← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أبي العباس أحمد بن سلامة (١) الإسكندري المالكي (٢)، ولد سنة إحدى وسبعين وستمئة، وبرع في علوم كثيرة، وولي نيابة الحكم في الإسكندرية فحمدت سيرته وديانته وصرامته، ثم قدم على قضاء الشام للمالكية في السنة الماضية فباشرها أحسن مباشرة سنة ونصفًا، إلى أن توفي بالصَّمْصَاميّة (٣) بكرة الأربعاء مستهل ذي الحجة، ودفن إلى جانب الفَنْدَلاوي بباب الصغير، وحضر جنازته خلق كثير، وشكره الناس وأَثْنوا عليه. رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة تسع عشرة وسبعمئة استهلت [والحكام هم المذكورون في التي قبلها] (٤). وفي ليلة مستهل محرّم هبَّت ريحٌ شديدة بدمشق سقط بسببها شيء كثير (٥) من الجدران، واقتلَعَتْ أشجارًا كثيرة. وفي يوم الثلاثاء سادس عِشْري المحرّم خُلع على جمال الدين بن القلانسي بوكالة بيت المال عوضًا عن ابن الشريشي. وفي يوم الأربعاء الخامس من صفر درّس بالناصرية الجوانية ابن صَصْرَى عوضًا عن ابن الشَّريشي (٦) أيضًا، وحضر عنده الناس على العادة. وفي عاشره باشر شدَّ الدواوين جمال الدين آقوش الرحبي عوضًا عن فخر الدين إياس، وكان آقوش متولي دمشق من سنة سبع وسبعمئة، وولي مكانه بالبلد الأمير علم الدين طرقشي الساكن بالعقيبة. وفي هذا اليوم نُودي بالبلد بصوم النَّاس لأجل الخروج إلى الاستسقاء، وشُرع في قراءة "البخاري"، وتهيّأ الناس لذلك، ودَعَوْا عُقَيْب الصلوات وبعد الخطب، وابتهلوا إلى الله في الاستسقاء، فلما كان يوم السبت منتصف صفر، وكان سابع نيسان، خرج أهل البلد برمتهم إلى عند مسجد القدم، وخرج نائب السلطنة والأمراء مشاة يبكون ويتضرَّعون، واجتمع الناس هنالك وكان مشهدًا

стр. 142

عظيمًا، وخطب بالناس القاضي صدر الدين سليمان الجعفري (١) وأمَّن النَّاسُ على دعائه، فلما أصبح النَّاسُ من اليوم الثاني جاءهم الغيثُ بإذن الله ورحمته ورأفته لا بحولهم ولا بقوتهم (٢)، ففرحَ النَّاسُ فرحًا شديدًا وعم البلاد كلها ولله الحمد والمنة، وحده لا شريك له (٣). وفي أواخر الشهر شرعوا بإصلاح رُخام الجامع وترميمه وجلي (٤) أبوابه وتحسين ما فيه. وفي رابع عشر ربيع الآخر درّس بالناصرية الجوانية ابن الشيرازي (٥) بتوقيع سلطاني، وأخذها (٦) من ابن صَصْرَى وباشرها إلى أن مات. وفي يوم الخميس سادس عشرَ جُمادى الأولى باشر (٧) ابن شيخ السَّلامية فخر الدين أخو ناظر الجيش الحسبة بدمشق عوضًا عن ابن الحداد، وباشر ابن الحداد نظر الجامع بدلًا عن ابن شيخ السلامية، وخلع على كل منهما. وفي بكرة الثلاثاء خامس جُمادى الآخرة قدم من مصر إلى دمشق قاضي القضاة شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن الشيخ زكي الدين ظافر الهمداني المالكي، على قضاء المالكية بالشَّام، عوضًا عن ابن سلامة الذي توفي، فكان بينهما ستة أشهر (٨)، ولكن تقليد هذا مؤرخ بآخر ربيع الأول، ولبس الخلعة وقُرى تقليده بالجامع (٩). وفي هذا الشهر درس بالخاتونية البرانية القاضي بدر الدين بن الفُوَيْرة (١٠) الحنفي، وعمره خمسٌ وعشرون سنة، عوضًا عن القاضي شمس الدين محمد قاضي مَلَطْيَةَ الذي توفي (١١). وفي يوم السبت خامس رمضان وصل إلى دمشق سيلٌ عظيم أتلف شيئًا كثيرًا، وارتفع حتى دخل من باب الفرج، ووصل إلى العُقَيْبة، وانزعج النَّاسُ له، وانتقلوا من أماكنهم، ولم تطل مدته لأنَّ أصله كان

стр. 143

مطرًا وقع بأرض آبل السوق (١) والحُسَيْنية (٢). وفي هذا اليوم باشر طرقشي شد الدواوين بعد موت جمال الدين الرحبي، وباشر ولاية المدينة صارم الدين الجُوكَنْدَار (٣)، وخُلع عليهما. ولمّا كان يومُ الثُّلاثاء التاسع والعشرين من رمضان اجتمع القضاة وأعيان الفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة وقرئ عليهم كتاب من السلطان يتضمّن منعَ الشيخ تقي الدين بن تيمية من الفتيا بمسألة الطلاق، وانفصل المجلس على تأكيد المنع من ذلك. وفي يوم الجمعة تاسع شوال خطب القاضي صدر الدين الدَّاراني (٤) عِوضًا عن بدر الدين بن ناصر الدين بن عبد السلام (٥)، بجامع جَرَّاح، وكان فيه خطيبًا قبله فتولاه بدر الدين حسن العَقْرَباني واستمر ولده في خطابة داريا التي كانت بيد أبيه من بعده. وفي يوم السبت عاشره خرج الرّكب وأميرهم عز الدين أيبك المنصوري أمير علم. وحج فيها صدر الدين قاضي القضاة الحنفي، وبرهان الدين بن عبد الحق، وشرف الدين بن تيمية، ونجم الدين الدمشقي وهو قاضي الركب، ورضي الدين المنطيقي، وشمس الدين بن الزريز (٦) خطيب جامع القُبَيْبَات، وعبد الله بن رشيق المالكي وغيرهم. وفيها حج سلطان الإسلام الملك الناصر محمد بن قلاوون ومعه جمع كثير من الأمراء، ووكيله كريم الدين وفخر الدين كاتب المماليك (٧)، وكاتب السر ابن الأثير، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وصاحب حماة الملك عماد الدين، والصاحب شمس الدين غبريال في خدمة السلطان وكان في خدمته خلق كثير من الأعيان. وفيها كانت وقعة عظيمةٌ بين السَّتار بسبب أنّ سلطانهم أبا سعيد (٨) كان قد ضاق ذرعًا بجُوْبَان وعجز عن مسكه، فانتدب له جماعةٌ من الأمراء عن أمره، منهم أبو يحيى خال أبيه، ودُقمَاق وقرمشي (٩)، وغيرهم من أكابر الدولة، وأرادوا كبسَ جُوْبان، فهرب وجاء إلى السلطان فأنهى إليه ما كان منهم، وفي صحبته

стр. 144

الوزير علي شاه، ولم يزل بالسلطان حتى رضي عن جُوبان وأمدَّه بجيش كثيف، وركب السلطان معه أيضًا والتقوا مع أولئك فكسروهم وأسروهم، وتحكم فيهم جوبان فقتل منهم إلى آخر هذه السنة نحوًا من أربعين أميرًا (١). [وممن توفي فيها من الأعيان (٢): الشيخ المقرئ شهاب الدين (٣): أبو عبد الله الحسين (٤) بن سليمان بن فزارة (٥) بن بدر الكفري الحنفي، ولد تقريبًا في سنة سبع وثلاثين وستمئة. وسمع الحديث وقرأ بنفسه كتاب "الترمذي"، وقرأ القراءات، وتفرد بها مدَّةً يشتغل الناس عليه، وجمع عليه السَّبعَ أكثر من عشرين طالبًا، وكان يعرف النحو والأدب وفنونًا كثيرة وكانت مجالسته حسنة، وله فوائد كثيرة، درّس بالطَّرْخَانيَّة (٦) أكثر من أربعين سنة، وناب في الحكم عن الأذرعي مدَّة ولايته، وكان خيرًا مباركًا أضرَّ في آخر عمره، وانقطع في بيته، مواظبًا على التلاوة والذكر وإقراء القرآن إلى أن توفي ثالث عشر جمادى الأولى، وصلّي عليه بعد الظهر يومئذ بجامع دمشق، ودفن بقاسيون (٧) ﵀. وفي هذا الشهر جاء الخبر بموت (٨): الشيخ الإمام تاج الدين (٩): عبد الرحمن بن محمد بن أبي حامد التبريزي الشافعي المعروف بالأَفْضَلي، بعد رجوعه من الحج ببغداد في العشر الأول من صفر، وكان صالحًا فقيهًا مباركًا، وكان ينكر على رشيد الدولة (١٠) ويحطّ عليه، ولما قتل قال: كان قَتْله أنفع من قتل مئة ألف نصراني، وكان رشيد الدولة يريد أن يترضاه فلا يقبل، وكان لا يقبل من أحد شيئًا، ولما توفي دفن بتربة الشونيزية (١١). وكان قد قارب الستين ﵀.

стр. 145

محيي الدّين محمد بن مفضّل بن فضل الله المصري (١): كاتب ملك الأمراء (٢)، ومستوفي الأوقاف، كان مشكورَ السِّيرة محببًا للعلماء والصلحاء، فيه كرم وخدمة كثيرة للناس، توفي في رابعِ عِشْرين من جُمادى الأولى ودفن بتربة بني هلال (٣) بسفح قاسيون وله ستٌّ وأربعونَ سنة، وباشر بعده في وظيفته أمينُ الدِّين بن النحاس. الأمير الكبير غرلُو بن عبد الله العادلي (٤): كان من أكابر الدَّولة ومن الأمراء المقدَّمين الألوف، وقد نابَ بدمشقَ عن أستاذه الملك العادل كَتْبُغًا نحوًا من ثلاثة أشهر في سنة خمس وتسعين (٥) وستمئة، وأول سنة ست وتسعين، واستمر أميرًا كبيرًا إلى أن توفي في سابع جُمادى الأولى يوم الخميس، ودفن بتربته (٦) بشمالي جامع المظفَّري بقاسيون، وكان شهمًا شجاعًا ناصحًا للإسلام وأهله، مات في عَشْر الستين. الأمير جمال الدين أَقُوش (٧): الرحبي (٨) المنصوري (٩)، ولي دمشق مدة طويلة، كان أصله من قرى إِرْبل (١٠)، وكان نصرانيًا فسبي وبيع من نائب الرحبة، ثم انتقل إلى الملك المنصور فأعتقه وأمَّره، وتولَّى الولاية بدمشقَ نحوًا من إحدى عَشْرَةَ سنةً ثم انتقل إلى شدّ الدواوين [مدة] (١١) أربعة أشهر قبل وفاته، وكانت وفاته ليلة الخميس حادي عِشْري جمادى الآخرة ودفن بمقابر الصوفية (١٢)، وكان محبوبًا إلى العامة مدة ولايته. الخطيبُ صلاح الدين (١٣) يوسف بن محمد بن عبد اللطيف بن المُغيزل (١٤) الحموي: له تصانيفُ وفوائدُ، وكان خطيب جامع السُّوق الأسفل بحماة، وسمع من ابن طَبَرْزَد، توفي في جمادى الآخرة.

стр. 146

العلَّامة فخر الدين أبو عَمْرو: عثمانُ (١) بن علي بن يحيى بن هبة الله بن إبراهيم بن المسلم بن علي الأنصاري الشافعي المعروف بابن بنت أبي سَعْد المصريّ، سمع الحديثَ وكان من بقايا العلماء، وناب في الحكم بالقاهرة، وولّيَ مكانه في ميعاد جامع طولون الشيخ علاء الدين الُقونوي شيخ الشيوخ، وفي ميعاد الجامع الأزهر شمس الدين بن علَّان. كانت وفاته ليلةَ الأحد الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن بمصر وله من العمر تسعون (٢) سنة. الشَّيخ الصّالح العابد (٣): أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجي (٤) له زاوية بالحُسَينيّة (٥) يزارُ فيها، ولا يخرج منها إلا إلى الجمعة، سمع الحديث (٦)، توفي يوم الثلاثاء بعد العصر السادس والعشرين من جمادى الآخرة ودفن من الغد بزاويته المذكورة ﵀. الشيخ الصّالح المعمَّر الرّحلة: عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن أحمد بن إسماعيل بن عطّاف بن مبارك بن علي بن أبي الجيش المقدسي الصالح المطعِّم (٧)، راوي "صحيح البخاري" وغيره، وقد سمع الكثير عن مشايخ عدَّة، وترجمه الشيخ علَم الدين البِرْزالي في "تاريخه". توفي ليلة السبت رابعَ عَشَرَ ذي الحجَّة، وصُلّي عليه بعد الظهر من اليوم المذكور بالجامع المظفّري ودفن بالساحة بالقُرب من تربة المُوَلَّهين، وله أربعٌ وتسعونَ (٨) سنةً. رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة عشرين وسبعمئة استهلّت وحكام البلاد (٩) هم المذكورون في التي قبلها، وكان السُّلطان في هذه السنة في الحجّ،

стр. 147

وعاد إلى القاهرة يوم السبت ثانيْ عَشَرَ المحرّم، ودُقت البشائر. ورجع الصاحب شمس الدين (١) على طريق الشام وصحبتُه الأمير ناصر الدين الخازِنْدار (٢). وعاد صاحبُ حماة مع السلطان إلى القاهرة، وأنعم عليه السلطان ولُقِّب بالملك المُؤَيَّد، ورُسم أن يُخطب له على منابرها وأعمالها، وأن يخاطب (٣) بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي، على ما كان عليه عمُّه المنصور (٤). وفيها عمر ابن المرجاني شهاب الدين (٥) مسجدَ الخَيْف (٦)، وأنفقَ عليه نحوًا من عشرين ألفًا. وفي المحرَّم استقال أمين الملك (٧) من نظر طرابُلُس وأقام بالقدس. وفي آخر صفر باشر نيابة الحكم المالكي القاضي شمس الدين محمد بن أحمد القَفْصيّ، وكان قد قدم مع قاضي القضاة شرف الدين (٨) من مصر. وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الأول ضُربت عنقُ شخص يقال له: عبد الله الرُّومي (٩) وكان غلامًا لبعض التجّار، وكان قد لزم الجامع، ثم ادّعى النبوة واستُتيب فلم يرجع فضربت عنقه، وكان أشقَر أزرقَ العينين جاهلًا، وكان قد خالطه شيطانٌ حسَّن له ذلك، واضطرب عقله في نفس الأمر وهو في نفسه شيطان إنسي. وفي يوم الاثنين ثاني ربيع الآخر عُقِدَ عَقْدُ السلطان على المرأة التي قدمت من بلاد القبجاق، وهي من بنات الملوك (١٠). وخلع على القاضي بدر الدين ابن جماعة وكاتب السر وكريم الدّين وجماعة الأمراء.

стр. 148

ووصلت العساكر في هذا الشهر إلى بلاد سيس وغرق في نهر جاهان (١) من عساكر طرابُلُس نحو من ألف فارس. وجاءت مراسيم السلطان في هذا الشهر (٢) إلى الشَّام في الاحتياط على أخبار آل مهنا وإخراجهم من بلاد الإسلام، وذلك لغضب السلطان عليهم لعدم قدوم والدهم مهنَّا على السُّلطان. وفي يوم الأربعاء رابع عِشْري جمادى الأولى درَّس بالرُّكنية (٣) الشيخ محيي الدين الأسمر الحنفي (٤) وأُخذت منه الجَوْهرية (٥) لشمس الدين الرَّقِّي الأعرج (٦)، وتدريس جامع القلعة لعماد الدين بن محيي الدين الطرَسوسي (٧)، الذي ولي قضاء الحنفية بعد هذا، وأخذ من الرَّقي إمامة مسجد نور الدين بحارة اليهود لعماد الدين بن الكيَّال (٨)، وإمامة الربوة الشيخ محمد النّصيبي (٩). وفي جمادى الآخرة اجتمعت الجيوش الإسلامية بأرض حلبَ نحوًا من عشرين ألفًا، عليهم كلهم نائبُ حلب أَلْطَنْبُغَا، وفيهم نائب طرابُلُس شهاب الدين قَرَطَاي (١٠) فدخلوا بلاد الأَرْمن من إِسكندرية ففتحوا الثَّغر ثم تل حمدان ثم خاضوا جاهان فغرق منهم جماعة ثمَّ سلَّم الله، ثمَّ وصلوا إلى سيس فحاصروها وضيَّقوا على أهلها وأحرقوا دار المُلْك التي في البلد، وقطعوا أشجار البساتين وساقوا الأبقار والجواميس والأغنام، وكذلك فعلوا بطَرَسُوس، وخرَّبوا الضياع والأماكن وأحرقوا الزُّروع ثم رجعوا فخاضوا النهر المذكور فلم يغرق منهم أحد، وأخرجوا بعد رجوعهم مهنَّا وأولاده من بلاده، وساقوا خلفه إلى عانة (١١) وحديثة (١٢) ثم بلغ الجيشَ موتُ صاحب سيس وقيام ولده من بعده، فشنُّوا الغارات على بلاده وتابعوها وغنموا وأسروا وسلموا إلَّا في المرة الرابعة فإنه قُتِل منهم جماعة.

стр. 149

وفي هذه (١) السنة كانت وقعة عظيمة ببلاد الغرب بين المسلمين والفرنج فنصر الله المسلمين على أعدائهم فقتلوا منهم خمسين ألفًا وأسروا خمسة آلاف، وكان من جملة القتلى خمسة وعشرون ملكًا من ملوك الإفرنج، وغنموا شيئًا كثيرًا من الأموال، يقال: كان من جملة ما غنموا سبعون قنطارًا من الذَّهب والفضة، وإنما كان جيش الإسلام يومئذ ألفين وخمسمئة فارس غير الرُّماة، ولم يُقْتل منهم سوى أحَدَ عشرَ قتيلًا، وهذا من غريب ما وقع وعجيب ما سُمع (٢). وفي يوم الخميس ثاني عِشْري رجب عقد مجلس بدار السعادة للشيخ تقي الدين بن تيمية بحضرة نائب السلطنة، واجتمع (٣) فيه القضاة والمفتون من المذاهب، وحضر الشيخ وعاتبوه على العَوْدِ إلى الإفتاء بمسألة الطَّلاق، ثم حبس في القلعة فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا، ثم ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الإثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٤). وبعد ذلك بأربعة أيام أضيف شدُّ الأوقاف إلى الأمير علاء الدين بن سعد (٥) إلى ما بيده من ولاية البر وعُزل بدر الدّين المنكورسي عن الشَّدّ (٦). وفي آخر شعبان مسك الأمير علم الدّين الجَاوْلي نائبُ غزّة وحُمل إلى الإسكندرية لأنه اتّهم أنه يريد الدخول إلى بلاد (٧) اليمن، واحتيط على حواصله وأمواله، وكان له بر وإحسان وأوقاف، وقد بنى بغزَّة جامعًا حسنًا مليحًا. وفي هذا الشهر أراق ملك التتر أبو سعيد الخُمورَ وأبطل الحانات، وأظهر العدل والإحسان إلى الرعايا، وذلك أنّه أَصابَهم بردٌ عظيم وجاءهم سيل هائل فلجؤوا إلى الله ، وابتهلوا إليه فسلِمُوا فتابوا وأنابوا وعملوا الخير عَقِيْب ذلك. وفي العشر الأول من شوال جرى الماء بالنَّهر الكريمي الذي اشتراه كريم الدّين بخمسة وأربعين ألفًا وأجراه في جدول إلى جامعه بالقُبَيْبَات فعاش به الناس، وحصل به أُنسٌ إلى أهل تلك الناحية، ونصبت

стр. 150

عليه الأشجار والبساتين، وعمل حوضٌ كبير تجاه الجامع من الغرب يشربُ منه الناس والدواب، وهو حوض كبير وعُمل مطهرة، وحصل بذلك نفع كثير، ورفق زائد أثابه الله. وخرج الرَّكب في حاديْ عشرَ شوال وأميره الملك صلاح الدين بن الأَوْحد، وفيه زين الدين كَتْبُغًا الحاجب (١)، وكمال الدين الزَّمْلَكاني والقاضي شمس الدين بن العز (٢)، وقاضي حماة شرف الدين، البارزي (٣)، وقطب الدين ابن شيخ السلامية، وبدر الدين بن العطار، وعلاء الدين بن غانم، ونور الدين السَّخاوي، وهو قاضي الرَّكب. ومن المصريين قاضي الحنفية ابن الحريري، وقاضي الحنابلة ومجد الدين حرمي والشرف عيسى المالكي، وهو قاضي الركب. وفيه كَمُلَت عِمارة الحمَّام الذي عَمَرَهُ أَلْجِيْبُغَا (٤) غربي دار المطعم ودخله النَّاس. وفي أواخر ذي الحِجَّة وصل إلى دمشقَ من عند ملك التتر الخواجه مجد الدين إسماعيل بن محمد بن ياقوت السلامي (٥)، وفي صحبته هدايا وتُحف لصاحب مصرَ من ملك التتر، وَاشْتُهِرَ أَنّه إنما جاء ليُصلح بين المسلمين والتتر، فتلقاه الجند والدولة، ونزل بدار السعادة يومًا واحدًا، ثم سار إلى مصر. وفيها وقف النَّاسُ بعرفات موقفًا عظيمًا لم يعهد مثله، أتوه من جميع أقطار الأرض، وكان مع العراقيين محامل كثيرة من جملتها محملٌ قُوِّم ما عليه من الذّهب واللآلئ بألف ألف دينار مصرية، وهذا أمر عجيب. وممَّن توفي فيها من الأعيان: الشَّيخ إبراهيم الدَّهِستاني (٦): وكان قد أسنَّ وعُمِّرَ، وكان يذكر أن عمره حين أخذت التتر بغداد أربعين سنة، وكان يحضر الجمعة هو وأصحابه تحت قبة النَّسر، إلى أن توفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من ربيع الآخر بزاويته (٧) التي عند سوق الخيل بدمشقَ، ودفن بها وله من العمر مئة وأربع سنين، كما قال، فالله أعلم. الشيخ محمَّد بن محمود بن علي: الشحَّام المقرئ شيخ ميعاد ابن عامر (٨)، كان شيخًا حسنًا بهيًا

стр. 151

مواظبًا على تلاوة القرآن إلى أن توفي في ليلة توفي الدهستاني المذكور أو قبله بليلة رحمهما الله. الشيخ شمس الدين ابن الصَّائغ اللُّغوي (١): هو أبو عبد الله محمد بن حسن (٢) بن سِبَاع بن أبي بكر الجُذَامي المصري الأصل، ثم انتقل إلى دمشق، ولد تقريبًا سنة خمس وأربعين وستمئة بمصرَ، وسمع الحديث وكان أديبًا فاضلًا بارعًا بالنظم والنثر، وعلم العروض والبديع والنّحو واللغة، وقد اختصر "صحاح الجوهري"، وشرح "مقصورة ابن دريد"، وله قصيدة تائية تشتمل على ألفي بيت فأكثر، ذكر فيها العلوم والصنائع، وكان حسنَ الأخلاق لطيفَ المحاورة والمحاضرة، وكان يسكن بين درب الحبالين والفرَّاش عند بستان القط توفي بداره يوم الإثنين ثالث شعبان ودفن بباب الصغير. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وسبعمئة استهلَّت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وفي أوّل يوم منها فُتح حمَّامُ الزَّيت الذي في رأس درب الحجر، جدَّد عمارته رجلٌ سامري (٣) بعد ما كان قد درس ودثر من زمان الخُوارزمية من نحو ثمانين سنة، وهو حمام جيد متسع. وفي سادس المحرَّم وصلت هديَّةٌ من ملك التتار أبي سعيد إلى السلطان، صناديق وتُحف ورقيق (٤). وفي يوم عاشوراء خرج الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية من القلعة بمرسوم السُّلطان، وتوجه إلى داره، وكانت مدة إقامته خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا ﵀. وفي رابع ربيع الآخر وصل إلى دمشق القاضي كريم الدين وكيل السلطان فنزل بدار السعادة، وقدم قاضي القضاة تقيُّ الدين بنُ عوض الحاكم الحنبلي بمصرَ وهو ناظر الخزانة أيضًا، فنزل بالعادلية الكبيرة (٥) التي للشافعية، فأقام بها أيامًا، ثم توجه إلى مصر: جاء في بعض أشغال السلطان وزار القدس. وفي هذا الشهر كان السلطان قد حفر بركة قريبًا من المَيْدان، وكان في جوارها كنيسة فأمر الوالي بهدمها، فلما هدمت تسلَّط الحرافيشُ وغيرهم على الكنائس بمصرَ يهدمون ما قدروا عليه، فانزعج

стр. 152

السلطان من ذلك (١) وسأل القضاةَ: ماذا يجب على من تعاطى ذلك منهم؟ فقالوا: يعزَّرُ، فأخرج جماعة من السجون ممَّن وجبَ عليه قتل (٢) فقطع وصلب وحرم وخزم وعاقب، موهمًا أنه إنّما عاقب من تَعَاطى تخريب ذلك، فسكن الناس وأمنت النصارى وظهروا بعد ما كانوا قد اختفوا أيامًا. وفيه ثارت الحرامية ببغداد ونهبوا سوقَ الثُّلاثاء وقت الظهر، فثار النَّاس وراءهم وقتلوا منهم قريبًا من مئة وأسروا آخرين. قال الشيخ علَم الدين البِرْزالي ومن خطِّه نقلتُ: وفي يوم الأربعاء السادس من جمادى الأولى خرج القضاة والأعيان والمفتون إلى القابون، ووقفوا على قِبلة الجامع الذي أمر ببنائه القاضي كريم الدين وكيل السلطان بالمكان المذكور، وحرَّروا قِبلَته، واتَّفقوا على أن تكون مثل قِبلة جامع دمشق. وفيه وقعت مراجعة بين (٣) الأمير جُوبان (٤) أحد المقدَّمين الكبار بدمشق، وبين نائب السلطنة تَنْكِز، فمسك جوبان ورفع إلى القلعة ليلتين، ثم حُوّل إلى القاهرة فعوتب في ذلك، ثم أعطي خبزًا يليق به. وذكر علم الدين أن في هذا الشهر وقع حريق عظيم في القاهرة في الدور الحسنة والأماكن المليحة المرتفعة، وبعض المساجد، وحصل للناس مشقة عظيمة من ذلك، وقنتوا في الصلوات، ثم كشفوا عن القضية فإذا هو من فعل النصارى بسبب ما كان أُحرق (٥) من كنائسهم وهدم، فقتل السُّلطان بعضَهم وألزم النصارى أن يلبسوا الزُّرقة على رؤوسهم وثيابهم كلها، وأن يحملوا الأجراس في الحمامات، وأن لا يُستخدموا في شيء من الجهات، فسكن الأمر وبَطَل الحريق (٦). وفي جُمادى الآخرة خرَّب ملك التتار أبو سعيد البَازَار (٧) وزوَّج الخواطئ وأراق الخمور، وعاقب ذلك أشد العقوبة، وفرح المسلمون بذلك ودعَوا له ﵀ وسامحه. وفي الثالث عشر من جمادى الآخرة أُقيمت الجمعة بمسجد القصب (٨) وخطب به الشّيخ علي المناخلي.

стр. 153

وفي يوم الخميس تاسعَ عشرَ جُمادى الآخرة فُتح الحمّام الذي أنشأه تَنْكِز تجاه جامعه، وأُكري في كل يوم بأربعين درهمًا لحسنه وكثرة ضوئه ورخامه. وفي يوم السبت تاسعَ عشرَ رجب خربت كنيسة القرائيين التي تجاه حارة اليهود بعد إثبات كونها محدثة [عند الحكام] (١) وجاءت المراسيم السلطانية بذلك. وفي أواخر رجب نفذت الهدايا من السلطان إلى أبي سعيد ملك التتار، صحبة الخواجا مجد الدين السلامي، وفيها خمسون جملًا وخيول وحمار عتابي. وفي منتصف رمضانَ أُقيمت الجمعة بالجامع الكريمي بالقابون وخطب فيه الفقيه جمال الدين عبد الوهاب التركماني الحنفي إمام القابون (٢) وشهدها يومئذ القُضَاة والصَّاحب وجماعةٌ من الأعيان. قال الشيخ علَم الدين: وقدم دمشق الإمام قوام الدين كاتب ابن الأمير عمر بن العميد الأكفاني (٣) القازاني، مدرّس مشهد الإمام أبي حنيفة ببغداد، في أول رمضان، وقد حج في هذه السنة وتوجه إلى مصر وأقام بها أشهرًا، ثم مر بدمشق متوجهًا إلى بغداد فنزل بالخاتونية الحنفية، وهو ذو فنون وبحث وأدب وفقه. وخرج الرَّكب الشامي يوم الإثنين عاشر شوال وأميره شمس الدين حمزة التركماني (٤)، وقاضيه نجم الدين الدمشقي (٥). وفيها حجَّ تَنْكِرُ نائب الشام وفي صحبته جماعةٌ من أهله، وقدم من مصر الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب لينوب عنه إلى أن يرجع، فنزل بالنَّجيبية البرَّانية (٦). وممَّن حج فيها الخطيب جلال الدين القَزْويني، وعز الدين حمزة بن القلانسي، وابن العز شمس الدين الحنفي، وجلال الدين بن حسام الدين الحنفي، وبهاء الدين بن عليمة (٧)، وعلم الدين البِرْزالي. ودرَّس ابنُ جماعة بزاوية الشّافعي يوم الأربعاء ثامنَ عشرَ شوال عوضًا عن شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصاري (٨) لسوء تصرفه، وخُلع على ابن جماعة، وحضر عنده من الأعيان والعامة ما يُشَابهُ

стр. 154

جميعُه الجُمُعة (١)، وأُشعلت له شموع كثيرة وفرح الناس بزوال المعزول. قال البِرْزالي ومن خطِّه نقلت: وفي يوم الأحد سادسَ عشرَ شوال ذكر الدَّرس الإمامُ العلَّامة تقي الدين السبكي المحدث بالمدرسة الهَكَّاريَّة (٢) عوضًا عن ابن الأنصاري أيضًا، وحضر عنده جماعة منهم القُونوي، وروى في الدَّرس حديث المتبايعين بالخِيَار (٣)، عن قاضي القضاة ابن جماعة. وفي شوال عزل علاء الدين بن سعد عن ولاية البرّ، وشدّ الأوقاف، وتولّى ولاية الولاة بالبلاد القِبلية بحوران عوضًا عن بَكْتَمُر لسفره إلى الحجاز، وباشر أخوه بدر الدّين شدَّ الأوقاف، والأمير علم الدين الطرقشي ولاية البر شد الدواوين، وتوجَّه ابنُ الأنصاري إلى حلب متوليًا وكالة بيت المال عوضًا عن تاج (٤) الدين أخي شرف الدين يعقوب (٥) ناظر حلب، بحكم ولاية التَّاج المذكور نظر الكَرَك. وفي يوم عيد الفطر ركب الأمير تَمُرتاش بن جُوبان (٦) نائب أبي سعيد على بلاد الروم قيسارية في جيش كثيف من التَّتار والتُّركمان والقرمان، فدخل بلادَ سيس فقتل سيس فقتل وسبى وحرق وخرب، وكان قد أرسل لنائب حلب ألْطَنْبُغَا ليجهَّزَ له جيشًا ليكونَ عونًا له على ذلك، فلم يمْكِنْه [أن يرسل إليه] (٧) ذلك بغير مرسوم السُّلطان. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الصالح المقرئ (٨): بقية السَّلف عفيفُ الدين أبو محمد عبد الله بن عبد الحق بن عبد الله بن عبد الأحد (٩) بن علي القرشي المخزومي الدَّلاصِيّ (١٠) شيخُ الحرم بمكَّة، أقام فيه أزيد من ستِّين سنة، يُقرئ النَّاسَ القرآن احتسابًا، وكانت وفاته ليلة الجمعة الرابع عشر من محرم بمكة، وله أزيد من تسعين سنة ﵀.

стр. 155

الشيخ الفاضل شمس الدين أبو عبد الله (١): محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمداني، أبوه الصَّالحي المعروف بالسَّكاكيني، ولد سنة خمس وثلاثين وستمئة بالصالحية، وقرأ بالروايات، واشتغل في مقدمة في النحو، ونظم قويًا، وسمع الحديث، وخرَّج له ابن الفخر (٢) البعلبكي جزءًا عن شيوخه، ثم دخل في التشيُّع فقرأ على أبي صالح الحلبي (٣) شيخ الشيعة، وصحب [ابن] (٤) عدنان وقرَّأَ عليه أولاده، وطلبه أمير المدينة النبوية الأمير منصور بن جماز (٥) فأقام عنده نحوًا من سبع سنين، ثم عاد إلى دمشق وقد ضَعُف وثقل سمعه، وله سؤال في الجبر أجابه به الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكل فيه عنه غيره، وظهر له بعد موته كتاب فيه انتصارٌ لليهود وأهل الأديان الفاسدة (٦) فغسله تقي الدين السُّبكي لما قدم دمشق قاضيًا، وكان بخطه، ولمَّا مات لم يشهد جنازته القاضي شمس الدين بن مسلم (٧). توفي يوم الجمعة سادس عشر صفر، ودفن بسفح قاسيون، وقُتل ابنه فيما بعد (٨) على قذفه أمهات المؤمنين عائشة وغيرها ﵅ وقبّح قاذفهُنّ. وفي يوم الجُمعة مستهل رمضان صلّي بدمشق على غائبين وهم: الشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد الأَصْبهاني (٩): توفي بمكة. وعلى جماعة توفوا بالمدينة النَّبويَّة، منهم: أبو (١٠) عبد الله بن أبي القاسم بن فرحون: مدرس المالكية بها.

стр. 156

والشيخ يحيى الكردي (١). والشيخ حُسَيْن المغربي السقا (٢). الشيخ الإمام العالم علاء الدين (٣): علي بن سعيد بن سالم الأنصاري، إمام مشهد علي من جامع دمشق، كان بشوشَ الوجه متواضعًا حسنَ الصَّوت بالقراءة ملازمًا لإقراء الكتاب العزيز بالجامع، وكان يَؤُمُّ نائبَ السَّلطنة، وهو والد العلامة بهاء الدين محمد بن علي (٤) مدرّس الأمينية، ومحْتَسِب دمشقَ. توفي يوم الإثنين رابع رمضانَ ودفن من الغد بسفح قاسيون. الأميرُ حاجب الحجاب (٥): زين الدين كَتْبُغَا المنصوريّ، حاجبُ دمشق، كان من خيار الأمراء وأكثرهم بِرًا للفقراء والمساكين (٦) يحب الختم والمواعيد والموالد، وسماع الحديث، ويلزم أهلَه ويُحسن إليهم، وكان ملازمًا لشيخنا أبي العباس بن تيمية كثيرًا (٧)، وكان يحجُّ ويتصدَّق، توفي يوم الجمعة آخر النهار ثامن عِشري (٨) شوال، ودُفن من الغد بتربته قبلي القُبَيْبَات، وشهده خلقٌ كثير وأَثْنَوْا عليه. ﵀. [وفيها كانت وفاة] (٩): الشيخ بهاء الدين بن المقدسي (١٠). الشيخ سعد الدّين أبو زكريا يحيى المقدسي (١١): والد الشيخ شمس الدين محمد بن سعد المحدِّث المشهور (١٢).

стр. 157

وسيف الدّين النَّاسخ (١): المُنادي على الكتب. والشيخ أحمد الحَزام (٢): المقرئ على الجنائز، وكان يكرر على "التنبيه"، ويسأل عن أشياء منها ما هو حسن ومنها ما ليس بحسن. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وسبعمئة استهلَّت وأرباب الولايات هم المذكورون في التي قبلها، سوى والي البر بدمشقَ فإنه علم الدين طرقشي، وقد صرف ابن سعد إلى ولاية حَوْران لشهامته وصرامته وديانته وأمانته. وفي المحرَّم حصلت زلزلة عظيمة بدمشق، وقى الله شرَّها. وقدم تَنْكِزُ من الحجاز ليلة الثلاثاء حاديْ عَشَرَ المحرَّم، وكانت مدة غيبته ثلاثةَ أشهر، وقدم ليلًا لئلَّا يتكلَّف أحدٌ لقدومه، وسافر نائبُ الغيبة (٣) عنه قبله بيومين لئلا يكلِّفه بهدية ولا غيرها. وقدم مُغْلَطَاي عبد الواحد الجمدار أحد الأمراء بمصرَ بخلعة سنيّة من السُّلطان لِتَنْكِزَ فلبسها، وقبّلَ العتبة على العادة. وفي يوم الأربعاء سادس صفر درَّس الشيخ نجم الدين القَحْفازيّ (٤) بالظَّاهرية للحنفية (٥)، وهو خطيب جامع تَنْكِز، وحضر عنده القضاة والأعيان، ودرَّس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وذلك بعد وفاة القاضي شمس الدين بن العز الحنفي، توفي مرجعَه من الحجاز، وتولّى بعده نيابة القضاء عماد الدّين الطَّرَسُوسي (٦)، وهو زوج ابنته، وكان ينوب عنه في حال غيبته، فاستمرَّ بعده، ثم ولّي الحكم بعده، مستنيبه فيها. وفيه قدم الخُوارزمي حاجبًا عوضًا عن كَتْبُغَا. وفي ربيع الأول قدم إلى دمشق الشيخ قوام الدين مسعود بن الشيخ برهان الدين محمد ابن الشيخ

стр. 158

شرف الدين محمد الكرماني الحنفي، فنزل بالقصَّاعين، وتردَّد إليه الطلبة ودخل إلى نائب السَّلطنة واجتمع به وهو شاب مولده سنة إحدى وسبعمئة (١) وقد اجتمعت به، وكان عنده مشاركة في الفروع والأصول ودعواه أوسع من محصوله، وكانت لأبيه وجدِّه، مصنَّفات، ثم صار بعد مدة إلى مصر ومات بها كما سيأتي. وفي ربيع الأول تكامل فتحُ آياس (٢) ومعاملتها وانتزاعُها من أيدي الأرمن، وأخذ البرج الأطلس، بينه وبينها في البحر رميةٌ ونصف، فأخذه المسلمون بإذن الله وخَرَّبوه، وكانت أبوابه مطليَّةً بالحديد والرصاص (٣)، وعرضُ سوره ثلاثةَ عشرَ ذراعًا بالنجار، وغنم المسلمون غنائم كثيرة جدًا، وحاصروا كواره (٤) فقوي عليهم الحرُّ والذُّباب، فرسم السُّلطان بعودهم، فحرقوا ما كان معهم من المجانيق وأخذوا حديدَها وأقبلوا سالمين غانمين، وكان معهم خلق كثير من المتطوّعين. وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى كَمُل بسطُ الجامع فاتَّسع على الناس، ولكن حصل حرج بحمل الأمتعة على خلاف العادة، فإن الناس كانوا يمرون وسط الرواقات ويخرجون من باب البرادة، ومن شاء استمرَّ يمشي إلى الباب الآخر بنعليه، ولم يكن مَمْنوعًا سوى المقصورة لا يمكن أحد الدخول إليها بالمداسات، بخلاف باقي الرواقات، فأمر نائب السَّلطنة بتكميل بسطه بإشارة ناظره ابن مراجل (٥). وفي جُمادى الآخرة رجعت العساكر من بلاد سيس ومقدّمهم أقوش نائب الكَرَك. وفي آخر رجب باشر القاضي محيي الدين (٦) إسماعيل بن جهبل نيابة الحكم عن ابن صَصْرَى عوضًا عن الداراني الجعفري، واستغنى الداراني بخطبة جامع العُقَيبة عنها. وفي ثالث رجب ركب نائب السلطنة إلى خدمة السلطان فأكرمه وخلع عليه، وعاد في أول شعبان ففرح به الناس. وفي رجب كمُلت عمارة الحمام الذي بناه الأمير علاء الدين بن صُبح جوار داره شمالي الشامية البرَّانية.

стр. 159

وفي يوم الإثنين تاسع شعبانَ عقد الأمير سيف الدين أبو بكر بن أَرْغُون نائب السَّلطنة عقده على ابنة الناصر، وختن في هذا اليوم جماعة من أولاد الأمراء بين يديه، ومَدَّ سماطًا عظيمًا، ونُثرت الفضةُ على رؤوس المطهِّرين، وكان يومًا مشهودًا، ورسم السلطان في هذا اليوم وضع المَكْسَ عن المأكولات بمكة، وعوَّض صاحبها عن ذلك بإقطاع في بلد الصعيد (١). وفي أواخر رمضان كَمُلت عمارة الحمَّام الذي بناه بهاء الدين بن عليمة (٢) بزقاق الماصية (٣) من قاسيون بالقرب من سكنه، وانتفع به أهل تلك الناحية ومن جاورهم. وخرج الركب الشامي يوم الخميس ثامن شوال وأميره سيف الدين بلبطي نائبُ الرَّحبة، وكان سكنه داخل باب الجابية بدرب ابن صَبْرة، وقاضيه شمس الدين بن النقيب (٤) قاضي حمص. وممن توفي فيها من الأعيان: القاضي شمس الدين بن العز الحنفي (٥): أبو عبد الله محمد بن الشيخ شرف الدين أبي البركات محمد بن الشيخ عز الدين أبي العز صالح بن أبي العز بن وهيب (٦) بن عطاء بن جبير بن كاين بن وهيب الأذرعي الحنفي، أحد مشايخ الحنفية وأئمتهم وفضلائهم في فنون من العلوم متعددة. حكم نيابة نحوًا من عشرين سنة، وكان سديد الأحكام محمود السيرة جيد الطريقة كريم الأخلاق، كثير البر والصلة والإحسان إلى أصحابه وغيرهم، وخطب في جامع الأفْرم مدّةً، وهو أول من خطب به، ودرَّس بالمُعظَّمية (٧) واليَغْموريّة (٨) والقَلِيْجيّة (٩) والظاهرية، وكان ناظر أوقافها، وأذن للنّاس بالإفتاء، وكان كبيرًا معظّمًا مهيبًا. توفي بعد مرجعه من الحجِّ بأيام قلائل، يوم الخميس سلخ المحرم، وصُلّي عليه يومئذ بعد الظهر بجامع الأَفْرم ودُفن عند المُعَظَّمية عند أقاربه، وكانت جنازته حافلةً، وشهد له النَّاسُ بالخير وغبطوه لهذه الموتة ﵀.

стр. 160

ودرس بعده في الظاهرية نجم الدين القحفازي (١)، وفي المُعَظَّمية والقَلِيْجية والخطابة بالأفرم ابنه علاء الدين (٢)، وباشر بعده نيابةَ الحكم القاضي عماد الدين الطَّرَسُوسي، مدرِّسُ القلعة. الشيخ الامام (٣) العالم أَبو إسحاق (٤): بقية السَّلف رضي الدين أبو إِسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطَّبَري المكّيّ الشافعي، إمام المقام أكثر من خمسين سنة، سمع الحديث من شيوخ بلده والواردين إليها ولم يكن له رحلة، وكان يفتي الناس من مدة طويلة، ويذكر أنه اختصر "شرح السنة" للبغوي. توفي يوم السبت بعد الظهر ثامن ربيع الأول بمكَّة، ودُفن من الغد، وكان من أئمة المشايخ. شيخنا الزاهد الورع (٥): بقية السَّلف ركن الدين (٦) أبو يحيى زكريا بن يوسف بن سليمان بن حمَّاد البَجَليّ الشافعي، نائب الخطابة، ومدرّس الطِّيبيّة (٧) والأَسَدية (٨)، وله حلقة للإشغال (٩) بالجامع، يحضر بها عنده الطلبة، كان يشغل في الفرائض وغيرها، مواظبًا على ذلك. توفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى عن سبع وستين سنة (١٠) ودفن قريبًا من شيخه تاج الدّين الفزاري (١١) رحمهما الله. نصير الدّين (١٢): أبو محمد عبد الله بن وجيه الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن (١٣) علي بن محمد بن علي بن أبي طالب بن سويد بن معالي بن محمد بن أبي بكر الربعي التغلبي التكريتي أحد صدور

стр. 161

دمشق، قدم أبوه (١) قبله إليها وعظُم في أيام الظّاهر وقبله، وكان مولده في حدود خمسين وستمئة، ولهم الأموال الكثيرة والنعمة الباذخة. توفي يوم الخميس عشرين رجب، ودفن بتربتهم (٢) بسفح قاسيون ﵀. وفي يوم الأحد حادي عشر شوال توفي: شمس الدين محمد بن المغربي (٣): التاجر السفَّار، باني خان الصَّنَمَيْن (٤) الذي على جادة الطريق للسَّبيل ﵀ وتقبّل منه-، وهو في أحسن الأماكن وأنفعها. الشيخ الجليل الزاهد (٥) نجم الدين (٦): أبو عبد الله الحسين بن محمد بن إسماعيل القرشي (٧) المعروف بابن عبود (٨) المصري، كانت له وجاهة وإقدام على الدولة. توفي بكْرة الجمعة ثالث عشري شوال، ودفن بزاويته، وقام بعده فيها ابن أخيه شمس الدين محمد بن الحسن (٩). الشيخ الفقيه محيي الدين أبو الهدى (١٠): أحمد بن الشيخ شهاب الدين أبي شامة (١١)، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمئة فأسمعه أبوه على المشايخ وقرأ القرآن واشتغل بالفقه وكان ينسخ، ويكثر التلاوة، ويحضر المدارس والسّبع الكبير (١٢). توفي في سابع عِشْري شوال، ودفن عند والده بمقابر باب الفراديس (١٣).

стр. 162

الشيخ الصالح العابد: جلال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن زين الدين محمد بن أحمد بن محمود بن محمد العقيلي المعروف بابن القلانسي (١)، ولد سنة أربع وخمسين وستمئة، وسمع على ابن عبد الدائم جزء ابن عرفة، ورواه غير مرة، وسمع على غيره أيضًا، واشتغل بصناعة الكتابة والإنشاء ثم انقطع، وترك ذلك كلَّه، وأقبل على العبادة والزهادة، وبنى له الأمراء بمصرَ زاويةً وتردَّدُوا إليه، وكان فيه بشاشة وفصاحة، وكان ثقيل السَّمع، ثم انتقل إلى القدس وقدم دمشقَ مرَّةً فاجتمع به الناس وأكرموه، وحدَّث بها ثم عاد إلى القدس، وتوفي بها ليلة الأحد ثالث ذي القعدة، ودفن بمقابر ماملي ﵀، وهو أخُ (٢) المحتسب عز الدين بن القلانسي، وهذا خال الصَّاحب تقي الدين بن مراجل (٣). الشيخ الإمام قطب الدين: محمّد بن عبد الصّمد بن عبد القادر السُّنْباطي المصري (٤)، اختصر "الروضة" (٥) وصنف كتاب "تصحيح التعجيز"، ودرَّس بالفاضلية ونابَ في الحكم بمصرَ، وكان من أعيان الفقهاء. توفي يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة عن سبعين سنة، وحضر بعده تدريس الفاضلية ضياء الدين المُنَاوي (٦)، نائب الحكم بالقاهرة وحضر عنده ابن جماعة، والأعيان والله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وسبعمئة استهلَّت بيوم الأحد في كانون الأصمّ، والحكَّام هم المذكورون في التي قبلها، غير أن والي البرِّ بدمشق هو الأمير علاء الدين علي بن الحسن المرواني (٧)، باشرها في صفر من السنة الماضية. وفي صفر من هذه السنة باشر ولاية المدينة الأمير شهاب الدين بن برق (٨) عوضًا عن صارم الدين الجوكنداري.

стр. 163

وفي صفر عوفي القاضي كريم الدين وكيل السُّلطان من مرض كان قد أصابه، فزُيّنت القاهرة وأُشْعِلت الشموع وجُمع الفقراء بالمارستان المنصوري ليأخذوا من صدقته، فمات بعضهم من الزِّحام (١). وفي سلخ ربيع الأول درّس الإمام العلامة المحدث تقي الدين السُّبكي الشافعي بالمنصورية بالقاهرة عوضًا عن القاضي جمال الدين الزرعي، بمقتضى انتقاله إلى دمشقَ، وحضر عنده علاء الدين شيخ الشيوخ القونوي الشافعي ودرّس بعده بجامع الحاكم شمس الدين محمد بن أحمد بن عدلان بالعزّية. وكانت ولاية (٢) القاضي جمال الدين الزرعي لقضاء الشام عوضًا عن النجم ابن صَصْرى، في يوم الجمعة رابع جمادى الأولى، فنزل العادلية وقد قدم على قضاء القضاة ومشيخة الشيوخ وقضاء العساكر وتدريس العادلية والغزالية والأتابكية (٣). وفي يوم الأحد (٤) مسك القاضي كريم الدين (٥) عبد الكريم بن هبة الله بن السَّديد وكيل السلطان وكان قد بلغ من المنزلة والمكانة عند السلطان مالم يصل إليه غيره من الوزراء الكبار، واحتيط على أمواله وحواصله، ورسم عليه عند نائب السَّلطنة، ثم رُسم له أن يكون بتربته التي بالقَرَافة، ثم نفي إلى الشَّوْبك (٦) وأُنعم عليه بشيء من المال، ثم أُذن له بالإقامة بالقدس الشريف برباطه. ومسك ابن أخيه كريم الدين الصغير ناظر الدواوين، وأخذت أمواله وحبس في البرج، وفرحت العامة بذلك ودَعوا للسلطان بسبب مسكهما، ثم أخرج إلى صفت (٧). وطلب من القدس أمين الملك عبد الله فولّي الوزارة بمصر، وخلع عليه عَودًا على بَدءٍ، وفرح العامة بذلك وأشعلوا له الشموع، وطلب الصاحب شمس الدين غبريال من دمشق فركب ومعه أموال كثيرة، من حواصل كريم الدين الكبير، وعاد إلى دمشق مكرمًا، وقدم القاضي معين الدين بن الحشيشي على نظر الجيوش الشامية عوضًا عن القطب ابن شيخ السلامية عزل عنها، ورسم عليه في العذراوية نحوًا من عشرين يومًا ثم أذن له في الانصراف إلى منزله مصروفًا عنها.

стр. 164

وفي جُمادى الأولى عُزل طُرُقْشي عن شد الدواوين وتولَّاها الأمير بَكْتَمُر (١). وفي ثاني جُمادى الآخرة باشر ابنُ جهبل نيابة الحكم عن الزَّرعي، وكان قد باشر قبلها بأيام نظر الأيتام عوضًا عن ابن هلال. وفي شعبان أعيد الطُّرُقْشي إلى الشدّ وسافر بَكْتَمُر إلى نيابة الإسكندرية، وكان بها إلى أن توفي. وفي رمضانَ قدم جماعةٌ من حجَّاج الشرق، وفيهم بنت الملك أبغا بن هولاكو، وأخت أَرْغون وعمَّة قازان وخَرْبَنْدا، فأُكرمت وأُنزلت بالقصر الأبلق، وأُجريت عليها الإقامات والنفقات إلى أوان الحجّ (٢). وخرج الركب يوم الإثنين ثامن شوّال وأميره قُطْليجا (٣) الأبوبكري، الذي بالقصَّاعين، وقاضي الركب شمس الدين قاضي القضاة ابن مسلم الحنبلي (٤). وحج معهم جمال الدين المِزِّي، وعماد الدين ابن الشيرجي، وأمين الدين الواني، وفخر الدين البعلبكي، وجماعة، وفُوّض الكلام في ذلك إلى شرف الدين بن سعد الدين بن نُجَيح، كذا أخبرني شهاب الدين الظاهري. ومن المصريين قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وولده عز الدين، وفخر الدين كاتب المماليك، وشمس الدين الحارثي، وشهاب الدين الأذرعي، وعلاء الدّين الفارسي. وفي شوّال باشر تقي الدين السُّبكي مشيخة دار الحديث الظاهرية بالقاهرة بعد وفاة (٥) زكي الدين المنادي، ويقال له: عبد العظيم بن الحافظ شرف الدين الدمياطي، ثم انتزعت من السُّبكي لفتح الدين بن سيد الناس اليَعْمُري، باشرها في ذي القعدة. وفي يوم الخميس مستهل ذي الحجة خلع على قطب الدين ابن شيخ السلامية وأعيد إلى نظر الجيش مصاحبًا لمعين الدين بن الحُشَيْش (٦)، ثم بعد مُدَيْدةٍ (٧) استقلَّ قطبُ الدين بالنَّظر وحده وعزل ابن حُشَيْش.

стр. 165

وممَّن توفي فيها من الأعيان: الإمام المؤرخ كمال الدين الفُوَطي (١): أبو الفضل عبد الرزاق بن (٢) أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي المعالي الشَّيباني البغدادي، المعروف بابن الفُوَطي، وهو جده لأمّه. ولد سنة اثنتين وأربعين وستمئة ببغداد، وأُسر في واقعة التّتار، ثمّ تخلَّص من الأسر، فكان مشارفًا على الكتب بالمستنصرية، وقد صنف تاريخًا في خمسة وخمسين مجلدًا (٣)، وآخر في نحو عشرين (٤)، وله مصنفات كثيرة، وشعر حسن، وقد سمع الحديث (٥) من محيي الدين بن الجوزي. توفي ثالث المحرم ودفن بالشُّونيزية. قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى (٦): أبو العباس أحمد بن العدل عماد الدين بن محمد بن العدل أمين الدين سالم بن الحافظ المحدّث بهاء الدين أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن صَصْرى التَّغْلبيّ الربَعي الشافعي قاضي القضاة بالشام. ولد في ذي القعدة سنة خمس وخمسين وستمئة، وسمع الحديث، واشتغل وحصّل وكتب عن القاضي شمس الدين بن خلكان "وفيات الأَعيان"، وسمعها عليه، وتفقَّه بالشيخ تاج الدين الفزاري، وعلى أخيه شرف الدين في النّحو، وكان له يد في الإنشاء وحسن العبارة، ودرَّس بالعادليَّة الصغيرة سنة ثنتين وثمانين، وبالأمينية سنة تسعين، وبالغزالية سنة أربع وتسعين (٧)، وتولى قضاء العساكر في دولة العادل كَتْبُغَا، ثم تولى قضاء الشام سنة ثنتين وسبعمئة بعد ابن جماعة حين طُلب لقضاء مصر، بعد ابن دقيق العيد. ثم أُضيف إليه مشيخة الشيوخ مع تدريس العادلية والغزالية والأتابكية، وكلها مناصب دنيوية انسلخ منها وانسلخت منه، ومضى عنها وتركها لغيره، وأكبر أُمنيته بعد وفاته أنه لم يكن تولّاها وهي متاع قليل من

стр. 166

حبيب مفارق (١)، وقد كان رئيسًا محتشمًا وقورًا كريمًا جميل الأخلاق، معظَّمًا عند السلطان والدولة. توفي فجأة ببستانه بالسَّهْم (٢) ليلة الخميس سادس عشر ربيع الأول وصلّي عليه بالجامع المظفَّري، وحضر جنازته نائب السلطنة والقضاة والأمراء والأعيان، وكانت جنازته حافلةً ودفن بتربتهم (٣) عند الرُّكنيَّة. علاء الدين علي (٤) بن محمد (٥): بن عثمان بن أحمد بن أبي المنى بن محمد بن نحلة الدمشقي الشافعي، ولد سنة ثمان وخمسين وستمئة وقرأ "المحرَّر"، ولازم الشيخ زين الدين الفارقي ودرَّس بالدّولعية والرّكنية، وكان (٦) ناظر بيت المال، وابتنى دارًا حسنةً إلى جانب الرّكنية، ومات وتركها في ربيع الأول، ودرّس بعده بالدّولعية القاضي جمال الدين بن جملة (٧)، وبالركنية القاضي ركن الدين الخراساني (٨). وفي ربيع الأوّل قُتل: الشَّيخُ ضياء الدين (٩): عبد الله الدَّرَبنْديّ (١٠) النَّحوي، كان قد اضطرب عقله، فسافر من دمشقَ إلى القاهرة، فأشار شيخ الشيوخ القونوي أنْ يُودع (١١) بالمارستان فلم يوافق، ثم دخل إلى القلعة وبيده سيفٌ مسلول فقتل نصرانيًا، فحمل إلى السلطان، وظنُّوه جاسوسًا فأمر بشنقه فشنق. وكنتُ ممَّن اشتغل عليه في النَّحو. الشَّيخ الصالح المقرئ الفاضل (١٢): شهاب الدين أحمد بن الطبيب بن عبد (١٣) الله الحلبي (١٤)

стр. 167

العزيزي الفوارسي، المعروف بابن الحلبيَّة، سمع من خطيب مَرْدَا (١) وابن عبد الدائم (٢)، واشتغل وحصَّل وأقرأ النَّاسَ. وكانت وفاته في ربيع الأول عن ثمانٍ وسبعينَ سنة، ودُفن بالسَّفح. شهاب الدين أحمد بن محمد (٣): ابن قُطَينَة (٤) الزرعي التّاجر المشهور بكثرة الأموال والبضائع والمتاجر، قيل: بلغت زكاةُ ماله في سنة قازان خمسة وعشرين ألفَ دينار. وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بتربته (٥) التي بباب بستانه المسمى بالمرفع (٦) عند ثُورا، في طريق القابون، وهي تربة هائلة، وكانت له أملاك. القاضي الإمام جمال الدين (٧): أبو بكر بن عيّاش (٨) بن عبد الله الخابوري، قاضي بعلبك، وأكبر أصحاب الشيخ تاج الدين الفزاري (٩)، قدم من بعلبك ليلتقي بالقاضي الزرعي فمات بالمدرسة البادرائية (١٠) ليلة السبت سابع جُمادى الأولى ودفن بقاسيون، وله من العمر سبعون سنة. أَضْغاثُ حُلم (١١). الشَّيخ المعمَّر المسن جمال الدين (١٢): عمر بن إلياس بن الرّشيد البعلبكي التاجر، ولد سنة ثنتين (١٣) وستمئة وتوفي في ثانيْ عشرَ جُمادى الأولى عن مئة وعشرين (١٤) سنة، ودُفن بمسطحا (١٥) ﵀.

стр. 168

الشيخ الإمام المحدّث اللغوي المفيد: صفيّ الدين أبو الثَّناء محمود بن أبي بكر محمد (١) ابن حامد بن يحيى بن الحسين الأُرْمَوي (٢) الصُّوفي (٣)، ولد سنة ست وأربعين وستمئة، وسمع الكثير، ورحل، وطلب، وكتب الكثير، وذيّل على "النِّهاية" لابن الأثير، وكان قد قرأ التنبيه واشتغل في اللغة فحصّل منها طرفًا جيدًا، ثم اضطرب عقله في سنة سبع وسبعين وغلبت عليه السَّوداء، وكان يفيق منها في بعض الأحيان فيذاكر صحيحًا ثم يعترضه المرضُ المذكور، ولم يزل كذلك حتى توفي في جُمادى الآخرة من هذه السنة في المارستان النُّوري، ودفن بباب الصغير. الخاتون المصونة: خَاتُون (٤) بنت الملك الصّالح إسماعيل بن العادل بن أبي بكر بن أيّوب بن شاذي بدارها. وتُعرف بدار كافور. وكانت رئيسةً محترمةً، ولم تتزوّج قطُّ، وليس في طبقتها من بني أيوب غيرها في هذا الحين. توفيت يوم الخميس الحادي والعشرين من شعبانَ، ودفنت بتربة أم الصالح رحمها الله. شيخنا الجليل المسند (٥) المعمر الرحلة: بهاء الدّين (٦) أبو القاسم (٧) بنُ الشيخ بدر الدين أبي غالب المظفر بن نجم الدين بن أبي الثناء محمود ابن الإمام تاج الأمناء أبي الفضل أحمد بن محمد بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر الدمشقي الطبيب المعمَّر، ولد سنة تسع وعشرين وستمئة، سمع حضورًا وسماعًا على الكثير من المشايخ، وقد خرَّج له الحافظ علَم الدين البِرزالي مشيخةً سمعناها عليه في سنة وفاته، وكذلك خرَّج له الحافظ صلاح الدين العَلَائي (٨) عوالي من حديثه، وكتب له المحدِّثُ المفيد ناصر الدين بن طغريل مشيخة في سبعة مجلدات تشتمل على خمسمئة وسبعين شيخًا، سماعًا وإجازة، وقرئت عليه فسمعها الحفَّاظ وغيرهم. قال البرزالي: وقد قرأت عليه ثلاثة وعشرين مجلدًا بحذف المكررات. ومن الأجزاء خمسمئة وخمسين جزءا بالمكررات. قال: وكان قد اشتغل

стр. 169

بالطب، وكان يعالج النَّاسَ بغير أجرة، وكان يحفظ كثيرًا من الأحاديث والحكايات والأشعار، وله نظم، وخدم من عدة جهات الكتابة، ثم ترك ذلك، ولزم بيته وإسماعَ الحديث، وتفرَّد في آخر عمره في أشياء كثيرة، وكان سهلًا في التسميع؛ ووقف آخر عمره داره دار حديث (١)، وخصَّ الحافظ البِرزالي والمِزِّي بشيء من بِرِّهِ، وكانت وفاتُه يوم الإثنين وقت الظهر خامس وعشرين شعبان، ودفن بقاسيون ﵀. الوزير ثم الأمير نجم الدين: محمد (٢) بن الشيخ فخر الدين عثمان بن أبي القاسم البُصروي الحنفي. درَّس ببُصرى بعد عمه القاضي صدر الدين الحنفي (٣)، ثم ولّي الحِسبة بدمشقَ ونظر الخزانة، ثم ولّيَ الوزارة، ثم سأل الإقالة منها فعُوِّض بإمرة عشرة عنها بإقطاع هائل، وعومل في ذلك معاملة الوزراء في حرمته ولبسته، حتى كانت وفاته ببُصرى يوم الخميس ثاني (٤) عشرين شعبانَ، ودفن هناك، وكان كريمًا ممدَّحًا وهَّابًا نهَّابًا كثير الصدقة والإحسان إلى الناس، ترك أموالًا وأولادًا ثم تفانوا كلُّهم بعده وتفرقت أمواله، ونكحت نساؤه وسكنت منازله (٥). الأمير صارم الدين إبراهيم (٦) بن قراسنقر الجوكندار (٧): مشد الخاص، ثم ولّي دمشق ولاية، ثم عُزل عنها قبل موته بستة أشهر، توفي تاسع رمضان ودفن بتربته (٨) المشرفة المبيضة شرقي مسجد النارنج (٩) كان قد أعدها لنفسه. الشيخ أحمد الأَعْقَف الحريري (١٠): شهاب الدين أحمد بن حامد بن سعيد التنوخي الحريري. ولد سنة أربع وأربعين وستمئة، واشتغل في صباه على الشَّيخ تاج الدين الفزاري في "التنبيه"، ثم صحب الحريرية وخدمهم. ولزم مصاحبة الشيخ نجم الدين بن إسرائيل (١١) وسمع الحديث، وحجَّ

стр. 170

غير مرة، وكان مليح الشكل كثير التودُّد إلى الناس، حسن الأخلاق، توفي يوم الأحد ثالث عِشْري رمضان بزاويته بالمزة، ودفن بمقبرة المزة، وكانت جنازته حافلة. وفي يوم الجمعة ثامن عشري رمضان صُلّي بدمشقَ على غائب وهو الشَّيخ هارون المقدسي (١) توفي ببعلَبَكّ في العشر الأُخر من رمضان، وكان صالحًا مشهورًا عند الفقراء. وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة توفي: الشيخ المقرئ أبو عبد الله (٢): محمد بن إبراهيم بن يوسف بن غصن (٣) الأنصاري القَصْري ثمّ السَّبْتي بالقدس (٤)، ودفن بما ملي، وكانت له جنازة حافلة حضرها كريم الدّين والنَّاسُ مشاة، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمئة، وكان شيخًا مهيبًا، أحمر اللحية من الحناء، اجتمعت به وبحثت معه في هذه السنة حين زرت القدس الشريف، وهي أول زيارة زرته، وكان مالكيَّ المذهب، وقد قرأ "الموطَّأَ" في ثمانية أشهر، وأخذ النَّحو عن الأستاذ (٥) أبي الربيع شارح "الجمل" (٦) للزجَّاجي من طريق شُرَيْح. شيخنا الأصيل [المعمَّر الرُّحلة] (٧): شمس الدين أبو النصر محمد (٨) بن عماد الدين أبي الفضل محمد بن شمس الدين أبي نصر محمد بن هبة الله بن محمد بن يحيى بن بندار بن مميل الشيرازي. مولده في شوال سنة تسع وعشرين وستمئة، وسمع الكثير، وأسمع وأفاد في علَّته شيخَنا المزِّي تغمده الله برحمته، قرأ عليه عدة أجزاء بنفسه أثابه الله، وكان شيخًا حسنًا خيّرًا مباركًا متواضعًا، يذهِّب الربعات والمصاحف، له في ذلك يد طولى، ولم يتدنَّس بشيء من الولايات، ولا تدنَّس بشيء من وظائف المدارس ولا الشَّهادات، إلى أن توفي في يوم عَرَفة ببستانه من المِزَّة (٩)، وصُلّي عليه بجامعها ودفن بتربتها ﵀.

стр. 171

الشيخ الصالح العابد الناسك (١): أبو بكر بن أيُّوب بن سعد الزُّرَعي (٢) الحنبلي (٣)، قيِّم الجَوْزيّة (٤)، كان رجلًا صالحًا متعبِّدًا قليل التكلف، وكان فاضلًا، وقد سمع شيئًا من "دلائل النبوة" عن الرَّشيد العامري. توفي فجأة ليلة الأحد تاسعَ عَشَرَ ذي الحجَّة بالمدرسة الجَوْزيَّة، وصُلّي عليه بعد الظهر بالجامع، ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته حافلة، وأثنى عليه الناسُ خيرًا ﵀، وهو والد العلامة شمس الدين محمَّد بن قيم الجوزية صاحب المصنَّفات الكثيرة [النافعة الكافية] (٥). الأمير علاء الدين علي (٦) بن شرف الدين: محمود (٧) بن إسماعيل بن سعد (٨) البعلبكي أحد أمراء الطبلخانات، كان والده تاجرًا ببعْلَبَكّ، فنشأ ولده هذا واتَّصل بالدولة، وعلت منزلته، حتى أُعطي طبلخانة وباشر ولاية البرّ (٩) بدمشق مع شدّ الأوقاف، ثم صُرف إلى ولاية بحَوْران، فاعتراه (١٠) مرض، [وكان سَبْطَ البدَنِ عَبْلَهُ] (١١)، فسأل أن يقال، فأجيب؛ فأقام ببستانه بالمزّة إلى أن توفي في خامس عشري ذي الحجة (١٢) وصُلّي عليه هناك، ودُفن بمقبرة المِزَّة، وكان من خيار الأمراء وأحسنهم، مع ديانة وخير سامحه الله. وفي هذا اليوم توفي: الفقيه العابد (١٣) الناسك شرف الدين: أبو عبد الله محمد (١٤) بن سعد الله بن عبد الأحد (١٥) بن

стр. 172

سعد الله ابن عبد القاهر بن عبد الواحد (١) بن عمر الحرّاني، المعروف بابن النُّجَيْح. توفي في وادي بني سالم، فحُمِل إلى المدينة فغُسِّل وصُلّي عليه في الرَّوضة، ودفن بالبقيع شرقي قبر عقيل، فغبطه النَّاس بهذه الموتة وهذا القبر، ﵀. وكان ممَّن غبطه الشيخ شمس الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فمات بعده ودفن عنده وذلك بعده بثلاث سنين رحمهما الله. وقد (٢) حضر جنازة الشيخ شرف الدّين محمد المذكور شمس (٣) الدين بن أبي العز الحنفي قبل ذلك بجمعة، مرجعَه من الحج بعد انفصاله عن مكّة بمرحلتين فغبط الميت المذكور بتلك الموتة فرُزق مثلها بالمدينة، وقد كان شرف الدين بن نُجَيح هذا قد صحب شيخنا العلَّامة تقي الدين بن تيمية، وكان معه في مواطن كبار صعبة (٤) لا يستطيع الإقدام عليها إلا الأبطال الخُلَّص الخواص (٥)، وسُجن معه، وكان من أكابر خدَّامه وخواص أصحابه، ينال فيه الأذى وأُوذي بسببه مرات، وهو في ازدياد محبة فيه وصبرًا على أذى أعدائه (٦)، وقد كان هذا الرجل في نفسه وعند الناس جيدًا مشكور السيرة جيد العقل والفهم، عظيم الديانة والزهد، ولهذا كانت عاقبته هذه الموتة عقيب الحج، وصلّي عليه بروضة مسجد رسول الله ﷺ ، ودفن بالبقيع بقيع الغرقد بالمدينة النبوية، فختم له بصالح عمله، وقد كان كثير من السلف يتمنى أن يموت عقيب عمل صالح يعمله، وكانت له جنازة حافلة رحمه الله تعالى، والله سبحانه أعلم (٧). ثم دخلت سنة أربع وعشرين وسبعمئة استهلَّت والحكام هم المذكورون في التي قبلها: الخليفة المُستكفي بالله أبو الربيع سليمان ابن الحاكم بأمر الله العباسي، وسلطان البلاد الملك الناصر، ونائبُه بمصرَ سيف الدين أَرْغُون ووزيره أمين المُلك، وقضاته بمصرَ هم المذكورون في التي قبلها. ونائبه بالشّام تَنْكِز، وقضاة الشام الشَّافعي جمال الدين الزُّرَعي (٨)، والحنفي الصَّدر علي البُصراوي،

стр. 173

والمالكي شرف الدين الهمداني (١)، والحَنْبلي شمس الدين بن مسلم، وخطيب الجامع الأموي جلال الدين القزويني، ووكيل بيت المال جمال الدين بن القلانسي، ومحتسب البلد فخر الدين بن شيخ السلامية، وناظر الدواوين شمس الدين غبريال، ومشد الدواوين علم الدين طرقشي، وناظر الجيش قطب الدين ابن شيخ السلامية، ومعين الدين بن حُشَيْش، وكاتب السرِّ شهاب الدين محمود، ونقيب الأشراف شرف الدين عدنان، وناظر الجامع بدر الدين بن الحداد، وناظر الخزانة عز الدين بن القلانسي، ووالي البر علاء الدين بن المرواني، ووالي دمشق شهاب الدين بن (٢) برق. وفي خامسَ عشرَ ربيع الأول باشر عز الدين بن القلانسي الحسبة عوضًا عن ابن شيخ السلامية مع نظر الخزانة. وفي هذا الشهر حُمِلَ كريمُ الدين وكيل السلطان من القدس إلى الديار المصرية، فاعتُقل ثم أُخذت منه أموالُ وذخائر كثيرة، ثم نُفي إلى الصعيد وأجري عليه نفقات سلطانية له ولمن معه من عياله، وطُلب كريم الدين الصغير وصُودر بأموال جمة، وحبس ثم أطلق (٣). وفي يوم الجمعة الحاديْ عشرَ من ربيع الآخر قرئ كتاب السلطان بالمقصورة من الجامع الأموي بحضرة نائب السلطنة والقضاة، يتضمّن إطلاق مَكْس الغلَّة بالشَّام المحروس جميعه، فكثرت الأدعية للسلطان (٤). وقدم البريد إلى نائب الشام يوم الجمعة خامس عِشْري ربيع الآخر بعزل قاضي الشافعية الزُّرعي، فبلغه ذلك فامتنع بنفسه من الحكم، وأقام بالعادلية بعد العزل خمسةَ عشر يومًا ثم انتقل منها إلى الأتابكية (٥)، واستمرّت بيده مشيخةُ الشيوخ وتدريس الأتابكية. واستدعى نائب السّلطان شيخَنا الإمام الزاهد برهان الدين الفزاري، فعرض عليه القضاء فامتنع، فألحَّ عليه بكل ممكن فأبى وخرج من عنده فأرسل في أثره الأعيان إلى مدرسته فدخلوا عليه بكل حيلة فامتنع من قبول الولاية، وصمَّم أشد التصميم، جزاه الله خيرًا عن مروءته، فلمَّا كان يوم الجمعة جاء البريد [من الديار المصرية يطلب الخطيب جلال الدين القزويني إلى الديار المصرية] (٦) فأخبر بتوليته قضاء الشام.

стр. 174

وفي هذا اليوم خلع على تقي الدين سليمان بن مراجل بنظر الجامع عوضًا عن بدر الدين بن الحداد الذي توفي، وأخذ من ابن مراجل نظر المارستان الصغير لبدر الدين بن العطار. وخُسف القمر ليلة الخميس للنصف من جُمادى الآخرة بعد العشاء، فصلى الخطيب صلاة الكسوف بأربع سور: ق، واقتربت، والواقعة، والقيامة، ثمّ صلَّى العشاء ثم خطب بعدها للكسوف (١) ثم أصبح فصلَّى بالنَّاس الصُّبح ثم ركب على البريد إلى مصرَ فرزق من السلطان قَبُولًا (٢) وولّاه بعد أيام القضاء، ثم كرَّ راجعًا إلى الشام، فدخل دمشقَ في خامس رجب على القضاء مع الخطابة وتدريس العادلية والغزالية، فباشر ذلك كلَّه، وأُخذت منه الأَمينية فدرَّس فيها جمال الدين بن القلانسي، مع وكالة بيت المال، وأضيف إليه قضاء العساكر وخوطب بقاضي القضاة جلال الدين القزويني (٣). ودرس بالمسرورية الشيخ كمال الدين بن الزملكاني عوضًا عن الخطيب قاضي القضاة جلال الدين (٤). وفيها قدم ملك التَّكْرور (٥) إلى القاهرة بسبب الحج في خامس عِشْري رجب، فنزل بالقَرَافة ومعه من المغاربة والخدم نحو من عشرين ألفًا، ومعهم ذهب كثير بحيث إنه نزل سعر الذهب درهمين (٦)، ويقال له: الملك الأشرف موسى بن أبي بكر، وهو شاب جميل الصورة، له مملكة متسعة مسيرة ثلاث سنين، ويذكر أن تحت يده أربعة وعشرين ملكًا، كل ملك تحت يده خلق وعساكر (٧)، ولمّا دخل قلعة الجبل ليسلِّم على السلطان أُمر بتقبيل الأرض فامتنع من ذلك، فأكرمه السلطان (٨)، ولم يمكَّن من الجلوس (٩) أيضًا حتى خرج من بين يدي السلطان وأحضر له حصان أشهب بزُنَّارَيْ أطلسٍ أصفرَ، وهيّئَت له هجن وآلات كثيرة تليق بمثله، وأرسل هو إلى السلطان أيضًا بهدايا كثيرة من جملتها أربعون ألف دينار، وإلى النائب بنحو عشرة آلاف دينار، وتحف كثيرة. وفي شعبانَ ورمضانَ زاد النّيل بمصرَ زيادة عظيمة، لم يُر مثلها من نحو مئة سنة أو أزيد منها ومكث على الأراضي نحو ثلاثة أشهر ونصف، وغرّق أقصابًا كثيرة، ولكن كان نفعه أعظم من ضره (١٠).

стр. 175

وفي يوم الخميس ثامنَ عشرَ شعبانَ استناب القاضي جلال الدين القزويني نائبين في الحكم، وهما: يوسف بن إبراهيم بن جملة المحجّي الصّالحي، وقد ولّي القضاء فيما بعد ذلك كما سيأتي، ومحمد بن علي بن إبراهيم المصري، وحكما يومئذ بالعادلية (١). ومن الغد جاء البريد ومعه تقليد قضاء حلب للشيخ كمال الدين بن الزَّمْلكاني، فاستدعاه نائب السلطنة وفاوضه في ذلك فامتنع، فراجعه النائب ثم راجع السلطان فجاء البريد في ثانيْ عشرَ رمضانَ بإمضاء الولاية فشرع للتأَهُّب لبلاد حلب، وتمادى في ذلك حتى كان خروجه إليها في بكرة يوم الخميس رابعَ عشرَ شوال (٢)، ودخل حلب يوم الثلاثاء سادس عِشْري شوال فأُكرم إكرامًا زائدًا، ودرَّس بها وألقى علومًا أكبر من تلك البلاد، وحصل لهم الشرف بفنونه وفوائده، وحصل لأهل الشام الأسف على دروسه الأنيقة الفائقة، وما أحسن ما قال الشاعر، وهو شمس الدين محمد الخياط (٣) في قصيدة له مطوَّلة، أولها قوله: [من الكامل] أسِفتْ لِفَقْدِكَ جِلَّقُ الفيحاءُ … وتباشَرَتْ لِقُدُومِكَ (٤) الشهباءُ وفي ثانيْ عشرَ رمضانَ عزل أمين الملك عن وزارة مصر، وأضيفت الوزارة إلى الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي، أستاذ دار السلطان (٥). وفي أواخر رمضان طلب الصاحب شمس الدين غبريال إلى القاهرة فولّي بها نظر الدواوين عوضًا عن كريم الدين الصّغير (٦)، وقدم كريم الدين المذكور إلى دمشق في شوال، فنزل بدار العدل من القصّاعين. وولّي سيف الدين قديدار (٧) ولاية مصرَ، وهو شهم سفاك للدماء، فأراق الخمور وأحرق الحشيشة وأمسك الشطّار، واستقامت به أحوال القاهرة ومصرَ، وكان هذا الرجل ملازمًا لابن تيمية مدَّة مقامه بمصر (٨). وفي رمضانَ قدم إلى دمشقَ (٩) الشّيخ نجمُ الدين عبد الرحيم بن الشحَّام الموصلي (١٠) من بلاد

стр. 176

السلطان أُزْبَك (١)، وعنده فنون من علم الطب وغيره، ومعه كتابٌ بالوصية به فأُعطي تدريس الظاهرية البرَّانية نزل له عنها جمال الدين بن القلانسي، فباشرها في مستهلّ ذي الحجة، ثمَّ درَّس بالجاروخية. ثم خرج الركب في تاسع شوال وأميره كوكنجيار (٢) المحمدي، وقاضيه شهاب الدين الظاهري (٣). وممَّن خرج إلى الحج برهان الدين الفزاري، وشهاب الدين قَرَاطَاي الناصري نائب طرابُلُس، وصَارُوجا (٤) وشِهْري وغيرهم. وفي نصف شوال زاد السلطان في عدة الفقهاء بمدرسته الناصرية، كان فيها من كل مذهب ثلاثون ثلاثون، فزادهم إلى أربعة وخمسين من كل مذهب، وزادهم في الجوامك أيضًا. وفي الثالث والعشرين منه وجد كريم الدين الكبير وكيل السلطان قد شَنَق نفسه داخل خِزانة له قد أغلقها عليه من داخل: ربط حلقه في حبل وكان تحت رجليه قفص فدفع القفص برجليه فمات في مدينة أسوان، وستأتي ترجمته. وفي سابعَ عشرَ ذي القعدة زُيِّنت دمشق بسبب عافية السلطان من مرض كان قد أشرف منه على الموت. وفي ذي القعدة درَّس جمال الدين بن القلانسي بالظاهرية الجوانية عوضًا عن ابن الزملكاني، سافر على قضاء حلب، وحضر عنده القاضي القزويني. وجاء كتاب صادق من بغداد إلى المولى شمس الدين (٥) بن حسّان (٦) يذكر فيه أن الأمير جوبان أعطى الأمير محمد حسيناه قدحًا فيه خمر ليشربه، فامتنع من ذلك أشد الامتناع، فألح عليه وأقسم فأبى أشد الإباء، فقال له إن لم تشربها كلفتك أن تحمل ثلاثين تومانًا، فقال نعم أحملُ ولا أشربها، فكتب عليه حجَّة بذلك، وخرج من عنده إلى أمير آخر يقال له بكتي، فاستقرض منه ذلك المال ثلاثين تومانًا فأبى أن

стр. 177

يقرضه إلا بربح عشرة توامين، فاتفقا على ذلك، فبعث بكتي إلى جوبان يقول له: المال الذي طلبته من حسيناه عندي فإن رسمت حملته إلى الخزانة الشَّريفة، وإن رسمت تفرقه على الجيش. فأرسل جوبان إلى محمد حسيناه فأحضره عنده فقال له: تزن أربعين تومانًا ولا تشرب قدحًا من خمر؟ قال نعم، فأعجبه ذلك منه ومزَّق الحجَّة المكتوبة عليه، وحظي عنده وحكَّمه في أموره كلها، وولَّاه ولايات كبار (١) وحصل لجوبان إقلاع ورجوع عن كثير ممّا كان يتعاطاه، رحم الله حُسَيْناه (٢). وفي هذه السنة كانت فتنة بأَصْبَهان قتل بسببها ألوف من أهلها، واستمرت الحرب بينهم شهورًا. وفيها كان غلاء مفرط بدمشق، بلغت الغرارة مئتين وعشرين، وقلَّت الأقوات. ولولا أن الله أقام للناس من يحمل لهم الغلة من مصرَ لاشتدَّ الغلاء وزاد أضعاف ذلك، وكان مات أكثر الناس، واستمر ذلك مدة شهور من هذه السنة، وإلى أثناء سنة خمس وعشرين، حتى قدمت الغلات ورخصت الأسعار ولله الحمد والمنة (٣). وممّن توفي فيها من الأعيان؛ توفي في مستهل المحرم: بدر الدين محمد (٤) بن ممدود (٥) بن أحمد الحنفي (٦): قاضي قلعة الروم بالحجاز الشريف، وقد كان عبدًا صالحًا، حج مرات عديدة، وربما أحرم من قلعة الروم أو أحرم من (٧) بيت المقدس، وصُلّي عليه بدمشقَ صلاة الغائب. وعلى شرف الدين بن العز، وعلى شرف الدين بن نجيح، توفُّوا في أقل من نصف شهر، كلهم بطريق الحجاز، بعد فراغهم من الحج، وذلك أنهم غبطوا ابن نجيح (٨) صاحب الشيخ تقي الدين بن تيمية بتلك الموتة كما تقدم، فرزقاها، فماتوا عَقِيب عملهم الصالح بعد الحج (٩). الحجة الكبيرة خَوَنْدَا بنت مَكِّيَّة (١٠): زَوْج السلطان (١١) الملك النّاصر، وقد كانت زوجة أخيه

стр. 178

الملك الأشرف ثم هجرها الناصر وأخرجها من القلعة، وكانت جنازتها حافلة، ودفنت بتربتها التي أنشأتها. الشيخ محمد بن جعفر بن فرعوش (١): ويقال له اللَّباد ويعرف بالمُوَلَّه، كان يقرئ الناس بالجامع نحوًا من أربعين سنة، وقد قرأت عليه شيئًا من القرآن (٢)، وكان يعلّم الصّغار الْحُرُوف الْمُشِقَّة، كالرّاء ونحوها، وكان متقلّلًا من الدنيا لا يقتني شيئًا، وليس له بيت ولا خزانة، إنما كان يأكل في السُّوق، وينام في الجامع. توفي في مستهلّ صفر وقد جاوز السبعين، ودفن في باب الفراديس ﵀. وفي هذا اليوم توفي بمصرَ: الشّيخ أَيّوبُ السّعودي (٣): وقد قارب المئة، أدرك الشّيخ أبا السعود (٤) وكانت جنازته مشهودة. ودفن بتربة شيخه (٥) بالقَرَافة وكتب عنه قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي في حياته، وذكر الشيخ أبو بكر الرحبي أنّه لم ير مثل جنازته بالقاهرة منذ سكنها ﵀. الشيخ الإمام الزاهد نور الدين: أبو الحسن علي (٦) بن يعقوب بن جبريل البكري المصري الشافعي، له تصانيف، وقرأ "مسند الشافعي" على وَزيرة بنت المُنَجَّى، ثم إنه أقام بمصرَ، وقد كان في جملة من ينكر على شيخ الإسلام ابن تيمية فأراد بعض رجال الدولة قتله فهرب واختفى كما تقدم لما كان ابن تيمية مقيمًا بمصر، وما مثاله إلا مثال ساقية ضعيفة كدرة لاطمت بحرًا عظيمًا صافيًا، أو رملة أرادت زوال جبل، وقد أضحك العقلاء عليه، وقد أراد السلطان قتله فشفع فيه بعض الأمراء (٧)، ثم أنكر مرة شيئًا على الدولة فنفي من القاهرة إلى بلدة يقال لها دَهْرُوط (٨)، فكان بها حتى توفي يوم الإثنين سابع

стр. 179

ربيع الآخر، ودفن بالقَرَافة، وكانت جنازته مشهورة غير مشهودة، وكان شيخه ينكر عليه إنكاره على ابن تيمية، ويقول له أنت لا تحسن أن تتكلم (١). الشيخ محمد البَاجُرْبَقيّ (٢): الذي تنسب إليه الفرقة الضالّة البَاجُرْبقيّة، والمشهور عنهم إنكار الصانع ﷻ ، وتقدست أسماؤه، وقد كان والده جمال الدين بن عبد الرحيم بن عمر الموصلي رجلًا صالحًا من علماء الشافعية، ودرَّس في أماكن بدمشقَ، ونشأ ولده هذا بين الفقهاء واشتغل بعض شيء ثم أقبل على السلوك ولازمه جماعة يعتقدون فيه ويزورونه ويرزقونه ممّن هو على طريقته، وآخرون لا يفهمونه، ثم حكم القاضي المالكي بإراقة دمه فهرَب إلى الشّرق، ثم إنَّه أثبتَ عداوةً بينه وبين الشهود فحكم الحنبليُّ بحقن دمه فأقام بالقابون مدَّة سنين حتى كانت وفاته ليلة الأربعاء سادسَ عشرَ ربيع الآخر، ودفن بالقرب من مغارة الدم بسفح قاسيون في قبة في أعلى ذيل الجبل تحت المغارة (٣)، وله من العمر ستون سنة. شيخنا القاضي المعمَّر الفقيه (٤): محيي الدين أبو زكريا يحيى (٥) بن الفاضل جمال الدين إسْحاق بن خليل بن فارس الشَّيباني الشَّافعي اشتغل على النَّواوي ولازم المقدسي، ووَلِيَ الحكم بزرع وغيرها، ثم أقام بدمشق يشتغل في الجامع، ودرَّس في الصَّارميّة (٦)، وأعاد في مدارس عدّة إلى أن توفي في سلخ ربيع الآخر ودفن بقاسيون، وقد قارب الثمانين ﵀. وسمع كثيرًا، وخرج له الذهبي شيئًا. وسمعنا عليه "الدَّارَقُطني" وغيره. الفقيه الكبير الصّدر الإمام العالم الخطيب بالجامع: بدر الدين أبو عبد الله محمد بن (٧) عثمان بن يوسف بن محمد بن الحداد الآمدي الحنبلي، سمع الحديث واشتغل وحفظ "المحرر" في مذهب أحمد، وبرع على ابن حمدان وشرحه عليه في مدة سنين، وقد كان ابن حمدان يثني عليه كثيرًا وعلى ذهنه

стр. 180

وذكائه (١)، ثم اشتغل بالكتابة ولزم خدمة الأمير قَرَاسُنقُر بحلبَ، فولّاه نظر الأوقاف وخطابة حلب بجامعها الأعظم (١)، ثم لما صار إلى دمشق ولّاه خطابة الأموي (١) فاستمر خطيبًا فيها اثنين وأربعين يومًا، ثم أعيد إليها جلال الدين القزويني، ثم ولّي نظر المارستان والحِسبة ونظرَ الجامع الأموي، وعين لقضاء الحنابلة في وقت، ثم توفي ليلة الأربعاء سابع جمادى الآخرة، ودفن بباب الصغير ﵀. الكاتب المفيد قطب الدين: أحمد (٢) بن مفضل بن فضل الله المصري، أخو محيي الدين كاتب تَنْكِز، والد الصاحب علم الدين كان خبيرًا بالكتابة، وقد ولّي استيفاء الأوقاف بعد أخيه، وكان أسنَّ من أخيه، وهو الذي علَّمه صناعة الكتابة وغيرها. توفي ليلة الإثنين ثاني رجب وعُمل عزاؤه بالسُّمَيْسَاطية (٣)، وكان مباشر أوقافها. الأمير الكبير ملك العرب: محمد (٤) بن عيسى بن مُهنّا أخو مهنا، توفي بسَلَمْيَة (٥) يوم السبت سابع رجب، وقد جاوز الستِّين كان مليح الشَّكل، حسنَ السّيرة، عاملًا عارفًا. ﵀. وفي هذا الشهر وصل الخبر إلى دمشقَ بموت: الوزير الكبير تاج الدين (٦) علي شاه بن أبي بكر التبريزي (٧): وزير أبي سعيد بعد قتل سعد الدين الساوي، وكان شيخًا جليلًا فيه دين وخير، وحمل إلى تِبْريز فدفن بها في الشهر الماضي ﵀. الأَمير سيف الدين بَكْتَمُر (٨): والي الولاة صاحبُ الأوقاف في بلدان شتّى: من ذلك مدرسةٌ بالصَّلْت (٩)، وله درس بمدرسة أبي عُمَرَ (١٠) وغير ذلك، توفي بالإسكندريّة، وهو نائبها خامسَ رمضانَ. ﵀.
следующие страницы →