← Тараджим

Тараджим · id 30091

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق

Полный текст (476 стр.). Показаны 217–256 · переход к 222.

стр. 217

وما إن قرب التتار من نابلس حتى خرج إليهم الأمير مجير الدين، وقاتل دفاعا عنها، باذلا كل جهد في صدهم، فما زال يضرب بسيفه حتى نصل من يده، فصار يقاتلهم بالدبوس، يضرب به، ويتقي به الضرب، ويرفس برجله من يصل إليه منهم حتى قتل من التتار سبعة عشر أو تسعة عشر فارسا، ثم استشهد ﵀، فكان التتار يتعجبون من شجاعته (١). وحين امتلأت أيدي التتار من الغنائم والسبي، عطفوا أعنة خيولهم راجعين إلى دمشق لحصار قلعتها، فتجمعوا من كل أوب، حتى تكامل جمعهم في يوم الأحد (١٢) جمادى الأولى سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، فما باتوا الليلة حتى قطعوا من الأخشاب ما احتاجوا إليه، وكانوا استصحبوا معهم المجانيق تجرها الخيل، وهم ركاب عليها، وقدموا قبل ذلك أسلحة تجرها البقر على العجل، وأصبحوا يوم الاثنين (١٣) جمادى الأولى يجمعون الحجارة لرمي المجانيق، فأخربوا من دمشق حيطانا كثيرة، وأخذوا الحجارة من أساسها، وكذلك أخربوا طرقا من القنوات لحجارتها، وهيؤوها للرمي، ونصبت المجانيق في ليلة الثلاثاء، وكانت أكثر من عشرين منجنيقا، وأصبحوا يرمون بها رميا متتابعا كالمطر، فأخرب كثيرا من القلعة من غربها، فما أمسوا حتى طلب أهل القلعة الأمان، فأمنوا، وأخرجوا منها يوم الأربعاء (١٥) جمادى الأولى، ونهب ما في القلعة، وأحرق فيها مواضع كثيرة، وهدم من أبراجها أعاليها، وخربوا كل بدنة بين برجين (٢) حتى لا تقوى على العصيان. وإظهارا لمزيد من الولاء والخضوع كتب زين الدين الحافظي إلى هولاكو، يخبره بعصيان قلعة دمشق، ثم بالاستيلاء عليها (٣).

стр. 218

وما إن اطمأن التتار إلى دمشق بعد استيلائهم على قلعتها حتى عاودوا العيث في البلاد، فساروا نحو بعلبك، فتسلموها، وحاصروا قلعتها وأخذوها، ثم ساروا إلى نابلس للاستيلاء عليها، وقد خلت من حماتها (١). وكان الناصر يوسف ما يزال مقيما في غزة (٢)، ينتظر نجدة مظفر الدين قطز صاحب مصر، وقد انضم إليه فيها مماليكه الذين تآمروا على اغتياله، وكان قد اصطلح معهم (٣)، فلما بلغه كبسة التتار لنابلس رحل عن غزة إلى العريش (٤)، وسير القاضي برهان الدين بن الخضر رسولا إلى قطز ليجدد له طلب المعاضدة (٥)، ثم دخل الناصر يوسف على إثره صحراء سيناء، وأوغل فيها حتى وصل إلى قطية، فأقام بها، وبعث زوجته الرومية وولده منها إلى مصر (٦). وكان قطز قد برز بعساكره إلى الصالحية، فلما بلغه وصول الناصر يوسف إلى قطية خافه، وظن أن ذلك عن مكيدة وحيلة يحتال بها لانتزاع مصر منه، فكتب قطز إلى أمراء الناصر يوسف وجميع عسكره والشهرزورية، يعدهم بالإحسان إذا انضموا إليه، فتخلى عن الناصر يوسف أمراؤه وعساكره - وكانوا مستائين منه - وتقاطروا إلى قطز أرسالا، ولم يبق عند الناصر يوسف إلا ولده العزيز، وبعض الأمراء القيمرية ممن كان يخاف على نفسه من قطز، فعند ذلك سنحت للشهرزورية فرصة للنهب، فنهبوا الناس، وأخذوا أثقال الأمراء وأموالهم، وتوجهوا بها إلى مصر (٧).

стр. 219

ولما رأى قطز أن الناصر يوسف بقي وحيدا، قفل راجعا إلى القاهرة، وطلع إلى قلعة الجبل، ولم تمر إلا أيام يسيرة حتى صادر كل من وصل إليه من غلمان الناصر وكتابه، وأخذ أموالهم، ثم بعث إلى زوجة الناصر يوسف الرومية، وطلب منها كل ما للملك الناصر عندها من الجواهر والذخائر، ولم يتعرض لما يتعلق بها (١). أما الناصر يوسف، فقد استبدت به الحيرة، وضاقت عليه السبل، فلم يعد يدري إلى أين يتوجه (٢)، ثم قادته حيرته نحو الشوبك، ثم إلى الكرك، فبعث إليه المغيث يسأله أن يطلع إلى قلعته، ويقيم عنده، فخاف على نفسه منه، فلم يستجب له (٣)، وعزم على التوجه نحو الحجاز (٤)، ثم فسخ عزمه، وقر رأيه أن يقيم في البلقاء عند بركة زيزي (٥). * * * كان هولاكو ما يزال في حلب حين بلغته الأخبار بوفاة أخيه الأكبر منكوقاآن، وولاية أخيه الأوسط قوبيلاي، فاضطر للعودة إلى فارس، ليدبر أموره عقب هذا الحدث الكبير، فرحل عنها (٦)، وفي طريق عودته حاصر قلعة حارم، ثم غدر بأهلها بعد أن أمنهم، فقتل جميع من كان بالقلعة من الرجال والنساء، والصغار والكبار، حتى الطفل الصغير في المهد (٧).

стр. 220

ووافق وصوله إلى تل باشر قدوم عساكره التي كانت تحاصر ميافارقين منذ سقوط بغداد (١)، وقد استولوا عليها أخيرا بعد أن فتك الجوع والمرض بأهلها من شدة الحصار وطوله، وكان معهم أسيرا صاحبها الكامل بن غازي بن العادل، فقتله هولاكو، وبعث برأسه ليطاف به في البلاد، ليكون عبرة لمن يجرؤ على مقاتلة التتار (٢). فوصل الرأس إلى دمشق يوم الاثنين (٢٧) جمادى الأولى سنة (٣) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، فطيف به في حارات دمشق وأزقتها بالمغاني والطبول (٤)، وقد رفع على رمح قصير، وعلق بشعره قطعة شبكة كتبوا اسمه عليها، ثم علق على باب الفراديس (٥). ويرى أبو شامة مع أهل دمشق هذا الرأس المرفوع، الذي قاتل صاحبه التتار بشجاعة وعزيمة، وقد صمد لحصارهم العاتي ما يقرب من سنتين إلى أن نفد الزاد، ولم يستطع التتار دخول البلد حتى أتى الجوع على أهلها، فأفناهم، ووجد التتار الكامل طريح الجوع مع من بقي من أصحابه (٦). وتجيش نفس أبي شامة بمعاني العزة والكرامة، وهو يرى صورة من صور البطولة في زمن التخاذل والخضوع والاستسلام، فيرثيه بأبيات يقول فيها: ابن غاز غزا وجاهد قوما … أثخنوا في العراق والمشرقين ظاهرا غالبا ومات شهيدا … بعد صبر عليهم عامين

стр. 221

لم يشنه أن طيف بالرأس منه … فله أسوة برأس الحسين وافق السبط في الشهادة والحمـ … ل لقد حاز أجره مرتين جمع الله حسن ذين الشهيديـ … ن على قبح ذينك الفعلين (١) هكذا شأن أبي شامة لم يستطع الصمت في زمن الخوف، فعبر عن موقفه من التتار، ووجوب قتالهم، ومن قاتلهم فهو شهيد، بل هو في منزلة الحسين ﷺ ، وأعظم بها منزلة. فالأبيات لم تكن مجرد كلمات نفث فيها مكروب عما في صدره، بل إنها فتوى من مفتي الشام أبي شامة، ولفتواه أثر، وبخاصة وهو العالم الزاهد، المترفع عن المناصب، النقي اليد من أموال الناس، ولطالما تعلق الناس بعلمائهم الأتقياء الأنقياء.

стр. 222

أعوان التتار بعد رحيل هولاكو عن حلب، قفل القاضيان صدر الدين ابن سني الدولة، ومحيي الدين يحيى ابن الزكي، عائدين إلى دمشق. وكان هولاكو قد أقبل على القاضي محيي الدين، وخلع عليه، وأنعم عليه بولاية قضاء القضاة في البلاد الشامية بأجمعها (١)، ورد صدر الدين خائبا، فلم يقو صدر الدين على تحمل قسوة هذه الخيبة، وأن يرجع إلى دمشق معزولا، وهو الذي تقلب في نعيم هذا المنصب نحو خمس عشرة سنة (٢)، وذاقت نفسه حلاوته، ورأى الناس يتحلقون حوله متزلفين إليه، وقد تركت له هذه السنون أعداء وشانئين، سيواجههم الآن دون حام أو نصير، فما إن وصل القاضيان إلى بعلبك حتى ألم بصدر الدين مرض شديد، مات على إثره كمدا، وذلك عقب صلاة الجمعة ثامن جمادى الآخرة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) (٣). ولم يستطع أبو شامة إخفاء كراهيته لهذا القاضي، الذي طالما آذاه، وطالما عسف في أحكامه تقربا من أصحاب الجاه، وطالما مد يديه إلى أموال الناس (٤)،

стр. 223

وها هي حياته تختم مدحورا عن باب هولاكو، فيحكي لنا في تاريخه ما آلت إليه حاله بعد وفاته، من خلال الرؤيا التي رآها العلاء علي بن الشيرازي في منامه، وقد قصها على أبي شامة، فقد رأى العلاء فيما يرى النائم القاضي صدر الدين بعد موته، فسأله عن حاله، فقال له القاضي: لما وصلت قيل: هاتوا الدرة. إشارة إلى بدء تعذيبه، ويشفق أبو شامة من خاتمة كهذه الخاتمة، فيدعو: اللهم عفوك (١). ويتابع القاضي محيي الدين يحيى ابن الزكي طريقه إلى دمشق، فرحا بما ظفر به، فيصل إليها يوم الأحد (١١) جمادى الآخرة سنة (٢) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م). وفي يوم الأربعاء (١٤) جمادى الآخرة يقرأ فرمان ولايته القضاء في جامع دمشق تحت قبة النسر، بحضرة نائب التتار بدمشق إيل سبان، وقد قعدت زوجته معه على طراحة نصبت لها بين زوجها والقاضي إلى جانب العمود الشرقي في الباب الكبير الأوسط من أبواب النسر بالجامع، وكان في الفرمان توليته القضاء من قنسرين إلى العريش، ونائبه أخوه لأمه شهاب الدين إسماعيل بن أسعد بن حبش (٣). ويبدو أن أبا شامة كان حاضرا قراءة الفرمان، ولربما جال في خاطره، وهو يرقب هذا المشهد المخزي، موقف شيخه فخر الدين ابن عساكر، وهو يهم بالهجرة من دمشق لرفضه تولي القضاء للعادل زهدا وورعا (٤)، وما آل إليه حال القضاء في هذه الأيام النحسات حتى وصل إلى هؤلاء القضاة المتهالكين على هذا المنصب، الطالبين له حتى من كافر مغتصب لأرض المسلمين ونسائهم، ليتخذوه مطية للاستيلاء على مال الوقف.

стр. 224

فقد شرع هذا القاضي على الفور في جر الأشياء إلى نفسه وأولاده، ومن يتعلق به مع عدم الأهلية، وراح ينتزع المدارس ممن كان يتولاها، ويضيفها إلى نفسه ومن يلوذ به، وبدأب عجيب وغيظ مكتوم راح أبو شامة يسردها في تاريخه، وكأنه يريد للتاريخ أن يخلد هذه المساوئ، فقد أضاف هذا القاضي لنفسه وأولاده وأخيه ونحوهم عدة من المدارس كالعذراوية والسلطانية والفلكية والركنية والقيمرية، والكلاسة انتزعها من الشمس الكردي، وانتزع منه أيضا الصالحية، وسلمها إلى العماد بن العربي، ونزع الأمينية من العلم أبي القاسم، وسلمها إلى ولده عيسى، ونزع الشومانية من الفخر النقجواني، وسلمها إلى الكمال بن النجار، ونزع الربوة من الجمال محمد اليمني، وسلمها إلى الشهاب محمود بن شرف الدين محمد بن القاضي شرف الدين عبد الله بن زين القضاة عبد الرحمن بن سلطان، وهو من بني عمه. وكل هذا مع ما وقع منه من التقصير في حق الفقهاء في المدرستين اللتين كانتا في يده من قديم الزمان: العزيزية والتقوية، وعدم إنصافه فيهما، وولى ابنه عيسى مشيخة الشيوخ بخوانق الصوفية، واستناب أخاه لأمه في القضاء، ومعه من المدارس الرواحية، والشامية البرانية مع أن شرط واقفها ألا يجمع المدرس بينها وبين غيرها (١). وهكذا غدت الأوقاف نهبا لهذا القاضي يتصرف فيها كيفما يشاء. أما أموال الغائبين عن دمشق، ممن جفلوا من التتار، فقد استولى عليها شمس الدين القمي، يعاونه في ذلك فخر الدين محمد يوسف الكنجي، حتى دواب الناس لم تسلم من العسف، فقد صادرها ابن النغيل، وسخرها للتتار (٢).

стр. 225

وكان التتار يواصلون الاستيلاء على القلاع تمهيدا للاستيلاء على مصر، وقد سقطت في أيديهم قلعة الصلت وصرخد وبصرى، ويحاصرون الآن قلعة عجلون (١). وكان كتبغا ما يفتأ يتسقط أخبار الناصر يوسف المنهزم في البراري، حتى عرف موضعه أخيرا (٢) من خلال طبرداره حسين الكردي، وقد جاءه ذات يوم يطلب منه ضيعة حضر الجولان، ويدله على موضعه، فكتب له كتبغا بها فرمانا (٣)، وأرسل قطعة من جيشه إلى بركة زيزي - حيث كان الناصر يوسف يقيم - للقبض عليه، فوقع التتار على العرب هناك، وهزموهم، وغنموا أولادهم ونساءهم وأنعامهم، وهرب الناصر يوسف هائما على وجهه في البراري يصارع العطش هو ومن معه، حتى بلغت شربة الماء نحو مئة دينار (٤)، وهو مبلغ كبير، ثم قبض التتار عليه وعلى ابنه العزيز ومن معه من الأمراء القيمرية (٥)، وساقوه مقيدا إلى كتبغا الذي أهانه وقرعه، وكانت عجلون قد استعصت عليه، فأحضره كتبغا إليها، فأمر الناصر يوسف حاميتها بتسليمها للتتار، فسلمت إليهم (٦)، وبقي معهم في ذل وهوان (٧) حتى قرر كتبغا أن يرسله إلى هولاكو (٨). ومخفورا من التتار دخل الناصر يوسف دمشق في يوم الخميس (٦) رجب

стр. 226

سنة (١) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) مطأطئ الرأس، مكبلا بالأغلال، وقد أنكرته دمشق التي تخلى عنها في أحرج أوقاتها، فبقي فيها نحو ثمانية أيام حيث سيق إلى هولاكو مع ابنه العزيز (٢)، أما الأمراء القيمرية فقد سجنوا بقلعة دمشق (٣). وقد وافى الناصر يوسف هولاكو في جبال الطاق من طبرستان (٤)، وربما فوجئ وهو يرى هولاكو مقبلا عليه، مكرما له، حتى إنه أجلسه على كرسي قريب منه، وأدناه من مجلس شرابه، فشربا معا (٥)، وطفق يعده بكل جميل، ممنيا إياه بإعادته إلى مملكته (٦). والحق أن هولاكو لم يجد ما ينقم به على الناصر يوسف، فهو برغم امتناعه عن المجيء إليه حين طلبه، لم يرفع في وجهه سيفا، وقد بدد جيشه بجبنه شر تبديد، ولم يحسن في حربه معه إلا الهرب حتى وقع بين يديه، فملك كهذا هو ملك مطواع لن يسبب له أية متاعب حين يعيده إلى مملكته، وبخاصة أنه سيكون خاضعا له غاية الخضوع بعد أن أبقى على حياته، وهل يريد هولاكو من خصومه إلا الخضوع؟ أما من يتمرد عليه فليس له سوى القتل. ومن ثم أرسل إلى كتبغا مرسوما بقتل والي قلعة دمشق بدر الدين بن قراجا، ونقيبها جمال الدين بن الصيرفي، فطلب كتبغا من زين الدين الحافظي أن يقتلهما بيده، لأنه هو الذي كتب إلى هولاكو بعصيانهما (٧).

стр. 227

وفي أوائل شعبان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) وفي مرج برغوث بداريا، يتقدم زين الدين الحافظي من الأسيرين الموثقين، شاهرا عليهما سيفه، ويتعاورهما بضرباته حتى يقتلا (١).

стр. 228

أبو شامة والتتار وتستكين دمشق للتتار، ولم يعد يعلو فيها إلا صوت مؤيد أو خانع، وربما كانت أبيات أبي شامة التي نظمها في رثاء الكامل بن غازي صاحب ميافارقين تتناقلها ألسنة الناس في خفوت حتى تناهت إلى مسامع التتار، أو أحد أعوانهم المخلصين، ولربما أطلق أبو شامة، وهو مفتي الشام، والصادع بالحق، لسانه فيهم في مجالسه الخاصة، فإذا بنائب التتار في دمشق إيل سبان يستدعيه في يوم (١٤) رمضان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) إلى قلعة دمشق، ويهينه على رؤوس الملأ إهانة بالغة، مستبيحا هيبة العلم، وما ينبغي لمثله من الاحترام والتوقير، بل إنه كيدا بأبي شامة يطلب منه أن يكتب لهم كتابا بخطه، يلتزم لهم فيه دفع مبلغ كبير من المال ظلما وقهرا، متذرعا بذلك إلى قتله إن عجز عن إيفائه (١). وكان أبو شامة قد أصاب في عزلته شيئا من الغنى من عمله في فلاحة بستانه وزراعته، وفاض الخير عليه منه، وغدا منزله ذا غلال وافرة، ويبدو أن مساحة بستانه قد اتسعت حتى احتاج فيه إلى أناس يساعدونه في زراعته، بل صار بستانه مثابة للفقير واليتيم والأرملة، يقفون على بابه ليأخذوا نصيبهم من صدقات محصولاته (٢)، غير أن المال الذي ألزمه التتار بدفعه لا تفي به ثروته الصغيرة.

стр. 229

ولا يستبعد أن يكون زين الدين الحافظي وراء استدعاء أبي شامة، والكيد له بهذه المكيدة، للتخلص منه أو إسكاته، إذ إن طهارة الأنقياء كثيرا ما تثير حفيظة الأشقياء، والغريب حقا أن أبا شامة قد أغفل ذكر الحافظي هذا إغفالا تاما في تاريخه، فلم يشر إليه ولو إشارة عابرة، على الرغم من دوره الكبير في أحداث تلك السنين! ويخرج أبو شامة من قلعة دمشق متعثرا بغضبه المكتوم، لما لحقه من الإهانة، وقد أثقل كاهله الضعيف هذا المبلغ الكبير. ولا شك أن خبر استدعاء أبي شامة إلى نائب التتار إيل سبان، وما تعرض له من الإهانة والتهديد بالقتل، وما ألقي على كاهله من حمل ثقيل في تأمين هذا المبلغ الكبير، قد شاع بين الناس فهفت إليه القلوب الغضبي متعاطفة مع محنته القاسية، وتعلقت به، لأنها رأت فيه عالما مقارعا للتتار، غير خاضع لهم ولا متهيب، وإلا لسكتوا عنه كما سكتوا عن غيره، ولربما كافؤوه، وفي فترات الخنوع كثيرا ما يتعلق الناس بمن يبدي ولو مقاومة ضعيفة، فكان لمحنة أبي شامة هذه أن رفعته في أعين الناس من عالم متخصص في القراءات والتاريخ، ومن مفت يتصدى لحل مشكلاتهم إلى شخصية فيها ملامح من زعامة تنتمي إليهم حقا، وتعيش همومهم ومعاناتهم، وتمنحهم بصمودها شيئا من الثقة والأمل كانوا بمسيس الحاجة إليهما. ولا شك كذلك أن أبا شامة قد أمضى أيامه تلك مهموما مغموما، لا يدري من أين يتدبر هذا المبلغ الكبير، وقد رحل عن دمشق أغنياؤها، ولم يبق إلا فقراؤها، فلم يجد من ملجأ له في محنته هذه ـ وهو العالم الورع ـ إلا الله يفزع إليه في لياليه الطويلة بالدعاء عساه أن يكشف عنه هذه الغمة المدلهمة.

стр. 230

وكان أبو شامة يزداد غما إلى غم، وهو يرى ما يحل بدمشق من إهانة وأذى لم تشهده طوال تاريخها، فبعد نحو ثمانية أيام من محنته، ها هي دمشق تتعرض لمحنة أشد، ففي يوم (٢٢) رمضان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) يدخل نصارى دمشق من باب توما، رافعين الفرمان الذي جاؤوا به من هولاكو، وفيه اعتناء بهم، وتوصية بحقهم، وصلبانهم مرتفعة، وهم ينادون حولها بارتفاع دينهم، واتضاع دين الإسلام، ويرشون الخمور على الناس بأبواب المساجد، وقد عبروا من باب توما قاصدين درب الحجر، ووقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان، ونادوا بشعارهم، ورشوا الخمور على باب الرباط، وفعلوا مثل ذلك على باب مسجد الحجر الصغير، والمسجد الكبير، بل إنهم ألزموا الناس في دكاكينهم بالقيام للصليب، ومن لم يفعل ذلك أخرقوا به، وأهانوه، وأقاموه غصبا. وشقوا بالفرمان المرفوع السوق إلى عند القنطرة آخر سويقة كنيسة مريم، وقام بعضهم على الدكان الوسطى من الصف الغربي بين القناطر، وخطب وفضل دين النصارى، ووضع دين الإسلام، ثم عطفوا من خلف السوق راجعين إلى الكنيسة (١). ولعلهم حسبوا أن غلبة التتار هي نهاية الفتح الإسلامي لهذه البلاد منذ نحو ستة قرون (٢). وبادر المسلمون مع قضاتهم وشهودهم في صباح اليوم التالي إلى قلعة دمشق، شاكين إلى نائب التتار إيل سبان ما حل بهم من إهانة وأذى، فما كان منه إلا أن أهانهم وطردهم من القلعة شر طردة مطلقا جنوده وراءهم ينهالون عليهم ضربا،

стр. 231

بل إنه إيغالا في إحداث الفرقة بين المسلمين والنصارى زار في اليوم التالي كنيستهم، مظهرا تأييده لما فعلوه، وركب المسلمين من ذلك هم عظيم (١).

стр. 232

معركة عين جالوت قبل رحيله عن حلب، كان هولاكو قد أرسل أربعة رسل إلى مصر بكتاب يهدد فيه قطز، ويطلب منه الخضوع التام له، فكان من جملة ما قاله له: يعلم الملك قطز وسائر أمراء دولته، وأهل مملكته بالديار المصرية، وما حولها من الأعمال، أنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه، فلكم بجميع البلاد معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف الغطاء، فتندموا، ويعود عليكم الخطاء، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرق لمن شكى، وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد (١). وكان التتار يواصلون الاستيلاء على القلاع في بلاد الشام بعد رحيل هولاكو، تمهيدا لاحتلال مصر، فرأى قطز أن لا معدى عن قتالهم، فليعاجلهم قبل أن يعاجلوه، فجمع الأمراء للمشاورة، فاتفق رأي بعضهم على موافقته على قتل الرسل، والمسير إلى الصالحية، استعدادا للقاء التتار (٢). فأحضر قطز رسل التتار الأربعة، فوسط واحدا بسوق الخيل تحت قلعة الجبل، ووسط آخر بظاهر باب زويلة، ووسط الثالث ظاهر باب النصر، ووسط الرابع

стр. 233

بالريدانية، وعلقت رؤوسهم على باب زويلة، وهي أول رؤوس تعلق للتتار على هذا الباب (١). وشرع في تحليف من وافقه من الأمراء على قتال التتار، ونودي في سائر مصر والقاهرة بخروج العساكر إلى الجهاد في سبيل الله، ونصرة دين رسول الله ﷺ (٢). وكان سائر الأمراء كارهين للقاء التتار، خوفا منهم، فتقدم قطز لسائر الولاة بإرغام العساكر على الخروج، ومن وجد منهم قد اختفى يضرب بالمقارع (٣). فلما كان يوم الاثنين (١٥) شعبان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) خرج السلطان قطز بجميع عسكر مصر، ومن انضم معه من عساكر الشام يريد الصالحية (٤)، فسار حتى وصل إليها، ولما تكامل عنده العسكر دعا الأمراء، وتكلم معهم في المسير للقاء التتار، فأبوا كلهم عليه، وامتنعوا من المسير، فقال لهم: يا أمراء المسلمين، لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك رجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه، وخطية حريم المسلمين في رقاب المتأخرين. فقام الأمراء الموافقون له، فتكلموا، وحلفوا له، فلم يسع بقية الأمراء إلا الموافقة على مضض، وانفض الجمع، غير أن الجيش بقي ساكنا لم يتحرك، فما كان من قطز إلا أن ركب في الليل، وحرك كوساته، وقال: أنا ألقى التتار بنفسي. فلما رأى الأمراء مسير قطز ساروا على كره (٥). وأمر السلطان قطز الأمير ركن الدين بيبرس أن يتقدم في طليعة الجيش

стр. 234

ليتحسس أخبار التتار، فسار بيبرس إلى غزة، وكان بها قطعة من جيش التتار، فرحلوا عنها، واستولى بيبرس عليها (١). ووافاه السلطان قطز على غزة، فأقام بها يوما، ثم رحل عنها آخذا طريق الساحل، فمر بعكا، وفيها الصليبيون، فخرجوا إليه بالهدايا، فاستحلفهم أن يكونوا على الحياد، لا معه ولا ضده، وأقسم إن تبعه فارس أو راجل منهم يريد أذى عسكر المسلمين أن يرجع ويقاتلهم قبل أن يلقى التتار (٢). ثم أمر قطز الأمراء، فاجتمعوا، وحضهم على قتال التتار، وذكرهم بما وقع بأهل الأقاليم من القتل والسبي والحريق، وخوفهم وقوع مثل ذلك، وحثهم على استنقاذ الشام من التتار ونصرة الإسلام، وحذرهم عقوبة الله تعالى، وكانت كلمة مؤثرة، فضج الأمراء بالبكاء، وتحالفوا على الاجتهاد في قتال التتار، ودفعهم عن البلاد (٣). ولما اطمأن السلطان قطز إلى ولاء أمرائه أمر الأمير ركن الدين بيبرس أن يتقدمه بقطعة من العسكر، فسار بيبرس حتى لقي طليعة التتار، فكتب إلى قطز يعلمه بذلك، وأخذ في مناوشتهم ومراوغتهم حتى وافاه السلطان قطز على عين جالوت (٤). وكان كتبغا لما بلغه مسير العساكر المصرية جمع ما تفرق من التتار في بلاد الشام، وسار إلى لقائه. والتقى الجمعان بعد طلوع شمس يوم الجمعة (٢٥) رمضان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) وفي قلوب المسلمين رهبة عظيمة من قتال التتار (٥)، فتابع السلطان

стр. 235

والأمراء ضرب كوساتهم، وعلا صياح أهل القرى من الفلاحين، فتحيز التتار إلى الجبل، فلما اصطدم العسكران اضطرب جناح عسكر السلطان قطز، وانتقض طرف منه، فألقى قطز عند ذلك خوذته عن رأسه إلى الأرض، وصرخ بأعلى صوته: واإسلاماه، وحمل بنفسه ومن معه حملة صادقة أسفرت عن هزيمة التتار، وتشتيت صفوفهم، وسقوط قائدهم كتبغا قتيلا (١) بسيف الأمير جمال الدين أقوش الشمسي (٢)، وتمكن المسلمون منهم قتلا وأسرا، وقد أبلى الأمير ركن الدين بيبرس في القتال بلاء حسنا (٣). وتبع المسلمون التتار المنهزمين إلى قرب بيسان، فإذا بالتتار يعاودون تجميع صفوفهم، ويصدمون المسلمين المهاجمين، فيتزلزل المسلمون زلزالا شديدا، وتعود الحرب جذعة، ويعلو صوت قطز في المعركة، فيسمعه معظم العسكر، وهو يصرخ: واإسلاماه، واإسلاماه، واإسلاماه يا الله انصر عبدك قطز على التتار. ويفيء المسلمون إلى إيمانهم، فيقتلعون التتار من أماكنهم، ويقتلون أكابرهم، ويكسرونهم كسرتهم الثانية، فيتبدد جيش التتار بين قتيل وأسير وهارب، وعندئذ يترجل السلطان قطز عن فرسه، ويمرغ وجهه في الأرض، ويقبلها، ويصلي ركعتين شكرا لله على نصره، ثم يركب مقبلا على عسكره، مبتهجا بالنصر، وقد امتلأت أيدي عساكره بالغنائم (٤). ويقطع رأس كتبغا، ويحمل إلى القاهرة، ليطاف به في حاراتها وأزقتها وسككها، ثم ليعلق على أحد أبوابها (٥).

стр. 236

وينهزم بيدرا ومن بقي معه من التتار، مشتدين في عدوهم نحو هولاكو، ليخبروه بنبأ هذه الكسرة العظيمة (١). وبحس المؤرخ يدرك أبو شامة أهمية هذه المعركة، وأنها من المعارك الفاصلة في تاريخ المسلمين، فيكتب: «وكان ذلك فتحا مبينا، ونصرا عزيزا، نشأ به الإسلام نشأ جديدا (٢)».

стр. 237

وهرب التتار من دمشق ويتقدم قطز عقب المعركة نحو طبرية، فينزل عليها يوم الأحد (٢٧) رمضان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، ومنها يرسل كتابا إلى دمشق، يبشر به أهلها بنصر الله له، وبخذلانه التتار، ويعدهم بوصوله الوشيك إليهم (١). ويطير الناس فرحا، وهم لا يكادون يصدقون ما يسمعون، أحقا هزم التتار أخيرا؟ (٢) ويبيتون ليلة الأحد وهم متحرقون شوقا لوصول السلطان إليهم، في تلك الليلة يتخذ التتار من ظلمتها ملاذا، ويفرون من دمشق، وقد ملئت قلوبهم رعبا، ويفر معهم زين الدين الحافظي وأعوانهم (٣)، ويتسامع الناس بفرارهم، فيهبون من بيوتهم، وقد تمشت في أوصالهم حميا الشجاعة، ويتتبعونهم قاتلين من ظفروا به منهم (٤). في تلك الليلة تتنفس دمشق الصعداء، وهي تزيح عنها كابوس التتار، وقد جثم على صدرها سبعة أشهر وعشرة أيام (٥)، ولربما كان أبو شامة من أشد أهلها فرحا.

стр. 238

لنجاته من القتل، وقد هدده التتار به قبل أيام، ويعجب الناس حقا من خلاصه السريع من محنته التي لم تدم سوى عشرة أيام (١)، وقد كان يظن ألا منجاة له منها، وتزداد منزلته علوا في أعين الناس، بل إن بعضهم عد هزيمة التتار عقابا لهم من الله لظلمهم إياه، وهذا ما كان يعتقده أبو شامة حقا، لقول الله تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهد﴾ (٢). وفي الأبيات التي يوردها أبو شامة في تاريخه - وقد ألمع فيها إلى هذه الآية الكريمة - ما يكشف عن هذا المعنى، فكتب: وقيل في ذلك: تفرق جمع الكفر لما تعرضوا … أبا شامة ظلما وكدر ورده أرادوا به كيدا وما هيب علمه … فغار له الرحمن إذ هو عبده (٣) فما كان بين الجور منهم وكسرهم … لدى رمضان غير عشر نعده فحاشا لمفتي الشام يهمل أمره … ويخفض ذو علم ويرفع ضده له أسوة بالأنبياء وصالحي الـ … برية فيه ليس يخلف وعده يعز علينا ما جرى غير أننا … نسر به حيا فلا كان فقده (٤) وأتساءل: هل هذه الأبيات هي لأبي شامة، وأخفى نسبتها تورعا، وخوفا على نفسه من العجب؟ أظنها كذلك، ولعل استعماله صيغة البناء للمجهول في قوله: وقيل في ذلك إشارة كفته مؤنة التصريح، والله أعلم. وما إن بزغ فجر يوم الاثنين (٢٨) رمضان حتى مال الناس على دور النصارى ينهبونها، ويخربون ما استطاعوا منها، ويقتلون جماعة منهم، ويختفي الباقون،

стр. 239

ويخربون بعضا من كنيسة اليعاقبة، ويشعلون النار في كنيسة مريم حتى تستحيل كوما، تشفيا مما كان منهم، ويهم الناس بنهب اليهود، فينتهب قليل منهم، ثم يكف الناس عنهم لأنهم لم يصدر منهم ما صدر من النصارى (١). ويميل الناس على أعوان التتار من المسلمين، ولم تشفع لهم صلاة الفجر في جامع دمشق، إذ بينما كان فخر الدين محمد بن يوسف الكنجي بين المصلين في الجامع فجر يوم (٢٩) رمضان انتدب له من تأذى منه، وألب عليه الناس لتعرضه الأموال الغائبين وغيرهم، فيقتل في الجامع، ويبقر بطنه، ويتتبع الناس أشباهه من أعوان الظلمة مثل الشمس بن الماكسيني، وابن النغيل الذي كان يسخر الدواب وغيرهم، فيقتلونهم (٢). ولم يغمد سيف الانتقام حتى صباح يوم الثلاثاء (٢٩) رمضان، إذ وصل إلى دمشق الأمير جمال الدين المحمدي الصالحي بمرسوم السلطان قطز، ونزل بدار السعادة، فسكن الناس، واطمأنت المدينة (٣). ويلتفت الناس إلى رأس الكامل بن غازي المعلق على باب الفراديس، فينزلونه (٤)، وتكريما له يدفنونه في مسجد الرأس داخل باب الفراديس، قرب المكان الذي كان يقال: إن رأس الحسين بن علي ﷺ قد دفن فيه، ويكمل أبو شامة قصيدته في رثائه، بقوله: ثم واروا في مشهد الرأس ذاك الرأس … أس فاستعجبوا من الحالتين وارتجوا أنه يجيء لدى البعث … رفيق الحسين في الحسنيين (٥)

стр. 240

ويصل السلطان قطز بعساكره إلى ظاهر دمشق يوم الأربعاء (٣٠) رمضان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، وينزل على الجسورة، ويخيم بها، ويعيد بها عيد الفطر، ثم يعبر إلى دمشق في (٢) شوال (١)، وفي يوم عبوره يأمر بشنق جماعة من أعوان التتار، فيشنقون، وكان في جملتهم حسين الكردي (٢) الذي دل كتبغا على مكان الناصر يوسف (٣). وما إن يستقر في قلعة دمشق حتى يرسل الأمير ركن الدين بيبرس ليلحق بالتتار المنهزمين، فيدركهم بأرض حمص (٤)، وقد سيبوا ما كان بأيديهم من أسرى المسلمين، وتبعجت خيولهم، وتخففوا مما معهم، حتى إنهم رموا أولادهم، وضربوا رقاب من عجزوا عن حمله من نسائهم، وعرجوا نحو طريق الساحل، والناس يتخطفونهم ويقتلون منهم (٥). كانت قلوب أهل دمشق منتشية فرحا بهذا النصر الكبير الذي تحقق بعد اليأس منه، إذ كان التتار قد استولوا على معظم بلاد الإسلام، ولم يقصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه، وها هم الآن مدحورون، وتلهج الألسنة المؤمنة بشكر الله تعالى على عظيم نعمته (٦)، وينطلق لسان أبي شامة في مدح السلطان قطز، متعجبا من أن التتار لم يكسروا ويهلكوا إلا بأبناء جنسهم من الترك، فيقول: غلب التتار على البلاد فجاءهم … من مصر تركي يجود بنفسه بالشام أهلكهم وبدد شملهم … ولكل شيء آفة من جنسه (٧)

стр. 241

ويؤوب إلى دمشق - وقد زال التتار عنها - من فر من أهلها، وكانت الأقوات بها قليلة لاضطراب أحوالها، فترتفع الأسعار، وتعدم الفلوس فيها (١)، ويحسن بعض عوام دمشق إلى بعض مماليك السلطان قطز نهب دور النصارى، وقد استمرؤوها، فيهجمون عليها على حين غرة وينهبونها، وما إن يبلغ هذا الخبر السلطان قطز حتى يأمر بالحال بشنق هؤلاء المماليك والعوام، وكانوا قريبا من ثلاثين شخصا، منعا لتعدي الرعية على بعضها، ثم يقرر على النصارى واليهود بدمشق جزاء ما اقترفوه مئة ألف وخمسين ألف درهم، فيلتزمون بها، ويجمعونها، ويحملونها إليه بشفاعة الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب (٢). وينهمك السلطان قطز بدمشق في ترتيب أحوال بلاد الشام، وقد امتد سلطانه عليها من حلب إلى حدود مصر، ويرسل إليها نوابه، ويستنيب في دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي (٣)، حتى إذا فرغ من ترتيب أحوال النواب والولاة خرج من دمشق يوم الثلاثاء (٢٦) شوال سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) قاصدا مصر، وكان قد عزم على المسير إلى حلب، فثناه عن ذلك ما بلغه من تنكر الأمير ركن الدين بيبرس له، وتغيره عليه (٤)، ويصحب معه إلى مصر قاضي القضاة محيي الدين يحيى ابن الزكي، وكان قد بذل أموالا جمة على أن يقره قطز في منصبه فأبى ذلك، وعزله، وولى القضاء نجم الدين أبا بكر بن القاضي صدر الدين أحمد بن سني الدولة (٥). ويبلغ هولاكو نبأ كسرة عسكره في عين جالوت، وقتل نائبه كتبغا، وخروج بلاد الشام من يده، فيستشيط غضبا، وهو الذي لم يذق من قبل طعم الهزيمة،

стр. 242

فلا يرى أمامه سوى الناصر يوسف ليطفئ به جمر غضبه، فيأمر بقتله وجميع من معه. واقتيد الناصر يوسف إلى جبال سلماس، حيث قتل يوم الأربعاء (٢٠) شوال سنة (١) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، وقتل معه أخوه الظاهر وعدة من أولاد ملوك الأيوبيين، ولم يسلم من القتل سوى ابنه الملك العزيز، وقد تشفعت إليه فيه طقز خاتون زوجة هولاكو، فشفعها فيه (٢).

стр. 243

مقتل قطز وتولي بيبرس السلطنة ما كان السلطان قطز، وهو في طريقه إلى مصر، يظن أن تغير الأمير ركن الدين بيبرس عليه، وتنكره له، قد يؤدي إلى قتله، فانتصاره الكبير في عين جالوت يحميه، ولن يجرؤ أحد على قتل سلطان منتصر قد زينت البلاد لاستقباله (١). ثم إنه أوى بيبرس حين ضاقت عليه البلاد، وأولاه ثقته حين قدمه على عسكره، وإن كان لا يطمئن إلى ولائه الاطمئنان التام، وهو الأمير الطموح، وصاحب المنزلة العالية بين المماليك البحرية، ولهذا رفض توليته حلب حين طلبها منه (٢)، خوفا من تفكك البلاد وانقسامها فيما لو سولت له نفسه الانفصال، وهي بعد تواجه خطر التتار. أما الأمير ركن الدين بيبرس، وقد نفض عنه الآن غبار المعركة التي طالما انتظرها، فقد استيقظت أحقاده القديمة، إنه لا يستطيع أن ينسى أن قطز هو وراء هربة من مصر، وتنقله في البلاد طريدا مهموما، ألم يقتل أستاذه فارس الدين أقطاي؟ ألم يستول على الملك من بعد وهو مملوك عز الدين أيبك؟ إنه لا ينتمي إليهم هم المماليك البحرية، مماليك السلطان الصالح أيوب (٣)، الذين دافعوا عن

стр. 244

البلاد في معركة المنصورة، وقد حفظت مصر بسيوفهم، فهم أحق بالملك منه، حقا لقد آواه قطز لما تعذر عليه المقام بالشام، ولكنه كان سينضوي تحت راية كل من يقاتل التتار، صيانة لبلاد الإسلام، أما الآن، وقد هزم التتار، وكانت له اليد البيضاء في هذا الانتصار الكبير، فليعد الحق إلى نصابه، فمن أولى بالسلطنة منه (١)؟ كان السلطان قطز في مسيره قد شارف حدود مصر (٢)، وقد خرج من الغرابي وقارب الصالحية، ولربما تخلى عن حذره، وهو يشعر بقرب وصوله إلى مأمنه، فانحرف في مسيره عن الدرب للصيد، وقد كان مولعا به، ومعه الأمراء، فلما فرغ من صيده، وعاد يريد الدهليز السلطاني اعترضه الأمير ركن الدين بيبرس طالبا منه امرأة من سبي التتار، فأنعم بها عليه، فأخذ بيبرس يد السلطان ليقبلها، وكانت إشارة بينه وبين الأمراء الذين اتفق معهم على قتله، فبدره الأمير بدر الدين بكتوت بالسيف، وضرب به عاتقه، واختطفه الأمير أنس، وألقاه عن ظهر فرسه، وعاجله الأمير بهادر بسهم أتى عليه، فسقط قطز قتيلا، مضرجا بدمائه، وذلك يوم السبت (١٥) ذي القعدة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) ولم يمض على سلطنته سوى أحد عشر شهرا، وسبعة عشر يوما، ودفن بالقصير (٣). وسار الأمراء بعد قتله إلى الدهليز السلطاني بالصالحية، واتفقوا على سلطنة الأمير ركن الدين بيبرس، وتلقب بالملك القاهر (٤).

стр. 245

وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر قطز، والناس في فرح ومسرات بالنصر على التتار (١). ووصل بيبرس إلى قلعة الجبل يوم الاثنين، فلما طلع النهار نادى المنادي في الناس: ترحموا على الملك المظفر، وادعوا لسلطانكم الملك القاهر ركن الدين بيبرس (٢). وألجمت الناس المفاجأة، ونزل عليهم هذا الخبر نزول الصاعقة. وحضر إلى قلعة الجبل الوزير زين الدين يعقوب بن الزبير، وأشار على بيبرس أن يغير اللقب بالملك الظاهر، فإنه ما تلقب بالقاهر أحد فأفلح (٣). فلما كان آخر النهار نادى المنادي بالدعاء للملك الظاهر. وانقلب فرح الناس بالنصر على التتار إلى غم من عودة دولة المماليك البحرية، وقد عانوا من جورهم، واستيلائهم على أموالهم، وهتكهم أعراضهم (٤). * * *

стр. 246

انقياد دمشق للظاهر بيبرس ورثاء أبي شامة لدار الحديث الأشرفية أما دمشق، فقد كانت ما تزال تعيش بهجة الانتصار على التتار، والتخلص من كابوسهم، وقد سارعت عقب رحيل قطز عنها في عمارة ما تشعث من قلعتها، وشارك أهلها كلهم في العمل بها، من صناع وكبراء الدولة، حتى النساء شاركن في عمارتها (١). ولم ينغص عليها بعض بهجتها سوى تولي نجم الدين بن صدر الدين بن سني الدولة قضاءها، وربما غفرت لقطز غلطته هذه بتوليته، وقد قرئ منشور ولايته هذا المنصب في يوم الجمعة (٢١) ذي القعدة سنة (٢) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) وهو المشهور بظلمه وفسقه وسوء أخلاقه ومجونه (٣)، وتعبر دمشق عن امتعاضها في ذلك اليوم بقصيدة تهجو بها هذا القاضي الجديد، وهي لم تنس بعد إساءات أبيه صدر الدين من قبله، ولم يحفظ لنا التاريخ من هذه القصيدة إلا مطلعها: أيها المالك المظفر والمو … لى الأمير المجير وابن وداعه (٤)

стр. 247

وتذكر القصيدة الناس بخيانة هذا القاضي يوم أودع كيسا فيه ألف دينار، فرد بدله كيسا فيه فلوس (١)، وشتان ما بين دنانير وفلوس! واعتادت دمشق على قضاة السوء، واعتادت على ما كان ينوبها أحيانا من الغلاء الشديد، وكانت تعيش في تلك الفترة أحلك أيامه، فقد كان غلاء شديدا في جميع الأشياء من المأكول والملبوس وغيرهما، وكان من أسبابه ما أحدثه الصليبيون من ضرب الدراهم المعروفة باليافية، وكانت كثيرة الغش، وقد كثرت في دمشق كثرة عظيمة، وتحدث في إبطالها مرارا، فكان كل من عنده شيء منها حريصا على إخراجه خوفا من بطلانها، فتراه يدأب في شراء أي شيء بها، فترتفع أثمان السلع بسبب ذلك (٢). وتصحو دمشق فجأة من بهجتها، وقد نمي إليها خبر مقتل السلطان قطز في طريق عودته إلى مصر، غير أنها لم تتبين بعد من تولى السلطنة من بعده، وتحزن دمشق لمقتله، وهو صاحب النصر في عين جالوت، ويكتب أبو شامة في تاريخه بأسى: «ووصل الخبر بأن الملك المظفر قطز الذي ملك مصر والشام وكسر التتار قتل في رجوعه من الشام إلى مصر قبل دخوله مصر بين الغرابي والصالحية … والله تعالى يولي على المسلمين من يهتم بنصرة الإسلام، وإقامة شريعة النبي ﵇، وكان قطز هذا موصوفا بمواظبة الصلوات، والشجاعة، وتجنب شرب الخمر، ﵀» (٣). كان قطز بارقة أمل خبت، ويشهد أبو شامة من جديد مأساة انقلاب الأفراح إلى أتراح، ألم يقتل تورانشاه بن الصالح نجم الدين أيوب عقب الانتصار على الصليبيين في معركة المنصورة؟ وها هو الآن يقتل قطز عقب الانتصار على التتار

стр. 248

في عين جالوت، يا لعجائب هذه الأمة التي لا تنقضي، ويكتب أبو شامة في تاريخه: «فبين هاتين الأعجوبتين المتشابهتين نحو من عشر سنين إلا أن السابقة كانت في أوائل سنة ثمان وأربعين، وهذه المتأخرة كانت في أواخر سنة ثمان وخمسين، والله تعالى يحسن العاقبة» (١). إنها أعجوبة حقا، وتتابع دمشق حياتها، منتظرة ما ستسفر عنه هذه الأحداث. وكان الظاهر بيبرس يوم جلس بالإيوان من قلعة الجبل بالقاهرة قد كتب إلى الملوك والنواب يخبرهم بسلطنته (٢)، وقد ورد هذا الخبر إلى دمشق في أوائل ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) فامتعض من ذلك الأمير علم الدين سنجر، وأنف من طاعة بيبرس (٣)، فجمع الأمراء، وحلفهم لنفسه، فأجابوه كلهم، لم يتأخر عنه أحد، ولقب نفسه بالملك المجاهد، وخطب له بالسلطنة، وضربت الدراهم باسمه إيذانا بانفصاله عن القاهرة، وكاتب الملك المنصور صاحب حماة يدعوه إلى مبايعته، فلم يستجب له، قائلا: أنا مع من يملك الديار المصرية كائنا من كان (٤). ولما رأى علم الدين سنجر أن أحدا من ملوك الأطراف لم يبايعه (٥) حاول تخفيف وقع انفصاله عن القاهرة، فأمر بأن يخطب للظاهر بيبرس بدمشق يوم الجمعة سادس ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) ثم يذكر اسمه من بعده، وضربت

стр. 249

الدراهم باسمهما (١)، وكأنه بذلك يعلن تبعيته الاسمية للقاهرة، غير أن الظاهر بيبرس لم يقنع بهذا، وراح يتربص لإعادة ضم دمشق إلى مملكته. في تلك الأثناء كانت منزلة أبي شامة في دمشق في ارتفاع، ومؤلفاته قد اشتهرت، وكثرت النسخ بها (٢)، فقد كان من قلة قليلة من العلماء الذين ثبتوا في دمشق حين دهمها التتار، ولم يجفل منها مع من جفل من أهلها. ثم إنه تعرض لمحنة كادت تودي بحياته، وقد أنجاه الله منها (٣)، فقد بات أبو شامة لأول مرة في حياته يتقدم الصفوف ليصلي إماما على من يموت من أعيان دمشق ومشايخها وزهادها، وهي منزلة لا يدركها إلا عالم كبير قد انعقدت القلوب على محبته وإجلاله. ففي (١٧) ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) توفي العفيف بن رحمة، وهو رجل صالح، كان خياطا في محل مجاور لجامع دمشق، فصلى عليه أبو شامة إماما خارج باب النصر، وحضر دفنه بمقابر الصوفية العليا (٤)، وفي طريق عودته مر بدار الحديث الأشرفية، وقد انقطع عنها زمنا طويلا لانشغاله في بستانه، فهاله ما أصابها من خراب صورة ومعنى على حد تعبيره (٥)، فقد استولى المتنفذون على أوقافها يأكلونه، فتشعث بناؤها وتهدم، وقل الاشتغال بالعلم فيها، وكان يتولى مشيختها في ذلك الوقت القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين بن الحرستاني (٦)، ويعود بخياله إلى ما كانت عليه من بهاء يوم كان يختلف إليها قبل

стр. 250

نحو ربع قرن يقرأ على شيخها يومئذ الفقيه الحافظ تقي الدين عثمان بن الصلاح (١)، فتجيش في نفسه هذه الذكرى، فإذا به ينظم أبياتا يقولها بديهة، يتحسر فيها على حالها: لست بدار حديث … ولا بمغني فلاح من بعد ما مات زنطا … ر والتقى ابن الصلاح هذاك للوقف والشي … خ للعلوم الصحاح (٢) وزنطار هذا كان يعرف بالحاج زنطار، وكان الملك الأشرف واقف دار الحديث قد اعتمد عليه في عمارة الدار ووقفها، والنظر في ذلك، وفي خدمة الأثر الشريف النبوي فيها (٣)، فكان رزقها في أيامه متوافرا، واختل ذلك بموته كما اختل الاشتغال بالعلم فيها بعد موت الشيخ ابن الصلاح (٤). كان أبو شامة يرثي لحال دار الحديث الأشرفية، وما عليها من إهمال وخراب، وقلبه يتميز غيظا من هؤلاء المنتفعين الذين لا هم لهم إلا مصالحهم الضيقة ورفاهية حياتهم، ولو كان في حياتهم موت العلوم والمدارس، ولكي تحيا لا بد من الوقوف في وجه أطماعهم، وتعريتهم وفضحهم على الملأ، وإن كانوا مختبئين تحت عمائم العلماء وطيالسهم. وستصبح من بعد قضية الأوقاف والاستيلاء عليها شغل أبي شامة الشاغل. بعد ذيوع خبر مقتل السلطان قطز حسب التتار أن لحظة انتقامهم من هزيمة عين جالوت قد دنت، فجمع بيدرا فلول كتائب التتار من أطراف الشام والعراق مع من

стр. 251

كان منهم بحران وغيرها من بلاد الجزيرة، فبلغوا نحو ستة آلاف فارس، وزحف بهم إلى البيرة، وهزم الفئة القليلة التي أرسلها لصدة الملك السعيد علاء الدين نائب حلب، وكانت تلك الهزيمة من أسباب ثورة المماليك العزيزية والناصرية عليه (١). وتقدم التتار نحو حلب، وقد جفل عنها أهلها (٢)، فاحتلوها بعد أن بادر بالجلاء عنها إلى حماة نائبها الجديد حسام الدين لاجين العزيزي، ثم سار التتار إلى حماة، فتقهقر عنها إلى حمص صاحبها الملك المنصور محمد والأمير لاجين العزيزي (٣)، فقصد التتار حمص، فبرز إليهم صاحبها الملك الأشرف موسى، وقد اجتمع إليه نحو ألف وأربع مئة فارس (٤)، وواقع التتار مع حلفائه يوم الجمعة (٥) محرم سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦٠ م) على الرستن، فكسر التتار كسرة عظيمة، وقتل منهم نحو ألف فارس، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد (٥)، وضربت البشائر بذلك، وحملت بعض رؤوس القتلى إلى دمشق (٦)، حيث طيف بها في (١٣) محرم في أسواقها، وهي مرفوعة على عصي بأيدي الصبيان، يجبى عليها الفلوس (٧). لم يعد التتار يخيفون حتى الصبيان، بل أصبحوا هم الخائفين، لقد ذلوا بعد معركة عين جالوت ومعركة حمص، فطمع المسلمون فيهم، وانتقل إلى التتار من الخوف ما كان عند المسلمين منهم (٨).

стр. 252

لم تنعم دمشق بهزيمة التتار حتى كان الظاهر بيبرس قد أعد خطته لإعادة ضمها إلى مملكته، فأرسل إليها الأمير جمال الدين المحمدي، ومعه الأموال الجزيلة لاستمالة أمرائها (١)، وأردفه بعسكر مع الأمير علاء الدين إيدكين البندقدار لقتال سلطانها علم الدين سنجر (٢). وقدم الأمير جمال الدين المحمدي دمشق، ودخلها في (٣) صفر سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وعمل على استمالة أمرائها ببذله لهم الأموال، فاستجاب له الأمراء القيمرية، وبايعوا الملك الظاهر (٣)، وخرجوا من دمشق معلنين عصيانهم على علم الدين سنجر، فبعث إليهم سنجر عسكرا، فهزموه، فخرج هو بنفسه، وحمل بأصحابه، ففروا منه، ثم كروا عليه (٤)، فلما خرج إليهم كان عسكر مصر قد وصل، فاقتتل معهم بظاهر دمشق، ووجد علم الدين سنجر نفسه وحيدا في معركة غير متكافئة، فولى منهزما مع أصحابه، والتجأ إلى قلعة دمشق يوم السبت (١١) صفر سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) ممتنعا بها (٥)، ودخل الأمير علاء الدين إيدكين دمشق، وملكها، وحلف الأمراء للملك الظاهر (٦). وخاف علم الدين سنجر على نفسه وهو محاصر بالقلعة (٧)، ففر منها ليلة الأحد (١٢) صفر إلى قلعة بعلبك (٨)، فتبعه العسكر إلى هناك، وقبضوا عليه، ثم حملوه إلى الديار المصرية، فاعتقل بقلعة الجبل بالقاهرة (٩).

стр. 253

وكان له في دمشق أعوان ظلمة، منصوبون لمصادرة الناس، فقبض عليهم (١). واستقرت دمشق في ملك الظاهر بيبرس، وانقاد الجميع لسلطنته لقوته بالمال والرجال على حد تعبير أبي شامة (٢)، فأقيمت الخطبة له بحماة وحلب وحمص وغيرها من بلاد الشام (٣). وكان الظاهر قد قرر الأمير علاء الدين إيدكين البندقدار على نيابة دمشق (٤)، وأقام الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري في قلعتها، ثم بعد نحو شهر صرف (٥) إيدكين، وولاها الأمير طيبرس. وأمر الظاهر بيبرس بعمارة ما خربه التتار من قلاع بلاد الشام، وحملت الغلال (٦) الوفيرة إلى دمشق لما تعانيه من الغلاء الشديد.

стр. 254

أبو شامة وكتابه «المذيل على الروضتين» مرت ثلاث وثلاثون سنة على أبي شامة، وهو يدون في تاريخه وقائع عصره، ووفيات علمائه وأصحابه ومعارفه، وينثر فيه أحيانا نتفا من سيرته، منذ أن خط أول كلمة فيه سنة (١) (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م) وكان في السابعة والعشرين من عمره، حتى هذه السنة (٢) (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وقد أتم من عمره الستين. حقا أنه فرغ من كتابه «الروضتين»، وقد أرخ فيه لدولتي نور الدين وصلاح الدين، وأتبعه ببعض ما جرى بعد وفاة صلاح الدين (٣)، غير أن ما كتبه في ذلك لم يرو غلته، ونظر في أوراق تاريخه هذا، فوجدها قد احتشدت بوقائع تسع وثلاثين سنة منذ أن ابتدأه من حوادث سنة (٤) (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م)، وهنا لاح له في معتزله خاطر: لم لا يستدرك في هذا التاريخ ما فاته ذكره من الوقائع التي أعقبت

стр. 255

وفاة صلاح الدين، ويجعله مذيلا لكتابه «الروضتين»؟ وبذلك تكتمل الصورة التي حاول رسمها، صورة الأمل الذي عاشه الناس في الروضتين، وقد أزهرتا بحكم ملكين عادلين: نور الدين وصلاح الدين، وصورة هذا الواقع الآسن الذي عاشه وما يزال يعيشه، من صراع بين الإخوة وأبناء العم على الثريد الأعفر، متناسين الصليبيين، هذا الخطر الجاثم على القلوب، بل إنهم في صراعهم المستميت راحوا يستقوون بهم، باذلين لهم البلاد، فأعطوهم فيما أعطوا بيت المقدس، درة فتوحات صلاح الدين، ومهوى أفئدة المسلمين، وقد ظلوا في صراعهم يعمهون حتى أتى أخيرا طوفان التتار من الشرق، فأغرق البلاد بالدماء وأغرقهم. وهاهم من جاء بعدهم يعتدون على أعراض المسلمين، وينهبون أموالهم، ويحولون الانتصارات إلى مآتم .. وبحزن شفيف يكب أبو شامة على تاريخه هذا، يستدرك فيه ما فاته تدوينه منذ سنة (٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م) وهي السنة التي أعقبت وفاة صلاح الدين، حتى سنة (٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م) معتمدا في كثير من أخباره على من سبقه من المؤرخين، ممن عاصر أحداث تلك السنين كسبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان»، وعز الدين محمد بن تاج الأمناء ابن عساكر في مدوناته التاريخية، وعلى ما سمعه ممن أدرك تلك الفترة (١). ولم ينس أن يكتب لنفسه ترجمة موجزة في سنة ولادته (٢) (٥٩٩ هـ/ ١٢٠٣ م)، وشرع يكتب له مقدمة جديدة سماه فيها «المذيل على الروضتين» (٣). وبينما كان أبو شامة غارقا في أوراقه توفي ابنه الصغير إسماعيل في يوم الاثنين (٣) ربيع الآخر سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وليس له من العمر سوى سنة واحدة وشهرين ونصف، وبقلب قد تمرس بالصبر يصلي عليه أبو شامة خارج باب النصر،

стр. 256

ثم يحمله نحو المقبرة ليدفنه إلى جانب إخوته محمد وزينب بمقبرة ابن زويزان المجاورة لمقبرة الصوفية (١)، حيث ترقد أختهم رقية (٢). وما إن يستريح من أحزانه وأوجاعه حتى يعاود استئناف تدوين ما كان يجد من الوقائع في مذيله، فهو لن يضع قلمه ما دام مداده من أنفاسه.
следующие страницы →