووصل إلى دمشق خبر استيلاء الصليبيين على دمياط، وربما رفعا لمعنويات أهلها قيل لهم: وجرت وقعة عظيمة هلك فيها داوية الفرنج (٢). ولإحكام أمر دمشق عزل الصالح أيوب نائبها جمال الدين يحيى بن مطروح، وكان قد تغير عليه (٣)، وأرسل عوضا عنه الأمير جمال الدين موسى بن يغمور، فدخلها في عاشر ربيع الأول سنة (٤) (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م). * * * كانت مصر في زمن فيضان النيل، فآثر لويس التاسع البقاء في دمياط، منتظرا هبوط مياه النيل، خوفا من أن يواجه مصيرا يشبه مصير الحملة الخامسة، حتى إذا هبطت في رجب سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م) ووصلت إليه أمداد من فرنسا، قرر الزحف نحو القاهرة، فخرج بجيشه في (١٢) شعبان سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م) من دمياط، وسلك الطريق المتجه جنوبا نحو المنصورة (٥). كان الصالح أيوب في ذلك الوقت على فراش الموت، وما لبث أن توفي بالمنصورة في (١٥) شعبان سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م) فأخفي موته، وأرسل إلى ولده تورانشاه المقيم بحصن كيفا ليقدم إلى مصر (٦).

стр. 142

وببطء وحذر كان لويس التاسع يتقدم، فالطريق إلى المنصورة تعترضه فروع النيل، وكان أكبرها البحر الصغير الذي ينبع من فرع النيل الرئيسي جنوبي المنصورة، ويسير مجتازا أشموم طناح إلى بحيرة المنزلة، فيعزل بذلك ما يعرف بجزيرة دمياط، وقد أبقي الأمير فخر الدين معظم قواته خلف هذا البحر الصغير، وقد استطاع لويس التاسع أن يصل إلى البرمون في رمضان سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٥٠ م) ويعسكر بجيشه على ضفاف البحر تجاه المنصورة، لا يفصل بينه وبين المسلمين إلا هذا البحر الصغير، وأقام هناك يتربص (١). كان تورانشاه بن أيوب قد تنكر، وقدم مع النجابين على زيهم، وعبر البلاد، دون أن يكتشفه أحد من ملوك الأطراف، فدخل دمشق يوم الثلاثاء (٢٩) رمضان سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٥٠ م)، فنزل بقلعتها، وأحسن إلى أهلها (٢). وقد اتفق في تلك الفترة قدوم الرحالة المغربي علي بن موسى بن سعيد، صاحب كتاب «المغرب في حلى المغرب» إلى دمشق، فتعرف إلى تورانشاه، وأصبح من ندمائه (٣). وفي المدرسة العادلية الكبرى التقى ابن سعيد أبا شامة، وكان قد فرغ من اختصاره تاريخ دمشق، فسمع منه ما تيسر له (٤). ولم يطل تورانشاه مقامه في دمشق، فرحل عنها نحو مصر يوم الاثنين (٢٦) شوال سنة (٥) (٦٤٧ هـ/ ١٢٥٠ م).

стр. 143

كان لويس التاسع ما يزال في معسكره دائب البحث عن طريقة يستطيع من خلالها عبور البحر الصغير، وقد واتته الفرصة في أواخر شوال سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٥٠ م) إذ قدم إلى معسكره أحد الأقباط، وعرض عليه أن يدله على مخاضة يعبرون منها (١). فما إن أطل فجر الرابع من ذي القعدة سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٥٠ م) حتى كان الصليبيون يشرعون في اجتياز المخاضة، وتولى روبرت أخو الملك لويس التاسع قيادة مقدمة الجيش (٢). وحين لاح له المعسكر الإسلامي - وكان خارج المنصورة - لم يستطع مقاومة إغراء الهجوم عليه دون إذن من أخيه (٣). كان المعسكر الإسلامي غارا عند الفجر، آمنا من أن يؤتى من قبل الصليبيين، وإذا به يفاجأ على حين غرة بهجومهم عليه، بل إنهم يدخلون خيامه، وتذهل المسلمين الصدمة بادئ ذي بدء، ويلقى عدد منهم مصرعه، من بينهم أمير الجيش فخر الدين بن شيخ الشيوخ، وصديق أبي شامة ضياء الدين محمد بن أبي الحجاج، صاحب ديوان الجيش (٤). وسرعان ما يصحو الجيش من ذهوله، ويتولى قيادته مماليك السلطان الصالح أيوب، وفي مقدمتهم ركن الدين بيبرس البندقداري، وبخطة عسكرية بارعة يستدرج الصليبيين إلى داخل مدينة المنصورة، تاركا لهم أبوابها مفتوحة، إغراء لهم على دخولها، وقد أسكرهم نصرهم المفاجئ، وبينما هم يطوفون في شوارعها وأزقتها ينقض عليهم المماليك من كل صوب حتى يفنوهم عن آخرهم، ويقع روبرت أخو الملك لويس التاسع بين القتلى (٥).

стр. 144

وتصك مسامع لويس التاسع أنباء هذه الهزيمة، وقد كاد جيشه يتم اجتياز المخاضة، فيبادر على الفور إلى إقامة معسكره، خوفا من هجوم متوقع من المماليك (١). وما توقعه قد حدث، إذ لم يلبث المماليك، وقد أحسوا بطعم النصر، أن خرجوا من المنصورة، واشتبكوا معه في قتال دام حتى غروب الشمس، ثم تراجعوا بانتظام نحو المنصورة، وقد أدى هجومهم هذا إلى إفقاد الصليبيين المبادرة إلى القتال، فعسكروا في مكانهم قرب المنصورة (٢). وتوالت على معسكرهم هجمات المماليك، حتى وصل تورانشاه بن الصالح أيوب إلى المنصورة في (١٨) ذي القعدة سنة (٦٤٧ هـ/ ١٢٥٠ م) فأعلن حينئذ موت السلطان الصالح أيوب بعد كتمانه نحو ثلاثة أشهر (٣). وظل لويس التاسع قابعا في معسكره نحو شهرين عاجزا عن الحركة (٤)، وهجمات المماليك تتوالى عليه، حتى قرر أخيرا الرجوع إلى دمياط (٥). وفي صبيحة يوم الأربعاء (٢) محرم سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م) بدأ الصليبيون يتقهقرون نحو دمياط، والمماليك يتربصون بهم، حتى إذا حانت لهم الفرصة انقضوا عليهم، فوقع الصليبيون بين قتيل وأسير (٦). واختبأ الملك لويس التاسع في كوخ بقرية منية عبد الله، شمالي شرمساح، فألقي القبض عليه، وحمل مكبلا بالأغلال، وسجن في دار إبراهيم بن لقمان بالمنصورة (٧).

стр. 145

وبعد مفاوضات يسترجع المسلمون دمياط في (٢٦) محرم سنة (١) (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م). وكان تورانشاه قد أرسل إلى دمشق في (١٦) محرم ملابس الملك لويس التاسع إعلانا بالنصر، فيلبسها أميرها جمال الدين موسى بن يغمور، ويخرج بها إلى الناس ليروها عليه، وكان فيمن رآها أبو شامة، فيصفها بتاريخه بقوله: «وهي أسكرلاط أحمر، تحته فرو سنجاب، وفيها بكلة ذهب» (٢). * * * وبينما كانت دمشق تعيش أفراح هذا النصر العظيم، إذ جاءها في أوائل صفر سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م) نبأ مقتل السلطان تورانشاه على يد مماليك أبيه (٣). وكان تورانشاه قد توجس خيفة من تعاظم نفوذ مماليك أبيه بعد انتصارهم، فراح يحيك الدسائس ضدهم وضد زوجة أبيه شجرة الدر، ويبدو أنه قد قرر التخلص منهم (٤)، فعاجلوه قبل أن يعاجلهم، فبينما كان في فارسكور، وقد جلس في دهليز خيمته بعد السماط، وذلك يوم الاثنين (٢٧) محرم سنة (٥) (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م) تقدم نحوه ركن الدين بيبرس البندقداري، فقتله، وغيب قبره (٦). ولقد هال أبا شامة مقتله، وانزعج له، وراح يستقصي أخباره ممن حضر مقتله، وقد أخبره ذلك الشاهد أنه ضرب أولا، فتلقى الضربة بالسيف، فجرحت يده، واختبط الناس، وذلك عقيب فراغهم من الأكل على السماط، فأظهر أن ذلك كان

стр. 146

من بعض الملحدة الحشيشية، ثم أشار بعضهم على الباقين بإتمام الأمر فيه، وقال: بعد جرح الحية لا ينبغي إلا قتلها. فركبوا، وتسلحوا، وأحاطوا بخيمته وبرجه الخشب، لأنه كان في الصحراء، نازلا بإزاء الفرنج، فدخل البرج خوفا منهم، فأمروا زراقا بإحراق البرج، فامتنع، فضربت عنقه، ثم أمروا زراقا آخر، فرمى البرج بنفط، فأحرقه، فخرج من بابه، وناشدهم الله في الكف عنه، والإقلاع عما نقموا عليه، وطلب تخلية سبيله، فلم يجب إلى شيء من ذلك، فدخل في البحر إلى أن وصل الماء إلى حلقه، فرجع، فضربه البندقداري بالسيف، فوقع في الماء، فضربه بالسيف ضربة واحدة على عاتقه، فنزل السيف من تحت إبط اليد الأخرى، فوقع قطعتين (١). وأخبره السيف بن الشهاب جلدك - وكان أبوه والي القاهرة - أنه لما قتل رمي في جرف على حافة البحر، وردم عليه التراب، فبقي هناك ثلاثة أيام، ثم كشفه الماء، فنقل من ثم إلى الجانب الآخر من البحر فدفن هناك. وقد حكى له السيف بن الشهاب جلدك صفة نقله، وهو أنه جر في الماء بصنارة، والجار له راكب في مركب، والصنارة بيده يجره في الماء كأنه حوت إلى أن عدى به إلى الجانب الآخر، فدفنه هناك، فكان قتله والناس في غفلة وبهتة من أمرهم، وعوجل فلم يجد ناصرا. ولما فرغ من قتله نادوا: لا بأس، الناس على ما هم عليه، إنما كانت حاجة فقضيناها، واستبدوا بالأمر (٢). وقد عبر أبو شامة عن صدمته، وهو يعيش تمزق الإحساس في شهر واحد بين نصر كبير وفاجعة عظيمة، فكتب في تاريخه: «فانظر إلى هاتين الواقعتين العظيمتين الغريبتين كيف اتفقتا في شهر واحد، إحداهما في أوله، وهي كسرة الفرنج الكسرة

стр. 147

العظمى التي استأصلتهم، والثانية في آخره: قتل السلطان على هذا الوجه الشنيع» (١). وانقضت بمقتل تورانشاه دولة بني أيوب في مصر، واستبد المماليك البحرية بالأمر، واجتمع أمراؤهم وأهل المشورة فيهم بالدهليز السلطاني، واتفقوا على إقامة شجرة الدر أم خليل، زوجة الصالح أيوب في مملكة مصر، وأن تكون العلامات السلطانية على التواقيع تبرز من قبلها، وأن يكون مقدم العسكر الأمير عز الدين أيبك التركماني الصالحي، وهو واحد منهم، وحلفوا له على ذلك في عاشر صفر سنة (٢) (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م) وكاتبوا أمراء الشام باتباعهم (٣). * * *

стр. 148

دمشق تحت حكم الناصر يوسف وإنجاز أبي شامة «كتاب الروضتين» كانت غالبية أمراء الشام من الأكراد القيمرية، وكان هواهم مع البيت الأيوبي، وقد أغضبهم مقتل السلطان تورانشاه، فلم يجيبوا المماليك لما طلبوه، وسارع كبيرهم الأمير ناصر الدين القيمري إلى مكاتبة الناصر يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين، صاحب حلب، يخبره بامتناعهم عن الحلف لشجرة الدر، ويحثه على المسير إلى دمشق حتى يسلموها إليه (١). فخرج الناصر يوسف من حلب في عساكره في أواخر ربيع الأول سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م)، وفي يوم الأحد (٧) ربيع الآخر فتحت له دمشق أبوابها، وفي يوم الأربعاء (١٠) ربيع الآخر دخل الناصر يوسف قلعة دمشق، وأمن الناس، وزال عنهم الباس (٢). ولم يكن أهل دمشق أقل استياء بقتل السلطان تورانشاه من أمرائها، ولعل انزعاج أبي شامة من مقتله يعبر عن انزعاج أهلها، فهو أول سلطان أيوبي يقتل على يد مماليكه.
следующие страницы →