← Тараджим

Тараджим · id 30091

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق

Полный текст (476 стр.). Показаны 2–42 · переход к 7.

стр. 2

كثيرا ما كنت أفكر في أبي شامة، وأنا أحقق كتابه «الروضتين»، محاولا أن أتبين ملامح فكره وشخصيته من خلال ما كتب، شاعرا أن ما تقدمه لي كتب التراجم عنه إنما هي ملامح باهتة، علي أن أسعى لتوضيحها واكتمالها. والقارئ لتراجم علمائنا في كتب الأقدمين يعجب حقا بوفرة ما كتب عنهم، غير أنه يفتقد في سطورهم تلك الكلمات النابضة التي تحس من خلالها بحياة المترجم، وهو يتقلب في مشاعره وأفكاره، وإذا ما وجدت أحيانا فهي كلمات متناثرة وسط سطور هامدة، على الباحث الصبور أن يلم شتاتها، عساه أن يعيد للصورة اكتمالها، وقد دبت فيها الحياة. وكنت في غمرة بحثي عن أبي شامة قد وصلت إلى تحقيق كتابه الثاني «المذيل على الروضتين»، وهالني حقا ما وجدت، لقد رأيتني أعيش فيه مع أبي شامة، وقد أرخى لقلمه العنان أحيانا، وأرسله يصور حياته، وما كان يضطرب فيها من أشواق وآمال، وخيبات ونجاح، وأحزان وأفراح، وما أقلها، حتى إنه كان يتراءى لي أحيانا من خلال سطوره، وأحيانا أكاد أحس بمشاعره وهو يدون أخباره. فأبو شامة هو من قلة قليلة من علمائنا ومؤرخينا الذين لم يمنعهم ورعهم وزهدهم من البوح لنا بسيرتهم الذاتية، وقد ضمنها كتابه «المذيل»، وهي على وجازتها تكشف لنا عن جوانب مهمة في حياته، حتى إنه يقص لنا فيها بعض أحلامه

стр. 3

التي رآها في منامه، أو رئيت له، فإذا أنت جمعت إليها ما نثره من أخباره كلما واتته المناسبة غدوت قريبا منه حقا قربا يتيح لك أن تطوي الزمن قرونا لتجلس بين يديه سامعا متأملا، وإن كان أحيانا يؤثر الصمت في بعض أخباره، فيتركك حائرا، تحاول اكتشاف ما أخفى، أو حل ما سكت عنه، ولا يسعفك بما يومئ إليك ببعضها بإشارة عابرة، إذ هي مجرد إشارة قد تقربك من الصواب، وقد تنأى بك عنه. ومع إمعان النظر وإدمان القراءة بدأت تطفو من قاع الزمن شخصية أبي شامة أصيلة متفردة، وبشغف رحت أتتبع ملامحها، وفي سبيل الوصول إلى ملامح مكتملة قدر الإمكان نأيت بنفسي عن المنهج المتبع في كتابة التراجم عندنا، ذلك المنهج الذي يعمد إلى تقطيع أوصال المترجم، متحدثا عن عصره وحياته وثقافته، كلا على حدة، وكأنها أجزاء منفصلة، وسعيت إلى منهج متكامل يرينا الشخصية حية كما كانت في عصرها، وقد تلاحمت في كل واحد، نامية متطورة في زمانها الذي عاشته من طفولتها إلى شبابها وكهولتها، متواشجة مع أحداث عصرها، بقدر ما أسعفني التاريخ من أخباره، وبقدر ما أعان التحليل على فهمها، محاولا ما استطعت نقل التاريخ من خبر في صحيفة إلى واقع في الحياة. وقد قسمت هذه الدراسة إلى قسمين: الأول في سيرته، والثاني في آثاره التاريخية، ثم أتبعته بسائر مؤلفاته في العلوم الأخرى، وبتلاميذه. ولن أحدثك - أيها القارئ الكريم - عما وصلت إليه في هذه الدراسة، فدونك صفحاتها، غير أنك سترى من خلال ما كتبت أن أبا شامة لم يكن مؤرخا يرقب الحوادث من بعيد في برجه العاجي، ثم يدونها في هدوء، بل كان مؤرخا صاحب قضية، أبان عنها في مؤلفاته، ونافح عنها، ثم دفع حياته ثمنا لها. دمشق في ١٠ جمادى الآخرة ١٤٢٨ هـ/ ٢٥ حزيران ٢٠٠٧ م إبراهيم الزيبق

стр. 4

سيرة حياته:

стр. 5

ولادته وأسرته أول ما يخبرنا به أبو شامة في سيرته أنه «عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد، المقدسي، الشافعي، عرف بأبي شامة؛ لأنه كان به شامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر (١)، ويكنى أبا القاسم وأبا محمد (٢). وكانت ولادته ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة (٥٩٩ هـ/ ١٢٠٣ م) برأس درب الفواخير بدمشق، داخل الباب الشرقي» (٣). كان محمد الذي ينتهي إليه النسب، وابنه إبراهيم، وحفيده أبو بكر من أهل بيت المقدس. أما محمد فلم يقع لأبي شامة تعيينه على وجه اليقين، وإنما قال: «لعل محمدا الذي انتهى إليه النسب هو أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي القاسم علي الطوسي، المقرئ الصوفي، إمام صخرة بيت المقدس» (٤). وأشار إلى أن الحافظ أبا القاسم

стр. 6

ابن عساكر ذكره في «تاريخ دمشق»، ونقل منه عن ابن الأكفاني قوله: «قتلته الفرنج - خذلهم الله - عند دخولهم بيت المقدس في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة» (١). ولم يفصح أبو شامة عما دعاه إلى هذا الترجي، ربما هو قول كان قد سمعه في صغره، ولم يجد عنده من اليقين ما يجزم به، وبخاصة أن إبراهيم بن محمد؛ وهو الجد الأعلى لوالد أبي شامة كان من أعيان بيت المقدس، وقد سمع أبو شامة من والده خبر مقتله، فقال: «وكان والدي إسماعيل ﵀ قد أخبرني أن جده الأعلى قتل مع من قتل من المقادسة عام دخول الفرنج بيت المقدس بالسيف، وهو عام اثنتين وتسعين وأربع مئة، وهو أحد الشهداء الذين رؤوسهم بالمغارة المقصودة بالزيارة في مقبرة ماملة بالقدس الشريف» (٢). وكان الصليبيون قد ارتكبوا مذبحة شنيعة حين استيلائهم على بيت المقدس، وصفها مؤرخهم، وكان أحد شهودها، بقوله: «فلما ولج حجاجنا المدينة جدوا في قتل الشرقيين ومطاردتهم حتى قبة عمر، حيث تجمعوا واستسلموا لرجالنا الذين أعملوا فيهم أفظع القتل طيلة اليوم بأكمله، حتى فاض المعبد كله بدمائهم … وانطلق الصليبيون في جميع أنحاء المدينة يستولون على الذهب والفضة والجياد والبغال، كما أخذوا في نهب البيوت الممتلئة بالثروات، واشتد السرور برجالنا حتى بكوا من فرحتهم … وفي صباح اليوم التالي تسلق رجالنا سطح الهيكل، وهجموا على الشرقيين رجالا ونساء، واستلوا سيوفهم، وراحوا يعملون فيهم القتل … وما تأتى لأحد قط أن سمع أو رأى مذبحة كهذه المذبحة … » (٣). وبكاها مؤرخنا ابن الأثير بقوله: «وركب الناس السيف، ولبث الفرنج في البلدة أسبوعا يقتلون فيه المسلمين .. وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على

стр. 7

سبعين ألفا، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم ممن فارق الأوطان، وجاور بذلك الموضع الشريف» (١). وكان ممن نجا من هذه المذبحة الشنيعة أبو بكر ولد إبراهيم، «فانتقل إلى دمشق، فأقام بها، وولد له ولدان: عثمان بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي بكر .. وكثر نسلهم بدمشق، ومسكنهم بنواحي الباب الشرقي» (٢). أما عبد الرحمن بن أبي بكر فقد علت سنه حتى قارب التسعين، وقد قضى حياته معلما في المكتب الذي بباب الجامع الشامي، قبالة خانقاه السميساطي، وكان يعرف بعبدان المعلم، ويبدو أن أبا شامة قد أدركه في أواخر حياته، وقبيل وفاته في ثالث رمضان سنة (٦٠٥ هـ/ ١٢٠٩ م) ودفن بباب الفراديس (٣). وأما أخوه عثمان بن أبي بكر، فلا نعلم عنه شيئا إلا ما وصفه به حفيده أبو القاسم - وهو عم أبي شامة - بالفقيه الإمام (٤). وقد ولد لعثمان ولد سماه إبراهيم، وهو جد أبي شامة الأدنى، وكذلك لا نعرف عنه شيئا إلا ما وصفه به ابنه أبو القاسم بالشيخ الإمام، وقد ذكر وفاته في السابع والعشرين من شعبان سنة (٥٧٥ هـ/ ١١٨٠ م)، ودفن بباب الفراديس، قبالة تربة الصفي بن القابض، بينهما الطريق (٥). وتوفيت زوجته وهي جدة أبي شامة بعده بعشر سنين، ودفنت باب شرقي (٦). وولد لإبراهيم ولدان، هما: أبو القاسم، وإسماعيل.

стр. 8

أما أبو القاسم فهو عم أبي شامة، وهو أكبر من إسماعيل، فقد كنيت أمه به (١)، ويبدو أنه قد شدا شيئا من العلم، فقد وصفه أبو شامة بالشيخ (٢)، وكان له بعض التقييدات التاريخية التي تتعلق بالأسرة، استفاد منها أبو شامة في «مذيله» (٣)، وقد توفي أبو القاسم في تاسع رمضان سنة (٦٠٤ هـ/ ١٢٠٨ م)، ودفن بالمقبرة التي بين الباب الشرقي وباب توما (٤). وأما إسماعيل، فهو والد أبي شامة، ولا نكاد نعرف عنه إلا ما أورده أبو شامة من أخباره، ويوحي بعضها بأنه لم يكن على صلة قريبة منه (٥)، ربما لزواجه من امرأة أخرى غير أمه. ولم يكن له اعتناء بالعلم على تدينه، إذ يذكر أبو شامة أن والده حج أربع حجات في حياته، على مشقة الحج في ذلك الزمان، رافقه أبو شامة في حجته الأخيرة سنة (٦) (٦٢١ هـ/ ١٢٢٤) وربما أحب أبو شامة من بعد أن يرفع من ذكره حين ذكره فيمن حدثه عن خطيب دمشق عبد الملك بن زيد الدولعي المتوفى سنة (٧) (٥٩٨ هـ/ ١٢٠١ م)؛ إذ الرواية عن خطيب كبير يصعد كل جمعة منبر جامع دمشق لا تسلك صاحبها في عداد طلبة العلم ممن يختلف إلى الشيوخ للرواية عنهم، ويبدو أنه أصبح يكنى أبا عبد الرحمن بعد أن أصاب ابنه أبو شامة شيئا من الشهرة (٨).

стр. 9

وتوفي سنة (٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م) ودفن على أبيه بمقبرة باب الفراديس (١). أما والدة أبي شامة فيبدو أنه كان شديد التعلق بها، وهي التي كانت وراء طلبه للعلم (٢)، وقد وصفها سنة وفاتها سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) بأنها كانت دينة صالحة، وتمنى، وهو يغالب حزنه عليها، أن يدفن عندها (٣). وقد أنجب والده إسماعيل من الذكور أربعة (٤): أولهم: برهان الدين، أبو إسحاق إبراهيم، ولد ليلة الاثنين الخامس والعشرين من محرم سنة (٥) (٥٩١ هـ/ ١١٩٥ م) فهو أسن من أبي شامة بنحو تسع سنين، وقد وصفه أبو شامة بأنه كان من الصالحين (٦)، وهو أخ غير شقيق (٧). وثانيهم: مؤرخنا عبد الرحمن أبو شامة. وثالثهم: أبو محمد، أمه مغربية، ولد سنة (٨) (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م) وأشار أبو شامة إلى وفاته دون أن يحدد سنتها (٩). ورابعهم: عبد الحليم، شقيق أبي محمد، وقد ولد سنة (١٠) (٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥)، ولم يذكر أبو شامة في «مذيله» إلا تاريخ ولادته، ثم تغيب عنا أخباره.

стр. 10

أما أخوه إبراهيم فقد ألمع أبو شامة إلى صلته به، وبخاصة في محنته التي ألمت به في أواخر حياته (١). فأبو شامة ينتمي لأسرة كان لبعض أفرادها اشتغال بالعلم، إلا أنه لم ينبه فيها أحد، وأتساءل: من منهم حصل لأبي شامة إجازة من القاسم بن الحافظ ابن عساكر، وله من العمر نحو سنة (٢)، ويبقى تساؤل دون جواب، وهو من المواضع التي آثر فيها أبو شامة الصمت.

стр. 12

في المكتب حين بلغ أبو شامة نحو الخامسة من عمره، أرسل على عادة الصبيان في ذلك العصر إلى المكتب لتلقي مبادئ القراءة والكتابة، وكان للمكتب سائق مكلف بأخذ الصبيان يوميا إلى المكتب وردهم إلى بيوتهم بعد انتهاء الدرس (١)؛ إذ كانت مكاتب تعليم الصبيان عند الباب الشمالي لجامع دمشق، وهو المعروف وقتئذ بباب الناطفانيين قبالة الخانقاه السميساطية، كان ثمة دهليز واسع يفضي إلى الباب، وقد انتصبت على جانبيه أعمدة رومانية هي من بقايا بنائه القديم، شأنه في ذلك شأن أبواب الجامع كلها، وعلى طول هذا الدهليز مصاطب مسيجة بالأعواد، كان يتخذ منها المعلمون مكاتب لتعليم الصبيان (٢)، وربما رأى أبو شامة في إحداها عبدان المعلم، عم جده. وذات صباح، راحت أمه - وقد أزف وقت ذهابه إلى المكتب - تقص على صغيرها - تشجيعا له - قصة الحلم الذي رأته، وهي حامل به، فقد رأت فيما يرى النائم أنها تؤذن في الجامع، وهي تقف في أعلى مكان من المئذنة عند هلالها، وحين قصت رؤياها في اليوم التالي لأحد معبري الأحلام بشرها بأنها ستلد غلاما

стр. 13

ينتشر ذكره في الأرض بالعلم والخير (١). وقد كتمت حلمها هذا في صدرها زمنا، وها هي تفضي به الآن إلى صغيرها، راسمة له من خلاله ملامح مستقبله. ويترسخ هذا الحلم في عقل الصغير، فيسعى بما في قلبه من حب كبير لها كي يحقق حلمها، وينكب بشغف وحرص غير معهودين في الصغار على تعلم القراءة والكتابة، مما يثير عجب والده منه، وهو الغافل عنه، ولكن الأم العارفة بالسر تقص على زوجها قصة الحلم الذي رأته (٢)، وكأنها - لإيمانها بتحققه تنفي به كل عجب. وكان الصغير في غدوه ورواحه إلى المكتب تلتقط ذاكرته الغضة كل ما يراه ويسمعه، حتى تلك الأشعار التي كانت تغنى في الأسواق تعليقا على خبر، أو ذكرا لحادثة، وكان مما علق بذاكرته منها، تلك التي قيلت يوم دخل أسير فرنجي إلى جامع دمشق عند أذان الفجر سكران وبيده سيف قد شهره، وراح يهوي به على المصلين يمنة ويسرة، فقتل منهم رجلين أو ثلاثة، ووقعت بعض ضرباته في جانب المنبر، فأثرت فيه، واستيقظت دمشق على أخبار هذه الحادثة، ونظمت فيها أشعار منها: مقصورة الخطيب طلب … والناس ولوا للهرب في جانب المنبر ضرب … بالسيف حتى انكسر وما كان لهذا الفرنجي المسعور أن ينجو من فعلته هذه، فقد شنق في آخر النهار بجسر اللبادين، ورآه الصغير متدليا من درابزين حافته الشرقية، وهو يمر بجيرون في طريقه نحو المكتب (٣).

стр. 14

أبو شامة حافظا للقرآن وجامعا لقراءاته وتمضي الأيام بالصغير، وهو عاكف على لوحه في المكتب يثبت فيه ويمحو ما يكتب له من الأشعار، وما تخطه يده من حكم وأمثال، أما القرآن الكريم فكان يتلقنه في الجامع تلقينا، تنزيها عن ابتذال الصبيان له بالمحو والإثبات (١). وكان لتلقين القرآن الكريم في جامع دمشق حلقات لا يخلو منها صباحا ولا مساء (٢). منها حلقة في الجهة الشرقية منه، تعرف بالشبع الكبير (٣)، كان يجتمع فيها القراء كل يوم عقب صلاة الفجر لقراءة سبع من القرآن، ليختموه في كل أسبوع مرة، وكان يجلس كل قارئ عقب الانتهاء من القراءة إلى سارية، فيتحلق الصبيان حوله ليلقنهم القرآن (٤)، من هؤلاء القراء الشيخ شرف الدين يعيش، الذي كان أبو شامة ينضم إلى حلقته مع أترابه يقرأ عليه (٥)، وكان قد حبب إليه حفظ الكتاب العزيز، فجعل ذلك من همته (٦)، حتى إذا ما استتم الحادية عشرة من عمره كان قد

стр. 15

أتمه حفظا، وفوجئ والده، وهو يسمع صغيره يقول له ذات يوم: قد ختمت القرآن حفظا (١). في تلك الفترة كان قد انتقل إلى المدرسة الأمينية ليتابع دراسته فيها بعد المكتب، وقد اتخذ من إحدى غرفها سكنا له (٢). وتطلعت نفسه إلى جمع القراءات، فانتقل إلى حلقة الشيخ إبراهيم بن يوسف المعروف بالوجيه ابن البوني، وهو أحد المشايخ المعتبرين في الجامع، المشهورين بمعرفة القراءات، وقد بلغ من تمكنه منها أن كانت حلقته في مكان حلقة ابن طاوس (٣)، إمام جامع دمشق ومقرئه في عصره (٤)، فشرع أبو شامة في تلقي القراءات عليه، بادئا بحفظ قصيدة العلامة الشاطبي «حرز الأماني» في القراءات السبع، فأتم حفظ أبياتها التي بلغت نحو ألف ومئة وثلاثة وسبعين بيتا، فكانت أول مصنف وجيز يحفظه بعد حفظه للكتاب العزيز، قبل بلوغه الحلم (٥)، وحين توفي شيخه إبراهيم سنة (٦١٢ هـ/ ١٢١٦ م) كان قد أتم عليه قراءة الجزء الأول من سورة البقرة (٦). فانتقل إلى حلقة الشيخ شرف الدين أبي منصور الضرير، وكان من المتصدرين في الجامع للإقراء، ويبدو أنه قد قرأ عليه القرآن بالروايات حتى أتمه (٧)، وذلك قبل التحاقه بحلقة شيخ قراء عصره وأشهرهم علم الدين السخاوي.

стр. 16

كان السخاوي، وهو من أصحاب الإمام الشاطبي، في السادسة والخمسين من عمره، وكانت حلقته بالجامع عند رأس يحيى بن زكريا ﵇ (١)، وذات يوم من أيام شعبان سنة (٢) (٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م) جلس الفتى أبو شامة، وكان في نحو الخامسة عشرة من عمره إلى حلقته، وقد غصت بالطلاب، وبدأ يقرأ عليه القرآن بالروايات، فكان الدرس الأول للفتى النابه بين يدي شيخه الجليل، ولما انقضى حول على هذا اللقاء كانت زكاته إجازة الشيخ لفتاه في علم القراءات اعترافا بتمكنه فيه (٣)، ولعله كان من أصغر تلاميذه سنا ينال هذه الإجازة. وفي مجلس شيخه السخاوي يتعرف إلى الفقيه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكان في نحو السادسة والثلاثين من عمره (٤)، وربما نحو هذه الفترة يترك أبو شامة المدرسة الأمينية لينتقل منها إلى المدرسة العزيزية، وكان للفقيه عز الدين بن عبد السلام مجلس فيها (٥)، فتتعمق علاقته به. ولم يقنع أبو شامة بما حصله من علم القراءات، فقد وجد متسعا من وقته لسماع الحديث الشريف من شيوخه، وتحصيل الإجازات منهم، فسمع «صحيح البخاري» من الشيخ المسند داود بن أحمد بن ملاعب (٦)، والشيخ أبي القاسم

стр. 17

أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد السلمي العطار (١)، وسمع طائفة من كتب الحديث من الشيخ أبي البركات زين الأمناء الحسن بن محمد بن الحسن بن عساكر (٢)، وسمع من القاضي أبي المجد محمد بن الحسين القزويني كتاب «شرح السنة» للبغوي، وكان قد تفرد بروايته (٣)، وأجازه مسند الشام في زمانه شمس الدين الحسين بن هبة الله بن صصرى، ولكنه لم يسمع منه (٤)، ربما لأنه كان يأخذ أجرة على السماع (٥)، وكذلك أجازه التقي بن باسويه (٦)، وقد سمع منه كتاب «الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي (٧)، وأجازه القاضي شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم بن أحمد الشيباني (٨)، والشيخ العدل أبو علي الحسن بن يحيى بن صباح المصري، وقد سمع عليه أكثر «الخلعيات» (٩). وكان يختلف إلى حلقة الشيخ الفقيه كمال الدين أبي العباس أحمد بن كشاسب الدزماري، قارئا عليه الفقه الشافعي، وكان متضلعا من نقل وجوه المذهب، وفهم معانيه (١٠). وهكذا كان الفتى أبو شامة يقضي سحابة نهاره في جامع دمشق متنقلا فيه من شيخ إلى شيخ، يقرأ ويسمع ويتأمل.

стр. 18

في رحاب جامع دمشق وبريشة مرهفة، وبذاكرة لا تفوتها أدق التفاصيل، رسم لنا أبو شامة بكلمات حية صورة لجامع دمشق، ومن كان فيه من العلماء والزهاد في سني صباه. ففي منارته الشرقية كان يسكن في إحدى غرفها الشيخ الزاهد عبد الرحمن اليمني، وقد لاحت في وجهه أنوار الخير، وهو أحد المشايخ الصداعين بالحق عند الملوك، وقد وقف مرة أمام السلطان العادل أبي بكر بن أيوب ينكر عليه تهاونه في حفظ الثغور حين هاجمها الفرنج (١). وفي زاويته الغربية - حيث أقام ذات يوم الإمام الغزالي - كان يسكن الشيخ بيرم المارديني، وهو شيخ صالح، محب للعزلة والانفراد، صابر على الفقر والجوع، كثير الصيام والمجاهدة (٢). أما في مقصورة الخضر في الجهة الغربية منه، فقد كان يقف مصليا قبالة

стр. 19

محرابها مسند الشام وقاضي قضاتها جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني، وما إن ينفتل من صلاته حتى يجلس في سكون وهيبة، وقد التف حوله خلق عظيم لسماع الكتب عليه (١)، بينهم الفتى أبو شامة (٢). وفي حلقة الحنابلة، كان يتنقل بين العشاءين، قرب محرابها، شيخ الإسلام الإمام المجتهد موفق الدين ابن قدامة، وقد غطت رأسه عمامة صغيرة عتيقة، ولا يشغله عن صلاته أحد، حتى إن الملك العزيز بن العادل جاءه مرة يزوره في الجامع فصادفه يصلي، فجلس بالقرب منه إلى أن فرغ من صلاته، ثم اجتمع به، ولم يتجوز فيها، وكان الموفق إذا صلى العشاء الآخرة يمضي إلى منزله بدرب الدولعي، مصطحبا بعض طلبة العلم الفقراء، ليشاركوه طعام العشاء (٣). ويخلفه في الحلقة - حين كان يصعد في بعض الأيام إلى جامع الحنابلة بالجبل - علم الزهاد الشيخ الإمام العماد بن عبد الواحد المقدسي (٤)، كان شيخا معتدل القامة، قد أسدل شعره إلى أذنيه، مليح الوجه، دائم الابتسام، حسن الصلاة، كثير السجود والدعاء، يقرئ القرآن والفقه في الحلقة دائما، ويجتمع إليه الطلبة كل ليلة بعد العشاء، فيحملهم إلى بيته، ويحضر لهم من الطعام ما تيسر (٥). أما أيام السبت - وكان يوم عطلة فإن الجامع يزدحم بالناس لحضور مجلس الواعظ الكبير، سبط ابن الجوزي، فكانت السجادات والحصر تبسط في كل المواضع ليلة السبت ويبيت الناس - وقد عزل الرجال عن النساء - يقرؤون القرآن بالشموع، فرحا بالمجلس، ومسابقة إلى الأماكن، وكان يحضر هذا المجلس

стр. 20

القضاة والأشراف، والعلماء والأعيان، وربما يبلغ جمع الناس في بعض الأوقات نحو عشرة آلاف وزيادة، وهذه المجالس كانت من محاسن الدنيا ولذاتها، لما أوتيه سبط ابن الجوزي من حسن الصورة، وأناقة الملبس، وطيب الصوت، ولطف الإشارات، وذلك الذكاء الوقاد في الإيرادات والجوابات، فكان لا يفارق أحد مجلسه إلا وشوقه يغالبه للمجلس التالي، وكان حديث دمشق، فما إن ينصرف الناس منه إلى فرجهم وبساتينهم حتى ينقضي يومهم بالتذاكر فيما وقع فيه من المحاسن، وإنشاد الأشعار، ويتحدثون عمن أسلم فيه أو تاب، ويوردون ما كان فيه من سؤال وجواب (١). بيد أن أكثر ما كان يملأ قلب الفتى، ويملك عليه فكره شيخ الشافعية في عصره فخر الدين ابن عساكر، وهو يراه، وقد أقبل الناس عليه، مترددين إليه، يستفتونه في حاجاتهم، وكان يراه عصر كل يوم اثنين وخميس وقد خرج من غرفته الصغيرة قرب مقصورة الصحابة حيث يجلس تحت قبة النسر - وهو المكان الذي كان يجلس فيه عمه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر - لسماع الحديث عليه، فكان الفتى أبو شامة يسارع إلى حلقته، يسمع عليه حديث المصطفى ﷺ ، من كتاب «دلائل النبوة» للبيهقي، ويرى دموعه، وهي تتقاطر على خديه شوقا وحبا للنبي ﷺ كلما ذكر، فكان لا يمل من النظر إليه، وقد انجذب لحسن سمته ولطفه ونور وجهه، حتى إذا ما فرغ الشيخ من مجلس السماع، رجع إلى غرفته الصغيرة يخلو فيها للعبادة، ومطالعة الكتب والفتاوى (٢)، فكان الفتى يستحسن طريقته، ويتمنى وقد خفق القلب بحبه أن يبلغ مرتبته في العلم ونشره له، وأن ينتفع الناس في المستقبل بفتاويه (٣).

стр. 21

ومما زاده حبا لشيخه فخر الدين وإعجابا به، ما رآه من ابتعاده عن أبواب السلطان، وامتناعه عن تولي القضاء حين أراده العادل عليه ورعا وزهدا، حتى إنه كاد يهاجر من بلده دمشق فرارا بدينه لولا مسارعة العادل في رده (١).

стр. 22

الخطر الصليبي في غمرة انصراف أبي شامة لطلب العلم طرق دمشق خطر أفزعها (١)، ها هو ذا العادل بن أيوب الذي خرج من مصر ليحمي أطراف البلاد من الصليبيين الذين تجمعوا في عكا لمهاجمتها (٢)، يتخلى لهم عن بيسان، ويصل هاربا إلى مرج الصفر، بل يكاد يدخل دمشق. ويجفل أهل القرى من عقربا وحرستا وغيرها، وتغرق أرض داريا بالماء، وترتفع الأسعار، ويعزم الناس على النزوح من دمشق، ويرون ألا قوة إسلامية تحول بينهم وبين عدوهم، فيفزعون إلى جامعهم، وقد علا في أوقات الصلوات ضجيج بكائهم ودعائهم (٣). وتنزاح الغمة عن دمشق، وتتلقاها دمياط بعد نحو ستة أشهر، فيحاصرها الصليبيون (٤)، ويضيقون الخناق عليها، ويتمكنون بعد حصارها نحوا من شهرين

стр. 23

ونصف من أخذ برج السلسلة (١)، وفي ذلك إيذان بسقوطها، ويصل ذلك النبأ إلى العادل، فيدق بيده على صدره حزنا، ويموت كمدا (٢)، وتتألم دمشق لما حل بدمياط. ويجلس الشيخ علم الدين السخاوي في حلقته بالجامع، والألم يعتصر قلبه، فهو يعرف هذا البرج وأهميته لدمياط، ويجلس إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، والفتى أبو شامة، وبصوت حزين يصف لهما السخاوي ذلك البرج، وهو يضرب متحسرا يدا على يد قائلا: هو برج عال مبني في وسط النيل، دمياط عن شرقه، والجيزة عن غربه، وفي ناحيته سلسلتان تمتد إحداها على النيل إلى دمياط، والأخرى على النيل إلى الجيزة، فتمنع كل سلسلة عبور المراكب من ناحيتها … فهو قفل الديار المصرية (٣). وقد خلع القفل، وانكشفت دمياط، واستمات المسلمون في الدفاع عنها، وخوفا من أن يستغل الصليبيون هذا الحصار لمهاجمة القدس، قرر المعظم عيسى بن العادل هدم سور القدس وأبراجها لعجزه عن الدفاع عنها، وكانت القدس يومئذ على أتم حال من العمارة وكثرة السكان، وقد شرع في هدم السور في الفاتح من محرم سنة (٦١٦ هـ/ ١٢١٩ م)، ووقع في البلد ضجة كأن القيامة قد قامت، وخرج النساء المخدرات والبنات والشيوخ والعجائز والشبان والصبيان إلى الصخرة والأقصى خائفين غاضبين، فقطعوا شعورهم، ومزقوا ثيابهم، وولوا هاربين، تاركين أموالهم وأثقالهم، معتقدين أن الصليبيين من ورائهم، سيصبحونهم غدا، وامتلأت الطرقات بهم، بعضهم في طريقه إلى مصر، وبعضهم إلى الكرك،

стр. 24

وبعضهم إلى دمشق، وفي الطريق كانت البنات المخدرات يمزقن ثيابهن، ويربطنها على أرجلهن من الحفا، وقد مات خلق كثير من الجوع والعطش (١). وفي جملة من كان في طريق دمشق منهم الشيخ تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح، وكان يدرس بالمدرسة الصلاحية ببيت المقدس (٢)، والشيخ تقي الدين خزعل بن عسكر، وكان متصدرا لإقراء القرآن العظيم في القدس كذلك (٣). وحين وصلا إلى دمشق، نزل ابن الصلاح فيها بالمدرسة الرواحية (٤)، ونزل تقي الدين خزعل في المدرسة العزيزية (٥).

стр. 25

في حلقات شيوخه الكبار كان الشيخ تقي الدين ابن الصلاح في نحو الثامنة والثلاثين من عمره (١)، وكان قد جال في بلاد خراسان، واستفاد من مشايخها، وعلق عنهم التعاليق المفيدة (٢)، وهناك حصل علم الحديث (٣)، حتى تميز فيه، وقد صنف فيه من بعد كتابا ذاع صيته في الآفاق، واقترن باسمه (٤)، وكان على تفننه في علم الحديث متبحرا في الفقه، وملما بعلوم العربية، وقد أوتي جلالة ووقارا وهيبة وفصاحة (٥)، وقد لازم أبو شامة دروسه في المدرسة الرواحية، ومنه استفاد علمي الحديث والفقه (٦). أما الشيخ تقي الدين خزعل، فهو من مصر، من أهل قرية شمالية تعرف بدار البقر (٧)، كان قد رحل إلى بغداد، وقرأ فيها على كمال الدين أبي البركات الأنباري.

стр. 26

أكثر تصانيفه (١)، وبرع في النحو وعلم العربية، حتى صار من أعلم الناس بكلام العرب (٢)، وكانت عنده معرفة تامة بالقراءات (٣)، فتصدر زمنا في بيت المقدس لإقراء القرآن العظيم، وإفادة علم العربية (٤)، حتى كان يعرف بنحوي القدس (٥). لما قدم الشيخ تقي الدين خزعل دمشق - وكان في نحو السابعة والستين من عمره (٦) - أنزل في المدرسة العزيزية، فكان يقرئ فيها، ويتولى عقود الأنكحة، وقد عين إماما في مشهد زين العابدين في جامع دمشق، وكان أبو شامة إذ ذاك يسكن في المدرسة العزيزية (٧)، فانعقدت بين الشيخ والفتى صلة وثقى، زادها قوة ما رآه أبو شامة في شيخه من مروءة تامة في تعامله مع الناس، وبخاصة مع من يعقدون عقودهم أو يفسخونها، فقد كان لا يأخذ من فقيرهم، ولا يرد سائلا، ويتصدق بأكثر ما يأتيه، أما في حالات الطلاق، فكان لا يأخذ شيئا سواء كان الفاسخ فقيرا أو غنيا (٨)، وهي عاطفة إنسانية تأبى أن تقتات من مآسي الآخرين. وقد قرأ أبو شامة عليه فيما قرأ كتاب «الدروس في العروض» للناصح ابن الدهان (٩)، وكتاب «الجمل في علم الجدل» للكمال الأنباري، وكان للشيخ

стр. 27

تقي الدين خزعل سماع لهما من مصنفيهما في رحلته إلى العراق (١). ويبدو أن الشيخ تقي الدين خزعل قد خص فتاه أبا شامة باهتمامه - على ازدحام الطلبة عليه (٢) - لما لمسه عنده من فهم ثاقب وقدرة على الحفظ، فرغب إليه ألا يصرف جل وقته في حفظ أقوال الفقهاء، بل راح يحثه على حفظ الحديث، والتفقه فيه، وبخاصة «صحيح مسلم»، وكان يقول له: «إنه أسهل من حفظ كتب الفقه وأنفع (٣)». وكثيرا ما كان يوازن أمامه بين أقوال الفقهاء في المسألة باحثا فيها عن الدليل (٤)، وهو بهذا كان يضع بين يدي الفتى أبي شامة منهجا في الفهم ينأى فيه بعقله عن ربقة التقليد، وقد وجد أبو شامة فيما بعد ثمرة أقوال شيخه، فكان يقول: «وصدق ﵀» (٥). أما في يوم الجمعة، فكان يصعد في ضحاه إلى جبل قاسيون، قاصدا شيخه موفق الدين ابن قدامة، فيدخل جامع الحنابلة، فيوافي الشيخ محمد بن خلف بن راجح المقدسي، وقد جلس على درج المنبر السفلي، وبيده كتاب من كتب الحديث، أو أخبار الصالحين يقرؤه على الناس إلى أن يؤذن المؤذن للجمعة (٦)، فإذا ارتقى شيخه موفق الدين المنبر (٧)، أنصت لخطبته، وهو يعظ الناس، ويذكرهم أيام الله.

стр. 28

وعقب الصلاة كان يجلس إليه في حلقته مع طلبة العلم؛ ليسمع منه الحديث الشريف، وكان يقرأ عليه «مسند الإمام الشافعي» - وقد فات أبا شامة سماع ورقتين منه - وكتاب «النصيحة» لابن شاهين (١). وسمع عليه في الفقه كتابه «المغني» (٢) الذي شرح فيه الموفق مختصر أبي القاسم الخرقي، وأجازه فيه (٣)، وكان ممن يحضر هذه المجالس محمد بن محمود بن عبد المنعم المراتبي، وقد انعقدت بينه وبين أبي شامة صداقة متينة، وغدا المراتبي من بعد من كبار فقهاء الحنابلة بدمشق (٤). وفي طريق عودته كان يمر بجسر كحيل على نهر ثورا، قرب المدرسة الشبلية، ويتتبع ببصره التربة البدرية، حيث كان يسكن سبط ابن الجوزي، فيراه جالسا في شباكها، أو على الصفة الخارجة من النهر، ومعه كتاب يطالع فيه أو ينسخ منه (٥). وبعد سنين، وقد شارف أبو شامة على الستين، يستعيد ذكرى تلك الأيام، متحسرا على انقضائها، ومرددا بأسى: «فما أطيب ما كانت تلك الأيام، وما أرغد عيش تلك الأعوام» (٦). وستظل معرفته بسبط ابن الجوزي لا تتعدى هذه الرؤية عن بعد، حتى بعدما جمع بينهما حب التاريخ، والاشتغال فيه، ولعل ما باعده عنه ما كان يراه من قرب سبط ابن الجوزي من ملوك عصره، وصحبته لهم على خلاف ما كان عليه شيخاه الأثيران فخر الدين ابن عساكر وعلم الدين السخاوي.

стр. 29

ولن ينسى أبو شامة ذهابه ذات يوم مع شيخه السخاوي إلى مقبرة باب الصغير لزيارة قبور بعض الصالحين، يومها وقف شيخه على قبر الفقيه الزاهد مودود الشاغوري، مترحما عليه، طالبا من فتاه أبي شامة قراءة الأبيات التي كتبت على شاهدة قبره، فينطلق صوت أبي شامة في قراءتها والشيخ يستحسنها: كم ضم قبرك يا مودود من دين … ومن عفاف ومن بر ومن لين ما كنت تقرب سلطانا لتخدمه … لكن غنيت بسلطان السلاطين (١) وكان درسا من شيخه لن ينساه. ولعل مما عزز لديه نفرة القرب من السلطان ما شهده من إهانة الملك المعظم عيسى بن العادل لقاضي قضاة دمشق أبي العباس الطاهر بن محيي الدين ابن الزكي، وذلك حين ضرب هذا القاضي جابي المدرسة العزيزية، حيث كان يسكن أبو شامة (٢). فقد ساءت المعظم من القاضي أمور كان يغلها في صدره، ويتغافل عنه، حتى أخطأ القاضي خطأ قد يغتفر من مثله بضربه الجابي، غير أن المعظم وجد في فعل القاضي سبيلا لإظهار ما في نفسه، فبعث إليه - وهو في مجلس الحكم في داره، وقد غص بالناس والشهود حضور - ببقجة فيها قباء وكلوتة - وهما لباس والي الشرطة - وأمره أن يلبسهما، ويحكم بين الناس، وذلك تحقيرا له، إذ هو زي شنيع في حق مثله، فلما نظر القاضي إلى القباء والكلوتة شحب وجهه، وعلاه الوجوم، غير أنه مد يده في خوف، ووضع القباء على كتفيه، ونزع عمامته، ووضع الكلوتة على رأسه، وحكم بين اثنين، ثم قام من مجلس الحكم، ودخل غرفته.

стр. 30

وبلغ هذا النبأ الشنيع سمع الشيخ علم الدين السخاوي، وهو في حلقته بجامع دمشق، وأبو شامة إلى جانبه، فتأوه حزنا على ما ألم بالقاضي، وراح يضرب إحدى يديه بالأخرى كعادته تعبيرا عن انزعاجه الشديد. وسيعقب أبو شامة على هذه الحادثة من بعد بقوله: «من لطف الله تعالى أن كان مجلس الحكم في داره، وإلا - والعياذ بالله - لو كان في مكان آخر لتكلف المرور في الطرقات بذلك الزي الشنيع في حق مثله إلى بيته، اللهم عفوك وعافيتك» (١). ولكن القاضي المهان لن يمر في طرقات دمشق أبدا، فقد لزم بيته، يغالب القهر في عزلته حتى غلبه، فرمى كبده منه قطعا، وتوفي في الثالث والعشرين من صفر سنة (٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م)، وتأسف الناس لما جرى عليه (٢). ولم يجد سبط ابن الجوزي ما يعتذر به عن المعظم، وهو من أقرب مقربيه، فكتب في تاريخه «مرآة الزمان»: «وكانت حركة شنيعة، وواقعة قبيحة لم يجر في الإسلام أقبح منها، وكانت من غلطات المعظم» (٣). * * * ويتوج أبو شامة حضوره في حلقة شيخه فخر الدين ابن عساكر بحصوله منه على الإجازة في أواخر سنة (٦١٦ هـ/ ١٢٢٠ م)، وقد بلغ السابعة عشرة من عمره، فقد كان ملازما له في مجلس سماعه تحت قبة النسر في جامع دمشق عصر كل يوم اثنين وخميس، وقد سمع منه معظم كتاب «دلائل النبوة» للبيهقي، وكان يقتنص أوقات فراغه ليسأله مسائل في الفقه (٤)، ولعل أبا شامة قد أحب أن يطلع شيخه على

стр. 31

براعته التي وصل إليها في هذه السن، فكتب إليه أبياتا من نظمه - ولعلها من أوائل ما نظم - يسأله فيها إجازة مروياته، فأجابه فخر الدين ابن عساكر بثلاثة أبيات نظمها له، وكتبها له بخطه، إكراما له، وتنويها بفضله، وهي: أجزت له قولي وفق الله قصده … وأسعده بالعلم يوم معاده رواية ما أرويه عن كل عالم … بصير بما فيه طريق سداده فهناه ربي بالعلوم وجمعها … وبلغه فيها سني مراده (١) وتغمر أبا شامة سعادة كبرى بهذه الإجازة التي طالما انتظرها من شيخه الذي أحبه وأخلص له، وقد عبر عن بعض سعادته بقوله: «وما أعلمه فعل ذلك مع غيري» (٢). وبعد سنين حين يغدو أبو شامة عالم دمشق الكبير سيذكر أبيات شيخه هذه، ويقول: «وجدت بركة دعائه لي فيها» (٣). ويطل عام (٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م)، وتشهد دمشق قدوم عالمين جليلين إليها، أولهما قادم من حماة بعد وفاة ملكها المنصور محمد بن تقي الدين عمر (٤)، حيث كان يعيش في كنفه (٥)، هو الفقيه الأصولي سيف الدين الآمدي، وكان في السادسة والستين من عمره (٦)، وقد أوفى على الغاية في علمي أصول الفقه والكلام، مع معرفة نادرة في أصول البحث والمناظرة (٧)، وكان على توقد ذكائه (٨)

стр. 32

قد أوتي رقة في القلب (١)، وفصاحة في اللسان، فولاه المعظم التدريس في المدرسة العزيزية، فكان الطلبة والفقهاء يجتمعون على درسه، فيأخذ بمجامع قلوبهم لحسن عبارته (٢)، من هؤلاء الطلبة أبو شامة، ومن هؤلاء الفقهاء الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وقد أعجب العز به غاية الإعجاب حتى إنه كان يقول دائما: ما سمعت أحدا يلقي الدرس أحسن منه، وما علمنا قواعد البحث إلا من سيف الدين الآمدي (٣). وكان في كل ليلة ثلاثاء وجمعة يعقد في جامع دمشق مجلسا للمناظرة يحضره أكابر العلماء للاستفادة منه (٤)، وكان ممن يحضر في ليالي الجمع الملك المعظم، فيصغي إلى بحثه ومجادلته، وكان الآمدي حين يأخذ في البحث والمناظرة لا يقدر أحد من العلماء على مجاراته (٥). أما العالم الثاني، فقادم من مصر، وهو المقرئ النحوي أبو عمرو عثمان بن عمر، المعروف بابن الحاجب، لأن أباه كان جنديا حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي (٦)، وكان في نحو السادسة والأربعين من عمره (٧)، وقد برع في علمي القراءات والعربية حتى فاق فيهما أقرانه، وكان متقنا لمذهب مالك بن أنس (٨). وكان على شدة ذكائه عفيفا متواضعا، عنده حياء وإنصاف، وقد تصدر للتدريس في

стр. 33

زاوية المالكية في جامع دمشق، وازدحم الطلبة على حلقته وفيهم أبو شامة (١) ينهلون من علمه وأخلاقه (٢). وكان ممن قدم معه من مصر تلميذه الأثير ظهير الدين عبد الغني بن حسان المصري، فقد كان محبا لشيخه، كثير الاعتناء بكلامه، لا يكاد يفارقه في حله وترحاله، وقد علق عنه أشياء لم يعلقها أحد ممن لازمه، وكان ظهير الدين كشيخه صريح الود، لا يجامل ولا يماري في حق، على سخاوة نفس حتى اشتهر كرمه وجوده بين الناس (٣). وفي حلقة الشيخ ابن الحاجب يتعارف الشابان أبو شامة وعبد الغني، وينمو هذا التعارف مع الأيام، حتى يثمر صداقة حميمة، يغذوها ما يجمع بينهما من حب للعربية، وما يوائم بين روحيهما من خصال، ومع عبد الغني يقضي أبو شامة أجمل أوقاته وأمتعها، فهو فيها مع أخلص أصدقائه، وأقربهم إلى قلبه (٤). * * *

стр. 34

في المدرسة العادلية الكبرى على مقربة من جامع دمشق، قبالة دار العقيقي، كان المعظم يكمل ما بدأه أبوه من بناء المدرسة العادلية الكبرى، هذه المدرسة التي سيقضي فيها أبو شامة سنوات مديدة من عمره، وفيها سيؤلف أشهر كتبه «كتاب الروضتين» (١). كان السلطان نور الدين محمود بن زنكي هو أول من فكر في إنشاء مدرسة في هذا المكان، ليدرس فيها الفقيه الإمام قطب الدين النيسابوري، وقد شرع في بنائها إلا أن وفاته سنة (٥٦٩ هـ/ ١١٧٤ م) حالت دون إتمامها (٢). وتمر السنون، ويبقى ما بناه نور الدين على حاله، ويراه الفتى أبو شامة، وهو يمر بقربه في غدوه ورواحه (٣). حتى إذا كانت سنة (٤) (٦١٢ هـ/ ١٢١٥ م) يعزم العادل على بناء المدرسة من جديد، ليدرس فيها هذه المرة تلميذ قطب الدين النيسابوري، وزوج ابنته شيخ الشافعية فخر الدين ابن عساكر (٥)، فيزيل تلك العمارة التي بناها نور الدين، ويشرع

стр. 35

في بنائها هذا البناء المحكم (١)، إلا أن حريقا ينشب فيها بعد سنتين يأتي على ما بنى منها (٢)، ويموت العادل سنة (٣) (٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م) بعد حريقها بسنة، ولم يتم البناء بعد، فيشرع في إتمامه الملك المعظم، ويبني فيها تربة لوالده. ويشارف البناء على الانتهاء سنة (٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م) وينقل المعظم في موكب مهيب تابوت أبيه العادل من قلعة دمشق - حيث دفن - إلى تربته فيها (٤). وما إن يتم عام (٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م) حتى يتكامل بناؤها، وتغدو المدرسة مهيأة ليتولاها الشيخ فخر الدين ابن عساكر، تنفيذا لرغبة العادل، غير أن المعظم يعدل عنه انتقاما منه، لأن الشيخ فخر الدين أنكر عليه سماحه بإظهار الخمر، وتضمينها في دمشق عقب وفاة العادل (٥)، ويفوض التدريس فيها إلى قاضي قضاته الأثير لديه جمال الدين المصري (٦)، فيكون أول من يلقي درسا فيها (٧). ويصور لنا أبو شامة - وكان في جملة من حضر من طلابها - افتتاح المدرسة بهذا الدرس الأول تصويرا دقيقا، حتى لكأننا على بعد الزمان أحد شهوده، فلنستمع إليه، وهو يقول: «وحضر درسه أعيان الشيوخ والقضاة والفقهاء، وحضره السلطان الملك المعظم عيسى بن العادل، وتكلم في الدرس مع الجماعة، وكان الاجتماع بإيوان

стр. 36

المدرسة، وجلس عن يمين السلطان إلى جانبه شيخ الحنفية جمال الدين الحصيري، ويليه شيخ الشافعية شيخنا فخر الدين ابن عساكر، ثم القاضي شمس الدين بن الشيرازي، ثم القاضي محيي الدين يحيى بن الزكي. وجلس عن يسار السلطان إلى جانبه مدرس المدرسة قاضي القضاة جمال الدين المصري، وإلى جانبه شيخنا سيف الدين الآمدي، ثم القاضي شمس الدين يحيى بن سني الدولة، ثم القاضي نجم الدين خليل قاضي العسكر، ودارت حلقة صغيرة، والناس وراءهم متصلون ملء الديوان، وكان في تلك الحلقة أعيان المدرسين والفقهاء، وقبالة السلطان فيها شيخنا تقي الدين بن الصلاح … وكان مجلسا جليلا (١). ومنذ ذلك اليوم سيصبح أبو شامة أحد طلاب المدرسة العادلية، الساكنين فيها، فهي المأوى وبها المثوى (٢)، وسيلازم فيها حضور دروس قاضي القضاة جمال الدين المصري، وكان يلقي فيها درسين درسا في الفقه، وآخر في التفسير، مبتدئا من فاتحة الكتاب، وكان يحضر درسه جماعة من الفضلاء، وتثار فيه مباحث حسنة (٣)، ولربما كان أبو شامة يتشاغل أحيانا أثناء سماعه الدرس بنطق القاضي، وهو يلثغ بالقاف، محيلا لها إلى همزة (٤). وكان يرى هذا القاضي بكرة كل يوم جمعة، ويوم ثلاثاء، يجلس بإيوان المدرسة - وقد اتخذه مجلسا للحكم - لإثبات الكتب، وقد اصطف في جوانب الإيوان شهود البلد .. وساد المجلس سكون وجلال (٥). كان أبو شامة يحضر درسه ويراه عن بعد، ولم يتقرب إليه يوما بكلمة أو سؤال.

стр. 37

وكذلك كان أبو شامة يرى الملك المعظم يأتي كل جمعة - إذا كان بدمشق - إلى تربة والده العادل، يجلس فيها مع أمرائه وخواصه إلى أن يؤذن المؤذن لصلاة الجمعة، فيخرج المعظم حينئذ ماشيا إلى تربة عمه صلاح الدين المجاورة للكلاسة شمالي جامع دمشق، فيصلي الجمعة بها مع الناس (١). * * *

стр. 38

عام الأحزان ما كانت أيامه في تلك السنين لتستمر في هدوئها وهناءتها وهو يقضي ساعاتها في المدرسة العادلية الكبرى، متنقلا بين حلقات شيوخها، أو جالسا في جامع دمشق بصحبة شيخه علم الدين السخاوي، أو مستمعا تحت قبة النسر في مجلس شيخه فخر الدين ابن عساكر، أو مترددا إلى المدرسة العزيزية حيث شيخاه تقي الدين خزعل، وسيف الدين الآمدي، أو إلى المدرسة الرواحية حيث شيخه تقي الدين ابن الصلاح، أو صاعدا كل جمعة إلى جبل قاسيون لحضور درس شيخه موفق الدين ابن قدامة، أو مستمتعا في أويقات فراغه بصحبة صديقه الأثير عبد الغني بن حسان المصري. في زحام شواغله هذه يفجع قلب أبي شامة بوفاة أمه في سادس رجب سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) تاركة حلمها وهو في بداية طريقه، ويتجمل أبو شامة بالصبر راضيا بقضاء الله، وفي مكان ناء في جبل قاسيون في طريق الكهف إلى جانب الوادي يختار لها قبرا هناك (١) يضم جسدها الطاهر، ربما كان قريبا من قبر شيخ المقادسة وزاهدهم أبي عمر، أخي شيخه الموفق، وطالما كان يزوره، ويفيض

стр. 39

الدمع على قبره (١)، ويكتوي القلب المفجوع بألم الفراق، فيتمنى أن يرجع ذات يوم إلى قربها، ويدفن عند قبرها (٢). ولم تكد تمضي أربعة أيام على وفاة أمه حتى يعاجله الحزن بوفاة أحب شيوخه إلى قلبه، فخر الدين ابن عساكر (٣)، وتخرج دمشق لتشييع شيخها، ويغص جامع دمشق بالناس، ويصلي عليه أخوه زين الأمناء، ويخرجون بجنازته إلى ناحية الميدان الأخضر بالشرف القبلي، وقد امتلأت الطرق بالناس، ويتمنى أبو شامة، وهو يرى جنازة شيخه تتهادى فوق الأيدي المرفوعة نائية عنه أن يكون ممن يحملها مع الحاملين، ولكن هيهات! .. إذ من كان يقدر من الناس على الوصول إلى جنازته، لقد وقف أجناد الملك العزيز بن العادل وعز الدين أيبك حولها بالدبابيس والعصي يمنعون من يحاول الاقتراب منها (٤). وبحب غامر يقاوم به جفاء النسيان يحدد أبو شامة موقع قبره، فهو على يسار المار مغربا في طريق الشرف القبلي، مقابل لرأس الميدان الأخضر، قبل الوصول إلى قبر شيخه قطب الدن مسعود النيسابوري بقليل (٥).

стр. 40

وما يكاد أبو شامة يفيق من أحزانه حتى يستقبله عيد الفطر بحزن جديد، لقد توفي شيخه موفق الدين ابن قدامة (١)، وكما خرجت دمشق لتوديع شيخ الشافعية فخر الدين ابن عساكر تخرج في وداع شيخ الحنابلة موفق الدين، حيث دفن بجبل قاسيون خلف جامع الحنابلة في مقبرتهم المشهورة (٢)، ويرى راء في منامه ليلة وفاة الموفق كأن مصحف عثمان ﵁ قد رفع من جامع دمشق إلى السماء (٣).

стр. 41

في طريقه إلى الحج ربما تخفيفا عن قلبه المثقل بالحزن، وشوقا إلى الحرمين الشريفين يعزم أبو شامة في سنة (٦٢١ هـ/ ١٢٢٤ م) على الحج مع والده (١)، وكان والده قد غدا خبيرا بطريق الحج وشؤونه، وهذه هي حجته الرابعة (٢)، ويأزف وقت الرحيل، فينضمان إلى قافلة الحج الشامي، مع أميرها شجاع الدين علي بن السلار (٣)، ويسلكان طريق تبوك نحو المدينة المنورة (٤). وفي الطريق، والشوق يحدوه إلى البيت الحرام، وزيارة المصطفى ﵊، يعن له - وقد آنس في نفسه القدرة على النظم - أن ينظم قصيدة يذكر فيها منازل الحجاج التي ينزلونها في طريقهم من دمشق إلى عرفات. وأن يصف فيها - ما أمكن - أماكن الزيارات، ويفتتحها بقوله: ما زلت أشتاق حج البيت والحرم … وأن أزور رسول الله ذا الكرم (٥) وكان الحج في تلك السنة - على خلاف غيرها من السنين - حجا هنيئا مريئا،

стр. 42

نعمت فيه قافلة الحج الشامي برخص الأسعار، والأمن في الطرقات، وحين وصلت سالمة إلى المدينة المنورة، خصها أميرها - وكان مواليا للمعظم صاحب دمشق - بعناية فائقة على غيرها من القوافل، وكان - حرصا على سلامتها - يبعث إليها كل ليلة من جنوده من يحرسها (١). وأمضى أبو شامة أيامه في المدينة المنورة بين شوق يبوح به للمصطفى ﷺ ، وعبرات يسكبها على أعتاب روضته الشريفة، ومشاعر إيمانية تفيض من قلبه، فيودعها أبياتا في قصيدته. وكان يختلس ساعات يجلس فيها إلى إمام المسجد النبوي أبي عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي، وكان إماما من أئمة القراءات العارفين بوجوهها، وقد بلغت منزلته فيها أن جلس بعد وفاة الإمام الشاطبي في مكانه للإقراء، وقد أجاز لأبي شامة رواية ما يصح عنه روايته (٢). والتقى في المدينة فيمن التقى صفي الدين حسن بن أبي طالب، وهو صاحب له بغدادي، كان يلتقيه بدمشق، وكان يعمل كاتبا بالمدينة في ديوان أميرها (٣). * * * وتتابع القافلة طريقها نحو مكة المكرمة، ملبية بالحج، كانت مكة يحكمها منذ نحو سنة الملك المسعود بن الكامل بن العادل (٤)، وكان على ظلمه وشدته حازما، فقضى على ما كان فيها من اضطراب وقلاقل يثيرها المفسدون، وبخاصة في موسم الحج، فنعم الناس في أيام دولته بالأمن والخصب (٥).
следующие страницы →