← Тараджим

Тараджим · id 30091

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق

Полный текст (476 стр.). Показаны 285–324 · переход к 290.

стр. 285

ويعقد أبو شامة درسه الأول فيها، ويحضره قاضي القضاة ابن خلكان وأعيان البلد من المدرسين والمحدثين وغيرهم، ويفتتحه أبو شامة بخطبة كتابه «شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى» الذي شرح فيه حديث بعثته ﷺ . فيتكلم على سنده ومتنه، ويأتي بزيادات عما في كتابه، فيشد إليه الحاضرين بغزارة علمه، وحسن إيراده، فكان درسا جليلا، ساده سكون وإخبات وجلالة، وإنصات من الحاضرين، ووقار من المستمعين كما وصفه أبو شامة من بعد (١). وتهتز أريحة بعض الحاضرين من الأدباء، فيقوم عقب فراغ أبي شامة من إلقاء درسه، فيمدحه بأبيات، يقول فيها: العلم والمعلوم قد أدركته … وسماعك البحر المحيط فحدث وبعثت في دار الحديث بمعجز … وأبان عنه لك افتتاح المبعث مكثت له الألباب طائعة الندا … والحس من طرب به لم يمكث وتنتشي نفس أبي شامة بالامتنان لما يسمع، فيسجل هذه الأبيات في «مذيله» (٢). لقد شعر حقا أنه نال أخيرا بعض الوفاء الذي يستحقه، وها هو ذا يكرم بعد طول جحود، ولكن هل سيسكته المنصب الجديد عما يراه من ظلم وفساد؟ * * *

стр. 286

الظاهر بيبرس فاتحا ومرة أخرى يلوح خطر التتار من الشرق، فيهاجمون البيرة على الفرات، وقد أمنوا العساكر الإسلامية أن تخف لنجدتها، وهي متفرقة في البلاد وقت الربيع للاستجمام ورعي الخيول (١)، ويصل الخبر إلى الظاهر بيبرس بالقاهرة، فيبادر بإرسال العساكر إليها في (٤) ربيع الأول سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٤ م) ثم يردفهم بعسكر آخر بعد نحو أربعة أيام (٢)، ويشرع هو في تجهيز نفسه، ويخرج بعد نحو شهر على رأس العسكر في (٥) ربيع الآخر سنة (٣) (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) وينزل على غزة في (٢٠) ربيع الآخر، ثم ينتقل منها إلى يبنى، وبينما هو في الحمام يغتسل يأتيه خبر انهزام التتار عن البيرة حين وصول العساكر إليها (٤)، وكان أهلها قد صدوهم عنها، وفعل نساؤهم من حسن البلاء في قتالهم ما لم يفعله رجالهم (٥). وفرح الظاهر بيبرس بهذا الخبر، ولكي يؤيس التتار منها كتب إلى مصر والشام بحمل كل ما تحتاجه قلعتها من أسلحة ومجانيق وغلال تكفيها لمدة عشر سنين (٦).

стр. 287

ورأى الظاهر بيبرس أن يستغل اجتماع الجيش وقد هدأ باله من جهة التتار، ليستأنف فتوح صلاح الدين للبلاد التي استولى عليها الصليبيون بعد أن توقفت نحو أربع وسبعين سنة منذ وفاته، وقد انتهز فرصة اعتدائهم على المسلمين، فكتم عن جنده وجهته التي يريدها، وركب من العوجاء متظاهرا برغبته في الصيد بغابة أرسوف، وأغرى الأمراء بمرافقته، قائلا: إن الغابة كثيرة السباع (١). وساق إلى أرسوف وقيسارية، فشاهدهما، ثم عاد إلى منزله بالعوجاء، وكانت أخشاب المنجنيقات قد أحضرت فأمر بصنع عدة مجانيق، ونصبها، وجلس مع الصناع يستحثهم على إنجازها، فما مضى يوم حتى كانت أربع منجنيقات كبار سوى الصغار قد اكتملت صنعا، وكتب إلى القلاع المجاورة يطلب المجانيق والصناع والحجارين، وطلب من عساكره أن يعملوا سلالم (٢). ورحل تعمية عن قصده إلى قرب عيون الأساور قرب الرملة، فلما انتشرت العتمة بعد العشاء الآخرة أمر العسكر كله بلبس آلة الحرب، وركب في آخر الليل، وساق نحو قيسارية، فوافاها بكرة نهار الخميس (٩) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) على حين غفلة من أهلها، فحاصرها، وألقى العساكر أنفسهم في خندقها، وتعلقوا بسكك الحديد التي للخيول على أسوارها من كل جانب، حتى صعدوا إليها. وكانت المجانيق قد نصبت، وبدأ الرمي بها، فخرقوا أبواب المدينة واقتحموها، ففر الصليبيون إلى قلعتها، وقد أخذتهم المفاجأة، وكانت قلعتها من أحصن القلاع وأحسنها (٣)، فزحف إليها المسلمون، وقذفوها بالمجانيق والدبابات والزحافات، وداوموا رمي النشاب عليها. وكان الظاهر بيبرس أثناء محاصرة القلعة لا يقيم في مكان، فهو تارة بأعلى

стр. 288

الكنيسة تجاه القلعة ليمنع الصليبيين من الصعود إلى علو القلعة، وتارة يركب في بعض الدبابات ذوات العجل حتى يصل إلى السور، ويرى النقوب بنفسه، وتارة يأخذ ترسا في يده، ويقاتل فلا يرجع إلا وفي ترسه عدة سهام (١)، حتى انهارت معنويات الصليبيين من شدة القتال وتتابعه نحو ستة أيام. فلما كان يوم الخميس (١٥) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) استسلم الصليبيون، وسلموا القلعة بما فيها، فدخلها المسلمون، وطلع إليها السلطان الظاهر بيبرس، وكانت قيسارية هي أولى فتوحاته من الصليبيين، فباشر على الفور بهدمها (٢). ويفرح أبو شامة بهذا الخبر السعيد، فيسارع إلى تدوينه في «مذيله» بقوله: «ثم خرج السلطان الظاهر بيبرس من مصر بعساكره، فنزل ببلاد الساحل، ونازل قلاع الفرنج، واستدعى بالرجال والآلات من دمشق وغيرها، وجاءنا الخبر بدمشق أنه دخل مدينة قيسارية ثالث ساعة من يوم الخميس ثامن جمادى الأولى، وهو يوم نزوله عليها، ثم تسلم القلعة يوم الخميس خامس عشره، وهدمها، وانتقل إلى غيرها» (٣). وكان الظاهر بيبرس لما قارب الفراغ من هدم قيسارية بعث جماعة من عسكره، فهدموا قلعة للصليبيين عند الملوحة، وكانت عاتية عاصية، حتى دكوها دكا (٤). ثم سار في (٢٦) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) إلى عثليث، وسير بعض أمرائه إلى حيفا، فما إن وصلوا إليها حتى فر عنها الصليبيون إلى مراكبهم، فدخلها المسلمون، وقتلوا عدة منهم، وأسروا آخرين، وخربوا المدينة والقلعة، وأحرقوها في يوم واحد، ثم عادوا بالأسرى ورؤوس القتلى والغنائم سالمين (٥).

стр. 289

وكان السلطان الظاهر بيبرس قد وصل إلى عثليث، فأمر بتشعيثها، وقطع أشجارها، فقطعت كلها، وخربت أبنيتها في يوم واحد، وعاد إلى قيسارية، وكمل هدمها حتى لم يدع بها أثرا (١). * * * ثم رحل عنها في (٢٩) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) دون أن يعرف أحد من عسكره قصده، فنزل على أرسوف في أول جمادى الآخرة، فحاصرها، وكانت مدينة منيعة، وقد اطمأن الصليبيون إلى مناعتها، فأعمل الحيلة في الاستيلاء عليها، فنقل إليها من الحطب كميات كبيرة حتى صارت حول المدينة كالجبال الشاهقة، وعمل فيها ستائر، ثم حفر سربين من خندق المدينة إلى خندق القلعة، وسقفه بالأخشاب، وعمل طريقا بين الخندقين إلى القلعة، وردم الحطب في الخندق، غير أن الصليبيين اكتشفوا ذلك، فأحرقوا الحطب حتى صار رمادا. فعاود السلطان العمل، فأمر بالحفر من باب السربين إلى البحر، وعمل مسروبا تحت الأرض يكون حائط خندق الصليبيين ساترا له، وعمل في الحائط أبوابا يرمي التراب منها، وعمق المسروب حتى تساوت أرضه وأرض الخندق، وقد أحضر المهندسين حتى تم له ذلك، وكان يلازم العمل بيده في الحفر، وفي جر المنجنيقات ورمي التراب ونقل الأحجار أسوة بغيره من الناس، وكان يمشي بمفرده وفي يده ترس، يتنقل من مكان إلى آخر، فهو تارة في السرب، وتارة في الأبواب التي تفتح، وتارة على حافة البحر يرامي مركب الصليبيين، وتارة فوق الستائر يرمي منها، ولا يجرؤ أحد من العسكر أن ينظر إليه، أو يشير إليه بأصبعه (٢)، وقد رمى ذات يوم ثلاث مئة سهم، وحضر في يوم آخر إلى السرب، وقعد في رأسه خلف

стр. 290

طاقة يرمي منها، فخرج الصليبيون إليه بالرماح، وفيها خطاطيف ليجذبوه بها، فقام، وقاتلهم يدا بيد حتى قتل فارسين منهم (١). وكان قد حضر في هذه الغزاة جمع كبير من العباد والزهاد والفقهاء، وأصناف الناس، ولم يعهد فيها خمر ولا شيء من الفواحش، بل كانت النساء الصالحات يسقين الماء في وسط القتال، ويعملن في جر المجانيق (٢). حتى إذا أثرت المجانيق في هدم الأسوار، وفرغ من عمل الأسراب التي إلى جانب الخندق من الجهتين، وفتحت فيها أبواب متسعة، وقع الزحف إلى أرسوف (٣)، وذلك في يوم الخميس (٨) رجب سنة (٤) (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) فلم يشعر الصليبيون بالمسلمين إلا وقد تسلقوا الأسوار، ووقعت الباشورة، وطلعوا إلى القلعة، وحفت بها المقاتلة، وطرحت النيران في أبوابها، ورفعت الأعلام الإسلامية على الباشورة، ودفع السلطان الظاهر بيبرس سنجقه للأمير سنقر الرومي، وأمره أن يؤمن الصليبيين من القتل، فلما رآه الصليبيون كفوا عن القتال، وسلم السنجق للأمير علم الدين سنجر المسروري، ودليت له الحبال من القلعة، فربطها في وسطه والسنجق معه، ورفع إليها، فدخلها، وأخذ سيوف الصليبيين، وربطهم بالحبال، وساقهم إلى السلطان، وهم ألوف (٥). وأباح السلطان القلعة للناس، وكان بها من الغلال والذخائر والمال شيء كثير، ولم يتعرض لما فيها من الخيول والبغال إلا بما اشتراه من ماله، ووجد فيها عدة أسرى من المسلمين في القيود، فأطلقهم، وقيد الصليبيين بقيودهم (٦).

стр. 291

وشرع في هدم أرسوف، وعين جماعة من أسرى الصليبيين لهدم سورها، فهدم بأيديهم (١). * * *

стр. 292

ضيق أبي شامة من بعض تصرفات الظاهر بيبرس أما وقد فرغ السلطان الظاهر بيبرس من أرسوف، أمر بكشف بلاد قيسارية، وعمل متحصلها، فعملت بذلك أوراق، وطلب قاضي قضاة دمشق ابن خلكان وعدوله، ووكيل بيت المال بها أن يحضروا إليه، وتقدم بأن يملك الأمراء المجاهدون من البلاد التي فتحها ما عينه لهم (١)، وكتب لهم كتاب تمليك شرعي جامع، ثم نسخ منه نسخا، فرقت على كل أمير نسخة، وخلع على قاضي دمشق، وعاد إلى بلده (٢). فهل كان أبو شامة في جملة العدول الذين ذهبوا مع القاضي ابن خلكان؟ ما نعرفه عن أبي شامة في تلك الفترة أنه كان يقرئ كتابه «المحقق من علم الأصول» في دار الحديث الأشرفية، وقد فرغ من إقرائه في يوم الثلاثاء (٤) جمادى الآخرة سنة (٣) (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) والظاهر بيبرس ما يزال يحاصر أرسوف (٤). وكان الظاهر بيبرس قد كتب إلى مصر والشام بحمل كل ما تحتاجه قلعة البيرة من أسلحة ومجانيق وغلال تكفيها لمدة عشر سنين (٥)، فكانت الغلال تحمل من

стр. 293

دمشق إلى البيرة، فلا ترى إلا قوافل حاملة، وركائب موسقة راحلة (١)، ويبدو أن دمشق قد ضاقت بما فرض عليها منها، فتلكأت بعض التلكؤ في إرسال بعضها، فكتب الظاهر بيبرس إلى نائبه فيها جمال الدين النجيبي يحثه على إرسالها، ويوبخه على تأخره، وكان قد تساهل مع أهل دمشق، فحين جاءه كتاب الظاهر بيبرس تخلى عن تساهله، وعزم عزمة الرجال، وحمل ما ملأ الأرض من الغلال على حد تعبير ابن عبد الظاهر المؤرخ (٢)، ويبدو أن دمشق قد عانت من نقص غلالها، وقد مس ذلك فلاحي دمشق، وأبو شامة واحد منهم، فهل كان لأبي شامة موقف من هذه الأعباء التي أثقلت كاهل دمشق؟ وهل رأى أن من الغبن أن تتحمل دمشق وحدها إطعام البيرة لمدة تكفيها عشر سنين؟ وهل رأى أن ما غنمه السلطان في أرسوف من غلال - وقد أباحه للناس - كان يمكن أن يفي ببعض حاجتها، ويخفف بعض العبء عن دمشق؟ أسئلة كثيرة تثأر، ولا جواب عنها، ولعلنا نستشف ضيق أبي شامة مما جرى ويجري من خلال إيراده خبر فتح أرسوف في «مذيله»، فهو لم يذكر فيه اسم السلطان الظاهر كما فعل بخبر فتح قيسارية، بل إنه أغفله إغفالا تاما، وكأنه يتجاهله، ونسب النصر فيه للمسلمين عامة، فقال: «وفي ثالث عشر رجب جاءنا الخبر باستيلاء المسلمين على مدينة أرسوف عنوة، وقتل من كان بها من الفرنج، وأسرهم، واغتنام أموالهم، وضربت البشائر بذلك» (٣). ويرحل السلطان عن أرسوف بعد استكمال هدمها في يوم الاثنين (٢٣) رجب سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) إلى مصر، فيدخل القاهرة يوم الخميس (١١) شعبان سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م)، والأسرى بين يديه (٤).

стр. 294

وفي شهر رمضان سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) يشرع في دمشق في تبليط ما بين باب جامع دمشق الغربي إلى ناحية القناة المعروفة بباب البريد، ويجدد في الصف القبلي من ذلك بركة وشاذروان (١)، ويكتب فوق الشاذروان اسم الملك الظاهر بيبرس، ونائب السلطنة جمال الدين النجيبي، ومتولي شرطة دمشق فخر الدين أياز الحراني (٢)، وكان في موضع البركة والشاذروان قناة يجري إليها الماء من نهر القنوات، فأزيلت (٣). ويعبر أبو شامة عن ضيقه بهذه البركة والشاذروان، وقد حرم الناس بسببهما من تلك القناة التي كان يجري إليها الماء من نهر القنوات، فيكتب في «مذيله»: «وكان الناس ينتفعون به أي من ماء نهر القنوات - زمان انقطاع نهر بانياس الذي منه ماء الجامع بدمشق» (٤). فهل أعلن أبو شامة عن سخطه واستيائه من إنشاء البركة والشاذروان؟ وهل ضاق بما فرض من رسوم عليهما (٥)؟ لا ندري، ولكن ما ندريه حقا أن الظاهر

стр. 295

بيبرس استدعى نائبه في دمشق الأمير جمال الدين النجيبي إلى القاهرة، فسافر إليها في ذي القعدة سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) ثم عاد إلى دمشق (١). ولعل المنام الذي رآه برهان الدين إبراهيم أخو أبي شامة في بكرة يوم الجمعة (١٢) ذي الحجة سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) يكشف جانبا من هذا الموقف الغامض، فقد رأى إبراهيم فيما يرى النائم أنه جالس إلى جانب أخيه أبي شامة، وأبو شامة يكتب شيئا ويقرؤه، فكان ما كتبه قوله تعالى: ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ (٢) (٣). وإذا كان لنا أن نفهم الآية الكريمة بظاهر دلالتها، فإننا نحدس أن ما كان أبو شامة يستشعره من خطر، إنما هو من السلطان الظاهر بيبرس، تنزيلا للآية على موسى ﵇، وهو يواجه فرعون، فهل كان أبو شامة حقا على خطر من السلطان؟ وهل كان سفر الأمير جمال الدين النجيبي إلى القاهرة لجملة أمور، منها ما يتعلق بأبي شامة؟ ألا يدل المنام على أن أبا شامة كان خائفا يترقب من أمر يقع عليه؟ ألا يدل على أنه كان يتوقع أذى يلحقه؟ وقد جاءته البشرى بأن لا سبيل للوصول إليه، إنه هو الغالب على كيد من يكيد له. ولربما زيادة في التحدي يشرع أبو شامة عقب منام أخيه بإقراء «كتاب الروضتين» بدار الحديث الأشرفية، حتى يفرغ منه (٨) محرم سنة (٤) (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٥ م).

стр. 296

ابتداع الظاهر بيبرس نظام القضاة الأربعة وموقف أبي شامة منه وشعر الظاهر بيبرس أن سلطانه توطد، وقد دفع التتار عن البلاد، وصارت له الغلبة على الصليبيين، وانقاد له الأمراء، ولم يكن يزعجه في ظل سطوته إلا قاضي قضاة مصر الشافعي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف المعروف بابن بنت الأعز - وكان القضاء مقتصرا على الشافعية - فقد كان يلزمه ببعض الأحكام على مذهبه لم تكن تروق له، أو يرى فيها تشددا لا يستسيغه، أو يتوقف في بعضها. وكم جرت بينهما من مشادات في بعض الأحكام في دار العدل، آخرها ما جرى يوم الاثنين (١٢) ذي الحجة سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م)، وكان الأمير جمال الدين أيدغدي حاضرا، فقال للقاضي: مذهب الشافعي لك، ونولي من كل مذهب قاضيا. فما كان من الظاهر بيبرس إلا أن نفذ ما قاله جمال الدين، وكأنه أمر بيت بينهما بليل، فبعد أسبوع، وذلك يوم الاثنين (١٩) ذي الحجة سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) ولى السلطان الظاهر ثلاثة قضاة هم: القاضي صدر الدين سليمان بن أبي العز الحنفي، والقاضي شرف الدين عمر بن عبد الله بن صالح السبكي المالكي، والقاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم الحنبلي، ليكونوا قضاة القضاة بديار مصر إلى جانب القاضي الشافعي عبد الوهاب ابن بنت الأعز، وقد

стр. 297

أبقى عليه النظر في مال الأيتام (١)، وأن يستقل بتولية النواب بنواحي الوجهين القبلي والبحري، لا يشاركه فيه غيره (٢). فصار من ذلك الوقت أربعة قضاة في مصر يحكم كل منهم بمذهبه. فهل كان الظاهر حقا منزعجا من تشدد القاضي ابن بنت الأعز في أحكامه، وتوقفه في القضايا التي لا توافق مذهبه؟ وهل كان يستشعر حاجة الناس إلى قضاة من المذاهب الأخرى؟ وهل كان حقا يريد أن يكسب بذلك النخب الدينية والفئات الشعبية بعد أن كسب النخب السياسية بإعادته الخلافة العباسية، وتمكنه من التتار والصليبيين كما يرى باحث معاصر (٣)؟ أسئلة تثار، ولعلنا نستطيع في البحث عن جوابها أن نقف على الدافع الحقيقي الذي كان وراء تعيين الظاهر بيبرس القضاة الأربعة، وبخاصة أنه شيء ما أظنه جرى في زمان سابق على حد تعبير أبي شامة (٤). لو كان انزعاجه منصبا على شخص القاضي لا على مذهبه لكان قد عزله، وأتى بقاض غيره أطوع له فيما يريد، وفي كلمة الأمير جمال الدين أيدغدي ما يوضح لنا أن الانزعاج كان لتفرد المذهب الشافعي بالحكم، ألم يقل له: مذهب الشافعي لك، ونولي من كل مذهب قاضيا؟ فالضيق كان من تحكم المذهب الشافعي في الفصل بين القضايا، ولربما في بعضها ما لا يرغب فيه السلطان، والذي يجعلنا نميل إلى هذا الرأي أن السلطان لم يكن يمانع في تحكم المذهب الشافعي حين

стр. 298

يكون حكمه في صالحه، ولذلك أبقى للقاضي الشافعي النظر في مال الأيتام، لأن الشافعي يوجب الزكاة على مالهم بخلاف المذهب الحنفي، مما يعود نفعه للسلطان وأولياء اليتيم (١). ولم يكن الناس بحاجة إلى قضاة المذاهب الأخرى، لأن الكثرة الكاثرة منهم كانوا شافعية، وقلة منهم كانوا مالكية وحنفية، فكيف سيكسب الظاهر بيبرس تلك النخب الدينية والفئات الشعبية، وهو يعارض الشريحة الأكثر منها؟ وبرأيي أن الظاهر كان يسعى من وراء ذلك إلى التحرر من سلطة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، ولعلها السلطة الوحيدة القادرة أن تقف في وجهه، إذ يتيح له ذلك أن ينتقي من كل مذهب ما يوافقه من أحكام، وبذلك يتخلص من هيمنة مذهب واحد عليه. ثم إن الفقهاء لم يكونوا على وئام فيما بينهم، وتعيين قضاة منهم سيزيد من خلافاتهم وخصوماتهم، ومن ثم تتبدد سلطتهم بما يحصل من تعصب كل فريق لمذهبه، وما يقع بينهم من فتن بسبب اختلاف الآراء والاجتهادات. وقد أدرك ذلك بعض الفقهاء، ومن ثم عارض قراره بشدة فقهاء دمشق، وذلك حين أرسل إليهم في (٦) جمادى الأولى سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) عهوده الثلاثة لثلاثة قضاة، هم: شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي، وزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي، وشمس الدين الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي، فلم يقبل المالكي والحنبلي، واعتذرا بالعجز، وقبل الحنفي لأنه كان نائبا لقاضي الشافعية، فأرسل الظاهر كتابا من مصر بإلزامهما بذلك، وهددهما إن لم يقبلا بأخذ ما بأيديهما من الأوقاف، فلم يستجب له المالكي، وأشهد على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء، وعن الأوقاف، ثم ورد الأمر بإلزامه،

стр. 299

فألزم مكرها، وقد اشترط المالكي والحنبلي - نأيا بأنفسهما عن السلطان ألا يأخذا أجرا على القضاء، وقالا: نحن في كفاية. فأعفيا من ذلك (١). ومن ثم نرى أن فقهاء دمشق لم يسارعوا إلى الاستجابة، بل قبلوا مكرهين تحت التهديد والوعيد، فأين ذلك من كسب هذه النخب الدينية؟ ثم إن عامة الشعب قد استرابت من هذا القرار، ولم تجد فيه تحقيقا لعدالة، أو كشفا لمظلمة، وعبر أحد ظرفاء دمشق عن استرابتهم هذه بقوله: أهل دمشق استرابوا … من كثرة الحكام إذ هم جميعا شموس … وحالهم في ظلام (٢) فأين ذلك من كسب الفئات الشعبية؟ أما أبو شامة، ذلك الفاضح لفساد القضاء والقاضي واحد، فقد وجدها فرصة ليجدد حملته على القضاء والقضاة، ساخرا من اتفاق ألقابهم بشمس الدين بينما حال الناس من الظلم في ظلام، ولعله يريد انتقاد السلطان من وراء انتقادهم، ولذلك آثر إيراد أشعاره الساخرة بصيغة المبني للمجهول، فكتب في «مذيله»: «ومن العجيب اجتماع ثلاثة على ولاية قضاء القضاة في زمن واحد، وكل منهم لقبه شمس الدين، واتفق أن الشافعي منهم استناب أيضا من لقبه شمس الدين، فقيل: بدمشق آية قد … ظهرت للناس عاما كلما ولي شمس … قاضيا زادت ظلاما وقيل أيضا: قضاتنا كلهم شموس … ونحن في أكثف الظلام وقيل أيضا:

стр. 300

أظلم الشام وقد … ولي الحكم شموس ليس فيهم من يبت ال … حكم علما أو يسوس (١) ولن يغفر الفقهاء من بعد للظاهر بيبرس ما صنع، فقد حكي أنه رئي في النوم بعد وفاته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: عذبني عذابا شديدا بجعل القضاة أربعة، وقال: فرقت كلمة المسلمين (٢).

стр. 301

الظاهر بيبرس يفتح صفد ويرسل عسكرا إلى أرمينية لفتح سيس لم يمض على إرسال الظاهر بيبرس عهوده لقضاة دمشق سوى نحو ثلاثة أشهر حتى هيأ أسبابه لاستئناف فتح القلاع والمدن التي استولى عليها الصليبيون، وكانت عينه هذه المرة على صفد، لقربها من الشام، ولما كانت تسببه لأهلها من الضيق والأذى (١). فخرج من القاهرة بعساكره في مستهل شعبان سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) كاتما وجهته كعادته، وسار حتى وصل إلى قرب عكا، فبث عساكره للإغارة على طرابلس وصور وجبل عاملة وعثليث، حتى إذا فاءت العساكر إليه وقد امتلأت أيديهم بالغنائم تقدم نحو عكا، ووقف على تل الفضول، وكأنه يحاول حصارها، ثم سار عنها فجأة، ونزل على صفد يوم الاثنين (٨) رمضان سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) وضرب الحصار حولها (٢)، وكان قد استدعى المجانيق من دمشق، فوصلت إلى جسر يعقوب، وهو على منزلة من صفد، وقد عجزت الجمال عن حملها، فسارع الظاهر بيبرس إليها مع أمرائه وجنده لحملها على الرقاب إلى صفد، وكان الظاهر كواحد

стр. 302

منهم، فقد باشر بنفسه جر الأخشاب مع البقر دون سأم أو تعب إلى أن نصبت المجانيق، وبدأ الرمي بها في (٢٦) رمضان، والظاهر يلازم الوقوف عندها، وهي ترمي، وكانت العساكر تأتيه من مصر والشام، فينزلهم في منازلهم، حتى إذا كانت ليلة عيد الفطر خرج الأمير بدر الدين الأيدمري للتهنئة بالعيد، فوقع حجر على رأسه، فرسم الظاهر ألا يجتمع أحد لسلام العيد، ولا يبرح أحد مكانه خشية انتهاز العدو غرة العسكر، ونودي يوم عيد الفطر في الناس: من شرب خمرا أو جلبها شنق (١). وكان قد وصل جماعة من الصلحاء والفقهاء للاشتراك في فتح صفد، فيهم قاضي قضاة الحنابلة بدمشق شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي (٢). وما إن أطل ثاني أيام العيد (٢) شوال سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) حتى زحف المسلمون إلى أسوار صفد، ووقع بينهم وبين الصليبيين قتال عظيم، استشهد فيه جماعة، ونصب الظاهر مشفى في خيمة، فيها حكماء، وجرائحية وأشربة ومآكل، فصار من يجرح من المقاتلة والفقهاء يداوى بها (٣). وبقي القتال مستعرا عند أسوار صفد، حتى إذا كان يوم (١٤) شوال اشتد الزحف من الليل إلى وقت الظهيرة، واستبسل الصلحاء والفقهاء في القتال، وأدرك الأجناد التعب، فتفرقوا إلى خيامهم للاستراحة، فغضب الظاهر من ذلك، وأمر خواصه بإقامة الأمراء والأجناد إلى القتال بالدبابيس، وقال: المسلمون على هذه الصورة من القتال وأنتم تستريحون! وقبض السلطان على نيف وأربعين أميرا وقيدهم وسجنهم، ثم شفع فيهم فأطلقهم، وأمرهم بملازمة مواضعهم (٤).

стр. 303

فاشتد القتال إلى أن الجئ الصليبيون لطلب الأمان يوم الجمعة (١٨) شوال سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) فأمنهم الظاهر على ألا يخرجوا بسلاح ولا لأمة حرب، ولا شيء من الفضيات، ولا يتلفوا شيئا من ذخائر القلعة بنار ولا هدم، وأن يفتشوا عند خروجهم، فإن وجد مع أحد منهم شيء من ذلك انتقض الأمان (١)، فوافق الصليبيون على هذه الشروط، وسلموا صفد بعد صلاة الجمعة (١٨) شوال (٢)، فطلعت السناجق الإسلامية على أسوارها، وكان لطلوعها ساعة مشهودة، وركب الظاهر بيبرس، ووقف على باب صفد، ونزل الصليبيون كلهم منها، ووقفوا بين يديه، فرسم بتفتيشهم، فوجد معهم ما يناقض الأمان من السلاح والفضيات، ووجد معهم عدة من أسرى المسلمين أخرجوهم على أنهم نصارى، فأخذ ما وجد معهم، وأنزلوا عن خيولهم، وجعلوا في خيمة كبيرة، وأقام من يحرسهم (٣). وولى السلطان نيابة صفد الأمير عز الدين العلائي، وولى قلعتها الأمير مجد الدين الطوري (٤). ولما أصبح الظاهر يوم السبت (١٩) شوال حضر إليه الناس، فشكر لهم اجتهادهم في القتال، واعتذر عما بدر منه تجاه بعضهم، وأنه ما قصد إلا حثهم على هذا الفتح العظيم (٥). وأحضرت خيالة الصليبيين وجميع من أخرج من صفد، فسيقوا إلى تل قريب

стр. 304

حيث ضربت أعناقهم (١)، ولم ينج منهم سوى رجلين، أحدهما رسول اختار أن يقيم عند السلطان ويسلم، والآخر ترك كي يخبر الصليبيين بما شاهده (٢). وصعد السلطان إلى قلعة صفد، واستدعى الرجال من دمشق للإقامة فيها (٣)، وحين اطمأن إلى أمرها رحل عنها في (٢٧) شوال سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) إلى دمشق، فنزل بالجسورة، وأمر عسكره بالإقامة فيها، ودخل دمشق مع نفر قليل من فرسانه. وعين الملك المنصور صاحب حماة مقدما على عساكره، وفيهم الأميران عز الدين أوغان وقلاوون، وأمره بالتوجه إلى سيس عاصمة أرمينية الصغرى، للانتقام من ملكها هيثوم لتحالفه مع التتار ضد المسلمين، فسار إليها المنصور في (٥) ذي القعدة سنة (٤) (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م). وتقربا من دمشق أنعم الظاهر على أمرائها وقضاتها وأرباب مناصبها بالتشاريف، ونظر في أمر جامع دمشق، ومنع الفقراء من المبيت فيه، وأخرج ما كان به من الصناديق التي كانت للناس، وأبطل ضمان الحشيشة، وأمر بتأديب من يأكلها (٥). * * * وسارت عساكر الظاهر بيبرس بقيادة الملك المنصور صاحب حماة تشق طريقها نحو أرمينية الصغرى، حتى وصلت إلى حصن دربساك، ودخلت الدربند، وكان هيثوم

стр. 305

ملك الأرمن قد بنى في رؤوس الجبال أبراجا ظن أنها مانعته من المسلمين (١)، وفي يوم الثلاثاء (٢٠) ذي القعدة سنة (٢) (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) دارت رحى حرب طاحنة بين العسكرين، أسفرت عن هزيمة هيثوم، ووقوع ابنه ووريث عرشه ليو في الأسر، وقتل بعض أقاربه، واستيلاء المسلمين على سيس وتخريبها (٣). وسار الأمير أوغان إلى جهة الروم السلاجقة المتحالفين مع التتار، والأمير قلاوون إلى المصيصة وأذنة وإياس وطرسوس، فقتلوا وأسروا وهدموا عدة قلاع، منها قلعة حصينة للديوية، ثم رجعوا إلى الملك المنصور في سيس حيث كان يقيم، وقد اجتمع معهم من الغنائم ما لا يعد ولا يحصى (٤). وجاء السلطان المبشر في فتح سيس، وهو يصيد بجرود، فرحل على الفور إلى دمشق، وأخذ يتجهز للقاء عسكره العائدين (٥). وفي بكرة الاثنين (٢٦) ذي القعدة قرى بجامع دمشق كتاب الفتح، وكان أبو شامة حاضرا، ففرح بهذا النصر العظيم، وسارع إلى «مذيله» يكتب فيه عن ملك الأرمن: «وكان هذا الملعون قد فتك في المسلمين، وظاهر عليهم العدو من التاتار خذلهم الله مرارا، وعمل في حلب لما فتحها التاتار أمورا منكرة، واستولى على أكثر نسائها وأطفالها أسرا، ونقلهم إلى بلاد الفرنج والروم برا وبحرا تحت الذل والصغار، فأمكن الله تعالى منه ومن بلاده، وأخذ بثأر الإسلام، والله الحمد والشكر» (٦).

стр. 306

وخرج الظاهر بيبرس من دمشق في أوائل ذي الحجة سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) للقاء العسكر، وفي طريقه مر بقارا في ثالث ذي الحجة، وكان قد شكي إليه من أهلها، وهم نصارى، أنهم يتعدون على أهل الضياع، ويبيعون من يقع إليهم إلى الصليبيين بحصن عكا، وكان بعض الأسرى الذي خلصوا من صفد قد أخبروا أن سبب أسرهم أهل قارا، فأمر السلطان الظاهر بيبرس العسكر بنهبهم، فنهبوا، وقتل كبارهم، وسبى النساء والأولاد (١). ثم تابع طريقه حتى وصل إلى حماة، فعيد فيها عيد الأضحى المبارك، ثم سار منها إلى أفامية، فأقام بها نحو يومين، ثم رحل عنها إلى لقاء العسكر في (١٣) ذي الحجة، فالتقاهم، وقدموا له نصيبه من الغنائم، ففرق الجميع بين عسكره (٢). ورجع إلى دمشق في (٢٤) ذي الحجة، فدخلها، وبين يديه ليو بن هيثوم، وكان يوما مشهودا، فقد مرت به العساكر الإسلامية، ومعهم الأسرى والغنائم، وخلع السلطان على الأمراء والأجناد، وامتلأت دمشق بالمكاسب، وأبيع من الجواهر والحلي والرقيق والحرير ما لا يحصى كثرة، ولم يتعرض السلطان لشيء من ذلك (٣). وأقام الظاهر بدمشق نحو أسبوع حتى كان يوم الاثنين (٢) محرم سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٦ م) خرج بعساكره عائدا إلى القاهرة (٤). وفي طريق عودته وصل إلى الفوار، فأقام فيه معسكره، ثم سار مع بعض فرسانه إلى الكرك، ونزل على بركة زيزي، وبينما كان يتصيد تقطر عن فرسه في (٨) محرم، فاضطر إلى البقاء أياما حتى يتماثل للشفاء (٥). ثم سافر في محفة على أعناق الأمراء والخواص إلى غزة، ومنها

стр. 307

سار إلى بلبيس، فتلقاه ابنه بركة في (٣) صفر سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٦ م) ومعه الأمير عز الدين الحلي، وزينت القاهرة، ولم يزل السلطان موعوكا من أثر هذه الحادثة حتى غرة شهر ربيع الأول سنة (١) (٦٦٥ هـ، ١٢٦٦ م). فهل رق قلب أبي شامة لما وقع للسلطان، فكتب وهو يدون في «مذيله» خبر رجوعه إلى مصر بإيجاز، قائلا في آخره: «سلمه الله تعالى» (٢)؟ هل بدأ أبو شامة يميل حقا إلى هذا السلطان الجديد وهو يرى فتوحه للبلاد التي استولى عليها الصليبيون، ودفاعه عن المسلمين ضد التتار ومن يتعاون معهم؟ * * *

стр. 308

محنة أبي شامة لعل أبا شامة قد شعر بشيء من الرضا، وهو يقضي أيامه في دار الحديث الأشرفية، وقد تصدر لمشيختها، ومع أوراقه وهو يكتب فيها فتاويه عما يرد إليه من أسئلة، وهو مفتي الشام. وكانت قصيدته الفلاحة الرائية قد أثارت عليه عداوة القضاة والعلماء، وكل من له صلة بالأوقاف، فراحوا يتربصون به، ولربما زاد من عداوتهم له استمراره في الحملة عليهم، وها هو الآن ينبز القضاة الجدد بالجهل والظلم، إذ ليس فيهم من يبت الحكم علما أو يسوس (١)، ساخرا منهم ومن ألقابهم التي أضافوها إلى الشمس، وهم ظالمون مظلمون في أحكامهم (٢). ولم يكن أبو شامة يأبه حقا لما يثيرونه ضده من عداوة، فهو مطمئن إلى أن ما يقوم به إنما هو حق العلم عليه، أن ينصح للأمة، ويصدع بالحق، لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وقد توكل على الله، فهو حسبه من كيد الكائدين. ولربما يدل على رضاه واطمئنانه تلك المنامات التي رئيت له في هذه الأيام، وقد سطرها في «مذيله»، فهو تارة في ثياب بيض، أو في دار واسعة مبيضة، أو في بستان كبير، في وسطه بركة ماء مد البصر، تنبع من عين فيه.

стр. 309

فقد رأى ضياء الدين عبد الرحمن بن الجمال عبد الكافي فيما يرى النائم في ليلة (١٤) ربيع الآخر سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) كأن شخصا معروفا يقرئ في إيوان شيئا من التصريف، وحوله جماعة، ثم جاء آخر، فقعد يقرئ جماعة بحذائه، وانصرف من عند الأول بعض جماعته إلى الثاني، فبينا هم كذلك إذ أشرف عليهم أبو شامة من طاقة في أعلى حائط ذلك الإيوان، وعليه ثياب بيض من صوف، والعمامة كذلك، وفوقها شيء مسبل عليها وقاية لها كصورة ما يفعله من يجعل على عمامته منديلا أو نحوه لأجل مطر أو حر، فلما أشرف عليهم أبو شامة بغتة من حيث لم يكونوا يتوقعون ذلك، قال أبو شامة: قال رسول الله ﷺ ، فذكر حديثا، نسيه ضياء الدين، قال: فبكى القوم، وبكى أبو شامة، فقال قائل من الجماعة: في فضائل رجب، أي أسمعنا في فضائل رجب. ثم انتبه ضياء الدين من النوم (١). وقد عبر أبو شامة هذه الرؤيا لضياء الدين بعد أن قصها عليه بأنه شيء يحدث من الخير إن شاء الله في رجب هذه السنة، لقرينة فضل رجب، وذكر النبي ﷺ ، واتعاظ الجماعة، والبكاء يؤول بالفرح والسرور من ذلك الأمر، بتوفيق الله تعالى (٢). ثم رأته امرأة - لم يسمها - فيما يرى النائم كأن لأبي شامة دارا واسعة كبيرة مبيضة، وزواياها ملأى من الخبز المثلث بعضه فوق بعض (٣). ويرى أخوه إبراهيم فيما يرى النائم كأن لأبي شامة بستانا كبيرا، وفيه عين ماء، في وسطه بركة مد البصر، فيقول ليوسف: - ولعله أحد العاملين في بستان أبي شامة - افتح الماء، ففتح، فجرى فيها أنابيب (٤) * * *

стр. 310

ولربما يدل على ما كان يشعر به أبو شامة من اطمئنان، وأنه لم يكن يلتفت لعداوة من عاداه اتخاذه منزلا له في محلة طواحين الأشنان خارج باب توما في آخر المعمور (١)، وهو مكان مخوف موحش في تلك الأيام التي لا أمان فيها إلا لمن يسكن داخل الأسوار، ولربما كان يقيم في ذلك البيت وحده، عاكفا فيه على تصانيفه وقراءاته، بعيدا عن صخب أطفاله الصغار في بيته بدار العطافية غربي المدرسة العادلية الكبرى، ولم يكن أبو شامة يدري أن ثمة من يترصد له للإيقاع به. فبينما كان في يوم السبت السابع من جمادى الآخرة سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) في بيته بطواحين الأشنان، إذ طرق عليه طارق، فإذا هما رجلان يريدان أن يستفتياه في فتوى، فما إن فتح لهما الباب ودخلا حتى انهالا عليه ضربا مبرحا كاد يتلف منه (٢)، ولربما حاولا خنقه (٣)، حتى إذا همد وظنا أنهما قتلاه، غادرا البيت خفية دون أن يدري بهما أحد، أو يحس بهما أحد (٤). وبعد رحيلهما ثاب إلى أبي شامة وعيه، واستطاع أن يتماسك، وأن ينهض. وعلم من حوله من الأصحاب بالأمر، وهالهم حقا ما جرى له، فقالوا له: إن ما جرى أمر عظيم لا ينبغي السكوت عنه، فقم إلى ولاة الأمر، واشك إليهم ما وقع لك كي ينصفوك، ويأخذوا حقك ممن اعتدى عليك. غير أن أبا شامة كان قد عقد مع الله عقدا، أن يصبر على ما يصيبه من بلاء، وأن يتوكل عليه، فهو حسبه. ويدون أبو شامة في «مذيله» ما جرى له، فيكتب: «وفي سابع جمادى الآخرة

стр. 311

جرت لي محنة بداري بطواحين الأشنان، فألهم الله الصبر، وفعل الله تعالى فيها من اللطف ما لا يقدر على التعبير عنه بوصف، وكان قيل لي: قم واجتمع بولاة الأمر. فقلت: أنا فوضت أمري إلى الله، فما أغير ما عقدته مع الله، وهو يكفينا سبحانه ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ (١)، ونظمت في ذلك ثلاثة أبيات: قلت لمن قال أما تشتكي … ما قد جرى فهو عظيم جليل يقيض الله تعالى لنا … من يأخذ الحق ويشفي الغليل إذا توكلنا عله كف … فحسبنا الله ونعم الوكيل (٢) * * * ونتساءل: لم أغفل أبو شامة وقائع ما حدث له، واكتفى في وصف ما جرى له بكلمة محنة؟ ولم لم يكشف عمن ضربه، وهو لا ريب يعرفه؟ هل كان بصمته يسعى للنجاة من خطرهم؟ ثم لماذا امتنع من شكواهم لولاة الأمر؟ هل كان يعتقد أن ولاة الأمر متواطئون معهم؟ وأنه ليس له في محنته هذه من نصير إلا الله ، فهو سيقيض له من يأخذ حقه، ويشفي غليله؟ ومع صمت أبي شامة صمت كذلك من عاصره من المؤرخين، ويبدو أن أعداء أبي شامة قد روجوا شائعة غريبة لما حدث له، وهو أن بعض تلاميذه تعرض لخنقه، إبعادا لأنفسهم عن هذه التهمة، وقد تلقف هذه الشائعة الصقاعي، وهو مؤرخ نصراني، كان معاصرا لأبي شامة، ويعمل كاتبا في الديوان، فسجلها في تاريخه (٣). أما قطب الدين موسى بن محمد اليونيني، وهو مؤرخ معاصر لأبي شامة كذلك، فقد أشار إشارة خفية إلى الأسباب التي حملت على ضرب أبي شامة، إذ

стр. 312

كان كثير الغض من العلماء والأكابر والصلحاء، والطعن عليهم، والتنقص لهم، وذكر مساوئ الناس، وثلب أعراضهم (١). هكذا يقذف اليونيني أبا شامة بتهم كبار، لا دليل له عليها، إلا إذا كان التعرض لأكلة الأوقاف يعد تنقصا للعلماء والأكابر والصلحاء، وغضا منهم (٢). ولعل الإمام الذهبي هو أول من فصل لنا ما جرى لأبي شامة في ذلك اليوم، فقال: «جاءه اثنان من الجبلية (٣)، وهو في بيته عند طواحين الأشنان، فدخلا يستفتيانه، فضرباه ضربا مبرحا كاد يأتي على نفسه، ثم ذهبا، ولم يدر من سلطهما عليه، فصبر واحتسب، وقيل: جهزهما عليه بعض الأكابر» (٤). فمن هما هذان الرجلان؟ إنهما من الجبلية كما يذكر الإمام الذهبي، أي من سكان الجبل، وأقرب جبل إلى دمشق هو جبل قاسيون، فهل هما من جبل قاسيون؟ هذا ما أميل إليه، وأكاد أرجحه، وبخاصة أن أهل دمشق في ذلك الزمن حين كانوا يطلقون اسم الجبل، إنما يعنون به جبل قاسيون، وكثيرا ما أطلقه أبو شامة في «المذيل» بهذا المعنى (٥). ولعل الذهبي آثر لفظ الجبلية، وهو غريب في هذا الموطن على لفظ

стр. 313

الصالحية، وهو معروف مأنوس، ربئا بأهل الصالحية أن ينسب إليهم هذا الفعل الشنيع. ومما يقوي أن المراد بالجبلية هم من أهل جبل قاسيون قول ابن كثير: «إنهم ألبوا عليه، وأرسلوا إليه من اغتاله (١)». فابن كثير يعرف من ألب عليه، ولو كان المراد غيرهم من الجبلية كما توهم بعض المستشرقين (٢) لصرح بذلك، ولم يجمجم. فلماذا كانا من جبل قاسيون؟ هل ثمة علاقة بين نقد أبي شامة للقضاة، وفيهم شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي، شيخ الحنابلة في الصالحية، وبين الاعتداء عليه؟ هل تعصب للشيخ عبد الرحمن بعض أهل الجبل ممن نقم على أبي شامة قوله في القضاة: ليس فيهم من يبت الحكم أو يسوس (٣)، ويدخل في جملتهم قاضيهم؟ وهل حرضهم عليه كذلك من أصابته سهام نقده لأكلة الأوقاف في قصيدته الفلاحة الرائية؟ ألا تعني كلمة «الأكابر» التي ذكرها الذهبي هؤلاء العلماء أصحاب المناصب الكبيرة الذين تضرروا من نقد أبي شامة لهم، ولهم مصلحة في إسكاته؟ ولعل ما أضافه ابن كثير من تفاصيل على الحادثة يلقي ضوءا على ما أشاعه هؤلاء الأكابر تغطية للسبب الحقيقي وراء ضربه، فقد قال ابن كثير: «وقد كان اتهم برأي الظاهر براءته منه، وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم: إنه كان مظلوما» (٤).

стр. 314

وهكذا حاولوا أن يلتمسوا له خلافا في الرأي ليسوغوا الاعتداء عليه، وما هو هذا الرأي الذي يوجب استحلال دمه؟ لم يكلف ابن كثير نفسه عناء البحث عن هذا الرأي، فهل كان لتهافته لا يستحق أن يذكر؟ وقد تبرع جماعة من أهل الحديث وغيرهم بتبرئة أبي شامة منه، فقالوا: إنه كان مظلوما. ونسي هؤلاء أن دمشق زمن أبي شامة لم تقتل زنادقتها على كفرهم وفسوقهم (١)، فكيف تقتل أكبر علمائها من أجل رأي مخالف غامض؟ لقد تواطأ الجميع على تعمية من ضربه وسبب ضربه بعبارات مبهمة لا تدع منفذا لشعاع الحقيقة أن يتسرب من بين حروفها، غير أن المطلع على سيرة أبي شامة يدرك حقا أنه كان صوتا متفردا بين علماء عصره، إذ رأى أن سبب الفساد الذي تعيشه الأمة هو علماؤها الذين اتخذوا من العلم مطية لتحقيق مآربهم الدنيوية، وهم على تناغم مع الأمراء والسلاطين، فوجه إليه نقدا لاذعا كاشفا، لأن في صلاحهم صلاح الأمة، وقد فوجئوا حقا بهذا النقد وقسوته الذي عراهم من هيبتهم، وكشف عن أطماعهم، وقد كانوا يرون أنفسهم فوق النقد، فورمت أنوفهم، واضطغنت قلوبهم على هذا العالم الزاهد حقا في مناصبهم، ولما عجزوا عن إسكاته بالإهمال أولا، ثم بتوليته المناصب ثانيا، رأوا أن لا مناص لهم للتخلص منه إلا بقتله، فكان ما كان، ولكن الله سلم. * * *

стр. 315

وفاة أبي شامة بعد نحو شهر من محنته استطاع أبو شامة معاودة تدوين ما يقع إليه من أخبار في «مذيله» (١). وكان الظاهر بيبرس قد قدم مع جماعة من أمرائه الشام، فنزل على غزة، ثم رحل إلى صفد، وهناك ورد الخبر عليه بتوجه التتار إلى الرحبة، فسار إلى دمشق مسرعا، ودخلها في (١٤) رجب سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م)، فأقام بها نحو خمسة أيام، ثم عاد إلى صفد، فوصل إليها في (٢٤) رجب ليقوم على عمارتها، وحفر خندقها (٢). في تلك الأيام كان أبو شامة يحاول التغلب على محنته، ففي (٢٠) رجب توفي الكمال بن إسحاق بن خليل السقطي المعروف بقاضي زرا، فصلى عليه أبو شامة إماما بمصلى ابن مرزوق بالعقيبة، ثم دفن بالجبل (٣). وكان آخر ما دون أبو شامة في «مذيله» خبر وفاة الجمال محمد بن نعمة النابلسي في يوم الأحد (١٨) شعبان سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) وكان رجلا صالحا (٤).

стр. 316

ويبدو أن المرض الذي كان يعتاده في رمضان في بعض السنين (١) قد ألم به في هذا العام، غير أن جسد أبي شامة العليل من الضرب المبرح لم يعد يقوى على احتماله ومقاومته، فنشب فيه حتى تمكن منه، فأسلم الروح في سحر ليلة الثلاثاء التاسع عشر من رمضان سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) مخلفا ثلاثة أولاد: فاطمة، وأحمد، ومحمود (٢)، ودفن بعد صلاة الظهر في مقبرة الفراديس (٣)

стр. 317

ويبدو أن جنازة أبي شامة لم تكن من تلك الجنازات الحافلة التي كانت تشهدها دمشق لعلمائها الكبار، فلم يذكر لنا خبر عنها، ولم ندر من صلى عليه، ولربما ارفض الناس عنها، والعهد قريب بمحنة صاحبها، خوفا من بطش من بطش به ونفوذه. وهكذا أغمض أبو شامة عينيه على حلم كان يود لو يتحقق، فقد عاش ما عاش

стр. 318

وهو يحلم بسلطان يعمل على إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، والنظر في مصالح العباد (١). * * *

стр. 319

مؤلفاته التاريخية

стр. 320

أبو شامة والتاريخ لم يكن التاريخ أول علم شد إليه أبا شامة، فقد سبقه إلى ذلك علم القراءات القرآنية (١)، ثم الفقه والعربية (٢)، ومن بوابة الفقه دخل عالم التاريخ الرحيب (٣)، وقد اكتشف فيه أنه أصل من أصول الشريعة، وباب من أبواب العلم (٤)، والجاهل فيه راكب عمياء، خابط خبط عشواء (٥). وأكب عليه قراءة من مظانه حتى وقع ما وقع من تنازل الكامل بن العادل عن القدس للصليبيين (٦)، وهي درة فتوحات عمه صلاح الدين، ثم حصاره دمشق، وهو أول حصار يشهده أبو شامة (٧)، فشعر وقتئذ أن خللا قد دب في الواقع الإسلامي، وأن فترة المراوحة في حكم العادل بين الحرب والسلم، قد أفضت في زمن ابنه الكامل إلى مسالمة العدو، ومحاربة القريب، فالتقط بحسه التاريخي ذلك الحادث،

стр. 321

وقد وعى ما حدث فيه من تغيير، فانتقل من قراءة التاريخ إلى تدوينه كشاهد عيان لما يحدث، فكانت وقائع حصار دمشق من أوائل ما دون (١) حين شرع في تأليف أول تاريخ له، وكشأن البدايات دائما لم يمنح تاريخه عنوانا يعرف به، بل كان أشبه بمذكرات يدون فيها ما يقع تحت ناظريه من أحداث قبل أن يبتلعها النسيان (٢). وتمر الأيام والسنون، وقد ملأ التاريخ عقله وقلبه، منكبا على كتبه يطالعها، وعلى حوادثه وأخباره يدونها، جامعا شواردها من أفواه شيوخه، ومن يلتقيه من شهودها، حتى استطاع في مدة وجيزة أن يطلع بنظرة شاملة مستوعبة على أحوال المتقدمين والمتأخرين من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، والخلفاء والسلاطين، والفقهاء والمحدثين، والأولياء والصالحين، والشعراء والنحويين، وأصناف الخلق الباقين (٣). فيعيش معهم وكأنه قد عاصرهم أجمعين (٤)، متمنيا أن يجتمع بمن يدخل الجنة منهم، ويذاكرهم بما نقل إليه عنهم (٥). وتتوق نفسه لمعرفة المزيد، فيسافر إلى مصر، ويحط رحاله في دمياط، وكانت قد عانت من حصار الصليبيين لها واحتلالها سنة (٦) (٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م)، ثم ينتقل إلى القاهرة، فيلتقي شيوخها، ويطلع على ما في دار وزارتها من وثائق ومراسلات (٧)، ويزور قلعة صلاح الدين ليلتقي فيها الأمير أبا الفتوح بن العاضد،

стр. 322

وهو ابن آخر خلفائها، وقد سجن فيها، فيسأله عن الوقائع التي عاصرها (١)، ثم ينتقل منها إلى الإسكندرية، مجتمعا فيها بعلمائها وزهادها (٢)، ليعود منها إلى دمشق بعد غيبة عنها دامت نحو سنة (٣)، وقد أعد نفسه ليتفرغ فيها للتصنيف والتأليف (٤). وقد اكتشف في رحلته مع التاريخ أنه باب واسع، غزير الفوائد، صعب المصادر والموارد، زلت فيه قدم كثير من نقلة الأخبار، ورواة الآثار (٥). ولئلا يضيع في زحمة ما جمع من أخبار، ويخطئ في نسبتها إلى أربابها، أو يخلط فيها ويصرفها عن أصحابها (٦)، رأى أن يتخذ من «تاريخ دمشق» للحافظ ابن عساكر وسيلة للتأليف فيه، يودع فيه ما جمع، ويجنبه الخطأ، وذلك بتلخيصه وتهذيبه، وإضافة فوائد لتراجمه (٧)، وبذلك يحقق أيضا اطلاعا شاملا على تاريخ الإسلام من خلال أهم كتبه. وتقوده قراءته في «تاريخ دمشق» لابن عساكر إلى ترجمة نور الدين، ثم تقوده قراءاته إلى ترجمة صلاح الدين، فيجد فيهما ما كان يبحث عنه في السلاطين، إنهما في المتأخرين كالعمرين في المتقدمين، قد نشرا العدل والجهاد، واجتهدا في إعزاز دين الله أي اجتهاد، فهما حجة على المتأخرين من الملوك والسلاطين (٨)، أمثال الكامل والصالح إسماعيل وغيرهما ممن انحرف بالأمة عن طريقها القويم.

стр. 323

فيعقد العزم على تأليف تاريخ في دولتيهما (١)، يبين فيه سياستهما التي سارا عليها في إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، والنظر في مصالح العباد (٢)، فلعله يقف عليه من الملوك من يسلك في ولايته ذلك السلوك (٣)، فهل التاريخ إلا للاعتبار، لنقتدي بمن تقدمنا من الأخيار (٤)؟ ويعكف أبو شامة في المدرسة العادلية الكبرى على تأليف تاريخه ذاك، ويسميه «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية» (٥). * * *

стр. 324

كتاب الروضتين
следующие страницы →