← Тараджим

Тараджим · id 30091

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق

Полный текст (476 стр.). Показаны 147–186 · переход к 152.

стр. 147

العظمى التي استأصلتهم، والثانية في آخره: قتل السلطان على هذا الوجه الشنيع» (١). وانقضت بمقتل تورانشاه دولة بني أيوب في مصر، واستبد المماليك البحرية بالأمر، واجتمع أمراؤهم وأهل المشورة فيهم بالدهليز السلطاني، واتفقوا على إقامة شجرة الدر أم خليل، زوجة الصالح أيوب في مملكة مصر، وأن تكون العلامات السلطانية على التواقيع تبرز من قبلها، وأن يكون مقدم العسكر الأمير عز الدين أيبك التركماني الصالحي، وهو واحد منهم، وحلفوا له على ذلك في عاشر صفر سنة (٢) (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م) وكاتبوا أمراء الشام باتباعهم (٣). * * *

стр. 148

دمشق تحت حكم الناصر يوسف وإنجاز أبي شامة «كتاب الروضتين» كانت غالبية أمراء الشام من الأكراد القيمرية، وكان هواهم مع البيت الأيوبي، وقد أغضبهم مقتل السلطان تورانشاه، فلم يجيبوا المماليك لما طلبوه، وسارع كبيرهم الأمير ناصر الدين القيمري إلى مكاتبة الناصر يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين، صاحب حلب، يخبره بامتناعهم عن الحلف لشجرة الدر، ويحثه على المسير إلى دمشق حتى يسلموها إليه (١). فخرج الناصر يوسف من حلب في عساكره في أواخر ربيع الأول سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م)، وفي يوم الأحد (٧) ربيع الآخر فتحت له دمشق أبوابها، وفي يوم الأربعاء (١٠) ربيع الآخر دخل الناصر يوسف قلعة دمشق، وأمن الناس، وزال عنهم الباس (٢). ولم يكن أهل دمشق أقل استياء بقتل السلطان تورانشاه من أمرائها، ولعل انزعاج أبي شامة من مقتله يعبر عن انزعاج أهلها، فهو أول سلطان أيوبي يقتل على يد مماليكه.

стр. 149

وحين وصل الخبر إلى مصر بدخول الناصر يوسف دمشق، وقع اضطراب في القاهرة، وقبض المماليك البحرية على من يتهم بالميل إليه (١). وتحصينا لموقعهم الجديد اتفق المماليك على إقامة الأمير عز الدين أيبك في السلطنة، فخلعت شجرة الدر نفسها من المملكة، فكانت مدة حكمها ثمانين يوما، وتزوجت الأمير عز الدين أيبك في (٢٩) ربيع الآخر سنة (٢) (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م) وأقيم عز الدين أيبك في السلطنة، ولقبوه بالملك المعز، وزينت القاهرة ومصر (٣). ولإضفاء شرعية على حكمهم أقاموا في ثالث جمادى الأولى سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م) الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن يوسف بن الملك المسعود يوسف بن الكامل بن العادل سلطانا، وله من العمر نحو ست سنين (٤)، وليس له من السلطنة سوى اسمها. * * * لم تكن صدمة أبي شامة بمقتل السلطان تورانشاه تعني ترحيبه بصاحب حلب الناصر يوسف غداة دخوله دمشق، فهو يعلم حقا أن شيئا لن يتغير، وأن هم ملوك عصره لم يعد يتعدى الاستمتاع بمباهج الملك، والاقتتال فيما بينهم في منازعات لا تكاد تنتهي، تاركين الأمة وحدها في العراء تواجه أعداءها، حتى الانتصار الكبير سرعان ما يحيلونه باختلافاتهم إلى هزيمة منكرة. ولعلنا نستشف رأي أبي شامة هذا مما كتبه في تاريخه حين رفض العالم الشافعي كمال الدين محمد بن طلحة منصب الوزارة، وقد عرضه عليه الناصر يوسف، فقال: «فأيقظه الله تعالى وزهده في رياسات الدنيا، وتزهد وانقطع» (٥).

стр. 150

هكذا إذن لم يبق للعالم في هذا الزمن كي ينجو بدينه، وقد يئس من الإصلاح إلا أن يتزهد وينقطع عن دنيا الحكام والناس. ولا ريب أن أبا شامة كان يعيش أياما حزينة، وهو يرى جيش دمشق يخرج من أبوابها لقتال المماليك في مصر، تاركا الصليبيين يضمدون جراحاتهم عقب هزيمتهم في المنصورة. إذ لم يمض على دخول الناصر يوسف دمشق سوى خمسة أشهر حتى كان قد أعد العدة لإعادة مصر إلى الحظيرة الأيوبية، فبعد أن تسلم القلاع المجاورة لدمشق كبعلبك وبصرى وصرخد وعجلون والسلط، تقدم بعساكره صوب غزة، ومعه الصالح إسماعيل بن العادل، حاكم دمشق القديم (١)، ووصل في آخر شوال سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م) إلى العريش (٢)، ثم تقدم بجيشه نحو القاهرة، ووصل إلى منزلة الكراع، وهي قريبة من الخشبي في الصحراء، حيث كان بانتظاره جيش المماليك بقيادة المعز عز الدين أيبك سلطان مصر الجديد (٣). وفي يوم الخميس (١٠) ذي القعدة سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م) اصطدم الجيشان واقتتلا قتالا شديدا، فانكسر المماليك أولا، وانهزم أكثرهم إلى القاهرة ومصر، وساق خلفهم بعض أمراء الناصر يوسف، وكان مع الناصر جمع كبير من مماليك أبيه العزيز، وكان هواهم مع المماليك البحرية، لأنهم أتراك مثلهم، ولكراهتهم الأمير شمس الدين لؤلؤ قائد جيش الناصر، فساقوا بأطلابهم وأصحابهم، وانضموا إلى جيش المعز، ودخلوا في طاعته، فتضعضع جيش الناصر يوسف وقد أوشك على الانتصار، وكان الناصر يوسف قد بقي في قلة من عسكره تحت سناجقه، فأشار المماليك العزيزية على المعز بأن يقصد سناجق الناصر يوسف، لعله يظفر به، فيقتله، فحمل المعز بجماعة

стр. 151

من عسكره على سناجق الناصر يوسف ظنا منه أنه تحتها، غير أن الناصر يوسف كان قد خرج من تحت سناجقه، مبتعدا عن المعركة خوفا على نفسه، فلما لم يظفر المعز به، رجع بمن معه. وكان الأمراء القيمرية من جيش الناصر يوسف قد اجتمعوا ليهنئ بعضهم بعضا بالنصر، وتفرق أصحابهم وراء الغنائم يجمعونها، ولم يبق معهم إلا نفر يسير من مماليكهم، ولم يدروا بما جرى فصادفهم المعز عند رجوعه من تحت سناجق الناصر يوسف، فقاتلهم، فقتل شمس الدين لؤلؤ قائد جيش الناصر، والأمراء: حسام الدين القيمري، وضياء الدين القيمري، وأسر أكابر الدولة، ومنهم الصالح إسماعيل بن العادل (١). وانهزم الناصر يوسف نحو دمشق (٢)، ولم يعلم بقية أمرائه الذين ساقوا خلف المماليك بهزيمته إلى أن وصلوا إلى العباسة، ثم بلغهم ما جرى من بعد، فاتفق رأيهم على الرجوع إلى الشام (٣). أما المعز فإنه بعد أن قتل من قتل من جيش الناصر يوسف، وأسر من أسر رحل يريد القاهرة، فدخلها يوم السبت (١٢) ذي القعدة سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م)، والأسرى بين يديه، وفيهم الصالح إسماعيل بن العادل، وحين وصل في طريقه إلى تربة الصالح أيوب أحدق به المماليك البحرية، وصاحوا: يا خوند، أين عينك ترى عدوك إسماعيل؟ ثم ساروا به إلى قلعة الجبل، فاعتقلوه بها إلى يوم الأحد (٢٧) ذي القعدة حيث أخرجوه إلى ظاهر القلعة، وخنقوه حتى مات، وكان عمره يوم قتل نحو خمسين سنة (٤).

стр. 152

وفي أواخر ذي القعدة سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م) يصل الناصر يوسف إلى دمشق يجر أذيال الهزيمة (١)! * * * في تلك الأثناء كان أبو شامة قد ألم به مرض في أوائل ذي القعدة سنة (٢) (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م) انقطع على أثره عن المدرسة العادلية الكبرى، حيث كان يفتي ويصلي ويؤلف (٣)، وعن حلقته بجامع دمشق حيث كان يسمع اختصاره وتهذيبه لتاريخ دمشق لابن عساكر (٤)، وأقام في بستانه الصغير في الصالحية فوق نهر يزيد، يستشفي فيه (٥)، وكان لا يزال يعاني من عقابيله لما قدم دار الحديث الأشرفية في (١٩) ذي القعدة لوفاة قارئها المجد الإسفراييني، فصلى عليه أبو شامة ظاهر باب النصر، ولم يقو على تشييعه إلى مقابر الصوفية حيث دفن (٦). ولم يبل من مرضه إلا في أوائل ذي الحجة سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م) حيث عاود الجلوس في ثامنه بجامع دمشق ليتم إسماع تاريخ دمشق (٧)، وفرحا بعودته سالما معافى أنشده بعض الأدباء الملازمين له قصيدة، قال فيها: هو الشيخ شيخ العلم والحلم والهدى … وناهيك عن علم القراءة من فحل هناء له منا بصحة جسمه … فصحته في جسمه صحة النقل (٨)

стр. 153

ويبدو أن أبا شامة كان في ذلك الوقت في المرحلة الأخيرة من تأليفه «كتاب الروضتين»، وقد خيف أن يقعده المرض عن إتمامه، وإلى هذا أشير في القصيدة، بقوله: فحاشا ندى التصنيف أن لا يتج من … غزير وحاشا الروضتين من المحل وحاشا الفتاوى أن تعطل بعده … وحاشا جمال البحث يخلو من الحفل (١) * * * ويعود أبو شامة إلى المدرسة العادلية الكبرى، وينهمك في إتمام «كتاب الروضتين»، حتى يفرغ منه في بدايات عام (٢) (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) وقد استوفى فيه أخبار الدولتين النيرتين، دولة نور الدين محمود بن زنكي، ودولة صلاح الدين يوسف بن أيوب (٣). وعلى الرغم من أن الكتاب قد عقده على ذكر أخبار هاتين الدولتين، فإنه وجد قلمه ينشد لسوق ما جرى بعد وفاة صلاح الدين سنة (٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م) من منازعات بين أولاده: الأفضل علي، والعزيز عثمان، والظاهر غازي، وأخيه العادل أبي بكر بن أيوب، فشرع يسردها حتى وصل فيها إلى سنة (٤) (٥٩٢ هـ/ ١١٩٥ م) ثم كتب في آخره مؤذنا بختامه، ومؤكدا ما كتبه في مقدمته عن غايته التي تغياها من تأليفه: «والله تعالى يوفق ملوكنا للاقتداء بسيرة سلفنا في إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، والنظر في مصالح العباد» (٥). هذه هي الأمور الثلاثة التي جمعت بين نور الدين وصلاح الدين، فعاشت الأمة في ظلهما في روضتين وارفتين من عزة وأمن، فهل دعوته هذه ستلقى آذانا صاغية من ملوك عصره، وهم في نزاعاتهم يعمهون؟

стр. 154

يبدو أن أبا شامة لم يكن يؤمل الكثير من ملوك عصره الأيوبيين، والمشهد أمام ناظريه، وهو المؤرخ، مما يدعو إلى الأسى، بل لعله تنبأ بما سيحل بالبيت الأيوبي في الشام عن قريب، وقد عايش انهياره في مصر، ولذا لم يجد أمامه إلا كلمة القاضي الفاضل يختم بها كتابه: «أما هذا البيت، فإن الآباء منه اتفقوا، فملكوا، وإن الأبناء منهم اختلفوا، فهلكوا، وإذا غرب نجم فما في الحيلة تشريقه، وإذا بدأ خريق ثوب فما يليه إلا تمزيقه، وهيهات أن يسد على قدر طريقه، وقد قدر طروقه» (١). ويطوي أبو شامة كتابه، وفي جامع دمشق في حلقته عند رأس زكريا ﵇ ينشره (٢)، ويسمعه لمن تحلق حوله من الناس، علهم يعون ويتدبرون دروس التاريخ، ويعتبرون (٣). * * * حين فرغ أبو شامة من إسماع «كتاب الروضتين» سنة (٤) (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) شعر أن صورة ما جرى بعد وفاة صلاح الدين لم تكتمل فصولا (٥)، وفي إتمامها تبصير للناس فيما هم فيه الآن، فراح يزيد فيه ما جرى من وقائع بين سنتي (٦) (٥٩٣ - ٥٩٧ هـ/ ١١٩٧ - ١٢٠١ م). وبينما كان يكتب وقائع تلك السنوات في المدرسة العادلية الكبرى، حيث كان يسكن، عاوده المرض من جديد في رمضان سنة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) ثم عاوده

стр. 155

المرض نفسه مرة ثالثة في رمضان سنة (١) (٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م)، فكان أبو شامة يأوي في مرضه إلى بستانه الصغير فوق نهر يزيد في الصالحية، يعيش فيه مع آلامه وأوجاعه (٢). وانشغل في تلك السنين عن التأريخ لوقائع عصره، فلم يدون في تاريخه منها إلا القليل، وانكب على إتمام ما استحسن زيادته في «كتاب الروضتين»، حتى بلغ فيه إلى سنة (٣) (٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م). وكان في أثناء قراءاته في تواريخ تلك الفترة يقع على أخبار فاته تدوينها في «كتاب الروضتين»، فيلحقها في أماكنها فيه، حتى تجمعت لديه منها زيادات كثيرة، فعن له أن يعاود نسخه وتبييضه من أوله، مضيفا إليه هذه الزيادات، وقد فرغ من نسخ المجلدة الأولى منه في (١١) رمضان سنة (٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م) فكتب في آخره: «آخر المجلدة الأولى من كتاب الروضتين، فرغ منها مصنفها في حادي عشر شهر رمضان المبارك سنة إحدى وخمسين وست مئة، واشتملت هذه النسخة المبيضة على زيادات كثيرة فاتت النسخ المتقدمة على هذا التاريخ المنقولة من المسودة، وكل ما ينقل من هذه النسخة هو الأصل الذي يعتمد عليه، ويركن إليه، والله الموفق في جميع الأمور، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، وكتبه عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي مصنفه، عفا الله عنه» (٤). وما كاد يضع القلم من نسخ هذه المجلدة حتى يعاوده مرضه، ذلك المرض الذي بات يعاوده كل عام في رمضان (٥)، وفي غمرة معاناته لآلامه تتوفى ابنته

стр. 156

رقية، ذات العامين وخمسة أشهر، في شوال سنة (٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م) وهي ابنته الأولى من زوجته ست العرب، فيدفنها بمقابر الصوفية عند قبر خال أمها الجمال أبي الزهر (١). وينكفئ أبو شامة إلى بستانه وئيد الخطا، وجسمه العليل ينوء تحت وطأة حزنه الجليل. ** *

стр. 157

الخطر التتري في «كتاب الروضتين» أرخ أبو شامة لدولتي نور الدين وصلاح الدين في بلاد الشام ومصر، راسما ملامح نهوض الأمة تحت حكمهما، راجيا ملوك عصره الاقتداء بهما، وهم يواجهون الصليبيين من الغرب، وما يقذفه البحر من جيوشهم وحملاتهم. وكان ثمة خطر قادم من الشرق، كان هؤلاء الملوك سادرين عنه، برغم ما يتناهى إلى سمعهم مما يفعله التتار من تدمير وقتل وخراب في مدنه، وقد قضوا على الدولة الخوارزمية التي كانت سدا يحول بينهم وبين التتار. وبعقل المؤرخ الذي يحاول أن يستكشف راح أبو شامة يتساءل: كيف استطاع هؤلاء التتار، وهم قوم من الهمج الهامج، أن يخترقوا تحصينات المدن الإسلامية في ذلك الشرق البعيد، وأن يهزموا الدولة الخوارزمية، تلك الدولة القوية، حتى بات خطرهم يتهدد العراق وبلاد الشام؟ وكأنه يريد بذلك أن يرصد تاريخ الأمة في انكسارها بعد أن رصده في نهوضها. لقد أنفق أبو شامة سنوات طويلة من عمره، وهو يجمع أخبار نور الدين وصلاح الدين، ويؤلف بينها بذكاء واقتدار حتى استقام له هذا الكتاب المحكم: «الروضتين»، فهل سينفق من عمره مثل تلك السنين حتى يعرف حقا ما جرى في ذلك الشرق البعيد؟ ..

стр. 158

وفي أثناء بحثه الدائب يقع على كتاب فيه أخبار هذه الدولة الخوارزمية، ألفه كاتب مطلع على أحوالها، مداخل لآخر سلاطينها؛ جلال الدين منكبرتي، إذ كان كاتبا في ديوان إنشائه، هو شهاب الدين محمد بن أحمد بن علي النسوي، وسماه «سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي» (١)، فيرى أبو شامة أن اختصار هذا الكتاب أجدى وأعم نفعا من تأليف كتاب في أخبارها، وبخاصة أن مؤلفه النسوي قد عاصر أواخر الدولة الخوارزمية، واطلع على دخائل أحوالها. ويعكف أبو شامة على اختصار هذا الكتاب بعد فراغه من «كتاب الروضتين»، وكأنه يوازن من خلاله بين حكم نور الدين وصلاح الدين، وكيف نهضت الأمة في بلاد الشام ومصر من كبوتها بعدلهما وحسن سياستهما، وبين حكم علاء الدين محمد بن تكش وابنه جلال الدين، وكيف أوقعا الأمة في الشرق تحت ذل الهزيمة بظلمهما وسوء تدبيرهما، فهل كان أبو شامة يعاود مخاطبة ملوك عصره، وهو يرسم لهم صورة للأمة في حال صلاحها بالعدل، وصورة للأمة في حال فسادها بالظلم والقهر؟ ويسمي مختصره «نزهة المقلتين في سيرة الدولتين العلائية والجلالية» (٢)، ويفتتحه بمقدمة يقول فيها: «أما بعد، فإني جمعت في كتابين مطول ومختصر ما كان في زمن آبائنا من مناقب سلطانين جليلين، متتابعين ببلادنا الشامية، جمعت فيهما من أخبارهما ومآثرهما ما غبر في وجوه من قبلهما من الملوك، فكيف من بعدهما؟ فسقى الله عهدهما، وسميت الكتاب المطول بالروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، والآخر مختصره.

стр. 159

ثم إني أردت الوقوف على أخبار ملكي بلاد العجم في زماننا، اللذين قهرا العباد، ثم خربت في ولايتهما البلاد، واستولى على تلك الديار، الكفرة التتار، لعنهم الله، وسفك أولئك الملاعين، دم الكبير والصغير من المسلمين، وجرى في تلك المدة من العجائب والغرائب ما لم يتقدم مثله، وما أظنه يأتي إن شاء الله تعالى، فإنها من أفظع المصائب. فوجدت قد جمع أخبار تينك الدولتين الكاتب الفاضل شهاب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد النسوي، المعروف بالمنشئ، الذي كان في صحبتهم وخدمتهم، مطلعا على أحوالهم، متصرفا في أعمالهم، جمع ما جرى من ذلك مجلدة واحدة، فاختصرت المقاصد منها، على عادتي في مثل ذلك، والغرض الأهم كما ذكر - من إثبات الآثار، وإخلاد الأخبار، إفادة التجربة والاعتبار. أما السلطانان فهما علاء الدين محمد بن تكش بن إيل رسلان بن أتسز بن قطب الدين محمد بن نوشتكين، وولده جلال الدين منكبرتي، المعروف بخوارزم شاه … " (١). وتابع أبو شامة سرد أخبارهما بحس المؤرخ الذي يستشف الخطر القادم من ذلك الشرق البعيد. * * * وممن كان يتحسس كذلك من خطر التتار، قائد جيش الناصر يوسف الأمير شمس الدين لؤلؤ، ولكي يأمن شرهم أشار على الناصر يوسف بأن يواليهم بالهدايا والتحف، فأرسل الناصر يوسف في سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م) إلى منكوقا آن خان التتار الأمير زين الدين الحافظي (٢) - وهو طبيب ذو منزلة رفيعة، إذ كان إلى براعته في

стр. 160

الطب على معرفة بأساليب الحرب والجندية (١) - محملا بهدايا كثيرة، وتحف جليلة (٢). وقد رجع الأمير زين الدين الحافظي في سنة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م)، ومعه للناصر من خان التتار طمغ، وهو كتاب أمان، فصار الناصر يوسف يحمله في حياصته، وقد اطمأن إلى أمانهم (٣)، وفي كل سنة صار يحمل إلى بايجوا، نائب خان التتار في بلاد العجم الهدايا والتحف السنية (٤). وكان الناصر يوسف بعد هزيمته في موقعة الكراع بمصر (٥) قلقا من جهة المعز عز الدين أيبك، وقد بلغه في سنة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) أن المعز عازم على قصده، فسير الناصر يوسف عساكره إلى غزة، ليحفظوا بلاده، وكان المعز قد خرج كذلك بعساكر مصر، ونزل على الباردة في أطراف بلاده، يتحين غرة للهجوم على دمشق (٦). وكانت الأخبار قد بدأت تتوارد منذ سنة (٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م) باستعداد التتار لأخذ العراق، وأن منكوقا آن قد كلف أخاه هولاكو بذلك (٧)، فأرسل الخليفة المستعصم بالله الشيخ نجم الدين البادرائي للسعي بين المعز والناصر في الصلح (٨)، وكان الناصر قد خرج بعساكره من دمشق، وأقام على الغور (٩).

стр. 161

وبعد مفاوضات طويلة وعسيرة تم عقد الصلح بينهما في سنة (٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م) على أن يعطى المعز من بلاد الناصر يوسف القدس الشريف وبلاده، وغزة وبلادها، وجميع البلاد الساحلية إلى حدود نابلس، وأن يطلق المعز كل من هو في أسره من الملوك والأمراء الذين أسرهم في موقعة الكراع، واستحلفهم الشيخ نجم الدين البادرائي على ذلك، وعاد كل منهما إلى مستقر ملكه (١). * * * وكانت الأوضاع في مصر قد بلغت غاية الاضطراب، فقد قويت شوكة المماليك البحرية، واستفحل أمرهم، واجتمعت كلمتهم على الأمير فارس الدين أقطاي، وهو كبيرهم ومقدمهم (٢)، واطرحوا المعز، فليس له معهم أمر ولا نهي، و لا حل ولا عقد، ولا يسمع أحد منهم له قولا، وقد استولى أقطاي على الأمور كلها (٣)، وكثر فساد أتباعه، فكانوا يأخذون أموال الناس ونساءهم وأولادهم، ولا يقدر أحد منهم على منعهم، وكانوا يدخلون الحمامات، ويأخذون النساء منها غصبا، وكثر ضررهم (٤)، واتفقوا فيما بينهم على قتل المعز، فخاف على نفسه منهم، وقر رأيه على التخلص من أقطاي (٥)، وقد ثقل عليه، فراح يتحين الفرص، حتى كان يوم الأربعاء ثالث شعبان سنة (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م) فبعث إليه ليأخذ رأيه في أمر من الأمور، فركب إليه أقطاي على غير أهبة ولا اكتراث، مدلا بقوته، فعندما دخل من باب القلعة، وصار في قاعة العواميد، أغلق بابها، ومنع مماليكه من الدخول معه، فغدا وحيدا، حينئذ خرج عليه جماعة بالدهليز قد أعدوا لقتله، وهم قطز وبهادر

стр. 162

وسنجر، مماليك المعز، فهبروه بالسيوف حتى مات، ووقع الصريخ في القلعة والقاهرة بقتله، فركب في الحال من أصحابه نحو سبع مئة فارس، ووقفوا تحت القلعة، وفي ظنهم أنه لم يقتل، وإنما قبض عليه، وكان من أعيانهم الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وقلاوون الألفي، فلم يشعروا إلا ورأس أقطاي قد رمي إليهم، فتبلبل رأيهم، وتفرقوا بأجمعهم، وخرجوا في الليل من القاهرة هاربين، فمنهم من قصد الملك المغيث بالكرك، ومنهم من قصد الملك الناصر يوسف بدمشق (١)، وكان فيهم بيبرس البندقداري وقلاوون الألفي، فخرج الناصر يوسف إلى لقائهم، وخلع عليهم، وأقطع ركن الدين بيبرس نابلس، وراح المماليك يحثون الناصر يوسف على قصد مصر، وهو يدافعهم (٢). واستقل المعز بسلطنة مصر، ولم يعد بحاجة إلى سلطنة الأشرف موسى الاسمية، فخلعه منها، فكان موسى آخر من خطب له من الأيوبيين بالسلطنة في مصر (٣)، وكتب إلى الناصر يوسف يحذره غائلة البحرية، ويخوفه عاقبة شرهم (٤)، غير أن الناصر أصم أذنيه عن سماع كلامه، ووجدها فرصة ليستعيد من المعز بعض البلاد التي أخذها منه، فكتب إليه يطلب البلاد التي أخذها بالساحل، لأنها من إقطاعات البحرية، فأعادها المعز إليه، فأقر الناصر كل إقطاع منها بيد من كان له (٥). * * * ولم يبق للناصر يوسف كي يعيش ناعم البال، وقد نال الأمان من التتار، وتم

стр. 163

صلحه مع المعز، إلا أن يعقد الصلح مع الصليبيين في عكا، وقد تم له ذلك سنة (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م)، فأبرم معهم هدنة مدتها عشر سنين وستة أشهر وأربعون يوما، أولها مستهل محرم سنة (١) (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٥ م). وقد توج إنجازاته بزفافه من ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ ملك سلاجقة الروم، وكان عقد عليها، فقدمت إليه في سنة (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م)، فاحتفل بقدومها، وبالغ في عمل الوليمة لها (٢). ولم يزعجه في أفراحه ما بلغه في أواخر سنة (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٦ م) من عبور هولاكو بجيشه نهر جيحون في طريقه نحو العراق، وفي استيلائه على قلاع الإسماعيلية (٣)، إذ كان في تلك الأثناء قد أنهى إنشاء مدرسته الناصرية الكبرى، وافتتحها في سابع محرم سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م)، وولى تدريسها قاضيه الأثير صدر الدين ابن سني الدولة، وحضر درسه الأول فيها مع أمرائه وأعيان الشام، وجمهور أهل الحل والعقد في دمشق (٤). كان هولاكو قد أتم استيلاءه على قلعة الموت في ذي القعدة سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م)، وشرع في مهاجمة الأكراد والتركمان والشهرزورية، ووصلت غاراته إلى ديار بكر وميافارقين ورأس عين وسروج، فقتلوا ونهبوا وسبوا، واستولوا على بلاد الأكراد وقلاعهم وأخربوها، فانهزم أكثرهم إلى الشام لاجئين (٥) بأولادهم ونسائهم، وكانت عدتهم نحو ثلاثة آلاف، فأشار الأمراء القيمرية على الناصر يوسف باستخدامهم ليكثر جمعه، وليكونوا قوة تقف ضد المماليك البحرية،

стр. 164

فاستخدمهم، وخلع عليهم وأحسن إليهم، وأعطاهم الأموال والإقطاعات (١). وبقي الناصر يوسف غارقا في اطمئنانه برغم ما يجري، مستنيما للأمان الذي ناله من منكوقاآن ملك التتار، وقد أفرط في اعتداده بهذا الأمان حتى إنه تجاهل هولاكو نفسه، فلم يبعث إليه بالهدايا كما كان يفعل مع بايجوا من قبل (٢). * * *

стр. 165

العزلة كانت علاقة أبي شامة في المدرسة العادلية الكبرى مع القاضي صدر الدين ابن سني الدولة تسوء على مر الأيام، إذ كان وهو أحد العدول، وقد تصدر للفتوى فيها لا يسكت عما يراه أخطأ فيه من أحكام، أو جار فيها (١)، وكان القاضي وقد علت منزلته عند الناصر يوسف (٢) يزداد إزعاجا له، عله يتخلص منه، فأطلق أعوانه يكيدون له، ويسمعونه مر القول، ويغتابونه، وما قصيدته فيهم بمنسية (٣)، بل راحوا يؤلبون الناس عليه، ويتصامم عنهم أبو شامة بالإكباب على تصانيفه يؤلفها، وبجلوسه في حلقته بجامع دمشق، راضيا بحب من يحبه من مريديه (٤)، وقد استبعد من المناصب الكبيرة التي يؤهله علمه لها، ولم يترك له إلا بعض المدارس الشافعية هو فيها مدرس، وهو منصب يناله من حصل شيئا من علم الفقه، لا من قارب فيه حد الاجتهاد (٥)، وكان يعلم حق العلم أن هذه المناصب الكبيرة لا تنال إلا بإراقة ماء المحيا لأصحاب الجاه والسلطان، وهيهات أن يفعل (٦).

стр. 166

ويبدو أن حملتهم عليه اشتدت، وربما شاركهم فيها بعض الطلبة ممن كان يدرسهم في تلك المدارس، فضاقت عليه نفسه مما يحيط به في المدرسة العادلية وتلك المدارس من وجوه كالحة، وقلوب غادرة، وكان هجومهم عليه يستدعي منه أحيانا دفاعا، بل واستماتة في الدفاع، والمرض يفتك بجسده بين آن وآخر، فخاف أن تباغته المنية، وهو يتمرغ في أوحال خصامهم، فللخلاص من هذا البلاء بدأت تخطر في باله فكرة الاعتزال، أن يعتزل التدريس، وأن يهجر المدرسة العادلية الكبرى، لينصرف ناعم البال إلى ما وهب حياته له من العلم النافع (١)، وربما كان يعيش ألم هذا الشعور، وهو يقتبس من الغزالي في «الإحياء» ما قاله الخطابي في «العزلة»، وهو يصنف كتابه الجديد: «خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر «الأول» (٢): دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك، فليس لك منهم مال ولا جمال، إخوان العلانية أعداء السر، إذا لقوك تملقوك، وإذا غبت عنهم سبعوك (٣)، من أتاك منهم كان عليك رقيبا، وإذا خرج كان عليك خطيبا، أهل نفاق ونميمة، وغل وخديعة، فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال، وأن يتخذوك سلما إلى أوطارهم، وحمارا في حاجاتهم، إن قصرت في غرض من أغراضك كانوا أشد أعدائك، ثم يعدون ترددهم إليك دالة عليك، ويرونه حقا واجبا لديك، ويعرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك لهم، فتعادي عدوهم، وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم، وتنتهض لهم سفيها، وقد كنت فقيها، وتكون لهم تابعا خسيسا، بعد أن كنت متبوعا رئيسا، ولذلك قيل: اعتزال العامة مروءة تامة» (٤).

стр. 167

كان قرار الاعتزال ينمو مع الأيام في فكره، ويترسخ، حتى إذا عاوده المرض للمرة الخامسة في رمضان سنة (١) (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م) حسم أمره، وبدأ بترك المدرسة العادلية الكبرى (٢)، بعد أن قضى فيها نحو ثلاث وثلاثين سنة (٣)، واتخذ بيتا له في حارة الخاطب (٤)، وقد كتب، وهو مريض أبياتا يعلل فيها تركه لها، ومما قاله: نزهت نفسي وعرضي … وصنت هذه البقية لما انعزلت ببيتي … قولا وفعلا ونية وبقيت علق بال … مدارس الشافعية وسوف أخلص منها … حقا ورب البرية إني عبد ضعيف … أخاف بغت المنية ولست أرضى لنفسي … دوام هذي البليه (٥) * * * وذات ليلة، وبينما كان يتقلب مع آلامه وأحزانه، وقد قارب الثالثة والخمسين، وبيته خال من عبث طفل ومناغاته، بعد أن تخرم الموت أولاده، ولم يبق له إلا ابنته فاطمة من زواجه الأول، دعا الله أن يرزقه ولدا ذكرا، ربما ليخفف ما في قلبه من حزن شفيف على فقد ابنه محمد (٦).

стр. 168

ويستجيب الله تعالى له، ويرزقه مولودا ذكرا بعد صلاة الصبح من يوم السبت (٢٥) شوال سنة (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٥ م)، فيسميه أحمد، ويكنيه أبا الهدى (١). ويسعى بالطفل إلى الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن أبي الفهم اليلداني، وكان شيخا صالحا، مشتغلا بالحديث سماعا وكتابة، فيستجيزه، فيجيزه الشيخ رواية جميع ما يجوز له وعنه روايته (٢)، وكأنه بهذه الإجازة يستأنف ما كان قد بدأه مع ابنه محمد. وفي أواخر ذي الحجة سنة (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٦ م) يفرغ أبو شامة من شرحه الأصغر لقصيدة الشاطبي في القراءات بعد أن تورك عليه نحو ستة أشهر (٣)، وكان قد اختصره من شرحه الكبير لها الذي وقف فيه عند باب الهمزتين من كلمة، وقد بلغ نحو مجلدة (٤)، ثم تابع شرحه الأصغر حتى تم، فكان في مجلدين، وسماه «إبراز المعاني من حرز الأماني» (٥). * * * لا ريب أن أبا شامة قد شعر ببعض الارتياح عقب تركه المدرسة العادلية الكبرى، فقد نأى بنفسه عما كان يعانيه فيها من فساد وظلم يشيعه القاضي صدر الدين وأعوانه، غير أنه ما زال حرج الصدر لملابسته التدريس في بعض المدارس الشافعية، ولما لتلك المدارس من علاقة بالقاضي بحكم منصبه، ولما كان يلاقيه فيها من أعوانه، شيوخها ومدرسيها، ومن بعض طلابها من جفاء في اللقاء، وغدر حين تمكنهم الفرصة، وكانت عداوتهم له تنطلق غيبة على ألسنتهم، وحسدا في عيونهم (٦). وقد بلغ أبو شامة في ضيقه حدا أنه كان أحيانا يغبط الأصم على صممه، ويراه

стр. 169

نعمة كبرى تريحه من سماع أحاديث الناس ولغوهم، وتعينه على الانقطاع للعبادة (١). وربما استضرى أعداؤه عليه، وهم يرون منزلة القاضي في علو، ومنزلة أبي شامة في انحدار، وقد بلغ القاضي صدر الدين أعلى منازله يوم افتتح الناصر يوسف مدرسته الناصرية الكبرى في سابع محرم سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م) وولاه تدريسها، وقد حضر مع أمرائه وأعيان الشام، وجمهور أهل الحل والعقد افتتاح الدرس الأول فيها (٢). لقد كانت الطريق إلى المناصب الكبرى معروفة لأبي شامة، ولكنه وهو العالم حقا كان يتنكبها عن عمد، ويرى أنها طريق تزري بالعالم وعلمه (٣)، ولكي ينأى بنفسه عما يزري بها كان لا بد أن ينفذ قراره في الاعتزال نهائيا عن دنيا التدريس في المدارس، فما إن فرغ من إعادة النظر في كتابه «المرشد الوجيز»، وانتهى من كتابته يوم الأحد (١١) ربيع الأول سنة (٤) (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م)، ثم أتم إسماع كتابه «المحقق من علم الأصول» بالتربة الأشرفية في يوم الاثنين (٢٦) شعبان من العام نفسه (٥)، حتى كان قد عقد عزمه على تنفيذ قراره، متخذا من مرضه الذي ربما عاوده في رمضان سنة (٦) (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م) مناسبة لإعلان هذا القرار، فنظم فيه أبياتا، يؤرخ فيها لقراره، يقول فيها: أردت راحة سري … مما يضيق صدري لما ألاقي من الخل … ق من جفاء وغدر وحسد واغتياب … فيا ضياع العمر فاخترت أن أتنحى … وأستقل بأمري

стр. 170

فلست أمشي إلى من … يرى خطير القدر لأجل دنيا، فمشيي … إليه بالعلم يزري لكن إلى عالم أو … شيخ نبيه الذكر أما إذا أحوجني … ضرورة من فر ولا تكون، فربي … يمن فيها بصبر يارب فاشرح صدري … للخير واشدد أزري ولا تكلني إلى الخل … ق أنت حسبي وذخري هب لي مدى الدهر سترا … حتى أو سد قبري واختم بخير وأعظم … من جنة الخلد أجري (١) ولم يكن قرار أبي شامة هذا سهلا، إذا عرفنا أن المدارس في ذلك العصر، وما لها من أوقاف، تكاد تكون مصدر رزق العالم الوحيد، وقد تخلى عنها أبو شامة، ولم يبق له من مورد يعيش منه إلا بستانه الصغير فوق نهر يزيد في الصالحية (٢)، إنه سيفلح أرضه، ويأكل من ثمارها، والفلاحة عمل شاق على من انقطع في حياته للعلم وتحصيله، ثم إنها كانت تزري بالإنسان في ذلك العصر (٣)، غير أن أبا شامة كان في تلك الأيام - ربما - مسكونا بزاهد الإسكندرية الشيخ محمد بن منصور بن يحيى القباري، الذي انقطع عن دنيا الناس ببستانه يزرعه ويسقي ثماره، ولن ينسى أبو شامة زيارته له في الإسكندرية في مطلع شبابه (٤). * * *

стр. 171

وفي بحران مرضه الذي كان يعانيه في عزلته يرى فيما يراه النائم ليلة الثلاثاء (٢١) ذي الحجة سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٧ م) الشيخ الواعظ سبط ابن الجوزي وقد توفي، غير أنه يراه في حالة منكرة، وفي الصباح يتحقق ما كان قد رآه في منامه، وتبلغه وفاته حقا بمنزله في جبل قاسيون، فيسأل الله العافية (١). وكما تجنب أبو شامة لقاء سبط ابن الجوزي في حياته، برغم ما يجمع بينهما من حب للتاريخ، وبرغم حضور مجالس وعظه في جامع دمشق، وإعجابه بها، يتخلف عن حضور جنازته، متعللا بمرضه، وقد حضرها خلق عظيم، في مقدمتهم السلطان الناصر يوسف، والأمراء والقضاة، والشيوخ، وأعيان دمشق (٢). وأنى يكون اللقاء بين من عاش حياته في جاه عريض عند الملوك، وتأتي الملوك وأرباب الدول إليه زائرين وقاصدين (٣)، وبين من ينأى بنفسه عن كل ذي جاه أو سلطان … ؟ * * * في العزلة يجد أبو شامة سكينة الروح في بيته مع زوجته ست العرب (٤)، وقد استراح مما كان يصطرع في نفسه، متفيئا فيه ظلال ودها وأنسها ولطفها، ومتمتعا بعذوبة حديثها، وسحر ذكائها، متمليا من محاسنها، ولربما اكتشف فيها وقد ضمهما بيت بعيدا عن المدرسة العادلية وصحبها - خلالا وصفات لم يكن يلحظها فيها، وفي سكينة هذه الحياة الزوجية يتنبه أبو شامة إلى أن عشرة من الأعوام قد تقضت منذ تزوجها، وها هي الآن في ربيع أنوثتها، وقد بلغت الرابعة والعشرين (٥)،

стр. 172

بينما هو يدنو من السادسة والخمسين، وتهب عليه نسائم الحب، فيتوهج جمر القلب في خريف العمر، ويكتب لها قصيدة طويلة (١) يعدد فيها صفات هذه الزوجة الودود في مملكتها الصغيرة بيتها، ويبوح لها فيها بحبه الكبير، ويتجرأ حقا فيثبتها في تاريخه، متحديا بذلك تقاليد عصره الذي كان فقهاؤه ومؤرخوه يخنقون مشاعرهم ولا يعلنونها في حياتهم العامة، بله الخاصة، ولا يسمحون لأحد أن يطل من خلال كتبهم على داخل بيوتهم، ولا أعرف أحدا من مؤرخينا أدخلنا بيته، ووصف لنا زوجته غير أبي شامة. فهي - كما وصفها - ولود، ودود، حرة، قرشية، لطيفة، نظيفة، شكور، عفيفة، غريرة، رحيمة، حلوة، قنوع، مدارية، رقيقة القلب، سريعة دمع العين، خدوم، خفيفة الروح، حنانة، ذكية، على فصاحة في لفظها، وجمال في نطقها، مقتصدة، تحفظ مال زوجها، دائبة العمل في بيتها، رغم وجود خادمة قد تكفيها، فما إن تنتهي من الكنس والطبخ والغسل ورعاية ابنها حتى تحيك في مغزلها، أو تطرز ثيابها، أو تخط لوحات بخطها الجميل، لا يتسلل الملل إليها، وقد أوتيت صبرا على أصعب الأشغال وأدقها. وهي غالبا ما تقضي نهارها صائمة، وليلها قائمة، وإذا ما طرق باب بيتها طارق، فإنها لا تجيبه، لأن كلام الأجنبي حرام عليها، وبقاؤها في بيتها أحب إليها من الخروج إلى الأسواق، ولا تصغي إلى كلام جاراتها اللواتي يغرينها بالخروج للفرجة، وإذا ما اضطرت فخرجت لحاجة عرضت لها، فإنها تخرج متسترة، لا تكشف حتى بنانها، تمشي غير متلفتة، ولا متكلمة في طريقها. وتعويذة لكمالها من عين الحسود يذكر أبو شامة أن ليس لها من عيب سوى أنها سريعة الغضب، ويرتفع صوتها حين تغضب، ويتساءل أبو شامة بلسان

стр. 173

المحب: هل يسقط هذا العيب مناقبها عند الحسود أم لا؟ بيد أنه وهو الزوج العاشق كان لا يرى لها مثيلا. تقل نظيرا في نساء زماننا … فلا تعذلوني في محبتها عذلا (١) (٢) * * *

стр. 174

ما قبل سقوط بغداد لم تطل فترة الصفاء بين الناصر يوسف والمعز عز الدين أيبك، فقد ساء المعز أن يسترجع الناصر يوسف منه البلاد الساحلية في الشام، وأن يقطعها للمماليك البحرية الفارين من مصر عقب مقتل الأمير فارس الدين أقطاي (١)، وبدأت تلوح بينهما نذر الحرب، فسارع الخليفة المستعصم بالله، وقد استولى التتار على قلاع الإسماعيلية (٢)، وقربوا من حدوده الشرقية إلى إرسال الشيخ نجم الدين البادرائي في أواخر سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٧ م) لتجديد الصلح بينهما (٣)، وقد تقرر فيه أن يكون للملك المعز ما كان للسلطان الصالح أيوب من الساحل ببلاد الشام مع ملك مصر، وألا يؤوي الناصر يوسف عنده أحدا من المماليك البحرية (٤). ويبدو أن هذا الشطر الثاني من الاتفاق كان سريا، إذ لم يشعر به المماليك البحرية إلا من خلال تغير الناصر يوسف عليهم، وذلك بالإعراض عنهم، وترك الإحسان إليهم، بل إن رواتبهم صارت تتأخر أشهرا كثيرة، وأحس الأمير ركن الدين بيبرس بهذا التغير، وهو يرى الهدايا المتبادلة بين الناصر يوسف والمعز أيبك،

стр. 175

وكان يبلغه ما كان يكتبه عنه المعز أيبك للناصر يوسف من المكاتبات الباطلة، فرأى ألا بد له من مغادرة دمشق، فاستأذن الناصر يوسف في الذهاب إلى نابلس، وكانت إقطاعه (١). * * * لم يكن الملك المعز أيبك في سعيه لتثبيت حكمه في مصر، ولإلقاء هيبته في القلوب يتورع حتى عن القتل، فقد قتل خلقا كثيرا، وشنق عالما من الناس بغير ذنب اقترفوه، ليوقع في القلوب مهابته (٢)، وبرغم أنه تخلص من غريمه القوي الأمير فارس الدين أقطاي، وشتت أتباعه في البلاد، وطاردهم، وعلى رأسهم الأمير ركن الدين بيبرس وقلاوون الألفي، غير أن متاعبه لم تنته، فقد كانت زوجته شجرة الدر، وقد ذاقت خمرة السلطة، مستبدة بأمور مصر، ولا تطلعه عليها (٣)، وأخفت عنه ذخائر السلطان الصالح أيوب، بل إنها منعته حتى من الاجتماع بزوجته الأولى أم ابنه علي، وألزمته بطلاقها (٤)، فتغير عليها، وراودته نفسه على قتلها (٥)، وربما كيدا لها، وخلاصا من سلطانها بعث إلى الملك المنصور بن المظفر صاحب حماة، وإلى الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يخطب ابنتيهما (٦). ولم تكن شجرة الدر وهي المرأة القوية المتسلطة، صاحبة الفضل على المعز فيما وصل إليه لترضى بذلك (٧)، فأخذت تدبر في مقتله (٨)، وأرسلت نصرا

стр. 176

العزيزي، وهو ممن يخلص لها الولاء، بهدية إلى الناصر يوسف، وتعلمه أنها قد عزمت على قتل المعز والتزوج به، وتمليكه مصر، غير أن الناصر يوسف خشي أن يكون في كلامها خديعة له، فلم يجبها (١). وقد علم صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ بما تدبره شجرة الدر للمعز، فأرسل إليه يحذره منها، ويعلمه أنها خامرت عليه الناصر يوسف، فازداد ما بينهما من جفاء (٢)، فترك القلعة، وأقام بمناظر اللوق أياما كي يتدبر أمره معها (٣)، وقد هداه تفكيره إلى إنزالها من القلعة إلى دار الوزارة كخطوة أولى لتجريدها من سلطانها (٤)، فبيت هذا العزم في نفسه، فلما بعثت إليه شجرة الدر يوم الثلاثاء (٢٤) ربيع الأول سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) تعزم عليه أن يعود للقلعة، تظاهر بالرضا، وطلع إلى القلعة في آخر النهار، وهو يتحين الفرصة لتنفيذ ما عزم عليه، غير أن شجرة الدر كانت أسرع منه، فقد أعدت له خمسة من أتباعها ليقتلوه، منهم محسن الجوجري، ونصر العزيزي، فما إن دخل الحمام ليلا حتى أغلق عليه الباب محسن الجوجري وغلام كان عنده شديد القوة، ومعهما جماعة، فأخذ بعضهم بأنثييه، وبعضهم بخناقه، فاستغاث المعز بشجرة الدر، فأدركها من الرحمة ما يدرك المرأة وهي ترى زوجها في غاية عجزه وضعفه، فقالت: اتركوه، فأغلظ لها محسن الجوجري في القول، ثم قال لها: متى تركناه لا يبقي علينا ولا عليك. ثم قتلوه (٥). وبعثت شجرة الدر في تلك الليلة أصبع المعز علامة على قتله وخاتمه إلى

стр. 177

الأمير عز الدين أيبك الحلبي، وقالت له: قم بالأمر، فخاف، ولم يرض (١). وإخفاء لمقتله أشيع أن المعز مات فجأة في الليل، وأقاموا الصائح في القلعة ينعاه، فلما سمع مماليكه بموته لم يصدقوا بذلك، وقد تركوه في آخر النهار صحيح البدن، معافى، وقام الأمير علم الدين سنجر الغتمي، وهو يومئذ كبير المماليك البحرية، ومعه مماليك المعز إلى الدور السلطانية، وقبضوا على الخدام والحريم، وعاقبوهم، فأقروا بما جرى، وعند ذلك قبضوا على محسن الجوجري، واستطاع نصر العزيزي الفرار نحو الشام (٢). ولما رأت شجرة الدر أنه قد أحيط بها، وعلمت أن خطتها قد انكشفت، عمدت في لحظة يأس وغيرة إلى ما عندها من الجواهر واللآلئ، وهو شيء كثير، فكسرته في الهاون (٣)، ولما تمكنوا من القبض عليها أراد مماليك العز قتلها، فحماها مماليك الصالح أيوب، ونقلت إلى البرج الأحمر بالقلعة (٤). واجتمع الأمراء يوم الخميس (٢٦) ربيع الأول سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) وأقاموا ابن المعز نور الدين علي سلطانا على مصر، ولقبوه بالملك المنصور، وعمره نحو خمس عشرة سنة، وأقيم الأمير سيف الدين قطز، مملوك المعز (٥) نائبا للسلطنة كما كان في زمن المعز، فصار مدبر دولة الملك المنصور نور الدين علي (٦). وحملت شجرة الدر يوم الجمعة (٢٧) ربيع الأول إلى ضرتها أم السلطان

стр. 178

علي، وقد كانت بينهما غيرة شديدة، فضربها الجواري بالقباقيب، إلى أن ماتت يوم السبت (٢٨) ربيع الأول سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م)، فألقوها من سور القلعة إلى الخندق، وليس عليها سوى سراويل وقميص، فبقيت في الخندق أياما حتى أنتنت، فحملت في قفة، ودفنت بتربتها قريب المشهد النفيسي (١). * * * ووصلت أخبار هذه الحوادث المؤلمة إلى دمشق في أوائل شهر ربيع الآخر سنة (٢) (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) عقيب وقوعها بأيام قليلة، كان أبو شامة في تلك الأيام يجلس بحلقته في جامع دمشق، وقد التف حوله بعض أصحابه يقرؤون عليه «كتاب الروضتين» (٣)، ولا ريب أن هذه الأخبار زادته كرها لهؤلاء المماليك الذين استبدوا بالملك، لا يرعون حرمة دم، ولا يحفظون مالا ولا عرضا، حقا أنهم افتتحوا عهدهم بالانتصار على الفرنج في المنصورة، ولكنهم لوثوا انتصارهم بما سفكوه من دماء في شوارع القاهرة، ألم يشنقوا الرجال ترسيخا لهيبتهم؟ ألم يعتدوا على نساء المسلمين وأولادهم؟ وإذا كانت مهمة السلطان في رأي أبي شامة في إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، فإن مهمة أعظم تنتظره، وهي النظر في مصالح العباد (٤)، إذ لا معنى للجهاد إذا كان معه تضييع حق العباد. وأكب أبو شامة في بيته على أوراقه يسجل فيها تلك الحوادث، ويبدو أن نصرا العزيزي، وقد فر إلى الشام، وهو أحد أركان المؤامرة، قد أشاع فيها، تبرئة لنفسه، أن المعز مات فجأة، وأن شجرة الدر بريئة من دمه، ويتلقف أبو شامة هذه الشائعة دون أن يتحقق منها، فيدون في تاريخه: «وفي أوائل شهر ربيع الآخر جاءنا

стр. 179

الخبر من ديار مصر بموت ملكها حينئذ عز الدين أيبك التركماني، أحد مماليك نجم الدين أيوب بن الكامل بن العادل بن أيوب، وهو الذي غلب عليها بعد قتل ابنه المعظم بن الصالح بن الكامل، ويلقب بالملك المعز، وكثر الظلم والقتل بتلك الديار من المماليك المعروفين بالبحرية في أموال المسلمين، ونسائهم وأولادهم إلى أن قتل رفيقه فارس الدين أقطاي. ثم مات هذا التركماني بداره بغتة، ولا يعلم سبب موته، وتعصب أصحابه لإقامة ابنه مقامه، ولقبوه بالملك المنصور نور الدين علي، وضرب الدرهم باسمه، واتهموا زوجة التركماني أنها قتلته، فأعدموها، وكانت جارية لسيدهم الملك الصالح أيوب بن الكامل، تكنى أم خليل، بابن له منها درج، وتلقب شجرة الدر، والله تعالى يصلح أمور المسلمين» (١). في نابلس كان الأمير ركن الدين بيبرس يرقب هذه الأحداث، ويرى أنه الأحق بملك مصر عقب مقتل المعز، أليس هو صاحب الانتصار في المنصورة؟ أليس هو من قتل السلطان تورانشاه ليفسح للمماليك أن يحكموا؟ أهكذا يبعد عن مصر، ويعيش مطاردا تتقاذفه البلاد، بينما يستولي عليها أحد مماليك المعز؟ ويرى الفرصة قد سنحت، فيترك نابلس في شوال سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) وينضم مع فرسانه السبع مئة إلى الملك المغيث صاحب الكرك، ويطمعه بالاستيلاء على مصر، والظروف مواتية، فيرسل المغيث عسكره مع ركن الدين بيبرس، فيسير إليها، غير أن هذا الجيش الصغير لن يستطيع مهما تبلغ شجاعة قائده أن يتغلب على جيش مصر القوي، وقد خرج إلى الصالحية بقيادة سيف الدين قطز لمنعه عنها، وتقع المعركة بينهما في يوم السبت (١٥) ذي القعدة سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) مسفرة عن هزيمة بيبرس وعسكر الكرك، ويعود سيف الدين قطز إلى القاهرة منصورا، بينما يقبع بيبرس في قلعة الكرك يتآكله الغيظ، متربصا فرصة أخرى (٢).

стр. 180

سقوط بغداد كان هولاكو في أثناء إقامته بهمذان عقب قضائه على الإسماعيلية قد أتم استعداداته كلها لغزو العراق، والاستيلاء على بغداد؛ حاضرة الخلافة الإسلامية، وبدأ جيشه الكبير في شوال سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) يزحف نحوها (١). وكان قلبه يستعر حنقا على الخليفة المستعصم بالله، فقد أرسل إليه، وهو يحاصر قلاع الإسماعيلية، طالبا نجدة منه، غير أن الخليفة تجاهل طلبه، واستمع إلى نصيحة أمرائه: الدويدار الصغير وسليمان شاه، وهما يحذرانه منه، قائلين له: إن هولاكو رجل صاحب احتيال وخديعة، وليس محتاجا إلى نجدتنا، وإنما غرضه إخلاء بغداد من رجالها حتى يتملكها بسهولة (٢). وأبدى هولاكو - بعد استيلائه على قلاع الإسماعيلية - بعض غضبه، وهو يعاتب الخليفة على إهماله تسيير النجدة إليه، وشاور الخليفة من حوله فيما يفعله، فأشار عليه الوزير مؤيد الدين بن العلقمي بإرضاء هولاكو ببذل الأموال والهدايا والتحف له ولخواصه (٣)، وباشر الخليفة على الفور في تهيئة هذه الهدايا، غير أن

стр. 181

الدويدار الصغير وأصحابه عارضوا الوزير في إشارته - وكان بينهما عداوة ـ وقالوا للخليفة: إن الوزير إنما يريد مصانعة هولاكو بما يبعثه إليه من الأموال، تدبيرا لنفسه، وهو يروم تسليمنا له، فلا تمكنه من ذلك. فأبطل الخليفة ما كان قد عزم عليه، واقتصر على إرسال شيء نزر من الهدايا (١). فازداد هولاكو غضبا على غضب من هذه الهدية المحتقرة، وأرسل إلى الخليفة أن يبعث إليه بواحد من هؤلاء الثلاثة: إما الوزير، وإما الدويدار الصغير، وإما سلمان شاه (٢). ولم يقدر الخليفة خطورة الموقف، فلم يبعث إليه بأي واحد منهم (٣)، ظنا منه أن هولاكو لن يقدم على محاربته، فهيبة الخلافة، وحرمتها في العالم الإسلامي تصده عن ذلك، ولئن غامر وهاجمه إن جيوش أمراء المسلمين في بلاد الشام ومصر ستهب للدفاع عنه، بل إن أسوار بغداد ستحميه، ولن ينازعه هولاكو في بغداد إن ترك له العراق كله، قائلا: بغداد تكفيني، حتى عامة المسلمين كانوا مطمئنين إلى أن الخلافة عصية على الهزيمة، وهي التي قصمت أعداءها على مر القرون (٤). * * * كان جيش هولاكو في زحفه يقترب من العراق، وقد أمر هولاكو سونجاق نوين أن يسير بقطعة من الجيش إلى إربل، ويجتمع ببايجو نوين القادم من بلاد الروم (٥)، ويقصدان بغداد من غربي دجلة (٦)، أما هو فتابع سيره نحوها من طريق حلوان من

стр. 182

الشرق (١)، وقد استصحب معه آلات الحصار وغيرها، وأجفل أهل السواد بين يديه إلى بغداد، ملتجئين إليها، حتى امتلأت بهم شوارعها، وضاقت على سعتها، فقعدوا في الطرقات والدكاكين، وغلت الأقوات، ووقع الناس في الخوف الشديد، والويل العظيم (٢). ولما وجد الخليفة أن هولاكو قد قرب من بغداد بادر إلى الأمير الدويدار الصغير - وكان مقدما على عشرة آلاف فارس - يأمره بالخروج من بغداد بالعساكر ليتصدى له، فخرج (٣)، ونزل قريبا من بعقوبا (٤)، وأمر مرشدا الخصي أن يخرج في باقي العسكر إلى خانقين، غير أن الأمراء امتنعوا من المسير تحت لوائه، وربما كان امتناعهم تعبيرا عن استيائهم مما وصلت إليه حالتهم من سوء، إذ كان الخليفة قد أهمل حال الجند ومنعهم أرزاقهم، وأسقط أكثرهم من دساتير ديوان العرض، وآلت أحوالهم إلى سؤال الناس، وبذل ماء وجوههم في الأسواق والجوامع (٥). لما بلغ الدويدار الصغير وصول سونجاق نوين وبايجو نوين إلى غربي دجلة، عبر دجلة، ونزل حيال حربى (٦)، وأرسل طليعة أحد أمرائه، وهو أيبك الحلبي ليتحسس له أخبار التتار، فوقع عليه التتار، فأخذوه أسيرا، وحملوه إلى هولاكو، فأمنه هولاكو، وطيب قلبه، فانحاز إليهم إبقاء على حياته، وصار يسير أمام جيش التتار

стр. 183

يعرفهم الطريق، ويكتب كتبا إلى بعض أصدقائه يخذلهم عن قتال التتار، قائلا لهم: ارحموا أرواحكم، واطلبوا الأمان، لأن لا طاقة لكم بهذه الجيوش الكثيفة (١). ولكن جيش الخليفة على الرغم مما لحقه من إهمال كان يفيض إيمانا بنصر الخليفة، واحتقارا لهولاكو، فيجيبونه قائلين: من يكون هولاكو؟ وما قدرته ببيت عباس؟ من الله ملكهم، ولا يفلح من يعاندهم، ولو أراد هولاكو الصلح لما داس أرض الخليفة، ولما أفسد فيها، والآن إن كان هولاكو يختار المصالحة فليعد إلى همذان، ونحن نتوسل بالدويدار ليخضع لأمير المؤمنين متخشعا في هذا الأمر، لعله يعفو عن هفوة هولاكو (٢). * * * بيد أن التتار، وبحركة مفاجئة، توجهوا نحو الأنبار، فتبعهم الدويدار الصغير، ولما تجاوز قنطرة باب البصرة بفرسخ واحد لقي عسكر سونجاق نوين في انتظاره، فاصطدموا بقتال شديد يوم الأربعاء في التاسع من محرم سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، فتظاهر عسكر التتار بالهزيمة خديعة له، فتبعهم الدويدار، وقتل منهم عدة، وحمل رؤوسهم إلى بغداد، وما زال يتبعهم سحابة ذلك النهار، وقد أشار عليه أحد أمرائه بأن يثبت مكانه، ولا يتبعهم، فلم يصغ إليه، فأدركه الليل، وقد تجاوز نهر بشير قرب دجيل، فبات هناك مع عسكره وهم يعتقدون أن معركتهم مع التتار قد حسمت، وأنهم قد انتصروا على عدوهم، بل إن بعضهم تسلل عائدا إلى بغداد (٣). فلما أصبحوا حمل عليهم بايجو نوين حملة شديدة، فانهزموا بين يديه، وكان بايجو قد بثق في الليل بثقا على نهر بشير، ففاض، وملأ الصحراء، وساحت منه

стр. 184

مياه دجلة، وأغرقت الطرق والمسالك، فعجزت خيول المنهزمين عن سلوكه، ووحلت فيه، فلم يخلص منه إلا من كانت فرسه شديدة، وألقى معظم العسكر نفسه في دجلة، فهلك منهم الكثير، ودخل بغداد من نجا منهم مع الدويدار على أقبح صورة (١). وتبعهم بايجو نوين وعسكره يقتلون فيهم، وغنموا كل ما معهم، ونزلوا بالجانب الغربي من بغداد، وقد خلا من أهله، وشرعوا في الرمي بالنشاب إلى الجانب الشرقي، حيث دار الخلافة (٢). وارتاع الخليفة لتحطم جيشه بهذه السرعة أشد ارتياع، ولم يبق أمامه للدفاع عن بغداد إلا إغلاق أبوابها، فأغلقت (٣). وكانت سهام التتار تصل إليه، وهو في داره، وذات ليلة، وبينما كانت إحدى جواريه ترقص بين يديه تسلية له، وتخفيفا من جزعه، اخترق سهم بعض شبابيك الدار، فقتلها، فازداد الخليفة غما على غم، وكان التتار قد كتبوا على السهم سخرية به، وتثبيطا له: إذا أراد الله أن ينفذ قضاءه سلب ذوي العقول عقولهم (٤). وزيادة في الاحتراز والتحصن داخل دار الخلافة أمر الخليفة بعمل ستائر من أنواع الخشب كي تحول بين شبابيك الدار ورماة التتار (٥). * * * ووصل هولاكو إلى الجانب الشرقي من بغداد يوم السبت (١٢) محرم سنة (٦).

стр. 185

(٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، فوجد أبواب بغداد قد أغلقت، فعرف أن أهلها قد ضعفوا عن لقائه، ولم يبق إلا الحصار، فأمر بحفر خندق عميق، وبناء سور يحيط بجهاتها كلها، فبني في يوم وليلة، وعملت له أبواب، ورتب هولاكو عليه أمراء التتار، وشرعوا في عمل ستائر المجانيق، ونصبوها بإزاء سور بغداد، ورتبوا العرادات وآلات النفط (١)، وكان أهل بغداد يشاهدون من السور ما يقوم به التتار، وقد نصبوا عليه مجانيقهم كذلك، غير أنها لم تكن ذات جدوى (٢). ثم إن هولاكو أمر بعقد جسر جنوبي بغداد، قرب قرية العقاب، لتضييق الخناق عليها، وليمنع من ينحدر منها إلى واسط، ولم يعلم به أهل بغداد، فكانت سفنهم تصل إليه، فيؤخذ من بها ويقتل، وقد قتل عنده خلق كثير (٣). ولما أحكم التتار حصارهم حول بغداد، جدوا في القتال ورمي السور، وابتدؤوا الرمي على برج العجمي (٤)، وكان عن يمين سور الحلبة (٥)، وهو أقوى الأبراج (٦)، وأمر هولاكو أن يكتب على السهام بالعربية تخذيلا للمقاتلين: كل من ليس يقاتل فهو آمن على نفسه وحريمه وأمواله، وكانوا يرمونها إلى المدينة (٧). كانت أحجار المجانيق تدك أسوار بغداد، والسهام تفتك بأهلها، والخليفة في داره قابع، يعاين العجز في نفسه، والخذلان في أصحابه، ولاح له أنه لا بد من إرسال رسول إلى هولاكو يسترضيه بالهدايا، اتباعا لنصيحة وزيره القديمة، غير أن من حوله من الأمراء كالدويدار الصغير وسليمان شاه، ثنوه عن ذلك، إذ كانوا

стр. 186

ما يزالون يعتقدون أنهم بالمناورة قد يرفعون الحصار عن بغداد، فحاولوا أن يظهروا رباطة جأش وبغداد تضرب وقالوا للخليفة: إن سيرت إلى هولاكو الكثير من الهدايا، فإنه سيفسر ذلك بأننا هلعنا وجزعنا كثيرا (١). فأرسل الخليفة صاحب دوانه وابن درنوش إلى هولاكو بهدايا نزرة، فسألهم هولاكو: لم لم يأت الدويدار وسليمان شاه؟ فكتب إليه الخليفة بأنه سيسير إليه وزيره ابن العلقمي، وهو أحد الثلاثة الذين كان قد طلبهم (٢). وخرج الوزير ابن العلقمي من بغداد يوم الاثنين (١٤) محرم سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) في جماعة من مماليكه وأتباعه، وكان أتباعه ينهون الناس عن الرمي بالنشاب، ويقولون: سوف يقع الصلح إن شاء الله، فلا تحاربوا. أما عسكر التتار فكانوا يبالغون في الرمي، ويمطرون برج العجمي بحجارة المجانيق (٣). وبقي الوزير ابن العلقمي في معسكر هولاكو نحو ثلاثة أيام (٤)، يتوثق لنفسه منه، متحالفا معه، استجلابا لمصلحته، وقد رأى بغداد آيلة للسقوط، وانتقاما من أعدائه: الدويدار الصغير وسليمان شاه، بل انتقاما من الخليفة نفسه، ورجع إلى بغداد يوم الخميس (١٧) محرم، وكأنه رسول من هولاكو، قائلا عن لسانه: إن هولاكو قد طلب أحد الثلاثة حين كان مقيما بنواحي همذان، أما الآن، وهو على أسوار بغداد، فلن يقنع بواحد منهم (٥). فكان لا بد من خروج الدويدار وسليمان شاه إليه، وحاول الدويدار الهروب من بغداد، غير أن الحصار المحكم حولها حال دون هروبه (٦)، ويبدو أن الوزير
следующие страницы →