← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وفي شهر رمضان المعظم أوله يوم الجمعة، كان قد نودي فيه في الجيش: أنَّ الرَّحيل لملتقى السلطان في سابع الشهر، ثم تأخّر ذلك إلى بعد العشر، ثم جاء كتاب من السلطان بتأخر ذلك إلى بعد العيد. وقدم في عاشر الشهر علاء الدين بن تقي الدين الحنفي، ومعه ولاية من السلطان الناصر ابن الناصر بنظر البيمارستان النوري، ومشيخة الرَّبوة ومرتب على الجهات السلطانية، وكان قد قدم قبله القاضي شهاب الدين بن البارزي بقضاء حمص من السلطان أيده الله تعالى، ففرح الناس بذلك حيث تكلم السُّلطان في المملكة وباشر وأمر وولى، ووقع، والله الحمد. وفي يوم الأربعاء ثالث عشره دخل الأمير سيف الدين طَشْتَمُر الملقب بالحمّص الأخضر من البلاد الحلبية إلى دمشق المحروسة، وتلقاه الفخري والأمراء والجيشُ بكماله، ودخل في أبهة حسنة، ودعا له الناس وفرحوا بقدومه بعد شتاته في البلاد وهربه من بين يدي ألطَنْبُغَا حين قصده إلى حلب كما تقدم ذكره (١). وفي يوم الخميس رابع عشره خرجت الجيوش من دمشق قاصدين إلى غزّة لنظرة السلطان حين يخرج من الكرك السعيد، فخرج يومئذ مقدمان: طُقُزدَمرُ وآقْبُغا عبد الواحد، فبرزا إلى الكُسْوَةِ، فلما كان يوم السبت خرج الفخري ومعه طَشْتَمُر وجمهورُ الأمراء، ولم يقم بعده بدمشق إلا من احتيج لمقامهم لمهمات المملكة، وخرج معه القضاة الأربعة، وقاضي العساكر والموقعون (٢) والصاحب (٣) وكاتب الجيش وخلق كثير. وتوفي الشيخ الصالح العابد الناسك أحمد (٤) الملقب بالعصيدة ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان، وصلّي عليه بجامع تنكز (٥)، ودفن بالصُّوفية قريبًا من قبر الشيخ جمال الدين المزي، تغمدهما الله برحمته. وكان فيه صلاح كثير، ومواظبة على الصَّلاة في جماعة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، مشهورًا عند الناس بالخير، وكان يكثر من خدمة المرضى بالمارستان وغيره، وفيه إيثار وقناعة وتزهد كثير، وله أحوال مشهورة ﵀ وإيانا.

стр. 317

واشتهر في أواخر الشهر المذكور أنَّ السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد خرج من الكَرَك المحروس صحبة جماعة من العرب والأتراك قاصدًا إلى الديار المصرية، ثم تحرّر خروجه منها في يوم الإثنين ثامن عشر الشهر المذكور، فدخل الديار المصرية بعد أيام (١)، هذا والجيش صادرون إليه، فلما تحقق دخوله مصر حَثُّوا في السَّير إلى الديار المصرية، وبعث يستحثهم أيضًا، واشتهر أنه لم يجلس على سرير الملك حتى يقدُمَ الأمراء الشاميون صحبة نائبة الأمير سيف الدين قُطُلُوبُغَا الفخري، ولهذا لم تُدقَ البشائر بالقلاع الشامية ولا غيرها فيما بلغنا. شهر شوال وأوله السبت، خرج الحجيج يوم الإثنين العاشر منه، وكان الحاج في هذه السنة قليلًا، لتخوف الناس من الأعراب (٢). وجاءتِ الكتبُ والأخبارُ من الديار المصرية بأن يوم الإثنين عاشر شوال كان إجلاس السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد على سرير المملكة، صَعِدَ هو والخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن المستكفي فوق المنبر، وهما لابسان السواد، والقضاة تحتهما على درج المنبر بحسب منازلهم، فخطب الخليفة، وخلع الأشرفَ كُجُكَ، وولى هذا الناصر، وكان يومًا مشهودًا، وأظهر ولايته لطَشْتَمُر نيابة مصر، والفخري دمشق، وأَيْدُغْمُش حلب فالله أعلم (٣). ودقت البشائر بدمشق ليلة الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور، واستمرت إلى يوم الإثنين مستهلّ ذي القعدة، وزُيَّنت البلد يوم الأحد ثالث عشرين منه، واحتفل النَّاس بالزينة. واشتهر في أواخر هذا الشهر أن حسن بن تمِرْتاش (٤) ملك التتار مات في بلاد الشرق. وجاء في أواخر هذا الشهر جراد كثير، انتشر في أطراف البلاد من ناحية الشرق، وشعث الزروع. وغير ذلك. شهر ذي القعدة أوله الإثنين، في أوائله قدم القاضي حسام الدين الغوري قاضي الحنفية بالديار المصرية، من الديار المصرية معزولًا، فنزل قريبًا من النجيبية البرانية في ناحية القصر الأبلق وعيّن لقضاء الحنفية بمصر القاضي تاج الدين ابن العديم الذي هو قاضي حلب، وطُلب على البريد، وذلك بعد عرض المنصب على القاضي عماد الدين الطرسوسي، وهو مقيم بمصر، فأبى وامتنع، ولم يختر إلا دمشق.

стр. 318

يلووا على القاضي برهان الدين بن عبد الحق بسبب أولاده، وما كان منهم. وقدم القاضي ناصر الدين بن العديم على البريد من حلب فدخل دمشق يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر. وفي يومئذ قدم من الديار المصرية قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي سبق أصحابه مستعجلًا إلى المزة، وذهب الناس إلى تهنئة هذا وهذا، فاجتمع يومئذ بدمشق من قضاة قضاة الحنفية خمسة؛ ابن العديم، والطرسوسي، وابن عبد الحق، والغوري. وجلال الدين بن حسام الدين الرومي. منهم اثنان مباشران الطرسوسي وابن النديم والثلاثة معزولون (١). وفي يوم الخميس المذكور دخل الأمير سيف الدين آل مَلَك (٢) أحد الرّؤوس المشهورة بمصر إلى دمشق في طلب نيابة حماة حرسها الله تعالى. فلما كان من الغد يوم الجمعة بعد الصلاة ورد البريد من الديار المصرية فأخبر أن طَشْتَمُر الحمّص الأخضر مسك، فتعجب النَّاسُ من هذه الكائنة كثيرًا (٣) فخرج مَنْ بدمشقَ من أعيان الأمراء أمير الحج وغيره وخَيَّم بوطاةِ بَرْزَةَ، وخرج إلى الحجّ أمير فأخبره بذلك وأمروه عن مرسوم السلطان أن ينوب بدمشق حتى يأتي المرسوم بما يعتمدونه أمير الحَجّ، فأجاب إلى ذلك، وركب في الموكب يوم السبت السادس منه. وأما الفخري فإنه لما تنسم هذا الخبر وتحققه وهو بالزَّعْقة (٤) فرَّ في طائفة من مماليكه قريب من ستين أو أكثر، فاخترق (٥) الطرق، وساق سوقًا حثيثًا، وجاءه الطلب من ورائه من الديار المصرية في نحو من ألف فارس، صحبة الأميرين: ألطَنْبُغَا المارِدَاني (٦)، ويَلْبُغَا اليَحْيَاوي (٧)، ففاتهما وسبق، واعترض له نائب غزّة في جُنده فلم يقدر عليه، فسلطوا عليه العشيرات ينهبوه، فلم يقدروا عليه إلا في شيء يسير، وقتل منهم خلقًا، وقصد نحو صاحبه فيما يزعم الأمير سيف الدين أَيْدُغْمُش نائب حلب راجيًا منه أن ينصره، وأن يوافقه على ما قام بنفسه، فلما وصل أكرمه وأنزلَهُ، وبات عنده، فلما أصبح قبض عليه

стр. 319

وقيّده وردّه على البريد إلى الديار المصرية، ومعه التّراسيم من الأمراء وغيرهم (١). ولما كان يوم الإثنين (٢) سلخ ذي القعدة خرجَ السُّلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد بن الناصر محمد بن المنصور من الديار المصرية في طائفة من الجيش قاصدًا إلى الكَرَك المحروس، ومعه أموال جزيلة، وحواصل وأشياء كثيرة، فدخلها الثلاثاء من ذي الحِجَّة وصحبتُه طَشْتَمُر في محفة ممرّضًا، يوم والفَخْرِيُّ مقيّدًا، فاعتُقِلا بالكَرَك المحروس، وطلب السلطان آلات من أخشاب ونحوها وحدادين وصناع ونحوها لإصلاح مهمات بالكرك، وطلب أشياء كثيرة من دمشق، فحملت إليه (٣). ووصل الصاحب علم الدين بن القطب إلى دمشق المحروسة يوم الجمعة حادي عشره ناظر الدواوين بالشام، فنزل بدار الزردكاش التي كان حدّدها. وعمرها تَنْكِز ﵀. وفي يوم الخميس سابع عشر ذي الحجة وصل القاضيان، قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، وشرف الدين قاضي المالكية، وذهب الناس إليهما (٤). ولما كان يوم الأحد السابع والعشرين من ذي الحجة ورد الخبر بأن الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي (٥) النائب بصفد ركب في مماليكه وخدمه ومن أطاعه، وخرج منها فارًا بنفسه من القبض عليه. وذُكر أنَّ نائب غزة قصدَهُ ليقبض عليه بمرسوم السلطان ورَدَ عليه من الكرك، فهرب الأحمدي بسبب ذلك، ولما وصل الخبرُ إلى دمشقَ وليس بها نائب انزعج الأمراء لذلك، واجتمعوا بدار السعادة، وضربوا في ذلك مشورة ثم جرَّدوا إلى ناحية بعلبك أميرًا ليصدوه عن الذهاب إلى البرية. فلما أصبح الصباح من يوم الإثنين جاء الخبر بأنه في نواحي الكُسْوة، من وراء مانع أخلاطه، فركبوا كلهم ونادى المنادي: من تأخَّر من الجند عن هذا النفير شُنِقَ، واستوثقوا في الخروج وقصدوا ناحية الكُسْوة وبعثوا الرسل إليه، فذكر أعذارًا في خروجه وتخلّص منهم، وذهب يومه ذلك، وَرَجعُوا وقد كانوا ملبسين في يوم حار، وليس معهم من الأزواد ما يكفيهم سوى يومهم ذلك. فلما كانت ليلة الثلاثاء ركب الأمراء في طلبه من ناحية ثنيَّة العُقاب، فرجعوا في اليوم الثاني وهو في صحبتهم، ونزل في القصور التي بناها تنكز ﵀، في طريق داريا، فأقام بها، وأَجْرَوْا عليه مرتبًا

стр. 320

كاملًا من الشعير والغنم وما يحتاج إليه مثله، ومعه مماليكه وخدمه (١). فلما كان يوم الثلاثاء سادس المحرم ورد كتاب من جهة السلطان فقرئ على الأمراء بدار السعادة يتضمن إكرامه واحترامه والصفح عنه لتقدم خَدَمِهِ على السلطان الملك الناصر وأبيه الملك المنصور. ولما كان يوم الأربعاء سابع المحرم [جاء كتاب] (٢) إلى الأمير ركن الدين بيبرس نائب الغيبة وإلى الحاجب أُلْمَاس (٣) بالقبض على الأحمدي، فركب الجيشُ ملبسين يوم الخميس وأوكبوا بسوق الخيل وراسلوه - وقد ركب في مماليكه بالعدد وأظهر الامتناع - فكان جوابه أن لا أسمع ولا أطيع إلا لمن هو ملك الديار المصرية، فأما من هو مقيم بالكَرَك ويصدر عنه ما يقال عنه من الأفاعيل التي قد سارت بها الركبان، فلا، فلما بلغ الأمراء هذا توقفوا في أمره، وسكنوا، ورجعوا إلى منازلهم، ورجع هو إلى قصره (٤). ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وسبعمئة استهلّت هذه السنة المباركة وسلطان المسلمين الملك [أحمد بن] (٥) ناصر الدين محمد بن الملك المنصور قلاوون، وهو مقيم بالكَرَك، قد حاز الحواصل السلطانية من قلعة الجبل إلى قلعة الكرك. ونائبه في الديار المصرية الأمير سيف الدين آقْسُنقُر السَّلاري (٦)، الذي كان نائبًا بغزة. وقضاة الديار المصرية هم المذكورون في السنة الماضية، سوى القاضي الحنفي (٧). فإنه تقدم أن حسام الدين بن الغوري عزل وولّي قضاء الحنفية عوضه القاضي زين الدين عمر البسطامي (٨). وأما دمشق فليس لها نائب إلى حينئذ، غير أن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب كان استنابه الفخري

стр. 321

بدمشق نائب غيبته، فهو الذي يسدُّ الأمور مع الحاجب اللَّمش (١)، وتمر المهمندار، والأمير سيف الدين الملقب بحلاوة، ووالي البر، والأمير ناصر الدين بن بكبّاش متولي البلد، هؤلاء الذين يسدون الأشغال والأمور السلطانية، والقضاة هم الذين ذكرناهم في السنة الخالية. وناظر الدواوين الصاحب علم الدين ابن القطب الذي كان كاتب السرفي أيام تنكز، وناظر الجيش فخر الدين بن العفيف، وعُزل وولّي فخر الدين كاتب قرطية والمحتسب وناظر الأوقاف القاضي عماد الدين الشيرازي (٢). وخطيب البلد تاج الدين عبد الرحيم بن القاضي جلال الدين القزويني، وكاتب السر القاضي شهاب الدين بن فضل الله. واستهلّت هذه السنة والأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي نازل بقصر تَنْكِز بطريق داريا، وكتب السلطان واردة في كل وقت بالاحتياط عليه والقبض، وأن يُمْسَك ويُرسل إلى الكَرَك، هذا والأمراء يتوانون في أمره ويسوفون المراسيم، وقتًا بعد وقت، وحينًا بعد حين، ويحملهم على ذلك أن الأحمدي لا ذنب له، ومتى أمسكه تطرّق إلى غيره، مع أن السلطان يبلغهم عنه أحوال لا ترضيهم من اللعب والاجتماع مع الأراذل والأطراف ببلد الكرك قتله الفخري وطَشْتَمُر قتلًا فظيعًا، وسبيه أهلهما وسلبه لما على الحريم من الثياب والحلي، وإخراجهم في أسوأ حال من الكَرَك، وتقريبه النصارى وحضورهم عنده. فحمل الأمراء هذه الصفات على أن بعثوا أحدهم يكشف أمره، فلم يصل إليه، ورجع هاربًا خائفًا، فلما رجع وأخبر الأمراء انزعجوا وتشوشوا كثيرًا، واجتمعوا بسوق الخيل مرارًا وضربوا مشورة بينهم، فاتفقوا على أن يخلعوه، فكتبوا إلى المصريين بذلك، وأعلموا نائب حلب أَيْدغمش ونواب البلاد، وبقوا متوهمين من هذه الحال كثيرًا ومترددين، ومنهم من يصانع في الظاهر وليس معهم في الباطن، وقالوا لا سمع ولا طاعة حتى يرجع إلى الديار المصرية، ويجلس على سرير المملكة، وجاء كتابه إليهم يعيبهم ويعنفهم في ذلك، فلم يفد، وركب الأحمدي في الموكب وركبوا عن يمينه وشماله وراحوا إليه إلى القصر، فسلَّموا عليه وخدموه، وتفاقم الأمر وعَظُم الخطب، وحملوا همومًا عظيمة خوفًا من أن يذهب إلى الديار المصرية فيلف عليه المصريون فيتلف الشاميين، فحمل الناس همهم، فالله هو المسؤول أن يحسن العاقبة فلما كان يوم الأحد السادس والعشرين من المحرم ورد مقدَّمُ البريدية ومعه كتب المصريين بأنه لما بلغهم

стр. 322

خبر الشاميين كان عندهم من أمر السلطان أضعاف ما حصل عند الشاميين، فبادروا إلى ما كانوا عزموا عليه، ولكن تردَّدوا خوفًا من الشاميين أن يخالفوهم فيه ويتقدَّموا في صحبة السلطان لقتالهم، فلما اطمأنوا من جهة الشاميين صمموا على عزمهم فخلعوا الناصر أحمد، وملكوا عليهم أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن المنصور، جعله الله مباركًا على المسلمين، وأجلسوه على السرير يوم الثلاثاء العشرين من المحرم المذكور، وجاء كتابه مسلّمًا على أمراء الشام ومقدَّميه، وجاءت كتب الأمراء إلى الأمراء بالسلام والإخبار بذلك، ففرح المسلمون وأمراء الشام والخاصة والعامة بذلك فرحًا شديدًا، ودُقت البشائر بالقلعة المنصورة يومئذ، ورسم بتزيين البلد، فزَيَّنَ النَّاسُ صبيحة الثلاثاء السابع والعشرين منه. ولما كان يوم الجمعة سلخ المحرم خُطب بدمشق للملك الصالح عماد الدنيا والدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور (١). شهر صفر أوله السبت وفي يوم الأحد ثانيه توفي الأمير يُنجي (٢) شادّ الدواوين، وحضر جنازته القضاة والأعيان. وفي يوم الاثنين ثالثه رسم برفع الزينة، وهو تكميل سبعة أيام) (٣). وفي يوم الخميس سادس صفر درس بالصَّدريَّة (٤) صاحبنا الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي إمام الجوزية، وحضر عنده الشيخ عز الدين بن المُنَجَّى (٥) الذي نزل له عنها، وجماعة من الفضلاء. وفي يوم الأحد سادس عشره دخل الأمير سيف الدين أَلْملِك من حماة إلى دمشق ذاهبًا إلى الديار المصرية على وظيفته في المشورة، فنزل بالميدان الأخضر الكبير، فرحنا للسلام عليه فاجتمعنا به، ورأيناه رجلًا حسنًا (٦). وفي هذا اليوم توفيت ست الفضل (٧) بنت كمال الدين العطار، زوجة شيخنا الإمام برهان الدين الفزاري، وصلّي عليها ظهر هذا اليوم، ودفنت في تربة زوجها المذكور، وحضرها القضاة والأعيان (٨).

стр. 323

وفي يوم الإثنين سابع عشر صفر دخل الأمير سيف الدين طَقْزدَمُر (١) من الديار المصرية، إلى دمشق ذاهبًا إلى نيابة حلب المحروسة، فنزل بالقابون. [وفي يوم الثلاثاء ثامن عشر صفر توفي الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد عبد الله (٢) بن أبي الوليد [محمد بن أحمد] المقرئ المالكي، إمام المالكية (٣)، هو وأخوه أبو عمرو (٤). بالجامع الأموي بمحراب الصحابة. توفي ببستان بقبة السحف (٥)، وصُلِّي عليه بالمصلى، ودفن عند أبيه رحمهما الله بمقابر باب الصغير، وحضر جنازته الأعيان والفقهاء والقضاة، وكان رجلًا صالحًا مُجمَعًا على ديانته وجلالته ﵀] (٦). وفي يوم الخميس العشرين من صفر دخل الأمير أَيْدَغْمُش نائبُ السَّلطنة بدمشق ودخل إليها من ناحية القابون قادمًا من حلب، وتلقاه الجيش بكماله، وعليه خلعة النيابة، واحتفل الناس له وأشعلوا الشموع، وخرج أهل الذمة من اليهود والنصارى يدعون له ومعهم الشموع، وكان يومًا مشهودًا، وصلى يوم الجمعة بالمقصورة، من الجامع الأموي، من الجامع الأموي، ومعه الأمراء والقضاة، وقرئ تقليده هناك على السُّدَّة وعليه خلعته، ومعه الأمير سيف الدين مَلَكْتَمُر السَّرْجَواني (٧) وعليه خلعة أيضًا. وفي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر دخل الأمير علم الدين الجاولي (٨) دمشق المحروسة ذاهبًا إلى نيابة حماة المحروسة، وتلقاه نائب السلطنة والأمراء إلى مسجد القدم، وراح فنزل بالقابون، وخرج القضاة والأعيان إليه، وسمع عليه من "مسند الشافعي" فإنَّه يرويه، وله فيه عملٌ، ورتبه ترتيبًا حسنًا ورأَيْتُهُ، وشرحه أيضًا، وله أوقاف على الشافعية وغيرهم. وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين منه عقد مجلس بعد الصَّلاة بالشُّبَّاك الكمالي من مشهد عثمان بسبب القاضي فخر الدين المصري، وصدر الدين عبد الكريم بن القاضي جلال الدين القزويني، بسبب العادلية الصغيرة، فاتفق الحال على أن نزل صدر الدين عن تدريسها، ونزل فخر الدين عن مئة وخمسين على الجامع.

стр. 324

وفي يوم الأحد سلخ الشهر المذكور حضر القاضي فخر الدين المصري ودرس بالعادلية الصغيرة وحضر النَّاسُ عنده على العادة، وأخذ في قوله تعالى: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف: ٦٥]. شهر ربيع الأول، أوّله الإثنين قدم الأمير سيف الدين قرمشي يوم الإثنين ثامنه على خبز ينجي شاد الدواوين، فنزل دار الذهب، وخرج الناس للسلام عليه، ثم انتقل إلى قريب المدينة. وعملت المواليد بالجامع ليلة الجمعة على العادة في محراب الصحابة، ومحراب الحنفية، وغيرهما. وفي يوم الأحد الحادي والعشرين منه توفيت فاطمة بنت (١) … امرأة القاضي جلال الدين القزويني، وأم بدر الخطيب، صلّى عليها ابنها الخطيب تاد الدين عبد الرحيم بالجامع الأموي صلاة العصر يومئذ، ودفنت عند زوجها وولدها بدر الدين بمقابر الصُّوفية، وحضر جنازتها القضاة والأعيان (٢). وفي آخر شهر ربيع الأول جاء المرسوم من الديار المصرية بأن تخرج تجريدة من دمشق بصحبة الأمير حسام الدين البَشْمَقْدَار (٣) لحصار الكرك الذي تحصن فيه السلطان (٤) أحمد، واستحوذ على ما عنده من الأموال التي أخذها من الخزائن من ديار مصر، وبرز المنجنيق من القلعة إلى قبل جامع القبيبات، فنُصب هناك وخرج الناس للتفرج عليه ورمي به و من نيتهم أن يستصحبوه معهم للحصار. شهر ربيع الثاني أوله الثلاثاء، وفي يوم الأربعاء ثانيه قدم الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني من الديار المصرية على قاعدته وعادته (٥). وفي يوم الخميس عاشره دخل إلى دمشق الأميران الكبيران ركن الدين بيبرس الأحمدي من طرابلس، وعلم الدين الجاولي من حماة سَحَرًا، وحضرا الموكب ووقفا مكتنفين لنائب السلطنة:: الأحمدي عن يمينه والجاولي عن يساره، ونزلا ظاهر البلد، ثم بعد أيام يسيرة توجّه الأحمدي إلى الديار المصرية على عادته وقاعدته رأس مشورة، وتوجّه الجاولي إلى غَزَّة المحروسة نائبًا عليها، وكان الأمير بدر الدين مسعود بن خَطِير على إمرة الطبلخانات بدمشق. وفي يوم الخميس رابع عشره خرجت التجريدة من دمشق سحرًا إلى مدينة الكرك بحضرة السلطان،

стр. 325

وصحبتهم المنجق على الجمال والعجل، ومقدم هذه التجريدة حسام الدين طَرَنْطاي البشمقدار، وصحبته (١) الأمير شهاب الدين بن صُبح والي الولاة بحوران مشد المجانيق، وخرج الأمير سيف الدين بهادر الأوْجاقي (٢) الملقب بحلاوة والي البر بدمشق إلى ولاية الولاة بحوران. وفي يوم الجمعة ثامن عشره وقع بين النائب والقاضي الشافعي بسبب كتاب ورد من الديار المصرية فيه الوَصَاةُ بالقاضي السبكي المذكور ومعه التوقيع بالخطابة له مضافًا إلى القضاء وخلعة من الديار المصرية، فتغيَّظَ (٣) عليه النائب لأجل أولاد الجلال، لأنّهم عندهم عائلة كثيرة وهم فقراء، وقد نهاه عن السعي في ذلك، فتقدم إليه يومئذ أن لا يُصلّي عنده في الشُّباك الكَمَالي، فنهض من هناك وصلى في الغزالية. وفي يوم الأحد العشرين منه دخل دمشق الأمير سيف الدين أُرنبغا (٤) زوج ابنة السلطان الملك الناصر مجتازًا ذاهبًا إلى طرابلس نائبًا بها، في تجمل وأبهة ونجائب وجنائب، وعدة، وبرك كامل. وفي يوم الخميس الرابع والعشرين منه دخل الأمير بدر الدين بن الخطيري معزولًا عن نيابة غزة المحروسة فأصبح يوم الخميس فركب في الموكب وسير مع نائب السلطنة، ونزل في داره وراح الناس للسلام عليه. شهر جمادى الأولى وأوله الخميس، وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر منه (٥) زينت البلد لعافية السلطان الملك الصالح لمرض أصابه، ثم شفي منه (٦). وفي يوم الجمعة السادس عَشَر منه قبل العصر ورد البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة تقي الدين السبكي إليها حاكمًا بها (٧)، فذهبَ النَّاسُ للسلام عليه ولتوديعه، وذلك بعدما أرجف الناس به كثيرًا، واشتهر أنَّه سينعقد له مجلس للدعوى عليه بما دفعه من مال الأيتام إلى أَلْطَنْبُغا وإلى الفخري، وكتبت فتوى عليه بذلك في تغريمه، وداروا بها على المفتين فلم يكتب لهم أحد فيها غير القاضي جلال الدين بن حسام الدين الحنفي، رأيت خطه عليها وحده بعد الصَّلاة، وسئلتُ في الإفتاء عليها فامتنعتُ لما فيها من التشويش على الحكام، وفي أول السُّؤال مرسوم نائب السلطان أن يتأمل المفتون هذا السؤال

стр. 326

ويفتوا بما يقتضيه حكم الشرع الشريف، وكانوا له في نيَّةٍ عجيبة، ففرج الله عنه بطلبه إلى الديار المصرية، فسار إليها صحبة البريد ليلة الأحد، وخرج الكُبَراء والأعيان لتوديعه، وفي خدمته (١). شهر جمادى الآخرة وأوله السبت، استهلّ والتَّجريدة عمالة إلى الكَرَك والجيش المجرَّدون من الحلقة قريب من ألف ويزيدون. ولما كان الثلاثاء رابعه بعد الظهر مات الأمير علاء الدين أَيْدَغْمُش (٢) نائب السلطنة بالشّام المحروس في دارٍ وحده في دار السعادة، فدخلوا عليه وكشفوا أمره وأحضروا الأطباء، وَخَشَوْا أن يكون اعتراه سكتة، ويقال إنه شفي فالله أعلم، فانتظروا به إلى الغد احتياطًا، فلما أصبح الناس اجتمعوا للصلاة عليه فصلّي عليه خارج باب النصر حيث يصلى على الجنائز، وذهبوا به إلى نحو القبلة، ورام بعض أهله أن يدفن في تربة غبريال إلى جانب جامع القبيبات، فلم يمكن ذلك، فدفن قبلي الجامع على حافة الطريق، ولم يتهيأ دفنه إلا إلى بعد الظهر من يومئذ، وعملوا عنده ختمة ليلة الجمعة ﵀ وسامحه. واشتهر في أوائل هذا الشهر أن الحصار عمال على الكَرَك، وأنَّ أهل الكَرَك خرجت طائفة منهم فقتل منهم خلق كثير، وقتل من الجيش واحد وجدوا في الحصار، فنزل القاضي وجماعةٌ ومعهم شيء من الجَوْهر، وتراضَوا على أن يسلموا البلد، فلما أصبح أهلُ الحِصن تحصنوا ونصبوا المجانيق، واستعدوا، فلما كان بعد أيَّامٍ رَمَوْا منجنيق الجيش فكسروا السَّهم الذي له، وعجزوا عن نقله فحرقوه برأي أمراء المقدمين، وجرت أمورٌ فظيعة، فالله يحسن العاقبة. ثم وقعت في أواخر هذا الشهر بين الجيش وأهل الكَرَك وقعة أخرى، وذلك أن وذلك أن جماعة من رجال الكَرَك خرجوا إلى الجيش ورَمَوْهم بالنُّشَّاب فبرز الجيش لهم من الخيام ورجعوا مشاة ملبسين بالسلاح فقتلوا من أهل الكرك جماعة من النصارى وغيرهم، وجُرح من العسكر خلق، وقتل واحد أو اثنان، وأُسر الأمير سيف الدين أبو بكر بن بَهَادرآص (٣) وقتل من العرب ناس، وأُسر آخرون فاعتقلوا بالكرك، وجرت أمور منكرة، ثم بعدها تعرّض العسكر راجعين إلى بلادهم لم ينالوا مرادهم منها، وذلك أنهم دهمهم البرد الشديد وقلة الزاد، وحاصروا أولئك شديدًا بلا فائدة، فإن البلد يُريد (٤) [مُدَدًا] (٥) متطاولة ومجانيق، ويشقُّ على الجيش الإقامة هناك في كوانين، والمنجنيق الذي حملوه معهم كُسر، فرجعوا ليتأهبوا لذلك.

стр. 327

ولما كان في يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه قدم من الديار المصرية على البريد القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتبًا على السر عوضًا عن أخيه القاضي شهاب الدين، ومعه كتاب الاحتياط على حواصل أخيه شهاب الدين (١)، وعلى حواصل القاضي عماد الدين بن الشيرازي المحتسب، فاحتيط على أموالهما، وأخرج من في ديارهما من الحُرَم، وضُربت الأخشاب على الأبواب، ورسم على المحتسب بالعَذراوية، فسأل أن يحول إلى دار الحديث الأشرفية فحُوِّل إليها. وأما القاضي شهاب الدين، فكان قد خرج ليلتقي الأمير سيف الدين طَقْزدَمُر (٢) الحموي، الذي جاء تقليده بنيابة الشام بدمشق وكان بحلب، وجاء هذا الأمر وهو في أثناء الطريق، فرسم برجعته ليصادر هو والمحتسب، ولم يدر الناس ما ذنبهما. شهر رجب الفرد وأوله الأحد، وفي يوم الأحد الثامن منه آخر النهار رجع قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى دمشق على القضاء، ومعه تقليد بالخطابة أيضًا، وذهب الناس للتهنئة والسلام عليه (٣). ودخل نائب السلطنة الأمير سيف الدين طقزدمر الحموي بعد العصر الخامس عشر منه حلب، فتلقاه الأمراء إلى طريق القابون، ودعا له الناس دعاءً كثيرًا، وأحبُّوه لبغضهم النائب الذي كان قبله، وهو علاء الدين أَيْدغُمُش سامحه الله تعالى، فنزل بدار السعادة وحضر الموكب صبيحة يوم الإثنين، واجتمع طائفة من العامة، وسألوه أن لا يغيّر عليهم خطيبهم تاج الدين عبد الرحيم بن جلال الدين، فلم يلتفت إليهم، بل عمل على تقليد القاضي تقي الدين السُّبكي الخطابة ولبس الخلعة، وأكثر العوام لما سمعوا بذلك الغوغاء، وصاروا يجتمعون حلقًا حلقًا بعد الصلوات ويكثرون الفرحة في ذلك، لما منع ابن الجلال، ولكن بقي هذا لم يباشر الشبكي في المحراب، واشتهر عن العوام كلام كثير، وتوعدوا السبكي بالسفاهة عليه إن خطب، وضاق بذلك ذَرْعًا، ونُهُوا عن ذلك فلم ينتهوا، وقيل لهم ولكثير منهم: الواجب عليكم السمع والطاعة لأولي الأمر، ولو أُمر عليكم عبد حبشي. فلم يرعووا، فلما كان يوم الجمعة العشرين منه اشتهر بين العامة بأن القاضي نزل عن الخطابة لابن الجلال، ففرح العوام بذلك وحشدوا في الجامع، وجاء نائب السلطنة إلى المقصورة والأمراء معه، وخطب ابن الجلال على العادة، وفرح الناس بذلك، وأكثروا من الكلام والهرج، ولما سلَّم عليهم الخطيب حين صعد ردُّوا عليه ردًا بليغًا، وتكلّفوا في ذلك وأظهروا بغضة القاضي السُّبكي، وتجاهروا بذلك، وأسمعوه كلامًا كثيرًا، ولما قضيت الصَّلاة قرئ تقليد النيابة على السدة، وخرج الناس فراحًا بخطيبهم، لكونه استمرَّ عليهم، واجتمعوا عليه يسلّمون ويدعون له (٤).

стр. 328

شهر شعبان المبارك أوله الإثنين، وفي يوم الأربعاء ثالثه درّس القاضي برهان الدين بن عبد الحق (١) بالمدرسة العذراوية بمرسوم سلطاني بتوليته وعزل القَحْفَازي (٢)، وعقد لهما مجلس يوم الثلاثاء بدار العدل، فرجح جانب القاضي برهان الدين لحاجته وكونه لا وظيفة له. وفي يوم الجمعة خامسه توفي الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد (٣) بن [علي بن الحسن بن داود] الجَزَري أحد المُسْنِدين المكثرين الصَّالحين، مات عن خمس وتسعين سنة ﵀، وصلّي عليه يوم الجمعة بالجامع المظفري ودفن بالرواحية. وفي يوم الأربعاء السابع عشر منه توفي الشيخ الإمام العالم العابد الناسك الصالح الشيخ شمس الدين محمد (٤) بن [عبد الأحد بن يوسف الآمدي المعروف بابن] الوزير (٥) خطيب الجامع الكريمي بالقبيبات، وصلّي عليه بعد الظهر يومئذ بالجامع المذكور، ودفن قبلي الجامع المذكور، إلى جانب الطريق من الشرق ﵀. شهر رمضان المعظم أوله الإثنين، واشتهر في أوائله أن مولودًا ولد له رأسان وأربع أيد، وأحضر إلى بين يدي نائب السلطنة، وذهب الناس للنَّظر إليه في محلَّةٍ ظاهر باب الفراديس، يقال لها: حكر الوزير (٦)، وكنت فيمن ذهب إليه في جماعة من الفقهاء يوم الخميس ثالث الشهر المذكور بعد العصر، فأحضره أبوه - واسم أبيه سعادة - وهو رجل من أهل الجبل، فنظرت إليه فإذا هما ولدان مستقلان قد اشتبكت أفخاذهما بعضها ببعض، وركب كل واحد منهما ودخل في الآخر والتحمت فصارت جثة واحدة وهما ميتان (٧)، فقالوا: أحدهما ذكر والآخر أنثى، وهما ميتان حال رؤيتي إليهما. وقالوا: إنه تأخر موت أحدهما عن الآخر بيومين أو نحوهما، وكتب بذلك محضر بجماعة من الشهود. وفي يوم الإثنين سابعه لبس المحتسب الجديد القادم من الديار المصرية الخلعة والطيلسان، ودار في البلد، وسعر الخبز فأرخصه عن سعره، ونادوا بذلك بين يديه، واسمه علاء الدين بن الأطروش.

стр. 329

وفي أواخر الشهر قل الخبر جدًّا، وازدحم الناس على الأفران بسبب غلاء السعر، وإرخاص المحتسب الخبز، ومجاكرة الطحانين له، وكثرة الوارد، وانقطاع الأنهار لأجل إصلاحها. وغلا اللحم أيضًا، حتى بيع في بعض الأيام الرطل منه بأربعة دراهم؛ وشق ذلك على الناس، حتى إن كثيرًا من الناس طبخوا بالدهن والسّمن ونحو ذلك لفقدان اللحم (١). وختم البخاري تحت قبة النسر على العادة يوم السادس والعشرين منه، بقراءة شرف الدين الواني، واجتمع قرّاء الأسباع فختموا قبل ختمه على ما جرت به العادة المتأخرة، ثم ختم أيضا بقراءة شمس الدين السروجي بالمكان المذكور صبيحة يوم الإثنين الثامن والعشرين منه اجتمع الناس كالذي قبله، ولما أنشد العلم سليمان الحوراني شاش بعض الفقراء وقام. فقام القضاة والناس، وتصارخ كثير من الناس، ووقع أمر عجيب لم يعهد مثله في المسجد الجامع، حتى إن كثيرًا من الناس أعجبه ذلك، ومن الناس من أنكره بقلبه ولسانه (٢). وفي هذا اليوم احتيط على أربعة من الأمراء وهم أبناء الكامل (٣) صلاح الدين محمد، أمير طبلخاناة، وغياث الدين محمد أمير عشرة، وعلاء الدين علي بن أيبك الطويل أمير طبلخاناة أيضًا، وصلاح الدين خليل بن بلبان طرنا أمير طبلخاناة أيضًا. وذلك بسبب أنهم اتهموا على ممالأة الملك أحمد بن الناصر الذي في الكَرَك، ومكاتبته، والله أعلم بحالهم، فقيدوا وحملوا إلى القلعة المنصورة من باب السرّ (٤) مقابل باب دار السعادة الثلاث الطبلخانات والغياث من بابها الكبير، وفُرّق بينهم في الأماكن. شهر شوال المبارك، وأوله الخميس، اتفق مطرٌ كثير ليلة العيد، فمُنع الناس من الذهاب إلى المصلَّى، بل لم يذهب كثير من الناس إلى الجامع أيضًا لكثرة الطين والزحام، وصلى الخطيب تاج الدين بدار السعادة والقضاة (٥). وخرج المحمل يوم الخميس خامس عشره، ولبس الخطيب ابن الجلال خلعة استقرار الخطابة في هذا اليوم، وركب بها مع القضاة على عادة الخطباء. وفي هذا الشهر نُصب المنجنيق الكبير على باب الميدان الأخضر، وطول أكتافه ثمانية عشر ذراعًا، وطول سهمه سبعة وعشرون ذراعًا، وخرج النَّاس للفرجة عليه، ورمى به في يوم السبت حجرًا زنته ستين

стр. 330

رطلا، فبلغ إلى مقابلة القصر من الميدان الكبير، وذكر معلّم المجانيق أنه ليس في حصون الإسلام مثله، وأنه عمله الحاج محمد الصالحي ليكون بالكَرَك، فقدَّر الله أنه خرج ليحاصر به الكرك، فالله يحسن العاقبة. وفي أواخره أيضًا مُسك أربعة أمراء، وهم آقبغَا عبد الواحد الذي كان مباشرًا الاستدارية للملك الناصر الكبير، فصودر في أيَّام ابنه المنصور، وأُخرج إلى الشام فناب بحمص فسار سيرةً غير مرضية. وذمه الناس ثم عُزل عنها وأُعطي تقدمة ألف بدمشق، وجعل رأس الميمنة، فلما كان في هذه الأيام اتهم بممالأة السلطان أحمد بن الناصر الذي بالكَرَك، فمسك وحمل إلى القلعة، ومعه لأمير سيف الدين بلك (١)، وسيف الدين جقطاي الذي كان حاجبًا في أيام ألطَنْبُغا والأمير سيف الدين سلامش، وكلهم بطبلخانات، فرفعوا إلى القلعة المنصورة، فالله يحسن العاقبة. وفي هذا الشهر خرج قضاء حمص عن نيابة دمشق بمرسوم سلطاني مجددًا للقاضي شهاب الدين بن البارزي، وذلك بعد مناقشة كثيرة وقعت بينه وبين قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وانتصر له بعض الدولة، واستخرج له المرسوم المذكور. وفيه أيضًا أفرد قضاء القدس الشريف أيضًا باسم القاضي شمس الدين بن سالم الذي كان مباشرها مدة طويلة قبل ذلك نيابة، ثم عزل عنها وبقي مقيمًا ببلده غزة، ثم أعيد إليها مستقلًا بها في هذا الوقت. وفي هذا الشهر رجع القاضي شهاب الدين بن فضل الله من الديار المصرية ومعه توقيع بالمرتب الذي كان له أول كل شهر ألف درهم (٢)، وأقام بعمارته التي أنشأها بسفح قاسيون شرقي الصالحية بقرب حمام النحاس. شهر ذي القعدة وأوله الجمعة، وفي صبيحة مستهله خرج المنجنيق قاصدًا إلى الكَرَك على الجمال والعَجَل (٣)، وصحبته الأمير صارم الدين إبراهيم اليوسفي (٤)، أمير حاجب، كان في الدولة التنكزية (٥)، وهو المقدَّم عليه يحوطه ويحفظه ويتولى تسييره بطلبه وأصحابه. وتجهز الجيش للذهاب إلى الكَرَك، وتأهبوا أتم الجهاز، وبرزت أثقالهم إلى ظاهر البلد وضربت الخيام فالله يحسن العاقبة.

стр. 331

وفي يوم الإثنين رابعه توفي الطواشيُّ شِبْل الدولة كافور (١) التَّنْكِزي (٢) ودفن صبيحة يوم الثلاثاء خامسه في تربته التي أنشأها قديمًا ظاهر باب الجابية تجاه تربة الطَّواشي ظهير الدين الخازن (٣) بالقلعة، كان قبيل مسجد الذُّبَّان ﵀. وكان قديمًا للصاحب تقي الدين تَوْبة التكريتي (٤)، ثم اشتراه تَنْكِز بعد مدة طويلة من ابني أخيه صلاح الدين وشرف الدين بمبلغ جيد وعوّضهما إقطاعًا بزيادة على ما كان بأيديهما، وذلك رغبةً في أمواله التي حصلها من أبواب السلطنة، وقد تعصّب عليه أستاذه تنكز ﵀ في وقت وصودر وجرت عليه فصول، ثم سلم بعد ذلك، ولما مات ترك أموالًا جزيلة وأوقافًا ﵀. وخرجت التجريدة يوم الأربعاء سادسه والمقدم عليها الأمير بدر الدين بن الخطير (٥) ومعه مقدم آخر وهو الأمير علاء الدين فَرَاسُنقَر (٦). [وفي يوم السبت سلخ هذا الشهر توفي الشَّاب الحسن شهاب الدين أحمد بن فَرَجَ المُؤَذِّن بمئذنة، العروس وكان شهيرًا بحسن الصوت ذا حظوة عظيمة عند أهل البلد، وكان ﵀ كما في النفس وزيادة في حسن الصوت الرخيم المطرب، وليس في القُرَّاء ولا في المؤذنين قريب منه ولا من يدانيه في وقته، وكان في آخر وقته على طريقة حسنة، وعمل صالح، وانقطاع عن الناس، وإقبال على شأن نفسه فرحمه الله، وأكرم مثواه، وصلّي عليه بعد الظهر يومئذ، ودفن عند أخيه بمقبرة الصوفية] (٧). وفي يوم الخميس خامس عشره طلب الأمير نجم الدين ابن الزيبق والي البر إلى دار السعادة، وحصل له ضرب وإحراق من النائب بسبب خصومة بينه وبين بعض حاشية النائب، لكنه استمر على ولايته، ثم خلع. شهر ذي الحجة المبارك وأوّله السبت (٨). وفي يوم الخميس خامس ذي الحجة توفي الشيخ بدر الدين أحمد بن بَصْخَان (٩) شيخ القراء السَّبعة في

стр. 332

البلد، الشهير بذلك، وصُلِّي عليه بالجامع بعد الظهر يومئذ، ودفن بباب الفراديس ﵀. وفي يوم الأحد تاسعه وهو يوم عرفة حضر الإقراء بتربة أمّ الصَّالح عوضًا عن الشيخ بدر الدين بن بَصْخَان القاضي شهاب الدين أحمد بن النقيب البعلبكي (١)، وحضر عنده جماعة من الفضلاء، وبعض القضاة، وكان حضوره بغتة، وكان متمرّضًا فألقى شيئًا من القراءات والإعراب عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وفي أواخر هذا الشهر غلا السعر جدًّا وقل الخبز، وازدحم الناس على الأفران زحمة عظيمة، وبيع خبز الشعير المخلوط بالزيوان والنقاوة (٢)، وبلغت الغرارة بمئة وستة وثمانين درهمًا، وتقلّص السعر جدًّا حتى بيع الخبز كل رطل بدرهم، وفوق ذلك بيسير، ودونه بحسب طيبه ورداءته، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وكثر السؤال وجاع العيال، وضعف كثير من الأسباب والأحوال، ولكن لطف الله عظيم فإن الناس مترقبون مغلًا هائلًا لم يسمع بمثله من مدة سنين عديدة، وقد اقترب أوانه، وشرع كثير من البلاد في حصاد الشعير وبعض القمح مع كثرة الفول وبوادر التُّوت، فلولا ذلك لكان غير ذلك، ولكن لطف الله بعباده، وهو الحاكم المتصرّف الفعّال لما يريد لا إله إلا هو. ثم دخلت سنة أربع وأربعين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة وسلطان المسلمين الملك الصالح عماد الدُّنيا والدين إسماعيل بن الملك الناصر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي. ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين آقْسُنقر السَّلاري (٣). وقضاته بها هم المتقدم ذكرهم في العام الماضي. ونائبه بدمشق الأمير سيف الدين طُقْزدَمِر الحموي، وقضاته هم المتقدم ذكرهم، وكذلك الصاحب. (والخطيب وناظر الجامع والخزانة، وشادّ الدواوين والأوقاف والولاية، أما وكالة بيت المال مفوّضة إلى القاضي شرف الدين بن الشهاب محمود، والحسبة إلى القاضي علاء الدين بن الأطروش المصري، ونظر الأوقاف إلى القاضي شهاب الدين بن البارزي، وكاتب السر القاضي بدر الدين بن فضل الله،

стр. 333

وناظر الجيش فخر الدين ابن العفيف وكتاب الدّست هم هم) (١). واستهلت والجيوش المصرية والشامية محيطة بحصن الكَرَك محاصرون ويبالغون في أمره، والمنجنيق منصوب وأنواع آلات الحصار كثيرة، وقد رسم بتجريدة من مصر والشام أيضًا تخرج إليها. وفي العشر الأوسط من المحرم أرخص الله أسعار المسلمين بحوله وقوته. وكانت الغرارة تباع بأزيد من مئة وثمانين فسقطت إلى المئة وما دونها، وتناقض الشعير عن المئة بكثير، وزيد في تسعير الخبز بعده، فإنه قد بلغ الرّطل بدرهم وأقل من رطل. وهو غاية ما يكون من الرداءة سوادًا وشعيرًا وزيوانًا لا يكاد يأكله الإنسان، لكن يحمله على ذلك الجوع. فارتفع السعر حتى أبيع بعد عشرة أيام من يومئذ وهو ثالث عشر المحرم الخبز رطلين بدرهم، والصافي رطلين إلا ربع بدرهم. فالله الحمد والمنة. وجاءت كتب الحجاج في رابع عشره، وتواترت أخبارهم بأنهم كانوا في الطلعة في غاية الأمر والطيبة والرّخص، بحيث المُشَلْشَل واللحم في بعض المنازل رطلين بدرهم، والعجوة كذلك، والسمن بدرهم وبدرهم ونصف. ولكن حصل لهم عند وصولهم إلى المدينة النبوية خوف بسبب تشويش حصل بن أميري المدينة طفيل وودي، وقد قوي طفيل على صاحبه فأخرجه منها، وأرادَ الآخر أن يستنصر بأمير الحجاج، فخشي الناس من وقوع قتال بينهم وانزعجوا لذلك، فلم يقع والله الحمد شيء مما حذروا. ثم ذهبوا إلى مكة في خير وسلامة، فلم يزالوا بذلك حتى كان يوم عرا فة، وقعت فتنة بين الترك والأشراف الذين بمكة، وجرت بينهم مقتلة ووقعة انكسر فيها جماعة الترك مرتين، وكل ذلك لكفّ الأشراف عن الحجيج، وهم وقوف بعرفات، ولكن حصل رعب شديد لكثير من الناس، وخشوا أن يميلوا عليهم فينهبوهم. وأولئك الأشراف لم يقصدوا شيئًا من ذلك، وإنما كان قتالهم دفعًا عن النفس لصولة بعض الأتراك؛ فإنه أراد بعضهم أن يتعرّض لحريم الأشراف وعيالهم في منازلهم؛ فحموا لذلك، وكان ما كان، ثم رجعوا إلى الشام، وكانت الرجعة في غاية الغلاء وشحط الأسعار (٢). وجاءت الأخبار في هذه الأيام من الديار المصرية بالقبض على نائب السلطنة بها، هو والأمراء آقسنقر السلاري، وعلى بَيْغَرا أمير جندار، وعلى الحاجبين (٣)، وعلى بعض الدويدارية اتهموا بالممالأة لأحمد بن السلطان الناصر الذي بالكرك، فأخذوا وأعدموا واحتيط على حواصلهم، وأبيعت بالديار المصرية (٤).

стр. 334

وكان مسك هؤلاء على ما أضربه القاضي أمين الدين ابن القلانسي يوم الخميس رابع المحرم. وفي ليلة الإثنين الثاني والعشرين منه وقع بيت على أهله ظاهر دمشق قريبًا من دار عاقول غربي الشامية البرانية، فماتوا أجمعين، وأصبحوا فأخرجوا جنائز أحد عشر جنازة، وصلّي عليهم بسوق الخيل، ودفنوا بمقابر الباب بصغير ﵏. وفي ليلة الخميس الخامس والعشرين منه وقع حريق هائل بالقصاعين بالقرب من مدرسة الشيخ تقي الدين بن تيمية في دار أمير طبلخاناة يقال له مغلطاي الحموي احترقت بأسرها، ولم تبعد النار إلى غيرها، وذهب له فيها أموال كثيرة. ووقعت له جارية من جواريه ثمينة، وهي أم أولاده في هذه الليلة، فماتت - رحمها الله -. ودخل المحمل وبقية الحجاج في يوم الخميس الخامس والعشرين من المحرم، ولم يركب نائب السلطنة لمرضي حصل له. وفي هذا اليوم خلع على القاضي عماد الدين بن الشيرازي بنظر الجامع الأموي، وعزل عز الدين بن المُنجي، وعلى الأمير حسام الدين ابن النجيبي مشدًّا للأوقاف وعلى علاء الدين بن الأطروش المحتسب بنظر الأسوار خلعة كاملة بنغلة وطيلسان وركبوا في المحمل بالخلع يومئذ مع القضاة (١). شهر صفر، أوّله الأربعاء وفي يوم الخميس تاسعه دخلت التجريدة من الكَرَك إلى دمشق، واستمرت التجريدة الجديدة على الكَرَك ألفان من مصر وألفان من الشام، والمنجنيق منصوب عند الجيش خارج الكرك، والأمور متوقفة، وبرد (٢) الحصار بعد رجوع الأحمدي إلى مصر. وفي يوم السبت ثاني ربيع الأول توفي السيد الشَّريف عماد الدين الخَشَّاب (٣) بالكوشك في درب الشَّيْرَجي (٤) جوار المدرسة العزّية، وصلّي عليه ضحى بالجامع الأموي، ودفن بمقابر باب الصغير، وكان رجلًا شهمًا كثير العبادة والمحبّة للسُّنَّة وأهلها، ممَّن واظب [على] (٥) الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀ وانتفع به، وكان من جملة أنصاره وأعوانه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الذي بعثه إلى صيدنايا (٦) مع بعض القسيسين، فلوّث يده بالعُذرة وضرب اللحمة التي يعظمونها هنالك، وأهانها غاية الإهانة لقوة إيمانه وشجاعته ﵀ وإيانا

стр. 335

وفي يوم الخميس سابعه اجتمع الصاحب ومشد الدواوين ووكيل بيت المال، ومشد الأوقاف ومباشرو الجامع ومعهم العمال بالفؤوس (١) والمعاول، يحفرون إلى جانب السارية عند باب مشهد علي تحت تلك الصخرة التي كانت هناك، وذلك عن قول رجل جاهل، زعم أن هناك مالًا مدفونًا، فشاوروا نائب السلطنة فأمرهم بالحفر، واجتمع الناس والعامة، فأمرهم فأخرجوا وأغلقت أبواب الجامع كلها ليتمكنوا من الحفر، ثم حفروا ثانيًا وثالثًا فلم يجدوا شيئًا إلا التراب المحض، واشتهر هذا الحفير في البلد وقصده الناس للنظر إليه والتعجب من أمره، وانفصل الحال على أن حبس هذا الزاعم لهذا المحال، وطُم الحفير كما كان. وفي يوم الإثنين ثامن عشر ربيع الأول قدم قاضي حلب ناصر الدين بن الخشاب (٢) على البريد مجتازًا إلى دمشق فنزل بالعادلية الكبيرة. وأخبر أنه صلَّى على المحدِّث البارع الفاضل الحافظ شمس الدين محمد (٣) بن علي بن أيبك السَّرُوجي المصري يوم الجمعة ثامن هذا الشهر بحلب ﵀ ومولده سنة خمس عشرة وسبعمائة، وكان قد أتقن طرفًا جيدًا في علم الحديث، وحفظ أسماء الرجال، وجمع وخرَّج. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره قدم القاضي تاج الدين ابن أمين الملك من الديار المصرية على نظر الدواوين بالشام، فنزل بتربة أبيه، وقصده الأعيان والأكابر للسلام عليه وتهنئته. وعزل العلم ابن القطب عنها، وولّي نظر الجيش عوض الفخر بن العفيف. وفي يوم السبت الثالث والعشرين منه وصل الخبر بوفاة القاضي شرف الدين ابن الشهاب محمود (٤)، وكيل بيت المال، وأحد موقعي الدَّست ببلد القدس الشريف بمدرسة التنكزته يوم الثلاثاء العشرين منه. وذكروا أنه توفي في بيت الماء، وهو على الحاجة، وصلّي عليه بالمسجد الأقصى، ودفن بماملًا ﵀ -. وعمل عزاؤه بجامع دمشق عند محراب الصحابة، واحتفل الناس بذلك، وعَزّوا ولده شهاب الدين، ورسم له بمنصب أبيه في التوقيع، وخلع عليه، وذهب الناس لتهنئته بذلك (٥). شهر ربيع الآخر وأوله الأحد، وفي مستهله وقع حريق عظيم بسفح قاسيون احترق به سوق الصالحية الذي بالقرب من جامع المظفّري، وكانت جملة الدكاكين التي احترقت قريبًا من مئة وعشرين دكانًا، ولم

стр. 336

يُرَ حريق من مدة طويلة أكبر منه ولا أعظم، فإنا لله وإنا إليه راجعون (١). وفي يوم الخميس خامسه وقت العصر خُلع على القاضي أمين الدين ابن القاضي جمال الدين بن القلانسي بوكالة بيت المال، وجلس في الدست فوق شهاب الدين بن القيسراني، وذهب الناس لتهنئته، واحتفلوا لذلك، منصب أبيه، ﵀ (٢). وفي يوم الجمعة سادسه رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مآذن البلد كما يذكر في مآذن الجامع ففعل ذلك. وفي يوم الثلاثاء عاشره طلب من القاضي تقي الدين السُّبكي قاضي قضاة الشافعية أن يقرض ديوان السلطان شيئًا من أموال الغياب التي تحت يده، فامتنع من ذلك امتناعًا كثيرًا، فجاء شاد الدواوين وبعض حاشية نائب السلطنة، ففتحوا مخزن الأيتام وأخذوا منه خمسين ألف درهم قهرًا، ودفعوها إلى بعض العرب عما كان تأخر له في الديوان السلطاني، ووقع أمر كثير لم يُعهد مثله. شهر جمادى الأولى أوله الإثنين، وفي يوم الأربعاء عاشره توفي صاحبنا الشيخ الإمام العالم العلامة الناقد البارع في فنون العلوم شمس الدين محمد (٣) بن الشيخ عماد الدين أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي، تغمده الله برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، مرض قريبًا من ثلاثة أشهر بقرحة وحُمَّى سل، ثم تفاقم أمره وأفرط به إسهال، وتزايد ضعفه إلى أن توفي يومئذ قبل أذان العصر، فأخبرني والده أن آخر كلامه أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فصلي عليه يوم الخميس بالجامع المظفري وحضر جنازته قضاة البلد وأعيان الناس من العلماء والأمراء والتجار والعامة، وكانت جنازته حافلة مليحة، عليها ضوء ونور، ودفن بالروضة إلى جانب قبر السيف بن المجد رحمهما الله تعالى، وكان مولده في رجب سنة خمس وسبعمئة (٤) فلم يبلغ الأربعين، وحصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، وتفنن في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والأصلين والتاريخ والقراءات وله مجاميع وتعاليق مفيدة كثيرة، وكان حافظًا جيدًا لأسماء الرجال، وطرق الحديث، عارفًا بالجرح والتعديل بصيرًا بعلل الحديث حسن الفهم له، جيد المذاكرة، صحيح

стр. 337

الذهن، مستقيمًا على طريقة السلف، واتباع الكتاب والسنة، مثابرًا على فعل الخيرات. وفي يوم الثلاثاء سلخه درّس بمحراب الحنابلة صاحبنا الشيخ الإمام العلامة شرف الدين بن القاضي شرف الدين الحنبلي (١) في حلقة الثلاثاء عوضًا عن القاضي تقي الدين بن الحافظ ﵀، وحضر عنده القضاة والفضلاء، وكان درسًا حسنًا، أخذ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وخرج إلى مسألة تفضيل بعض الأولاد. شهر جمادى الآخرة وأوله الأربعاء، وفي يوم الخميس ثانيه خرجت التجريدة إلى الكرك [وعليها] (٢) مقدَّمان من الأمراء، وهما الأمير شهاب الدين بن صُبح، والأمير سيف الدين قلاوون، في أبهة عظيمة وتجمل وجيوش وبقارات وإزعاج كثيرة. وفي يوم الجمعة ثالثه بعد الصلاة صُلّي على الشيخ فخر الدين عثمان ابن الأمير صفي الدين ابن الشيخ فخر الدين ابن الشيخ صفي الدين البصراوي الحنفي (٣). مدرّس الحنفية ببصرى، بمدرسته الأمينية والحكيمية، وكان شابًا حسنًا، لم يبلغ الأربعين، وحضر جنازته القضاة والأعيان ودفن بالصالحية، ثم قدم والده صفي الدين فاستنجز مرسومًا بأن تكون المدارس التي كانت بيد ولده باسم ولده وولد ولده المتوفى إلى رحمة الله تعالى (٤). وفي صبيحة يوم الإثنين الحادي والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن (٥) الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرفض الدال على الكفر المحض، شُهد عليه عند القاضي شرف الدين المالكي بشهادات كثيرة تدل على كفره، وأنَّه رافضي جَلْدٌ، فمن ذلك تكفير الشيخين ﵄، وقذفه أمي المؤمنين عائشةَ وحَفْصَة ﵄، وزعم أن جبريل غلط فأوحى إلى محمد، وإنما كان مرسلًا إلى علي، وغير ذلك من الأقوال الباطلة القبيحة قبحه الله، وقد فعل. وكان والده الشيخ محمد بن أبي بكر السكاكيني (٦) يعرف مذهب الرافضة والشيعة جيدًا، وكانت له أسئلة على مذهب أهل الخير، ونظم في ذلك قصيدة أجابه فيها شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن

стр. 338

تيمية ﵀، وذكر غير واحد من أصحاب الشيخ أن السكاكيني ما مات حتى رجع عن مذهبه، وصار إلى قول أهل السنة فالله أعلم. وأخبرت أنَّ ولده حسنًا هذا القبيح كان قد أراد قتل أبيه لما أظهر السنة. شهر رجب الفرد أوله الخميس في صبيحة مستهلة لبس القاضي علاء الدين بن شمريوخ خلعة قدمت معه من مصدر صحبة توقيعه بوكالة بيت المال، وتوقيع بالدست، وجاء القضاة والأعيان للسلام عليه والتهنئة (١). وفي ليلة الإثنين خامس شهر رجب وصلَ بَدَنُ الأمير سيف الدين تَنكِز نائب الشام إلى تربته التي إلى جانب جامعه الذي أنشأه ظاهر باب النَّصر بدمشق، نُقل من الإسكندرية بعد ثلاث سنين ونصف أو أكثر، بشفاعة ابنته زوجة الناصر عند ولده السلطان الملك الصالح، فأذن في ذلك، وأرادوا أن يُدفن بمدرسته بالقدس الشريف، فلم يمكن، فجيء به إلى تربته بدمشق، وعُملت له الختم وحضر القضاة والأعيان، ﵀ (٢). [وفي يوم الثلاثاء حادي عشر شعبان المبارك توفي صاحبنا الأمير صلاح الدين يوسف التكريتي (٣) ابن أخي الصاحب تقي الدين (٤) توبة الوزير، بمنزله بالقصاعين، وكان شابًا من أبناء الأربعين، ذا ذكاء وفطنة وكلام، وبصيرة جيدة، وكان كثير المحبة إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀، ولأصحابه خصوصًا، ولكل من يراه من أهل العلم عمومًا، وكان فيه إيثار وإحسان ومحبة الفقراء والصالحين، ودفن بتربتهم (٥) بسفح قاسيون ﵀] (٦) شهر شعبان المبارك أوّله السبت في يوم الأربعاء ثاني عشره قدم الأمير سيف ابن فضل ملك العرب من الديار المصرية، وقد ولّي أمر العرب، فنزل بمشهد عثمان من الجامع، فأقام أيامًا. بلغه أن بني مهنا الذين قطعت أخبارهم بسببه قد أغاروا على بني عمهم آل علي الذين أقطعوا أخبار بني مهنا بسفارته؛ فنهض مسرعًا إليهم (٧). وفي يوم السبت الخامس عشر منه جاءت زلزلة بدمشق، لم يشعر بها كثير من الناس لخفتها ولله الحمد والمنة، ثم تواترت الأخبار بأنها شعثت في بلاد حلب شيئًا كثيرًا من العمران حتى سقط بعض الأبراج بقلعة حلب، وكثير من دورها ومساجدها ومشاهدها وجدرانها، وأما في القلاع حولها فكثير جدًّا،

стр. 339

وذكروا أن مدينة منبج لم يبق منها إلا القليل، وأن عامة الساكنين بها هلكوا تحت الرَّدم ﵏ (١). شهر رمضان المعظم أوله الأحد، استهل بأمطار وثلوج عظيمة جدًّا واستمر متداركًا إلى بعد العشر. وفي يوم الإثنين تاسعه طلب القاضي نور الدين بن الصائغ الذي كان قاضي العساكر إلى دار السعادة، وجلس بين يدي نائب السلطنة طقزتمِر وأخبره من السلطان بولايته إياه قضاء القضاة بحلب، فقبل ذلك بعد تمنع ونزاع. وقد بعث له تقليد القضاء من الديار المصرية، ومعه خلعة وبغلة من هناك وإطلاق مئة دينار من دمشق لجهاز مسفره، ورواتب في طريقه، وكان كل ذلك بإشارة نائب السلطنة بمصر الحاج ألملك. فذهب الناس للسلام عليه وتهنئته، وكان كثير من الناس قد هنؤوه قبل ذلك (٢). وفي يوم الأربعاء حادي عشره درّس بالدماغية عوضًا عن القاضي نور الدين المذكور القاضي جمال الدين حسين ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، استنجز بها مرسومًا لولده المذكور، وحضر عنده القضاة والأعيان والفضلاء ولم يحضر والده، وأخذ في قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] وتوجّه القاضي نور الدين ابن الصائغ يوم الخميس تاسع عشره إلى حلب، وصحبته ولده تقي الدين عبد الله، وابن أخيه الشيخ ناصر الدين بن فخر الدين مدرس العمادية. وتوفي الشيخ كمال الدين ابن القاضي محي الدين بن الزكي (٣) يوم الأربعاء ثامن عشره، ودفن بتربتهم بقاسيون. ودرّس القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي بالمدرسة التقوية عوضًا عن كمال الدين بن الزكي الدارج يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه، وحضر عنده القضاة والفضلاء. وأخذ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] وهو في أول سن التكليف. وقدم الصاحب مكين الدين بن قروينة من الديار المصرية يوم الجمعة السابع والعشرين على نظر الدواوين بدمشق عوضًا عن تاج الدين بن أمين الملك، وصرف هذا إلى طرابلس. شهر شوال المبارك أوّله الإثنين في يوم مستهله أو ثانيه قدم القاضي شمس الدين موسى بن إسحاق القبطي إلى دمشق ذاهبًا إلى حلب على نظر الدواوين بها. وخرج المحمل والحجاج يوم الخميس الحادي عشر منه، وحجّ من الأعيان؛ القاضي فخر الدين المصري والقاضي علاء الدين بن الغر نائب الحنفي، والقاضي نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطَّرسوسي. وحج من أهل حماة قاضيها الشافعي بن البارزي.

стр. 340

وفي يوم الجمعة ثاني عشره جاء ناءب السلطنة من دار السعادة إلى الصلاة، وقد أُغلقت الدكاكين في طريقه، وطرد الناس عنها تخوّفًا عليه من الغاوية لتوهمهم من ذلك (١). وفي أواخر شهر شوال خرجت التجاريد إلى الكَرَك وهما أميران مقدَّمان الأمير علاء الدين قَرَاسُنقُر، والأمير الحاج بَيْدَمُر، واشتهر في هذه الأيام أن أمرَ الكَرَك قد ضعف وتفاقم عليهم الأمر وضاقت الأرزاق عندهم جدًّا، ونزل منها جماعات من رؤسائها وخاصكية الأمير أحمد بن الناصر مخامرين عليه، فَسُيّروا من الصُّبح إلى قلاوون وصحبتهم مقدَّمون من الحلقة إلى الديار المصرية، وأخبروا أن الحواصل عند أحمد قد قلت جدًّا فالله المسؤول أن يُحسن العاقبة. شهر ذي القعدة، أوّله الأربعاء، في يوم سادسه خُلعَ على الأمير سيف الدين بن الكزلري بولاية المدينة عوضًا عن ابن مكانس (٢) وفي ليلة السبت الثامن عشر منه توفي القاضي تقي الدين أبو الفتح السبكي (٣) بين العشاءين وصلّي عليه صبيحة يوم السبت بالجامع المظفري، ودفن بسفح قاسيون، وحضر جنازته القضاة وكثير من الأعيان، وتألّم عليه قاضي القضاة تقي الدين السبكي ابن عم والده كثيرًا، لأنه كان رباه من صغره، وأشغله، وزوجه ابنته، وله منها بنتان وصبي، وكان قد ساعده في توليه جهات من البلد، منها تدريس الركنية، وتدريس حلقة صاحب حمص بالجامع. وكان محببًا، حسن المجالسة، طيب، وله فنون أخرى كثيرة ﵀. وفي آخر هذا الشهر جرت وقعة بين نائب حلب وهو سيف الدين يلبغا اليحياوي وبين تلغادر، التركماني، فانكف جيش حلب، وشلح أبوه وأخوه، وقتل من الجيش الحلبي قريب المئة، وقيل: أربعمئة. واستظهر عليهم التركمان. وفي هذا الشهر أيضًا توفي بعض مشايخ الأحمدية (٤) ودفن بمقبرة الصوفية، وحضر جنازته القضاة والأعيان، ونائب السلطنة، وتواجد عليه فقراؤهم ومولّهوهم، وحلقوا رؤوسهم، وعملوا السماعات على قبره، وهذا من المنكرات التي دأب ولي الأمر على إزالتها. شهر ذي الحجة، أوّله الخميس (٥) وفي ليلة الأربعاء الثامن والعشرين منه توفي القاضي الإمام العلامة برهان الدين (٦) بن عبد الحق، شيخ الحنفية وقاضي القضاة بالديار المصرية مدة طويلة، بعد

стр. 341

ابن الحريري، ثم عُزل وأقام بدمشقَ ودرّس في أيام طُقُزْدَمُر بالعذراوية لولده القاضي أمين الدين، فذكر بها الدرس يوم الأحد قبل وفاة والده بثلاثة أيام، وكان موت برهان الدين ﵀ ببستانه من أراضي الأَرْزة بطريق الصالحية، ودفن من الغد بسفح قاسيون بمقبرة الشيخ أبي عمر ﵀، وصُلِّيَ عليه بالجامع المظفري، وحضر جنازته القضاة والأعيان والأكابر ﵀. وفي يوم الخميس التاسع والعشرين منه حكم القاضي جمال الدين المسلاتي المالكي نيابة عن قاضي القضاة شرف الدين المالكي عوضًا عن شمس الدين القفصي؛ نقموا عليه أشياء (١). ثم دخلت سنة خمس وأربعين وسبعمئة استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والديار الشامية وما يتعلق بذلك الملك الصالح إسماعيل (٢) بن السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون. وقضاته بالديار المصرية والشامية هم المذكورون في السنة المتقدمة، ونائبه بمصر الحاج آل ملك (٣) ووزيره المتقدم ذكره، وناظر الخاص القاضي مكين الدين، وناظر الجيوش القاضي علم الدين بن القطب، والمحتسب المتقدّم، وشاد الدواوين علم الدين الناصري، وشاد الأوقاف الأمير حسام الدين النجيبي، ووكيل بيت المال القاضي علاء الدين شمريوخ، وناظر الخزانة القاضي تقي الدين بن أبي الطيب، وبقية المباشرين والنظار هم المتقدم ذكرهم، وكاتب الدست القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتب السر، والقاضي أمين الدين بن القلانسي والقاضي شهاب الدين بن القيسراني، والقاضي شرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب محمود، والقاضي علاء الدين شرنوخ. شهر المحرم أوله السبت، استهل والحصار واقع بقلعة الكَرَك، وأما البلد فقد (٤) استنيب فيه الأمير سيف الدين قبلاي (٥) قدم إليها من الديار المصرية، والتجاريد من الديار المصرية ومن دمشق محيطون بالقلعة، والناصر أحمد بن الناصر ممتنع من التسليم، ومن الإجابة إلى الإنابة. ومن الدخول في طاعة أخيه، وقد تفاقمت الأمور وطالت الحروب، وقتل خلق كثير بسبب ذلك، من الجيوش ومن أهل

стр. 342

الكَرَك، وقد توجّهت القضية إلى خير إن شاء الله (١). وقبل ذلك بأيام يسيرة هرب من قلعة الكَرَك الأمير سيف الدين (٢) أبو بكر بن بهادر آص الذي كان أسر في أوائل حصار الكَرَك، هو وجماعة من مماليك الناصر أحمد، كان اتهمهم بقتل الشُّهَيْب أحمد، الذي كان يعتني به ويحبُّه، واستبشر الجيوش بنزول أبي بكر من عنده وسلامته من يده، وجُهِّز إلى الديار المصرية معظَّمًا، هذا والمجانيق الثلاثة مُسلَّطة على القلعة من البلد تضرب عليها ليلًا ونهارًا، وتدمر في بنائها من داخل، فإنَّ سورها لا يؤثر فيه شيء بالكلية، ثم ذكر أنّ الحصار فتر ولكن مع الاحتياط على أن لا يدخل إلى القلعة ميرةٌ ولا شيء مما يستعينون به على المقام فيها، فالله المسؤول أن يحسن العاقبة. وفي يوم الأربعاء ثاني عشره درّس بالخانونية البرّانية الشيخ فخر الدين بن السراج الحنفي الرومي، بعد وفاة القاضي برهان الدين ابن عبد الحق (٣) ﵀ وحضر عنده القضاة والأعيان على العادة، وأُخذ م منه تدريس الزنجيلية بمحلة المنيبعة للشيخ شمس الدين الكاشغري. وفي يوم الخميس ثالث عشره ولّي فيها القاضي أمين الدين بن القلانسي وكالة بيت المال عوضًا عن علاء الدين بن شمريوخ وذهب الناس للسلام عليه والتهنئة. وقدمت كتب الحجاج صبيحة يوم الجمعة رابع عشره وفيها أمور عظيمة مما لقَوْا من الغلاء وقلّة الظهر، وما حصل لهم في الرّجعة من هلاك كثير من الناس والجمال وغير ذلك، ولا سيما ليلة وادي العظامي. قرأت في كتاب: أنه هلك به ليلتئذٍ نحو من ألفي نفس، وأبيع في الرجعة كيل الشعير بأزيد من خمسين درهما، وبلغت الشربة بوادي العظامي دينارين مصريين وقيل مئة درهم، وفي يوم الأحد سادس عشره قدم خلق من الحجاج من التركمان صحبة القاضي فخر الدين المصري والشيخ عمر بن جامع، وجماعة من أهل البلد. وذكروا أنهم لم يلقوا شيئًا مما ذكر الحجاج في كتبهم من الغلاء وقلّة الماء (٤). وفي يوم الجمعة الحادي والعشرين منه بعد الصلاة حكم بالعادلية القاضي جمال الدين حسن ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي نيابة عن أبيه عوضًا عن تقي الدين أبي الفتح ﵀، وحضر عنده القاضيان المالكي والحنبلي، وجماعة من الفقهاء والأعيان. شهر صفر المبارك أوّله الأحد، في ليلة الثلاثاء ثالثه وقع حريق كبير بدار السعادة احترقت منه الطارمة (٥) التي بناها تنكز المشرفة على باب النصر المطلة على الخندق، وكانت هائلة جدًّا.

стр. 343

وفي صبيحة يوم الأربعاء ثامن عشره درّس القاضي بهاء الدين أبو البقاء ابن عم قاضي القضاة تقي الدين الشافعي ونائبه بحلقة صاحب حمص بالجامع الأموي، عوضًا عن ابن عمه القاضي تقي الدين أبي الفتح - ﵀ وذكر شيئًا في فضل: (البَسْمَلَة) ثم أسند حديث يحيى بن معمر عن ابن عمر في القدر من طريق مسلم (١)، وتكلّم على رجاله، منه إلى الصحابي، وكنت فيمن حضر عنده. وفي صبيحة يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه حكم القاضي نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الحنفي نيابة عن والده بالمدرسة النورية، وحضر عندهم القاضي الشافعي وبنوه وذووه) (٢). وفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من صفر قدم البريد مسرعًا من الكَرَك، فأخبر بفتح القلعة، وأن بابها أُحرق، وأن جماعة الأمير أحمد بن الناصر استغاثوا بالأمان، وخرج أحمد مقيدًا وسير على البريد إلى الديار المصرية، وذلك يوم الإثنين بعد الظهر الثالث والعشرين من هذا الشهر (٣)، ولله عاقبة الأمور. وفي صبيحة يوم الجمعة رابع ربيع الأول دقت البشائر بالقلعة، وزينت البلد عن مرسوم السلطان الملك الصالح سُرورًا بفتح البلد، واجتماع الكلمة عليه، واستمرَّت الزينة إلى يوم الإثنين سابعه، فرسم برفعها بعد الظهر، فتشوش كثير من العوام، وأرجف بعض الناس بأن أحمد قد ظهر أمره وبايعه الأمراء الذين هم عنده، وليس لذلك حقيقة، ودخلت الأطلاب من الكَرَك صبيحة يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول بالطبلخانات والجيوش. واشتهر إعدام أحمد بن الناصر (٤). شهر ربيع الأول أوّله الثلاثاء، وفي يوم الجمعة حادي عشره صُلّي بالجامع الأموي على الشيخ أثير (٥) الدين أبي حيان النحوي، شيخ البلاد المصرية من مدة طويلة، وكانت وفاته بمصر عن تسعين سنة وخمسة أشهر (٦).

стр. 344

ثم اشتهر في ربيع الآخر قَتْلُ السُّلطان أحمد، وحَزُّ رأسه، قيل: وقطع يديه، ودَفْنُ جثته بالكَرَك، وحَمْلُ رأسه إلى أخيه الملك الصالح إسماعيل، وحضر بين يديه في الرابع والعشرين من هذا الشهر ففرح النَّاسُ بذلك. ودخل الشيخ أحمد الزُّرَعي (١) على السلطان الملك الصالح فطلب منه أشياء كثيرة، من تبطيل المظالم ومكوسات وإطلاق طبلخانات للأمير ناصر الدين بن بكتاش، وإطلاق أمراء محبوسين بقلعة دمشق وغير ذلك، فأجابه إلى جميع ذلك، وكان جملة المراسيم التي أجيب فيها بضعة وثلاثين مرسومًا. فلما كان آخر شهر ربيع الآخر قدمت المراسيم التي سألها الشيخ أحمد من الملك الصالح، فأمضيت كلها، أو كثير منها، وأفرج عن صلاح الدين بن الملك الكامل، والأمير سيف الدين بلك (٢) في يوم الخميس سلخ هذا الشهر، ثم روجع في كثير منها وتوقف حالها. وفي هذا الشهر عُملت منارة خارج باب الفرج، وفتحت مدرسة كانت دارًا قديمة، فجعلت مدرسة للحنفية ومسجدًا، وعملت طَهَارة عامة، ومصلى للناس، وكل ذلك منسوب إلى الأمير سيف الدين طُقْتَمُر (٣) الخليلي أمير حاجب كان، وهو الذي جدَّد الدار المعروفة به اليوم بالقصَّاعين. وعمر في هذا الشهر ربع قبلي باب الجابية مما يلي تربة بهادرآص عملت أساساته في الخندق، وأسفله دكاكين، وأعاليه طباق، وذلك من إنشاء نائب السلطنة طُقُزتَمِر. وفي هذا الشهر والذي قبله القتال والعشير قائم بجبل البقاع، والحرب بين الدرزية وأهل البقاع. وأظهر الدرزية اعتقادهم - لعنهم الله - وأحضر إلي كتب من كتبهم ممّا نهبها أعداؤهم، فرأيت فيها عظائم وكفرًا بواحًا، وإفكًا صراحًا - لعنهم الله -. والذي تقتضيه الأدلة قتالهم وقتلهم، وعدم قبول توبتهم لردّتهم وزندقتهم. هذا كله والأمير شهاب الدين بن صبح مجرّد في تقدمته لقتالهم، وتسكين الحرب عنهم - لا سلّمهم الله -. شهر جمادى الأولى، أوّله الجمعة في صبيحة ثامنه رفع الأمير أحمد بن مهنا إلى القلعة مضيقًا عليه، وكان قد قدم من البرية ومعه قوَدٌ وهدايا، وذلك بعدما حلفوا له وأمنوه، فلما حُجز استنكر كثير من الناس ذلك. ووقعت خبطةً في التجار الذين كانوا قد برزوا إلى القابون، فيقال: إن كثيرًا منهم رجع.

стр. 345

وفي يوم الاثنين حادي عشر خرجت أطلابٌ مجرّدة إلى نحو تدمر، وأطلاب أُخر إلى البقاع والأمور صعبة بالنسبة إلى مداراة الأعراب، وما في الجبل من الحروب والعشران. وخسف القمر في ليلة الرابع عشر من هذا الشهر، وصُلّي بالجامع وقت السّحر صلاة الخسوف. صلى بالناس نائب الخطابة، وخطب بعد الصلاة ونزل، وصلّى الناس عن سنة الفجر؛ وأقيمت الصلاة للفجر. وفي يوم الخميس الثامن والعشرين منه طلعت الشمس كاسفةٌ، فنُودي بالمنابر بعد ساعة جيدة، بعد أن كادت أن يعمّها الكسوف ثم لطف الله بالحال. وفي ليلة سلخ هلال الشهر أو مستهلّ الذي يليه هجم جماعة من الجبلين على مدينة الزبداني وما حولها من القرى، وقتلوا جماعة من أهاليها، وحرقوا طائفة من بيوتها، حتى قيل: إنّهم هموا بإحراق الجامع الذي بالزبداني. وفرّ كثيرٌ من أهلها تحت الليل، فما أصبح لهم الصباح إلّا بالصالحية. وخرجت أطلاب الأمراء في الليل، ومعهم الطبلخانات وآلات الحرب قاصدين الزبداني (١). وفي ليلة الإثنين عاشر جُمادى الآخرة توفي صاحبُنا المحدث تقي الدين محمد بن صدر الدين سليمان الجَعْبَري (٢) زوج بنت ابن الشيخ جمال الدين المِزّي، والد شرف الدين عبد الله، وجمال الدين إبراهيم وغيرهم، وكان فقيهًا بالمدارس، وشاهدًا تحت السَّاعات وغيرها، وعنده فضيلة جيدة في قراءة الحديث وشيء من العربية، وله نظمٌ مستحسن، انقطع يومين وبعض الثالث وتوفي في الليلة المذكورة في وسط الليل، وكنت عنده وقت العشاء الآخرة ليلتئذ، وحدَّثني وضاحكني، وكان خفيف الرُّوح رحمه ﵀، ثم توفي في بقية ليلته ﵀، وكان أشهدني عليه بالتوبة من جميع ما يُسْخط الله ، وأنَّه عازم على ترك الشهود أيضًا ﵀، صُلِّي عليه ظهر يوم الإثنين، ودُفن بمقابر باب الصغير عند أبويه ﵏. وفي يوم الجمعة ثاني عشري شهر رجب خطب القاضي عماد الدين بن العز الحنفي بجامع تَنْكِز خارج باب النصر عن نزول الشيخ نجم الدين علي بن داود القَحْفَازي (٣) له عن ذلك، وأيضًا نائب السلطنة الأمير سيف الدين طُقُزْدَمِر وحضوره عنده في الجامع المذكور يومئذ (٤). وفي يوم الجمعة تاسع عشري رجب توفي القاضي الإمام العالم جلال الدين أبو العباس أحمد بن (٥)

стр. 346

قاضي القضاة حسام الدين الرومي الحنفي، وصُلِّيَ عليه بعد صلاة الجمعة بمسجد دمشق، وحضره القضاة والأعيان، ودفن بالمدرسة (١) التي أنشأها إلى جانب الزُّرَدْكَاش قريبًا من الخاتونية الجوانية، وكان قد وَلِيَ قضاء قضاة الحنفية في أيام ولاية أبيه الديار المصرية، وكان مولده سنة إحدى وخمسين وستمئة، وقدم الشام مع أبيه، فأقاموا بها، ثم لما وَلِيَ الملك المنصور لاجين ولَّى أباه قضاء الديار المصرية، وولده هذا قضاء الشام، ثم إنه عزل بعد ذلك واستمرَّ على ثلاث مدارس من خيار مدارس الحنفية ثم حصل له صَمَمٌ في آخر عمره، وكان ممتعًا بحواسه سواه وقواه، وكان يذاكر في العلم وغير ذلك. وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان توفّي الشيخ نجم الدين علي بن (٢) داود القَحْفازي (٣) خطيب جامع تَنْكِز، ومدرِّس الظاهرية، وقد نزل عنها قبل وفاته بقليل للقاضي عماد الدين بن العز الحنفي، وصلِّيَ عليه بالجامع المذكور بعد صلاة الظهر يومئذ، وعند باب النصر وعند جامع جراح ودفن بمقبرة ابن الشيرجي عند والده، وحضره القضاة والأعيان، وكان أستاذًا في النَّحو وله علوم أخر، لكن كان نهايةً في النحو والتَّصريف. [وفي هذا اليوم توفي الشيخ الصالح العابد الناسك الشيخ عبد الله (٤) الضرير الزُّرَعي، وصُلّيَ عليه بعد الظهر بالجامع الأموي وبباب النصر وعند مقابر الصوفية، ودفن بها قريبًا من الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀، وكان كثير التلاوة حسنها وصحيحها، كثير العبادة، يُقرئُ الناس من دهر طويل، ويقوم بهم العشر الأخير من رمضانَ، في محراب الحنابلة بالجامع الأموي ﵀] (٥). شهر شعبان المبارك، أوّله الأربعاء، في يوم الخميس ثانيه ذكر الدّرس بالمدرسة الجلالية التي أنشأها القاضي جلال الدّين ابن القاضي حسام الدين الرازي المتقدّم ذكره. درّس بالفقه الفاضل رضيّ الدين ابن الرضيّ، وحضر القضاة. وفي صبيحة يوم الأربعاء ثامنه حضر القاضي نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطّرسوسي قاضي الحنفية والده، وهو نائبه تدريس الخاتونية الجوّانية عوضًا عن القاضي جلال الدين بن حسام الدين. وفي صبيحة يوم الأحد السابع عشر منه حضر الدّرس بالرّيحانيّة قاضي القضاة عماد الدين

стр. 347

الطرسوسي الحنفي عوضًا عن القاضي جمال الدين بن حسام الدين المتوفّى، وحضر عنده القضاة، وحضر عنده قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي، ولم يك حضر أول درس يومئذ منذ قدم دمشق إلّا هذا. وفي يوم الأربعاء الثاني والعشرين منه حضر القاضي شهاب الدين العَيْنتابي الحنفي قاضي العسكر بالمدرسة الشبليّة (١) من السّفح عوضًا عن القاضي نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الحنفي، بحكم نزوله عنها، وتوليته الخاتونية المتقدّم ذكرها. وفي يوم الخميس الثالث والعشرين منه حضر الشيخ فخر الدين ابن الفصيح البغدادي درسَ الخاتونية بالقصاعين عوضًا عن القاضي حلال الدين بحكم وفاته المتقدّم ذكرها. وفي يوم الأحد السادس والعشرين منه حضر الشيخ ناصر الدين ابن الرّبوة تدريس المقدّمية داخل باب الفراديس عوضًا عن قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي بحكم تركه إياها؛ لتوليته الريحانية (٢). وفي يوم الجمعة ثاني شهر رمضان المعظَّم توفي الشيخ الإمام العالم العامل العابد الزّاهد الورع أبو عمر [أحمد] (٣) بن أبي الوليد المالكي إمام محراب الصَّحابة الذي للمالكية، وصُلِّيَ عليه بعد الصلاة، وحضر جنازته خلق كثير، وجم غفير، وتأسَّف النَّاسُ عليه وعلى صلاحه وفتاويه النافعة الكثيرة، ودفن إلى جانب قبر أبيه وأخيه، إلى جانب قبر أبي الحجاج الفَنْدلاوي (٤) المالكي قريبًا من مسجد النارنج (٥) ﵀، وولِّي مكانه في المحراب ولده، وهو طفل صغير، فاستنيب له إلى حين صلاحيته، جبره الله ورحم أباه. وفي يوم الإثنين خامسه درّس القاضي علاء الدين بن الأطرش ناظر الحسبة بالمدرسة الخاتونية الجوانية، مكان القاضي نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطّرسوسي بمرسوم شريف قدِم صحبةَ البريد وخلعة. فشقّ ذلك على نائب السلطنة، وشقّ على القاضي الحنفي بسبب ولده، وساعده القاضي الشافعي وأرادوا عقد مجلس لبيان أنّه لا يصلح لذلك، فلم يتهيّأ ذلك فلبس الخلعة ودرس بها في هذا اليوم، وحضر عنده المالكي والحنبلي وجماعةٌ من الأمراء المقدّمين وغيرهم. وقليل من الفقهاء، وخرج

стр. 348

من هنالك ودار الأسواق، وأوقدت له الشموع، ونثروا عليه الدراهم، ويقال: إن بعضهم نثر دنانير، وتمَّ يوم هائل (١). وفي صبيحة ليلة الثُّلاثاء سادس رمضانَ وقع ثلجٌ عظيم لم يُرَ مثله بدمشق من مدة طويلة، وكان الناس محتاجين إلى مطر، فلله الحمد والمنة، وتكاثف الثلج على الأسطحة، وتراكم حتى أعيى النَّاس أمره ونقلوه عن الأسطحة إلى الأزقَّة بحمل (٢)، ثم نُودي بالأمر بإزالته من الطرقات فإنّه سَدَّها وتعطَّلت معايشُ كثير من النَّاس، فعوَّض الله الضُّعفاء بعملهم في الثلج، ولحق الناس كلفة كبيرة وغرامة كثيرة، فإنا الله وإنا إليه راجعون (٣). وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من رمضان صُلِّيَ بالجامع الأموي على غائب (٤) وهو وهو الأمير علم الدين (٥) الجاولي، وقد تقدَّم شيء من ترجمته ﵀. شهر شوال أوّله السبت، وفي أوّله يوم عيد الفطر وقع فيه ثلج عظيم، بحيث لم يمكن الخطيب من الوصول إلى المصلَّى، ولا خرج نائب السلطنة، بل اجتمع الأمراء والقضاة بدار السعادة، وحضر الخطيب فصلَّى بهم العيد بها، وكثير من الناس صَلَّوا العيد في البيوت. وخرج المحمل والحجيج في يوم الخميس ثالث عشره، وركب القضاة على العادة، ولم يركب نائب السلطنة لمرضٍ عرض له، وكان أمير الرّكب شهاب الدين ابن صبح أحد مقدمي الألوف. وحجّ هذه السنة سيف الدين طَقْتَمِر الخليلي أمير طبلحاناة. وفي يوم السبت الثاني والعشرين منه ركب القاضي تقي الدين ابن مراجل على خيل البريد مطلوبًا إلى الديار المصرية، ليُولَّى نظر الدواوين بدمشق، وذهب الناس لتهنئته سلفًا. وفي يوم الأحد ثالث عشرينه ركب ابن الأطروش ناظر الحسبة على البريد مطلوبًا إلى الديار المصرية أيضًا، وخرج معه إلى ظاهر البلد خلق من القضاة وغيرهم. شهر ذي القعدة وأوله الإثنين، في يوم الأربعاء ثالثه درّس بالظاهرية الجوانية القاضي علاء الدين بن العز الحنفي بتوقيع شريف، وتوليةِ الناظر الشرعي بمصر، وعزل عنها القاضي عماد الدين

стр. 349

إسماعيل بن العز. وأبطل ما كان نزل له الشيخ نجم الدين القحفازي، ورجع نائب السلطنة عن توليته إياها، وحضر عنده القضاة. وتوفّي صبيحة يوم الجمعة ثاني عشرة الشيخ الإمام العلامة بقية السّلف شيخ الشافعية شمس الدين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم، المشهور بابن النقيب (١) بمدرسته الشامية البرانية بعد مرض يزيد على شهرين، وصُلّي عليه بعد الصلاة بالمدرسة المذكورة، ثم صُلّي عليه بالجامع المظفري من سفح قاسيون، ودفن بتربتهم شمالي الجامع المظفري، وشهد جنازته جمع كثير، وجمٌّ غفير. وكان ﵀ شيخًا دينًا عالمًا، وقد نيف على الثمانين بثلاث سنين أو أربع، وكان قد ولّي قضاء حمص مدّة، ثم انتقل إلى قضاء طرابلس فباشرها مدّة أيضًا، ثم صار إلى قضاء حلب، فأقام بها مدّة سنتين ثم عزل عنها، وأقام بدمشق مدّة ليس له وظيفة حتى أضرّ به الحال، وحمل الناس همّه، ثم ولّاه تَنْكِز تدريس العادلية الصغيرة حين عُزل عنها القاضي فخر الدين المصري، ثم ولّاه تدريس الشامية البرانيّة بعد موت ابن جملة. فباشرها وحدها إلى أن مات ﵀. وفي يوم الخميس ثامن عشره ركب نائبه السلطنة في الموكب، وقد برئ من مرضٍ كان به، به، وحصل له بقية لوقة في فمه ظاهرة وعلى عينه، واحتفل العامّة له بالشموع وأكثروا له الدّعاء، ثم أصبح فصلّى الجمعة كذلك في الشباك الكمالي من جامع دمشق على العادة. وفي هذا اليوم خلع على الأمير جمال الدين الدّمرداشي بولاية دمشق بمرسوم شريف عوضًا عن ابن الكركري وفرح الناس، وأشعلوا له الشموع. وسكن بدار ابن برق بالمطّرزيين. وفي يوم الأحد الحادي والعشرين منه درّس قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي الشافعيّ بالشامية البرانية عوضًا عن الشيخ شمس الدين ابن النقيب، وحضر عنده القضاة والأعيان والأمراء. وأخذ في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ [ص: ٣]. وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين منه درّس بالأتابكية من الصالحية القاضي بهاء الدين أبو البقاء بحكم نزول قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي له عنها. وحضر عنده القضاة والأعيان وجماعة من الأمراء. شهر ذي الحجة وأوله الإثنين، في يوم العيد قدم من الديار المصرية القاضي شهاب الدين الزُّرَعي قاضي قضاة طرابلس، بعدما كان رافعه بعض الناس، فلم يتبين عليه شيء؛ فأُعيد مكرّمًا إلى معاملته على عادته. وفي يوم الإثنين رابع عشره لبس القاضي تقي الدين ابن مراجل خلعة الصحابة وباشرها مع أنظار

стр. 350

أخرى، وذلك بعد أن عاد من الديار المصرية بأيّام. وخلع على صهره البَهْنَسي في استيفاء الديوان (١). وفي ذي الحجة استفتي في قتل كلاب البلد، فكتب جماعة من أهل البلد في ذلك، فرسم بإِخراجهم يوم الجمعة من البلد الخامس والعشرين منه، لكن إلى الخندق ظاهر باب الصغير، وكان الأولى قتلهم بالكلية وإحراقهم لئلا تنتن الناس بريحهم على ما أفتى به الإمام مالك بن أنس من جواز قتل الكلاب ببلدة معينة للمصلحة، إذا رأى الإمام ذلك، ولا يعارض ذلك النهي عن قتل (أمة) الكلاب (٢)، ولهذا كان عثمان بن عفان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام (٣). ثم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة وسلطان المسلمين بالديار المصرية والشامية والحرمين والبلاد الحلبية وأعمال ذلك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور، وقضاته بالديار المصرية والشامية هم المذكورون أيضًا. وفي يوم الجمعة سادس عشر محرم كَمُلَت عمارة الجامع الذي بالمِزَّة الفوقانية الذي جدَّده وأنشأه الأمير بهاء الدين المرجاني (٤)، الذي بنى والدُه (٥) مسجد الخَيف بمنى، وهو جامع حسن متسع، فيه روح وانشراح تقبل الله من بانيه، وعقدت فيه الجمعة بجمع كثير وجم غفير من أهل المِزَّة، ومن حضر من أهل البلد، وكنتُ أنا الخطيب (٦) ولله الحمد والمنة. ووقع كلام وبحث في اشتراط المحلِّل في المسابقة، وكان سببه أنَّ الشيخ شمس الدين بن قيّم الجوزية (٧) صنَّف فيه مصنَّفًا من قبل ذلك، ونصر فيه ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك، ثم صار يفتي به جماعة من الترك ولا يعزوه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فاعتقد من اعتقد أنَّه قوله وهو مخالف للأئمة الأربعة، فحصل عليه إنكار في ذلك، وطلبه القاضي الشافعي، وحصل كلام في ذلك،

стр. 351

وانفصل الحال على أن أظهر الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية الموافقة للجمهور (١). وفي صبيحة يوم الإثنين السادس والعشرين منه دخل المحمل مع بقية الحجاج وهم بخير وعافية، وأخبروا أن السِّعر كان متحسّنًا وسطًا، وكان الماء كثيرًا. شهر صفر وأوّله الخميس، في يوم الخميس الثامن والعشرين منه توفي صلاح الدين عمر بن محمد بن أبي الحرم، ويعرف أيضًا بالصلاح الأزرق (٢). كان أحد الفضلاء والفقهاء، وكان مدرسًا بالرّواق الدّوايداري، وأعاد بالرّكنية وصُلّي عليه بالجامع مع صلاة الظهر، وحضر القضاة وجماعة من الأعيان، ودفن بباب الصغير. شهر ربيع الأول وأوّله السبت، في يوم الأحد ثانيه درّس القاضي عماد الدين إسماعيل بن العز بالمدرسة الظاهرية الجوانية، بمرسوم شريف، وهذه المرة الثانية، استعادها من ابن أخيه، ولم يحتفل للدّرس؛ لأنه يراه ممّا كان له. وفي يوم الخميس سادسه درّس الشيخ نور الدين ابن الشيخ نجم الدين أبي بكر ابن الشيخ القدوة محمد بن قوّام بالرّواق الدويداري داخل باب الفرج، وحضر عنده القضاة والأعيان. وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين منه حضر نائب السلطنة والقضاة الأربعة، وخلق من الأمراء إلى المقصورة من الجامع قبيل الظهر، فصلّوا الظهر في أول وقتها بعد الأذان مباشرة، وقرئ كتاب السلطان على السُّدَّة، قرأه كاتب السرّ، ونائب السلطنة والقضاة والأمراء قيام، يتضمن إعادة ما كان قُطع من المرتّبات على الديوان السلطان والصّدقات. فابتهل الناس بالدعاء له، وكان مرسوم وكان مرسومه به وهو مريض مثقل، فانفصل الحال على ذلك، ورُسم بعمل ختمٍ في المدارس والربط ليُدعى عقبها بعافية السلطان، فعمل ذلك (٣). وفاة الملك الصالح إسماعيل (٤) في يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر من هذه السنة أُظهر موت السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور آخر النهار، وكان قد عهد بالأمر إلى أخيه لأبويه الملك الكامل سيف

стр. 352

الدين أبي الفتوح شعبان، فجلس على سرير المملكة يوم الخميس رابعه (١)، وكان يومًا مشهودًا، ثم قدم الخبر إلى دمشق عشية الخميس ليلة الجمعة الثاني عشر منه، وكان البريد قد انقطع عن الشام نحو عشرين يومًا للشُّغل بمرض السلطان، فقدم الأمير سيف الدين بَيْغَرا (٢) للبَيْعة للملك الكامل، فركب عِلْيةُ الجيش لتلقِّيه، فلما كان صبيحة الجمعة أُخذت البيعة من النائب والمقدَّمين وبقية الأمراء والجند للسلطان الملك الكامل بدار السعادة، ودُقت البشائر وزُيِّن البلد وخطب الخطباء يومئذ للملك الكامل، جعله الله وجهًا مباركًا على المسلمين. وفي صبيحة يوم الإثنين الثاني والعشرين من ربيع الآخر درَّس القاضي جمال الدين حسين بن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي الشافعي بالمدرسة الشّامية البرانية، نزل له أبوه عنها، واستخرج له مرسومًا سُلطانيًا بذلك، فحضر عنده القضاة والأعيان وجماعة من الأمراء والفقهاء وجلس بين أبيه والقاضي الحنفي، وأخذ في الدرس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] الآيات. وتكلم الشَّريف مجد الدين المتكلِّم في الدرس بكلام فيه نَكارة وبَشاعة، فشنَّع عليه الحاضرون فاستُتيبَ (٣) بعد انقضاء الدَّرس وحكم بإسلامه (٤). وقد طلب إلى الديار المصرية نائب دمشق الأمير سيف الدين طَقَزْدَمُر وهو متمرّض، انقطع عن الجمعة بسبب المرض مرات. والبريد يذهب إلى حلب لمجيء نائبها الأمير سيف الدين يَلبُغَا لنيابة دمشق، وذكر أن الحاج أَرُقطاي (٥) تعين لنيابة حلب. وفي يوم الجمعة رابعه خرجت أثقال الأمير سيف الدين طُقُزْدَمُر النائب وخيوله وهجنه ومواليه وحواصله وطبلخاناته وأولاده في تجمُّل عظيم، وأُبَهة هائلة جدًّا، وخرجت المحافل والكحارات والمحفات لنسائه وبناته وأهله في هيبة عجيبة، هذا كله وهو بدار السعادة، فلمَّا كان من وقت السحر في يوم السبت خامسه خرج الأمير سيف الدين طُقُزْدَمُر بنفسه إلى الكُسْوة في محفة لمرضه مصحوبًا بالسلامة، فلما طلعت الشمس من يومئذ قدم من حلب أستاذ دار الأمير سيف الدين يَلْبُغا اليَحْيَاوي (٦) فتسلّم دار السعادة، وفرح الناس بهم، وذهب الناس للتهنئة والتودُّد إليهم.

стр. 353

ولما كان يوم السبت الثاني عشر من جمادى الأولى خرج الجيش بكماله لتلقي نائب السلطنة الأمير سيف الدين يَلْبُغَا فدخل في تجمُّلٍ عظيم، ثم جاء فنزل عند باب السر، وقبَّل العتبة على العادة ثم مشى إلى دار السعادة. وفي عشية يوم الإثنين رابع عشره قطع نائب السلطنة ممَّن وجب قطعه في الحبس ثلاثةَ عشرَ رَجُلًا وأضاف إلى قطع اليد قطع الرجل من كل منهم، لما بلغه أنه تكرر من جناياتهم، وصَلَبَ ثلاثةً بالمسامير ممَّن وجب قتلُه، ففرح الناس بذلك لقمعه المفسدين وأهل الشرور، والعيث والفساد. وفي آخر هذا اليوم أذانَ المغرب توفّي الشيخ عز الدين بن مُنَجيّ (١). محتسب البلد، وكان قد ولّي نظر الجامع من قبل ذلك لمدّة طويلة، وصُلّي عليه بجامع دمشق ظهر يوم الثلاثاء الخامس عشر من الشهر، وحضر جنازته خلقٌ كثير، وجمٌّ غفير. ودفن بسفح قاسيون، وكان مولده سنة ثمان وثمانين وستمئة، وحضر على زينب بنت الكمال، وسمع من جماعة من المشايخ، وهو من بيت الرئاسة والديانة والعلم والحشمة، وخلّف أولادًا كثيرين ووظائف متعدّدة. وفي يوم الجمعة ثامن عشّره جاء نائب السلّطنة إلى الجامع الأموي، فصلّى بالشباك الكمالي، فلمّا كان بعد الصلاة دار في الجامع، ونظر فيه، ومعه القضاة والخطيب وناظر الجامع عماد الدين الشيرازي فأعجبته عمارته وما فيه من الرخام، وقد اجتهد ناظر الجامع في تنظيفه يومئذٍ. وفي يوم الأحد العشرين منه درّس القاضي عز الدين حمزة ابن القاضي قطب الدين ابن شيخ السّلامية الحنبلي بالمدرسة الحنبلية داخل باب الفراديس عوضًا عن عز الدين بن مُنَجَى ﵀ وحضر عنده القضاة والأعيان، وأخذ في حديث عائشة: "فمن أوّل البعث .. " (٢) وأجاد في أداء الدّرس. وفي هذا اليوم درس القاضي علاء الدين بن العز الحنفي نائب الحكم بالمدرسة الظاهرية عوضًا عن عمه القاضي عماد الدين بمرسوم شريف، وتوليه الناظر الخاص من مصر. وفي يوم الأربعاء الثالث والعشرين منه خلع على القاضي عماد الدين بن الشيرازي بطرحة بسبب ولايته حسبة البلد، مضافًا إلى ما بيده من نظر الجامع، وذهب الناس إلى تهنئته

стр. 354

وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين منه صلّى نائب السلطنة بالشبّاك الكمالي على العادة ومعه القاضي، ولما انقضت الصلاة مشى في صحن الجامع، وذهب إلى الخانقاه السميساطية لزيارة الفقراء، فأضافه القاضي المالكي، وهو شيخ الشيوخ هناك ومن معه من القضاة، ثم ذهب إلى دار الحديث الأشرفية فزار الأثر الشريف، وسقاه قاضي القضاة السبكي الشافعيّ شيخ دار الحديث مشروبًا، ثم رجع إلى دار السّعادة ماشيًا. وفي صبيحة يوم الأحد السابع والعشرين منه ذكَرَ الدّرس بالجوزية الشيخ الإمام العالم العلّامة شرف الدين بن الشرف الحنبلي عوضًا عن الشيخ عز الدين بن المُنجّى، وحضر عنده القضاة وجماعة من الأعيان والفضلاء، وأخذ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. وفي يوم الإثنين الثامن والعشرين منه كسفت الشمس بعد الظهر، وصلى الناس بالجامع. وخطب الخطيب قُبيل العصر. شهر جمادى الآخرة أوّله الخميس. في أوّله قدم الأمير أحمد بن مهنا ملك العرب من مصر وقد فوّض إليه السلطان إمرة العرب، وعزل ابن عمه سيف بن فضل. ورسم له السلطان بعودِ إقطاعات إخوته، والإفراج عن أملاكهم. وكان هذا المذكور قد اعتقله السلطان الملك الصالح بقلعة دمشق، ثم نُقل إلى قلعة صفد، فلما وُلّي الملك الكامل أفرج عنه، وخلع عليه، وأحسن إليه (١). واشتهر في العشر الأوسط من جمادى الآخرة وفاة الأمير سيف الدين طُقُزْدَمُرَ (٢) بعد وصوله إلى الديار المصرية بأيام، وكان ذلك ليلة الخميس مستهل هذا الشهر، وذكر أنّه رُسم على ولده وأستاذ داره، وطلب منهم مالٌ جزيل، فالله أعلم. وفي يوم الإثنين ثاني عشره توفي القاضي علاءُ الدّين (٣) بن العز الحنفي، نائب الحكم، ببستانه بالصالحية ودُفن بها، وذلك بعد عود المدرسة الظاهريّة إليه، وأَخْذه إياها من عمه القاضي عماد الدين إسماعيل، كما قدمنا، ولم يدرِّس فيها إلا يومًا واحدًا، وهو متمرِّض، ثم عاد إلى الصَّالحية فتمادى به مرضُه إلى أن مات ﵀.

стр. 355

وفي يوم الإثنين تاسع عشره لبس القاضي جمال الدين حسين ابن قاضي القضاة السُّبكي خلعة سلطانية بالمدرسة الشاميّة البرانية. وحضر بها عصريّة هذا اليوم بالمدرسة المذكورة. وفي هذا اليوم ضربَ نائبُ السّلطنة النّجم ابن الزيبق وولدُه شجاع الدين، وعزله عن ولاية البرّ. وكتب عليه محضرًا بأنّ له خانًا وجد فيه الخمر تباع على جاهه. فالله أعلم. وولّى ناصر الدين بن المرواني ولاية البرّ مكان المذكور. وفي يوم الثلاثاء العشرين منه قدم بجنازة سيف الدين طُقَتْمِر الخليلي (١) إلى المدرسة والمئذنة ظاهر باب الفرج من مدينة حمص إلى دمشق، فدفن بتربته بالقبيبات. كان رجلًا جيدًا ﵀. وفي يوم الخميس الثاني والعشرين منه توفي الشيخ نجم الدين أبو بكر بن الصالح العابد الناسك محمد بن قوّام (٢)، وصلّي عليه في هذا اليوم، وحضر جنازته نائب السلطنة والقضاة والأعيان، وكانت الصلاة عليه بجامع الأفرم من سفح قاسيون، ودُفِنَ إلى جانب والده بالزّاوية المعروفة بهم. بهم وكان ﵀ رجلًا حسنًا، جميل المعشر، فيه أخلاقٌ وآدابٌ حسنةُ، وعنده فقه ومذاكرة، وفيه محبة للعلم. درّس بالرباط الناصري كما تقدّم. ثم استقرّ المكان المذكور لولده الشيخ نور الدين. شهر رجب الفرد، أوّله السبتُ، في أوّله خلع على القاضي تقي الدين بن مراجل لنظر ديوان استؤنف، وهو المُرتجع من أخبار العرب نيّف وستّون بلدًا، وجعل له على نظره في كل شهر ألف درهم، وعشر غرائر حنطة، وجعل معه مشدًّا خاصًّا، وهو حسام الدين البرجمي، وجعل له من المعلوم نظيره. وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين منه عُملت الختم والمواعيد بالجامع الأموي بسبب ليلة المعراج على ما يقال، على ما جرت به العادة. وفي هذه الليلة توفي القاضي بدر الدين ابن القاضي محيي الدين بن فضل الله (٣) كاتب السرّ بداره التي أنشأها، وأنشأ إلى جانبها حمامًا ظريفًا بحارة قناة صالح من المطرّزين وصُلّي عليه صبيحة يوم الأربعاء بالجامع الأموي، ثم صلّي عليه ظاهر باب النّصر، وحضر نائب السلطنة هناك. ونُقل إلى سفح قاسيون فدفن بتربةٍ له.
следующие страницы →