← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 8226–8257 · переход к 8231.

стр. 8226

وقال كُلْثُومُ بنُ عِيَاضٍ القُشَيْريّ، على مِنْبَرِ دِمَشْقَ أيَّامَ هِشَامِ بن عبدِ المَلِك: من آثرَ اللهَ آثَرَهُ [اللهُ] ومن أبرَّ الله أبرَّه الله، فرَحِمَ اللهُ عبْدًا اسْتَعانَ بِنعْمَتِهِ على طاعتهِ، ولم يَسْتَعِنْ بِنِعْمتهِ على مَعْصِيتِهِ، فإنّهُ لا يأتي على صاحبِ الجَنَّةِ ساعةٌ إلَّا وهو يزداد فيها صنعًا حسنًا بما أعطاه الله منَ النّعْمَةِ، وفتح عليه علمًا نافعًا له في معادِه، لم يكن يَعرِفُهُ، ولا يأتي على صاحبِ العذابِ ساعةٌ إلّا وهو يعمل فيها ما يُسْتَنْكَرُ ويُستكره من أعمال أهل العذاب، ويُفتح عليه شيء لم يكن يعرفه قبل ذلك من المخازي في الدنيا والآخرة. كان هذا الرَّجُلُ ﵀ مُتَوَلّيًا على دِمَشْقَ أيَّامَ هِشَامِ بن عبدِ الملِكِ، ثمَّ بَعَثَهُ إلى غزْوِ بلاد الْمَغْرِبِ فقُتِلَ هناك ﵀. أوْرَدهُ ابنُ عَساكِرَ ﵀. ذكر أن الجنة حفت بالمكاره وهي الأعمال الشاقة على الأنفس من فعل الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات، والصبر على المكروهات، كقوله: "إسباغ الوضوءِ على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة" (١)، وأن النار حفت بالشهوات قال الإمامُ أحمدُ: حدّثنا حَسَنٌ، حدّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمةَ، عن ثابتِ البُنَانيّ، عن أنسِ بن مالكٍ: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكَارِهِ، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ". وهكذا رواهُ مُسْلِم وَالتّرْمذيّ، منْ حديثِ حمَّادِ بن سَلَمةَ، عنْ ثابتٍ -زادَ مُسْلِم (٢): وحميدٍ- كلاهُما عن أنَسٍ، وقال الترمِذيّ: [صحيحٌ] غريبٌ (٣). وقال أحمدُ: حدّثنا قُتَيْبةُ، حدّثنا ابنُ لَهيعَةَ، عن أبي الأسْوَدِ، عن يَحْيَى بنِ النَّضْرِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "حُفّتِ الْجنَّهُّ بالمَكارِهِ، وَحُفّتِ النّارُ بالشّهَواتِ". تفرَّد به أحمدُ، وإسنادُهُ جيّدٌ حسنٌ لما له من الشواهد (٤). وقال أحمد: حدّثنا محمّدُ بن بِشْرٍ، حدّثنا محمدُ بنُ عَمْرٍو، حدّثنا أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرة، عن رسولِ الله ﷺ ، قال: "لمَّا خَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ والنار، أرْسَلَ جبْرِيلَ فقال: اذهب فانْظُرْ إليها وإلى ما أعددت فيها لأهلها، فجاء فنظر إليها وإلِى ما أعد الله لأهلها فيها، فرَجعَ إليه، فقال: وعِزَّتكَ لا يَسْمَعُ بها أحدٌ إلّا دخَلَها، فأمَرَ بها فحُجِبَتْ بالمَكارهِ، قال: ارْجعْ إليها، فانْظُرْ إليها وإلى

стр. 8227

مَا أعْدَدْتُ لأهلِها فيها" قال: "فرَجَعَ [إليها] فإذا هي قد حُجِبَتْ بالمَكارِهِ، فرَجَعَ إليه، فقال: وعِزَّتكَ لقد خَشيتُ ألّا يَدْخُلَها أحدٌ. قال: اذْهَبْ إلى النّارِ فانْظُرْ إليها وإلى ما أعْدَدْتُ لأهلِها فيها، فجاء فَنظرَ إليها وإلى ما أعدّ لأهْلِها فيها، فإذا هي يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فَرَجع، فقال: وعِزَّتِكَ لا يَسْمعُ بها أحدٌ فيَدْخُلَها، فأمرَ بها فَحُفَّتْ بالشّهَواتِ فرجع فقال: وعِزَّتِكَ لقد خَشيتُ ألّا يَنْجُوَ منها أحد إلا دَخَلها". تفرَّد به أحمدُ، وإسنادهُ صحيحٌ (١). وقال أحمدُ: حدّثنا حُسَيْنٌ، حدّثنا المَسْعُوديّ، عن دَاوُدَ بن يزيدَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أكثرُ ما يَلِجُ به الإنْسانُ النَّارَ الأجْوَفَانِ: الفَرْجُ والفَمُ، وأكْثَرُ ما يَلِجُ بهِ الإنسانُ الْجنَّةَ: تَقْوَى اللهِ ، وحُسْنُ الخُلُقِ" (٢). فصل النَّارُ حُفّتْ بالشّهَواتِ، ودَاخِلُها كُلُّهُ مَضَرَّاتٌ وعقوبات وحَسَراتٌ، والجَنَّةُ حُفَّت وحجبت بالمكارِهِ، وداخلها أنواع المسرَّات مما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَير منْ أصناف اللَّذّاتِ، كما أوردناهُ في الآياتِ المُحْكماتِ والأحاديث الثابتات. فمنْ نَعِيمهم المُقيمِ، وَلَذّتِهم المسْتمِرَّةِ، الطَّرَبُ الَّذي لم تَسْمَعِ الآذانُ بمثلِه، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] قال الاْوزاعيّ، عن يَحْيَى بن أبي كثير: هو السَّماعُ في الجَنّةِ. وقد ذكرنا ما رواهُ التِّرْمذيّ من حديثِ عبدِ الرَّحمن بنِ إسْحَاق، عن النُّعْمانِ بن سَعدٍ، عن عَلِيٍّ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ في الْجَنّةِ لَمُجْتَمعًا لِلْحُورِ العِينِ، يُرَفِّعْنَ بأصْواتٍ لم تَسْمع الخلائقُ بمثلِهَا". قال: وفي البابِ عن أبي هريرة، وأبي سعيدٍ، وأنسٍ (٣). قلتُ: وكذا رُوي من حديثِ عبدِ الله بن أبي أوْفَى، وابن عُمَر، وأبي أُمَامة.

стр. 8228

حديث أبي هريرة ﵁ قال جَعْفر الفِرْيابيّ: حدّثنا سعيد [بن حفص]، حدّثنا محمدُ بنُ سلمة (١)، عن أبي عبدِ الرَّحيم، عن زيد بنِ أبي أُنَيْسَةَ، عنِ المِنْهَالِ بن عَمْرٍو، عن أبي صالِحٍ، عن أبي هريرة، قال: إنَّ في الْجَنَّةِ نَهْرًا طُولَ الْجَنَّةِ، حَافَتاهُ العَذَارَى، قِيَامٌ مُتَقابلاتٌ، يُغَنِّينَ بأصْواتٍ يَسْمَعها الخلائقُ، حتى ما يَرَوْنَ في الجنّةِ لَذَّةً مِثْلَها، قلنا: يا أبا هريرةَ، وما ذاكَ الغِناءُ؟ قال: إن شاء اللهُ ثناء بالتَّسْبيح، وَالتّحْميدِ، وَالتَّقْديسِ، وثَناء على الرَّبِّ (٢). وَرَوَى أبو نُعَيم في "صَفَةِ الجنَّةِ" منْ طريقِ مسلمة (٣) بن علي، عن زَيْدِ بنِ وَاقِدٍ، عن رَجُلٍ، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن في الْجَنَّةِ شَجَرةً جُذُوعُها من ذهب، وفُرُوعُها منْ زَبَرْجَدِ وَلُؤْلُؤ، فتَهُبُّ لها ريحٌ فَتَصْطَفِقُ، فما يَسْمعُ السَّامعُونَ بِصَوْتِ شيءٍ قطُّ ألذَّ مِنْهُ" (٤). وقد تقدَّم عن ابن عبَّاسٍ أنَّها تُحَرِّكُها الرِّياحُ، فتتحرَّك بصَوْتِ كل لَهْوٍ كان في الدُّنْيا (٥). حديث أبي سعيد قال ابن أبي الدنيا: حدّثني إبراهيم بن سعيد، حدّثنا علي بن عاصم، حدّثنا سعيد بن أبي سعيد الخدري (٦)، عن أبيه قال: حُدّثت أن في الجنة آجامًا (٧) من قصب من ذهب، حملها اللؤلؤ، فإذا اشتهى أهل الجنة أن يسمعوا صوتًا حسنًا، بعث الله على تلك الآجام ريحًا فتأتيهم بكل صوت يشتهونه" (٨). حديث أنس ﵁ - قال ابنُ أبي الدُّنيا: حدّثنا أبو خَيْثمةَ، حدّثنا إسماعيلُ بنُ عُمَرَ، حدّثنا ابن أبي ذِئبٍ (٩)، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أنسٍ (١٠)، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن الحُورَ العِينَ ليغنِّين في

стр. 8229

الْجنَّةِ يقلن: نحنُ الْحُورُ الحِسَان، خُلِقْنا لأزواجٍ كرام" (١). حديث عبد الله بن أبي أوفَى، وهو حديث غريب قال الحافظُ أبو نُعَيْم: حدثنا محمدُ بن جَعْفرٍ منْ أصلِهِ، حدّثنا مُوسى بن هارُون، حدّثنا حامد بن يَحْيَى الْبَلْخيُّ، حدّثنا يُونس بن محمّدٍ المُؤَدِّبُ، حدّثنا الوليدُ بن أبي ثَوْر، حدّثني سعدٌ الطّائيُّ، عن عبد الرَّحمن بن سابِط، عن ابن أبي أوْفَى، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يُزَوَّجُ إلى كلِّ رَجُلٍ منْ أهْلِ الجَنّةِ أربعةُ آلاف بِكْرٍ، وثمانيةُ آلافِ أيِّم، ومَئةُ حَوْرَاءَ، فَيَجْتَمعنَ في كل سَبْعَةِ أيّامٍ، فيَقُلْنَ بأصْواتٍ حِسانٍ لم تَسْمع الخلائقُ بِمِثْلها: نَحْنُ الخالدَاتُ فلا نَبيد، ونَحْنُ النَّاعماتُ فلا نَبْأس، ونَحْنُ الرَّاضيَاتُ فلا نَسْخط، ونحنُ المُقيماتُ فلا نَظْعَن، طوبى لمنْ كان لنا، وكُنّا له" (٢). حديث ابن عمر ﵄ قال الطَّبراني: حدّثنا أبو رِفَاعةَ عُمَارَةُ بنُ وَثِيمَةَ بن مُوسى بن الفُراتِ المِصريُّ (٣)، حدّثنا سَعيدُ بن أبي مريمَ، حدّثنا محمدُ بنُ جَعْفر بن أبي كَثِيرٍ، عن زَيْدِ بن أسْلَمَ، عن ابن عُمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أزْوَاجَ أهْلِ الْجنَّةِ لَيُغَنّينَ أزْوَاجَهُنَّ بأحْسن أصْواتٍ سمَعَها أحدٌ قطُّ، إنَّ مما يُغَنِّينَ بهِ: نحنُ الخيْرأتُ الحِسَان، أزْوَاجُ قَوْمٍ كِرام، يَنْظُرْن بقُرَّةِ أعْيَان. وإنَّ ممَّا يُغَنِّينَ بهِ: نحنُ الخالداتُ، فلا نمُتْنهْ، ونحنُ الآمنات فلا نخفْنهْ، ونحنُ المُقيماتُ فلا نَظْعنَّهْ" (٤). حديث أبي أمامة ﵁ قال جعْفرٌ الفِرْيابيّ: حدّثنا سُليمان بنُ عبدِ الرَّحمنِ، حدّثنا خَالدُ بنُ يزيدَ بنِ أبي مَالكٍ، عن أبيه، عن خالدِ بن مَعْدان، عن أبي أُمَامةَ، عن رسولِ الله ﷺ ، قال: "ما منْ عَبد يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا وَيَجْلسُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرجْليْهِ ثِنْتانِ منَ الْحُورِ العِينِ تُغَنِّيَانهِ بأحْسنِ صَوْتٍ سَمْعهُ الإنْسُ والْجنُّ، وليْسَ بمزامير الشَّيْطانِ" (٥).

стр. 8230

وقال ابنُ وَهْبٍ: حدثني سعيد (١) بنُ أبي أيُّوبَ، قال: قال رَجُل منْ قريشٍ لابن شِهابٍ: هلْ في الجَنَّةِ سَمَاعٌ فإنهُ حُبِّبَ إليَّ السَّمَاعُ؟ فقال: إي وَالَّذِي نَفْسُ ابن شِهَاب بِيَدِهِ، إنَّ في الجَنَّةِ لَشَجرًا حَمْلُهُ اللُّؤلُؤ وَالزَّبَرْجدُ، تَحْتهُ جَوَارٍ ناهدات يُغنِّينَ بالْقُرْآنِ، وَيَقُلْنَ: نحنُ النَّاعِماتُ فلا نَبْأس، ونحنُ الخَالِدَاتُ فلا نمُوت، فإذا سَمِع ذلك الشَّجَرُ صَفَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فأجَبْنَ الْجَواري، فلا يُدْرى: أصْواتُ الجَواري أحْسنُ، أمْ أصْواتُ الشَّجَرِ؟ (٢). قال ابنُ وَهْبٍ: وحدّثنا اللَّيْثُ [بن سعد]، عن خالدِ بن يزيدَ: أنَّ الحُور يُغَنِّينَ أزْوَاجَهُنْ، يَقُلْنَ: نحنُ الْخَيْراتُ الحِسَان، أزْوَاجُ شَبَابٍ كِرام، ونحنُ الخَالِدَاتُ فلا نموت، ونحنُ النَّاعِمَاتُ فلا نَبْأس، ونحنُ الرَّاضياتُ فلا نَسْخط، ونحنُ المُقيماتُ فلا نَظْعن، في صَدْر إحداهُنَّ مَكْتُوبٌ: أنْتَ حِبِّي، وأنا حِبُّكَ، انْتَهَتْ نَفْسي عِنْدَكَ، لَمْ تَرَ عَيْنايَ مِثْلَك (٣). وقال ابنُ المُبَاركِ: حدّثنا الأوْزَاعيُّ، حدّثنا يَحْيى بنُ أبي كَثيرٍ: أنَّ الحُورَ العِينَ يَتَلَقَّيْنَ أزْوَاجَهُنّ عِنْدَ أبوَابِ الْجنّة، فيقُلْنَ: طَالَما انْتَظَرْناكم، نحنُ الرَّاضياتُ فلا نَسْخَط، وَالمُقيماتُ فلا نَظْعَن، والْخَالِداتُ فلا نموت، كأحسن أصوات سُمِعَتْ، وتَقُولُ: أنتَ حِبِّي وأنَا حِبُّكَ، لَيْسَ دُونكَ مَقْصِدٌ، ولا عنك معدِل، ولا وَرَاءَكَ مطلب (٤). وهذه الآثار كلها رواها ابن أبي الدنيا وغيره، وفيها نظر. وقال ابنُ أبي الدُّنيا: حدّثني إبراهيمُ بنُ سعيد (٥)، حدّثنا علي بن عاصم، حدّثني سعيد بن أبي سعيد الْحَارثيّ، قال: حُدِّثْتُ أنَّ في الجَنَّةِ آجامًا منْ قَصَبٍ منْ ذهَبٍ حَمْلُها اللُّؤلُؤُ، فإذا اشْتَهى أهلُ الجَنَّة أنْ يَسْمَعُوا صَوْتًا حَسنًا بَعَثَ اللهُ على تِلْك الآجَامِ رِيحًا فتَأْتِيهمْ بكُلِّ صَوْتٍ حَسَنٍ يَشْتَهُونَهُ. وقد تقدم هذا عن أبي سعيد الخدري، وهو وهم، والله أعلم. نوع آخر من السماع أعلى من الذي قبله ذكَرَ حمَّادُ بن سَلَمة، عن ثابتٍ البُنانيِّ، وحَجَّاجِ بن الأسْودِ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ، قال: إنَّ اللهَ يقولُ لملائكةِ يوم القيامة: إنَّ عِبادي كانوا يُحبُّونَ الصَّوْتَ الْحسنَ في الدنيا ويَدَعونَه منْ

стр. 8231

أجلي، فأسْمِعُوا عِبَادي. فيَأخذُونَ بأصْواتٍ منْ تَهْليلٍ، وتسْبيحٍ، وتَكْبيرٍ، لم يَسْمعُوا بمثلها قطُّ. وقال ابنُ أبي الدُّنيا: حدّثني دَاوُدُ بنُ عَمْرٍو الضَّبِّيّ: حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ المبارَكِ، عن مالِك بنِ أنَسٍ، عن محمدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ، قال: إذا كانَ يومُ القِيَامةِ نَادَى مُنادٍ: أيْنَ الَّذينَ كانُوا يُنزِّهون أسْمَاعَهُمْ وأنْفُسَهُمْ عن مَجالس اللَّهْوِ ومَزَاميرِ الشَّيْطانِ في الدنيا، أسْكِنُوهُمْ ريَاضَ المِسْكِ. ثم يقولُ للملائكةِ: أسْمِعُوهُمْ تَمْجيدي وتَحْميدي، وأخبروهم أن لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون (١). وقال ابنُ أبي الدُّنيا: حدّثنا دهثَم (٢) بنُ الفَضْلِ القُرشيّ، حدّثنا روَّادُ (٣) بنُ الجَرَّاحِ، عن الأوْزاعيّ قال: بَلَغني أنّهُ لَيْسَ منْ خَلْقِ اللهِ أحْسنُ صوْتًا منْ إسْرَافيلَ، فيَأمُرُهُ اللهُ فيَأخُذُ في السَّماعِ، فما يَبْقَى مَلَكٌ مقرب في السموات إلّا قَطَعَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، فَيَمْكُثُ بذلك ما شَاءَ اللهُ أنْ يَمْكُثَ، فيقولُ اللهُ : وَعِزَّتي وجلالي لوْ يَعْلمُ العِبَادُ قَدْرَ عَظَمتي ما عَبَدُوا غَيْري (٤). وحدّثني محمدُ بنُ الحُسَيْنِ، حدّثنا عبد الله بن أبي بَكْرٍ، حدّثنا جَعْفرُ بن سُلَيْمانَ، عن مَالِكِ بن دِينارِ في قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]، قال: إذا كان يَوْمُ الْقِيَامةِ أُمِرَ بمنْبَرٍ رَفيعٍ فوُضعَ في الْجَنَّةِ، ثمَّ نُوِديَ: يا دَاوُد، مَجِّدْني بذلك الصَّوْتِ الْحَسنِ الرَّخيمِ الَّذي كُنْتَ تُمَجِّدُني بهِ في دَارِ الدُّنْيا، قال: فَيَسْتَفرغُ صَوْتُ دَاوُدَ نَعيمَ أهلِ الْجَنَّةِ، فذلك قولُهُ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] (٥). نوع آخر أعلى مما عداه وهُوَ سَمَاعُهُمْ كلامَ الرَّبِّ سبحانه، إذَا خَاطَبَهُمْ في المَجَامِعِ الّتي يَجْتَمِعُونَ فيها بَيْنَ يَدَيْهِ تعالى، فيُخاطِبُ كلَّ واحِد منهم، ويُذَكرهم بأعمالِهِ الّتي سَلَفَتْ منْهُ في الدُّنيا، وكَذلك إذا تَجَلَّى لَهُمْ جَهْرة، فَسَلَّمَ عَلَيْهمْ، وَقَدْ ذَكَرْنا ذلك عند قولهِ تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] وقد سَبَقَ حديثُ جابرٍ في ذلك وهو في "سُننِ ابن مَاجَهْ" وغَيْرِه (٦). وقدْ ذكر أبو الشَّيخ الأصْبَهَانيّ، منْ طَريق صَالح بن حَيَّانَ، عَنْ عبدِ الله بن بُرَيدة، قال: إنَّ أهْل الجَنَّةِ يَدْخُلُونَ كلَّ يوم على الجَبَّار ﷻ ، فيَقرأُ عَلَيْهم الْقُرآنَ، وقدْ جَلسَ كلٌّ منهم مَجْلِسَهُ الَّذي

стр. 8232

هوَ مَجْلِسُهُ على مَنابر الدُّرِّ، والْيَاقُوتِ، والزِّبرْجَدِ، والذِّهَب، والزُّمُرُّدِ، فلمْ تَقرَّ أعيْنُهُمْ بشيءٍ، ولمْ يَسْمَعُوا شيئًا قَطُّ أعْظَمَ ولا أحْسَنَ مِنْهُ، ثمَّ يَنْصرفونَ إلى رِحَالِهمْ بأعْيُن قَريرةٍ، وأعيُنُهمْ إلى مِثْلِها منَ الغَدِ متطلعة. وروى أبُو نُعيم، منْ حَديث شُبَّان بن جَسر بن فرقد السَّبَخي (١)، عن أبيه، عن الحسن، عنْ أبي بَرْزةَ الأسْلَميّ مَرْفُوعًا: "إنَّ أهلَ الْجَنَّة ليَغْدُونَ في حُلَّةٍ، ويَرُوحُونَ في حُلَّةٍ أخرى كَغُدُوِّ أحَدِكم وَرواحِه إلى مَلِكٍ منْ مُلوكِ الدُّنْيا، كذلكَ يَغْدُونَ وَيروحُونَ إلى ربِّهمْ ، وذلك لَهُمْ بمَقادير ومَعالم يَعْلَمُونَ تلكَ السَّاعةَ الَّتي يأتُونَ فيها ربَّهُمْ (٢). وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا داود بن عمر، حدثنا عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير قال: لكل رجل من أهل الجنة سمَّاعتان يسمعانه من تقديس الله وتحميده وتكبيره بصوت لم يسمع الخلائق بمثله: نحن خيرات حسان، أزواج قوم كرام … وذكره كما تقدم. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحارث الخزَّاز، ثنا سيَّار بن حاتم، ثنا عبد الله بن عرادة الشيباني، عن القاسم بن المطلب العجلي، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: إن في الجنة حواريَّ يقرأن القرآن على شاطئ أنهار الجنة بالعربية، ينعم الله بهن أهل الجنة من أمة محمد ﷺ . وذكر ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير أنه يُرفع عن أهل الجنة قراءة القرآن إلا ﴿طه﴾ و ﴿يس﴾. ذكر خيل الجنة قال التِّرمذيّ: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمنِ، حدّثنا عَاصم بن عَلِيٍّ، حدّثنا المسْعُودي، عنْ عَلْقمةَ بن مَرثَد (٣)، عن سُلَيْمان بن بُريدَةَ، عنْ أبِيهِ: أنَّ رَجُلًا سَأل النَّبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، هل في الجَنَّةِ منْ خَيْلٍ؟ فقال: "إنِ اللهُ أدْخَلَكَ الْجنةَ فلا تَشَاءُ أنْ تُحْملَ فيها على فَرسٍ من ياقُوتة حَمْراء تطير بك في الْجنَّةِ حَيْثُ شئْتَ" قالَ: وسألهُ رَجُلٌ فقال: يارَسُولَ الله، هلْ في الْجنَّةِ منْ إبلٍ؟ قال: فلم يقُلْ له مثل ما قال لصَاحِبهِ، قال: "إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الْجنَّةَ، يكُنْ لكَ فيها ما اشتَهَتْ نَفْسُكَ، ولذَّتْ عَيْنُكَ". ثمَّ رواه عن سوَيْدٍ، عن ابن المُباركِ، عنْ سُفْيَان، عَنْ عَلْقمة، عنْ عبدِ الرحمن بن سابِطٍ، مُرْسلًا، قال: وهذا أصحَّ (٤).

стр. 8233

وقَدْ رَوى أبُو نُعَيْم في "صِفةِ الْجنَّةِ" منْ طَريقِ عَلْقمةَ بنِ مرثد (١)، عن يَحْيى بن إسْحاقَ، عنْ عَطاء بن يَسارٍ، عنْ أبي هُرَيرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "وَالفِرْدوس أعْلاهَا سُمُوًّا، وأوْسعُها مَحلًّا، وفيها تَفَجَّرُ أنْهارُ الْجنَّةِ، وَعَلَيْها يوضعُ العَرشُ يومَ القيَامة" فقَامَ إليْهِ رَجُلٌ، فقالَ: يا رسولَ الله، إنِّي حُبِّبَ إليَّ الْخَيْلُ، فهلْ في الْجنَّةِ خَيْل؟ قالَ: "إي والَّذي نَفْسي بيَدهِ، إنَّ في الجنَّةِ لَخيلًا، وإبلًا هَفَّافَة (٢)، تَزِفُّ بَين خِلَالِ وَرَقِ الْجنَّةِ، يَتزَاورُونَ عَليْها حيْث شاؤوا" (٣). وقال الترمذي: حدّثنا محمدُ بن إسماعيل بن سَمُرَة الأحمسيُّ، حدّثنا أبو مُعاويةَ، عنْ وَاصِلِ بن السَّائبِ، عنْ أبي سَوْرَةَ، عنْ أبي أيُّوبَ، قال: أتَى النبيَّ ﷺ أعْرابيٌّ، فقالَ: يا رسولَ الله إنِّي أُحبُّ الْخَيْلَ، أفي الْجنَّةِ خَيْلٌ؟ قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنْ أُدْخلتَ الْجنَّة أُتيتَ بفَرَس منْ ياقُوتةٍ لهُ جَنَاحانِ، فحُملتَ عَليهِ، ثمَّ طَارَ بكَ حَيْثُ شِئتَ". ثم ضعّف الترمذيُّ هذا الإسناد من جهة أبي سَوْرةَ ابن أخي أبي أيوب، فإنَّهُ قدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتَنْكرَ البُخاريّ حديثه هذا، والله أعلم (٤). وقال القُرطُبيُّ: وذَكَر ابنُ وَهبٍ: حدّثنا ابن زيدٍ، قال الْحَسَنُ البَصريّ: يُذْكَرُ عَنْ رسولِ الله ﷺ : "إنَّ أدْنى أهْلِ الْجنّةِ مَنزلةً الذي يركبُ في ألفِ ألف منْ خَدَمهِ من الْوِلْدَانِ المُخَلَّدِينَ، على خَيْل منْ يَاقوتٍ أحْمَر، لهَا أجْنَحةٌ منْ ذَهبٍ" ثم قرأ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]. قلت: فيه انقطَاع بَيْنَ عَبْدِ الرَّحمْنِ بن زيدٍ -وَهُو ضَعيفٌ- وَبينَ الْحَسَنِ، ثمّ هُوَ مُرْسلٌ. وروى أبو نُعيم، عنْ أبي أيُّوب مرفُوعًا: "إنَّ أهْلَ الْجنّةِ ليَتَزَاوَرُونَ على نجائب بيضٍ، كأنَّها اليَاقُوتُ، وليسَ في الْجَنّةِ منَ البهائم إلا الخَيْلُ والإبلُ" (٥). وقال عبد الله بن الْمُبارَكَ: حدّثنا هَمَّامٌ، عنْ قتَادَة، [عن أبي أيوب]، عن عبد الله بن عَمْرو، قال: "في الْجَنّةِ عِتَاق الْخَيْلِ وكرائم النّجائب، يركبُها أهْلُها" (٦). وهذه الصيغَةُ لا تدُل على حَصْر كما دَلَّ عليْهِ رِوَايةُ أبي نُعيم في حَديث أبي أيُّوب، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بما رواه ابن ماجهْ في "سُنَنِهِ" عنْ [عبد الله] بن عُمَر، أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "الشَّاةُ منْ دَوابِّ الجَنّةِ". وهذا مُنْكرٌ أيضًا (٧).

стр. 8234

وفي "مُسْنَدِ البَزَّارِ" عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أحْسِنُوا إلى المِعْزى، وَأمِيطُوا عَنْهَا الأذَى، فإنَها منْ دَوَابِّ الجنّةِ" (١). وقال أبو الشَّيْخِ الأصْبَهَانيّ: حدّثنا القاسمُ بن زكَرِيَّا، حدّثنا سُوَيْدُ بنُ سَعيدٍ، حدّثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوية، عن الحَكَم بن أبي خالدٍ، عن الحَسنِ البَصْريّ، عن جابر بن عبد اللهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا دَخَلَ أهْلُ الْجنّةِ الجَنّةَ، جَاءَتْهُمْ خُيُولٌ منْ يَاقُوتٍ أحمر، لها أجْنِحَةٌ، لا تَبُولُ ولا تَرُوثُ، فقَعدُوا عليها، ثمَّ طَارَتْ بهم في الجَنّةِ، إلى حيث شاء الله من سلطانه، فيَتَجَلَّى لهُمُ الجَبَّارُ تعالى، فإذا رَأوْهُ خَرُّوا لهُ سُجَّدًا، فيقولُ لهم الجبَّارُ تعالى: ارْفعُوا رؤُوسَكم، فإنَّ هذا ليسَ بيَوْمِ عَمَلٍ، إنَّما هو يَوْمُ نَعيمٍ وكَرامةٍ، فيَرْفَعُون رؤوسَهُمْ، فيُمْطِرُ اللهُ عَليْهمْ طِيبًا، فيَمُرُّون بكُثْبَانِ المِسْكِ، فيَبْعَثُ الله على تِلْك الكثْبانِ ريحًا، فَتَهيجُها عَليْهمْ حتَّى إنَّهُمْ ليَرْجِعُون إلى أهْلِيهمْ وَإنَّهُمْ لشُعْثٌ غُبْرٌ" (٢). وقال ابنُ أبي الدُّنيا: حدّثني الفَضْلُ بن جعْفَرٍ، حدّثنا جعْفرُ بنُ جَسْر (٣)، حدّثنا أبي، عن الْحَسنِ بنِ عَلِيّ، عن عليّ ﵄ قال: سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ في الْجنَّةِ لَشَجرةً يَخْرُجُ منْ أعْلاها حُلل، ومن أسْفَلِها خَيْلٌ منْ ذهبٍ، مُسْرَجَةٌ مُلْجمةٌ بلجم منْ دُرٍّ ويَاقوتٍ، لا تَرُوثُ ولا تَبُولُ، لها أجْنِحةٌ، خَطْوُها مَدُّ بَصَرِها، فيركبها أهْلُ الْجنَّةِ فتَطيرُ بهمْ حَيْثُ شَاؤوا، فيقولُ الَّذين أسْفَلَ مِنْهُمْ دَرَجةً: يا رَبِّ، بم بَلَغَ عِبَادُكَ هذه الكَرامةَ كُلَّها؟ فيقال لهمْ: كانُوا يُصَلُّون اللَّيْلَ وكُنْتُمْ تنَامُونَ، وكانوا يَصُومُونَ وكُنْتم تأكُلُونَ، وكانوا يُنْفِقُونَ وَكُنْتم تَبْخَلون، وكانوا يُقاتِلُون وكُنْتم تَجْبُنُون" (٤). ذِكر تزاور أهل الجنَّة بعضهم بعضًا وتذاكرهم أمورًا كانت بينهم في الدنيا من طاعات وزلَّات قال الله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٨]. وقال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ … ﴾ الآيات إلى قوله ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ [الصافات:٥٠ - ٦٢]

стр. 8235

قال أبو بكْرِ بنُ أبي الدُّنْيا (١): حدّثنا سَلَمةُ بنُ شَبيبٍ، حدّثنا سعيدُ بنُ دِينارٍ، عن الربيع بن صَبيح، عن الْحَسَنِ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا دَخَلَ أهْلُ الْجنّةِ الْجَنَّةَ، فَيَشْتاقُ الإخْوَانُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، فيَسيرُ سَريرُ هذا إلى سَريرِ هذا، حتَّى يَجْتَمِعَا جميعًا، فيقُولُ أحدُهما لِصَاحِبِهِ: تَعْلمُ مَتى غَفَرَ اللهُ لنا؟ فيقُولُ صَاحِبُهُ: كُنَّا في مَوْضِع كذا [وكذا]، فَدَعَوْنا اللهَ فغَفَر لَنا" (٢). وأما قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ [الصافات] وهذا القرينُ يَشْملُ الجِنِّيَّ وَالإنْسِيَّ، يقُولُ: كانَ يُوَسْوِسُ لي بالْكُفْرِ والمعاصي واسْتِبْعادِ أمْرِ المَعَادِ، فبرحمة الله [ونعمته] نجوتُ منْهُ، ثم أمرَ أصْحابَهُ أن يطلعوا معه على النَّارِ، لينظر ما حالُ قرينه ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ أي في غَمَراتِها يعذب، فحَمِدَ اللهَ على نَجاته مما قرينه فيه من العذاب. ثم قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي معك فيما أنت فيه من العذاب، ثئم ذكرَ الغِبْطَةَ الّتي هو فيها، وَشَكَرَ الله [عَلَيْها]، فقال: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي أما قد نَجَوْنا منَ الموْتِ والعَذابِ بدُخُولنا الجنَّة؟ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقولهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ يَحْتملُ أن يكونَ منْ تمامِ مقالةِ المؤمن، ويَحْتملُ أن يكونَ منْ كلام اللهِ ، حثًّا لعباده على مثل هذا الفوز، وليتنافس المتنافسون في الفوز عنده من النار، ودخول الجنة، لا موت فيها. وَلهذا نَظائرُ كثيرةٌ، قد ذكرناها في"التَّفسيرِ". وذكرنا في أوَّلِ "شرحِ البُخاريّ" في كتابِ الإيمانِ حديثَ حَارثَةَ حينَ قالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ أصْبَحْتَ يا حارثة؟ " فقال: أصْبَحْتُ مُؤْمنًا حَقًا، قال: "فما حقيقةُ إيمانِكَ؟ " قال: عَزَفَتْ نَفْسي عنِ الدُّنيا، فأسْهَرْتُ ليلي، وَأظْمَاتُ نهاري، وكأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ ربِّي بَارِزًا، وإلى أهْلِ الجَنَّةِ يَتَزَاورُونَ فيهَا، وإلى أهلِ النَّارِ يُعذَّبُونَ فيها، فقال ﷺ : "عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ" (٣). وقال سُليمانُ بنُ المُغيرَةِ، عن حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ قال: بَلغنا أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَزُورُ الأعْلَى الاْسْفَلَ، ولا يزُورُ الأسْفَلُ الأعْلى. قُلتُ: وهذا يَحْتملُ مَعْنَيَيْنِ: أحدُهما: أنَّ صاحبَ المرتبة السَّافِلةِ لا يَصْلُحُ لهُ أنْ يَتَعدّاها، لأنه لَيْسَ فيهِ أهْليَّةٌ لذلك. الثاني: لِئَلا يَرَى منَ النَّعيمِ فَوْقَ ما هُو فيهِ، فَيَحْزنَ لذلك، وَذلك أنه لَيْسَ في الْجنَّةِ حُزْنٌ، والله أعلم.

стр. 8236

وقد وَرَد ما قالَهُ حُمَيْدُ بنُ هلالٍ في حديث مرفوعٍ، وفيه زيادة على ما قالَ. فقال الطَّبرانّي: حدّثنا الحسين (١) بن إسْحاقَ، حدّثنا سهل (٢) بن عُثْمانَ، حدّثنا المُسَيَّبُ بن شَريكٍ، عن بِشْرِ بن نُمَيْرٍ، عن القاسم، عن أبي أُمامَةَ، قال: سُئلَ رسولُ الله ﷺ : أيَتَزَاوَرُ أهْلُ الْجنَّةِ؟ قال: "يَزُورُ الأعْلَى الأسْفَلَ، ولا يَزُورُ الأسْفلُ الأعْلى، إلّا الّذين يَتَحابُّونَ في اللهِ تعالى، فإنهم يأتُونَ منْها حَيْثُ شَاؤوا، على النُّوقِ، مُحتَقبين (٣) الْحَشَايا" (٤). وقال ابنُ أبي الدُّنيا: حدّثنا حَمْزةُ بنُ العَبَّاسِ، حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عُثْمانَ، حدّثنا عبدُ اللهِ بن المُبارك، حدّثنا إسْماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، حدّثني ثَعْلبةُ بن مسلم، عن أيُّوبَ بنِ بشيرٍ (٥) العِجْليِّ، عن شُفَيِّ بن مانعٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ منْ نعيم أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهُمْ يَتزاورُونَ على الْمَطَايَا وَالنُّجُبِ، وأنَّهُمْ يُؤْتَون في الْجَنَّةِ بِخَيْلٍ مُسْرَجةٍ مُلْجَمَةٍ، لا تَرُوثُ، ولا تَبُولُ، فيَرْكَبُونها حتَّى يَنْتَهوا حيثُ شاء اللهُ ، فَتأتيَهمْ مِثْلَ السَّحابةِ، فيها ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، فيقولُون: أمْطِري عليْنا، فما يزالُ المَطرُ عليْهمْ حتَّى يَنْتَهيَ ذلك فوق أمَانِيهمْ، ثمَّ يَبْعثُ اللهُ ريحًا غَيْرَ مُؤذيةٍ، فتنسف كُثبانًا منْ مِسْكٍ عنْ أيْمانِهِمْ وعنْ شَمائِلهمْ، فيَأخُذُ ذلك المِسْكُ في نَوَاصي خُيُولهمْ، وفي معارِفها، وفي رُؤُوسِهمْ، وثيابهم، ولكلِّ رَجُل منْهُمْ جُمَّةٌ على ما اشتَهَتْ نَفْسُهُ، فَيَتَعلَّقُ ذلك المِسْكُ في تِلْكَ الجِمَامِ، وفي الخَيْلِ، وفيما سِوَى ذلك منَ الثِّيَابِ، ثمَّ يَنْقَلبُونَ حتَّى يَنْتَهوا إلى ما شاء الله ، فإذَا المَرْأةُ تُنَادي بَعْضَ أولئكَ: يا عبد اللهِ، أمَا لكَ فينا حَاجةٌ؟ فيقولُ: ما أنْتِ؟ ومنْ أنْتِ؟ فتقول: أنا زَوْجَتُكَ وحِبُّكَ، فيقُولُ: ما كنْتُ عَلِمْتُ بمكانِكِ، فتقولُ: أما تَعْلمُ أن الله تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فيقُولُ: بلى وَرَبِّي، فلَعلّهُ يشتغل عنْها بعد ذلك الوقتِ أرْبعينَ خَريفًا لا يَلْتَفتُ، ولا يَعُودُ، ما يَشْغَلُه عنْها إلّا ما هو فيهِ منَ النَّعيمِ، وَالكرَامَة". وهذا حديثٌ مُرسل غريب جدًّا، والله أعلم (٦). وقال ابن المُباركِ: حدّثنا رِشْدينُ بنُ سَعْدٍ، حدّثني ابنُ أنْعُم (٧)، عن أبي هُريرةَ، قال: إنّ أهْلَ

стр. 8237

الجَنَّةِ لَيَتزَاورُونَ على العيسِ الخُورِ (١)، عَلَيْها رِحال المَيْس (٢)، تُثيرُ منَاسِمُها (٣) غُبَارَ المِسْكِ، خِطامُ أوْ زِمَامُ أحدِهَا خيرٌ منَ الدُّنيا ومَا فيها (٤). ورَوَى ابنُ أبي الدُّنيا منْ طريقِ إسماعيل بن عَيّاشٍ، عن عُمَر بن محمدٍ، عن زَيْدِ بنِ أسْلَم، [عن أبيه]، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنّهُ سألَ جِبْريلَ عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] قال: هُم الشُّهَدَاءُ يَبْعَثُهُم اللهُ مُتَقَلّدين أسْيَافهُمْ حَوْلَ عَرْشِهِ، فأتاهُمْ مَلائكَةٌ من المَحْشَرِ بِنَجَائبَ منْ يَاقُوت أزِمَّتُها الدُّرُّ الأبْيَضُ، بِرِحَال الذّهَبِ، أعِنّتُها السُّنْدُس وَالإسْتَبْرق، ونَمَارِقُها منَ الحريرِ، تَمُدُّ خُطاها مَدَّ أبْصَارِ الِّرجَالِ، يسيرُونَ في الجنّةِ على خُيُولٍ، يقُولُون عِنْدَ طُولِ النزهةِ: انْطَلِقُوا بنا ننْظُرْ كيفَ يَقْضي اللهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، يَضْحكُ اللهُ إليهم، وإذا ضَحِكَ الله إلى عَبْدٍ فلا حِسَابَ عليه (٥). وقال أبو بكْرِ بن أبي الدُّنيا: حدّثنا أبو مُوسى، إسْحاقُ بن إبراهيمَ الهَرَويّ، حدّثنا القاسِمُ بن يزيدَ الْمَوْصليّ، حدّثني أبو إلياسَ، حدّثني مُحمدُ بنُ عَليِّ بن الْحُسَين [ح] وَرَوى أبو نُعيم منْ حَديثِ الْمُعَافى بنِ عمران: حدّثنا إدريسُ بن سِنَانٍ، عن وَهْب بنِ مُنَبِّهٍ، عن محمد بنِ عليٍّ، قال إدريسُ: ثمَّ لَقيتُهُ، فَحدّثني، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن في الجنّةِ شَجَرَةً يُقال لها: طُوبَى. لوْ سخَّرَ الجَوادَ الرَّاكبُ أنْ يسيرَ في ظِلِّها لَسَارَ فيه مِئةَ عامٍ، وَرَقُها بُرُودٌ خُضْرٌ، وزَهْرُها رِيَاطُ (٦) صُفْرٌ، وأقْناؤُها (٧) سُنْدُسٌ وَإسْتَبْرقٌ، وَثمرُها حُلَلٌ، وصَمْغُها زَنْجَبيلٌ وعَسَلٌ، وبَطْحَاؤُها ياقُوتٌ أحمَرُ وزُمُزُّدٌ أخْضر، وَتُرَابُها مِسْكٌ، وحَشيشُها زَعْفَرانٌ مُونِعُ (٨)، والألْنَجُوجُ (٩) يفوح منْ غير وَقُودٍ، ويتفجر منْ أصلِها السَّلْسَبيل وَالرَّحيق، وظِلُّها مَجْلسٌ منْ مَجَالس أهْل الجنَّة يَألَفُونهُ، ومُتَحدَّثٌ لِجميعِهِمْ، فبَيْنما هُمْ يَوْمًا يَتَحَدَّثونَ في ظِلِّها، إذْ جَاءَتْهُم الملائكةُ يَقُودُون نَجَائبَ منَ اليَاقُوتِ قد نُفِخَ فيهَا الروح مزمومة بسلاسِلَ منْ ذَهَبٍ، كأنّ وُجُوهَها المصابيحُ نَضَارةً وحُسْنًا، وبَرها خَزٌّ أحمرُ، ومِرْعِزَّى (١٠) أبْيضُ، مختلطان لم يَنْظرِ النَّاظِرُونَ إلى مِثْلِها، عَلَيْها رحائل ألواحها منَ الدُّرِّ والياقُوتِ، مُفَضَّضَةٌ باللُّؤلُؤ، والمَرْجانِ، صفائحها من الذهب الأحمرِ، مُلَبَّسٌ بالعَبْقريّ وَالأُرْجوانِ، فأناخُوا لهم تِلْكَ النُّجُب ثمَّ

стр. 8238

قالوا لهم: إنّ ربَّكم يُقْرِئُكم السَّلام، ويَسْتَزيركم لِيَنْظُرَ إليكم وتَنْظُرُوا إليْهِ، وتُحيُّونهُ ويُحَيِّيكم، ويُكَلّمَكُمْ وتُكَلّمُونهُ، ويَزيدكم منْ فَضْلهِ، إنّهُ ذُو رَحْمةٍ وَاسعَةٍ، وفَضْلٍ عَظيم. فيَتَحَوَّلُ كلُّ رجُلٍ منْهُمْ على رَاحِلِتهِ، ثمَّ انْطَلَقُوا صفًا وَاحدًا مُعْتَدلًا، لا يَفُوت منْهُ شيءٌ شَيئًا، ولا يفُوتُ أذُنُ ناقةٍ [أُذُنَ] صَاحِبَتِها، ولا يَمُرُّونَ بِشَجَرَةٍ منْ أشْجَارِ الجنّةِ إلّا أتْحَفَتْهُمْ من ثمرها، ورحلَتْ لهمْ عنْ طَرِيقِهمْ كَرَاهيَةَ أنْ تَثلَم صَفَّهُمْ، أوْ تفرِّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَرَفِيقهِ، فلمَّا رُفعُوا إلى الجبَّارِ تعالى، أسفر لهم عن وجْهِهِ الكريمِ، وتجلَّى لهم في عَظَمَتِهِ العظيمُ، فحيَّاهم بالسلام فقالوا: رَبّنا أنتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، ولكَ حقُّ الجلالِ وَالإكرامِ، فقال لهم ربُّهمْ : إنِّي أنا السَّلامُ، ومِنِّي السَّلامُ، ولي حقُّ الجلالِ والإكرامِ، مَرْحبًا بِعِبادي الَّذين حَفِظُوا وَصِيتي، ورعَوْا حَقّي، وخَافُوني بالْغَيْبِ، وكانوا منِّي على كل حَالٍ مُشْفِقين، قالوا: وعِزَّتِكَ وجَلالِك وَعُلُوِّ مَكانِكَ ما قدَرْنَاكَ حَقَّ قَدْرِكَ، وما أدَّيْنا إليْكَ كلَّ حَقّكَ، فأْذَنْ لنا بالسُّجُودِ لك، فقال لهم ربُّهُمْ: إنِّي قد وَضَعْتُ عنْكم مُؤْنَةَ العِبَادَةِ، وأرَحْتُ لكم أبْدَانَكم، فطَالَما أنصبتم لي الأبْدَانَ، وأَعْنَيْتُم لي الوُجُوه، فالآن أفَضيْتُمْ إلى رَوْحِي وَرحْمَتي وكَرامَتي، فَسَلُوني ما شِئْتُمْ، وتَمَنَّوْا عليّ أعظمَ أمَانِيِّكم، فإني لَنْ أجْزِيَكم اليوْمَ بقَدْرِ أعمالِكم، ولكنْ بقَدرِ رحمتي، وفضلي، وكرامتي، وطَوْلي، [وعُلُوِّ مكاني، وعَظَمةِ شأني]، فما يَزَالُونَ في المسَألة والأماني، والعَطايا، والمواهبِ، حتَّى إنَّ الْمُقَصِّر في أُمْنِيتِهِ لَيَتَمنَّى مِثْل جميعِ الدُّنيا مُنْذُ خلقها الله تعالى إلى يومَ أفْناها، فقال لهم ربُّهمْ: لقدْ قَصَّرْتُمْ في أمانيكم، ورَضِيتُمْ بدُونِ ما يَحِقُّ لكم، فقد أوْجَبْتُ لكم ما تَمَنيْتُمْ وسَألْتُمْ، وألْحَقْتُ بكم ذُرِّيتكم، وِزِدْتُكم أضعاف ما قَصَّرَتْ عَنْهُ أمَانيكم". وهذا مُرسَلٌ ضعيفٌ، غريبٌ جدًا، وفيه ألفاظ منكرة (١) وأحسنُ أحوالِهِ أن يكونَ منْ كلام بعض التابعين، أو منْ كلام بَعْضِ السَّلَفِ، فَوَهمَ بعضُ رُواتِه، فجَعلهُ مَرْفوعًا، وليْسَ كذلك، والله أعلم. ذكر أول من يدخل الجنة وهو رسول الله ﷺ قبل الأنبياء كلِّهم ثم أمته قبل الأمم. كما ثَبَتَ ذلك في "صَحيح مُسْلِم" [منْ حَديثِ المختارِ بن فُلْفُلٍ] عنْ أنَسٍ، قال رسولُ الله ﷺ : "أنَا أوَّلُ منْ يَقْرَعُ بابَ الْجَنَّةِ" (٢). وعندهُ أيضًا عنه: أنَّ رسولُ الله ﷺ قال: "إني آتي بَاب الْجنَّةِ فأسْتَفْتِحُ، فيقُولُ الخَازِنُ: منْ أنتَ؟ فأقولُ: أنا مُحمَّدٌ، فيقُولُ: بكَ أُمِرْتُ ألّا أفْتَحَ لأحَدٍ قبْلك" (٣).

стр. 8239

وقال أحمدُ: حدّثنا عَبدُ الله بن مُحَّمدٍ، حدّثنا شَريكٌ، عنْ أبي إسْحاقَ، عن السَّائبِ بن مَالكٍ، عنْ عبْدِ الله بن عمْرٍو قال: قَال رسولُ الله ﷺ : "اطَّلَعْتُ في الجَنّةِ فَرَأَيْتُ أكثر أهلِها الفُقَراءَ، واطَّلَعْتُ في النَّار فرأيتُ أكْثَر أهْلِهَا الأغْنِيَاءَ، وَالنِّسَاءَ" (١). وقال أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ: حدّثنا يَزيدُ بنُ هارُونَ، حدّثنا هِشَامٌ الدَّسْتُوائيُّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عنْ عامر العُقَيليّ، عنْ أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عُرِضَ عليَّ أوَّلُ ثلاثةٍ منْ أُمَّتي يدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وأولُ ثلاثةٍ يدْخُلُونَ النَّار، فأمَّا أولُ ثلاثةٍ يدْخلُونَ الجَنةَ: فالشَّهيدُ، وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ لم يَشْغَلهُ رِقُّ الدُّنيا عنْ طاعةِ ربِّه، وفقيرٌ مُتعفِّفٌ ذُو عِيَال، وأما أولُ ثَلاثةٍ يدْخلُونَ النَّار: فأميرٌ مُسَّلطٌ، وذُو ثرْوةٍ من المَال لا يؤَدِّي حقَّ الله منْ مالهِ، وفَقيرٌ فَخُورٌ". وكذا رواه أحمد، عنْ إسماعيل بن عُليَّةَ، عنْ هشَام. وأخْرَجهُ التِّرمذيُّ منْ حَديثِ علي بن المباركِ، عنْ يَحْيىَ بن أبي كثيرٍ، وقال: هذا حَديثٌ حَسن (٢). وفي حديث غالبٍ القَطَّانٍ، عن الْحسن، عنْ أنَسٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا وَقفَ العِبَادُ للْحِسَاب جَاء قوْمٌ واضِعُو سُيُوفِهِم على رِقَابهمْ تَقْطُرُ دَمًا، فازْدَحَمُوا على بَابِ الجَنّةِ، فقيل: من هؤلاء؟ قالوا: الشُّهَداءُ، كانوا أحْياءً يُرْزقُونَ، ثمَّ نَادَى مُنادٍ: لِيَقُمْ منْ أجْرُه على الله فليَدْخُلِ الْجنة، ثمَّ نادَى الثانية: لِيَقُمْ منْ أجْرهُ على الله فَليَدخُل الْجَنَّةَ، قالوا: ومن الذي أجره على الله؟ قال: العافون عن الناس، ثم نادى الثالثة: ليقم من أجره على اللّه فليدخل الجنة، فقام كذا وكذا ألْفًا، فدخلوا بغَيْر حِسَاب" (٣). وفي حديثِ حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عنْ سَعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباس، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أولُ منْ يُدْعى إلى الْجنَّةِ يوم القِيامةِ الْحمَّادُونَ الَّذين يَحْمَدُونَ الله في السرَّاء والضَّرَّاء (٤). وثبت في "الصحيحين"، و "سنن النسائي" واللفظ له، من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون الأوَّلون يوم القيامة، نحن أول الناس دُخولًا الجنة … " الحديث بطوله (٥).

стр. 8240

وفي "صحيح مسلم" عنه، عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون الأوَّلون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة" (١). وروى الحافظ الضياء من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الزهري، عن سعيد بن المسيَّب، عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الجنة حُرِّمت على الأنبياء كُلِّهم حتى أدخلها، وحُرِّمت على الأمم حتى تدخل أمتي" (٢). وفي"سنن أبي داود"، من حديث أبي خالد الدالاني، عن أبي خالد مولى [آل] جَعْدة، عن أبي هريرة قال: "أتاني جبريل [فأخذ بيدي] فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي" فقال أبو بكر: يارسول الله وَدِدتُ أني كنتُ معك حتى أنظرَ إليه، فقال رسول الله ﷺ : "أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي" (٣). وتقدَّم في "الصحيح": "أدخِل من لا حساب عليه من أمتك، من الباب الأيمن [من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس [في] سائر الأبواب" (٤). وقد تقدم في الحديث الصحيح: "مَنْ أنفق زوجين من ماله في سبيل الله، دُعِي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانية أبواب … " الحديث بطوله (٥). وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد قال: "للجنة ثمانية أبواب، منها باب يُسَمَّى الرَّيَّان، لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا منه أُغلق فلم يدخل منه أحد غيرهم" (٦). باب جامع لأحكام تتعلق بالجنة وأحاديث شتى وودت فيها قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ

стр. 8241

شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] (١) أي أنَّ الله تعالى يرفعُ دَرَجةَ الأولاد في الجَنّةِ إلى دَرَجةِ الآباء، وإنْ لم يعْمَلوا بعَملهمْ، ولا يَنْقصُ الآباءَ منْ أعمالِهمْ، حتَّى يَجْمعَ بينهمْ في الدَّرجةِ العالية لِيُقرَّ أعينهم باجتماعهم هم وذرياتهم. قال الثّوريّ، عن عمرو بن مُرَّة، عنْ سَعيدِ بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس، قال: إنَّ الله ليرفعُ ذُرِّية الْمُؤْمنِ في دَرَجتهِ، وإنْ كانُوا دُونهُ في العَمل ليُقرّ بهم عَيْنهُ، ثمّ قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. هكذا رواهُ ابن جرير، وابنُ أبي حَاتم، في "تفْسِيريهما" عن الثَّوْري مَوقُوفًا، وكذا رواهُ ابن جَرير، عنْ شُعْبَةَ، عنْ عَمْرو بن مرة، عن سعيدٍ، عنِ ابْن عَبَّاس مَوقوفًا، ورواه البزَّار في "مُسْنَدِه" وابن مَرْدَويهِ في "تفسِيره" منْ حدِيثِ قَيْسِ بن الرَّبيع، عن عَمرو، عنْ سعيد، عن ابْن عَبَّاسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وروايةُ الثوري وشُعْبة في الوقف أثْبَتُ، والله أعلم (٢). وروى ابن أبي حاتم من حديثِ الليْثِ، عنْ حَبيب بن أبي ثابتٍ، عنْ سَعيد بن جُبَيْر، عنِ ابن عبَّاس في هذهِ الآية، قال: هم ذُرِّيةُ المُؤْمن يمُوتُونَ على الإيمان، فإنْ كانتْ منازلُ آبائهمْ أرْفَعَ منْ منَازِلهمْ ألْحقُوا بآبائهم، ولمْ يُنْقَصُوا منْ أعمالهم التي عملوا شيئًا. وقال الطَّبرانيّ: حدّثنا الحسين بنُ إسحَاقَ التُّسْتَريّ (٣)، حدّثنا مُحمَّد بن عبد الرَّحمن بن غَزْوَانَ، حدّثنا شَريكٌ، عنْ سَالم الأفْطَسِ، عنْ سَعيد بن جُبَيْر، عنِ ابْن عباس، أظُنُّه عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا دَخل الرَّجُلُ الْجَنَّةَ سَأل عنْ أبويْه وزَوْجَتِهِ ووَلدهِ، فيقالُ: إنهمْ لم يَبْلُغوا درَجَتك، فَيَقُولُ: يا ربِّ، قدْ عملتُ لي ولهمْ، فيُؤْمَر بإلحَاقهمْ بهِ" وقَرَأ ابن عبَّاسِ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ … ﴾ الآية (١) " (٤). وقال العَوفيّ، عنِ ابن عبَّاس في هَذِه الآية: وَالذين أدْرَكَ ذُرِّيَّتُهُم الإيمانَ فعَملوا بطاعتي ألْحَقْتُهُم بإيمانهم إلى الجنَّةِ، وأولادُهُم الصِّغَارُ تُلْحقُ بهمْ. وهذا التَّفسيرُ هوَ أحدُ أقوَالِ العُلَماء في مَعْنى الذُّرِّيةِ هنا: أهُمُ الصِّغارُ فَقط، أو يشملُ الصِّغارَ وَالْكبَارَ أيضًا، كقَولهِ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ .. ﴾ الآية [الأنعام: ٨٤]، وقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] وقال ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]

стр. 8242

فأطْلَقَ الذُّرِّيةَ على الكِبَار، كما أطْلَقها على الصِّغارِ، وتَفْسيرُ العَوْفيّ عنِ ابْنِ عبَّاس يَشْمَلُهُما، وهو اختيارُ الْوَاحديّ وغيره. وهذا إنما هو إلى الله ، فإن الخير في يديه، والخَلْق له والأمر له، وهذا القول مَحْكيّ عن الشَّعْبيّ، وأبي مِجْلَزٍ، وسَعيد بن جُبَيْر، وإبراهيم النَّخَعي، وقتادةَ، وأبي صالح، والرَّبيع بن أنَسٍ، وهذَا من فضل الله ورَحْمته على الأبْنَاء بِبَرَكةِ عَملِ الآباء، فأما فَضْلُهُ على الآباء بِبَرَكةِ دُعاء الأبناء، فَقدَ قالَ الإمامُ أحمدُ: حدّثنا يَزيدُ، حدّثنا حمادُ بن سَلَمة، عنْ عَاصِم بن أبي النَّجُودِ، عنْ أبي صَالح، عنْ أبي هرَيرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله لَيَرْفعُ الدَّرَجةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِح في الْجنَّة، فيَقُولُ: يا رَبِّ أنّى لي هذه؟ فيَقُولُ: بِاسْتِغْفارِ وَلدِكَ لكَ". وهذا إسنادٌ صحيحٌ، ولم يُخَرَّجْهُ أحدٌ منْ أصْحابِ الكُتبِ (١) وَلكِنْ لهُ شاهِد في "صحيحِ مسلم"، عنْ أبي هُرَيرَةَ، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "إذا مات ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَملُهُ إلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَاريةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفعُ بهِ، أو وَلدٍ صَالح يَدْعُو لهُ" (٢). ذكر دخول الفقراء الجنَّة قبل الأغنياء قال أحمد: حدثّنا عفّان، حدّثنا حمّاد بن سَلَمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "يدخلُ فُقراءُ الْمُسْلمينَ الْجَنَّةَ قَبْل أغْنِيَائهمِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وهُوَ خَمْسمئةِ عام". وأخرجه الترمذيّ، [وابن ماجه]، من حديث محمد بن عمرو، وقال] الترمذيّ]: حسن صحيح. وله طرق عن أبي هريرة، [فمن ذلك مارواه الثوريّ، عن محمد بن زيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة]، عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ فُقَراءَ الْمُؤْمنينَ يَدْخُلُونَ الْجنَّةَ قَبلَ أغْنِيائهمْ بِنِصْفِ يوم، وذلك خمسمئة عام … " [الحديث بطوله] (٣). وقال أحمد: حدّثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حَيْوة هو ابن شُرَيْح، أخبرني أبو هانئ؛ أنّه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِيّ، يقول: سمعت عبد الله بن عمرٍو يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنّ فُقَراءَ المُهاجرينَ يَسْبقُونَ الأغْنياءَ يَوْم القيامة" يعني إلى الجنّة "بأرْبَعِين خَرِيفًا".

стр. 8243

وكذا رواه مُسلم، من حديث أبي هانئ حُمَيْد بن هانئ، به (١). وقال أحمد: حدّثنا حسين، هو ابن محمد، حدّثنا داود، هو ابن نافع (٢)، عن سلم بن بشير (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: [قال رسول الله ﷺ ]: "الْتَقَى مُؤْمنانِ على بابِ الجَنّة، مؤْمن غَنيٌّ، ومُؤْمنٌ فَقير، كانا في الدُّنيا، فأُدْخِلَ الفَقيرُ الجَنَّةَ، وحُبِسَ الغَنيّ ما شاء الله أنْ يُحْبَس، ثم أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَلَقيهُ الفَقيرُ، فقال: يا أخي، ماذا حبسك؟ والله لَقَدِ احْتبسْتَ حتَّى خِفْتُ عَلَيْكَ، فيقول: أيْ أخي، إني حُبِسْتُ بَعْدَكَ مَحِبسًا فَظيعًا كريهًا، ما وَصلْتُ إلَيْكَ حتَّى سال منِّي منَ العَرق ما لوْ وَرَدهُ ألْفُ بعيرٍ كُلُّها أكلَت حَمْضًا لصَدَرَتْ عنْهُ رِواءً" (٤). وثبت في "الصحيحين" من حديث أبي عثمان النَّهديّ، عن أسامة بن زيد؛ أن رسول الله ﷺ قال: "قمتُ على باب الجنَّة؛ فإذا عَامَّةُ منْ دَخَلها المَساكينُ، وقمتُ على باب النار، فإذا عامَّةُ منْ دخَلَها النِّساء" (٥). وفي "صحيح البخاريّ" من حديث سَلْم (٦) بن زَرِيْر، عن أبي رجاء، عن عمران بن حُصَيْن .. ، مِثْله. ورواه عبدُ الرزّاق، عن معْمَر، عن قتادة، عن أبي رجاء؛ عِمْران بن مِلْحَان، عن عمران بن حُصَيْن، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نَظَرْت في الجنَّة فرأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفُقَراءَ، ونظرتُ في النار فرأيْتُ أكْثرَ أهْلِهَا النساء" (٧). وروى مسلم عن شيبان بن فَرّوخ، عن أبي الأشهب، عن أبي رجاء، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ اطّلع في النار فرأى أكثر أهْلِها النساءَ، واطلع في الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراء (٨). وقال [أحمد: ثنا] عبد الله بن محمد، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن السائب بن مالك، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر

стр. 8244

أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء" (١). وتقدم باقيه، من حديث ابن أبي شيبة: "عُرِض عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة … " إلى آخره، وهو [في] الذين يحمدون الله في الشَّرَّاء والضَّراء (٢) … الجامع لأحكام الجنة. فصل والجنةُ وَالنّارُ مَوْجُودتانِ الآنَ، فالْجَنَّةُ مُعدَّةٌ لِلمُتَّقينَ، والنّارُ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرينَ، كما نَطَقَ بِذَلكَ الْقُرآنُ العَظيمُ، وَتَواتَرت بذلِك الأخْبَارُ عن رَسُولِ رَب الْعَالَمينَ، وهذَا اعتِقَادُ أهْلِ السُّنةِ وَالْجَماعةِ ﵏ أجمعين، الْمُتَمسِّكينَ بالعُرْوة الْوُثْقَى، وهيَ السُّنةُ الْمُثْلَى إلى قيَام السَّاعة، خِلافًا لمن زَعَم أنَّهما لم يُخلقا بَعدُ وإنَّما يُخْلقانِ يوم القيامَةِ، وهذا القوْلُ قاله منْ لمْ يَطَّلعْ على الأحَادِيث الصحيحة المتَّفقِ على صحتها وإخراجها، والْحَسَنةِ، ممَّا لا يُمْكنُ دَفْعُهُ ولا رَدُّهُ، لِتَوَاتُرهِ واشْتِهَارِهِ، وقد ثبت في "الصَّحيحين"، وغَيْرِهما منْ كُتُب الإسْلامِ الْمُعْتمَدةِ الْمَشهُورة بالأسانيدِ الصَّحيحةِ. قال الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمرن: ١٣٣]. وقال ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٧]. وقال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٢٤]. وقال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، دُخْرًا، بَلْهَ ما أطلعكم عليه" (٣). وفي "الصحيحين" من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات، عُرِض عليه مقعده بالغداة والعَشيِّ، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة" (٤). وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود قال: "أرواح الشهداء في حواصل طَيْرٍ خُضْرٍ، لها قناديل

стр. 8245

معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل … " وذكر الحديث (١). وروينا في "مسند أحمد بن حنبل": ثنا محمد بن إدريس الشافعي، عن مالك، عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما نسمة المؤمن، طائر يَعْلَقُ في شجر الجنة، حتى يُرْجِعه الله تعالى إلى جسده يوم يبعثه" (٢). وتقدم الحديث المتفق على صحته، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات" (٣). وذكرنا الحديث المرويَّ من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لما خلق الله تعالى الجنهّ قال لجبريل: اذهب فانظر إليها " وكذلك قال في النار (٤). وكذلك في الحديث الآخر: "لما خلق الله تعالى الجنة، قال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ " (٥). وقال ﷺ : "اشْتَكَتِ النَّارُ إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ أكَلَ بَعْضي بَعْضًا، فأذِنَ لها بنَفَسَيْنِ: نَفسٍ في الشِّتَاءٍ، ونفسٍ في الصَّيْفِ، فأشَدُّ ما تَجِدُون منَ الزّمْهرير منْ بَرْدِهَا، وجميع ما تجِدُون منَ الْحَرِّ من فَيْحِها، فإذا كانَ الحَرُّ فأبْرِدُوا عن الصَّلاةِ" (٦). وثبت في "الصَّحيحين" عن أبي هريرة، وعند مسلم عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فقالت النَّارُ: أوثِرْتُ بالْمُتكبِّرين وَالْمُتَجَبِّرين، وقالتِ الْجَنّة: مَا لي لا يَدْخلني إلَّا ضُعَفاءُ النّاسِ وَسَقَطُهُمْ وغِرَّتُهُمْ؟ فقال الله تعالى للجنَّةِ: أنتِ رحْمَتي أرْحمُ بكِ منْ أشاءُ منْ عِبَادي، وقال للنار: أنت عذابي أُعَذِّب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدةٍ منْكُما مِلْؤُها، فأمَّا النَّارُ فلا تَمْتَلئُ حتَّى يَضَع قدمه عليها فتقول: قطْ قَطْ، فهُنالكَ تَمْتَلئُ وَيَنْزوي بعْضُها إلى بعضٍ، ولا يَظْلِمُ اللهُ منْ خَلْقِهِ أحَدًا، وأمَّا الجَنَّةُ فإن اللهَ يُنْشئُ لها خَلْقًا". لفظُ مُسْلِمٍ" (٧).

стр. 8246

وفي "الصَّحيحين" منْ طريقِ سعيد، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تَزَالُ جَهنَّمُ يُلْقَى فيها، ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيهَا قَدَمَهُ، فيَنْزَوي بعْضُها إلى بَعْضٍ، وتقول: قَطْ قَطْ، بعِزَّتِكَ وكرمِك، ولا يزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حتَّى يُنْشئَ اللهُ لها خَلْقًا فيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ" (١). وقد ثبت في "الصَّحيحين" عن رسولِ الله ﷺ : أنَّه رأى الْجنّةَ والنارَ لَيْلَةَ أُسْري به (٢). فأما ما وَقَعَ في "صحيح البُخاري"، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّهُ تعَالى يُنْشئُ للنَّارِ منْ يشاءُ، فيُلْقَى فيها، فتقول: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ فقد قال بعضُ الحُفَّاظٍ: هذا غلطٌ منْ بعضِ الرُّواةِ، وكأنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، ودَخَلَ علَيْهِ لَفْظٌ في لَفْظٍ، فنَقَل هذا الْحُكْمَ منْ أهلِ الْجَنَّةِ إلى النَّارِ. قلتُ: فإنْ كان مَحْفُوظًا، فيَحْتملُ أنَّهُ تعَالى يَمْتَحِنُهُمْ في العَرَصَاتِ، كما يَمْتَحِنُ غيرَهُمْ ممَّن لم تَقُمْ علَيْهِ الحُجّةُ في الدُّنْيا، فمنْ عَصَى مِنْهُمْ أدْخَلَهُ النّارَ، ومنِ اسْتَجابَ أدْخلهُ الجَنَّة، لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. فصل وقد ذكرنا فيما سَلَفَ صِفَةَ أهْل الْجَنَّةِ حَالَ دُخُولهمْ إليها، وقُدُومِهِمْ عَليها، وأنَّهُمْ يُحَوَّلُ خَلْقهُمْ إلى طُولِ سِتِّين ذِراعًا في عَرْضِ سبْعَةِ أذْرُعٍ، وأنَّهُمْ يكُونُون جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلين في سنِّ أبْناءِ ثَلاثٍ وَثلاثين، [وأنَّهُمْ يُعرِبُون] (٣). قال أبو بكْرِ بن أبي الدُّنيا: حدّثني القاسمُ بنُ هاشِمٍ، حدّثنا صَفْوانُ بنُ صالحٍ، حدَّثني رَوَّادُ بنُ الجَرَّاحِ العَسْقَلانيّ، حدّثنا الأوْزَاعيُّ، عن هارُونَ بنِ رِئابٍ، عن أنس بنِ مالك ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الْجَنَّةَ على طُولِ آدَمَ؛ سِتِّينَ ذِرَاعًا بذِراعِ الْمَلَك، على حُسْنِ يُوسُفَ، وعلى مِيلادِ عِيسى، أبناءَ ثلاثٍ وثلاثين، وعلى لِسَانِ محمدٍ ﷺ " (٤).

стр. 8247

وَرَوى دَاوُد بنُ الحُصَيْنِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاسِ، قال: "لِسَانُ أهْلِ الْجَنَّةِ عَربيّ" (١). وقال عقيل، عن الزهري قال: لسان أهل الجنة عربي (٢). وَرَوَى البَيْهَقيُّ من طريقَيْنِ فيهِمَا ضَعْفٌ عن أبي كَريمَةَ المِقْدامِ بن مَعْدِيكرِبَ ﵁: [أنَّ رسولَ الله ﷺ ] قال: "مَا مِنْ أحَدٍ يموتُ سِقْطًا ولا هَرِمًا، وغالب الناس يموتون فيما بين ذلك، إلَّا بُعِثَ ابنَ ثلاثين سنة-" وفي روايةٍ: "ابن ثلاثٍ وثلاثينَ سنةً- فإنْ كانَ منْ أهْلِ الْجَنَّةِ، كان على مَسْحةِ آدمَ، وَصُورَةِ يُوسُفَ، وَقَلْبِ أيُّوبَ، جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلينَ، أولي أفانين، ومنْ كان منْ أهْلِ النارِ عُظِّمُوا وَفُخِّمُوا كالْجِبَالِ". وفي روايةٍ: "حتَّى يَصِيرَ جِلْدُهُ أربْعينَ باعًا (٣)، وحتَّى يصيرَ نابٌ من أنْيَابِهِ مِثْلَ أُحُدٍ" (٤). وثبت أنّهُمْ يَأْكُلونَ، وَيشْرَبونَ، ولا يَبُولُون، ولا يَتَغَوَّطُونَ، وإنَّما يكون منصرف طَعَامِهِمْ، أنَّهُمْ يَعْرَقون مثل ريح المسك، وَيَتَجَشَّؤونَ مثل رائحة المِسْكِ، ونَفَسُهُمْ تَحْميدٌ، وتكبيرٌ، وتَسْبيحٌ. وأوَّل زُمْرةٍ منهم تدخل الجنة منهم على صُورةِ القَمَرِ، ثمَّ الَّذينَ يَلُونَهُمْ في البَهَاء كأضْوَأ كَوكَبٍ دُرِّيّ في السَّمَاءِ، وَأنَّهُمْ يُجَامِعُونَ، ولا يُولَدُ لهم، إلا من شاء منهم، وأنّهُمْ لا يموتون ولا ينامُون، لِكَمالِ حَيَاتِهِمْ، وكَثْرَةِ لَذَّاتِهِمْ، وتَوَالي نَعيمهمْ، ومَسَرَّاتِهمْ، وكلّمَا ازْدَادُوا خُلودًا ازْدَادُوا حُسْنًا وجَمَالًا، وشَبَابًا وَقُوَّة، وَازْدَادَتْ لهمُ الْجنَّةُ حُسْنًا، وبَهاءً، وَطِيبًا، وَضِياءً، وبهجة ونورًا، وكانوا أرْغَبَ شَيْءٍ فيهَا، وَأحْرَصَ عَلَيْها، وكانَتْ عِنْدَهم أعَزَّ وَأغْلى، وألَذَّ، وَأحْلى، كما قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] وهذا عكس حال أهل الدنيا، ولو كان أحدهم في ألذِّ عيش. فصل وأعلى الخلق في الجنة منزلة رسولُ الله ﷺ ، وأوَّلُ منْ يَدْخُلُها، وأُمَّتُهُ أوَّل الأمم دخولًا إليها، وأوّلُ منْ يَدْخُلُها من هذه الأمة أبو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁، وَتقدَّمَ أنَّ هذهِ الأمَّة يكونون في الجنة أكْثر أهل الأمم، وأنَّهُمْ يكونون ثُلُثَيْ (٥) اْهْلِ الجنَّةِ أو شطرهم (٦)، كما

стр. 8248

تقدَّم: "أهلُ الْجنَّةِ مِئَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا، هذهِ الأمَّة ثمانُونَ صَفًّا منها" (١). وفي "المُسْندِ" و"جامعِ التِّرمذي" و"سُنن ابنِ ماجهْ" منْ حديثِ محمدِ بن عَمْرِو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرة مرفوعًا: "يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المسلمين الْجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائهم بِنِصْفِ يوم، وهُوَ خَمْسمئةِ عَامٍ". وإسْنادُهُ على شرطِ مُسْلمٍ. وقال التِّرْمذي: حسنٌ صحيحٌ" (٢). وَرَواهُ الطَّبراني من حديث الثَّوْريّ، عن محمدِ بن زَيْدٍ، عن أبي حازِم، عن أبي هريرة مرفوعًا، مثله (٣). وروى التِّرْمذيّ من طريق الأعمشِ، عن عطيَّةَ، عن أبي سعيدٍ مرفوعًا، مثلهُ، وحَسَّنَه (٤). والَّذي رواهُ مُسْلِمٌ من طريقِ أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ، عن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو: أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ فُقَرَاءَ المُهاجرين يَسْبقُونَ الأغْنياءَ يوْمَ القِيَامةِ إلى الجنة بأرْبعين خَرِيفًا" (٥). وللتِّرْمذيّ عن جابرِ بن عبدِ اللهِ مرفوعًا، مثلُهُ، وصحَّحَه (٦)، ولهُ عن أنسٍ أيضًا نحوُه، واسْتَغْرَبه (٧). قلتُ: فإنْ كانَ الأوَّلُ محفُوظًا، فيكُونُ باعْتِبَارِ دُخولِ أوَّلِ الفُقَرَاء، وآخِر الأغْنياء، فتكونُ الأرْبعُونَ خَريفًا باعْتِبَارِ دُخولِ آخِرِ الفُقَراء وأوَّلِ الأغْنياء، والله أعلم. وقد رَوى الإمامُ أحمدُ، عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ، وأبو (٨) بَكْر بن أبي شَيْبَةَ، عن يَزيدَ بن هارُونَ، كِلاهُما عن هِشَام الدَّسْتُوائيِّ، عن يَحْيَى بن أبي كثِيرٍ، عن عامِرِ الْعُقَيليِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "عُرِضَ عليَّ أوَّلُ ثلاثةِ يَدْخُلون الْجنَّةَ منْ أُمَّتي، وأوَّلُ ثلاثةٍ يَدخُلون النّارَ … " وذكر الحديث كما تقدم قريبًا.

стр. 8249

ورواهُ التِّرْمذيُّ من طريقِ ابن المُبارَكِ، عن يَحْيَى بنِ أبي كثِيرٍ، وقال: حَسَن، ولم يَذكُرِ الثلاثةَ الذين منْ أهْلِ النّارِ (١). وثبت في "صحيحِ مُسْلِم"، من حديث عِيَاضِ بن حِمَارٍ (٢) المُجَاشعيِّ، عن النّبيِّ ﷺ ، قال: "أهْلُ الْجَنَّةِ ثلاثةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفّقٌ، وَرَجُلٌ رَحيمُ القَلْبِ بكُلِّ ذي قُرْبَى ومُسْلِمٍ، وعَفيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ. وأهلُ النار خمسةٌ: الضّعيفُ الّذي لا زَبْرَ (٣) له، الَّذين هُمْ فيكمْ تَبَعًا، لا يَبْغُونَ أهْلًا ولا مالًا، وَالْخائنُ الّذي لا يَخْفَى لهُ طَمَعٌ وإنْ دَقَّ إلّا خانَهُ، ورَجلٌ لا يُصْبحُ ولا يُمْسي إلّا وهُوَ يُخادِعُكَ عنْ أهْلِكَ ومَالِكَ، وذَكرَ البُخْلَ والكَذِبَ. والشِّنْظيرُ الفَحَّاشُ" (٤). وتقدَّمتِ الأحاديثُ عن رسولِ الله ﷺ أنّهُ قال: "اطَّلَعْتُ في الْجنَّةِ فَرَأَيْتُ اْكْثرَ أهْلِها الفُقَراءَ، وَاطلَعْتُ في النّار فَرَأَيْتُ أكْثرَ أهْلِهَا النِّسَاءَ وَالأغْنياءَ" (٥). وتقدَّمَ الحديثُ الواردُ منْ طريقِ حبيب بن أبي ثابتٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: [أوَّلُ منْ يُدْعَى إلى الجنة يَوْمَ القِيَامةِ الْحَمَّادُونَ الَّذينَ يَحْمدُونَ اللهَ في السَّرَّاء وَالضّراءِ" (٦). وثبت في "الصَّحيحين" منْ حديثِ سُفيانَ الثّوْريّ، وشُعْبَةَ، عن مَعْبَدِ بن خالدٍ، عن حارثةَ بن وَهْبٍ، عن النّبيِّ ﷺ أنّهُ قال: "ألا أُخْبِرُكم بأهلِ الجنّةِ؟ كلُّ ضَعيف مُتَضَعَّف لوْ أقْسَمَ على اللهِ لأبَرَّه، ألا أُخْبِرُكم بأهلِ النّارِ؟ كلُّ عُتُلِّ جَوَّاظٍ مستكبر" (٧). وقال أحمدُ: حدّثنا عليُّ بن إسْحاقَ، أخبرنا عبدُ اللهِ، أخبرنا مُوسى بن عُلَيّ بن رَباحِ، سَمِعْتُ أبي يُحدِّثُ، عن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن رَسُولِ الله ﷺ قال: "أهْلُ النّارِ كلُّ جَعْظَريٍّ جَوَّاظٍ (٨) مُسْتكْبرٍ جَمَّاعٍ منّاعٍ، وأهْلُ الجنّةِ الضُّعَفاءُ المَغْلُوبونَ" (٩). وقال الطَّبرانيُّ: حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، حدّثنا مُسْلِمُ بن إبراهيمَ، حدّثنا أبو هلالٍ الرَّاسبيُّ،

стр. 8250

[حدّثنا عُقْبةُ بن أبي ثُبَيْتٍ الرَّاسبيُّ]، عن ابي الجَوْزَاءِ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أهْلُ الجنّةِ منْ مَلأَ أُذُنَيْهِ منْ ثناءِ النَّاسِ خيرًا وهو يَسْمعُ، وأهلُ النَّارِ منْ مَلأَ أُذُنَيْهِ منْ ثَناء النَّاسِ شَرًّا وهُو يَسْمعُ". وكذا رواهُ ابنُ ماجه من حديثِ مُسْلِمِ بنِ إبراهيم (١). وقال القاضي أبو عُبَيْدٍ عَليُّ بنُ الْحُسينِ بنِ حَرْبَويه: حدّثنا محمدُ بن صالحٍ، حدّثنا خَلَفُ بن خَليفَةَ، عن أبي هاشم، عن سعيد بنِ جُبَيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ألا أُخْبِرُكم بِرِجالِكم منْ أهْلِ الجَنّةِ؟ النَّبىُّ في الْجَنَّةِ، وَالصِّدِّيقُ في الجَنَّةِ، والشَّهيدُ في الجنّةِ، وَالرّجلُ يَزُورُ [أخاه] في ناحيةِ المِصْرِ لا يَزُورهُ إلَّا للهِ في الجنَّة، ونِسَاؤُكمِ من [أهل] الجنَّةِ العَؤود الوَدُودُ الولود التي إذا غَضِبَ أوْ غَضِبَتْ جَاءَتْ حتى تَضَعَ يدَها في يَدِ زوْجها ثم تقولُ: لا أذُوقُ غُمْضًا حتَّى تَرْضى". وَرَوى النسائيُّ بعضهُ منْ حديث خَلَفِ بنِ خَلِيفةَ، عن أبي هاشمٍ، يَحْيَى بنِ دينارٍ، به (٢). فصل هذه الأمَّةُ أكثرُ أهلِ الجنّةِ، وأعلاهُم منازل، وأوَّلُ من يدخل الجنة صَدْرُها، كما قال تعالى في صفة المقرَّبين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ و ١٤] وقال في صِفَةِ أهْلِ اليَمين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ و ٤٠]. وثبت في "الصَّحيحين": "خيْرُ القُرُونِ (٣) قَرْنِي، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين يلونَهُمْ، ثمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السِّمَنَ أوِ السَّمَانةَ، يَنْذِرُونَ ولا يَفُونَ، وَيَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ" (٤). وخيار الصَّدْرِ الأوَّلِ الصَّحابةُ، كما قال ابنُ مَسْعُودٍ ﵁: من كان منكم مُسْتَنًا، فليستنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تُؤْمَنُ عليه الفتنة، أولئِكَ أصحابُ مُحمَّد ﷺ أبرُّ هذه الأمَّةِ قُلوبًا وأصدقها ألسنةً، وأعْمَقُها عِلْمًا، وأقلُّها تَكلُّفًا، قوْمٌ اخْتَارَهُمُ الله تعالى لِصُحْبَةِ رسوله ﷺ ، وإقامةِ دِينهِ، فَاعْرِفُوا لهمْ حقَّهم، واقْتَدُوا بهمْ، فإنَّهُمْ كانوا على الهُدَى المُسْتقيمِ (٥).

стр. 8251

وتقدَّم أنَّ هذه الأمَّةَ يَدخُلُ منهم إلى الجنَّةِ سبعُون ألْفًا بغيرِ حِساب (١). وفي "صحيح مُسْلِمٍ": "مع كلِّ ألفٍ سبعُونَ ألفًا" (٢). وفي رواية أحمدَ: "مع كلِّ واحدٍ سبعُونَ ألْفًا" (٣). وَهذا ذِكْرُ أطرافِ الحديثِ، وإشارةٌ إلى طُرُقهِ وألفاظِهِ. وفي "الصحيحين" منْ روايةِ حصين بنِ عبدِ الرَّحمن، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن النبى ﷺ قال: "عُرِضَتْ عليَّ الأُممُ، فرأيتُ النّبيَّ ومعهُ الرَّجلُ، والنّبيَّ ومعهُ الرَّجلُ والرَّجُلانِ، والنّبيَّ وليس معهُ أحدٌ، إذْ رُفع لي سوادٌ عظيمٌ، فظننت أنَّهُمْ أمَّتي، فقيل لي: هذا مُوسى وقومُهُ، ولَكنِ انظرْ إلى الأُفُقِ الآخر، فنظَرْتُ فإذَا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: هذه أمَّتُكَ، ومعهُم سبعُونَ ألفًا يدخلُونَ الْجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ، ولا عذابٍ" وفيهِ: "هُمُ الّذين لا يَكتَوُون، ولا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُون، وعلى ربِّهِمْ يَتَوكَّلُون" فقام عُكَّاشةُ بن محصَن. وقد تقدم هذا الحديث وغيره في ذلك (٤). وقال هِشَامُ بنُ عمّارٍ خَطِيبُ دِمَشْقَ، وأبو بكْرِ بن أبي شَيْبَةَ، وَاللّفْظُ له: حدّثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، أخبرني محمدُ بنُ زيادٍ الألْهَانيّ، سَمِعْتُ أبَا أُمامَةَ، سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ: "وَعَدني رَبِّي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ منْ أُمَّتي سبعينَ ألْفًا، مع كلِّ ألْفٍ سبعين ألْفًا، لا حِسَابَ عَليهمْ ولا عذابَ، وَثَلاثَ حَثَياتٍ منْ حَثَياتِ رَبِّي ". وكذا رواهُ أبو بكْرِ بن أبي عاصمٍ، عن دُحَيْم، عن الوَليدِ بن مُسْلِمٍ، عن صَفْوانَ بن عَمْرٍو، عن سُلَيْمِ بن عامرٍ، وأبي اليَمَانِ (٥) عامرِ بن عبدِ اللهِ بن لُحَيّ الْهَوْزَنيِّ، عن أبي أُمَامةَ … فذكر مِثلَه (٦). [ورَوى الطَّبراني من حديث عامر بنِ زَيْدِ البِكاليّ، عن عُتْبة بن عَبْدٍ السُّلَميّ، عن النبيِّ ﷺ مِثْلهُ (٧)،. ورَواه أيضًا من طريقِ أبي أسماءَ الرَّحَبيِّ، عن ثَوْبانَ، مِثْلهُ، ولم يَذْكرْ: ثلاثَ حَثَياتٍ (٨). وله من حديث قَيْسٍ الكِنْديِّ، عن أبي سعيدٍ الأنْمَاريِّ، مثلَهُ، وذكر فيه ثلاث حثيات (٩). وقد قدَّمْنا بقيَّة طُرُقِهِ بألْفَاظِهَا، والله سبحانه أعلم.

стр. 8252

فصل في بيان وجود الجنَّة والنَّار وأنهما مخلوقتان موجودتان، خلافًا لمن زعم خلاف ذلك قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل: عمران ١٣٣ - ١٣٤]. وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. وقال تعالى في حقِّ آل فِرْعَونَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ١٧]. وقال تعالى ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنّهُ قال: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، دُخْرًا (١) بَلْهَ كل ما أطلعكم عليهِ" ثمَّ قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحديد: ١٧] (٢). وفي "الصَّحيحين" منْ حديثِ مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ أحَدَكم إذا مات عُرضَ عليهِ مَقْعدُهُ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ، إن كانَ منْ أهلِ الجَنَّةِ فمِنْ أهلِ الجنَّةِ، وإنْ كانَ منْ أهلِ النار فمنْ أهلِ النّار، يُقالُ: هذا مَقْعدُك حتّى يَبْعَثَك اللهُ إليهِ يومَ القيامةِ" (٣). وفي "صحيح مُسْلِمٍ" عن ابنِ مَسْعُودٍ: "أرْوَاحُ الشُّهداء في حَوَاصلِ طير خُضر تَسْرَحُ في الجنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثمَّ تأوِي إلى قَنَاديلَ مُعلَّقة في العرشِ .... " الحديث (٤). وَرَوَيْنا في "مُسندِ الإمام أحمدَ": حدّثنا محمد بنُ إدْريسَ الشّافعيُّ، عن مالكٍ، عن الزُّهْري، عن عبدِ الرَّحمن بنِ كعْبِ بن مالكٍ، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّما نَسَمةُ المؤمِن طائرٌ يعْلَقُ في شَجَرِ الجنّةِ حتى يَرْجِعَه الله ﵎ إلى جسدِهِ يومَ يبعثُهُ" (٥).

стр. 8253

وتقدَّمَ الحديثُ المتّفقُ على صِحَّتِهِ من طريقِ أبي الزِّنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "حُفّتِ الجنّةُ بالمَكارِهِ، وحُفّتِ النّارُ بالشّهَواتِ" (١). وذكرنا الحديثَ المَرْويَّ منْ طريق حمَّاد بن سَلَمةَ، عنْ محمدِ بن عَمْرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "لمَّا خَلَقَ اللهُ الجنّةَ قال لِجِبْريلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إليها" وكذلك قال في النار" (٢). وكذلك الحديثُ الآخرُ: "لمَّا خَلَقَ اللهُ الجنّةَ قال لها: تكلّمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ " (٣). وفي "الصَّحيحين" عن أبي هريرةَ -وعندَ مُسْلم عن أبي سعيدٍ- عن النبي ﷺ قال: "تَحَاجَّتِ الجنّةُ وَالنَّارُ … " الحديث (٤). وفيهما عن ابن عمرَ مرفوعًا: "الحُمَّى منْ فَيْحِ جَهنّمَ" (٥). وفيهما عن أبي ذر مرفوعًا: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" (٦). وفي "الصَّحيحين" عن أبي هريرة: "إذا جاء شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحتْ أبْوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبْوابُ النّارِ، وصُفِّدت الشياطين" (٧). وقد ذكرنا في أحاديثِ الإسراء أنَّ رسولَ الله ﷺ رأى الجنّةَ والنّارَ لَيْلَتَئذٍ (٨)، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] وقال في صِفِة سدرَةِ المُنْتَهَى: إنّهُ يَخْرُجُ منْ أصْلِها نَهْرانِ ظاهِرَانِ ونَهْرَانِ بَاطِنانِ، وذكر أن البَاطِنَيْنِ في الجنَّةِ (٩). وفي "الصَّحيحين": "ثم أدْخِلْتُ الجَنَّةَ فإذا فيها جَنَابذُ (١٠) اللُّؤلؤ، وإذا تُرَابُها المِسْكُ" (١١). وفي "صحيحِ البُخاريِّ" من حديثِ قَتَادةَ، عن أنسٍ، عن رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: "بينما أنا أسيرُ في الجنَّةِ، إذا أنا بنَهْرٍ حافَتَاهُ قِبَابُ اللؤلؤ الْمُجَوَّفِ، فقلتُ: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاكَ ربُّك" (١٢).

стр. 8254

وفي مَناقِبِ عُمرَ ﵁ أنّه ﷺ قال: "دَخَلْتُ الْجَنّةَ فرأيتُ جاريَةً تَوَضّأُ عندَ قَصْر، فقلتُ: لمن أنتِ؟ فقالتْ: لعُمر بن الخطّابِ، فأردْتُ أنْ أدخلَهُ فذكرتُ غَيْرَتَكَ" فبَكا عُمَرُ ﵁، وقال: "أوَ عليكَ أغارُ يا رسولَ اللهِ؟ " والحديثُ في "الصحيحين" عن جابرٍ (١). وقال ﵇ لبلالٍ: "أُدْخِلتُ الجنّة فسمِعْتُ خَشْفَ نَعْلَيْكَ أمامي، فأخْبِرني بأرْجى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإسلام" فقال: ما تَوَضّأتُ إلا وَصَلّيْتُ ركعتين … الحديث (٢). وأخبَر عن الرُّمَيْصاء (٣) أنّهُ رَآها في الجنةِ. أخْرَجَاه عنْ جابرٍ (٤). وأخْبَرَ في يَوْمِ صَلاةِ الكسوفِ أنّهُ عُرِضَتْ عَليهِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وفي رواية: دَنَتْ منهُ الجَنّةُ وَالنَّارُ، وأنّهُ هَمَّ أنْ يَأخُذَ منَ الجنّةِ قِطْفًا منْ عِنَب، وقال: "لو أخَذتُهُ لأكَلْتُمْ منهُ مَا بقيَتِ الدُّنيا" (٥). وفي "الصَّحيحَيْن" منْ طَريقِ الزُّهْري، عنْ سَعيدٍ، عنْ أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "رأيْتُ عَمْرو بن لُحَيّ يَجُرُّ قُصْبَه في النَّارِ" (٦). وقال في الْحَديثِ الآخرِ: "وَرأَيْتُ فيهَا صَاحِب المِحْجَن" (٧). وقال: "دَخَلَتِ امْرأةٌ النَّارَ في هِرَّة حبستْها حتى ماتت، لا هيَ أطْعَمَتْها ولا هي تَرَكَتْها تأكلُ منْ خَشَاش الأرْضِ" (٨) "فلَقَدْ رأيْتُها تَخْمُشُها" (٩). وأخبرَ عن الرَّجُلِ الَّذي نَحَّى غُصْن شَوْكٍ عنْ طَريقِ النَّاس، قال: "فَلَقَدْ رَأيْتُهُ يَسْتَظلُّ به في الْجنَّةِ". وهو في "صَحيح مُسلمٍ" عنْ أبي هُرَيْرَةَ بِلفْظٍ آخر (١٠). وفي "الصَّحيحَيْنِ" عنْ عِمرْانَ بن حصين أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قالَ: "اطَّلَعْتُ في الجنَّةِ فرأيْتُ أكْثَرَ أهْلهَا الْفُقرَاءَ، واطَّلْعْتُ في النَّار، فَرَأَيْتُ أكْثرَ أهْلها النِّساءَ" (١١).

стр. 8255

وفي "صحيح مُسْلم" منْ طريقِ المُخْتار بن فُلْفُل، عنْ أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "وَالّذي نَفْسي بيَدهِ لوْ رَأَيْتُمْ ما رأيْتُ لَضَحِكتُمْ قَليلًا ولبَكَيْتُمْ كثيرًا" قالُوا: يا رسولَ الله، وما رأيْتَ؟ قالَ: "رأيْتُ الْجَنَّةَ والنَّار" (١). وأخبرَ أنَّ الْمُتَوضئ إذا قال بَعْدَ وضُوئِه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فُتحت لهُ أبْوابُ الجنَّةِ الثَّمانية، يَدْخُلُ منْ أيِّها شَاء (٢). وفي "صحيح البُخاريّ" منْ حَديثِ شُعْبةَ، عن عَديٍّ، عن البراءَ بن عَازبٍ قال: لمَّا توفي إبراهيمُ ابنُ رسولِ الله ﷺ قالَ: "إنَّ لهُ مُرْضعًا في الجنَّةِ" (٣). وقالَ الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] والْجُمْهُورُ على أنَّ هذهِ الْجنَّةَ جَنّةُ الْمَأوَى، وذَهبتْ طائفَةٌ آخَرُونَ إلى أنَّها جنَّةٌ في الأرض خلقَها الله لهُ ثمَّ أخْرَجَهُ منْها. وقدْ تقدم ذلكَ مَبْسُوطًا في هذا الكتاب في أوله في قصَّةِ آدَم. وقالَ البَيْهَقي: حدّثنا الْحَاكم، حدّثنا الأصمُّ، حدّثنا حُمَيْدُ بن عياش الرَّمْليّ، حدّثنا مُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، حدّثنا سُفْيَانُ، عنْ عَبْدِ الرَّحمن الأصْبَهانيّ، عنْ أبي حَازمٍ، عنْ أبي هُرَيرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أولادُ الْمُؤْمنينَ في جَبلٍ في الجَنَّةِ يكفُلُهُمْ إبراهيمُ وسارة حتى يَرُدَّهمْ إلى آبائهمْ يَوْمَ القيَامةِ". وكذا رَواهُ وكيعٌ، عنْ سُفْيَانَ، وهُوَ الثَّوْري (٤). والأحاديث في هَذا كثيرةٌ جِدًّا، وقدْ أوْرَدنا كثيرًا مِنْها بأسَانيدِها ومُتُونِها فيما تقدَّمَ. فصل وَثَبتَ في "صحيحِ مسلمٍ" عنْ عبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو: أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قالَ: "فُقراء المُهَاجرينَ يَسْبقُونَ الأغْنياءَ يوْمَ القيامَةِ إلى الجَنّةِ بأرْبَعينَ خَريفًا (٥). وكذا روَى التِّرْمذي منْ حديث جابرٍ وصحَّحَه (٦)، وأنسٍ واسْتَغَربهُ (٧).

стр. 8256

وللتِّرْمذي منْ حديثِ أبي هُرَيرةَ وصحَّحَه (١) وأبي سَعيدِ وحَسَّنه (٢): بنصْفِ يوم خَمْسمئة عامٍ. وقد تقدم هذا كُلُّه. قلتُ: فإنْ كانَ هذا مَحْفُوظًا كما صَحَّحهُ التِّرْمذي، فَيَحْتملُ أنَّ يكون ذلك باعتبارِ دُخول أوَّل الفُقراء، وآخِرِ الأغْنياء، وتكونُ الأربعون خَريفًا باعْتبارِ ما بَيْنَ دُخُولِ آخرِ الفُقراء وأولِ الأغْنياء، والله أعلم. وقد أشارَ إلى ذلك القُرْطبيُّ في "التَّذكرة" حَيْثُ قال: وقدْ يَكُونُ ذلك باخْتلاف أحْوال الفقرَاء، والأغنياء. يُشيرُ إلى ما ذَكَرناهُ. فصل قال الزُّهْريّ: كلامُ أهْلِ الجنَّةِ عَربيٌّ. وقالَ سفيانُ الثوري: بلغَنا أنَّ النَّاس يتكلَّمون يومَ القيامَةِ بالسُّرْيَانيَّةِ، فإذا دَخلُوا الجنّةَ تكَّلموا بالعربيةِ. فصل في الْمَراْةِ تَتَزَوَّجُ في الدُّنيا بأزْواجٍ ثم تدخل الجنة فَلِمَنْ تكُونُ منْهمْ؟ فذكرَ القُرْطبيُّ في "التّذكرةِ" منْ طَرِيقِ ابن وَهْبٍ، عنْ مالكٍ: أنَّ أسماءَ بِنْتَ أبي بكْرٍ شَكَتْ زوجَها الزُّبَيْر إلى أبيها، فقالَ: يا بُنيَّةُ، اصْبري، فإنَ الزُّبَيْر رَجُلٌ صَالح، ولعلّهُ يكُونُ زَوْجَكِ في الجنّةِ. قالَ: ولقدْ بَلَغَني أنَّ الرَّجُلَ إذا ابتَكرَ الْمَرأةَ تزَوَّجَها في الجنَّةِ. قالَ أبُو بكر بن العَربيِّ: هذا حديثٌ غَريبٌ. وقد رُويَ عنْ أبي الدَّرْداء، وحُذَيفةَ بن اليَمانِ: أنَّ المَرْأةَ تكونَ لآخرِ أزْواجها في الدُّنيا (٣). وجاء أنَّها تكونُ لأحْسَنهمْ خُلُقًا. قالَ أبُو بكر النجَّادُ: حدّثنا جَعْفرُ بن محمدِ بن شاكرٍ، حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسحَاق العَطَّارُ، حدّثنا سِنَانُ بن هَارونَ، عن حُمَيْدٍ، عنْ أنسٍ: أنَّ أُمَّ حَبيبَةَ قالت: يا رسول الله، الْمَرأةُ يكونُ لها الزَّوجانِ

стр. 8257

في الدُّنيا، فأيُّهما يكون في الآخرة؟ فقال: "لأحْسَنهما خُلُقًا كانَ مَعها في الدُّنيا" ثمّ قالَ: "يا أُمَّ حَبيبةَ، ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْر الدُّنيا والآخرةِ" (١). وقدْ رُويَ عنْ أُم سلمَةَ نَحْوُ هذا (٢)، والله سبحانه أعلم. انتهى الكتاب بعون الملك الوهاب والحمد لله رب العالمين