← Тараджим

Тараджим · id 30091

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق

Полный текст (476 стр.). Показаны 181–220 · переход к 186.

стр. 181

الدويدار الصغير وأصحابه عارضوا الوزير في إشارته - وكان بينهما عداوة ـ وقالوا للخليفة: إن الوزير إنما يريد مصانعة هولاكو بما يبعثه إليه من الأموال، تدبيرا لنفسه، وهو يروم تسليمنا له، فلا تمكنه من ذلك. فأبطل الخليفة ما كان قد عزم عليه، واقتصر على إرسال شيء نزر من الهدايا (١). فازداد هولاكو غضبا على غضب من هذه الهدية المحتقرة، وأرسل إلى الخليفة أن يبعث إليه بواحد من هؤلاء الثلاثة: إما الوزير، وإما الدويدار الصغير، وإما سلمان شاه (٢). ولم يقدر الخليفة خطورة الموقف، فلم يبعث إليه بأي واحد منهم (٣)، ظنا منه أن هولاكو لن يقدم على محاربته، فهيبة الخلافة، وحرمتها في العالم الإسلامي تصده عن ذلك، ولئن غامر وهاجمه إن جيوش أمراء المسلمين في بلاد الشام ومصر ستهب للدفاع عنه، بل إن أسوار بغداد ستحميه، ولن ينازعه هولاكو في بغداد إن ترك له العراق كله، قائلا: بغداد تكفيني، حتى عامة المسلمين كانوا مطمئنين إلى أن الخلافة عصية على الهزيمة، وهي التي قصمت أعداءها على مر القرون (٤). * * * كان جيش هولاكو في زحفه يقترب من العراق، وقد أمر هولاكو سونجاق نوين أن يسير بقطعة من الجيش إلى إربل، ويجتمع ببايجو نوين القادم من بلاد الروم (٥)، ويقصدان بغداد من غربي دجلة (٦)، أما هو فتابع سيره نحوها من طريق حلوان من

стр. 182

الشرق (١)، وقد استصحب معه آلات الحصار وغيرها، وأجفل أهل السواد بين يديه إلى بغداد، ملتجئين إليها، حتى امتلأت بهم شوارعها، وضاقت على سعتها، فقعدوا في الطرقات والدكاكين، وغلت الأقوات، ووقع الناس في الخوف الشديد، والويل العظيم (٢). ولما وجد الخليفة أن هولاكو قد قرب من بغداد بادر إلى الأمير الدويدار الصغير - وكان مقدما على عشرة آلاف فارس - يأمره بالخروج من بغداد بالعساكر ليتصدى له، فخرج (٣)، ونزل قريبا من بعقوبا (٤)، وأمر مرشدا الخصي أن يخرج في باقي العسكر إلى خانقين، غير أن الأمراء امتنعوا من المسير تحت لوائه، وربما كان امتناعهم تعبيرا عن استيائهم مما وصلت إليه حالتهم من سوء، إذ كان الخليفة قد أهمل حال الجند ومنعهم أرزاقهم، وأسقط أكثرهم من دساتير ديوان العرض، وآلت أحوالهم إلى سؤال الناس، وبذل ماء وجوههم في الأسواق والجوامع (٥). لما بلغ الدويدار الصغير وصول سونجاق نوين وبايجو نوين إلى غربي دجلة، عبر دجلة، ونزل حيال حربى (٦)، وأرسل طليعة أحد أمرائه، وهو أيبك الحلبي ليتحسس له أخبار التتار، فوقع عليه التتار، فأخذوه أسيرا، وحملوه إلى هولاكو، فأمنه هولاكو، وطيب قلبه، فانحاز إليهم إبقاء على حياته، وصار يسير أمام جيش التتار

стр. 183

يعرفهم الطريق، ويكتب كتبا إلى بعض أصدقائه يخذلهم عن قتال التتار، قائلا لهم: ارحموا أرواحكم، واطلبوا الأمان، لأن لا طاقة لكم بهذه الجيوش الكثيفة (١). ولكن جيش الخليفة على الرغم مما لحقه من إهمال كان يفيض إيمانا بنصر الخليفة، واحتقارا لهولاكو، فيجيبونه قائلين: من يكون هولاكو؟ وما قدرته ببيت عباس؟ من الله ملكهم، ولا يفلح من يعاندهم، ولو أراد هولاكو الصلح لما داس أرض الخليفة، ولما أفسد فيها، والآن إن كان هولاكو يختار المصالحة فليعد إلى همذان، ونحن نتوسل بالدويدار ليخضع لأمير المؤمنين متخشعا في هذا الأمر، لعله يعفو عن هفوة هولاكو (٢). * * * بيد أن التتار، وبحركة مفاجئة، توجهوا نحو الأنبار، فتبعهم الدويدار الصغير، ولما تجاوز قنطرة باب البصرة بفرسخ واحد لقي عسكر سونجاق نوين في انتظاره، فاصطدموا بقتال شديد يوم الأربعاء في التاسع من محرم سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، فتظاهر عسكر التتار بالهزيمة خديعة له، فتبعهم الدويدار، وقتل منهم عدة، وحمل رؤوسهم إلى بغداد، وما زال يتبعهم سحابة ذلك النهار، وقد أشار عليه أحد أمرائه بأن يثبت مكانه، ولا يتبعهم، فلم يصغ إليه، فأدركه الليل، وقد تجاوز نهر بشير قرب دجيل، فبات هناك مع عسكره وهم يعتقدون أن معركتهم مع التتار قد حسمت، وأنهم قد انتصروا على عدوهم، بل إن بعضهم تسلل عائدا إلى بغداد (٣). فلما أصبحوا حمل عليهم بايجو نوين حملة شديدة، فانهزموا بين يديه، وكان بايجو قد بثق في الليل بثقا على نهر بشير، ففاض، وملأ الصحراء، وساحت منه

стр. 184

مياه دجلة، وأغرقت الطرق والمسالك، فعجزت خيول المنهزمين عن سلوكه، ووحلت فيه، فلم يخلص منه إلا من كانت فرسه شديدة، وألقى معظم العسكر نفسه في دجلة، فهلك منهم الكثير، ودخل بغداد من نجا منهم مع الدويدار على أقبح صورة (١). وتبعهم بايجو نوين وعسكره يقتلون فيهم، وغنموا كل ما معهم، ونزلوا بالجانب الغربي من بغداد، وقد خلا من أهله، وشرعوا في الرمي بالنشاب إلى الجانب الشرقي، حيث دار الخلافة (٢). وارتاع الخليفة لتحطم جيشه بهذه السرعة أشد ارتياع، ولم يبق أمامه للدفاع عن بغداد إلا إغلاق أبوابها، فأغلقت (٣). وكانت سهام التتار تصل إليه، وهو في داره، وذات ليلة، وبينما كانت إحدى جواريه ترقص بين يديه تسلية له، وتخفيفا من جزعه، اخترق سهم بعض شبابيك الدار، فقتلها، فازداد الخليفة غما على غم، وكان التتار قد كتبوا على السهم سخرية به، وتثبيطا له: إذا أراد الله أن ينفذ قضاءه سلب ذوي العقول عقولهم (٤). وزيادة في الاحتراز والتحصن داخل دار الخلافة أمر الخليفة بعمل ستائر من أنواع الخشب كي تحول بين شبابيك الدار ورماة التتار (٥). * * * ووصل هولاكو إلى الجانب الشرقي من بغداد يوم السبت (١٢) محرم سنة (٦).

стр. 185

(٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، فوجد أبواب بغداد قد أغلقت، فعرف أن أهلها قد ضعفوا عن لقائه، ولم يبق إلا الحصار، فأمر بحفر خندق عميق، وبناء سور يحيط بجهاتها كلها، فبني في يوم وليلة، وعملت له أبواب، ورتب هولاكو عليه أمراء التتار، وشرعوا في عمل ستائر المجانيق، ونصبوها بإزاء سور بغداد، ورتبوا العرادات وآلات النفط (١)، وكان أهل بغداد يشاهدون من السور ما يقوم به التتار، وقد نصبوا عليه مجانيقهم كذلك، غير أنها لم تكن ذات جدوى (٢). ثم إن هولاكو أمر بعقد جسر جنوبي بغداد، قرب قرية العقاب، لتضييق الخناق عليها، وليمنع من ينحدر منها إلى واسط، ولم يعلم به أهل بغداد، فكانت سفنهم تصل إليه، فيؤخذ من بها ويقتل، وقد قتل عنده خلق كثير (٣). ولما أحكم التتار حصارهم حول بغداد، جدوا في القتال ورمي السور، وابتدؤوا الرمي على برج العجمي (٤)، وكان عن يمين سور الحلبة (٥)، وهو أقوى الأبراج (٦)، وأمر هولاكو أن يكتب على السهام بالعربية تخذيلا للمقاتلين: كل من ليس يقاتل فهو آمن على نفسه وحريمه وأمواله، وكانوا يرمونها إلى المدينة (٧). كانت أحجار المجانيق تدك أسوار بغداد، والسهام تفتك بأهلها، والخليفة في داره قابع، يعاين العجز في نفسه، والخذلان في أصحابه، ولاح له أنه لا بد من إرسال رسول إلى هولاكو يسترضيه بالهدايا، اتباعا لنصيحة وزيره القديمة، غير أن من حوله من الأمراء كالدويدار الصغير وسليمان شاه، ثنوه عن ذلك، إذ كانوا

стр. 186

ما يزالون يعتقدون أنهم بالمناورة قد يرفعون الحصار عن بغداد، فحاولوا أن يظهروا رباطة جأش وبغداد تضرب وقالوا للخليفة: إن سيرت إلى هولاكو الكثير من الهدايا، فإنه سيفسر ذلك بأننا هلعنا وجزعنا كثيرا (١). فأرسل الخليفة صاحب دوانه وابن درنوش إلى هولاكو بهدايا نزرة، فسألهم هولاكو: لم لم يأت الدويدار وسليمان شاه؟ فكتب إليه الخليفة بأنه سيسير إليه وزيره ابن العلقمي، وهو أحد الثلاثة الذين كان قد طلبهم (٢). وخرج الوزير ابن العلقمي من بغداد يوم الاثنين (١٤) محرم سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) في جماعة من مماليكه وأتباعه، وكان أتباعه ينهون الناس عن الرمي بالنشاب، ويقولون: سوف يقع الصلح إن شاء الله، فلا تحاربوا. أما عسكر التتار فكانوا يبالغون في الرمي، ويمطرون برج العجمي بحجارة المجانيق (٣). وبقي الوزير ابن العلقمي في معسكر هولاكو نحو ثلاثة أيام (٤)، يتوثق لنفسه منه، متحالفا معه، استجلابا لمصلحته، وقد رأى بغداد آيلة للسقوط، وانتقاما من أعدائه: الدويدار الصغير وسليمان شاه، بل انتقاما من الخليفة نفسه، ورجع إلى بغداد يوم الخميس (١٧) محرم، وكأنه رسول من هولاكو، قائلا عن لسانه: إن هولاكو قد طلب أحد الثلاثة حين كان مقيما بنواحي همذان، أما الآن، وهو على أسوار بغداد، فلن يقنع بواحد منهم (٥). فكان لا بد من خروج الدويدار وسليمان شاه إليه، وحاول الدويدار الهروب من بغداد، غير أن الحصار المحكم حولها حال دون هروبه (٦)، ويبدو أن الوزير

стр. 187

ابن العلقمي - وقد غدا مقربا من هولاكو - قد تولى المفاوضات بين هولاكو والخليفة، وكانت الغاية التي يتغياها هولاكو من هذه المفاوضات هي إخراج الخليفة من بغداد. فكان ابن العلقمي يرجع في كل مرة من عند هولاكو باقتراح جديد يقرب من هذه الغاية. فقد أصر هولاكو بادئ ذي بدء على خروج الدويدار الصغير وسليمان شاه إليه، أما الخليفة فهو مخير في ذلك، إن اختار الخروج فليخرج، وإلا فليلزم مكانه (١). ثم إن ابن العلقمي راح يغري الخليفة بالخروج، مطمئنا له على لسان هولاكو بأنه سيبقيه في الخلافة كما فعل بسلطان الروم، وتقربا منه، فإنه يريد أن يزوج ابنته من ابن الخليفة أبي بكر (٢). وفي مرة ثالثة قدم ابن العلقمي على الخليفة بمشروع مصالحة بينه وبين هولاكو، على أن يكون نصف الخراج من أرض العراق للتتار، ونصفه للخليفة، غير أن هذا المشروع لن يتم ما لم يمثل الخليفة بين يدي هولاكو (٣). وبقي الخليفة برغم ما يأتيه من عروض براقة متوجسا حذرا من هذا الخروج، مطمئنا إلى أن أسوار بغداد سوف تحميه. فواصل التتار رمي الحجارة عليها بالمجانيق، حتى تمكنوا أخيرا من هدم برج العجمي، وانفتح منه ثغرة صعدوا منها إلى السور في يوم الاثنين (٢١) محرم سنة (٤) (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، واشتد القتال على السور نحو سبعة أيام حتى تمكن التتار من الاستيلاء عليه من جهاته كلها في يوم السبت (٢٦) محرم، وعلا التتار

стр. 188

السور (١)، وتطاللوا على بغداد، فإذا هي أمامهم مستسلمة، عاجزة عن الدفاع عن نفسها، فأمسكوا عن الرمي (٢). وسارع أهل بغداد إلى إرسال شرف الدين المراغي وشهاب الدين الزنكاني، وهما من أعيان بغداد، ليطلبا الأمان لهم من هولاكو (٣). وأسقط في يد الخليفة، ووجد ألا مفر له من الخروج إلى هولاكو، فخرج إليه يوم الاثنين (٢٨) محرم (٤) في موكب كبير في نحو سبع مئة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية، ورؤوس الأمراء والأعيان، فلما صاروا خارج السور، واقتربوا من منزل هولاكو، حجب الركب عن الخليفة إلا سبعة عشر رجلا منهم، وأنزل الباقون عن مراكبهم، فنهبت، ثم قتلوا عن آخرهم (٥). وأفرد التتار للخليفة خيمة اعتقلوه فيها (٦). ثم أحضر الخليفة إلى منزل هولاكو، وقد راعه في طريقه إليه ما رآه في معسكره من مظاهر السطوة والجبروت، ولما مثل بين يديه، وسأله هولاكو عما بدر منه، اضطرب الخليفة، وتلعثم لسانه (٧)، ثم أعيد إلى خيمته تحت حراسة مشددة. وتتابع الأمراء على الخروج إلى هولاكو، فخرج الدويدار الصغير وسليمان شاه في يوم الخميس الفاتح من صفر سنة (٨) (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م).

стр. 189

ثم خرج في اليوم التالي ابن الخليفة الأكبر أبو العباس أحمد (١). ولما تحقق هولاكو من أن بغداد قد ألقت قيادها إليه، واستسلمت له، دخلها في يوم الأحد (٤) صفر سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) دخول المنتصر، ومعه أمراؤه، ليشاهد دار الخلافة، وكان في صحبته نصير الدين الطوسي، وتابعه الجديد الوزير ابن العلقمي، وقد جاب هولاكو أرجاء القصر، وربما أبدى دهشته لما شاهده فيها من جمال وترف، ثم أمر بإحضار الخليفة إليه، فأحضر محاطا بجند التتار، فمثل بين يدي هولاكو، وبذل الأسير وخضوعه راح الخليفة يخرج له تحف دار الخلافة وكنوزها من الأموال والجواهر والحلي والزركش والثياب، وأواني الذهب والفضة والأعلاق النفيسة التي تراكمت فيها عبر القرون، وبغطرسة المنتصر راح هولاكو يفرقها على أمرائه، ثم أمر الخليفة أن يفرز جميع النساء اللاتي باشرهن هو وبنوه، ويعزلهن عن غيرهن من حريم القصر، فكن سبع مئة امرأة، فأخرجهن، ومعهن (٢) ثلاثة مئة خادم وخصي. وكان الليل قد خيم بوحشته على بغداد، فرجع هولاكو إلى معسكره، وأمر أن يعتقل الخليفة بباب كلواذى (٣). وما إن أطل صباح يوم الاثنين (٥) صفر حتى نادى منادي هولاكو في معسكره يأمر جنوده باستباحة بغداد، ووضع السيف في أهلها (٤). وانقض عليها التتار تقتيلا وتخريبا، وبدؤوا أول ما بدؤوا بأعمام الخليفة وأنسابه في دار الخلافة، فكانوا يطلبونهم واحدا بعد الآخر، فيخرج الرجل منهم بأولاده ونسائه وجواريه، فيحمل إلى مقبرة الخلال التي تجاه المنظرة، فيذبح بها

стр. 190

كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارونه من بناته وجواريه، حتى قتلوهم عن آخرهم (١). أما الفقهاء وأعيان بغداد ومدرسوها، فكان الوزير ابن العلقمي يستدعيهم، فيخرجون إليه طمعا في أمانه، فكان إذا اجتمع لديه طائفة منهم يرسلهم إلى التتار، فيقتلونهم (٢)، حتى إذا فرغوا منهم مالوا على البلد يقتلون كل من قدروا عليه من الرجال والنساء، والولدان والمشايخ، والكهول والشبان، وقد اختبأ بعض الناس في الآبار والمطامير والقنى والمغاوير، وبعضهم كان يغلق عليه أبواب الخانات، فيفتحها التتار بالكسر أو بالنار، فيدخلونها فيهرب منهم الناس إلى الأسطحة، فيقتلونهم هناك، حتى جرت الميازيب بالدماء في الأزقة، وسالت غزيرة في المساجد والجوامع والربط (٣)، وخربت المكتبات، وأتلفت الكتب (٤). وظفر الوزير ابن العلقمي لتعاونه مع التتار بأن كان داره أحد الدور الآمنة في هذا الخراب الواسع، فمن دخله كان آمنا (٥)! .. ورحل هولاكو عن بغداد يوم الأربعاء (١٤) صفر سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) عائدا إلى معسكره في همذان، تاركا جنوده يستبيحونها، وفي أول مرحلة من مراحل الطريق أمر بقتل الخليفة في ذلك اليوم (٦)، ولم يهرق دمه على عادتهم في قتل

стр. 191

أشرافهم (١)، بل جعل في غرارة، ورفس حتى مات، ودفن، وعفي أثره، وكان له من العمر ست وأربعون سنة وأربعة أشهر (٢). ثم قتل ولداه أبو العباس أحمد، وأبو الفضل عبد الرحمن (٣). ثم قتل الدويدار الصغير وابنه، وسليمان شاه، وأمر هولاكو بحمل رؤوسهم إلى الموصل، فحملت وعلقت على أبوابها، ترهيبا لصاحبها، وتخويفا لأهلها (٤) ولم يزل التتار في قتل ونهب وأسر، وتعذيب الناس بأنواع العذاب، لاستخراج الأموال منهم، حتى لم يبق من أهل بغداد ومن التجأ إليها من أهل السواد إلا القليل (٥). فلما نودي بالأمان - بعد أربعين يوما - خرج من كان مختبئا تحت الأرض بالمطامير والقنى والمغاوير كأنهم موتى نبشوا من قبورهم، قد تغيرت ألوانهم، واستولى الذهول على عقولهم لما شاهدوه من الأهوال التي لا يعبر عنها بلسان (٦)، حتى إن بعضهم أنكر بعضا، فلم يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه (٧) وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كلها مدينة موحشة خرابا، ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وبرد وجوع وذلة (٨). وقد تراكم القتلى في الدروب والأسواق كالتلول (٩)، والدم في الأزقة متخثر

стр. 192

كأكباد الإبل (١)، وقد هطلت الأمطار عليهم، ووطئتهم خيول التتار، فتغيرت صورهم (٢)، وأنتنت البلد من رائحتهم، وكثر الذباب، وتغير الهواء، ووقع الوباء فيمن نجا من القتل، واجتمع على الأحياء منهم الغلاء والفناء والطعن والطاعون (٣)

стр. 193

ما بعد سقوط بغداد كان سقوط بغداد صدمة مروعة هزت وجدان كل مسلم، وأذهلته، وتلجلجت أقلام بعض المؤرخين في التأريخ لها، ولاذ أبو شامة بالصمت الحزين في معتزله، وهو يرى آثار هذه الكارثة قد سرت في هواء بلاد الشام وباء، راح يحصد أرواح الناس، فيتساقطون موتى في طرقاتها (١)، ولم يطاوعه قلمه إلا في نقل ما قاله أحد الناجين من هذه المذبحة الرهيبة في رسالة بعث بها إلى دمشق: والأمر أعظم مما بلغكم من الأخبار (٢). وكأن أبا شامة يريد بهذه الجملة أن يطلق العنان للخيال في تصوير ما جرى بعيدا عن ضيق الكلمات وأسرها، عازيا ما حدث إلى مكيدة دبرها وزير بغداد ابن العلقمي (٣). وتحت وطأة الألم من هذه الفاجعة فزع أبو شامة إلى الشعر، عله يخفف في البوح به بعض ما يعانيه من قهر، وقد استباح التتار مدينة الخلافة، زهرة المدائن، فسقطت تحت سنابك خيولهم وبريق سيوفهم وصرخاتهم الوحشية، وحيدة مخذولة، لم تجد لها ناصرا ومعينا، ولن تنتهي مأساة المسلمين في بغداد، فطوفان التتار المدمر يجرف في طريقه المدن والناس، فقال:

стр. 194

لم يعن أهلها وللكفر أعوا … ن عليهم يا ضيعة الإسلام وانقضت دولة الخلافة فيها … صار مستعصم بغير اعتصام رب سلم وصن وعاف بقايا الـ … مدن يا ذا الجلال والإكرام فحنانا على الحجاز ومصر … وسلاما على بلاد الشام (١) وأكاد أتخيل أبا شامة، وهو يردد في مناجاة حزينة: وسلاما على بلاد الشام، فهل ستكون بلاد الشام بنجوة من هذا الطوفان المدمر؟ وهل سيحل في ربوعها السلام كما يتمنى قلب أبي شامة المشفق الحزين؟ كان الناصر يوسف غارقا في بحر اطمئنانه إلى التتار، وكأنه لا يريد أن يبصر ما حوله، وقد قرب منه التتار هذا القرب وهم يحاصرون بغداد، وكأن الأمان الذي ناله منهم تعويذة تدفع شرورهم عنه، فما إن وصل إليه صاحب ميافارقين الكامل محمد بن غازي بن العادل يطلب منه نجدة ليمنع التتار من الدخول إلى الشام حتى استخف برأيه، ولم يصغ إلى كلامه، بل سوفه وماطله (٢). وما كان يحاذر منه الكامل محمد قد وقع، فما إن عاد إلى ميافارقين، وقد سقطت بغداد، حتى أدركته عساكر التتار، وفي مقدمتها يشموت بن هولاكو، وأحاطت بمدينته، وفي يوم وليلة بنوا حول المدينة سورا عاليا، وحفروا خندقا عميقا، ثم نصبوا عليها المنجنيقات، وشرعوا في القتال، وتصدى لهم الكامل محمد، وقاتل مع عسكره قتالا شديدا، فلما رأى التتار أن المدينة حصينة، ولن يمكنهم أخذها بالقتال، ضربوا حولها الحصار، ومنعوا الناس من الدخول إليها والخروج منها (٣).

стр. 195

وحين بلغ الناصر يوسف سقوط بغداد، وقتل الخليفة المستعصم، بدأ الخوف يتسرب إلى نفسه (١)، وزايله اطمئنانه، وهو يسمع خبر مسارعة صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ إلى همذان ليقدم إلى هولاكو فروض الطاعة والولاء (٢). وبينما هو في ذهوله وحيرته بدأت تقرع أسماعه كتب هولاكو، يقدم بها إليه رسله، يخبرونه فيها بلغة ظافرة متغطرسة سقوط بغداد وقتل الخليفة، وتدعوه بلغة مهددة متوعدة للمسارعة في المثول بين يديه، وقد قال له في بعضها: فقد أيقظناكم حين راسلناكم، فسارعوا إلينا برد الجواب بتة، قبل أن يأتيكم العذاب بغتة، وأنتم تعلمون (٣). وقال في أخرى: أجب ملك البسيطة، ولا تقولن: لا، وساعة وقوفك على كتابنا نجعل قلاع الشام سماءها أرضا، وطولها عرضا، والسلام (٤). ومع كل رسالة كان الخوف والهلع يدب في قلب الناصر يوسف، فيهرع إلى أمرائه يستشيرهم فيما يفعل، وقد استبدت به الحيرة، فيشير عليه أمراؤه أن يمكث في الشام، ولا يسير إلى هولاكو (٥)، وهي مشورة صادفت هوى في قلب الناصر يوسف، فجهز ولده الملك العزيز، وصحبته الأموال الكثيرة والهدايا والتحف، وسير معه طبيبه الأثير زين الدين الحافظي (٦). ولما وصل العزيز بن الناصر إلى هولاكو بهمذان، وقدم ما معه من الهدايا، سأله هولاكو: لم لا جاء الملك الناصر إلينا؟ فاعتذر العزيز عن أبيه بأن بلاده في وسط بلاد الفرنج، فما يمكنه أن يتركها ويحضر. وتظاهر هولاكو بقبول هذا العذر

стр. 196

الواهي (١)، وهو لا شك يعلم بأن الناصر يوسف لم يرفع يوما سيفا في وجه الفرنج، بل هو في هدنة معهم (٢). وانتهز زين الدين الحافظي خلوة مع هولاكو، فراح يغريه بالمسير إلى دمشق، قائلا له: بغداد أخذتها، والشام بلا ملك، ومتى قصدته أخذته، وأنا المساعد فيه، فإن أكثر من بدمشق أهلي وأقاربي (٣). وكان الناصر يوسف لكي يطمئن إلى أمانه مع التتار، ويطمئنوا إليه، قد طلب من ابنه العزيز أن يطلب من هولاكو نجدة ليستعيد مصر من حكم المماليك. ويبدو أن هولاكو قد تظاهر كذلك بقبول هذا الطلب، ربما تخديرا للناصر يوسف، وقد تحقق من عدم ولائه له لامتناعه من القدوم إليه، ولضعف سيطرته على الشام، فأصدر أمرا بتجهيز هذه النجدة بنحو عشرين ألف فارس (٤). وأشاع الناصر يوسف خبر هذه النجدة القادمة (٥). لربما ألقت أخبار هذه النجدة الخوف على مصر في قلوب من بقي في الشام من المماليك البحرية، وبخاصة أن رسائل أمراء مصر الناقمين على قطز، واستبداده بالأمر كانت تصل إليهم تترى تحثهم على القدوم إلى مصر، وتسلمها، وكذلك كانت رسائل هؤلاء الأمراء تصل إلى الأمير ركن الدين بيبرس، القابع في الكرك يتحين الفرصة السانحة للعودة إلى مصر (٦).

стр. 197

كان خوف المماليك البحرية من أن تصل حقا نجدة هولاكو، ويستولي الناصر يوسف على مصر مع التتار، وتضيع من أيديهم هذه الفرصة المواتية الآن التي طالما انتظروها طويلا. ففارقوا الناصر يوسف، وتوجهوا نحو الكرك لتحريض صاحبها المغيث عمر على أخذ مصر (١). ولم يكن المغيث ينتظر مثل هذا التحريض، فطموحه بالملك كان أعظم من أن تتسع له الكرك، فما إن انضم إليه هؤلاء المماليك البحرية حتى جمع عسكره واحتشد، وسار بهم إلى مصر ومعه الأمير ركن الدين بيبرس (٢)، فلما بلغ قطر مسيرهم تجهز وخرج من قلعة القاهرة بالعساكر، وحين وصل إلى الصالحية تسلل من جيشه إلى الملك المغيث من كاتبه من الأمراء، وصاروا إليه (٣)، ولقيهم قطز وقاتلهم، وأسفرت المعركة عن هزيمة منكرة للمغيث والمماليك البحرية، فاشتدوا فارين نحو الكرك، واستولى عسكر مصر على أثقالهم، وأسروا جماعة كثيرة منهم، وقتل قطز كل من كاتب المغيث من عسكر مصر، واستولى على أمواله وخيوله وأثقاله (٤). ما كاد الناصر يوسف يتخفف من عبء المماليك البحرية، ويفرح لهزيمتهم مع صاحب الكرك على حدود مصر، حتى ثار عليه الأكراد الشهرزورية، ناقمين عليه تحالفه مع التتار. وكان هؤلاء الشهرزورية قد قدموا عليه سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م) بنسائهم وأولادهم جافلين من هولاكو، فأحسن إليهم، وأعطاهم الأموال والإقطاعات كي يتقوى بهم كما أشار عليه الأمراء القيمرية (٥)، وقد بلغه الآن عنهم أنهم مالوا

стр. 198

لصاحب الكرك الملك المغيث، فخشي الناصر يوسف أن تقوى بهم شوكة الملك المغيث، فيخرج عن طاعته، فزاد في إحسانه إليهم، فلم يزدهم ذلك إلا عصيانا، فأشار عليه الأمراء القيمرية أن يزيد في نفقاتهم، ويسيرها مع الأمير بدر الدين القيمري، لعله يستعطف قلوبهم، فيقيموا على الولاء له، فأرسل إليهم الناصر يوسف النفقات والتشاريف مع الأمير بدر الدين القيمري، وسير معه شمس الدين ابن قاضي إربل، وفوجئ الناصر يوسف بعد عدة أيام بعودة شمس الدين يخبره بعصيان بدر الدين القيمري عليه، وبرحيله مع الشهرزورية إلى الملك المغيث (١)، معلنا أن سبب عصيانه تحالف الناصر يوسف وأمرائه مع التتار، وجبنه عن قتالهم (٢). وما إن انضم الشهرزورية إلى الملك المغيث حتى وجدها فرصة سانحة لتحقيق طموحه في الاستيلاء على دمشق بعد أن أوصدت في وجهه أبواب مصر، فكاتب جماعة من أمراء الناصر يوسف ليضمن ولاءهم له، وبلغ ذلك الناصر يوسف، فخاف خوفا شديدا، واضطرب وتحير، وتوهم من جميع الأمراء القيمرية وغيرهم، كبيرهم وصغيرهم، وظن أنهم اتفقوا على نزع مملكة دمشق منه، وتسليمها للمغيث، وما فعل بدر الدين القيمري ما فعل إلا بمشورتهم واتفاق منهم (٣). ولتبديد أوهامه هذه أشار على الناصر يوسف بعض غلمانه أن يحضر الأمراء الأكابر، ويستحلفهم أولا، ثم يستحلف بقية الأمراء، ومن امتنع من اليمين يحتاط عليه، ويأخذ موجوده ويعتقله، وبذلك يتبين من تحالف ضده من الأمراء ممن بقي منهم على ولائه له (٤). ورأى الناصر يوسف ألا سبيل أمامه غير هذا السبيل، فتغلب على خوفه واضطرابه، واستجمع شجاعته، وأحضر الأمراء الأكابر،

стр. 199

واستحلفهم، وطيب قلوبهم، وامتنع جماعة من الأمراء العزيزية؛ مماليك والده، وشكوا إليه قلة رواتبهم، فأزال شكواهم، وأنعم عليهم، فطابت نفوسهم، وحلفوا جميعا، وحينئذ زايل الناصر يوسف ما كان بقلبه من الخوف والقلق (١). ولما تهيأ للملك المغيث أمره، خرج بعساكره، ومعه المماليك البحرية والشهرزورية من قلعة الكرك على عزم قصد دمشق، فأشار الأمراء الأكابر على الناصر يوسف بأن يخرج بالعساكر ويلقاه (٢). في تلك الأثناء جاء الناصر كتاب من قطز - وكان قد بلغته أخبار نجدة هولاكو له - يتودد له فيه ويترقق، ويقسم بالأيمان ألا ينازعه في ملك مصر ولا يقاومه، وأنه نائب عنه فيها، ومتى قدم عليه تنازل له عنها، ومما قال في كتابه: «وإن اخترتني خدمتك، وإن اخترت قدمت ومن معي من العساكر نجدة لك على القادم عليك، فإن كنت لا تأمن حضوري سيرت إليك العساكر صحبة من تختاره … ». فلما قدم على الناصر يوسف كتاب قطز اطمأن من جهة مصر، وتقوى (٣)، وخرج بعساكره من دمشق في أوائل سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) وسار حتى وصل إلى أريحا، وكان على عقبتها المماليك البحرية وعساكر صاحب الكرك، فالتقاهم عسكر الناصر يوسف، وتقاتلوا، فانهزم عسكر المغيث، وكان الناصر يوسف يريد أن يبقي المغيث حليفا له، فأرسل إليه سرا الأمير جمال الدين بن يغمور، ينصح له بأن يطلع إلى قلعته كيلا يحال بينه وبينها، فمضى المغيث إليها (٤). وسار الناصر يوسف إلى القدس الشريف، فدخلها يوم الجمعة، وصلى بالحرم في المسجد الأقصى صلاة الجمعة، وأقام أياما قليلة على القدس، ثم سار بعساكره،

стр. 200

ونزل على بركة زيزي، وهي قريبة من الكرك، فأقام فيها نحو ستة أشهر، والرسل تتردد بينه وبين الملك المغيث في تسليم المماليك البحرية وإبعاد الشهرزورية (١). ورأى الأمير ركن الدين بيبرس مصلحته في الانحياز لجانب الناصر يوسف، فأرسل إليه ليحلف له كي يحضر إلى خدمته، ورأى الناصر يوسف أن في ذلك إضعافا للمغيث، فحلف له، فحضر إليه بيبرس، وأقبل عليه الناصر يوسف، وأحسن إليه، وأعاده إلى إقطاعه بنابلس (٢). وتم الصلح أخيرا بين الناصر يوسف والمغيث في أوائل رجب سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) وقد نزل المغيث على حكم الناصر، فسلمه المماليك البحرية، فسيرهم الناصر يوسف تحت الحوطة إلى دمشق، ثم فرقهم على الحصون، واعتقلهم بها (٣). أما الشهرزورية فتوجهوا إلى الأعمال الساحلية (٤)، وعاد الناصر يوسف إلى مستقر ملكه بدمشق، فرحا بما أنجزه (٥). كان أبو شامة يرقب هذه الأحداث، وهو في معتزله، مشفقا مما يجري، عاكفا على تاريخه يدون فيه أخبار من توفي بدمشق من معارفه، لا يفرق بين عالم وتاجر، وتقي وزنديق، وعاقل وموله، وممن يتوفى في تلك الفترة، في (١٧) صفر سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) الشيخ شمس الدين أبو الفتح الأنصاري، شيخ الإقراء في التربة الصالحية، وبوفاته تشغر مشيخة الإقراء فيها، لأن شرط واقفها أن يكون شيخها أعلم أهل البلد بالقراءات. لقد كان أبو الفتح ذات يوم قبل نحو أربعة عشر عاما

стр. 201

منافسا لأبي شامة على مشيخة الإقراء فيها، على ما بينهما من فارق في السن والعلم، وكان أبو شامة أحق بها منه، تنفيذا لشرط واقفها، غير أنه أزيح عنها بخديعة، تحالف فيها ضده نائب دمشق وقتئذ معين الدين بن شيخ الشيوخ، والقاضي صدر الدين ابن سني الدولة (١)، ولم يبق من آثار هذه الخديعة في نفس أبي شامة الآن إلا غصة، أحس بها وهو يدون في تاريخه خبر وفاة أبي الفتح، فهو لا يعترف به شيخا للقراء، بل ولا يذكره في عداد تلاميذ شيخه علم الدين السخاوي، إنه الشمس أبو الفتح الذي كان يقرئ بالتربة الصالحية (٢). بهذا التجاهل كان أبو شامة يعبر عن استيائه مما حدث له في سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م). فهل كان يعتقد أن أبا الفتح قد شارك في تلك الخديعة؟ أما الآن فلم تعد تعنيه مشيخة الإقراء، ولا التربة الصالحية، ولا غيرها من الترب والمدارس، إنه يعيش الآن في عزلة وانفراد، غير مؤثر للتردد إلى أبواب أهل الدنيا، متجنبا المزاحمة على المناصب، لا يؤثر على العافية والكفاية شيئا (٣)، ولا يعنيه من سيتولى مشيخة القراء بعد أبي الفتح، وإن كان شيخا دونه في الإقراء مثل عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس المالكي الزواوي (٤). وكان أكثر الناس شعورا بما يعانيه أبو شامة من جحود أخوه إبراهيم، وهو يرى طلاب الأمس وقد غدوا شيوخا كبارا بينما أخوه أبو شامة على علمه الجم وتفننه معتزل في بيته أو بستانه، لا يدري به أحد، فيرى ذات ليلة فيما يراه النائم أخاه

стр. 202

أبا شامة وكأنه متمسك بحبل قد دلي من السماء، وهو مرتفع فيه، فيسأل إبراهيم في منامه رجلا أن يعبره له، فينكشف لهما البيت المقدس والمسجد الأقصى، فيسأل ذلك الرجل إبراهيم: من بنى هذا المسجد؟ فيجيبه إبراهيم: سليمان بن داود ﵉ (١)، فيقول الرجل: قد أعطي أخوك مثل ما أعطي سليمان. فيقول له إبراهيم: كيف ذلك؟ فيقول الرجل: أليس سليمان قد أوتي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؟ أليس أعطي كذا وكذا؟ وعدد الرجل أنواع ما أوتي، وفي ذلك كله يقول إبراهيم: بلى. قال الرجل: وكذا أخوك، أوتي أنواعا من العلم كثيرة. ويغدو إبراهيم على أخيه أبي شامة يقص عليه رؤياه التي رآها، فيسر بها أبو شامة، ويسجلها في أوراقه (٢). كان أبو شامة في عزلته هذه في غاية الرضا والسكينة، وتعبيرا عن هذا الرضا ينظم في أواخر جمادى الآخرة سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) بيتين يقول فيهما: الثوب واللقمة والعافية … لقانع من عيشه كافية وما يزد فالنفس لست به … وإن تكن مملكة راضية (٣) حسبه من دنياه هذا الثوب واللقمة والعافية، وحسبه أنه ساكن النفس في بيته مع ابنته الكبرى فاطمة، وابنه أحمد أبي الهدى ذي السنوات الأربع، وزوجه المخلصة الودود ست العرب، وها هي حامل في شهرها الثاني (٤).

стр. 203

هولاكو في طريقه إلى الشام مع وصول الملك العزيز بن الناصر يوسف إلى دمشق في منتصف شعبان سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) عائدا من سفارته إلى هولاكو أخذت الأمور تنحو منحى سيئا بالنسبة للناصر يوسف، فقد أسر إليه ابنه بأن زين الدين الحافظي كان يتقرب إلى هولاكو، ويتردد إليه بمفرده، ويتحدث معه سرا (١)، غير أن الناصر يوسف لم يلتفت إلى قول ابنه، فما كان ليشك في ولاء زين الدين الحافظي له. بيد أن ما ساءه حقا، وجعله يتأرجح ما بين الأمل واليأس، تلك الرسالة التي أرسلها هولاكو مع ابنه العزيز يطلب فيها من جديد مثوله بين يديه، قائلا بلهجة لا تخلو من التهديد نحن للملك الناصر طلبنا لا لولده، فالآن إن كان قلبه صحيحا معنا يجيء إلينا، وإلا فنحن نمشي إليه (٢). ووقع الناصر يوسف فريسة للقلق والحيرة من جديد، أيسير إلى هولاكو، وخوفه وفزعه يمنعه؟ أم يبقى في البلاد، وهو غير مطمئن إلى قعوده (٣)؟ وبينما كان يكتوي بنار حيرته عاجله هولاكو برسالة جديدة، ارتفعت فيها لهجة

стр. 204

التهديد، فبعد أن يذكره فيها باستيلائه على بغداد، وقتل الخليفة إرعابا له، يقول: وإذا وقفت على كتابي هذا فسارع برجالك وأموالك وفرسانك إلى طاعة سلطان الأرض شاهنشاه تأمن من شره، وتنل خيره، كما قال تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ (١) ولا تعوقن رسلنا عندك كما عوقت رسلنا من قبل، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقد بلغنا أن تجار الشام وغيرهم انهزموا بأموالهم وحريمهم إلى كروان سراي (٢)، فإن كانوا في الجبال نسفناها، وإن كانوا في الأرض خسفناها (٣). وبرغم ما في هذه الرسائل من طبول للحرب تقرع غير أن الناصر يوسف تصامم عنها، معللا النفس بأمان قد ناله من التتار، ولن يخفر التتار أمانهم. ويبدو أن هولاكو قد تعمد إبقاء العزيز عنده نحو سنة (٤)، وهي فترة طويلة تكفي كي يتم استعداداته لغزو بلاد الشام، وعلل الناصر يوسف بنجدته له كي يستنيم إلى رضاه عنه، ولا يبدي استعدادا لمقاومته. ومن ثم فوجئ الناصر يوسف حقا بما لم يعد نفسه له، إذ بدأت الأخبار تترامى إليه بتحرك هولاكو بجيشه من همذان في رمضان سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) قاصدا بلاد الشام (٥). وفزع الناصر يوسف إلى مصر يستنجدها، مرسلا وزيره كمال الدين ابن

стр. 205

العديم، المؤرخ المشهور، فلما قدم ابن العديم القاهرة، عقد مجلس بالقلعة عند الملك المنصور علي، وحضره قاضي القضاة بدر الدين حسن السنجاري، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وسئلا عن أخذ أموال العامة، ونفقتها على العساكر، فقال الشيخ عز الدين: إذا لم يبق في بيت المال شيء، وأنفقتم الحوائص الذهب ونحوها من الزينة، وساويتم العامة في الملابس سوى آلات الحرب، ولم يبق للجندي إلا فرسه التي يركبها ساغ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء، إلا أنه إذا دهم العدو وجب على الناس كافة دفعه بأموالهم وأنفسهم … وانفض المجلس. فوجد الأمير قطز سبيلا إلى القول، وأخذ ينكر على الملك المنصور علي صغره ولهوه، ويقول: لا بد من سلطان قاهر يقاتل هذا العدو، والملك المنصور صبي لا يعرف تدبير المملكة. فلما كان يوم السبت في (٢٤) ذي القعدة سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) والملك المنصور علي جالس على سرير الملك، وابن العديم حاضر بين يديه، قبض قطز على الملك المنصور، واعتقله في برج الجبل، وجلس على سرير الملك (١)، والتفت إلى ابن العديم قائلا له: سأنجد الناصر يوسف على التتار، ولن أقعد عن نصرته. وانهمك في الاستعداد للجهاد (٢). ظل الناصر يوسف - مع اقتراب جيش هولاكو من بلاد الشام - متعلقا برمق الأمل الأخير، مقنعا نفسه بأن التتار لن يخفروا ذمته، وأن هولاكو لن يهاجمه،

стр. 206

حتى إذا وصل هولاكو إلى حران - وكانت تابعة للملك الناصر يوسف - فنزل عليها، وحاصرها، تبدد الوهم الذي كان الناصر يوسف يتعلق بحباله، وتحقق أخيرا أن هولاكو قاصده (١). فجمع أكابر الدولة والمشايخ، واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا عليه بأن يخرج بعساكره إلى ظاهر دمشق استعدادا لقتاله، فخرجت العساكر في أواخر سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) إلى برزة، وخيموا بها، مصممين على لقاء هولاكو وقتاله، غير أن نجم الدين أمير حاجب، والأمير زين الدين الحافظي راحا يخذلان الناس، فحين كان يجتمع الأمراء ويتحدثون بلقاء التتار وقتالهم، ينبري لهم أمير حاجب قائلا: كل من يقول إنه يلتقي هولاكو يتحدث وما يعرف ما يقول، ومن الذي يلتقي هولاكو، ومعه مئتا ألف فارس؟ ويعضد زين الدين الحافظي قوله، ويذكر عساكر التتار وكثرتهم، وممارستهم للحروب، ويصف عظمة هولاكو وسطوته، وجبروته، وشدة بأسه، واستيلاءه على الممالك، وقتله الملوك، وما في قلوب الناس من الخوف والرعب منه، ويهول على الملك الناصر يوسف أمورهم، ويعظم شأنهم، ويفخم مملكتهم، ويصغر شأن الناصر يوسف ومن عنده من العساكر، وما زال هذا دأبه في كل مجلس حتى تسرب الخوف إلى قلب الناصر، وهو الجبان، فضعفت نفسه، ونفوس أمرائه عن لقاء هولاكو وقتاله (٢). وذات يوم، وبينما كان زين الدين الحافظي يعظم شأن هولاكو كعادته، ويشير بأن الأفضل ألا يقاتل، وأن يدارى بالدخول في طاعته، صاح به الأمير ركن الدين بيبرس، وضربه وسبه، وقال: أنتم سبب هلاك المسلمين. وفارقه إلى خيمته، فمضى زين الدين الحافظي إلى الملك الناصر يوسف يشكو إليه ما كان من الأمير بيبرس (٣).

стр. 207

وكان الناصر يوسف في معسكره في برزة يتشاغل فيما لا يفيد، ويقضي أوقاته في نظم شعر أو سماع قصيدة (١)، وكان أحيانا يركب من المعسكر، ويمضي إلى بستان أخيه الظاهر بن العزيز يبيت فيه ويستريح! فلما رأى مماليك الناصر يوسف الأتراك أن الناصر قد فترت همته عن قتال التتار، وأن أمراء الأكراد القيمرية قد وافقوه على ذلك، اتفقوا فيما بينهم على أن يهجموا على الناصر يوسف، وهو في البستان، فيقتلوه، ويقتلوا الأمراء الأكراد، ويملكوا عليهم غيره من الأمراء الأتراك، وقالوا: إن أمراء الأكراد قد قرروا في نفس السلطان ونفوسهم أنهم لن يلتقوا هولاكو ولن يقاتلوه، فإن تركوهم وما قرروا راحت البلاد، واستولى عليها التتار. فرصدوا الملك الناصر يوسف إلى أن مضى إلى البستان على عادته، وهجموا على البستان في أول الليل، فأحس بهم الناصر يوسف، فانهزم مع أخيه الظاهر، متسورين حائط البستان، وأغذا السير راجلين حتى دخلا قلعة دمشق، وفشلت خطة اغتياله. فلما أصبح الصباح بلغ الخبر الأمراء القيمرية، فدخلوا قلعة دمشق، ومعهم جماعة من الأمراء الأكابر، وأشاروا على الناصر يوسف أن يكتم ما جرى، ويخرج إلى معسكره في برزة. فوافقهم، وخرج معهم إلى المخيم (٢). وخاف الأمير ركن الدين بيبرس أن يتهم بما وقع، ففارق الناصر يوسف، ووصل إلى إقطاعه بنابلس، واتفق خروج مماليك الناصر يوسف الذين عزموا على اغتياله هاربين ومعهم جماعة من العسكر، فوصلوا إلى غزة، فمضى بيبرس إلى الساحل، وأقام بين الشهرزورية أعداء الناصر (٣).

стр. 208

وكان قطز قد أرسل عساكر إلى الناصر يوسف نجدة له كما وعده، فعزم الشهرزورية نكاية بالناصر على قتالهم، فأعلم الأمير ركن الدين بيبرس قائد العسكر المصري الأمير جمال الدين النجيبي بما يبيت لهم الشهرزورية، متخذا بذلك يدا عند قطز، فرجع العسكر المصري، وترك بيبرس الشهرزورية، وأقام بغزة، وأرسل الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري إلى قطر ليستوثق له منه، ويستحلفه (١)، فكتب إليه قطز أن يقدم عليه، ووعده الوعود الجميلة، ففارق بيبرس غزة، ووصل في جماعة إلى مصر بعد طول غياب عنها، فالتقاه قطز، وأنزله بدار الوزارة، وأقبل عليه، وأقطعه قليوب وأعمالها (٢).

стр. 209

سقوط حلب وفرار الناصر يوسف من دمشق بعد أيام من محاصرة هولاكو حران استولى على قلعتها، واستولى على ما كان بيد الناصر يوسف من بلاد الشرق، وعزم على قطع الفرات، والنزول على حلب (١). وبلغت تلك الأخبار الناصر يوسف، فاشتد جزعه، وخاف خوفا عظيما (٢)، واتفق رأي أمرائه على أن يسيروا نساءهم وأولادهم وأموالهم إلى الديار المصرية، فوافقهم الناصر يوسف على ذلك، وكان تسارع الأحداث وخطورتها قد سلبته القدرة على التفكير، فأسلم قياده إلى أمرائه، معللا ذلك بأنهم المشايخ وقد حنكتهم التجارب، فلا يفعلون له ولا لنفوسهم إلا ما فيه المصلحة (٣). فسير الناصر يوسف زوجته وأولاده وأمواله إلى مصر (٤)، وخرج معهم نساء الأمراء وأولادهم وذخائرهم وأموالهم، وسير كل واحد منهم جماعة من أجناده صحبة حرمه، وأخذ الجند نسوانهم أيضا وأموالهم (٥)، وخرجت معهم جموع من

стр. 210

الناس (١)، فتفرقت العساكر، وبقي الناصر في طائفة من الأمراء (٢)، وقد قل العسكر، فانخرقت الحرمة، وزاد الطمع فيه (٣). وبعد استيلاء هولاكو على حران، سار إلى سروج، فقتل أهلها عن آخرهم (٤)، وتقدم، فنصب جسرا على الفرات قريبا من ملطية، ونصب جسرا ثانيا عند قلعة الروم، ونصب جسرا ثالثا عند قرقيسيا، وعبرت عساكر التتار جميعها، وارتكبوا عند منبج مذبحة رهيبة، وتفرقت عساكرهم على المدن والقلاع، وتوجه هولاكو نحو حلب (٥). ووردت الأخبار إلى دمشق بأن التتار قد قطعوا الفرات، وأغاروا على قرى حلب، فدب الخوف والهلع في قلوب الناس، وهرب كثير منهم هائمين على وجوههم في البراري والجبال والحصون، وبعضهم سار إلى مصر، وكان الوقت شتاء، والبرد قارسا، فمات كثير منهم في الطريق، ونهب آخرون (٦). ولم يثبت في دمشق إلا من قوى الله قلبه وإيمانه، وكان أبو شامة واحدا من هؤلاء (٧)، وكانت زوجته ست العرب قد أشهرت في تلك الأيام العصيبة، فولدت في (١٨) محرم سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، ولدا ذكرا، فسماه أبو شامة إسماعيل على اسم والده، وكناه أبا العرب، ووافق يوم مولده رابع كانون الثاني في شدة البرد (٨).

стр. 211

ووصل هولاكو بعساكره إلى حلب، وأرسل إلى الملك المعظم تورانشاه بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان نائب الناصر يوسف في حلب، يقول له: إنكم تضعفون عن لقائنا، ونحن قصدنا الملك الناصر والعساكر، فاجعلوا لنا عندكم بحلب شحنة، وبالقلعة شحنة، ونحن نتوجه إلى العسكر، فإن كانت الكسرة في عسكر الإسلام كانت البلاد لنا، وتكونون أنتم قد حقنتم دماء المسلمين، وإن كانت الكسرة علينا كنتم مخيرين في الشحنتين، إن شئتم طردتموهما، وإن شئتم قتلتموهما. فلم يجب الملك المعظم إلى ذلك، وقال لهم: ليس لكم عندنا إلا السيف. فلما ورد هذا الجواب غضب هولاكو، وأحاط التتار بحلب في (٢) صفر سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، وهجموا في غد ذلك اليوم (١)، واشتد القتال عليها، وقد استضعفوا من سورها موضعا عند باب العراق (٢)، فضربوه بالمنجنيقات حتى استولوا عليها في يوم الأحد (٩) صفر سنة (٣) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، وأخذوا أهلها بالسيف، وقتلوا خلقا كثيرا، وأسروا النساء والذرية، ونهبوا الأموال، واستباحوا فيها دماء الناس حتى امتلأت الطرقات من القتلى، وصارت عساكر التتار زيادة في التشنيع تمشي على جيف القتلى، وامتنعت قلعة حلب، فنازلها هولاكو حتى استولى عليها في (١٠) صفر، وخربها، وخرب جميع سور البلد، وجوامعها ومساجدها، وبساتينها، حتى سكنتها الوحشة (٤)، ودام القتل والنهب في حلب حتى يوم الجمعة (١٤) صفر، فأمر هولاكو برفع السيف، ونودي بالأمان (٥)، وقد قتل فيها أكثر مما قتل ببغداد (٦).

стр. 212

ووصل الخبر إلى دمشق بأخذ قلعة حلب، وكان الناصر يوسف يظن أنها لا تؤخذ في عشر سنين لمناعتها (١)، فحينئذ تمزق أهل دمشق كل ممزق، واضطربوا، وزهدوا في أمتعتهم، وباعوها بأبخس الأثمان، وخرجوا من دمشق هائمين على وجوههم (٢). واشتد الحال على الناصر يوسف، وخاف خوفا شديدا، وضاقت حيلته، فاستشار أمراءه، فأشاروا عليه بأن يرحل نحو غزة، ويكاتب المظفر قطز يستصرخه، ويسأله أن يخرج بعساكر مصر لتجتمع كلمتهم، ويتفقوا على لقاء هولاكو وقتاله، واستنقاذ البلاد منه (٣) فرحل الناصر يوسف عن برزة بعد صلاة الجمعة منتصف صفر سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) بمن بقي معه قاصدا غزة، وترك دمشق خالية ممن يدافع عنها من العسكر، فاختبطت، ولم يثبت بها الناس، فخرجوا بخروج الناصر يوسف، ووقعت فيهم الجفلات، حتى كأن القيامة قد قامت، ومن بقي من أهل دمشق علا أسوارها، وأطلق لسانه بشتم الناصر يوسف وأمرائه، والدعاء عليهم، قائلين: تركتمونا طعما للتتار، لا كتب الله لكم السلامة (٤) وكانت أصواتهم تتلاشى كلما ابتعد الناصر يوسف عن دمشق. ويعكف أبو شامة على تاريخه يسجل فيه هذا الحدث الجلل، مسدلا الستار على تاريخ الأيوبيين في الشام، بقوله: «وفي منتصف صفر ورد الخبر إلى دمشق باستيلاء التتار على بلاد حلب بالسيف، فهرب صاحبها من دمشق بأمرائه، الموافقين له على سوء تدبيره، وزال ملكه عن تلك البلاد» (٥).

стр. 213

وأسلمت دمشق للتتار في موكب الناصر يوسف المتجه نحو مصر كان زين الدين الحافظي يتحين الفرصة للخروج منه، حتى إذا حانت انسل راجعا إلى دمشق، وغلق أبوابها، فسير الناصر يوسف في طلبه ليجتمع به، فامتنع من الخروج إليه، وجمع أكابر دمشق، واتفق معهم على تسليمها لنواب هولاكو، حقنا لدماء أهلها (١). وكان التتار قد تسلموا حماة وحمص بالأمان (٢)، وها هم الآن نواب هولاكو في طريقهم إلى دمشق، وقد رسم لهم ألا يخرجوا عن إشارة زين الدين الحافظي، وأوصاهم بأن يحسنوا إلى أهل دمشق، ولا يتعرضوا إلى أحد من أهلها فيما قيمته درهم واحد (٣). وقد وصل رسل هولاكو إلى دمشق ليلة الاثنين (١٧) صفر سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) بعد فرار الناصر يوسف منها بيومين، وفي جامع دمشق بعد صلاة ظهر يوم الاثنين قرئ فرمان هولاكو، وفيه أمان لأهل دمشق وما حولها (٤).

стр. 214

لم تشعر دمشق بوطأة التتار عليها إلا بعد نحو شهر، حين أتى إليها في (١٧) ربيع الأول سنة (١) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) كتبغا نائب هولاكو، وبيدرا (٢)، ومعهما الأمراء والمقدمون، فلقيهم زين الدين الحافظي وكبراء البلد بأحسن ملقى (٣)، وقد جدد لدمشق عهد الأمان، وقرئ الفرمان المتضمن له في الميدان الأخضر (٤). ووصلت عساكرهم - وكانوا في نحو عشرة آلاف فارس (٥) - من جهة الغوطة، مارين من وراء الضياع إلى جهة الكسوة، وأهلكوا في ممرهم جماعة من أهل قرية حزرما وغيرها، كانوا قد تجمعوا لقتالهم (٦). وبادر زين الدين الحافظي إلى جمع الأموال من أهل دمشق، واشترى بها ثيابا قدمها لكتبغا وسائر الأمراء والمقدمين، وواصل حمل الضيافات إليهم كل يوم، إلى أن خرج كتبغا وبيدرا بعد أيام إلى مرج برغوث بداريا (٧)، حيث عسكرا هناك (٨). وكان هولاكو قد كتب من حلب في (١٥) ربيع الأول سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) منشورا لنائب قاضي القضاة كمال الدين عمر بن بندار التفليسي يفوض إليه فيه قضاء القضاة بمدائن الشام والموصل وماردين وميافارقين، والأكراد وغيرها، ووصل هذا المنشور إلى دمشق في (٢٦) ربيع الأول، فقرئ بالميدان الأخضر، وقد تضمن كذلك تفويضه في جميع الأوقاف، وبخاصة وقف جامع دمشق (٩).

стр. 215

ولا ريب أن هذا التفويض قد أزعج قاضي القضاة صدر الدين ابن سني الدولة، وأثار حسده على نائبه كمال الدين الذي منحت له هذه السلطات الواسعة، ولم يرض أن يهمل هذا الإهمال المزري في هذا العهد الجديد، وهو العريق في منصب القضاء منذ خمس عشرة سنة (١)، فتأهب للسفر إلى حلب، ليقابل سيده الجديد هولاكو (٢)، عساه أن يعيده إلى منصبه، متناسيا ولاءه للملك الناصر يوسف الذي طالما قربه منه، وأثنى عليه (٣). وممن كان يتشوف لمنصب القضاء كذلك القاضي محيي الدين يحيى بن محيي الدين محمد بن علي ابن الزكي، فهو منذ عزل عن القضاء في تاسع جمادى الأولى سنة (٤) (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م) ليليه القاضي صدر الدين، وهو يتحرق للعودة إليه، وها هي الفرصة تسنح له أخيرا، فليهتبلها، وهو الأولى به من غيره، فهو من بيت ولي القضاء كابرا عن كابر، فجده كان قاضي السلطان نور الدين محمود بن زنكي (٥)، وأبوه كان قاضي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب (٦)، وأخوه الظاهر كان قاضي السلطان العادل بن أيوب (٧)، وأي بأس أن يكون هو قاضيا لهولاكو؟ فمن أحق منه بمنصب القضاء؟ وشرع يتأهب للسير نحو حلب ليقابل هولاكو، سيد البلاد الجديد، عساه أن يظفر بهذا المنصب الرفيع. وعلى باب هولاكو يلتقي القاضيان (٨)، كل منهما يتمسح بأعتابه، ليستأثر بهذا

стр. 216

المنصب لنفسه، ولم يعيرا التفاتا إلى حلب، تلك المدينة الثكلى المدمرة، بل راحا يتنافسان في كيل المديح والإطراء له (١)، علهما يظفران برضاه. وينداح جيش التتار، معينا الفساد في بلاد حوران والصلت والبلقاء والكرك (٢). وكان الناصر - بعد هروبه من دمشق - يقيم بنابلس مع من بقي من عسكره، ينتظر فيها نجدة مظفر الدين قطز صاحب مصر، ظانا أنها لن تتأخر عنه (٣)، ويبدو أنه راسل والي قلعة دمشق بدر الدين قراجا، ونقيبها جمال الدين بن الصيرفي، يحثهما على حفظ قلعة دمشق، فإنه واصل قريبا إليها بالعساكر (٤)، واستجاب له الأميران، فأعلنا عصيانهما، وأغلقا أبواب القلعة، وفوجئ التتار بهذا العصيان، فلما بلغ كتبغا ـ وكان يقيم في معسكره بمرج برغوث ـ خف ببعض عسكره إلى دمشق، ونزل محاصرا القلعة في يوم (٦) ربيع الآخر سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، وكان يوما باردا، تعصف فيه ريح ماطرة، والسماء تقصف برعودها، وتتوهج بسياط بروقها، فبات أهل دمشق في خوف وفزع من هذه الليلة العاصفة المطيرة، ومن حصار التتار قلعة دمشق (٥)، ولصمودها كان لا بد لكتبغا من انتظار عودة جنوده كي يشدد حصاره عليها. وكان التتار خلال عيثهم في البلاد قد وصلوا إلى مشارف نابلس (٦)، حيث كان يقيم الناصر يوسف، فلما سمع بمسير التتار إليه رحل عن نابلس نحو غزة، وترك فيها الأمير مجير الدين بن أبي زكري مع جماعة من العسكر (٧).

стр. 217

وما إن قرب التتار من نابلس حتى خرج إليهم الأمير مجير الدين، وقاتل دفاعا عنها، باذلا كل جهد في صدهم، فما زال يضرب بسيفه حتى نصل من يده، فصار يقاتلهم بالدبوس، يضرب به، ويتقي به الضرب، ويرفس برجله من يصل إليه منهم حتى قتل من التتار سبعة عشر أو تسعة عشر فارسا، ثم استشهد ﵀، فكان التتار يتعجبون من شجاعته (١). وحين امتلأت أيدي التتار من الغنائم والسبي، عطفوا أعنة خيولهم راجعين إلى دمشق لحصار قلعتها، فتجمعوا من كل أوب، حتى تكامل جمعهم في يوم الأحد (١٢) جمادى الأولى سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، فما باتوا الليلة حتى قطعوا من الأخشاب ما احتاجوا إليه، وكانوا استصحبوا معهم المجانيق تجرها الخيل، وهم ركاب عليها، وقدموا قبل ذلك أسلحة تجرها البقر على العجل، وأصبحوا يوم الاثنين (١٣) جمادى الأولى يجمعون الحجارة لرمي المجانيق، فأخربوا من دمشق حيطانا كثيرة، وأخذوا الحجارة من أساسها، وكذلك أخربوا طرقا من القنوات لحجارتها، وهيؤوها للرمي، ونصبت المجانيق في ليلة الثلاثاء، وكانت أكثر من عشرين منجنيقا، وأصبحوا يرمون بها رميا متتابعا كالمطر، فأخرب كثيرا من القلعة من غربها، فما أمسوا حتى طلب أهل القلعة الأمان، فأمنوا، وأخرجوا منها يوم الأربعاء (١٥) جمادى الأولى، ونهب ما في القلعة، وأحرق فيها مواضع كثيرة، وهدم من أبراجها أعاليها، وخربوا كل بدنة بين برجين (٢) حتى لا تقوى على العصيان. وإظهارا لمزيد من الولاء والخضوع كتب زين الدين الحافظي إلى هولاكو، يخبره بعصيان قلعة دمشق، ثم بالاستيلاء عليها (٣).

стр. 218

وما إن اطمأن التتار إلى دمشق بعد استيلائهم على قلعتها حتى عاودوا العيث في البلاد، فساروا نحو بعلبك، فتسلموها، وحاصروا قلعتها وأخذوها، ثم ساروا إلى نابلس للاستيلاء عليها، وقد خلت من حماتها (١). وكان الناصر يوسف ما يزال مقيما في غزة (٢)، ينتظر نجدة مظفر الدين قطز صاحب مصر، وقد انضم إليه فيها مماليكه الذين تآمروا على اغتياله، وكان قد اصطلح معهم (٣)، فلما بلغه كبسة التتار لنابلس رحل عن غزة إلى العريش (٤)، وسير القاضي برهان الدين بن الخضر رسولا إلى قطز ليجدد له طلب المعاضدة (٥)، ثم دخل الناصر يوسف على إثره صحراء سيناء، وأوغل فيها حتى وصل إلى قطية، فأقام بها، وبعث زوجته الرومية وولده منها إلى مصر (٦). وكان قطز قد برز بعساكره إلى الصالحية، فلما بلغه وصول الناصر يوسف إلى قطية خافه، وظن أن ذلك عن مكيدة وحيلة يحتال بها لانتزاع مصر منه، فكتب قطز إلى أمراء الناصر يوسف وجميع عسكره والشهرزورية، يعدهم بالإحسان إذا انضموا إليه، فتخلى عن الناصر يوسف أمراؤه وعساكره - وكانوا مستائين منه - وتقاطروا إلى قطز أرسالا، ولم يبق عند الناصر يوسف إلا ولده العزيز، وبعض الأمراء القيمرية ممن كان يخاف على نفسه من قطز، فعند ذلك سنحت للشهرزورية فرصة للنهب، فنهبوا الناس، وأخذوا أثقال الأمراء وأموالهم، وتوجهوا بها إلى مصر (٧).

стр. 219

ولما رأى قطز أن الناصر يوسف بقي وحيدا، قفل راجعا إلى القاهرة، وطلع إلى قلعة الجبل، ولم تمر إلا أيام يسيرة حتى صادر كل من وصل إليه من غلمان الناصر وكتابه، وأخذ أموالهم، ثم بعث إلى زوجة الناصر يوسف الرومية، وطلب منها كل ما للملك الناصر عندها من الجواهر والذخائر، ولم يتعرض لما يتعلق بها (١). أما الناصر يوسف، فقد استبدت به الحيرة، وضاقت عليه السبل، فلم يعد يدري إلى أين يتوجه (٢)، ثم قادته حيرته نحو الشوبك، ثم إلى الكرك، فبعث إليه المغيث يسأله أن يطلع إلى قلعته، ويقيم عنده، فخاف على نفسه منه، فلم يستجب له (٣)، وعزم على التوجه نحو الحجاز (٤)، ثم فسخ عزمه، وقر رأيه أن يقيم في البلقاء عند بركة زيزي (٥). * * * كان هولاكو ما يزال في حلب حين بلغته الأخبار بوفاة أخيه الأكبر منكوقاآن، وولاية أخيه الأوسط قوبيلاي، فاضطر للعودة إلى فارس، ليدبر أموره عقب هذا الحدث الكبير، فرحل عنها (٦)، وفي طريق عودته حاصر قلعة حارم، ثم غدر بأهلها بعد أن أمنهم، فقتل جميع من كان بالقلعة من الرجال والنساء، والصغار والكبار، حتى الطفل الصغير في المهد (٧).

стр. 220

ووافق وصوله إلى تل باشر قدوم عساكره التي كانت تحاصر ميافارقين منذ سقوط بغداد (١)، وقد استولوا عليها أخيرا بعد أن فتك الجوع والمرض بأهلها من شدة الحصار وطوله، وكان معهم أسيرا صاحبها الكامل بن غازي بن العادل، فقتله هولاكو، وبعث برأسه ليطاف به في البلاد، ليكون عبرة لمن يجرؤ على مقاتلة التتار (٢). فوصل الرأس إلى دمشق يوم الاثنين (٢٧) جمادى الأولى سنة (٣) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، فطيف به في حارات دمشق وأزقتها بالمغاني والطبول (٤)، وقد رفع على رمح قصير، وعلق بشعره قطعة شبكة كتبوا اسمه عليها، ثم علق على باب الفراديس (٥). ويرى أبو شامة مع أهل دمشق هذا الرأس المرفوع، الذي قاتل صاحبه التتار بشجاعة وعزيمة، وقد صمد لحصارهم العاتي ما يقرب من سنتين إلى أن نفد الزاد، ولم يستطع التتار دخول البلد حتى أتى الجوع على أهلها، فأفناهم، ووجد التتار الكامل طريح الجوع مع من بقي من أصحابه (٦). وتجيش نفس أبي شامة بمعاني العزة والكرامة، وهو يرى صورة من صور البطولة في زمن التخاذل والخضوع والاستسلام، فيرثيه بأبيات يقول فيها: ابن غاز غزا وجاهد قوما … أثخنوا في العراق والمشرقين ظاهرا غالبا ومات شهيدا … بعد صبر عليهم عامين
следующие страницы →