← Тараджим

Тараджим · id 30091

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق

Полный текст (476 стр.). Показаны 317–356 · переход к 322.

стр. 317

ويبدو أن جنازة أبي شامة لم تكن من تلك الجنازات الحافلة التي كانت تشهدها دمشق لعلمائها الكبار، فلم يذكر لنا خبر عنها، ولم ندر من صلى عليه، ولربما ارفض الناس عنها، والعهد قريب بمحنة صاحبها، خوفا من بطش من بطش به ونفوذه. وهكذا أغمض أبو شامة عينيه على حلم كان يود لو يتحقق، فقد عاش ما عاش

стр. 318

وهو يحلم بسلطان يعمل على إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، والنظر في مصالح العباد (١). * * *

стр. 319

مؤلفاته التاريخية

стр. 320

أبو شامة والتاريخ لم يكن التاريخ أول علم شد إليه أبا شامة، فقد سبقه إلى ذلك علم القراءات القرآنية (١)، ثم الفقه والعربية (٢)، ومن بوابة الفقه دخل عالم التاريخ الرحيب (٣)، وقد اكتشف فيه أنه أصل من أصول الشريعة، وباب من أبواب العلم (٤)، والجاهل فيه راكب عمياء، خابط خبط عشواء (٥). وأكب عليه قراءة من مظانه حتى وقع ما وقع من تنازل الكامل بن العادل عن القدس للصليبيين (٦)، وهي درة فتوحات عمه صلاح الدين، ثم حصاره دمشق، وهو أول حصار يشهده أبو شامة (٧)، فشعر وقتئذ أن خللا قد دب في الواقع الإسلامي، وأن فترة المراوحة في حكم العادل بين الحرب والسلم، قد أفضت في زمن ابنه الكامل إلى مسالمة العدو، ومحاربة القريب، فالتقط بحسه التاريخي ذلك الحادث،

стр. 321

وقد وعى ما حدث فيه من تغيير، فانتقل من قراءة التاريخ إلى تدوينه كشاهد عيان لما يحدث، فكانت وقائع حصار دمشق من أوائل ما دون (١) حين شرع في تأليف أول تاريخ له، وكشأن البدايات دائما لم يمنح تاريخه عنوانا يعرف به، بل كان أشبه بمذكرات يدون فيها ما يقع تحت ناظريه من أحداث قبل أن يبتلعها النسيان (٢). وتمر الأيام والسنون، وقد ملأ التاريخ عقله وقلبه، منكبا على كتبه يطالعها، وعلى حوادثه وأخباره يدونها، جامعا شواردها من أفواه شيوخه، ومن يلتقيه من شهودها، حتى استطاع في مدة وجيزة أن يطلع بنظرة شاملة مستوعبة على أحوال المتقدمين والمتأخرين من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، والخلفاء والسلاطين، والفقهاء والمحدثين، والأولياء والصالحين، والشعراء والنحويين، وأصناف الخلق الباقين (٣). فيعيش معهم وكأنه قد عاصرهم أجمعين (٤)، متمنيا أن يجتمع بمن يدخل الجنة منهم، ويذاكرهم بما نقل إليه عنهم (٥). وتتوق نفسه لمعرفة المزيد، فيسافر إلى مصر، ويحط رحاله في دمياط، وكانت قد عانت من حصار الصليبيين لها واحتلالها سنة (٦) (٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م)، ثم ينتقل إلى القاهرة، فيلتقي شيوخها، ويطلع على ما في دار وزارتها من وثائق ومراسلات (٧)، ويزور قلعة صلاح الدين ليلتقي فيها الأمير أبا الفتوح بن العاضد،

стр. 322

وهو ابن آخر خلفائها، وقد سجن فيها، فيسأله عن الوقائع التي عاصرها (١)، ثم ينتقل منها إلى الإسكندرية، مجتمعا فيها بعلمائها وزهادها (٢)، ليعود منها إلى دمشق بعد غيبة عنها دامت نحو سنة (٣)، وقد أعد نفسه ليتفرغ فيها للتصنيف والتأليف (٤). وقد اكتشف في رحلته مع التاريخ أنه باب واسع، غزير الفوائد، صعب المصادر والموارد، زلت فيه قدم كثير من نقلة الأخبار، ورواة الآثار (٥). ولئلا يضيع في زحمة ما جمع من أخبار، ويخطئ في نسبتها إلى أربابها، أو يخلط فيها ويصرفها عن أصحابها (٦)، رأى أن يتخذ من «تاريخ دمشق» للحافظ ابن عساكر وسيلة للتأليف فيه، يودع فيه ما جمع، ويجنبه الخطأ، وذلك بتلخيصه وتهذيبه، وإضافة فوائد لتراجمه (٧)، وبذلك يحقق أيضا اطلاعا شاملا على تاريخ الإسلام من خلال أهم كتبه. وتقوده قراءته في «تاريخ دمشق» لابن عساكر إلى ترجمة نور الدين، ثم تقوده قراءاته إلى ترجمة صلاح الدين، فيجد فيهما ما كان يبحث عنه في السلاطين، إنهما في المتأخرين كالعمرين في المتقدمين، قد نشرا العدل والجهاد، واجتهدا في إعزاز دين الله أي اجتهاد، فهما حجة على المتأخرين من الملوك والسلاطين (٨)، أمثال الكامل والصالح إسماعيل وغيرهما ممن انحرف بالأمة عن طريقها القويم.

стр. 323

فيعقد العزم على تأليف تاريخ في دولتيهما (١)، يبين فيه سياستهما التي سارا عليها في إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، والنظر في مصالح العباد (٢)، فلعله يقف عليه من الملوك من يسلك في ولايته ذلك السلوك (٣)، فهل التاريخ إلا للاعتبار، لنقتدي بمن تقدمنا من الأخيار (٤)؟ ويعكف أبو شامة في المدرسة العادلية الكبرى على تأليف تاريخه ذاك، ويسميه «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية» (٥). * * *

стр. 324

كتاب الروضتين

стр. 325

متى ألف «كتاب الروضتين»؟ لم يذكر لنا أبو شامة متى بدأ بتأليف كتابه «الروضتين»، واكتفى بذكر فراغه من إسماعه، وذلك سنة (١) (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م)، ومن ثم علينا أن نخمن وقت ابتدائه بتأليفه من خلال إشارات قد تضيء ذلك. ولعل أول هذه الإشارات ما ختم به كتابه حين ذكر وفاة الأشرف والكامل سنة (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٧، ١٢٣٨ م) بقوله: «ووفق من بقي من أهل بيتهم، وأصلح ذات بينهم، آمين» (٢). وقد ذكر أن فكرة تأليف الكتاب قد واتته حين اطلع على ترجمة نور الدين وصلاح الدين (٣)، وبقيت هذه الفكرة تتخمر في عقله حتى جاءت ظروف أنضجتها، ولعل هذه الظروف هي زمن احتدام الصراع على دمشق بين الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وبين عمه الصالح إسماعيل بن العادل، وذلك سنة (٤) (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م)، ويبدو أن خروج الشيخ عز الدين بن عبد السلام من دمشق في أواخر

стр. 326

سنة (١) (٦٣٨ هـ/ ١٢٤١ م) مفارقا الصالح إسماعيل بعد تنازله للصليبيين عن حصن شقيف أرنون وصفد (٢) كان دافعا قويا لمباشرة تأليف هذا الكتاب، إذ وجد أبو شامة نفسه في ذلك الوقت وحيدا، وقد خلت دمشق من شيخها الجليل، ولم يكن استياؤه وغضبه من الصالح إسماعيل يقل عن غضب صاحبه عز الدين (٣)، فباشر تأليف هذا الكتاب، لعله يكون سببا في فيئة سلاطين ذلك الزمان إلى رشدهم، وذلك بسيرهم على خطا نور الدين وصلاح الدين بعد أن تنكب بهم الطريق الكامل محمد ومن بعده الصالح إسماعيل، فإذا كانت صدمته بالكامل حين تنازل عن القدس للصليبيين قد جعلته يبدأ بتدوين التاريخ (٤)، فإن صدمته بالصالح إسماعيل حين تنازل عن شقيف أرنون وصفد جعلته يبدأ بتأليف هذا الكتاب. ولعل إيثاره الانكفاء على نفسه في المدرسة العادلية الكبرى - حيث كان يسكن (٥) - نائيا بنفسه عن متوليها الظالم قاضي قضاة دمشق رفيع الدين الجيلي (٦)، قد أوجد لديه وقتا رحيبا لتنفيذ مشروعه. وبقي مكبا على تأليفه إلى سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م) مع ما تخلل ذلك من تأليفه كتبا أخرى في الفقه والقراءات، ويبدو أنه حين شارف على الانتهاء منه ألم به مرض أقعده عن إتمامه، وقد أشير إلى ذلك في القصيدة التي مدح بها بعد شفائه، وذلك ثامن ذي الحجة سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م) إذ قيل فيها: فحاشا ندى التصنيف أن لا يثج من … غزير وحاشا الروضتين من المحل (٧)

стр. 327

أليس المحل هنا كناية عن انقطاعه عن إتمام تأليفه؟ ولا سيما أن القصيدة قيلت فرحا بعودته إلى مجلسه بجامع دمشق، واستئنافه إسماع مختصره لتاريخ دمشق وغيره من مؤلفاته، ولو كان يسمع «كتاب الروضتين» في ذلك الوقت لذكر ذلك. ويبدو أن أبا شامة، وقد أبل من مرضه، قد استأنف تأليف كتابه، وكان من شرطه فيه أن يؤرخ لدولتي نور الدين وصلاح الدين، غير أنه بعد أن ذكر وفاة صلاح الدين ومناقبه، ألفى نفسه مشدودا لذكر ما وقع عقيب وفاته (١) من منازعات بين أولاده: الأفضل والعزيز والظاهر وأخيه العادل، فسردها حتى وصل فيها إلى حوادث سنة (٥٩٢ هـ/ ١١٩٥ م) وكان إتمامه في الشهور الأولى من سنة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) ثم جلس لإسماعه في جامع دمشق (٢) حتى فرغ منه في السنة نفسها (٣). وقد شعر بعد فراغه من إسماعه أن صورة ما جرى بعد وفاة صلاح الدين لم تكتمل فصولا، فانشغل بعد سنة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) في إتمام ما استحسن زيادته مما جرى بين سنتي (٥٩٣ هـ/ ١١٩٧ م) إلى سنة (٤) (٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م). وكان في أثناء قراءاته في تواريخ تلك الفترة يقع على أخبار فاته تدوينها في كتابه، وقد تجمعت لديه منها زيادات كثيرة، فراح يلحقها في أماكنها من الكتاب، ثم عن له أن يعاود نسخه وتبييضه مضيفا إليه تلك الزيادات، فكان هذا هو التأليف الثاني والأخير للكتاب، وقد فرغ من المجلدة الأولى منه في (١١) رمضان سنة (٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م)، وقد صرح فيها «أن كل ما ينقل من هذه النسخة هو الأصل الذي يعتمد عليه ويركن إليه» (٥).

стр. 328

وقد جلس أبو شامة لإسماع كتابه «الروضتين» من هذه النسخة غير ما مرة في حياته، نعرف منها إسماعه له سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) وسنة (٦٦٤ هـ (١) / ١٢٦٥ م). * * *

стр. 329

موارد أبي شامة في «كتاب الروضتين» هيأ أبو شامة لكتابه موارد موثوقة تساعده على تكوين صورة شاملة ودقيقة لدولتي نور الدين وصلاح الدين، ويمكن أن نقسم موارده إلى ثلاثة أقسام: ١ - الكتب التي ألفها مؤرخون معاصرون لهما. ٢ - الشعر الذي قاله شعراء عصرهما. ٣ - الوثائق والمراسلات التي تمت في عهدهما. ٤ - مشافهات من أدرك دولتيهما. ولم يخف أبو شامة موارده هذه كما يفعل بعض المؤرخين، بل كشف عنها في مقدمة كتابه، فقال: «وقد سبقني إلى تدوين مآثرهما جماعة من العلماء والأكابر الفضلاء»، فذكر الحافظ الثقة أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي في «تاريخه» ترجمة حسنة لنور الدين محمود بن زنكي ﵀ ولأجله تمم ذلك الكتاب، وذكر اسمه في خطبته. وذكر الرئيس أبو يعلى حمزة بن أسد التميمي في «مذيل التاريخ الدمشقي» قطعة صالحة من أوائل الدولة النورية إلى سنة خمس وخمسين وخمس مئة. وصنف الشيخ الفاضل عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم

стр. 330

الجزري، عرف بابن الأثير مجلدة في الأيام الأتابكية كلها (١)، وما جرى فيها، وفيه شيء من أخبار الدولة الصلاحية لتعلق إحدى الدولتين بالأخرى لكونها متفرعة عنها. وصنف القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الموصلي، عرف بابن شداد، قاضي حلب مجلدة في الأيام الصلاحية (٢)، وساق ما تيسر فيها من الفتوح، واستفتح كتابه بشرح مناقب صلاح الدين، رحمه الله تعالى. وصنف الإمام العالم عماد الدين الكاتب، أبو حامد محمد بن محمد بن حامد الأصفهاني كتابين، كلاهما مسجوع متقن بالألفاظ الفصيحة والمعاني الصحيحة: أحدهما «الفتح القدسي» (٣) اقتصر فيه على فتوح صلاح الدين وسيرته، فاستفتحه بسنة ثلاث وثمانين وخمس مئة. والثاني «البرق الشامي» (٤) ذكر فيه الوقائع والحوادث في الغزوات والفتوحات

стр. 331

وغيرهما مما وقع من سنة وروده دمشق، وهي سنة اثنتين وستين وخمس مئة إلى سنة وفاة صلاح الدين، وهي سنة تسع وثمانين، فاشتمل على قطعة كبيرة من أخبار أواخر الدولة النورية. ووقفت على مجلدات من الرسائل الفاضلية، وعلى جملة من الأشعار العمادية، مما ذكره في ديوانه دون برقه، وعلى كتب أخر من دواوين وغيرهما، فالتقطت منها أشياء مما يتعلق بالدولتين أو بإحداهما، وبعضه سمعته من أفواه الرجال الثقات، ومن المدركين لتلك الأوقات (١). ثم أعاد في خاتمة كتابه ذكر بعض موارده، فقال: «واستوفينا ما في كتاب «البرق»، و «الفتح القدسي»، و «التاريخ الأتابكي»، و «كتاب القاضي أبي المحاسن»، وانضاف إلى ذلك قطعة كبيرة من مواضع متفرقة كثيرة من عدة مصنفات، ودواوين ومراسلات (٢). فأبو شامة قد صرح بمقدمته بأسماء أهم الكتب التي اعتمد عليها، واستوفاها كما ذكر، أما الكتب التي أشار إليها أثناء اقتباسه منها، فهي على ترتيب ورودها: ١ - بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم، وقد نقل عنه من خط مؤلفه، وسمعه من لفظه (٣)، وكان في أربعين مجلدا، لم يصل إلينا منه سوى عشرة مجلدات، وفقد سائره، وترجمة نور الدين فيه مما فقد منه (٤).

стр. 332

٢ - المعارف المتأخرة، ويسمى «عنوان السير» لمحمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهمذاني (١)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. ٣ - ذيل تاريخ بغداد، لأبي سعد السمعاني (٢)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. ٤ - السيرة الصلاحية، لابن أبي طي (٣)، وقد نقل عنه أبو شامة كثيرا (٤)، وكان حقه أن يذكره في مقدمة كتابه، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا بعد. ٥ - نصرة الفترة وعصرة الفطرة في أخبار الوزراء السلجوقية، للعماد الكاتب (٥)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا (٦). ٦ - الاعتبار، لأسامة ابن منقذ (٧).

стр. 333

٧ - سيرة نور الدين، لأبي الفتح بنجير الأشتري (١)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. ٨ - النكت العصرية في أخبار الوزارة المصرية، لعمارة اليمني (٢). ٩ - بلغة الظرفاء في تواريخ الخلفاء، لعلي بن محمد الروحي (٣). ١٠ - تاريخ ابن الدبيثي (٤). ١١ - سيرة الوزير ابن هبيرة، لابن المارستانية (٥)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. ١٢ - كشف أسرار الباطنية، لأبي بكر الباقلاني (٦)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. ١٣ - تثبيت دلائل النبوة، للقاضي عبد الجبار البصري المعتزلي (٧).

стр. 334

١٤ - الرد على الباطنية، لأبي القاسم الشاشي (١)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. ١٥ - تاريخ الغرباء الذين قدموا مصر، لابن يونس (٢)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. ١٦ ذيل المنتظم، لابن القادسي (٣)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. ١٧ - البصائر، للوزير ابن شكر (٤)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. ١٨ - تفسير القرآن، لأبي الحكم بن برجان الأندلسي (٥). ١٩ - تفسير القرآن، لعلم الدين السخاوي (٦). ٢٠ - عتبى الزمان في عقبى الحدثان (٧)، للعماد الكاتب، وهي رسالة لم تصل إلينا. ٢١ - نحلة الرحلة وحلية العطلة، للعماد الكاتب (٨)، وهي رسالة لم تصل إلينا.

стр. 335

٢٢ - خطفة البارق وعطفة الشارق، للعماد الكاتب (١)، وهي رسالة لم تصل إلينا. ٢٣ - ذيل على تاريخ الاستظهار في معرفة الدول والأخبار، للقيلويي (٢)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا. * * * أما دواوين الأشعار التي اختار منها ما يتعلق بالقصص وشرح الحال، وما فيها من نكتة غريبة، وفائدة لطيفة (٣)، فهي على ترتيب ورودها: ١ - ديوان محمد بن نصر القيسراني (٤). ٢ - ديوان أحمد بن منير الطرابلسي (٥)، ولم يصل إلينا (٦). ٣ - ديوان ابن قسيم الحموي (٧)، ولم يصل إلينا (٨).

стр. 336

٤ - ديوان أبي الحكم الأندلسي المسمى «نهج الوضاعة لأولي الخلاعة» (١). ولم يصل إلينا. ٥ - ديوان عرقلة الكلبي (٢). ٦ - خريدة القصر وجريدة العصر (٣)، للعماد الكاتب. ٧ - ديوان عمارة اليمني (٤). ٨ - ديوان أسامة ابن منقذ (٥). ٩ - ديوان صردر (٦).

стр. 337

١٠ - ديوان أبي الحسن الذروي المصري (١)، ولم يصل إلينا. ١١ - ديوان عبد المنعم الجلياني (٢)، المسمى «مناذج المادح وروضة المآثر والمفاخر في خصائص الملك الناصر» (٣). ١٢ - ديوان العماد الكاتب (٤)، لم يصل إلينا (٥). ١٣ - ديوان شهاب الدين فتيان الشاغوري (٦). ١٤ - ديوان مجد الدين محمد بن الظهير الإربلي (٧)، لم يصل إلينا. ١٥ - ديوان تاج الدين الكندي (٨)، لم يصل إلينا. ١٦ - ديوان سبط ابن التعاويذي (٩). ١٧ - ديوان ابن الساعاتي (١٠).

стр. 338

١٨ - ديوان ابن سناء الملك (١). ١٩ - ديوان الرشيد بن بدر النابلسي (٢)، لم يصل إلينا. ٢٠ - ديوان جعفر ابن شمس الخلافة (٣)، لم يصل إلينا. وأنت ترى أن معظم هذه الموارد مما فقد من تراثنا، أو لم يصل إلينا بعد، مما يضفي على «كتاب الروضتين» قيمة خاصة لقيمته التاريخية، وذلك لحفظه لنا هذه النصوص والأشعار التي لو ضاعت لضاع معها علم غزير وفوائد جليلة. * * * أما الوثائق والمراسلات التي اطلع عليها (٤)، فهي على ترتيب ورودها كذلك. ١ - كتاب وقف نور الدين البيمارستان النوري (٥). ٢ - كتاب وقف نور الدين بستان بالميدان من أجل تطييب بعض المساجد، وهو بخط الشيخ عبد الرحمن بن الحسين بن الخضر الأزدي الدمشقي (٦). ٣ - محضر لقاء الفقهاء بنور الدين في قلعة دمشق لتجديد أوقاف جامع دمشق، وهو بخط الشيخ عبد الرحمن الأزدي الدمشقي كذلك (٧).

стр. 339

٤ - كتاب خليفة مصر الحافظ لدين الله إلى القاضي الأشرف علي بن الحسن بن الحسين البيساني، والد القاضي الفاضل، وكان يومئذ متولي القضاء والحكم بمدينة عسقلان، وعليه علامة الحافظ «الحمد لله رب العالمين»، وقد كتب في ذي القعدة سنة (٥٤١ هـ) (١). ٥ - كتب عليها علامة الوزير عباس بن أبي الفتوح «الحمد لله، وبه أثق» (٢). ٦ - كتاب بخط نور الدين يشكر فيه صلاح الدين (٣). ٧ - كتاب بخط الشيخ عمر الملاء الموصلي إلى بعض الصالحين (٤). ٨ - نسخة سجل بإسقاط المكوس بمصر، قرئ على المنبر بالقاهرة يوم الجمعة بعد الصلاة، ثالث صفر سنة (٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م) عن السلطان صلاح الدين في أيام نور الدين (٥). ٩ - كتاب وقف الرباط النجمي بدمشق (٦). ١٠ - منشور السلطان نور الدين في إبطال فريضة الأتبان، وعليه علامته بخطه «الحمد لله» (٧). ١١ - كتاب وقف السلطان صلاح الدين قرية حزم باللوى من حوران على من يشتغل بعلم الشريعة، أو بعلم يحتاج إليه الفقيه، وعليه علامته «الحمد لله وبه توفيقي» (٨).

стр. 340

١٢ - كتاب بخط بعض الكتاب نقله من خط السلطان صلاح الدين إلى بعض النواب، وفيه السماح للقاضي الفاضل بالحج (١). ١٣ - كتاب بخط السلطان صلاح الدين إلى أخيه العادل لما كان نائبه في مصر، يتعلق بالشيخ الفقيه محمود بن أحمد الصابوني (٢). ١٤ - كتاب بخط الشيخ عمر الملاء الموصلي إلى ابن الصابوني (٣). ١٥ - كتاب كتبه الصاحب قوام الدين بن زبادة من الديوان العزيز ببغداد إلى السلطان صلاح الدين (٤). ١٦ - رسالة السلطان صلاح الدين إلى ملك المغرب يستنجد به على الفرنج (٥). أما الكتب الفاضلية، فهي على ترتيب ورودها: ١٧ - كتاب فاضلي وصف فيه غزاة غزاها السلطان صلاح الدين في أيام وزارته لمصر (٦). ١٨ - كتاب فاضلي عن السلطان صلاح الدين بعد أيام من وفاة العاضد (٧). ١٩ - كتاب فاضلي عن السلطان صلاح الدين إلى عز الدين فرخشاه بمصر (٨). ٢٠ - رقعة كتبها القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين يلتمس منه الإذن بالحج، وعلى رأس الرقعة في سطر البسملة جواب السلطان صلاح الدين بخطه (٩).

стр. 341

٢١ - كتاب فاضلي إلى الصفي بن القابض يصف له فيه ما لقيه في طريقه إلى مصر (١). ٢٢ - ثلاثة كتب للقاضي الفاضل عن الملك العادل إلى الولاة باليمن يعلمهم فيها أن ملوك الشرق قد دخلوا في طاعة السلطان صلاح الدين، وأنه عازم على القدوم إلى مصر (٢). ٢٣ - كتابان فاضليان عن العادل، أحدهما إلى أمير مكة، والآخر إلى أمير ينبع، يعلمهما بذلك أيضا (٣). ٢٤ - كتاب فاضلي إلى السلطان صلاح الدين (٤). ٢٥ - كتاب فاضلي عن السلطان صلاح الدين إلى عز الدين فرخشاه نائبه في دمشق (٥). ٢٦ - كتاب فاضلي إلى السلطان صلاح الدين يهنئه فيه بسماعه «الموطأ» من الشيخ الإمام أبي الطاهر بن عوف (٦). ٢٧ - كتاب فاضلي إلى شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل النيسابوري (٧). ٢٨ - رقعة بخط القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين يعلمه فيها بوصول فخر الكتاب إلى مصر، وجواب السلطان صلاح الدين له بخطه (٨).

стр. 342

٢٩ - كتاب فاضلي للسلطان صلاح الدين يشعر بأن الرسالة المغربية لم تكن برأي الفاضل، ولا هو مختار لها (١). * * * أما ما سمعه أبو شامة من أفواه الرجال الثقات، ومن المدركين لتلك الأوقات (٢)، ففي الصفحات التالية من «كتاب الروضتين» (٣). * * *

стр. 343

منهج أبي شامة في عرضه «كتاب الروضتين» لما كان من شرط أبي شامة في «كتاب الروضتين» أن يؤرخ لدولتي نور الدين وصلاح الدين (١)، مبينا فيه السياسة التي انتهجاها في إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، والنظر في مصالح العباد (٢)، قاصدا من وراء ذلك أن يقف عليه من الملوك من يسلك في ولايته ذلك السلوك (٣)، رأى أن يفتتح كتابه بذكر مناقب نور الدين، فيذكر من أحواله ما يستدل به على أفعاله (٤)، وقد قدم لها بترجمة موجزة له، خطها المؤرخ الكبير ابن عساكر في «تاريخ دمشق»، وهو ممن عاصره ولازم مجالسه، وذكر فيها ما افتتحه من البلاد، وما بناه من المدارس (٥)، مكونا بذلك صورة مجملة عنه نابضة بالحياة، مما يهيئ عقل القارئ لما سيأتي من أخباره، خاتما تلك الترجمة بقول ابن عساكر: «وكان حسن الخط، كثير المطالعة للكتب الدينية، متبعا للآثار النبوية، مواظبا على الصلوات في الجماعات، عاكفا على تلاوة القرآن، حريصا على فعل الخير، عفيف البطن والفرج، مقتصدا في

стр. 344

الإنفاق، متحريا في المطاعم والملابس، لم تسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره، وأشهى ما إليه كلمة حق يسمعها، أو إرشاد إلى سنة يتبعها» (١). «وقد كان الملوك قبله كما يذكر ابن الأثير - يعيشون في جاهلية، هم أحدهم بطنه وفرجه، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا» (٢). فلا غرابة أن يترقى نور الدين إلى مصاف الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز، كما يشهد بذلك ابن الأثير، وهو ممن عاصر نور الدين (٣). هذا السلطان الذي زهد في أموال رعيته، وانصرف إلى تحري العدل والإنصاف فيهم، ورفع راية الجهاد ضد الصليبيين الذين اغتصبوا البلاد، هو مثال الحاكم المسلم الذي يتطلع أبو شامة إلى مجيئه كي يعيد أمجاد الأمة، ويخلصها من سلاطينها وملوكها الذين عاصرهم، وقد انقلب أكثرهم إلى سيرة من كان قبل نور الدين من الملوك، هم أحدهم بطنه وفرجه، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. ومن ثم لا يخفي أبو شامة محبته لنور الدين كلما سنحت له سانحة (٤) وبعد أن يفرغ من سرد مناقبه، يثني بما مدحه به شعراء عصره، وإن كانت أوصافه فوق ما مدح به (٥)، فيستعرض قصائد أنشدها فيه ابن القيسراني، وابن منير الطرابلسي، وهما في عصره بمنزلة الفرزدق وجرير في عصرهما (٦)، وما كان نور الدين ممن يستخفه ذلك المديح، فقد كان قليل الابتهاج بالشعر (٧).

стр. 345

الآن وقد عرف القارئ نور الدين يشرع أبو شامة في التأريخ لدولته، بادئا من أصل بيته، فيحدثنا عن جده قسيم الدولة آق سنقر، وما تم في أيامه، ثم يذكر ولده عماد الدين زنكي، والد نور الدين (١). وبتكثيف شديد يلخص لنا أخبار قسيم الدولة، وكيف تولى حلب، حتى مقتله على يد تاج الدولة تتش (٢). ثم يستعرض أخبار ولده عماد الدين زنكي، ووصوله إلى حكم الموصل، وما ظهر من شجاعته وكفايته، حتى تمكن أخيرا من فتح الرها، واستعادتها من الصليبيين، وهي أول نصر كبير للمسلمين عليهم (٣)، وقد كانوا قبله في ذل وهوان معهم (٤). حتى إذا ما انتهى إلى وفاته سنة (٥٤١ هـ/ ١١٤٦ م) شرع في التأريخ لأخبار نور الدين ودولته مرتبة على السنين ابتداء من سنة (٥) (٥٤٢ هـ/ ١١٤٦ م) - وكان قبل ذلك يسوق الأخبار مرتبة على الفصول (٦) - فيستوفيها خبرا خبرا، بشمول، وعرض سلس محكم، حتى يختمها بذكر وفاته سنة (٧) (٥٦٩ هـ/ ١١٧٤ م). ثم يشرع في التأريخ لصلاح الدين ودولته، مستعرضا الأسباب التي أدت إلى صعود نجمه دون غيره من أمراء نور الدين، تاركا الأحداث وحدها تتكلم عن كفاية صلاح الدين، حتى يصل القارئ عن قناعة إلى أنه هو وحده الذي يستحق عن جدارة خلافة نور الدين.

стр. 346

فصلاح الدين قريب الشبه في سيرته بنور الدين، غير أن الفضل لنور الدين، يعلن أبو شامة ذلك دون مواربة، فيقول: «فهو أصل ذلك الخير كله، مهد الأمور بعدله وجهاده، وهيبته في جميع بلاده، مع شدة الفتق، واتساع الخرق، وفتح من البلاد ما استعين به على مداومة الجهاد، فهان على من بعده على الحقيقة سلوك تلك الطريقة، لكن صلاح الدين أكثر جهادا، وأعم بلادا، صبر وصابر، ورابط وثابر، وذخر الله له من الفتوح أنفسه، وهو فتح الأرض المقدسة» (١). ويستتم أخباره حتى وفاته سنة (٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م) خاتما كتابه بمناقبه (٢) كما افتتحه بمناقب نور الدين. بيد أن أبا شامة قبل أن يضع قلمه يجد نفسه منساقا لذكر ما حدث بعد وفاة صلاح الدين من منازعات بين أولاده الأفضل والعزيز والظاهر وأخيه العادل، فراح يسردها حتى وصل بها إلى سنة (٥٩٢ هـ/ ١١٩٥ م) معتذرا للقارئ عن إخلاله بشرطه، قائلا: «ولم يكن ذكر مثل هذا من شرط كتابنا هذا، لأنه موضوع للدولتين النيرتين، إلا أنه لا بد من ذكر ما يتعلق بهما بما وقع فيهما وعقيبهما» (٣). وبإحساس الروائي الذي يتتبع مصير جميع أبطاله، يجلس أبو شامة بعد فراغه من إسماعه إلى كتابه من جديد، فيزيد فيه حتى يصل إلى سنة (٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م) وهي السنة التي توفي فيها القاضي الفاضل صديق صلاح الدين ووزيره (٤). وبهذا العرض الدقيق المحكم الذي ينم عن ذكاء مبدع تتبدى براعة أبي شامة مؤرخا، فقد نثر الأحداث والوقائع بسلاسة جعلت القارئ يتابعها بشغف واهتمام دون أن يعتوره انقطاع في حدث أو غموض في خبر، وزاد من جمال عرضه ما نثره

стр. 347

فيه من وثائق ورسائل وأشعار قربت ذلك العصر منا بمشاعره حتى تجلى أمام أعيننا وكأننا نعيش فيه. لقد ارتفع أبو شامة في كتابه «الروضتين» من كاتب لسيرة سلطان يتوسل بها كي ينال عطف ذريته، إلى مؤرخ دولة كانت تسعى إلى إشاعة العدل والأمن، دولة لم يعش هو في ظلها فيتهم بتملقها بمديح كاذب، رغبة في غنيمة، أو رهبة من عقوبة، بل كتب ما كتب متجردا من هواه إلا ما تمليه عليه مشاعره الإسلامية من حب كل فضيلة، وكره كل رذيلة، مما أثار عليه من بعد حنق ملوك عصره، وما يحيط بهم من فقهاء، وقد كشف مخازيهم في مرآة الروضتين. ولم يكن أبو شامة سباقا إلى التأريخ لنور الدين وصلاح الدين، فقد سبقه إلى ذلك مؤرخون، وقفوا في التأريخ لهما عند تسجيل أخبارهما، وحده أبو شامة استطاع صوغ تاريخه عنهما وفق رؤية إصلاحية، مبرزا منهج عملهما لمن أراد أن يقتدي بهما. ونتساءل: هل استطاع أبو شامة بكتابه هذا أن يحرك همم ملوك عصره للاقتداء بهما؟ لقد بقي الأيوبيون في منازعاتهم يعمهون حتى جرفهم التتار فيمن جرفوا حين اجتاحوا شرق العالم الإسلامي، وأسقطوا بغداد عاصمة خلافته، وكان على أبي شامة أن يعيش تلك السنين العجاف منتظرا حاكما مثل الظاهر بيبرس يعيد للجهاد ألقه، وللعدالة نورها على تعسف فيه، غير أن أبا شامة لم يدرك من دولة الظاهر بيبرس إلا سنواتها الأولى، ولم تتح له أن يدرك عظمة هذا السلطان. ومع ذلك يبقى من كتاب الروضتين برغم قيمته التاريخية أنه دعوة للأمة كي تستعيد ثقتها بنفسها في زمن المحن، وأن تقتدي بمنهج نور الدين وصلاح الدين، ذلك المنهج الذي يقوم على إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، والنظر في مصالح العباد، وهو منهج يعلو على الزمن ومتغيراته، وقد استطاع أن

стр. 348

يحقق للأمة انتصارات دخلت التاريخ بها من جديد، وهو دعوة كذلك لكل حاكم أن يقتدي بنور الدين وصلاح الدين إذا كان حقا يرغب في العيش بروضة التاريخ. * * *

стр. 349

منهجه في «كتاب الروضتين» لمنهج أبي شامة في «كتاب الروضتين» سمات يلحظها القارئ المتأمل لكتابه، وأولى هذه السمات هي الاستقصاء والشمول فيما يورد من أخبار حول وقعة معينة، بحيث لا يكاد يفوته منها خبر، مما يعطي صورة متكاملة عن الحادثة التي يؤرخ لها (١)، وهو شديد الحرص على دقة ما يورد، مع عزو الأقوال إلى مظانها (٢). وأحيانا يمهد للوقعة بذكرها مختصرة مجملة، ليكون القارئ فكرة عنها قبل أن يخوض في تفاصيلها، مما يساعده على حسن فهمها (٣). ويضطر أحيانا إتماما للفائدة أن يكرر بعض الأخبار ينقلها عن المؤرخ نفسه إذا اشتمل هذا التكرار على فوائد جديدة (٤). وفي نقله هذه الأخبار لا يلتزم سياق المؤرخ الذي ينقل عنه، بل يقدم في الخبر ويؤخر فيه حسبما يراه من فائدة تخدم تصوره للحدث (٥)، وقد يرى ألا فائدة في

стр. 350

نقل الأخبار مطولة، فيختصرها دون إخلال بالمعنى، ويردفها بزيادات عن مؤرخين آخرين تزيدها وضوحا (١). وإذا ما اقتضى منه الخبر وقفة لغوية لإيضاح معنى أو إزالة إبهام، فإنه يبادر إلى ذلك (٢). وقد يذكره خبر يسوقه بحادثة تتعلق به، فيذكرها استطرادا، ثم يعود لما هو فيه (٣). ويقارن بين الأخبار التي ينقلها، ثم يختار منها أحسنها سياقا (٤). ولأمانته العلمية فيما ينقل قد يسرد الأقوال كلها في حادثة ما، ويترك للقارئ أن يختار إحداها، إذا لم يترجح لديه أيها أقرب للصواب (٥). وقد يرى أن المؤرخ الذي ينقل عنه قد أطال في ذكر خبر من الأخبار، فيختصره، وفي اختصاره له يتجلى أسلوب أبي شامة في دقة تعبيره ووضوحه، وعذوبة ألفاظه (٦)، وقد عرف أبو شامة بين معاصريه بدقة تحقيقه وإتقانه (٧). ولأن الغاية التي كان يتغياها من كتابه أن يفهمه العام والخاص (٨)، فقد أعمل قلمه فيما ينقل عن العماد الكاتب، وكان العماد طويل النفس في السجع والوصف، مما يجعل قارئه يصاب بالملل، ويختفي الحدث التاريخي تحت ركام من الألفاظ الغريبة، والأسجاع الثقيلة، فأتى أبو شامة إلى تلك الأسجاع فحذفها إلا قليلا منها

стр. 351

استحسنها في مواضعها، ولم تك خارجة عن الغرض المقصود من التعريف بالحوادث والوقائع (١). وهو في كل ما كتب لم يغب عنه حس المؤرخ، فتراه دائما يتلمس الأسباب التي كانت وراء حادثة من الحوادث، فيوضحها، بعيدا عما قد يحيطها به بعض المؤرخين من جلال وغرابة تنأى بها عن دائرة التاريخ (٢). * * *

стр. 352

أبو شامة ناقدا للأخبار لم يتلق أبو شامة ما نقله من أخبار عمن سبقه من المؤرخين باستسلام خاشع، بل تفحص كلامهم، وناقشهم فيما أوردوه، وصحح ما وقعوا فيه من أوهام وأخطاء بأسلوب علمي رصين، دون تهكم أو جفاء في العبارة، وكان يقدم لنقده بقوله: قلت (١)، ليميز بين كلامه وكلام من ينقل عنه. وقد تلون نقده للأخبار بحسب ما تمليه طبيعة الخبر، فإذا أخطأ مؤرخ بتسمية وقعة من الوقائع، ناقشه في خطئه، وبين الصواب فيه، معتمدا على معارضته بخبر آخر، أو على تحليل ذلك الخبر، كما فعل مع ابن العديم حين ذكر أن برهان الدين البلخي انتقد السلطان نور الدين على تهاونه في إشاعة المنكرات والخمر حين كسر بالبقيعة، فبين أبو شامة أن البلخي مات قبل هذه الوقعة بعشر سنين، وأن انتقاده هذا كان في كسرة قبلها وقعت سنة (٢) (٥٤٣ هـ/ ١١٤٨ م). وإذا ساق مؤرخ خبرا مشهورا عند العامة، ولا يصح، رده إلى الصواب فيه، كما فعل مع العماد الكاتب حين ذكر أنه زار قبر أبي هريرة، الصحابي الجليل، ﵁ في يبنى بفلسطين، فتعقبه أبو شامة بقوله: «اعتمد العماد في هذا على ما اشتهر.

стр. 353

بين العامة في ذلك، أما أهل العلم المصنفون في أخبار الصحابة كابن سعد وغيره، فذكروا أن أبا هريرة توفي بالمدينة» (١). وكذلك استدرك على العماد الكاتب قوله في الفقيه أبي علي بن رواحة، أنه من أولاد عبد الله بن رواحة الصحابي الجليل، فرد أبو شامة بقوله: «هو ليس من أولاده، ذاك لم يعقب، وإنما في أجداده من اسمه رواحة» (٢). وحين ذكر محمد بن القادسي في «تاريخه» أن صلاح الدين لما فتح القدس خطب على منبر المسجد الأقصى بنفسه. يعقب أبو شامة عليه بقوله: «لم يكن السلطان هو الذي باشر الخطبة» (٣). بل يرد على ابن شداد قوله في فتح القدس: «وصليت فيه الجمعة (يعني في المسجد الأقصى يوم فتحه)، فيقول أبو شامة: «إن يوم الفتح ضاق عن ذلك، فصليت في يوم الجمعة الآتي» (٤). ويتتبع أقوال المؤرخين وإن كانت خارج سياق الحدث الذي يؤرخ له، فحين يورد ابن شداد تاريخ فتح بيت المقدس بقوله: «وكان تسلمه له (أي لصلاح الدين) يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب، وليلته كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن المجيد». يرد عليه أبو شامة بقوله: «هذا أحد الأقوال في ليلة المعراج، وفي ذلك اختلاف كثير» (٥). * * * وإذا ما طغى قلم مؤرخ، فحاول أن يعلل وقعة من الوقائع بعيدا عما يقتضيه

стр. 354

منهج التاريخ في البحث عن الأسباب، وتلمس منطق الأحداث، يتصدى أبو شامة له، موردا الأسباب التي كانت وراء ما حدث، من ذلك ما قاله العماد الكاتب حين ذكر وضع منبر نور الدين الذي صنعه في موضعه في المسجد الأقصى: «فعرفت بذلك كرامات نور الدين التي أشرق نورها بعده بسنين». فيتعقبه أبو شامة بقوله: «وهذا الذي نسبه إلى نور الدين من أنه كرامة من كراماته لائق بمحله ومنزلته من الدين، وليس بالبعيد من مثل ذلك». ثم يبين السبب الذي دفع نور الدين إلى صنع منبر المسجد الأقصى، فيقول: «وكان نور الدين قد بدت له مخايل ذلك (أي قرب فتح بيت المقدس) مما تسنى له من فتح البلاد الشامية والمصرية، وقهر العدو بين يديه مرارا، وكان فتح القدس من همته من أول ملكه» (١). هكذا هو دائما يبحث عن الأسباب التي كانت وراء ما وقع حتى يزداد لها فهما (٢)، ولا تغيب عن منطق التاريخ، ومن هذه البابة ما بلغه من أن نور الدين أسقط المكوس لمنام رآه وزيره موفق الدين خالد بن القيسراني (٣). ثم يسوق أبو شامة أبياتا أنشدها نور الدين الواعظ أبو عثمان المنتجب بن أبي محمد البحتري الواسطي، مطلعها: مثل وقوفك أيها المغرور … يوم القيامة والسماء تمور وفيها: أنهيت عن شرب الخمور وأنت من … كأس المظالم طافح مخمور (٤) في إشارة إلى المكوس التي كان يأخذها نور الدين من رعيته، ثم يعقب أبو شامة على هذه الأبيات بقوله: «ولعل هذه الأبيات كانت من أقوى الأسباب المحركة إلى إبطال تلك المظالم، والخلاص من تلك المآثم» (٥).

стр. 355

وكذلك يناقش بهدوء المؤرخ ابن أبي طي الحلبي فيما يورده من أخبار تكشف عن فتور العلاقة بين نور الدين وصلاح الدين عقب تولي صلاح الدين مصر، فهو يعترف بادئ ذي بدء بهذا الفتور الذي يعتري أي إنسان لسبب من الأسباب، لأنه مما تقتضيه الطباع البشرية والجبلة الآدمية، وقد أجرى الله العادة بذلك إلا من عصمه الله، ومن أنصف عذر، ومن عرف صبر (١). ثم يرد هذا الفتور، والاختلاف بينهما إلى سببه، فيقول: «والذي أنكره نور الدين إفراط صلاح الدين في تفرقة الأموال، واستبداده بذلك من غير مشاورته» (٢). بيد أنه يأخذ على ابن أبي طي مبالغته في تصوير هذا الفتور، ويعارضه بكتاب لنور الدين قرأه بخطه يشكر فيه صلاح الدين، فيقول: «وذلك ضد ما قاله ابن أبي طي» (٣). ويرى وراء مبالغة ابن أبي طي هذه محاولة منه للطعن بنور الدين، مصورا إياه حاكما يتآكله الحسد من صعود نجم صلاح الدين، ثم يبين السبب الذي دفع ابن أبي طي لقول ما قاله في نور الدين، فيقول: «مع أن ابن أبي طي متهم فيما ينسبه إلى نور الدين مما لا يليق به، وذلك لأن نور الدين ﵀ كان قد أذل الشيعة بحلب، وأبطل شعارهم، وقوى أهل السنة، وكان والد ابن أبي طي من رؤوس الشيعة، فنفاه عن حلب، وقد ذكر ذلك كله ابن أبي طي في كتابه مفرقا في مواضع، فلهذا هو في هذا الكتاب الذي له كثير الحمل على نور الدين، فلا يقبل منه ما ينسبه إليه مما لا يليق به» (٤). وهكذا نرى أبا شامة في نقده يتبع المنهج التاريخي، فهو يعترف بما وقع، غير

стр. 356

أنه يحيله على الأسباب الحقيقية التي كانت وراءه، بعيدا عن العصبية والضغينة التي تشوه وجه الحقيقة التاريخية، معترفا بالمشاعر الإنسانية، وما تمليه من مواقف، رادا الأخبار بوثائق تدحضها، كاشفا عن السبب الذي يحرف المؤرخ عن حياده. وبحس المؤرخ المرهف يستشرف أبو شامة آفاق هذا الخلاف بين نور الدين وصلاح الدين، ويضعه في سياقه التاريخي الذي آل إليه، فيرى أنه خلاف حول بعض الوسائل، ولا يمس الهدف الأكبر الذي كان واحدا عندهما، وفي لفتة بارعة حقا يكتب: «ولو علم نور الدين ماذا ذخر الله تعالى للإسلام من الفتوح الجليلة على يدي صلاح الدين من بعده لقرت عينه، فإنه بنى على ما أسسه نور الدين من جهاد المشركين، وقام بذلك على أكمل الوجوه وأتمها» (١). وكان ديدن أبي شامة فيما نقل عن ابن أبي طي أن يتتبع ما وقع له من أوهام (٢). * * * ولا يفارقه منهجه التاريخي في النقد، وهو يرد على ابن الأثير، ذلك المؤرخ الجليل، فحين يورد ابن الأثير أبياتا لابن منير في غزاة وقعت سنة (٥٥٥ هـ/ ١١٦٠ م)، يقول أبو شامة: «وقد سبق أن ابن منير توفي سنة (٥٤٨ هـ)، فإما أن يكون ابن منير قال الشعر في غير هذه الغزاة، وإما أن تكون هذه الغزاة في غير هذه السنة» (٣). وحين يذكر ابن الأثير خاتون زوج قطب الدين مودود حاكم الموصل، ويقول فيها: إنها أشبهت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوج عمر بن عبد العزيز، كان لها أن تضع خمارها عن ثلاثة عشر خليفة. ثم يعددهم ابن الأثير، فيعقب عليه
следующие страницы →