← Общие книги

Общие книги · id 30119

البدعة وأثرها

سليم الهلالي

Полный текст (51 стр.). Показаны 36–51 · переход к 41.

стр. 36

(جـ) إن حاصل ما فعله الصحابة وسائل لحفظ أمر ضروري، أو دفع ضرر اختلاف المسلمين في القرآن، والأمر الأول من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» والأمر الثاني من باب: «درء المفاسد، وسد الذرائع» وهي قواعد أصولية مستنبطة من الكتاب والسنة. (حـ) إن هذه الوسائل غير مقصودة في ذاتها لكنها تؤدي إلى ما هو مشروع نصا. (خـ) إن ما فعله الصحابة بجمع القرآن، ونسخه، والاقتصار على مصحف عثمان، وحرب المرتدين، وإخراج أهل الكتاب من جزيرة العرب، واستخلاف أبي بكر لعمر ﵄، وترك الأمور شورى من بعده، وتعريب الدواوين تهم الأمة الإسلامية بأسرها. إذا تقررت هذه الأمور علم أن البدع مضادة لما فعله الصحابة لأن البدع لا تلاءم مقاصد الشريعة بل تلاءم مصالح مبتدعيها. وأيضا فإن ما فعله الصحابة معقول المعنى بينما البدع فمجالها التعبديات وإن حدثت في العاديات ففي الجانب التعبدي منها، والتعبديات لا يعقل معناها على وجه التفصيل لذلك لم يكل الشارع الحكيم بيانها إلى الآراء والأهواء فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده، والزيادة عليه بدعة كما أن النقصان منه بدعة. والبدع ليست من باب الوسائل بل مقصودة التعبد بها، وهذا الذي يؤدي إلى زيادة في الشرع ونقصان، وفي ذلك تشديد وتعسير وهذا مضاد لمقاصد الشريعة برفع الحرج واليسر.

стр. 37

وكذلك الأمور المبتدعة لا تهم الأمة بأسرها بل تهم أهواء قوم رأوا فيها تحقيق مصالحهم وشهواتهم، ومن استقرأ واقع المبتدعة على مر العصور علم ذلك واستيقن. وأمر البدع في قول مختلف على مر العصور وكر الدهور كما قدمنا في موضوع العرف حيث يستحسنها قوم ويردها آخرون، وهذا خلاف ما وقع للصحابة فإنه عن إجماع واتفاق. وبذلك تعلم أيها المتبع أن تعلق المبتدعة بما فعله الصحابة لا يقيم لهم حجة، ولا يسند لهم قولا، وإنما يزيدهم وهنا على وهن. ٨ - تقسيم البدع الى الأحكام الخمسة. أجرى بعض العلماء أحكام الشريعة الخمسة على البدع ولم يعدوها قسما واحدا مذموما، فجعلوا منها الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، وقد ذهب الى هذا التقسيم القرافي في «الفروق» وأصل مقالته مأخوذة عن شيخه عز الدين بن عبد السلام القائل: «البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله ﷺ وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة … » (٦٢). وهذا تقسيم لا يحسن لأمور: (أ) أنه أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل يريد أن ينقض على نفسه، لأن أصل البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، فإذا كان هنالك ما

стр. 38

يدل على وجوب أو ندب أو إباحة أو تحريم أو كراهية لما كان ثم بدعة، ولكان الأمر مشروعا حسب دليله. (ب) الجمع بين الأمور القائمة على أدلة صحيحة والبدع جمع بين متناقضين. (ت) قول الرسول ﷺ : «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» دليل على أن كل البدع محرمة تؤدي إلى الضلال والضلال في النار. (ث) الإثم قدر مشترك بين البدع كلها، فلا يجوز أن نحكم على بدعة بأنها أقل إثما من غيرها، والتفريق في الوصف قائم على الرأي المحض وهو بدعة في نفسه، ويعمل على استصغار البدع ولقد تعلمت سابقا أن صغار البدع يعود حتى يصير كبارا. (جـ) قسم الواجب في قول ابن عبد السلام يدخل في باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وقد صرح هو بذلك، ولقد علمت أن هذا الباب يؤدي إلى حفظ ما هو ضروري شرعا، وأنه والبدع لا يستويان. وأما قسم المندوب فليس من البدع بحال، فبناء القناطر والربط والمدارس وسائل لدفع ضرر أو جلب منفعة عامة للأمة، فالربط تدفع كيد الأعداء وترهبهم، والقناطر تسهل حركة الناس وتنقلاتهم وتحفظ أرواحهم، والمدارس تحقق فريضة طلب العلم، أما صلاة التراويح فسنة فعلها رسول الله ﷺ ، وقد تقدم بيانه في توضيح معنى قول عمر: «نعمت البدعة هذه»، وعلى هذا المنوال يمكن تخريج كل الأمثلة التي أتى بها، وقد أجاد الشاطبي في كتابه «الاعتصام» (١٨٨/ ١ - ٢٢٠) عندما ناقش هذا التقسيم وبين فساده فليراجع فإنه مهم.

стр. 39

٩ - زعم محسنو البدع أن الإمام الشافعي ﵀ يقول بتحسين البدع، وإنما اغتروا بما روي عنه ﵀ بشأن البدع: «المحدثات من الأمور ضربان: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة ضلالة، وما أحدث من الخير لا خلاف لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر في قيام رمضان: نعمت البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى» (٦٣) وله شاهد آخر بلفظ: «البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر ﵁ في قيام رمضان: نعمت البدعة» (٦٤). (أ) وقول الشافعي إن صح لا يصح أن يكون معارضا أو مخصصا لعموم حديث رسول الله ﷺ ، فالشافعي نفسه ﵀ نقل عنه أصحابه أن قول الصحابي إذا انفرد ليس حجة ولا يجب على من بعده تقليده (٦٥)، فكيف يكون قول الشافعي حجة وقول الصحابي ليس بحجة؟! (ب) الشافعي ﵀ كيف يقول بالبدعة الحسنة وهو صاحب العبارة المشهورة: «من استحسن فقد شرع»، والقائل في «الرسالة».

стр. 40

ص ٥٠٧: «إنما الاستحسان تلذذ» وعقد فصلا في كتابه «الأم» (٧/ ٢٩٣ - ٣٠٤) بعنوان «إبطال الاستحسان» لذلك من أراد أن يفسر كلام الشافعي ﵀ فليفعل ضمن قواعد وأصول الشافعي وهذا يقتضي أن يفهم أصوله، وهذا الأمر مشهود في كل العلوم فمن جهل اصطلاحات أربابها جهل معنى أقاويلهم، وأبعد النجعة في تفسيرها، وهاك مثالا ليتبين قولنا. (١) «متفق عليه» عند أهل الحديث يعني ما اتفق عليه البخاري ومسلم فأخرجاه، لكنها عند أبي البركات عبد السلام بن تيمية صاحب «منتقى الأخبار» يعني ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم واتفقوا عليه. (٢) «الشيخان» عند أصحاب التاريخ يعني أبا بكر وعمر ﵄، وعند المحدثين يعني البخاري ومسلم، وعند الشافعية يعني الرافعي والنووي. (ت) إن محسني البدع يحرفون الكلام عن مقاصده، ويلوون أعناق الألفاظ حتى توافق أهواءهم، فالشافعي مراده يوضحه علم من أعلام المسلمين وهو ابن رجب الحنبلي في كتابه القيم «جامع العلوم والحكم» ص ٢٥٣: «ومراد الشافعي ﵁ ما ذكرنا من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس له أصل في الشريعة ترجع إليه وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة، يعني: ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعا لموافقتها السنة» اهـ.

стр. 41

قلت: وهذا واضح في احتجاج الشافعي ﵀ بقول الصحابي عمر ابن الخطاب كما في رواية حرملة بن يحيى، وعلى هذا الأصل يفسر كلام الشافعي وأنه أراد ما أراده عمر بن الخطاب أي البدعة اللغوية لا الشرعية فإنها كلها ضلالة لأنها تخالف الكتاب والسنة والإجماع والأثر وهل الشرع إلا هذا؟! * * *

стр. 42

وجوب معرفة البدع ١ - من قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» يتبين أن الأمر المحدث في الدين يجب أن يعرف لاجتنابه على حد قول الشاعر الحكيم: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه … ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه وهذا أمر أساسه في السنة جلي لحديث حذيفة بن اليمان ﵁: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأل عن الشر مخافة أن يدركني». ٢ - لا يكتفى بالتعبد الاقتصار على معرفة السنة فقط، بل لا بد من معرفة ما يناقضها من البدع كما لا يكفي في الإيمان التوحيد، دون معرفة الشرك، وإلى هذه الحقيقة العظيمة أشار العلي العظيم في قوله: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾ (٦٦) وهذا الأمر أصل بعث الرسل لتحقيقه قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ (٦٧). وهو أمر حققه المؤمنون في حياتهم قال ﷻ : ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد﴾ (٦٨). وأكده رسول الله ﷺ بقوله:

стр. 43

«من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه وحسابه على الله» (٦٩). فلم يكتف الله ورسوله بالتوحيد بل ضم إليه الكفر بما سواه، وذلك يستلزم معرفة الشرك والكفر، وإلا وقع فيه من حيث لا يشعر قال تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾، وكذلك القول في السنة والبدعة ولا فرق وهو واضح في وصية رسول الله ﷺ لأصحابه التي نقلها لنا العرباض بن سارية ﵁: « … فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (٧٠)، حيث أمرهم بالتزام السنة، واجتناب البدع. وهذا أمر مشهود في الواقع فإنه لا تتم معرفة الشيء إلا بنقيضه، قال ابن قتيبة الدينوري ﵀: « … ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده ليعرف كل واحد منهما بصاحبه، فالنور يعرف بالظلمة، والعلم يعرف بالجهل، والخير يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضر، والحلو يعرف بالمر لقول الله ﵎: ﴿سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون﴾ والأزواج الأضداد والأصناف كالذكر والأنثى واليابس والرطب وقال تعالى: ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾» (٧١). وهو واضح في الشهادتين «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» فالشهادة الأولى سلب وايجاب، ونفي وإثبات، سلب الألوهية ونفيها عن غير الله لأنه لا

стр. 44

يستحقها، وإثباتها الله فهو وحده الإله الحق، والشهادة الثانية سلب الاتباع لغير رسول الله ﷺ ، وإثباته للنبي ﷺ . إذن فالشهادة الأولى تعني: «لا معبود بحق إلا الله»، والشهادة الثانية تعني: «لا متبوع بحق إلا رسول الله ﷺ ». ٣ - ولهذا يجب على الدعاة أن يحذروا المسلمين من البدع والشرك، ويأمروهم بالتوحيد والسنة، وعلى هذا الأصل قامت الدعوة إلى الله ﵎ كما قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ (٧٢)، فالدعوة إلى التوحيد والسنة أمر بالمعروف، والتحذير من الشرك والبدع نهي عن المنكر، وبهذه السبيل استحقت الأمة المحمدية المرحومة أن تكون خير أمة أخرجت للناس، وأن تكون أفضل الأمم قال الله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ (٧٣). ومن المؤسف حقا أن يخفى هذا الأمر عن أكثر الجماعات الإسلامية المعاصرة، (٧٤) وهذا أساسه قلة العلم بأسباب الابتداع وهي كثيرة قد يقع فيها العالم والجهل بسوء الخاتمة التي تنتظر المبتدع. * * *

стр. 45

أسباب الابتداع ١ - الجهل بالسنة المطهرة وعلم مصطلح الحديث، بحيث لا يميزون بين الصحيح والضعيف والسليم والسقيم، فتكثر الأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل بدعة وحدة الوجود تتوكأ على الحديث الموضوع: «ما وسعتني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن»، وبدعة النور المحمدي تقف على الحديث المخترع الموضوع المصنوع: «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر»، وبدعة خلق المخلوقات من أجل محمد ﷺ تعتمد على حديث الكذب: «لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك» وخفي على واضعه الجاهل أن محمدا ﷺ لولا الخلق ما بعث قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (٧٥). ٢ - اتخاذ الناس رؤوسا جهالا يقومون بالفتوى والتعليم ويقولون في دين الله بغير علم حيث تكثر الاستحسانات التي قوامها ميل الأهواء والآراء، قال ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعا من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (٧٦)، وهذا من أشراط الساعة قال ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر» (٧٧) قال ابن المبارك ﵀: «الأصاغر: أهل البدع» (٧٨)

стр. 46

٣ - عادات وخرافات لا يدل عليها شرع ولا يقرها عقل، مثل المآتم وبدعة الزار قال الشاعر: ثلاثة تشقى بهن الدار … العرس والمأتم ثم الزار ٤ - التقليد واعتقاد العصمة في الأئمة المجتهدين، أو إعطاء الشيوخ قداسة تقارب منازل الأنبياء (٧٩). ٥ - اتباع المتشابه من الآيات والأحاديث قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ (٨٠). * * *

стр. 47

خطورة البدع وحسبك دليلا على خطورة البدع نهاية السوء التي يؤول إليها المبتدع دنيا وآخرة. ١ - عمله مردود، قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٨١) وخاصة اولئك الذين يحسنون البدع قال تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ (٨٢). ٢ - التوبة عنه محجوبة ما دام مصرا على معصيته، وما برح مقيما على بدعته، لذلك يخشى عليه سوء الخاتمة، قال ﷺ : «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» (٨٣). ٣ - لا يرد الحوض، ولا يحظى بشفاعة النبي ﷺ . قال ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني فأقول: أي رب، أصحابي فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك (٨٤) وفي رواية: «أنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقا لمن بدل بعدي».

стр. 48

ولا حجة في الحديث للرافضة الذين كفروا أصحاب النبي ﷺ إلا عليا وأباذر والمقداد وسلمان وعمار بن ياسر وحذيفة (٨٥). ٤ - عليه إثم من عمل ببدعته إلى يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ (٨٦). وقال ﷺ : « … ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٨٧). وما ذلك إلا لكونه سن سنة سوء وجعلها طريقا مسلوكة، فليتق الله امرؤ ربه، وليعلم أن البدع لا تزداد على طول الزمان إلا مضيا واشتهارا وانتشارا وعلى وزان ذلك يكون إثم المبتدع لها، وأيضا فإن البدع يلزمها إماتة سنن تقابلها، فعلى المبتدع إثم ذلك أيضا، فهو إثم مضاعف زائد على إثم الابتداع، وليعتبر ببدعة الخوارج فإن الرسول ﷺ عرفهم لنا بأنهم: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (٨٨)، وإنما سببه الابتداع وهو الذي دل عليه قوله ﷺ : «يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٨٩).

стр. 49

٥ - صاحب كل بدعة ملعون لقوله ﷺ : «من أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٩٠)». ٦ - صاحب كل بدعة لا يزداد من الله إلا بعدا ويشهد لهذا ما أشار إليه حديث الخوارج الصحيح: « … تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم … يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» فبين اجتهادهم في بدعتهم ثم بين آخرا بعدهم من الله تعالى. ٧ - عدم قبول شهادة المبتدع الداعية. من كان داعية إلى بدعة، فإنه يستحق العقوبة في الدنيا لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدا، وأقل عقوبته، أن يهجر، فلا يكون له مرتبة في الدين، ولا يؤخذ عنه العلم، ولا يستفتى ولا تقبل شهادته، لذلك اتفق العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين أن المبتدع الذي يكفر ببدعته لا تقبل روايته بالاتفاق، وأما الذي لا يكفر بها فاختلفوا إلا أنهم ردوا رواية من يستحل الكذب في نصرة مذهبه ولأهل مذهبه حكي ذلك عن الشافعي ﵀ حيث قال: «أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية» (٩١)» لكونهم يستحلون

стр. 50

شهادة الزور لنصرة موافقيهم (٩٢)، ومن العلماء من قال تقبل إن لم يكن داعية وترد إن كان داعية قال النووي ﵀: «وهو القول الأمثل والأعدل الصحيح ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية، لكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن يرى في الباطن رأي القدرية والمرجئة والشيعة والخوارج» (٩٣). * * *

стр. 51

وجوب مفارقة أهل البدع وهجرهم اعلم يا مسلم يا عبد الله أنه يجب عليك بعد ما أن تبينت أمر البدعة وأنها أظلم من المعاصي، وبريد الكفر أن تفارق مبتدعيها منكرا عليهم، وتهجرهم ولا تكونن منهم لقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ (٩٤)، وقوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾ (٩٥). قال الشاطبي ﵀: «وأيضا فإن فرقة النجاة وهم أهل السنة- مأمورون بعداوة أهل البدع والتشريد بهم والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم بالقتل فما دونه، وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم (٩٦)، وذلك مظنة إلقاء العدواة والبغضاء، لكن الدرك فيها على من نسب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين لا على التعادي مطلقا، كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة؟» (٩٧).