في عين جالوت، يا لعجائب هذه الأمة التي لا تنقضي، ويكتب أبو شامة في تاريخه: «فبين هاتين الأعجوبتين المتشابهتين نحو من عشر سنين إلا أن السابقة كانت في أوائل سنة ثمان وأربعين، وهذه المتأخرة كانت في أواخر سنة ثمان وخمسين، والله تعالى يحسن العاقبة» (١).
إنها أعجوبة حقا، وتتابع دمشق حياتها، منتظرة ما ستسفر عنه هذه الأحداث.
وكان الظاهر بيبرس يوم جلس بالإيوان من قلعة الجبل بالقاهرة قد كتب إلى الملوك والنواب يخبرهم بسلطنته (٢)، وقد ورد هذا الخبر إلى دمشق في أوائل ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) فامتعض من ذلك الأمير علم الدين سنجر، وأنف من طاعة بيبرس (٣)، فجمع الأمراء، وحلفهم لنفسه، فأجابوه كلهم، لم يتأخر عنه أحد، ولقب نفسه بالملك المجاهد، وخطب له بالسلطنة، وضربت الدراهم باسمه إيذانا بانفصاله عن القاهرة، وكاتب الملك المنصور صاحب حماة يدعوه إلى مبايعته، فلم يستجب له، قائلا: أنا مع من يملك الديار المصرية كائنا من كان (٤).
ولما رأى علم الدين سنجر أن أحدا من ملوك الأطراف لم يبايعه (٥) حاول تخفيف وقع انفصاله عن القاهرة، فأمر بأن يخطب للظاهر بيبرس بدمشق يوم الجمعة سادس ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) ثم يذكر اسمه من بعده، وضربت
стр. 249
الدراهم باسمهما (١)، وكأنه بذلك يعلن تبعيته الاسمية للقاهرة، غير أن الظاهر بيبرس لم يقنع بهذا، وراح يتربص لإعادة ضم دمشق إلى مملكته.
في تلك الأثناء كانت منزلة أبي شامة في دمشق في ارتفاع، ومؤلفاته قد اشتهرت، وكثرت النسخ بها (٢)، فقد كان من قلة قليلة من العلماء الذين ثبتوا في دمشق حين دهمها التتار، ولم يجفل منها مع من جفل من أهلها.
ثم إنه تعرض لمحنة كادت تودي بحياته، وقد أنجاه الله منها (٣)، فقد بات أبو شامة لأول مرة في حياته يتقدم الصفوف ليصلي إماما على من يموت من أعيان دمشق ومشايخها وزهادها، وهي منزلة لا يدركها إلا عالم كبير قد انعقدت القلوب على محبته وإجلاله.
ففي (١٧) ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) توفي العفيف بن رحمة، وهو رجل صالح، كان خياطا في محل مجاور لجامع دمشق، فصلى عليه أبو شامة إماما خارج باب النصر، وحضر دفنه بمقابر الصوفية العليا (٤)، وفي طريق عودته مر بدار الحديث الأشرفية، وقد انقطع عنها زمنا طويلا لانشغاله في بستانه، فهاله ما أصابها من خراب صورة ومعنى على حد تعبيره (٥)، فقد استولى المتنفذون على أوقافها يأكلونه، فتشعث بناؤها وتهدم، وقل الاشتغال بالعلم فيها، وكان يتولى مشيختها في ذلك الوقت القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين بن الحرستاني (٦)، ويعود بخياله إلى ما كانت عليه من بهاء يوم كان يختلف إليها قبل
стр. 250
نحو ربع قرن يقرأ على شيخها يومئذ الفقيه الحافظ تقي الدين عثمان بن الصلاح (١)، فتجيش في نفسه هذه الذكرى، فإذا به ينظم أبياتا يقولها بديهة، يتحسر فيها على حالها:
لست بدار حديث … ولا بمغني فلاح
من بعد ما مات زنطا … ر والتقى ابن الصلاح
هذاك للوقف والشي … خ للعلوم الصحاح (٢)
وزنطار هذا كان يعرف بالحاج زنطار، وكان الملك الأشرف واقف دار الحديث قد اعتمد عليه في عمارة الدار ووقفها، والنظر في ذلك، وفي خدمة الأثر الشريف النبوي فيها (٣)، فكان رزقها في أيامه متوافرا، واختل ذلك بموته كما اختل الاشتغال بالعلم فيها بعد موت الشيخ ابن الصلاح (٤).
كان أبو شامة يرثي لحال دار الحديث الأشرفية، وما عليها من إهمال وخراب، وقلبه يتميز غيظا من هؤلاء المنتفعين الذين لا هم لهم إلا مصالحهم الضيقة ورفاهية حياتهم، ولو كان في حياتهم موت العلوم والمدارس، ولكي تحيا لا بد من الوقوف في وجه أطماعهم، وتعريتهم وفضحهم على الملأ، وإن كانوا مختبئين تحت عمائم العلماء وطيالسهم.
وستصبح من بعد قضية الأوقاف والاستيلاء عليها شغل أبي شامة الشاغل. بعد ذيوع خبر مقتل السلطان قطز حسب التتار أن لحظة انتقامهم من هزيمة عين جالوت قد دنت، فجمع بيدرا فلول كتائب التتار من أطراف الشام والعراق مع من
стр. 251
كان منهم بحران وغيرها من بلاد الجزيرة، فبلغوا نحو ستة آلاف فارس، وزحف بهم إلى البيرة، وهزم الفئة القليلة التي أرسلها لصدة الملك السعيد علاء الدين نائب حلب، وكانت تلك الهزيمة من أسباب ثورة المماليك العزيزية والناصرية عليه (١).
وتقدم التتار نحو حلب، وقد جفل عنها أهلها (٢)، فاحتلوها بعد أن بادر بالجلاء عنها إلى حماة نائبها الجديد حسام الدين لاجين العزيزي، ثم سار التتار إلى حماة، فتقهقر عنها إلى حمص صاحبها الملك المنصور محمد والأمير لاجين العزيزي (٣)، فقصد التتار حمص، فبرز إليهم صاحبها الملك الأشرف موسى، وقد اجتمع إليه نحو ألف وأربع مئة فارس (٤)، وواقع التتار مع حلفائه يوم الجمعة (٥) محرم سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦٠ م) على الرستن، فكسر التتار كسرة عظيمة، وقتل منهم نحو ألف فارس، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد (٥)، وضربت البشائر بذلك، وحملت بعض رؤوس القتلى إلى دمشق (٦)، حيث طيف بها في (١٣) محرم في أسواقها، وهي مرفوعة على عصي بأيدي الصبيان، يجبى عليها الفلوس (٧).
لم يعد التتار يخيفون حتى الصبيان، بل أصبحوا هم الخائفين، لقد ذلوا بعد معركة عين جالوت ومعركة حمص، فطمع المسلمون فيهم، وانتقل إلى التتار من الخوف ما كان عند المسلمين منهم (٨).
стр. 252
لم تنعم دمشق بهزيمة التتار حتى كان الظاهر بيبرس قد أعد خطته لإعادة ضمها إلى مملكته، فأرسل إليها الأمير جمال الدين المحمدي، ومعه الأموال الجزيلة لاستمالة أمرائها (١)، وأردفه بعسكر مع الأمير علاء الدين إيدكين البندقدار لقتال سلطانها علم الدين سنجر (٢).
وقدم الأمير جمال الدين المحمدي دمشق، ودخلها في (٣) صفر سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وعمل على استمالة أمرائها ببذله لهم الأموال، فاستجاب له الأمراء القيمرية، وبايعوا الملك الظاهر (٣)، وخرجوا من دمشق معلنين عصيانهم على علم الدين سنجر، فبعث إليهم سنجر عسكرا، فهزموه، فخرج هو بنفسه، وحمل بأصحابه، ففروا منه، ثم كروا عليه (٤)، فلما خرج إليهم كان عسكر مصر قد وصل، فاقتتل معهم بظاهر دمشق، ووجد علم الدين سنجر نفسه وحيدا في معركة غير متكافئة، فولى منهزما مع أصحابه، والتجأ إلى قلعة دمشق يوم السبت (١١) صفر سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) ممتنعا بها (٥)، ودخل الأمير علاء الدين إيدكين دمشق، وملكها، وحلف الأمراء للملك الظاهر (٦).
وخاف علم الدين سنجر على نفسه وهو محاصر بالقلعة (٧)، ففر منها ليلة الأحد (١٢) صفر إلى قلعة بعلبك (٨)، فتبعه العسكر إلى هناك، وقبضوا عليه، ثم حملوه إلى الديار المصرية، فاعتقل بقلعة الجبل بالقاهرة (٩).
стр. 253
وكان له في دمشق أعوان ظلمة، منصوبون لمصادرة الناس، فقبض عليهم (١).
واستقرت دمشق في ملك الظاهر بيبرس، وانقاد الجميع لسلطنته لقوته بالمال والرجال على حد تعبير أبي شامة (٢)، فأقيمت الخطبة له بحماة وحلب وحمص وغيرها من بلاد الشام (٣).
وكان الظاهر قد قرر الأمير علاء الدين إيدكين البندقدار على نيابة دمشق (٤)، وأقام الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري في قلعتها، ثم بعد نحو شهر صرف (٥) إيدكين، وولاها الأمير طيبرس.
وأمر الظاهر بيبرس بعمارة ما خربه التتار من قلاع بلاد الشام، وحملت الغلال (٦) الوفيرة إلى دمشق لما تعانيه من الغلاء الشديد.
стр. 254
أبو شامة وكتابه «المذيل على الروضتين»
مرت ثلاث وثلاثون سنة على أبي شامة، وهو يدون في تاريخه وقائع عصره، ووفيات علمائه وأصحابه ومعارفه، وينثر فيه أحيانا نتفا من سيرته، منذ أن خط أول كلمة فيه سنة (١) (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م) وكان في السابعة والعشرين من عمره، حتى هذه السنة (٢) (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وقد أتم من عمره الستين.
حقا أنه فرغ من كتابه «الروضتين»، وقد أرخ فيه لدولتي نور الدين وصلاح الدين، وأتبعه ببعض ما جرى بعد وفاة صلاح الدين (٣)، غير أن ما كتبه في ذلك لم يرو غلته، ونظر في أوراق تاريخه هذا، فوجدها قد احتشدت بوقائع تسع وثلاثين سنة منذ أن ابتدأه من حوادث سنة (٤) (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م)، وهنا لاح له في معتزله خاطر: لم لا يستدرك في هذا التاريخ ما فاته ذكره من الوقائع التي أعقبت
стр. 255
وفاة صلاح الدين، ويجعله مذيلا لكتابه «الروضتين»؟ وبذلك تكتمل الصورة التي حاول رسمها، صورة الأمل الذي عاشه الناس في الروضتين، وقد أزهرتا بحكم ملكين عادلين: نور الدين وصلاح الدين، وصورة هذا الواقع الآسن الذي عاشه وما يزال يعيشه، من صراع بين الإخوة وأبناء العم على الثريد الأعفر، متناسين الصليبيين، هذا الخطر الجاثم على القلوب، بل إنهم في صراعهم المستميت راحوا يستقوون بهم، باذلين لهم البلاد، فأعطوهم فيما أعطوا بيت المقدس، درة فتوحات صلاح الدين، ومهوى أفئدة المسلمين، وقد ظلوا في صراعهم يعمهون حتى أتى أخيرا طوفان التتار من الشرق، فأغرق البلاد بالدماء وأغرقهم.
وهاهم من جاء بعدهم يعتدون على أعراض المسلمين، وينهبون أموالهم، ويحولون الانتصارات إلى مآتم ..
وبحزن شفيف يكب أبو شامة على تاريخه هذا، يستدرك فيه ما فاته تدوينه منذ سنة (٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م) وهي السنة التي أعقبت وفاة صلاح الدين، حتى سنة (٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م) معتمدا في كثير من أخباره على من سبقه من المؤرخين، ممن عاصر أحداث تلك السنين كسبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان»، وعز الدين محمد بن تاج الأمناء ابن عساكر في مدوناته التاريخية، وعلى ما سمعه ممن أدرك تلك الفترة (١). ولم ينس أن يكتب لنفسه ترجمة موجزة في سنة ولادته (٢) (٥٩٩ هـ/ ١٢٠٣ م)، وشرع يكتب له مقدمة جديدة سماه فيها «المذيل على الروضتين» (٣).
وبينما كان أبو شامة غارقا في أوراقه توفي ابنه الصغير إسماعيل في يوم الاثنين (٣) ربيع الآخر سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وليس له من العمر سوى سنة واحدة وشهرين ونصف، وبقلب قد تمرس بالصبر يصلي عليه أبو شامة خارج باب النصر،
стр. 256
ثم يحمله نحو المقبرة ليدفنه إلى جانب إخوته محمد وزينب بمقبرة ابن زويزان المجاورة لمقبرة الصوفية (١)، حيث ترقد أختهم رقية (٢).
وما إن يستريح من أحزانه وأوجاعه حتى يعاود استئناف تدوين ما كان يجد من الوقائع في مذيله، فهو لن يضع قلمه ما دام مداده من أنفاسه.
стр. 257
الخليفة العباسي المخذول
انقضت نحو أربع سنين ونصف منذ سقوط بغداد، والناس بغير خليفة، إلى أن قدم مصر ناجيا من سيوف التتار أبو القاسم أحمد بن الظاهر محمد بن الناصر لدين الله، أخو الخليفة المستنصر، فعقد له مجلس عند قاضي القضاة في (١٣) رجب سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) بحضور الظاهر بيبرس، وقد جمع له الناس من العلماء والتجار، فلما أثبت نسبه عند قاضي القضاة بادر الظاهر بيبرس إلى مبايعته بالخلافة، وتبعه الناس، وقد غمرهم سرور عظيم، وشكروا الله تعالى عود الخلافة العباسية بعد أن قطعها التتار بقتل الخليفة المستعصم (١).
وورد كتاب إلى دمشق بذلك في (١٩) رجب إلى قاضي قضاتها نجم الدين بن صدر الدين ابن سني الدولة، وقرئ بالمدرسة العادلية (٢).
وقد سعى الظاهر بيبرس إلى تثبيت الخلافة تقربا من العامة، وليضفي الشرعية على حكمه في أوائل عهده أسوة بمن سبقه من الملوك والسلاطين، وقد كانوا يتلقون تقليد ولاياتهم من الخليفة.
فلما تم له ذلك، وتلقى تقليد ولايته منه عزم على إعادة الخليفة الجديد إلى
стр. 258
بغداد، موطن آبائه وأجداده، ربما تخلصا من قربه منه في القاهرة، وهو الذي لا يحتمل سلطة فوق سلطته، وربما إيمانا منه بوجوب استعادة بغداد، حاضرة الخلافة العباسية، فراح يهيئ جيشا كبيرا يكون مع الخليفة عونا له في استعادتها، حتى إذا تم له ذلك خرج من القاهرة بعساكره، وبصحبته الخليفة، في يوم السبت (٦) شوال سنة (١) (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وكان في موكبه نائب القاضي في القاهرة شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان (٢)، حتى إذا كان يوم الاثنين (٦) ذي القعدة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وصل الظاهر بيبرس إلى الكسوة ظاهر دمشق، بعد نحو شهر من مسيره من القاهرة، فخرجت عساكر دمشق وأهلها إلى استقبال سلطانهم الجديد، وخليفتهم الجديد، وكان يوما مشهودا، ملأ الفرح فيه قلوبهم (٣).
وعلى وقع هذا الاستقبال الحافل دخل الظاهر دمشق، ونزل بقلعتها، ونزل الخليفة بالتربة السلطانية الناصرية بجبل قاسيون (٤).
فلما كان يوم الجمعة (١٠) ذي القعدة توجه الخليفة إلى جامع دمشق، فدخله من باب البريد، وجاء بعده الظاهر بيبرس داخلا من باب الزيادة، حيث جلسا في مقصورة الخطيب مستمعين لخطبة الجمعة، ومقيمين لصلاتها، فلما خرجا بعد الصلاة من الجامع تجمع الناس حولهما يدعون لهما بالنصر والإعانة على قمع الكفرة وأعداء الدين (٥).
стр. 259
كان الظاهر بيبرس قد عقد عزمه على أن يرسل مع الخليفة نحو عشرة آلاف فارس، وأن يكون أولاد صاحب الموصل في خدمته، وبينما كان يجيل خاطره في ذلك خلا به يوما واحد من المقربين منه، وأشار عليه ألا ينفذ ما عزم عليه، إذ إن الخليفة إذا ما استقر في بغداد سينازع الظاهر في سلطانه، وسيخرجه من مصر، ووقعت هذه الكلمات في قلب الظاهر بيبرس موقعا متمكنا، وربما أكدت له ما كانت هواجسه تحدثه به، ففتر عما عقد العزم عليه، وقرر أن يرسل مع الخليفة قوة صغيرة في نحو ثلاث مئة فارس (١)، وكأنه بذلك يحكم على الخليفة بالموت، إذ إنه لن يستطيع بهذا العدد القليل من الجند مهما تبلغ جرأته وشجاعته أن يقف في وجه جيش التتار، المنتشر في العراق.
والغريب حقا أن الخليفة قد قبل بما جاد عليه الظاهر من هذه القوة الصغيرة، وظن حقا أنه سيعيد بها فتح بغداد، فخرج من دمشق في يوم الخميس (٢٣) ذي القعدة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) نحو العراق على طريق البرية (٢)، وركب السلطان الظاهر لوداعه الوداع الأخير (٣).
وفي الطريق انضم إلى الخليفة الأمير علي بن حذيفة من آل فضل بأربع مئة فارس من العرب، وكذلك انضم إليه نحو ستين مملوكا من مماليك المواصلة، ولحق به الأمير عز الدين بركة من حماة في ثلاثين فارسا.
وسار الخليفة بقوته هذه حتى وصل إلى مشهد علي، فوجد فيها أميرا من بني العباس، هو أبو العباس أحمد، من أولاد المسترشد بالله، وقد اجتمع إليه سبع مئة فارس من التركمان، فالتقاه، ورغبه في اجتماع الكلمة على إقامة الدولة
стр. 260
العباسية، فأجابه الأمير أبو العباس إلى ذلك، فسار معه، حتى وصلوا إلى هيت، فأقاموا بها (١).
وتسامع التتار بهم، وتنادوا لحربهم، وخرجوا إليهم في (٣) محرم سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦١ م) فما كانت إلا جولة حتى تبدد جيش الخليفة بين قتيل وأسير وهارب، أما الخليفة فقد ضن التاريخ حتى بذكر مقتله، إذ فقد في المعركة، ولم يعرف له خبر (٢)، وكان من الهاربين الأمير أبو العباس أحمد (٣) الذي سينصبه الظاهر بيبرس من بعد خليفة في مصر، ويلقبه بالحاكم بأمر الله (٤).
стр. 261
تباشير عهد جديد ابن خلكان قاضي دمشق، وأبو شامة يخرج من عزلته
أقام الظاهر بيبرس في دمشق، وقد خلا باله من هم الخليفة، يدبر شؤونها، وأقر على نيابتها الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري (١).
وكان أهل دمشق قد ضجوا بالشكوى من قاضيها نجم الدين محمد بن صدر الدين أحمد ابن سني الدولة، ولم تقتصر شكواهم على ظلمه، وهو عام، بل تعداه إلى فسقه وخلاعته، وذكرهم فسقه بالقاضي الهالك رفيع الدين الجيلي (٢)، وكانت الشكوى منه قد بلغت مسامع الظاهر بيبرس بالقاهرة، فعزم على عزله (٣)، وبذل نجم الدين أموالا جمة رشوة لكي يبقى في منصبه، فلم يستجب له (٤)، وعزل يوم الخميس (٨) ذي الحجة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وألزم بالإقامة الجبرية، وولى الظاهر القضاء شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان، وكان قد
стр. 262
اصطحبه معه إلى دمشق ليوليه هذا المنصب (١)، بعد أن كان ينوب عن القاضي بالقاهرة سنين كثيرة (٢).
وجلس ابن خلكان بإيوان المدرسة العادلية الكبرى، حيث كان مجلس الحكم (٣)، وأمر نجم الدين بالسفر إلى الديار المصرية، فخرج إليها معتقلا يوم الخميس (١٥) ذي الحجة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وشيعه الناس بالدعاء عليه، فقد كان حاكما فاجرا ظالما متعديا، فاستراح منه العباد والبلاد (٤).
وكما استقبل هذا القاضي الفاسق بقصيدة هجاء ودع بقصيدة هجاء، وقد أنشدها أبا شامة ناظمها العماد بن داود الحموي، مشيرا للقاضي الجديد ابن خلكان بأنه شمس قد أحرقت نجما، تفاؤلا بعدله، يقول فيها:
نجم أتاه ضياء الشمس فاحترقا … وراح من لجج الإدبار قد غرقا
ناحت عليه الليالي وهي شامتة … وعرفته صروف الدهر ما اختلقا
وحدثته الأماني وهي كاذبة … بأنه لا يرى بعد النعيم شفا
وجاد بالمال كي تبقى رياسته … وفتق الشرع والتقوى وما رتقا
فجاءه سهم غرب جل مرسله … فمات معنى وما أخطاه من رشقا
وألقيت في قلوب الناس بغضته … لكنهم قد غدوا في ذمه فرقا
ففرقة بقبيح الظلم تذكره … وفرقة حلفت بالله قد فسقا
وفرقة سلبته ثوب عصمته … بأنه من رباط الدين قد مرقا
وراح قسرا إلى مصر على عجل … موافقا للذي من قبله سبقا (٥)
стр. 263
مفارقا لنعيم كان منغمسا … فيه ولذة نوم بدلت أرقا (١)
ولا يبعد أن أبا شامة كان يهتز طربا، وقد انفرجت أساريره، لمعاني هذه القصيدة، التي عبرت عما في نفسه تجاه هذا القاضي الفاسق، وطابت قريحته، فزاد في القصيدة بيتا:
وفرقة وصفه بالخلاعة مع … خبث وكبر فكلهم صدقا (٢)
وتعني هذه القصيدة فيما تعني أن الاستياء من القضاة الظلمة الفسقة قد بلغ نهايته، ولم يعد يطاق السكوت عنه.
وفي يوم الجمعة (١٦) ذي الحجة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) غداة سفر القاضي المعزول، قرئ بالشباك الكمالي بجامع دمشق، وأبو شامة حاضر، تقليد القضاء لابن خلكان، ويتضمن أنه فوض إليه الحكم في جميع بلاد الشام من العريش إلى سلمية، يستنيب فيها من يراه، وفوض إليه النظر في أوقاف جامع دمشق والمصالح والبيمارستان والمدارس وغيرها، مما كانت تحت الحاكم المعزول، وفوض إليه تدريس سبع مدارس كانت تحت يد الحاكم المعزول كذلك، وهي العذراوية والعادلية والناصرية والفلكية والركنية والإقبالية والبهنسية (٣).
وفي يوم السبت (١٧) ذي الحجة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) خرج الظاهر بيبرس من دمشق عائدا إلى مصر بعد أن اطمأن إلى ترتيب أمورها (٤).
* * *
وارتاح أبو شامة كما ارتاح أهل دمشق بانقلاع القاضي نجم الدين، ولربما أحس وهو يسمع تقليد ابن خلكان القضاء في الشباك الكمالي بجامع دمشق ببدء
стр. 264
عهد جديد، ولربما عادت به ذاكرته إلى سنة (٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م) حين التقى ابن خلكان أول مرة بحلقة شيخه تقي الدين ابن الصلاح في دار الحديث الأشرفية (١)، وكان قد قدم دمشق في تلك السنة، وأقام بها عاما واحدا، يقرأ فيها على الشيخ ابن الصلاح، ثم رجع بعدها إلى حلب (٢)، ومنها سافر إلى مصر، وأقام بها تلك السنين (٣) كلها حتى قدم الآن دمشق قاضيا لبلاد الشام.
ولعل أبا شامة قد أمل به خيرا في إصلاح القضاء في هذا العهد الجديد، فلن تصلح حياة المسلمين ما دام قضاؤهم فاسدا، بل إن فساد القضاء هو أس الفساد كله، ولا قوام للمجتمع إلا بقهر ملك وعدل قاض كما كتب مرة (٤)، قهر ملك يحفظ الأمن، ولم تعدم الأمة هؤلاء الملوك القاهرين، وعدل قاض يحفظ الحق، وقد طال انتظار الأمة وهي ترقب مجيء هؤلاء القضاة العادلين.
وما كان أبو شامة لينتظر في هذا العهد الجديد، وهو يؤمل فيه ما يؤمل، منصبا يعيد إليه اعتباره، وهو عالم دمشق الكبير، والفقيه الذي بلغ مرتبة الاجتهاد (٥) وهي مرتبة لم يبلغها أحد من معاصريه، لقد نفض يديه من المناصب كلها، وها هو يعيش في عزلته الهادئة مع أسرته، يزرع بستانه، ويفلح أرضه، ليتقوت من ثماره (٦)، بل إنه قد أصاب شيئا من الثروة من عمله ذاك، وغدا بستانه، وقد اتسعت أرضه، في أيام الغلاء والشدة ملجأ للفقراء واليتامى يجدون في ثماره ما يعينهم على فقرهم ويتمهم (٧).
стр. 265
وها هو ذا قد قر عينا أخيرا بتزويج ابنته فاطمة، وقد بلغت الثامنة والعشرين من عمرها (١) من عبد الرحمن بن محمد بن علي البكري (٢)، وهو من أسرة كريمة، كان والده قد قدم من مراكش في المغرب إلى دمشق (٣)، وجمعه بأبي شامة حب العلم.
وبدأ ابن خلكان مهام منصبه الجديد بالتعرف إلى علماء دمشق وأعيانها، وهو الغريب عنها، ليستعين بهم على مهامه الكثيرة، من تعيين نواب له لمراجعة الأحكام والفصل في القضايا، وضبط الأوقاف، ولتنصيب معيدين له في المدارس التي يتولاها (٤).
ويلتقي فيمن يلتقي أبا شامة، مفتي الشام والعدل الثبت بعد طول غياب، وكان ابن خلكان في نحو الواحدة والخمسين من عمره، وأبو شامة في الستين.
وبما عرف عن أبي شامة من صدق اللهجة، والصدع بالحق يصارح القاضي ابن خلكان بما آلت إليه أحوال الأوقاف في دمشق (٥) من تبديد لأموالها، واختلاس لها، وتولية مناصب الإقراء والتدريس غير المؤهلين لها، ولربما باح له كيف أبعد ظلما عن مشيخة الإقراء في تربة أم الصالح، وعليه كان ينطبق شرط واقفها (٦)، إذ المناصب لم تعد تنال إلا بالتذلل والتملق لأولي الأمر، وبذل المال لهم، مما
стр. 266
جعله ينأى بنفسه عنها، ويعتزل التدريس والتكسب من مال الوقف، قانعا من دنياه بأرضه يفلحها ويزرعها، ويتقوت من ثمارها (١).
ولم تكن مواقف أبي شامة من القضاة الجائرين خافية على ابن خلكان، فقد كان يتناهى إلى سمعه منها أشياء، وهو في مصر، بل إن بعض الحاقدين على أبي شامة قد شوه بعض هذه المواقف زورا وبهتانا (٢).
وما كان أبو شامة يرمي من وراء هذا البوح أن يسند إليه ابن خلكان منصبا يتناسب ومنزلته العلمية، فهو محب للعزلة والانفراد، متجنب المزاحمة على المناصب، لا يؤثر على العافية والكفاية شيئا (٣)، غير أن ابن خلكان ربما رغب حقا في إنصافه، فعزم عليه أن يخرج من عزلته، ويتولى التدريس من جديد، ولربما قبل أبو شامة بعد تمنع ما عرضه عليه ابن خلكان، إظهارا لحسن ظنه به، وهو يفتتح عهده الجديد، وهكذا عينه ابن خلكان نائبا عنه في المدرسة الركنية الجوانية (٤).
ونتساءل حقا: لم اختار له ابن خلكان من المدارس التي تحت يده هذه المدرسة، وهي من أصغرها، ولم يعينه نائبا عنه في المدرسة العادلية، أو الناصرية، وهما من أكبرها؟ وهل شعر أبو شامة ببعض خيبة أمل وهو يتولى التدريس في هذه المدرسة؟ وهل كانت نفسه تتشوف لغيرها؟
ولربما فوجئ أبو شامة بابن خلكان، وهو يعين بدر الدين المراغي نائبا عنه في المدرسة العادلية (٥)، وهو يعرف المراغي متمكنا من علم الجدل والخلاف على
стр. 267
اصطلاح المتأخرين، غير أنه قليل الدين، تارك للصلاة (١)، ويعين ابن خلكان على عمالة جامع دمشق وعمالة مخزن الأيتام شابا حسن الصورة، هو العفيف بن أبي الفوارس (٢)، وفي دمشق من يفوقه حذقا بهذه الصناعة (٣).
وفي يوم الأربعاء (١٢) محرم سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦١ م) يفتتح أبو شامة درسه الأول في المدرسة الركنية الجوانية، منهيا عزلة دامت نحو خمس سنين (٤)، وقد قرأ فيه من مختصر المزني، وكان الحضور فيه قليلا اقتصر فيه على القاضي ابن خلكان وغيره، هكذا بصيغة الإبهام كما يسجل أبو شامة في تاريخه «المذيل على الروضتين» (٥)، وهو إبهام ربما يشي ببعض الانزعاج، فقد تعودنا في أمثال هذه المناسبات أن يحضر العلماء والأعيان، وأحيانا الأمراء.
ولربما في هذه الفترة، ولكي يكون قريبا من المدرسة الركنية يتخذ أبو شامة مسكنا له في حي من أحياء دمشق، هو دار العطافية، غربي المدرسة العادلية (٦).
وتتلقى دمشق بقلب حزين خبر وفاة عالمها الجليل شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام في القاهرة يوم الأحد (١٠) جمادى الأولى سنة (٧) (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) بعد حياة حافلة بجهاد المستبدين والفاسدين، واحتشدت القاهرة لتشييعه بأمرائها وعلمائها وأعيانها وعامتها، حتى إن السلطان الظاهر بيبرس نزل من القلعة، وصلى عليه مع الناس بالقرافة (٨).
стр. 268
وفي جامع التوبة بالعقيبة بدمشق - حيث كان ابنه يخطب - أقيم عزاؤه يوم الاثنين (٢٥) جمادى الأولى (١)، وفي يوم الجمعة صلي عليه صلاة الغائب في جامع دمشق وغيره من الجوامع بالشام، ويسمع أبو شامة، وهو في جامع دمشق، النصير المؤذن ينادي عقب الفراغ من صلاة الجمعة: الصلاة على الفقيه الإمام، شيخ الإسلام، عز الدين بن عبد السلام (٢).
ولربما عادت بأبي شامة ذاكرته، وهو يسمع نداء الصلاة عليه، إلى لقائه في صباه بالشيخ عز الدين في جامع دمشق في حلقة شيخه علم الدين السخاوي (٣)، ومصاحبته له في دمشق حتى إخراجه منها منفيا قبل نحو اثنتين وعشرين سنة (٤)، ولربما تساءل: من لهذه الأمة بشيخ يصدع بالحق كما كان الشيخ عز الدين يصدع، بعد أن سكتت ألسنة العلماء خوفا وطمعا؟ ..
ولربما خفف من حزنه على وفاة الشيخ عز الدين ما استقبله من خبر بعد نحو شهر، في ليلة الأحد آخر جمادى الآخرة سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) من ولادة أول حفيد له، هو سبطه الحسن بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البكري من ابنته فاطمة، فيدعو الله أن يجعله مباركا (٥).
وتتوالى الأيام، وهو في المدرسة الركنية يلقي فيها دروسه، ويختلف في بعض ساعاتها إلى المدرسة العادلية الكبرى، حيث يجلس وهو أحد العدول بإيوان مجلس الحكم، ويلتقي القاضي ابن خلكان، ويسائله أحيانا عن بعض الأخبار التي ترد من مصر لعلمه بخفاياها (٦).
стр. 269
فزاعة التتار وخيبة أمل أبي شامة من إصلاح القضاء
وعلى الرغم مما كانت تعيشه دمشق من أمان في ظل هذا العهد الجديد، ظل هاجس الخوف من التتار يسكن في أعماقها، فهم ما يزالون في العراق، ولا يفصلهم عن بلاد الشام سوى نهر الفرات.
وكثيرا ما كان يعكر أمنها ما ينتشر فيها من شائعات عن قرب عودتهم إليها، وبعض هذه الشائعات كان يتعاظم في الأخيلة الخائفة حتى يقارب الحقيقة. وهذا ما وقع حقا في منتصف رمضان سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) إذ سرت بين الناس شائعة بقرب قدوم التتار، فجفل الناس من حمص وحماة وغيرهما إلى دمشق، وتجهز أهل دمشق للهرب منها إلى الديار المصرية، حتى إن الأمراء باعوا حواصلهم بما فيها حواصل القلعة (١)، وقد بلغ هذا الإرجاف بقدومهم مسامع السلطان الظاهر بيبرس بالقاهرة، فكتب إلى نوابه برحيل أهل الشام عنها، حفظا على حياتهم وأموالهم، وطلب منهم حراستهم في الطريق، وألا يؤخذ منهم أثناء خروجهم مكس ولا زكاة، ولا يتعرض لما معهم من متجر وغيره (٢).
стр. 270
واستغل نائب دمشق الأمير طيبرس الوزيري كتاب السلطان أسوأ استغلال وأبشعه لتحقيق مصالحه، ووجد فيه فرصة ذهبية للإثراء السريع (١)، فراح يلزم كبراء دمشق بالرحيل عنها بأهاليهم إلى مصر، ويضيق عليهم ليجبرهم على الخروج منها، ويلزم أرباب الدواوين والمتصرفين لهم بإرسال نسائهم إلى مصر، وبقائهم في خدمته في دمشق سواء في ذلك العاجز والقادر، ويلزم كذلك تجار الأسواق في القيسارية الفخرية والخواصين وغيرهما، بل إنه ألزم جماعة من صناع القواسين والفرايين، وحتى يوهم الناس أن أمر التتار جد لا هزل فيه ألزم كل من كان بينه وبين التتار علاقة بالخروج منها كرها، فأخرج فيمن أخرج القاضي كمال الدين التفليسي (٢).
ولحمل الناس على الخروج استعان طيبرس بالعرب البدو، فراح يضيق على أهل دمشق بالغلال، ويمكن العرب البدو من شرائها، وينشر بين الناس الشائعات بقرب قدومهم، فكان البدوي يجلب الجمل، ويبيعه بأضعاف ثمنه، ويشتري به الغلة بأرخص الأثمان، لأن الناس متهافتون على شراء الجمال، فهم بين خائف يبيع حاصله ليتجهز بثمنه، وهو محتاج في سفره إلى الجمال، وبين من هو مكره على الخروج فهو مضطر له، حتى إن كراء جمل المحارة - وهو المجهز للسفر ـ قد بلغ من دمشق إلى مصر نحو مئتي درهم، وهو مبلغ كبير (٣).
حتى إذا كان منتصف شوال سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) تكامل استعداد الناس للخروج، فبدؤوا يرحلون عن دمشق، قافلة إثر قافلة، وفي الطريق، وكان الوقت حارا، اشتد عليهم العطش لقلة الماء، وخرج عليهم قطاع الطرق والصليبيون، فخطف بعضهم، وجرح بعض (٤).
ووصلت أولى قوافلهم إلى مصر، وقد عانت من أهوال الطريق ما عانت، وبلغ
стр. 271
الظاهر بيبرس ما وقع، فأرسل على الفور الأمير عز الدين الدمياطي للقبض على طيبرس، وإرساله مخفورا إلى القاهرة.
ووصل الأمير عز الدين مع عسكره إلى دمشق في ثالث ذي القعدة سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) وبكر بالدخول إليها من عقبة شحورا (١)، وهناك تلقاه أمراء دمشق للسلام عليه، وفي مقدمتهم الأمير طيبرس الوزيري، فلما تقدم إليه ليسلم عليه، قبض الدمياطي بيد عضد طيبرس، وبيده الأخرى سيفه، وأنزله عن فرسه، وأركبه بغلا استهانة به، ثم قيده، وتركه بمصلى العيد، فلما جن الليل سيره مخفورا إلى القاهرة، وراح يستخرج أمواله التي انتزعها من الناس، وبقيت في دمشق، وكان طيبرس قد أرسل قسما عظيما منها مع العرب ليحفظوها له في مضاربهم (٢). وناب عنه في دمشق الأمير علاء الدين أيدغدي الحاج الركني (٣).
في غمرة هذه المظالم التي كانت دمشق تتلوى على جمرها، كان قاضيها الجديد ابن خلكان مشغولا بنظم الشعر والدوبيت والمواليا (٤)، متغزلا بالغلمان (٥)، وكان يقضي لياليه يتعاطى الحشيشة على إيقاع قرع الطبل مع العفيف بن أبي الفوارس، ذلك الشاب الجميل الذي يهتز بماء الشباب عجبا وسكرا على حد تعبير أبي شامة (٦)، ولك أن تتخيل ما يكون عليه متعاطي الحشيشة من مجون وخلاعة لا يليقان بمنصب القاضي، وما ينبغي له من حسن سمت وكمال عقل.
стр. 272
وكان القاضي ابن خلكان قد أطلق يد هذا الشاب في عمالة جامع دمشق ومخزن الأيتام (١)، بل إن هذا الشاب قد غدا يتحكم بمجلس القضاء، فهو يحضره مع العدول الأثبات، وفيهم أبو شامة، فيعدل من يشاء، ويجرح من يشاء، والقاضي يصغي إليه، وهو عنده العدل الرضا، بل إنه يولي المناصب من يشاء، ويعزل من يشاء، مبعدا الشيوخ الكبار عن المناصب التي يستحقونها، وهم يشكون الفاقة والحرمان (٢).
وتعصف بأبي شامة سورة الغضب، وهو يرى آماله تتحطم على صخرة هذا الجور، وقد ظن أن دمشق قد تخلصت منه برحيل آخر القضاة الفاسدين نجم الدين بن صدر الدين، فيردد وقد خنقه اليأس:
كلما قلت دولة الحاكم الجا … ئر زالت قامت علينا أخرى (٣)
وفي سورة غضبه هذه يتخلى أبو شامة عن حلمه واعتداله وإنصافه، ويترك لقلمه أن يطغى في وصف من عاصرهم من القضاة، ناعتا إياهم بأنهم كلهم جهال وأوقاح (٤)، خالطا بين صالحهم وطالحهم، لا يفرق بين من عرف بنزاهته واستقامته وورعه منهم كجمال الدين أبي القاسم عبد الصمد بن محمد ابن الحرستاني (٥)، وشمس الدين أحمد بن الخليل الخويي (٦)، وكان يكن لهما في قلبه أعظم التقدير والاحترام، وبين من عرف منهم بفسقه وظلمه كرفيع الدين الجيلي (٧)،
стр. 273
ونجم الدين بن صدر الدين ابن سني الدولة (١)، بل إن منهم من تعرض لمحنة رق لها قلب أبي شامة كالطاهر بن محيي الدين ابن الزكي (٢)، وكأنه بذلك يحملهم جميعا مسؤولية ما آل إليه حال القضاء من ظلم فادح وعدل مضيع، فيقول:
دمشق في عصرنا مع فضلها بليت … من القضاة بجهال وأوقاح
بأعجمين ومصري وصائغهم … وإربلي وخياط وفلاح (٣)
هم ضعف ستة والنواب كلهم … ضعفان أحزانهم أضعاف أفراح (٤)
ويقرر أبو شامة الاعتزال من جديد عن دنيا المناصب والتدريس، فلن يكون شاهدا على الظلم، أو مشاركا فيه بصمته، فيترك التدريس بالمدرسة الركنية، عائدا إلى بستانه لفلاحته وزراعته (٥).
وبينما كان أبو شامة معتزلا في بيته أتاه جماعة من أهل دمشق في يوم الثلاثاء (٨) ذي الحجة سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) يعرف بعضهم، ومعهم شيخ زعموا أنه نصراني، معروف ببيع اللحم بدمشق، وأنه رأى رؤيا، وأنه جاء مسلما.
стр. 274
قال أبو شامة: فأخبرني أنه رأى النبي ﷺ ليلة الجمعة، جاءه ـ وكان مضطجعا من أثر مرض - فقال له: قم واخرج من الضلالة إلى الهدى، ومر إلى أبي شامة، وأسلم على يده، وأخبره أن الملك الأشرف - يعني صاحب حمص - يملك بلاد سيس، ويهلك العدو بها (١)، وأن صاحب مصر في السنة الآتية يهدم عكا ويملكها (٢)، وتكون أنت تخدم مسجد صالح بها، ثم ارتفع ﷺ إلى نحو السماء، وهو في صورة لا أقدر أصفها، ولا أشبهها بقمر ولا شمس، هي أكمل من ذلك وأتم. فقلت: إلى أين يا رسول الله؟ قال: أسال ربي في الناس، ونصرهم على الكفرة، أو كما قال.
قال الرجل: فانتبهت، وبقيت في حيرة من أمري، فلما كان ليلة السبت رأيت مثل ذلك المنام، ثم ليلة الأحد كذلك، ثلاث ليال متوالية، ثم صممت على الدخول في الإسلام، فسألت عمن يقال له أبو شامة من المشايخ، فدلوني عليك.
قال أبو شامة: فأمرته بالإسلام، فأسلم، والحمد لله رب العالمين (٣).
وفي أواخر ذي الحجة سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) قدم دمشق واليا عليها الأمير جمال الدين أقش النجيبي، ورحل علاء الدين الركني إلى مصر (٤).
стр. 275
أبو شامة يفضح فساد الأوقاف ويدعو طالب العلم للعيش من كسب يده
في هدأة العزلة الجديدة، وبعد أن سكت عن أبي شامة الغضب، وسكنت نفسه، جلس بين أوراقه يتأمل تجربته في التعلم والتعليم من مال الوقف، منذ أن كان طالب علم في المدرسة العادلية الكبرى، حتى غدا مدرسا في مدارس الشافعية، ثم اعتزاله عنها فيما بعد، مستعرضا في خياله من عاصرهم من القضاة، وهم المتولون عادة للأوقاف مع أمراء دمشق ونوابها، متوقفا عند بعضهم ممن جعل الوقف مغنما له، ولمن يلوذ به من المتزلفين، ولم يغب عن باله قط تلك المكيدة التي استبعدته عن مشيخة الإقراء في تربة أم الصالح، وقد اعتصم يومئذ بالصبر على ما لحقه من غبن، وأنف أن يتزلف لذوي الجاه والسلطان ممن بيدهم الأمر، وآثر الانصراف عنهم منكبا على تأليفه الفقهية والتاريخية، يحررها بما عرف عنه من إحاطة وشمول واستقصاء لمسائلها وشواردها، قانعا بالقليل يتبلغ به حفظا لكرامته.
غير أن فساد الأوقاف وصل إلى حد لا يمكن السكوت عنه، ولا سيما وهو المسيطر على نواحي التعليم كافة، حتى غدا طالب العلم أشبه بالأسير بين يدي المستولين عليه، لا يكاد يجد منهم فكاكا، ولم يعد يستفيد من الوقف إلا ذلك المتملق لهم بالمديح الكاذب، والكلام المنافق الساعي في حوائجهم، البائع دينه
стр. 276
بعرض من الدنيا قليل، أما العالم حقا، المشغول بالعلم تدريسا ومدارسة فهو مجفو عن مال الوقف، لا يناله منهم إلا قوارص القول والهجران.
فكيف الخلاص من قبضة الذل والظلم هذه؟ وما هي سبيل العالم إلى حياة حرة عزيزة؟
لقد لاح لأبي شامة منذ سنين طريق الخلاص، وسار فيه حين آثر الابتعاد عن ذوي الجاه والسلطان والقضاة، ولم يطأطئ لهم رأسه، واعتزل في بستانه يفلح أرضه ويزرعها، ويتقوت من ثمارها، لقد ودع الفقر الذي كان يكابده مع أسرته، ووجد الفلاح في الفلاحة، فها هو بيته يفيض بالغلال والثمار، وبابه ملجأ لطالبي الصدقات من فقير وأرملة ويتيم، ويعاتبه المعاتبون على انقطاعه عن التدريس بالمدرسة الركنية، لقد ظن حين قبل التدريس بها أن الأمر قد تغير مع العهد الجديد، وأن القاضي ابن خلكان يسعى حقا إلى إشاعة العدل وإزالة الظلم عن الناس، وكذلك كان أمله يتجدد مع كل قاض جديد، غير أن الأمل الوليد سرعان ما كان يخيب! ..
ويبدو أن طريق خلاصه هو الطريق لكل العلماء، عليهم أن يسلكوه، ويتخذوا لأنفسهم حرفة يتعيشون منها، وتكون عونا لهم على حفظ كرامتهم، وصون حريتهم من ابتذال المبتذلين، وظلم الباغين، وأي حرفة أحل كسبا من الفلاحة؟
فليطلقها صيحة ونصيحة لكل طالب علم أن يتحرر في رزقه من ذل السؤال، وأن يتخذ حرفة يعيش منها، فإن للعلم منزلة عظيمة، فعليه ألا يهينه بالاتكال في رزقه على مال الأوقاف، فهو مال لا يناله إلا شرير نذل جاهل، يلزم خدمة أكابر القوم متزلفا لهم متملقا، عاكفا على إرضائهم بكل سبيل.
حقا كان للأوقاف شأن كبير في نشر العلم والتعليم، أما الآن فقد تولاها قهرا ودون استحقاق جهال حمقى، فهم لا يقربون إليهم إلا من هو على شاكلتهم في الجهل والحمق، فيجعلونه في موضع الفقيه والمرشد، وأصحاب الأوقاف الذين
стр. 277
حبسوها يظنون أن ما يفعله هؤلاء هو عين الصواب فيثنون عليهم، ويمدحونهم، فيزدادون تماديا في ظلمهم، وهم يحسبون أن كل عالم هو على شاكلتهم، فيضيع الحق بين صاحب الوقف ومتوليه، أما طالب العلم حقا فيقصى عنه، ويضيق عليه في الرزق، حتى يصبح من فقره ميتا قد أسكن قبرا، وهم من قسوتهم لا يرقون لحاله، قد أسكرهم ضلالهم وظلمهم، فعماهم عن رؤية الحق.
فيا طالب العلم، عليك باتخاذ حرفة تعيش منها، وإياك أن تحتقرها وتتكبر عليها، وارض بما ترزق منها ولو كان قليلا، واشكر الله على ما رزقك، فبالشكر تزيد النعم، واترك الأوقاف والمتولين لها، وتجنب أفعالهم الظالمة، وتوكل على الحي الذي لا يموت.
وكن أبيا يا طالب العلم، أما تأنف أن يكون عيشك مما يزري بك؟ فالأوقاف هي أوساخ الناس، كوقف المقعدين الزمنى، والعميان، والمساكين واليتامى، فكيف تطيب نفسا بالأخذ منها، وأنت لست منهم؟ فدع العجز والكسل أيها الأبي، فليس لك عذر في الأكل منها، فلا تزاحم المحتاجين إليها، وإن ألجأتك ضرورة إليها، فخذ منها كفافا، بقدر ما تقيم به أودك، واعزم على أن لا تدوم على ذلك.
وإياك أن تظن أن مال الوقف يساعدك في طلب العلم، لقد نبغ في الأمة أئمة كبار قبل أن يشيع حبس الأوقاف، ويستقر نظاما ثابتا، له ديوان ومتولون، ولم يكن ذلك مانعا لهم من طلب العلم والتفوق فيه.
فكن يا طالب العلم معطيا لا آخذا، فيد المعطي هي الأعلى والأرفع قدرا.
ثم إن صدقات الأوقاف ينفر منها كل أبي عزيز النفس، ولو أتته صفوا عفوا، بريئة من كل منة وأذى، فكيف لا ينفر منها من لا ينال النزر اليسير منها إلا بذل السؤال، وإراقة ماء المحيا؟
* * *
والوقف لم يعد مجرد صدقات تعطى، بل صار منصبا، وهذا المنصب يباع
стр. 278
ويشرى، والقادر على شرائه ذلك الغني صاحب المال والجاه، وبذلك انتفت الغاية التي وقف لأجلها، بل انقلب نفعه إلى ضر، فصار تركه أروح للنفس وأطيب، إذ صار هذا المنصب يورث كالمتاع، من غير استحقاق له ولا أهلية، أما العالم المستحق له فهو يقضي حياته حيران أسفا، يكابد عيشه بغيظ مكتوم.
وقد أعمى هؤلاء الأغنياء المستولين على الوقف حب المال، فهم شرهون عليه، وتغريهم شراهتهم بالمزيد، فإذا كان الفقير يعذر حقا بالأخذ منه، فما عذر هؤلاء الأغنياء؟
لقد رأيت منهم قضاة ومدرسين، تعجب لغناهم، يتنافسون فيما بينهم باللباس المطرز، والبغال البيض الفارهة، يركبونها زهوا وكبرا، مستشعرين عظمة في نفوسهم، ولو فكر الواحد منهم حقا لعلم أنه إنما يعيش على صدقات الناس، ولو سماها تمويها باسم الأوقاف، ثم إن لهذه الأوقاف شروطا، إذا لم يقم متوليها بحق شروطها، فهو يعرف ما ينتظره يوم القيامة من حساب وعذاب على تضييعها، فهل هؤلاء حقا يقومون بشروطها؟
لقد رأيت في حياتي مدرسين وقضاة متولين لهذه الأوقاف، وهم لقلة علمهم قد اتخذهم الناس ضحكة يهزؤون منهم، بل إن بعض هؤلاء القضاة كان لا يحسن القراءة إذا قرأ، ويا لها من وصمة عار على أهل هذا العصر أن يلي القضاء فيهم من لا يحسن القراءة، أذكر منهم قاضيا كان يلثغ بالقاف، وآخر كان يلثغ بالراء، وهما من أماثل القضاة وأحسنهم، وقد أدركت من القضاة من خلع عنه لباس القضاء، وألبس القباء - وهو لباس والي الشرطة - في مجلس الحكم، تهكما به، وتشفيا منه، بل إن منهم من كان ذا لكنة أعجمية، لا يقيم لسانه بالعربية، ومنهم الفاسق الظالم الذي ألقي من شاهق، فتقطع جسمه قطعا، ومنهم من كاتب التتار، بل منهم من سار إليهم مثنيا مصريا أفعالهم! ومنهم من ارتكب الفواحش والموبقات، وعتا واستكبر.
стр. 279
وها هو ذا القاضي الجديد يستغرق في نظم الشعر والدوبيت، وتقريب الشعراء في مجلسه، ويقضي لياليه وهو يتعاطى الحشيشة مع الشاب الجميل أبي الفوارس الذي يهتز بماء الشباب عجبا وسكرا، وقد ملك عليه قلبه، فهو يوليه المناصب، بينما يترك الأشياخ المستحقين لها يتضورون جوعا وفقرا، بل إن هذا الشاب هو العدل الرضا في مجلس قضائه، يشهده مع الأثبات العدول، فيعدل من يشاء، ويجرح من يشاء.
وقد التف حول هذا القاضي بنو علان وأولاد صصرى، وهم قوم سوء مغرضون، يزينون له زورا وبهتانا ما يخدم مصالحهم، والقاضي مصغ لأقوالهم، معتمد عليها.
أيها القاضي، هؤلاء ليسوا بناصحين لك، فاسأل سواهم تعرف الحق، ولست معذورا باعتمادك على أقوالهم، بل إنك بذلك ترتكب إثما عظيما.
هؤلاء المغرضون شوهوا مواقفي عندك، وقد كنت حربا على المفسدين، فما زلت متوقفا في أمري، لم تنصفني وقد أنصفت غيري، وقد صارحتك بما كان مني، وبثثت شكواي لك، وحالي لم يتغير، ولذا عدت إلى حرفتي؛ زراعة أرضي، لأن الحرفة أولى بأهل العلم والصلاح، ينأون بأنفسهم بها عن هذا الفساد العظيم.
* * *
حقا، لقد قضيت زمنا من عمري أعيش على مال الموقف، غير أنني كنت غني النفس، آنف من صدقات مدارس الفقه، وأشبهها بوقف الأسرى، ولم أكن أزاحم عليها، وكم تمنيت ألا يكون رزقي منها، وها قد بارك الله لي في الفلاحة، فله الحمد على ما أنعم، فأنا اليوم بين العلماء أشرحهم صدرا، وأطيبهم عيشا، ولذلك حسدني منهم من حسدني قائلا: من أين لأبي شامة هذا المال؟ وكيف اغتنى؟ ألا يعلمون ويحهم أن الله تعالى هو الرزاق؟ فالموعد القيامة، فيا لخجلة هذا المغتاب الجريء، إنه الآن لا يبالي بما يقول، ولكنه غدا سيجزى على ما يقول.
فيا أيها المغتاب، إذا قلت إن أصل ثروتي من مال الوقف، فإن ذلك
стр. 280
لا يضرني، ولا يعيبني، لأنها حقا كذلك، غير أنني تركت مال الوقف من بعد، واستغنيت عنه، وأنا ألوم فيمن ألوم ذلك العالم الذي قضى حياته يأكل من مال الوقف، وما زال مصرا على ذلك، ولم يفكر أبدا أن يتخذ حرفة يعيش منها، فهو عالة على الناس في معيشته.
أما أنا فقد صانني الله، فلم أزاحم أحدا على مناصبه، قانعا بما أنا فيه، والله أسأل أن يلهمني الصبر بقية عمري، وأن لا يحوجني إلى هؤلاء المستبدين بالوقف، المستولين عليه، المستعبدين الناس قهرا، فترى المحتاج إليهم بين أيديهم أسيرا ذليلا، وترى أقرب الناس إليهم ذلك المنافق المتملق.
ولا تظنن أن انتقاد هؤلاء بالأمر السهل، وهم أصحاب السلطان والجاه، فإن من يخالفهم محكوم عليه بالقتل، أما من يوافقهم فهو في الشر مثلهم سواء.
وأخيرا، ها قد بحت بما في نفسي، وانشرح صدري، فمن كان منصفا عرف الحق، لأن ما ذكرته أمر شائع، لا يخفى على أحد.
* * *
لقد كان أبو شامة يستشعر حقا خطورة ما يفكر فيه، فإن في نقده لهؤلاء المستولين على الأوقاف، المستبدين به من قضاة ونواب وولاة، وفضحه لهم، وهم أصحاب الجاه والسلطان، يعرض نفسه لنقمتهم، وقد قال:
من يخالف يقض ومن وافق القو … م يكن مثلهم فحسبك شرا
ولكي لا يكون في صمته مثلهم في الشر سواء، أمسك بقلمه، وبدأ ينظم هذه المعاني التي جالت طويلا بخاطره، فكانت قصيدته الفلاحة الرائية (١)، ولم يقف قلمه حتى بلغت أبياتها مئة وثمانية أبيات، وقد آثر أن تكون خاتمتها مفتوحة، ليزيد فيها ما يجد من أحداث، غير أن صارفا صرفه عنها، فلم يفعل، وليته فعل.
стр. 281
استرضاء أبي شامة وتوليته مشيخة دار الحديث الأشرفية
أذاع أبو شامة قصيدته الفلاحة الرائية غير مبال ولا هياب بمن يتصدى لمحاربتهم، وراح يقضي أيامه بين بستانه يزرعه، وبين بيته يعكف فيه على تأليفه، ويدون في «مذيله» وفاة من يتوفى من أهل دمشق ممن يعرفه من علمائها وأعيانها، وبعض عامتها، متغافلا حقا عما كان يقوم به السلطان الظاهر بيبرس من أعمال عسكرية ضد الصليبيين ولو بإشارة عابرة.
وكان الظاهر بيبرس قد خرج من القاهرة في (١١) ربيع الآخر سنة (١) (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م) محاولا أخذ عكا عاصمة الصليبيين بعد فتح بيت المقدس، فحاصرها في أوائل جمادى الآخرة سنة (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣)، ووصلت عساكره إلى أبوابها (٢)، فلما امتنعت عليه سار عنها إلى الناصرة (٣)، وكان قد أمر بهدم كنيستها، فهدمت (٤)، ثم وافى بيت المقدس في يوم الخميس (١٧) جمادى الآخرة، فكشف أحواله، وما يحتاج إليه من العمارة، ونظر في الأوقاف، وكتب بحمايتها (٥)، ثم سار إلى
стр. 282
الكرك، فنزل به يوم الخميس (٢٣) جمادى الآخرة، وتسلم قلعته في اليوم التالي، وصلى به الجمعة (١)، وكان قد قبض على صاحبه الملك المغيث بخديعة، استدرجه بها إلى الطور حيث كان ينزل في (١٢) جمادى الأولى سنة (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م) متهما إياه بمكاتبة التتار (٢)، متخلصا بذلك من آخر ملك أيوبي قد يهدد سلطانه، ثم رحل عائدا إلى مصر يوم الأربعاء (٢٩) جمادى الآخرة سنة (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م) فوصل إليها في (١٧) رجب، وقد زينت القاهرة أحسن زينة لاستقباله (٣).
ولربما لم يقطع عن أبي شامة سكون عزلته وهدوئها إلا ولادة مولود له يوم السبت في (٢٧) رمضان سنة (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م) بدار العطافية، غربي المدرسة العادلية، فسماه محمودا، وكناه أبا القاسم، ولقبه بنور الدين، باسم السلطان العادل نور الدين محمود بن زنكي وكنيته ولقبه، عساه أن يكون مباركا صالحا عفيفا تقيا كما كان سميه (٤)، فهل كان أبو شامة يعبر بحنينه إلى نور الدين عن استيائه من الظاهر بيبرس؟ وإذا كان قد افتقد هذا الاسم وصفاته في دنيا السلاطين والأمراء، فلا أقل من أن يسمع رنينه في بيته، عساه أن يعزيه بعض العزاء، إنه ما زال يحلم بحاكم يشبهه في ورعه وتقواه وحسن سياسته، فهل يتحقق ذات يوم ما يحلم به؟
لم يكن أبو شامة يرى في الظاهر بيبرس إلا أميرا طموحا، تسنم الحكم على أشلاء المسلمين، وخاض في دمائهم، ألم يقتل السلطان تورانشاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب غداة الانتصار على الصليبيين في المنصورة (٥)؟ ألم يكن في جملة من كان مع الأمير فارس الدين أقطاي الذي هتك أعراض المسلمين،
стр. 283
واستباح دماءهم وأموالهم (١)؟ ألم يقتل السلطان قطز عقب انتصاره على التتار في عين جالوت (٢)؟ أليس هو من المماليك البحرية الذين أذاقوا الناس ويلات ظلمهم (٣)؟
وإيغالا في عزلته راح يعمق معانيها بما ينظمه من شعر، فقد نظم مرة يقول:
صان ربي عن التبذل علمي … فله الحمد ببكرة وأصيلا
لم يشن بالسؤال وجهي بل با … رك فيما أعطى فكان جزيلا
وغنى النفس والقناعة كنزا … ن فكانا لما ذكرت دليلا
كم رأينا من عالم عز بالعل … م وأضحى بالحرص منه ذليلا
احفظ الله وابذل الفضل تعنم … من غنى النفس عزة وقبولا (٤)
وقال مرة:
أيا لائمي ما لي سوى البيت موضع … أرى فيه عرا إنه لي أنفع
فراشي ونطعي فروتي فرجيتي … لحافي وأكلي ما يسد ويشبع
ومركوبي الآن الأتان ونجلها … لأخلاق أهل العلم والدين أتبع
وقد يسر الله الكريم بفضله … عنى النفس مع شيء به أتقنع
أوفره للأهل خوفا يراهم … عدو بعيش ضيق فيشنع
وأصبر في نفسي على ما ينوبني … وأطلب عفو الله فالعفو أوسع
وما دمت أرضى باليسير فإنني … غني أرى هولا لغيري أخضع
وربي قد أتاني الصبر والغنى … عن الناس في هذا لي العز أجمع
стр. 284
وقد مر من عمري ثلاث أعدها … وستون في روض من اللطف أرتع
ووجهي من ذل التبذل مقتر … مقل ومن عز القناعة موسع
ومن حسن ظني أن ذا يستمر لي … إلى الموت إن الله يعطي ويمنع
وإني لا ألجا إلى غير بابه … فأبقى كما قد قيل والقول يسمع
نرفع دنانا بتمزيق ديننا … فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فطوبى لعبد آثر الله ربه … وجاد بدنياه لما يتوقع (١)
* * *
وتشغر مشيخة دار الحديث الأشرفية بوفاة شيخها القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين عبد الصمد بن محمد، المعروف بابن الحرستاني، وذلك بعد صلاة الصبح من يوم الأحد (٢٩) جمادى الأولى سنة (٦٦٢ هـ/ ١٢٦٤ م)، وكان قد ولي مشيختها عقب وفاة شيخها تقي الدين أبي عمرو عثمان بن الصلاح سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م) واستمر بها إلى الآن. وصلى عليه بجامع دمشق قاضي القضاة ابن خلكان، وصلى عليه أبو شامة إماما بظاهر البلد تحت القلعة خارج باب الفرج، وكان يوما مشهودا، حضر جنازته خلق كثير (٢).
ويراها القاضي ابن خلكان فرصة لاسترضاء أبي شامة، وإخراجه من عزلته من جديد، فيعرض عليه توليته مشيخة دار الحديث الأشرفية، وهو منصب يتعين له لموافقة أبي شامة لشرط واقفها في شيخها أن تجتمع فيه الرواية والدراية (٣).
ولعل أبا شامة قبل توليه مشيختها لما تتيحه له من نشر علمه، مستغنيا في الوقت نفسه عن أوقافها، وهو الذي أخذ على نفسه ألا يقرب مال الوقف أبدا (٤).
стр. 285
ويعقد أبو شامة درسه الأول فيها، ويحضره قاضي القضاة ابن خلكان وأعيان البلد من المدرسين والمحدثين وغيرهم، ويفتتحه أبو شامة بخطبة كتابه «شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى» الذي شرح فيه حديث بعثته ﷺ . فيتكلم على سنده ومتنه، ويأتي بزيادات عما في كتابه، فيشد إليه الحاضرين بغزارة علمه، وحسن إيراده، فكان درسا جليلا، ساده سكون وإخبات وجلالة، وإنصات من الحاضرين، ووقار من المستمعين كما وصفه أبو شامة من بعد (١).
وتهتز أريحة بعض الحاضرين من الأدباء، فيقوم عقب فراغ أبي شامة من إلقاء درسه، فيمدحه بأبيات، يقول فيها:
العلم والمعلوم قد أدركته … وسماعك البحر المحيط فحدث
وبعثت في دار الحديث بمعجز … وأبان عنه لك افتتاح المبعث
مكثت له الألباب طائعة الندا … والحس من طرب به لم يمكث
وتنتشي نفس أبي شامة بالامتنان لما يسمع، فيسجل هذه الأبيات في «مذيله» (٢). لقد شعر حقا أنه نال أخيرا بعض الوفاء الذي يستحقه، وها هو ذا يكرم بعد طول جحود، ولكن هل سيسكته المنصب الجديد عما يراه من ظلم وفساد؟
* * *
стр. 286
الظاهر بيبرس فاتحا
ومرة أخرى يلوح خطر التتار من الشرق، فيهاجمون البيرة على الفرات، وقد أمنوا العساكر الإسلامية أن تخف لنجدتها، وهي متفرقة في البلاد وقت الربيع للاستجمام ورعي الخيول (١)، ويصل الخبر إلى الظاهر بيبرس بالقاهرة، فيبادر بإرسال العساكر إليها في (٤) ربيع الأول سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٤ م) ثم يردفهم بعسكر آخر بعد نحو أربعة أيام (٢)، ويشرع هو في تجهيز نفسه، ويخرج بعد نحو شهر على رأس العسكر في (٥) ربيع الآخر سنة (٣) (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) وينزل على غزة في (٢٠) ربيع الآخر، ثم ينتقل منها إلى يبنى، وبينما هو في الحمام يغتسل يأتيه خبر انهزام التتار عن البيرة حين وصول العساكر إليها (٤)، وكان أهلها قد صدوهم عنها، وفعل نساؤهم من حسن البلاء في قتالهم ما لم يفعله رجالهم (٥).
وفرح الظاهر بيبرس بهذا الخبر، ولكي يؤيس التتار منها كتب إلى مصر والشام بحمل كل ما تحتاجه قلعتها من أسلحة ومجانيق وغلال تكفيها لمدة عشر سنين (٦).
стр. 287
ورأى الظاهر بيبرس أن يستغل اجتماع الجيش وقد هدأ باله من جهة التتار، ليستأنف فتوح صلاح الدين للبلاد التي استولى عليها الصليبيون بعد أن توقفت نحو أربع وسبعين سنة منذ وفاته، وقد انتهز فرصة اعتدائهم على المسلمين، فكتم عن جنده وجهته التي يريدها، وركب من العوجاء متظاهرا برغبته في الصيد بغابة أرسوف، وأغرى الأمراء بمرافقته، قائلا: إن الغابة كثيرة السباع (١).
وساق إلى أرسوف وقيسارية، فشاهدهما، ثم عاد إلى منزله بالعوجاء، وكانت أخشاب المنجنيقات قد أحضرت فأمر بصنع عدة مجانيق، ونصبها، وجلس مع الصناع يستحثهم على إنجازها، فما مضى يوم حتى كانت أربع منجنيقات كبار سوى الصغار قد اكتملت صنعا، وكتب إلى القلاع المجاورة يطلب المجانيق والصناع والحجارين، وطلب من عساكره أن يعملوا سلالم (٢).
ورحل تعمية عن قصده إلى قرب عيون الأساور قرب الرملة، فلما انتشرت العتمة بعد العشاء الآخرة أمر العسكر كله بلبس آلة الحرب، وركب في آخر الليل، وساق نحو قيسارية، فوافاها بكرة نهار الخميس (٩) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) على حين غفلة من أهلها، فحاصرها، وألقى العساكر أنفسهم في خندقها، وتعلقوا بسكك الحديد التي للخيول على أسوارها من كل جانب، حتى صعدوا إليها. وكانت المجانيق قد نصبت، وبدأ الرمي بها، فخرقوا أبواب المدينة واقتحموها، ففر الصليبيون إلى قلعتها، وقد أخذتهم المفاجأة، وكانت قلعتها من أحصن القلاع وأحسنها (٣)، فزحف إليها المسلمون، وقذفوها بالمجانيق والدبابات والزحافات، وداوموا رمي النشاب عليها.
وكان الظاهر بيبرس أثناء محاصرة القلعة لا يقيم في مكان، فهو تارة بأعلى